Полный текст (198 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
بالحجاز بها على القوم، فقالوا: قد تقاسمنا أكثرها، ولا بينة لنا إلا أنا نستحلف سيده على ما قبض غلامه، ونحن نواضعه هذه الحقوق حتى يحلف سيده.
فقال ابن الماجشون: ليس على الوكيل أن يواضعهم الحقوق على يدي أحد، وله أن يأخذ منهم الحقوق التي لم يكتبوا منها براءة، فإذا اجتمعوا هم والسيد خلف ما علم أن غلامه اقتضى شيئًا مما ادعوا.
وسئل ابن الماجشون عن مملوك قال لسيده: أنا حر، إنك كنت اشتريتني من ورثة سيدي الذي كان قبلك، وقد وجدت كتابًا عند رجل كان داينه؛ أن سيدي الأول حلف له بحريتي ليقضينه حقه لأجل قد سماه في الكتاب، ولم يقضه له، وعليه في الكتاب بينة عدل، فدعني أخرج إلى المدينة حتى ألقى الرجل فأجيء ببينتي، فإذا أعتقت رجعت بثمني الذي ابتعتني به على الذي باعني منك، فأبى عليه مولاه الإذن له.
قال ابن الماجشون: ليس ذلك على سيده حتى يأتي بشاهد أو لطخ أو شيء معروف يعرف به ما قال.
وسئل ابن الماجشون عن يهوديين تداعيا في شيء، فأشهدا شهودًا من المسلمين أنهما قد رضيا بشهادة رجال من اليهود سمياهم، فحكم بينهم بشهادة أولئك حكم اليهود، ثم انتقض أحد [ .... ] أيرضى بذلك هل ذلك له؟
قال: نعم ذلك له، ولا تجوز شهادة يهودي على يهودي ولا على مسلم ولا على أحد، وذلك كله رضيا به أو لم يرضيا به باطل مفسوخ
стр. 37
الدَّعوى بالقضاء
ابن حبيب: وسمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان: إذا قضي للرجل على الرجل بالربع أو الدار أو غير ذلك من الأشياء، فلم يخرجه المقضي له من يد المقضي عليه حتى تطاول شأنه وتقادم زمانه وحازه عليه بعد أن قضي له به فلا نرى القضية هاهنا إلا بمنزلة ذكر حق مكتوب للرجل على الرجل يتقاضاه منه إذا أحب.
قلت لهما: ولا تريانه هاهنا ينتفع بحوزه عليه؟ ويكون بمنزلة ما لو حاز عليه منزله المعروف له باشتراء أو وراثة الزمان الطويل؟
فقالا لي: يكون هذا بمنزلة الذي ذكرت؛ لأن القضاء قد نطق عليه بأن لا حجة له فيه ولا حق، فكأنه بمنزلة رجل أعار رجلًا حقًا، فكتب عليه بعاريته كتابًا، فتقادم بذلك في يديه الزمان الطويل، فلا ينتفع بحيازته تلك؛ لأنه أمر قد عرف مدخله فيه بما حاز، وإنما ينتفع بالحيازة صاحبها إذا لم يعرف مدخله فيه، فيدعيه ملكًا لنفسه، فيكون أولى به لما تقادم من الزمان فيه، وتطاول من الشأن، ودرس من العلم به، وباد من الشهود عليه.
وأما ما شهد على أصل دخوله فيه أنه على غير حق، فهو على مثله أبدا حتى يأتي بأمر يتحققه به من شراء أو صدقة أو هبة، وما أشبه ذلك، إلا أن يطول زمان ذلك جدًا كالخمسين سنة ونحوها، والزمان الذي لا تخفى الحقوق معه، أو يكون المقضي عليه قد أحدث فيه أو في بعضه بنيانًا أو غراسًا أو بيعًا أو صدقة أو إصداقًا، والمقضي له قائم لا يغير ولا يدعي
стр. 38
شيئًا، ثم قام بعد ذلك فلا أرى له حقًا فيما أحدثت فيه هذه الأشياء، ونرى حقه ثابتًا فيما سوى ذلك.
قلت لهما: فإن مات المقضي عليه وأورث ذلك ورثته ثم قام المقضي له؟
فقال لي مطرف: إذا مات المقضي عليه [ … ] عن شيء، لأنهم ليسوا الذي قضي عليه، إلا أن يكون المقضي له غائبًا حتى مات المقضي عليه.
وقال لي ابن الماجشون: هو والميت في ذلك سواء، والمقضي له أولى، حاضرًا كان أو غائبًا، إلا أن يطول زمانه في أيدي الورثة، والمقضي له حاضر، فلما قام عليهم ادعوه ملكًا لهم بوجه حق غير الوراثة، ويحتجون بحيازتهم إياه عليه بمحضره، ولا يقرون أن ذلك صار إليهم بوراثة من المقضي عليه، فيكونون أحق به بالحيازة؛ لأنهم غير الذي قضى عليه، إلا أن يقروا أنهم إنما صار إليهم عن المقضي عليه، أو تقوم عليه بذلك بينة، فيكونون على أصل القضاء أبدأ ما لم يحدث ورثة المقضي عليه في ذلك اقتسامًا بمحضر المقضي له، أو بيعًا أو صدقة أو إصداقًا، ثم قام بعد ذلك، فلا نرى له حقا فيما أحدثت فيه هذه الأشياء، ونرى حقه ثابتًا فيما سوى ذلك من الشيء المقضي به.
قال: وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثل ذلك كله، ومثل قول ابن الماجشون في آخره، وبه أقول.
قال عبد الملك: اختلف مالك وعبدالعزيز بن أبي سلمة في الرجلين يدعيان الدار أو الثوب أو الشيء؛ يدعي أحدهما كله ويدعي الآخر نصفه.
стр. 39
قال مالك: يقسم بينهما على قدر دعواهما فيه يكون لمدعي الجميع ثلثاه، ولمدعي النصف ثلث.
وقال ابن أبي سلمة: بل يكون لمدعي الجميع ثلاثة أرباعه، ومدعي النصف ربعه.
واحتج ابن أبي سلمة بأن مدعي النصف لم يدع في النصف الواحد فأسلم ذلك النصف إلى مدعي الجميع، ثم صار النصف الباقي فيه دعواهما جميعًا هذا يدعيه لنفسه وهذا يدعيه لنفسه، فقسمه بينهما.
قال: وحجة مالك في قوله لأن دعواهما جميعًا إنما هي مشاعة في الثوب كله، أو في الدار كلها، ليس في نصف منها بعينه دون النصف الآخر، ولو كان ذلك كذلك لكان كما قاله عن ابن أبي سلمة، ولكن مدعي النصف إنما ادعى نصف ذلك الشيء كله نصفًا مشاعًا ليس نصفًا بعينه، فنظر في قسمة ذلك بينهما إلى أدنى ما يقوم منه النصف فكان ذلك من اثنين، فضرب صاحب الجميع بسهمين، وضرب فيه صاحب النصف بسهم، فكان ذلك بينهما على الثلث والثلثين.
وكذلك لو كانت دعواهما على أدنى من هذا أو أكثر، أو قال أحدهما: لي ثلثه، وقال الآخر: لي جميعه. نظر إلى أدنى ما يقوم منه الثلث ـ وذلك ثلاثة ـ فضرب فيه مدعي الجميع بثلاثة، وضرب فيه مدعي الثلث بواحد، فكان بينهما أرباعًا.
وحمل ذلك محمل اقتسام الغرماء مال الغريم المفلس إذا خلع لهم، فإنه يضرب فيه كل واحد منهم بقدر الذي له عليه، وكذلك ضرب كل واحد من هؤلاء في هذا الشيء الذي ادعاه كل فيه.
وكذلك اختلف مالك وابن أبي سلمة في الرجل يبضع مع الرجل بدينار، ويبضع معه آخر بدينارين، فخلطاهما فيضيع منهما دينار؛ فقال مالك: يقتسمان الدينارين الباقيين على الثلث والثلثين، ومصيبة الدينار التالف بينهما على الثلث والثلثين.
стр. 40
وقال عبدالعزيز بن أبي سلمة: بل مصيبة التالف بينهما نصفين، ويقتسمان أحد الدينارين الباقيين نصفين، ويكون الدينار الواحد خالصًا لصاحب الدينارين.
وكذلك لو كان للواحد مائة دينار وللآخر دينار، فخلطاها، ثم ضاع منها دينار، كانت التسعة والتسعون خالصة لصاحب المائة، واقتسموا الدينار الواحد بينهما على نصفين، وكذلك مصيبة التالف بينهما نصفين، وقال مالك: بل يكونان شريكين في المائة الباقية على مائة جزء وجزء، لهذا مائة ولهذا جزء.
قال عبد الملك: وبلغني أن العراقيين اختلفوا في ذلك كاختلاف مالك وابن أبي سلمة.
وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن مثل قول مالك، واختلف أصحاب مالك فيه كاختلافهم؛ فقال ابن الماجشون وابن القاسم مثل قول ابن أبي سلمة، وقال مطرف وابن كنانة [ … ] وابن وهب وأشهب وأصبغ مثل قول مالك، وبه نقول.
