Полный текст (198 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
قال: «لو شئت لم تأخذه».
وحدثني عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن أبي فروة أن امرأة وجدت شاة فأتت بها إلى عائشة فقالت: يا أم المؤمنين، إني وجدت هذه الشاة فما أصنع بها؟
قالت لها عائشة: «عرفي واعلفي واحتلبي واشربي».
فذهبت ثم جاءت مرة أخرى، فقالت لها مثل ذلك، فذهبت ثم عادت الثالثة، فقالت لها عائشة: «أتريدين أن أقول لك اذبحي وكلي؟ لا، ولكن عرفي واعلفي واحلبي واشربي».
وحدثني مطرف والأوسي عن الغمري، عن نافع، أنه كان يمر باللقطة فلا يعرض لها.
وحدثني معاذ بن الحكم، عن مقاتل، عن عمرو بن شعيب، عن ابيه، عن جده، أن عمرو بن حزم قال: يا رسول الله، الشاة أجدها في فلاة ليس قربها أناس؟
قال: «خذها؛ فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب».
قال: يا رسول الله! الناقة أجدها في فلاة عليها الحذاء والوعاء؟
стр. 72
قال: «ما لك ولها؟».
قال: يا رسول الله، الطريق الميت والقرية المعمورة أجد بها الورق؟
قال: «عرفها حولا».
قال: يا رسول الله، فالقرية الخربة العادية أجد بها الورق؟
قال: «فيها وفي الركاز الخمس».
قال: وبلغني عن الحسن أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت هذه الضوال أنتبلغ عليها؟
فقال رسول الله ﷺ : «إياك وإياها فإنما تلك حرق النار».
стр. 73
باب اللقطة
قال: وحدثني أسد بن موسى، عن عمر بن الفضل، عن داود بن أبي هند، عن أبي سعيد ـ مولى ابن أبي سعيد ـ قال: بينا أنا في الحرة إذ التقطت صرة فيها خمسمائة درهم، فعرفتها، فلم يعرفها أحد، فأتيت بها عمر فذكرت ذلك له، فقال: «عرفها بالموسم واعمل بها»، قال: فجعلت أعرفها وأعمل بها حتى أديت كتابتي، فقلت: إني قد أديت كتابتي ولم أجد أحدًا يعرفها، قال: «فادفعها إلى بيت المال».
وحدثني الغازي بن قيس، عن يعقوب بن جعفر، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ سئل عن اللقطة والضالة ماذا يصنع بهما؟
فقال: «تعرف ولا تؤكل، فإن عرفت أديت، وإن لم تعرف جعلت في سبيل الله ويتصدق بها على فقير أو ابن سبيل، فإن للذي يتصدق بها نصف أجرها إن كانت ضالة من مسلم، وإن كانت ضالة من كافر فإن للذي يتصدق بها الأجر كله؛ فإن الكافر لا يحتسب بما ضل منه».
قال: وحدثني بعضهم عن عطاء بن يسار، أن عليا وجد دينارًا فأمره النبي أن يعرفه فلم يجد له باغيًا، ثم استنفق به علي فجاء باغيه فغرمه النبي ﷺ عن علي.
стр. 74
وسمعت أصبغ يقول في الرجل يلتقط اللقطة فيعرفها، فيأتي رجل فيصف عفاصها ووكاءها، ثم يأتي رجل فيصف الدنانير ووزنها وصفتها، أن أحقهما بها الذي عرف عفاصها ووكاءها.
ولكني أستحسن أن تقسم بينهما كهيئة ما لو اجتمعا على العفاص والوكاء، لأن كليهما واصف، ويتحالفان؛ يحلف كل واحد منهما، ثم تقسم بينهما، وإن نكل أحدهما دفعت إلى الحالف منهما.