* * *
الحكم في اختلاف الآمر والمأمور بالدفع
ابن حبيب: سألت مطرف بن عبد الله عن الرجل يرسل مع الرجل المال إلى الرجل فيختلف الأمر والمأمور؛ يقول المأمور: أمرتني بدفعه إلى فلان، وقد فعلت، ويقول الآمر: ما أمرتك بدفعه إلا إلى فلان، لغير الذي دفعه إليه المأمور، ولا بينة بينهما.
فقال لي: سمعت مالكًا يقول: القول قول الآمر، ويضمن المأمور المال، ولا يرجع به على الذي دفعه إليه؛ لأنه قد أقر له أن المال ماله،
стр. 41
وأنه إليه أمر بدفعه وأن هذا كاذب في قوله، وظالم فيما رجع به عليه.
قال لي مطرف: قال مالك: وسواء أقر بأنه أمره أن يدفعها إلى أحد أو لم يقر له بالدفع إلى أحد، القول قوله مع يمينه، والمأمور ضامن.
قلت لمطرف: فلو اجتمعا على الدفع إلى رجل واحد إلا أنهما اختلفا في ذلك؛ قال المأمور: أمرتني بدفع المال إليه عطية منك له وقد فعلت، وقال الآخر: ما أمرتك إلا بتبليغه له قضاء على غير عطية؟
فقال لي: هو مثل الأول سواء؛ القول قول الأمر مع يمينه، والمأمور ضامن، ولا يرجع بالمال على من دفعه إليه لإقراره أنه إنما دفع إليه حقه. قلت: ولا يكون المأمور هاهنا بمقام شاهد؟
قال: لا؛ لأنه غارم، إلا أن يكون لم يدفع المال بعد، فيكون بمقام شاهد يحلف صاحبه الذي يشهد له مع شهادته ويأخذ المال، وإن كان المشهود له غائبًا فلا شهادة لهذا المأمور لأن في شهادته ما يجرحها، وذلك أنه يشهد لنفسه بولاية المال إلى قدومه.
قلت لمطرف: فإن كان المأمور بعد دفعه المال إلى من ذكر معدمًا ـ وقد كذبه الأمر - فجعلت المأمور ضامنًا فلم يجد الأمر عنده ما يأخذ؛ أيأخذ المال من المدفوع إليه لأنه ماله؟
قال: نعم، ذلك له إذا كان المأمور معدمًا به، ثم لا يكون للذي أخذ المال منه أن يرجع به على المأمور الذي دفعه إليه.
قال: وسألت عن ذلك ابن الماجشون، فقال لي مثل قول مطرف، إلا أنه رأى للمأمور أن يرجع بالمال إذا غرمه على من كان دفعه إليه، واحتج بأنه يقول: لم أهب لك شيئًا من عندي، وإنما بلغتك رسالة غيري فإن رجع عن ذلك وكذبني فاردد إلي ما أتيتك به، قال: فأرى ذلك له.
قال: وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثل قول مطرف، قال لي: وقد كان ابن القاسم يقول: إذا قال الأمر: أمرتك بدفع المال إلى فلان، وقال المأمور: بل إلى فلان؛ فالقول قول المأمور، لأن الأمر قد أقر له
стр. 42
بالدفع إلى أحد.
وإذا قال الأمر: ما أمرتك بدفعه إلى أحد، وقال: أمرتك أن تبلغه إليه فقط، وقال المأمور: بل أمرتني بأن أدفعه إليه صدقة عنك، فهناك يكون القول قول الآمر.
قال لي أصبغ: ولست أقول به، وهو سواء عندي، القول قول الأمر في الوجهين جميعًا.
قال: وقول مطرف لي: ألا يكون للمأمور إذ غرم المال أن يرجع به على الذي دفعه إليه أحب إلي، وبه أقول، وبه قال لي أصبغ أيضًا.
قال: وسألت مطرفًا عن الرجل يبضع معه في اشتراء رأس، فيشتري جارية، ويقول: بذلك أمرتني. ويقول الآمر: ما أمرتك إلا بغلام، القول قول من؟
قال: سمعت مالكًا يقول: القول قول المأمور مع يمينه؛ لأن الأمر قد أقر له بالشراء، ولو كان قال: ما أمرتك أن تشتري لي شيئًا كان القول قوله مع يمينه، وكان المأمور ضامنًا للمال، قال مالك: وكذلك لو اشترى له قمحًا وقال: بذلك أمرتني، وقال الأمر: ما أمرتك إلا بشعير، كان القول قوله.
قال: وسألت عن ذلك ابن الماجشون فقال لي مثله، وسألت عن ذلك أصبغ فقال: القول عندي قول الأمر في ذلك كله.
ابن حبيب: وليس يعجبني قوله، وقولنا فيه على قول مطرف وابن الماجشون، وقد رواه مطرف عن مالك، وبه كان ابن القاسم يقول أيضًا.
ابن حبيب: وسألت مطرفًا عن المأمور بشراء سلعة للآمر، يقول: اشتريتها بمائة وبذلك أمرتني، ويقول الآمر: ما أمرتك أن تشتري لي إلا بثمانين؛ القول قول من؟
стр. 43
قال: سمعت مالكًا يقول: القول قول الأمر مع يمينه.
قلت لمطرف: فلو كان مأمورًا ببيع سلعة الآمر، فقال: بعتها بثمانين وبذلك أمرتني، وقال الآمر: ما أمرتك أن تبيع إلا بمائة؟
قال: سمعت مالكًا يقول: القول قول الأمر مع يمينه، إن كانت السلعة قائمة حلف وأخذ سلعته، وإن كانت فائتة فالقول قول المأمور إذا كان ذلك يشبه ثمنها.
قلت: فلو باعها بعرض أو بطعام، وقال: بذلك أمرتني، وقال الآمر: ما أمرتك أن تبيع إلا بعين؟
قال: القول قول الآمر مع يمينه إن كانت السلعة قائمة حلف وأخذه، وإن كانت فائتة حلف وكان مخيرًا في قيمة سلعته، أو أخذ ما باعها به من العرض والطعام.
قلت: فلو باعها بعين، وقال: بذلك أمرتني، وقال الآمر: ما أمرتك إلا بعرض؟
قال: القول قول الآمر، إن كانت السلعة قائمة حلف وأخذها، وإن كانت فائتة فالقول قول المأمور إذا باعها بما يشبه.
قلت: فلو باعها بعرض، وقال: به أمرتني، وقال الآمر: ما أمرتك إلا بعرض خلافًا لذلك العرض؟
قال: إن كانت قائمة فالقول قول الأمر مع يمينه، يحلف ويأخذ سلعته، وإن كانت فائتة فالقول قول المأمور مع يمينه؛ لأن الأمر قد أقر له بعرض، وهو خلاف للذي لا يقر له بعرض.
قلت: فإن باعها بدين، وقال: بذلك أمرتني، وقال الآمر: ما أمرتك إلا بالنقد، وتصادقا في الثمن أو لم يذكرا ثمنًا إلا اجتهادًا؟
قال: القول قول الآمر قائمة كانت أو فائتة؛ إن كانت قائمة حلف
стр. 44
وأخذها، وإن كانت فائتة حلف وكانت القيمة على المأمور.
قال: فسألت عن ذلك ابن الماجشون، فقال لي مثل قوله في ذلك کله.
قال: وسألت عنه أصبغ، فقال لي مثله أيضًا، ورواه عن ابن القاسم.
قال ابن حبيب: وسألت مطرفًا عن الرجل يرسل البضاعة مع الرجل ليدفعها إلى عياله، فيرسلها المأمور مع غيره ليدفعها إليهم، فضاعت، وقد فعل ذلك لعذر حبسه أو لغير عذر. هل يضمن؟
فقال لي: لا ضمان عليه إذا كان الذي دفعها إليه مأمونًا، وكذلك سمعت مالكًا يقول في رجل أرسلت معه بضاعة إلى بلد فحبسه أمر فأرسل البضاعة إلى صاحبها، فضاعت من الرسول، فقال مالك: إن كان أمينًا فلا ضمان عليه، وإلا ضمن.
وقال لي مطرف: ولو توخى أن يكون أمينًا واجتهد فإذا هو غير أمين فلا ضمان عليه.
قلت لمطرف: فإن قال الآمر: أمرتك قبلًا ألا تدفعها غيرك، ولا تخرجها من يدك إلى سواك، وأنكر ذلك المأمور؟
قال: لا قول للآمر في هذا إلا ببينة على ما ادعى، ولا شيء على المأمور إذا كان رسوله بها أمينا.
وسألت عن ذلك ابن الماجشون، فقال لي مثل قول مطرف.
وسألت عنه أصبغ، فقال لي مثل ذلك أيضًا.
стр. 45
اختلاف المستعير في الدَّواب وغيرها
قال ابن حبيب: وسألت مطرفًا عن الرجل يستعير من الرجل الدابة ثم يردها إليه مع غلامه أو أجيره أو جاره، فتعطب أو تضل، هل يضمن المستعير ويكون متعديًا برده إياها مع غيره؟
فقال لي: لا ضمان عليه، ولا يكون بما فعل متعديًا، وإن لم يعرف ضياعها ولا انفلاتها إلا بقول الرسول ـ كان الرسول مأمونًا أو غير مأمون - لأن أمر الناس في هذا على أنهم إنما يردون ذلك مع الشحيت الدني من الناس؛ مثل العبد وما أشبهه، قد عرف الناس ذلك بعضهم من بعض.
قال لي مطرف: وكذلك إذا استعارها للحمل عليها إلى منزله أو إلى الرحى، فأرسلها مع غيره أو أجيره أو جاره، فلا ضمان على المستعير في انفلاتها، ولا في عطبها، إلا أن يكون ذلك من سبب الرسول وفعله فيضمن، والقول قول الرسول فيما يذكر من انفلاتها أو سرقها، وإن لم يعرف ذلك مأمونًا كان أو غير مأمون.
قال: وكذلك الرجل يبتاع العبد أو الدابة فيذهب بهما على أن ينظر ويستخبر، ثم يرسل بهما إلى البائع مع من يبلغهما إليه، فيدعي الرسول أن العبد أبق، وأن الدابة ضلت أو أفلتت، أنه لا ضمان على المبتاع؛ لأن مثل
стр. 46
هذا - في هذه الأوجه - لا يتهم على أن يغيب، وأكثر ما فيه اليمين على الرسول.
قلت لمطرف: فإن اختلفا في رد العارية؛ فقال المستعير: قد رددتها إليك، أو قال: قد أرسلتها إليك مع رسولي وأوصلها إليك. وأنكر ذلك المعير؟
فقال لي: أما كل ما يغاب عليه من العواري فعلى المستعير البينة على رد ما دفعت إليه أولًا ببينة أو بغير بينة [إن] ادعى أنه هو ردها أو رسوله؛ لأن أصلها على الضمان حتى يعرف الرد [والمخرج].
وما كان من عواري الحيوان التي لا يغاب عليها فلا تضمن، فإن كان المعير أشهد عليه بالعارية حين أعاره فعلى المستعير البينة على ردها، وإلا ضمن، وإن لم يكن أشهد عليه بالعارية فالقول قوله في ردها مع يمينه ادعى أنه هو ردها أو رسوله.
قال عبد الملك: وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثل قول مطرف في ذلك أجمع إلا في وجه واحد؛ إذا ادعى أنه ردها إليه مع رسوله، فإنه قال لي: لا يكون القول قوله.
وإن كانت عارية حيوان، فإن لم يكن المعير أشهد عليه حين أعاره فلا يبرأ إلا ببينة تشهد على دفع الرسول.
قال: وقول مطرف في ذلك أعجب إلي وبه أقول؛ لأن الرسول
стр. 47
قد جعل كالمستعير فيما ادعى من انفلات الدابة أو سرقها، وإن لم يكن مأمونًا فكذلك هو فيما ادعى من ردها وإيصالها إلى صاحبها.
قال: وسألت مطرفًا عن الصناع يدعون رد ما استعملوا، وينكر ذلك أصحابه؟
فقال لي: سمعنا مالكًا يقول: على الصناع البينة وإلا ضمنوا؛ دفع ذلك إليهم ببينة أو بغير بينة، لأن الضمان عليهم.
قال لي مطرف: وأصل هذا أن كل ما كان ضمانه من قابضه فعليه البينة على الرد، دفع ذلك إليه ببينة أو بغير بينة، ويعلم الصناع والمستعير ما يغاب عليه، والمرتهن بما يغاب عليه، ثم عليه الضمان.
قال: وكل ما لم يكن ضمانه من قابضه فالقول قوله في رده، ولا بينة عليه، إلا أن يكون إنما أعطيه بالبينة والإشهاد، فلا يبرأ إلا بمثل ذلك، وهو المستودع والمقارض وأشباههم.
قال: وسألت عن ذلك ابن الماجشون، فقال لي مثل قول مطرف.
قال: وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثله أيضًا.
وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن المأمور بشراء السلعة يدعي أنه اشتراها بشرط يفسخ البيع، ويكذبه الآمر؟
فقالا لي: إن ادعى ذلك المأمور عند دفعه السلعة إلى الآمر فالقول قوله مع يمينه، ثم يكون سبيله سبيل ما لو أن الأمر ابتاعها لنفسه بذلك الشرط، وإن نكل المأمورعن اليمين مضت السلعة للآمر وكان للمأمور على البائع القيمة، بمنزلة سلعة ابتاعها بشرط فاسد ثم فاتت.
قالا لي: وإن كان إقراره بعد دفعها إلى الآمر لم يقبل يمينه، ومضت السلعة للآمر، وكانت القيمة للمأمور على البائع، إن كان فيها فضل كان عليه؛ لأنها كسلعة فاتت.
стр. 48
وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثل قوليهما في ذلك.
وسألت مطرفًا عن الوكيل على التقاضي على قبض شيء بعينه، أو على بيع شيء بعينه، أو على الخصومة، أو الوكيل المدبر المفوض إليه الذي يكتب منه البراءات مما دفع إليه من الديون، وما حكم له باسم صاحبه، يختلف هو والذي وكله؛ يقول الذي وكله: هلم ما قبضت لي، ويقول الوكيل: قد برئت بذلك إليك.
قال: سمعت مالكًا يقول: للوكيل على هذه الأوجه التي ذكرت في ذلك بمنزلة ادعائه بحضرة ما قبض المال، وفي فور ذلك أنه قد دفعه وأنكر صاحبه، حلف صاحبه بالله ما قبض، وأغرم الوكيل ذلك إن كان بحضرة ذلك وقربه وفي فوره بالأيام اليسيرة، فأما إن تباعد ذلك مثل الشهر ونحوه فالقول قول الوكيل في الدفع مع يمينه، يحلف ويبرأ، وإن تباعد ذلك جدًا لم يكن على الوكيل يمين وكان بريئًا، ولا يضره ما كتب عليه من البراءة إليه بذلك؛ لأن تلك البراءة وإن كانت منه، والدفع وإن كان إليه، إنما البراءة من الذي وكله، والدفع كأنه إليه حين ثبت أنه وكيله، وأنه في كل ما قبض أو دفع أو أقر أو جحد بمنزلته وكنفسه، فلا إشهاد ولا براءات على الوكلاء بدفع ما دفعوا إلى الذين وكلوهم مما قبضوا وجرى على أيديهم.
وكذلك الزوج فيما باع لامرأته بإذنها إذا ادعت أنها لم تقبض ذلك منه، وادعى أنه قد برئ به إليها في ذلك كله.
قال لي مطرف: وإن مات الزوج والوكيل بحدثان ما جرى على أيديهما مما ذكرنا، فذلك كله في أموالهما إذا كان قد عرف القبض وجهل الدفع.
стр. 49
والمرأة والموكل يدعيان ذلك وما كان من موتهما بغير حدثانه، وما يكون في مثله المخرج والقضاء والدفع فلا شيء في أموالهما، وإن لم يعرف الدفع ولم يذكره.
وسألت ابن الماجشون عن ذلك كله، فقال لي مثل قول مطرف فيه أجمع، إلا في وجه واحد؛ إذا ادعى الوكيل المدبر أو غيره أو الزوج الدفع فالقول قولهم، وإن كان ذلك بحضرة القبض وفي فوره وقربه فإنما عليهم اليمين، فإذا تطاول ذلك جدًا فلا يمين عليهم.
وسألت عن ذلك ابن عبد الحكم وأصبغ، فقالا لي مثل قول ابن الماجشون، إلا أن أصبغ قال: وهذا كله في الوكيل المفوض إليه، فأما وكيل على بيع سلعة وأخذ ثمنها وعلى قبض مال له بعينه على رجل فالوكيل غارم لما قبض حتى يقيم البينة على الدفع.
وقول مطرف في ذلك عن مالك أحب إلي وبه أقول.
وسواء في قول مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم كان الوكيل مفوضًا إليه مديرًا أو وكيلًا على شيء بعينه.
وسمعت ابن الماجشون يقول: وإن كان الوكيل أو الزوج قد أقر عند سفر حضره أو مرض نزل به أو ما أشبه ذلك، وكان إقرارًا حتمًا أنه قد قبض لفلان كذا وكذا دينارًا وهي له عنده، ثم اختلفا بعد ذلك وبعد القدوم من السفر أو الصحة من المرض، كانت البينة على الوكيل وإلا غرم، بعد أن يحلف الآخر بالله ما قبض منه شيئًا والزوج كذلك.
وهو حسن، لأنه قد صار كالدين عليه حين أقر بأنه في يديه في غير وقت قبضه، ولكن على جهة الإقرار به لصاحبه، فهو كالإقرار بغير ما قبض بتوكيل.
стр. 50
وسمعت ابن الماجشون يقول: كل من أرسل رسولًا، أو اؤتمن أمانة، أو أودع وديعة، أو أبضع بضاعة، فكان ذلك كله مشهودًا عليه، مستوثقًا فيه لما يخشى من الأحداث على المرسل أو المؤتمن والمستودع والمستبضع، فإنه لا مخرج له من شيء من ذلك عليه إلا بالبينة؛ لأنه كذلك قبضه، وإذا كان ذلك بغير بينة ولا وثيقة فإنه يخرج منه باليمين لقد دفعه حيث يقر له الآمر أنه أمره، وأنه رده إلى الأمر إن ادعى رده إليه.
وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن الصباغ يصبغ الثوب، فيقول صاحبه: إنما أمرتك أن تصبغه لونًا غير هذا، أو يقول: إنما أمرتك بغسله ولم آمرك بصبغه، أو يقول: استودعتكه ولم آمرك بشيء؟
فقالا لي: القول في هذا كله قول الصباغ مع يمينه إذا صبغه صبغًا يشبهه.
قلتُ: فلو قال رب الثوب: ما أنا أعطيتكه ولكنك أخذته بغير أمري أو سرقته أو غصبته أو سقط مني، ولم يقر هو بدفعه إليه على حال؟
قالا لي: إذا يكون القول قول رب الثوب، ويكون أحق بالثوب، ويكون عليه للصباغ أجرة الصبغ، ولا يذهب صبغ الصباغ بقوله أيضًا، ولكن يخير صاحب الثوب؛ فإن شاء دفع إليه أجرة الصبغ وأخذ ثوبه، وإن شاء أسلم إليه الثوب بقيمته، إلا أن يشاء الصباغ أن يسلم صبغه بلا ثمن، وإن شاء شرك بينهما فأقيم الثوب أبيض وأقيم مصبوغًا كانا شريكين.
وسألت عن ذلك أصبغ، فأخبرني عن ابن القاسم مثل ذلك كله.
وحدثني أسد بن موسى عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، قال: سمعت ابن مسعود يقول: «لا يشتري الوصي من مال من أوصى إليه شيئًا، ولا يستقرض منه شيئًا»، وكذلك الوكيل.
وسمعت ابن الماجشون يقول: من استودع وديعة سرا بلا إشهاد، فقال لصاحبها: قد رددتها إليك بلا إشهاد، فالقول قوله مع يمينه.
وإن قال: قد جئتني بعد ذلك فقلت لي: ادفع الوديعة إلى فلان أو
стр. 51
ضعها عند فلان أو اشتر بها كذا وكذا، لم يصدق، وكانت اليمين على رب المال أنه لم يأمره بما قال، وذلك أن الوديعة إنما تودع لتقبض، فإن قال: قد قبضتها يحلفه على ذلك، وإن صرفها إلى غير القبض ضمن وحلف رب المال ما أمره بما قال.
* * *
الحكم في الوكالات والبضائع والودائع والعواري
قال ابن حبيب: سمعت مطرف بن عبد الله يقول: كل وكيل وكل بوكالة ثم مات الذي وكله فهو على وكالته التي وكل بها حتى يأتي من يستخرجها من يده يجوز له كل ما فعل من دين تقاضاه أو دين قضاه أو حق خاصم فيه فقضي له أو عليه وذلك أن الوكالة قد ثبتت له فليس يخرجها من يده إلا وكيل يوكله الورثة بمثل ما كان عليه هو أو إشهاد على فسخ وكالته وهذا الأمر عندنا وما قد حكم به حكامنا بمشورة علمائنا غير ما مرة قال: وسألت أصبغ عن ذلك فقال لي: إذا مات الموكل فقد انفسخت وكالة الوكيل ولا تجوز خصومته بعد ولا اقتضاؤه ما اقتضى من ديونه ولا القيام بضيعته حتى يبتدئ الورثة توكيله، إلا أن يكون إنما مات عندما أشرف الوكيل على إتمام الخصومة بالحكومة له أو عليه حيث لو أراد الميت قبل موته أن يفسخ وكالته ويخاصم مكانه أو يوكل غيره لم يكن ذلك له فهنالك لا يفسخ موته وكالته ثم ما كان من يمين كان يحلفها الموكل حلفها الورثة إن كان فيهم من قد بلغ علم ذلك، قال: وقول أصبغ في ذلك أحب إلي، وهو الذي رأيت عليه جماعة أصحابنا.
قال: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن الوكيل يريد أن يوكل غيره على مثل ما وكل به فقالا لي: لا يجوز له ذلك إلا أن يكون الذي وكله قد شرط له عند التوكيل إني قد جوزت لك أن توكل من رأيت وجعلت وكيل وكيلي كوكيلي في كل ما صنع فذلك جائز، وسألت أصبغ عن ذلك فقال لي مثله.
стр. 52
قال: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن الرجل يوكل على شراء سلعة، ثم يريد أن يفسخ الوكالة بشرائها ويشتريها لنفسه؟
فقال لي مطرف: إن كان ذلك في بلد الذي وكله معه بموضع واحد فذلك له، وإن كان إنما وكله ليشتري ذلك في بلد آخر، فلما خرج إلى ذلك البلد ودفع إليه الموكل المال رغب فيها الوكيل أو المأمور، فقال: أنا أفسخ ذلك وأشتريها لنفسي، فذلك ليس له ولا ينفعه إشهاده إن أشهد على ذلك.
وقال لي ابن الماجشون: ذلك له، وقد يحدث بينهما الضغن بعد الصداقة، فلا يريد أن يشتري له شيئًا، فلا يلزم ذلك على كره، وإنما هو معروف منه إن أحب فعله فعله.
وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثل قول مطرف، وهو أحب إلي وبه أقول.
وسمعت مطرفًا يقول: قال مالك: من وكل وكيلًا على تقاضي ديونه على الناس، وأشهد على الوكالة، وعلى أن من دفع إليه ما عليه فقد برئ فدفع إليه بعض الغرماء ولم يشهد، وأقر الوكيل بالقبض، وادعى التلف لما قبض أن من دفع إليه من الغرماء بغير بينة ضامن لما كان عليه، ولا ينفعه إقرار الوكيل له بالقبض حتى يكون قد أشهد على دفعه إليه على معاينة ذلك، لا على إقرار الوكيل، ولو جاز في هذا قول الوكلاء لذهبت أموال الناس، لأنه لا يؤمن أن يصانع الوكلاء مثل هذا بالشيء يرضون به ثم يقرون أنهم قبضوا من الغرماء وأن ذلك تلف عندهم، قال مالك: وكذلك عبد الرجل إذا وكله على قبض ديونه.
стр. 53
قال لي مطرف: ولقد سئل مالك عن الرجل يشتري من البزاز أو غيره الثوب، فيقول له: ابعث معي غلامك أوفيه الثمن، فبعث معه وصيفه أو أجيره فدفع إليه الثمن، فيدعي الوصيف أنه سقط منه، ويقر بقبض ذلك أن المبتاع ضامن للثمن، ولا يبرئه منه إقرار الرسول بقبضه ذلك إلا أن يكون قد أشهد على دفع ذلك إليه، وهو مثل الدفع إلى الوكيل.
قال لي مطرف: وهذا كله في الوكيل على الشيء بعينه، مثل الوكيل على التقاضي أو على قبض شيء أو على بيع فأما الوكيل المدير المفوض إليه البيع والشراء والقضاء والاقتضاء فإنه مصدق، ومن قضاه بريء بإقراره له بالاقتضاء منه، كذلك قال مالك.
قال: والوصي في ذلك بمنزلة الوكيل المفوض إليه المدير.
وسألت عن ذلك ابن الماجشون، فقال لي مثله كله.
وسألت عن ذلك أصبغ فأخبرني عن ابن القاسم مثله كله.
فقلت لمطرف وابن الماجشون: فهل للغرماء أن يرجعوا على الوكيل بما أقر أنه قبضه منه مما ادعى تلفه عنده؟
فقال لي مطرف: نعم، لهم أن يرجعوا بذلك عليه؛ لأنه فرط في دفع ذلك عنهم إلى الذي وكله حتى ضاع ذلك عنده.
وقال لي ابن الماجشون: لا يرجعون عليه بشيء حتى يعلم أنه فرط؛ لأنه قد يذهب المال قبل التفريط، فلا أرى عليه غرمًا للغرماء حتى يتبين منه تفريط وتعريض لتلف ما قبض.
قال: وقول ابن الماجشون في هذا أحب إلي، وبه أقول.
* * *
стр. 54
باب دفع الرسول البضاعة بغير بيِّنةٍ
قال: وسمعت مطرفًا يقول: قال مالك: من أبضع مع رجل بضاعة وأمره بدفعها إلى أحد [فعلى المأمور أن يشهد على الدفع وإلا ضمن]، أشهد الآمر عليه أو لم يشهد، كانت البضاعة دينًا على الأمر أو على وجه الصلة، فالمأمور ضامن أبدأ ما لم يشهد إذا أنكر القابض أنه قبض منه شيئًا، أو كان ميتًا، وما أشبه ذلك من غائبات الأمور.
قال مالك: والوديعة خلاف البضاعة، إذا قال المستودع: قد رددتها إليه. فالقول قوله، إلا أن يكون المستودع أشهد عليه حين استودعه، فلا يبرأ المستودع إلا بالإشهاد أيضًا على الرد، كما أشهد عليه عند الدفع.