стр. 75
وسمعت أصبغ يقول في الرجل يلتقط اللقطة فيعرفها، فيأتي رجل فيصف عفاصها ووكاءها، ثم يأتي رجل الشاة الضالة بفلاة من الأرض بحيث أرخص له في أكلها فيذبحها هنالك يخليها مذبوحة، حتى يأتي الإحياء والموضع الذي لو التقطها فيه لم يجز له أكلها: إن ذلك لا يحرم عليه أكلها، وهي على ما ذبحها عليه يجوز له أكلها ويصير لحمها وجلدها مالًا من ماله، ولا يؤمر بأن يتصدق بها، إلا أن يدركها صاحبها مذبوحة في يده قبل أن يأكلها، فيكون أحق بها، فإن لم يعرفها إلا بعد أن أكلها فلا ضمان عليه.
قال: ولو حملها حية حتى بلغ الإحياء لم يجز له أن يأكلها، ووجب عليه أن يعرفها ويسلك بها مسلكها لو التقطها بعد الإحياء.
قال: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن قول مالك: «إذا استهلك العبد اللقط قبل السنة فهي في رقبته» ما هذا الاستهلاك؟
فقالا لي: أن يأكلها أو يبيعها فيأكل ثمنها، أو يتصدق بها، أو يتلفها بوجه من الوجوه، فتكون في رقبته.
وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثله.
* * *
الحكم في الشُّفعة للحاضر
قال ابن حبيب: سألت مطرفًا وابن الماجشون عن شفعة الحاضر ما يقطعها؟
فقالا لي: سمعنا مالكًا يقول: لا يقطع شفعة الحاضر شيء ما لم يوقفه السلطان عن الأخذ أو الترك، أو يترك ذلك بمرأى منه بعد وجوبها له، ويشهد بذلك على نفسه، فإن لم يكن شيء من ذلك فشفعته ثابتة ما لم
стр. 76
يأت من طول الزمان أنه قد كان تاركًا لها، أو يحدث المشتري فيها بنيانًا أو غراسًا أو هدمًا أو تغيرًا وهو حاضر، فإن هذا مما تنقطع به شفعته، إلا أن يقوم بها بحدثان ذلك وتقاربه.
قال مالك: وأرى أن يحلف الشفيع - إذا تباعد قيامه بعد علمه - بالله لما كان تركه القيام على شفعته تركًا منه لها، وإذا كان قيامه قريبًا فلا أرى عليه يمينًا.
قال: فقلت لمطرف وابن الماجشون: إنه قد ذكر لنا عن مالك أنه حد للحاضر في شفعته سنة.
فاستنكرا ذلك شديدًا، وقالا لي: هذا وهم من حامله عن مالك، فلا تقبله، وما كان مالك صاحب تحديد في شيء، ولربما سمعناه يسأل عن الحاضر يقوم على شفعته بعد الخمس سنين ـ وربما قيل له أكثر - فيقول في ذلك كله: لا أرى هذا طولًا ما لم يحدث المبتاع بنيانًا أو تغييرًا ببناء وهو حاضر، فإن أجله أقصر من الذي لم يحدث عليه شيء، ولا يقف من ذلك على تحديد واحد.
قال: فسألت عن ذلك أصبغ، وأخبرته بقول مطرف وابن الماجشون.
فقال لي: قد كان من تحديد ابن القاسم عن مالك في السنة وما قاربها ما قد علمت، وليس يعجبني ذلك، وأراه على شفعته السنتين والثلاث ونحو ذلك.
والشفعة فيما لم يبن فيه المشتري أوسع وقتًا أو أفسح على الشفيع من الذي يبني فيه المشتري.
وقد رواه ابن وهب في سماعه عن مالك مثل رواية مطرف وابن الماجشون.
قال: فسألت مطرفًا وابن الماجشون عن الغائب والمريض والصغير
стр. 77
والبكر؛ هل لهم من بعد قدوم الغائب وصحة المريض وكبر الصغير ودخول البكر على زوجها مثل ما للحاضر من سعة وقت الشفعة؟
فقالا لي: نعم، ومرض المريض في ذلك وصغر الصغير والبكر كغيبة الغائب لا يعتد بها، وله بعد قدومه مثل ما للحاضر من سعة ذلك، وسواء كان عالمًا في غيبته بالشفعة أو جاهلًا، وسواء كان المريض عالمًا أو جاهلًا، إلا أن يكون للصغير أو للبكر ولي فيوقف على الأخذ له أو الترك، فإن رأى الأخذ أخذ، وإن رأى الترك ترك، ولم يكن بعد ذلك للصغير إذا بلغ ولا للبكر كلام في أخذ الشفعة، ولو كان الولي أو السلطان إنما ترك الأخذ للصغير وللبكر إذا لم يكن لهما مال، وقد كان من الحظ لهما الأخذ بشفعتهما، ثم أفادا مالًا، فلا سبيل إلى الأخذ، وهما في ذلك كالكبير.
وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثل قولهما فيه كله إلا في المريض، فإنه قال لي: إن لم يشهد في مرضه قبل مضي وقت طلب الشفعة أنه على شفعته وإنما يدع التوكيل عجزًا عنه فلا شيء له بعد ذلك.
قال: وقول مطرف وابن الماجشون في عذره بالمرض فقط وإن لم يشهد أحب إلي لأن المرض عذر بين، وليس كل الناس يقدر على التوكيل.
وحدثني ابن المغيرة عن الثوري قال: قضى عمر بن عبدالعزيز للغائب بشفعة بعد أربع عشرة سنة.
قال: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن الشقص يشتريه الرجل بثمن إلى أجل ثم يأتي الشفيع ليشفع كيف يأخذ شفعته؟
فقالا لي: يستشفعه بالثمن إلى مثله من الأجل، إن كان ثقة أسلم ذلك إليه، وإن لم يكن ثقة جاء بثقة، وإن عجز عن ثقة وقفه السلطان فعجزه بعجزه.
قلتُ: فإن وجد ثقة بعد ذلك فيما بينه وبين حلول أجل الثمن أو بعده؟
стр. 78
قالا: فلا شفعة له، وعجزه عن الثقة كعجزه عن الثمن إذا وقفه السلطان.
قلت: فإن قام يطلب شفعته بعد حلول الأجل وقبض الثمن من المبتاع، فقال المبتاع للشفيع: عجل الثمن فإني قد نقدته، وقال الشفيع: بل لي من الأجل مستأنفًا مثل الذي عقدت به بيعتك أولًا.
قال: فذلك للشفيع، فإن كان ثقة دفع ذلك إليه، وإن كان غير ثقة قيل له: ائت بثقة. فإن جاء بثقة وإلا عجزه السلطان، وقطع شفعته كما يقطعها إذا عجز عن الثمن، وما لم يقفه السلطان فالشفعة له بمثل ذلك من الأجل ما بينه وبين القضاء وقت الشفعة.
قال لي مطرف: وهذا كله قول مالك في ذلك.
قال: وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي فيه أجمع مثل قولهما إلا في قيامه بالشفعة بعد حلول أجل الثمن، فإنه زعم أنه لا يأخذه إلا نقدًا، وليس يعجبني، وقول مطرف وابن الماجشون فيه أحب إلي، وقد قاله مالك.
قال: وسألت مطرفًا عنه لو كان لهذا المشتري على البائع دين إلى أجل فلم يحل فأخذ به من هذا الشقص ثم أتى الشفيع ما الذي يستشفعه به، أبالدين كله أم بقيمته معجلًا؟
فقال لي: سمعت مالكًا يقول: ليس له أن يأخذه بقيمة الدين معجلًا وإن كان فيه تهضم، ولكن إن أحب أن يأخذ ذلك بجميع الدين كله فذلك له، وإلا فلا شفعة له.
قال مالك: ولو كان الذين حالًا إلا أنه عند مفلس لا يستطيع أن يأخذ منه حقه جملًا، فأخذ به منه شقصًا لا يساوي ثلث ذلك الدين أو أدنى من ذلك، لم يأخذه الشفيع أبدأ إلا بجميع الدين، فإن كان الدين
стр. 79
يومئذ حالًا أخذه به حالًا، وإن كان الدين يومئذ لم يحل أخذه إلى مثل ما كان بقي فيه من الأجل؛ كان الأجل يوم يقوم الشفيع قد حل أو لم يحل.
قال: فسألت عن ذلك ابن الماجشون.
فقال لي: إنما يشتفعه بقيمة الدين عرضًا من العروض، وما اشتري من العروض فإنما يشتفع بقيمتها.