قال لي مطرف: ولو قال المستبضع للمبضع: رددتها إليك إذ لم أجد الذي أمرتني بدفعها إليه، وأنكر ذلك المبضع، كانت كالوديعة، إن كان المبضع أشهد عليه فعلى المستبضع البينة على الرد، وإن لم يكن أشهد عليه فالقول قوله مع يمينه.
قلت لمطرف: فإن اشترط المبضع معه أن لا إشهاد عليه عند دفع البضاعة فأعطاه على ذلك، وترك الإشهاد، وجحد القابض، أترى شرطه ينفعه؟
قال: نعم، ذلك له نافع، والشرط جائز إلا أن اليمين عليه إذا أنكر القابض أو كان ميتًا.
قلت: فلو كان المأمور اشترط أيضًا أنه لا يمين عليه، أتسقط اليمين عنه؟
قال: لا، والشرط بإسقاطها باطل؛ لأن الأحداث تحدث، والتهم تقع، وكل من وضع يمينًا قبل أن تجب له فهي غير موضوعة.
قال: وسألت ابن الماجشون عن ذلك كله، فقال لي: القول قول
стр. 55
المأمور بتبليغ البضاعة؛ كانت دينًا أو صلة، ولا إشهاد عليه عند دفعها.
وإن أنكر القابض أن يكون قبض شيئًا إلا أن يكون الأمر قال له: اقض هذا عني فلانا فهو ضامن إن لم يشهد؛ لأنه وكل إليه القضاء ووليه ونصب له، فينبغي أن يقضي بوجه ما يكون به القضاء، والقضاء لا يكون من الموكل إليه إلا بإشهاد، وليس كمن لم يوكل إليه القضاء ولم يؤمر بأن يقضي إنما جعل رسولًا، وإن كان قد أخبر، وقيل له: أبلغ هذا فلانًا، فإنه له علي، لأن أصل هذا رسالة، وأصل الأول أمر بقضاء، وذلك مختلف.
قلت لابن الماجشون: إنه ذكر لنا عن مالك أنه قال: المأمور ضامن في جميع هذا إذا لم يشهد على دفع ما أرسل معه أمر بالقضاء أو أمر بالدفع والتبليغ فقضى.
فقال لي: ما علمت مالكًا ولا غيره من علمائنا قال فيه غير ما وصفت لك، فاحذر ما خالفه.
قلت له: فإن اشترط المأمور بالقضاء الإشهاد عليه ولا يمين؟
فقال: أما شرطه بترك الإشهاد فجائز، وشرطه بسقوط اليمين عنه باطل، واليمين عليه؛ لأن الأحداث تحدث، والتهم تقع، وكل من وضع يمينًا قبل أن تجب له فهي غير موضوعة.
стр. 56
قال: وسألت أصبغ عن ذلك.
فأخبرني عن ابن القاسم وأشهب عن مالك مثل قول مطرف عن مالك.
قال: وقول ابن الماجشون في ذلك أحب إلي وأبين، وبه أقول.
قال: وسألت مطرفًا عن المبضع معه في شراء السلعة يزيد في ثمنها؛ ما يلزم المبضع من ذلك، وما لا يلزمه؟
فقال لي: سمعت مالكًا يقول: إن زاد الزيادة اليسيرة الدينار وما أشبه ذلك فلازم للمبضع أخذها، وغرم الزيادة، ولا خيار له في ردها.
قال: فإن كثرت الزيادة فهو بالخير إن شاء قبلها وأعطى الزيادة، وإن شاء تركها وضمته رأس ماله.
وإن أراد المبضع معه أن يضع عنه الزيادة ويلزمه السلعة بالثمن الذي أبضع معه فقط لم يلزم ذلك المبضع إلا أن يشاء؛ لأنها عطية منه له، لا يجبر على قبولها.
قال لي مطرف: وكذلك إذا أبدل المبضع الدنانير فكان بدلها شيئًا يسيرًا ألزمته السلعة، ولزمه ما أبدلها به، وإن كان بدلها كثيرًا تدخل فيه الدنانير الكثيرة فهو كالزيادة في الثمن فيما وصفت لك من خيار المبضع في قبول ذلك أو رده.
قال: وسألت ابن الماجشون عن ذلك، فقال لي مثله.
قال: وقاله لي أصبغ بن الفرج عن ابن القاسم أيضًا.
قال: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن رجل أبضع مال في شراء سلعة ببلد فخرج إلى ذلك البلد، فوجد متاعًا بالطريق، فاشتراه بمال البضاعة، ثم رجع فلم يبلغ البلد؟
стр. 57
فقال لي: ينظر في ذلك فإن كان لرجوعه وجه يعرف ويتبين فالفضل والمتاع له، ولا خيار لصاحب البضاعة فيه، وهو ضامن لماله، وإن اتهم أن يكون انصرافه اغتنامًا للتجارة بالبضاعة، وتركًا لما أبضع معه فيه، فصاحب البضاعة عليه بالخيار؛ إن شاء أخذ المتاع الذي اشترى بماله، وإن شاء تركه وضمنه ماله، بمنزلة ما لو بلغ البلد فترك أن يشتري ما أمر به واشترى لنفسه غير ذلك، فصاحب البضاعة عليه بالخيار، وإنما رأينا الفضل والمتاع للمبضع معه إذا كان لرجوعه وجه يعرف، ولم يتهم أن يكون إنما انصرف متعمدًا تاركًا للمضي، لما وجد من التجارة فاغتنم ثمن البضاعة، بمنزلة ما لو بلغ البلد فلم يجد تلك السلعة التي أبضع معه فيها، ثم اشترى لنفسه بالبضاعة فيكون ذلك له، ولا يكون لصاحب البضاعة عليه خيار.
قلت لهما: فإن قدم البلد فقال: أتجر لنفسي بهذه البضاعة، وألزم نفسي ضمانها، فإذا كان خروجي ابتعت له سلعته التي أمرني بها، فتجر لنفسه بالبضاعة في صنف تلك السلعة التي أمر بشرائها أو في غير صنفها؟
فقالا لي: هو فيما فعل متعد ظالم حين ترك أن يبتاع له سلعته عند وجدانه إياها، ولعلها أن تكون حينئذ ممكنة رخيصة ويشتريها عند خروجه بما وجدها به من رخص أو غلاء، فذلك من التعدي، وما لا يسوغه أهل البضائع، فيكون ذلك ذريعة لهم إلى التعدي على أموال الناس.
قلت: فلمن تريان الأرباح التي أربح في تجارته بتلك البضاعة؟
فقال لي ابن الماجشون: أراها للمتعدي؛ لأنه كان ضامنًا لما ربح فيه، وإنما كان للمبضع الخيار للسلع التي كان اشترى ببضاعته لو أدركها قد فات الشيء الذي كان فيه خياره وصار الفضل لهذا بضمانه، ولا يشبه عندي تعدي المقارض ولا تعدي الأجير، وأرى السلعة التي اشترى له لازمة للمبضع إذا كانت على صفته التي وصف له.
وقال لي مطرف: أرى الأرباح كلها للمبضع؛ لأنها من ربح ماله ومن ربح سلع كان له فيها الخيار، فليس بيعه إياها قبل اختياره يقطع عنه خياره، وهو الآن لا يأبى أن يختار ربحًا قد ظهر له، وهو عندي بمثل
стр. 58
المقارض يشتري بالقراض غير ما أمر به، ثم يبيعه بفضل، فالفضل على القراض، ولو لم يبعه كان الخيار إلى رب المال؛ إن شاء قبله على القراض، وإن شاء ضمته إياه.
ومثل ذلك الأجير يستأجر على أن يبتاع بزا فيتعدى، فيبتاع حيوانًا، فالخيار لرب المال؛ إن شاء قبله، وإن شاء ضمنه، ولو باعه الأجير بفضل قبل أن يختار رب المال كان الفضل لرب المال.
وزعم أصبغ أن المتاع له ولا خيار فيه للمبضع، ولو مضى به المبضع معه إلى البلد التي سمى، والسلعة فيها موجودة، ولا يشبه عنده ما اشتراه به بعد بلوغه البلد من المتاع والسلعة التي أمر بها موجودة، وليس يعجبني قوله هذا.
قال لي مطرف: وأرى المبضع أيضًا بالخيار في السلعة التي اشترى له أخيرًا، وإن كانت على الصفة التي أمره بها فيها؛ إن شاء قبلها، وإن شاء تركها وضمنه الثمن، ولو تلفت السلعة قبل أن يختارها المبضع رأيتها من المبضع معه، وإن كانت على الصفة، لأنه لما أحال الثمن عن وجهه واستقامة أمره فيما أمر به صار متعديًا، وصار ضامنًا لما اشترى إن أصيب قبل أن يختاره المبضع.
وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثل قول ابن الماجشون.
وقول مطرف في ذلك أحب إلي، وبه أقول.
وقاله ابن القاسم عن مالك في كتاب الرطب باليابس.
و سألت مطرفًا وابن الماجشون عن الرجل يبضع مع الرجل من المدينة إلى مصر بالمال في شراء جارية موصوفة، فوجدها المبضع معه بأيلة، فاشتراها لنفسه بمال المبضع على تلك الصفة التي وصف له بها
стр. 59
صاحب المال، فمضى بها إلى مصر وتلك الصفة بها موجودة أو غير موجودة، ثم قدم بها إلى المدينة؟
فقال لي: المبضع بالخيار؛ إن أحب أن يأخذه أخذها، وإن أحب أن يضمنه ماله ضمنه إياه بتعديه.
قلت: ولم قد بلغ الموضع الذي أمر أن يشتريها فيه؟ أفليس قد صار أنه اشتراها بمصر؟
فقالا لي: لأنه اشتراها لنفسه بغير ذلك الموضع، ولو اشتراها لنفسه أيضًا بذلك الموضع الذي سمى له لكان المبضع مخيرًا فيها؛ إن أحب أن يأخذها أخذها، وإن أحب أن يضمنه ماله ضمنه، ولو ماتت قبل الخيار كان ضمانها من المبضع معه لتعديه.
قلت: فلو كان باعها بمصر بربح ثم اشترى له صفته التي وصف له؟
فقال لي مطرف: ربح الأول للمبضع لأنه من ماله، وهو مخير في الثانية؛ إن أحب أخذها أخذها، وإن أحب تركها وأخذ رأس ماله.
وقال لي ابن الماجشون: لا خيار له في الثانية، وهي له لازمة إذا اشتراها على صفته، ولا شيء له من فضل الأولى، وهو للمبضع معه بضمانه، وإنما كان الخيار للمبضع في الجارية بعينها لو قدم بها عليه فإذا باعها وفاتت فقد انقطع موضع خياره، وهو مثل مسألتك الأولى.
قلت: فلو كانت الأولى التي اشترى بأيلة لم يبعها، واشترى له أخرى بماله بمصر، وسماها له، وهي على صفته، إذ رأى أن الأولى حين أوجبها لنفسه خالصة له دون المبضع؟
فقال لي مطرف: المبضع بالخيار فيهما جميعًا؛ إن أحب أن يأخذهما أخذهما، وإن أحب تركهما وأخذ رأس ماله، وذلك أن المبضع معه متعد عليه في الأولى ومشتر في الأخرى بماله، فهي لا تلزمه إلا أن يشاء.
وقال لي ابن الماجشون: أما الأولى فهو بالخيار فيها لتعديه عليه
стр. 60
فيها، وأما الثانية التي اشترى له بمصر فهي له لازمة إذا كانت على الصفة، لأنه فعل فيها ما أمر به.
قلت لهما: فلو كان المبضع معه اشتراها بأيلة للمبضع بخاص، ثم انصرف بها من أيلة، أو مضى بها إلى مصر، ثم رجع، أيكون المبضع عليه بالخيار إذا اشتراها له بأيلة وإنما كان أمره أن يشتريها له بمصر؟
فقال لي مطرف: نعم، هو عليه بالخيار لتعديه ما أمر به، وضمانها منه إن أصيبت، وسواء كانت الجواري بمصر أرخص منها بأيلة، أو كانت الحالة بإيلياء ومصر واحدة.
وقال لي ابن الماجشون: ليس ذلك سواء؛ إن كان إنما أمره بشرائها له بمصر لرخصها بمصر فهو متعد والمبضع عليه بالخيار إن سلمت، ومصيبتها من المبضع معه إن أصيبت، وإن كان إنما سأله شراءه لها بمصر لخروجه إلى مصر والأمر في الموضعين واحد فليس بضامن ولا متعد.
وقول ابن الماجشون في هذه الأوجه الثلاثة - التي اختلف فيها - أحب إلي، وبه أقول.
وسألت ابن الماجشون عن الرجل يبضع معه مائة دينار في شراء جارية بعينها، أو جارية موصوفة، فيشتريها بعينها أو على الصفة وجارية مثلها بتلك المائة، أو يشتريها ومتاعًا معها بمائة صفقة واحدة، أو صفقة بعد صفقة.
فقال لي: ليس ذلك سواء إن اشترى ذلك صفقة واحدة فالمبضع بالخيار؛ إن شاء قبل ذلك كله، وإن شاء أخذ الجارية التي أمر بشرائها بعينها أو على الصفة بما ينوبها من الثمن إذا ضمت في القيمة إلى ما اشتري معها، وسواء كان ما اشتري معها من صنفها أو من غير صنفها.
стр. 61
ولو أصيب ذلك كله قبل بلوغه إلى المبضع كان ضمان الجارية التي ابتيعت له على صفته منه بما ينوبها، وكان ضمان ما اشتري معها من المبضع معه، لأنه في ذلك متعد.
قال: ولو اشترى ذلك صفقة بعد صفقة كانت الجارية للمبضع بالثمن الذي اشتريت به بعينه، وليس فيه موضع تقويم، وكان فيما اشترى بعدها بالخيار؛ إن شاء قبله، وإن شاء أسلمه إلى المبضع معه وأخذ منه بقية المائة.
وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي: إذا كان ذلك صفقة واحدة فذلك کله يلزم المبضع، لأنه لو اشترى له الجارية وحدها بذلك الثمن كله لزمته فهو لم يزده إلا خيرًا، وإذا كانت صفقة بعد صفقة لزمته الأولى، وكان في الثانية مخيرًا.
وقول ابن الماجشون في ذلك أحب إلي، وبه أقول.
وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن الرجل يبعث معه الدين أو البضاعة إلى رجل ببلد آخر، فيموت الباعث قبل أن تصل البضاعة إلى المبعوث إليه، هل ترى على المبعوث معه أن يدفعه إلى المبعوث إليه وهو يخاف ألا يصدقه ورثة الباعث على مقالته وأن يأخذوه بما أقر به من مال صاحبهم؟
فقالا لي: إن كانت له بينة على إرسال الباعث بها معه فعليه أن يدفعها ولا يدفعها إلا ببينة، ولا شيء عليه لورثة الباعث، وإن لم تكن بينة على ذلك فليس عليه أن يدفعها حتى يعلم رأي ورثة الباعث، فإن صدقوه دفع وبرئ، وإن لم يصدقوه كان هذا المبعوث معه بالبضاعة شاهدًا للمبعوث إليه؛ إن كانت البضاعة دينًا أو حقا قد وجب للمبعوث إليه، وإن
стр. 62
كانت صلة أو هدية من الباعث فهي مردودة إلى ورثة الباعث، إلا أن يكون قد أشهد على ذلك عند إرساله بها.
وكذلك قال مالك في الهدية: إن كان من مات منهما المهدي أو المهدى إليه فالهدية مردودة إلى المهدي أو إلى ورثته إذا كان لم يشهد عليها، وإن كان قد أشهد فهي للمهدى إليه أو لورثته، فمسألتك مثلها.
وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثل قولهما فيه.
قال: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن الرجل يوكل وكيلًا على طلب عبد له أبق أو ستالف، فأدركه الوكيل في يد المشتري، فأراد أن يقيم البينة أنه للذي وكله، أيمكن من ذلك ويقضى له به؟
فقالا لي: لا يمكن من ذلك حتى يشهد الذين شهدوا على الوكالة بطلبه، أو غيرهم أنه وكيل على الخصومة فيه أيضًا، لأن الرجل قد يوكل على طلب الآبق ولا يوكل على الخصومة فيه.
قلت: فإذا أقام البينة أنه موكل على الخصومة فيه أيمكن من إيقاع البينة على أنه للذي وكله لا يعلمونه باع ولا وهب؟
قالا لي: لا يمكن من ذلك حتى تشهد البينة على أنه وكله على طلب هذا العبد والخصومة فيه، وأنه هذا العبد بعينه، أو يشهدوا على صفته بما وصف لهم صاحب العبد حين أشهدهم، فوافقت الصفة صفتهم، فهو كأنهم شهدوا عليه بعينه، لأنه قد يكون للرجل العبد فيبيعه، ثم يكون للرجل العبد فيبيعه ثم يكون له آخر فيأبق، فلعل هذا العبد قد باعه سيده وليس هو الذي أبق منه.
قالا لي: ولو أشهدهم أيضًا أني قد وكلته على الخصومة في كل عبد هو لي فذلك جائز أيضًا، تتم به الوكالة، ثم تشهد له بينة على أن هذا
стр. 63
العبد عبد فلان لا يعلمونه باع ولا وهب.
قلت: فإذا شهدوا على بعض ما ذكرت لك أيحلف الوكيل كما يحلف سيد العبد أنه ما باع ولا وهب؟
فقالا لي: لا يحلف الوكيل، ولكن ينظر السلطان في غيبة الموكل فإن كانت غيبة قريبة - بحيث يجلب من مثلها لليمين ـ أمر أن يؤتى به حتى يحلف، وإن كانت غيبته بعيدة كتب إلى إمام بلده بالذي ثبت عنده، وأمره في كتابه أن يحلفه عنده أنه ما باع ولا وهب، فإذا أتاه جواب الكتاب قضى به للوكيل.
قال: وسألت أصبغ عن ذلك، فقال لي مثله كله، إلا أنه قال لي: إن كانت غيبة الموكل بعيدة جدًا قضي به للوكيل ولم يحبس عنه لليمين.
قال: وسألت أصبغ عن المبضع معه في شراء الجارية يشتريها للمبضع ثم يحبسها، ويبعث أخرى فيطأ هذا ويطأ هذا أو يحملان.