قال ابن الماجشون: وإنما يقام ذلك الدين بعرض قائم مثل الحنطة والزيت وما أشبهه، ولا يقام ببز ولا بعطر، ولا بما ليس بقائم ثمنه، ولا بمتعجل بيعه وصرفه.
قال: وسألت أصبغ عن ذلك، فقال لي: إنما يستشفعه بمثل الذي نقد إلا أن يكون تهضم له في الشقص هضيمة بينة، فيأخذ بقيمته وليس بقيمة الدين عرضًا ولكن بقيمة الشقص.
قال: وقول مطرف عن مالك فيه أحب إلي، ولو كان فيه تهضم بين جدا فاحش لعدمه، وإن لم يساو إلا بعض الدين، لأنه يقول: لم أرد أن أسقط ديني عنه وإن كان اليوم معدمًا إلا بهذا الشقص، فلا يخرج من يدي إلا بالذي أخذته به وهو جميع ديني.
* * *
باب شفعة الإقالة
ابن حبيب: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن الإقالة في الشقص الذي فيه الشفعة هل تقطع الشفعة؟
فقالا لي: إن رأى أن التقايل إنما كان بينهما لقطع الشفعة فالإقالة باطل، وللشفيع أن يستشفع بعهدة الشراء، وإن رأى أنها كانت على وجه صحة وإرادة الإقالة فهو بيع حادث، فللشفيع أن يشفع بأي البيعتين شاء؛ إن شاء أخذ من المشتري المقيل بعهدة الشراء، وإن شاء من البائع المستقيل
стр. 80
بعهدة الإقالة، ولو كان الشفيع قد كان وضع شفعته عن المشتري وأوقف عليها فتركها ثم تقايل كان له أن يأخذه بعهدة الإقالة، لأن الإقالة بيع، وكذلك التولية والشركة هي بيوع ثانية تجب بها الشفعة، ليس مما طرحت الرخصة في الشركة، والإقالة والتولية حق الناس، إنما ذلك فيما بين المرء وبين ربه في البيع قبل الاستيفاء، فأما فيما يوجب لأحد حقًا على أحد فهي بيع من البيوع لا رخصة لأحد فيها ولا بها.
وكذلك سمعنا مالكًا يقول في ذلك كله.
قال: وسألت عن ذلك عبد الله بن عبد الحكم وأصبغ، فقالا لي مثله، وهو قول ابن القاسم وجميع أصحابنا.
قال: وسألت أصبغ عن اختلاف الشفيع والمشتري في ثمن الشقص فقلله الشفيع وكثره المشتري، ولا بينة عليه؟
فقالا لي: إن ادعى المشتري من الثمن ما يشبه حلف وكان القول قوله، وإن لم يشبه وجاء بسرف لم يكن القول قوله ولم يحلف؛ لأنه يتهم أن يكون غيب الثمن لقطع الشفعة، ولكن يرد ذلك إلى القيمة، ثم يكون الشفيع بالخيار؛ إن شاء أخذ بالقيمة، وإن شاء ترك.
قال: وإن كان على ذلك بينة فأتى بما يشبه لم يحلف، وإن أتى بسرف سئلت البينة؛ فإن قالوا: إنما شهدنا على إقرارهم فهو مثل ما وصفنا، وإن قالوا: شهدنا الصفقة والنقد، قيل للشفيع: إن شئت خذ بذلك وإن شئت فدع.
قال: وهو أحسن ما سمعت فيه وأحبه إلي.
وقد سمعت مطرفًا يجعل القول قول المشتري في ذلك مع يمينه وإن
стр. 81
جاء بسرف من الثمن، وليس يعجبني ذلك.
* * *
باب شفعة الهبة
ابن حبيب: وسألت مطرفًا عن رجل وهب شقصًا فيه شفعة، فقال الشفيع للموهوب: قد أثبته سرا لتقطع شفعتي، وأنكر ذلك الموهوب له هل عليه يمين؟
فقال لي: سمعت مالكًا يقول: إن كان ممن يتهم بذلك فعليه اليمين، وإن كان ممن لا يتهم فلا يمين عليه.