قال لي: إن قامت البينة على أنه اشترى التي وطئ للمبضع أو شهدوا على إقراره قبل الوطء أنه اشتراها له فإن كان مثله لا يجهل مثل الذي صنع حد، وكانت الجارية وولدها للمبضع، وإن كان مثله يجهل ويرى أن ذلك له جائز درئ عنه الحد، وخير المبضع؛ فإن شاء أخذ قيمة الجارية وقيمة ولدها، وإن شاء أخذ قيمتها وقيمة الولد.
قال: وإن لم يكن إلا إقراره بذلك الآن بعد الوطء والحمل، فالمسألة بحالها في إقامة الحد عليه ودرايته عنه، غير أن الجارية في الوجهين جميعًا أم ولده، والولد ولده، وعليه للمبضع قيمتها قيمة الجارية والولد، وليس له أن يرقها بإقراره بعد ولادتها.
وقال ابن الماجشون: يدرأ عنه الحد عالمًا كان أو جاهلًا، إلا أن تكون جارية بعينها أمر بشرائها.
стр. 64
قال: وأما الجارية التي دفع إلى المبضع، فإذا ولدت منه فهي أم ولده ولا خيار له في ردها، كانت البينة على أصل الشراء، أو على الإقرار فقط لأنه الذي أباح له فرجها، وأوطأه إياها، فهي أم ولده، وعليه له قيمتها، وإن كانت لم تلد فهو بالخيار، وهذا أحب ما فيه إلي.
قال: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن رجل استودع وديعة فأخذها يومًا فألقاها في كمه ـ وهو يظنها دراهمه ـ ثم خرج لحاجته فسقطت، هل يضمنها؟
قالا لي: نعم، هو لها ضامن.
قلت: فلو نسيها في مجلسه الذي فيه أعطاه إياها المستودع عند قيامه عنه وانصرافه إلى منزله أيضمنها؟
قالا: نعم، وهذه جنايات من قبله وبفعله، وليس هذا كسقوطها من كمه أو يده في غير نسيان، لأخذها ذلك، لا ضمان عليه فيه.
وسألت أصبغ عن ذلك، فقال مثل قولهما فيه.
* * *
باب في العواري
وسألت مطرف بن عبد الله عن الرجل يستعير من الرجل الدابة فيعيره على أنه لها ضامن، أو يكريها على أنه لها ضامن، هل يضمن؟
فقال لي: إن كان صاحب الدابة قد خاف على دابته وجهًا ذكره، مثل أن يكون الموضع الذي أراد بالدابة مخوفًا من فتنة أو لصوص أو نهر يخاض مخوف أو ما أشبه هذا، فقال صاحب الدابة: إني أخاف على دابتي من وجه كذا أو كذا، فقال الآخر: أنا لها ضامن حتى أردها إليك، فهلكت في ذلك الوجه الذي خاف، فهو لها ضامن كما شرط، وإن هلكت في غير ذلك السبب فلا ضمان عليه، وإن لم يكن على هذا الوجه الذي
стр. 65
فسرت لك، وإنما اشترط عليه ضمانها حتى يردها إليه هكذا من غير شيء خافه إلا للذي أراد أن يضمن له دابته، فالشرط باطل، ولا ضمان عليه من عطب ولا انفلات، ولا وجه من الوجوه إلا أن يتعدى عليها فيضمن، كما كان يضمن لو لم يشترط عليه الضمان.
وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي: هو عندي واحد، ولا ضمان عليه.
قال: وقول مطرف في ذلك أحب إلي، وبه أقول، وقد قاله غيره أيضا.
وسألت عن الرجل يستعير الباز للاصطياد به فيزعم أنه مات أو سرق منه أو طار فلم يرجع في حين اصطياده أو في غير حين اصطياده؟
فقال لي: القول قوله مع يمينه، ولا ضمان عليه، لأنه حيوان.
* * *
في عارية الفأس والعجلة والسيف
ابن حبيب: وسألت مطرفًا عن عارية الفأس والعجلة والسيف ليقاتل به، وما أشبه هذه الأشياء الي يعمل بها ويضرب بها ـ وهي مما يغاب عليه يأتي بها المستعير قد انكسرت، فيزعم أنه إنما أصابها ذلك في العمل الذي أعيرت له.
فقال لي: القول قوله إذا أتى من ذلك بما يشبه ويري أنه إنما انكسر في العمل، لأن ذلك لا يخفى، غير أن من محاسن الأخلاق أن يصلحه.
قلت: فلو ادعى أن ذلك تلف؟
стр. 66
قال: إذا يضمن.
وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي: سمعت ابن القاسم وابن وهب يقولان: هو ضامن، ولا يصدق، غير أني لا أقول به، وقولي فيه على قول مطرف.
قال: وأخبرني بعض أصحاب مالك أنه سئل عن رجل أرسل معه رجل بضاعة، فقال: لا تفارق حقويك، فجعلها في عيبته فضاعت؟
قال مالك: هو ضامن.
وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثله.
وقال: وحدثني ابن المغيرة، عن الثوري، عن عوف الأعرابي، عن ابن سيرين، أن شريحا قال: من استودع وديعة ثم استودعها غيره بغير إذن أهلها ضمن.
قال: وحدثني مطرف، عن الغمري، عن الزهري، أن رسول الله ﷺ قال: «العارية مؤداة إلى أهلها».
* * *
стр. 67
باب التَّعدي في وديعةٍ أو بضاعةٍ
قال ابن حبيب: وسمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان: من استودع وديعة دنانير فتعدى عليها، فاشترى بها سلعة، فالسلعة له، ولا خيار لصاحب الوديعة فيها، وإنما عليه الدنانير لأنها ثمن سلعته، وإن شاء قيمة سلعته.
وكذلك لو باعها بسلعة أخرى كان الخيار فيها لصاحب الوديعة؛ إن شاء أخذها، لأنها ثمن سلعته، وإن شاء تركها وضمنه قيمة وديعته المستودعة.
قلت لهما: فلو باع تلك السلعة التي أخذ بالسلعة المستودعة؟
فقال لي مطرف: يكون صاحب الوديعة مخيرًا أيضًا في ثمن تلك السلعة، لأنه قد كان له الخيار في السلعة التي باع، لأنها كانت ثمن سلعته المستودعة، فإن شاء ضمنه قيمة سلعته المستودعة، وإن شاء قيمة السلعة التي كانت ثمنًا للمستودعة، وإن شاء فالثمن الذي باعها به.
قالا لي جميعا: وإن اشترى بثمنها الآخر سلعة فلا خيار لصاحب الوديعة فيها، لأنه كمن استودع دنانير فتعدى فيها، فاشترى بها سلعة فلا خيار له فيها.
فسألت أصبغ عن ذلك، فقال لي مثل قول ابن الماجشون.
قال: وسمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان: من استبضع بضاعة دنانير في شراء سلعة فتعدى فاشترى غيرها فالمبضع مخير في السلعة التي اشترى المبضع معه؛ إن شاء أخذها بثمنها، وإن شاء تركها وضمنه دنانيره.
والبضاعة في هذا خلاف الوديعة.
ومن استبضع سلعة ليبيعها ويشتري بثمنها سلعة سميت له فتعدى
стр. 68
فباعها بسلعة مخالفة للتي بها فالمبضع مخير؛ إن شاء أخذ السلعة التي اشتري بسلعته، لأنها ثمن سلعته، وإن شاء تركها وضمنه قيمة سلعته، والبضاعة في هذا بمنزلة الوديعة.
قال: وسألت أصبغ وابن عبد الحكم عن ذلك.
فقال لي أصبغ مثل قوليهما، وذكره عن ابن القاسم.
وقال لي ابن عبد الحكم: إن البضاعة في الوجهين جميعًا مثل الوديعة.
قال: وليس يعجبني، وقولنا فيه على قول مطرف وابن الماجشون وابن القاسم وأصبغ.
* * *
الحكم في اللقطة والضوال والإباق
ابن حبيب: وسمعت مطرف بن عبد الله يقول: من التقط ما لا يبقى من الطعام في الحضر وحيث الناس، فالصدقة به أحب إلي من أكله، فإن تصدق به ثم جاء صاحبه فلا ضمان عليه، لأنه كان مما يؤول إلى فساد، وإن أكله ثم جاء صاحبه ضمنه لانتفاعه بأكله؛ تافهًا كان، أو غير تافه.
وإن التقطه في السفر - وحيث لا ناس لا بأس بأكله ـ فأكله فلا ضمان عليه إن جاء صاحبه، إن كان مما لا يبقى من الطعام، ولا يحمل حملًا يرجى بقاؤه وتزوده إلا اليوم أو ما أشبهه، وهو حينئذ كالشاة التي قال فيها النبي ﷺ : «هي لك أو لأخيك أو للذئب»، وأكله إذا كان كذلك أفضل من طرحه بالفرن.
فأما إن كان من الطعام مثل الزاد الذي يبقى فهو له ضامن، أكله أو حمله فتصدق به كغيره من اللقطة.
стр. 69
وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثل قوله فيه.
وسمعت مطرفًا يقول: قال مالك ـ في الشاة يجدها الرجل بفلاة من الأرض أو في البعد بين القرى والعمران:- إنه لا بأس أن يذبحها ويأكلها، ولا ضمان عليه إن أتى لها طالب.
قال: وإن وجدها في القرب من القرى أو حيث العمران فليضمها إلى أقرب القرى إليه يعرفها فيها، أو يدفعها إلى من يعرفها، فإن وجد من يعرفها وإلا فليتصدق بها، أحب إلي من أن يأكلها، فإن أكلها أو تصدق بها ثم جاء صاحبها كان ضامنًا لقيمتها يوم أكلها أو تصدق بها، إلا أن يشاء صاحبها أن يجيز الصدقة بها ويكون له أجرها.
قلت لمطرف: فبيعها والصدقة بثمنها أحب إليك؟
قال: بل بيعها والصدقة بثمنها أحب إلي، والاستيفاء منه بالثمن من بعد البيع أحب إلي من الاستيفاء برقابها، وليس ذلك كله بلازم له.
قلت لمطرف: فما صار لضوال الغنم والبقر من نسل؟
فقال: أما أولادها فمثلها.
وأما لبنها وسمنها فإن كان بموضع يباع في اللبن فليبعه ويحبس ثمنه حتى يأتي صاحبه، أو يتصدق به إذا تصدق بأثمان البقر والغنم، وإن كان لا ثمن له أو لا بال له، فلا بأس أن يأكله، وإذا كان له بال وله ثمن وكان له بها قيام وعلوفة لم يكن بأس أن يصيب من لبنها قدر ما يشبه قيامه وعلوفته.
قال: ولا بأس أن يكري البقر في علوفتها كراء مأمونًا لا يجر إلى عطب.
قال: وأما الصوف والسمن فليتصدق به أو يبيعه ويتصدق بثمنه.
стр. 70
قلت لمطرف: فضالة الدواب هل يجوز له ركوبها؟
قال: أما من الموضع الذي وجدها فيه فلا بأس به، وأما أن يركبها في غير ذلك من حوائجه فلا يجوز ذلك له، فإن فعل كان ضامنًا.
قلت: فيجوز له أن يكريها في علوفتها؟
فقال: نعم، كراء مأمونا لا يجر إلى عطب، لقدر ما يكفيها في علوفتها، ما بينه وبين أن يبيعها أو يتصدق بثمنها أو يأتي إليها صاحبها.
قلت له: فكم ترى أن تحبس ضوال الدواب والمواشي؟
فقال لي: ليس لذلك قدر إلا على حال اجتهاده وصبره على ذلك، وإذا أراد بيعها فليرفعها إلى الإمام إذا كان مأمونًا، وهو أحب إلي في ضوال الدواب والبقر ونتاجها وما كثر من المواشي، فإن لم يكن الإمام مأمونًا وكان الشيء خفيفًا مثل الشاة والشاتين فلا بأس أن يلي هو بيعها وليظهر ذلك وليشهره.
قال: وسألت أصبغ بن الفرج عن ذلك كله، فقال لي مثل قوله أجمع.
وحدثني ابن الماجشون عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، قال: سأل ابن عمر رجل وجد قلبًا من ذهب، فقال له ابن عمر: «عرفه».
قال: قد عرفته.
قال: «عرفه».
قال: قد عرفته فلم أجد أحدًا يعرفه، أفأدفعه إلى الأمير؟
قال: «إذا يأخذه».
قال: أفأتصدق به؟
قال: «إذا تغرم إذا جاء صاحبه».
قال: فما أصنع به؟
стр. 71
قال: «لو شئت لم تأخذه».
وحدثني عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن أبي فروة أن امرأة وجدت شاة فأتت بها إلى عائشة فقالت: يا أم المؤمنين، إني وجدت هذه الشاة فما أصنع بها؟
قالت لها عائشة: «عرفي واعلفي واحتلبي واشربي».
فذهبت ثم جاءت مرة أخرى، فقالت لها مثل ذلك، فذهبت ثم عادت الثالثة، فقالت لها عائشة: «أتريدين أن أقول لك اذبحي وكلي؟ لا، ولكن عرفي واعلفي واحلبي واشربي».
وحدثني مطرف والأوسي عن الغمري، عن نافع، أنه كان يمر باللقطة فلا يعرض لها.
وحدثني معاذ بن الحكم، عن مقاتل، عن عمرو بن شعيب، عن ابيه، عن جده، أن عمرو بن حزم قال: يا رسول الله، الشاة أجدها في فلاة ليس قربها أناس؟
قال: «خذها؛ فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب».
قال: يا رسول الله! الناقة أجدها في فلاة عليها الحذاء والوعاء؟
стр. 72
قال: «ما لك ولها؟».
قال: يا رسول الله، الطريق الميت والقرية المعمورة أجد بها الورق؟
قال: «عرفها حولا».
قال: يا رسول الله، فالقرية الخربة العادية أجد بها الورق؟
قال: «فيها وفي الركاز الخمس».
قال: وبلغني عن الحسن أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت هذه الضوال أنتبلغ عليها؟
فقال رسول الله ﷺ : «إياك وإياها فإنما تلك حرق النار».
стр. 73
باب اللقطة
قال: وحدثني أسد بن موسى، عن عمر بن الفضل، عن داود بن أبي هند، عن أبي سعيد ـ مولى ابن أبي سعيد ـ قال: بينا أنا في الحرة إذ التقطت صرة فيها خمسمائة درهم، فعرفتها، فلم يعرفها أحد، فأتيت بها عمر فذكرت ذلك له، فقال: «عرفها بالموسم واعمل بها»، قال: فجعلت أعرفها وأعمل بها حتى أديت كتابتي، فقلت: إني قد أديت كتابتي ولم أجد أحدًا يعرفها، قال: «فادفعها إلى بيت المال».
وحدثني الغازي بن قيس، عن يعقوب بن جعفر، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ سئل عن اللقطة والضالة ماذا يصنع بهما؟
فقال: «تعرف ولا تؤكل، فإن عرفت أديت، وإن لم تعرف جعلت في سبيل الله ويتصدق بها على فقير أو ابن سبيل، فإن للذي يتصدق بها نصف أجرها إن كانت ضالة من مسلم، وإن كانت ضالة من كافر فإن للذي يتصدق بها الأجر كله؛ فإن الكافر لا يحتسب بما ضل منه».
قال: وحدثني بعضهم عن عطاء بن يسار، أن عليا وجد دينارًا فأمره النبي أن يعرفه فلم يجد له باغيًا، ثم استنفق به علي فجاء باغيه فغرمه النبي ﷺ عن علي.
стр. 74
وسمعت أصبغ يقول في الرجل يلتقط اللقطة فيعرفها، فيأتي رجل فيصف عفاصها ووكاءها، ثم يأتي رجل فيصف الدنانير ووزنها وصفتها، أن أحقهما بها الذي عرف عفاصها ووكاءها.
ولكني أستحسن أن تقسم بينهما كهيئة ما لو اجتمعا على العفاص والوكاء، لأن كليهما واصف، ويتحالفان؛ يحلف كل واحد منهما، ثم تقسم بينهما، وإن نكل أحدهما دفعت إلى الحالف منهما.
стр. 75
وسمعت أصبغ يقول في الرجل يلتقط اللقطة فيعرفها، فيأتي رجل فيصف عفاصها ووكاءها، ثم يأتي رجل الشاة الضالة بفلاة من الأرض بحيث أرخص له في أكلها فيذبحها هنالك يخليها مذبوحة، حتى يأتي الإحياء والموضع الذي لو التقطها فيه لم يجز له أكلها: إن ذلك لا يحرم عليه أكلها، وهي على ما ذبحها عليه يجوز له أكلها ويصير لحمها وجلدها مالًا من ماله، ولا يؤمر بأن يتصدق بها، إلا أن يدركها صاحبها مذبوحة في يده قبل أن يأكلها، فيكون أحق بها، فإن لم يعرفها إلا بعد أن أكلها فلا ضمان عليه.
قال: ولو حملها حية حتى بلغ الإحياء لم يجز له أن يأكلها، ووجب عليه أن يعرفها ويسلك بها مسلكها لو التقطها بعد الإحياء.
قال: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن قول مالك: «إذا استهلك العبد اللقط قبل السنة فهي في رقبته» ما هذا الاستهلاك؟
فقالا لي: أن يأكلها أو يبيعها فيأكل ثمنها، أو يتصدق بها، أو يتلفها بوجه من الوجوه، فتكون في رقبته.
وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثله.
* * *
الحكم في الشُّفعة للحاضر
قال ابن حبيب: سألت مطرفًا وابن الماجشون عن شفعة الحاضر ما يقطعها؟
فقالا لي: سمعنا مالكًا يقول: لا يقطع شفعة الحاضر شيء ما لم يوقفه السلطان عن الأخذ أو الترك، أو يترك ذلك بمرأى منه بعد وجوبها له، ويشهد بذلك على نفسه، فإن لم يكن شيء من ذلك فشفعته ثابتة ما لم
следующие страницы →