وسألت ابن الماجشون عن ذلك، فقال لي مثله.
وسألت عنه ابن عبد الحكم وأصبغ عن ذلك فقالا لي كذلك أخبرنا ابن القاسم عن مالك.
وسألت مطرفًا عن الرجل يبيع حظه في الأرض التي تجب فيها الشفعة فلا يعلم شريكه فيها ببيعه ذلك حتى يبيع هو أيضًا حظه من تلك الأرض، ثم يعلم بعد أن قد كان باع شريكه قبله، فيريد الأخذ بالشفعة.
стр. 82
فقال لي: سمعت مالكًا يقول: ذلك له؛ علم ببيع شريكه، أو جهل، وليس بيعه حظه بالذي يبطل شفعة قد وجبت له، وله أن يأخذ بشفعته.
قال لي مطرف: ولو كان الشفيع لم يأخذ بشفعته حتى مات فورثه البائع ولم ينقض وقت طلب الشفعة كانت الشفعة للبائع فيما باعه؛ لأنه ورث ذلك عن الشفيع الميت فنزل في ذلك منزلته، وإنما الشفعة حق من الحقوق تورث كما تورث الحقوق، والبائع فيها وغيره من ورثة الشفيع بمنزلته، قال: فسألت مطرفًا عن ثلاثة نفر بينهم أرض مشتركة فباع أحدهم ولا علم لشريكيه ببيعه أو علمًا ولم يفت وقت طلب الشفعة حتى باع أحد الباقيين.
فقال لي: الشفعة فيما باع البائع الآن للبائع الثاني، وللشريك الثالث المتمسك بحظه، وذلك أن البائع الذي باع - وقد كانت وجبت له الشفعة فيما باع الأول ـ فليس بيعه حظه بالذي يقطع عليه شفعة قد كانت وجبت له قبل أن حظه.
قلت: فإن ترك البائع الثاني الأخذ بالشفعة مع الشريك الذي لم يبع؟
قال: فالشفعة كلها للشريك الذي لم يبع فيما باع الأول والثاني.
قلت: فإن أراد ترك الأخذ بشفعته فيما باع الأول وأراد أن يشتفع فيما باع الثاني؟
قال: فالمشتري من البائع الأول شفيع معه فيما باع الثاني؛ لأنه قد نزل منزلة بائعه فيما في يديه إذا لم يؤخذ منه بالشفعة، وصار شريكًا للبائع الثاني ولصاحبه الذي لم يبع، فباع الثاني حين باع، والمشتري من الأول شريك تجب له الشفعة إذا أقر على ما اشترى ولم يؤخذ منه.
قال: وأي الشريكين ترك أحدهما الأخذ بالشفعة مع شريكه فيما باع الثاني فليس لشريكه أن يأخذ بقدر حصته، ولكن بالجميع أو يدع.
وسألت ابن الماجشون عن ذلك كله، فقال لي فيه أجمع مثل قول مطرف.
стр. 83
قال: وقاله لي أيضًا ابن عبد الحكم وأصبغ، وقاله ابن القاسم وابن كنانة وأشهب.
وسألت مطرفًا عن رجل باع نصف دار له من رجل على أن أحدهما بالخيار البائع أو المبتاع، ثم باع النصف الباقي من رجل آخر بيعًا بتا.
فقال لي: إن اختار الذي له منهما الخيار فكان هو المبتاع فثبت بيعه كانت الشفعة عليه للمشتري البت، وإن أبي الذي له الخيار أن يختار ورد الشقص على صاحبه لم تكن فيه شفعة، ولم يكن للبائع الأول شفعة بالشقص الذي رجع إليه؛ لأنه هو الذي باع.
قلت: فإن كانت الدار بين رجلين فباع أحدهما حظه بيع خيار للبائع أو للمبتاع، ثم باع شريكه بيع بت، فانقطع الخيار في الشقص الأول وصار للبائع أو للمبتاع، لمن الشفعة منهما في الشقص الذي بيع بالبت؟
فقال لي: الشفعة لمن صار له الشقص منهما.
قال: وسألت عن ذلك ابن الماجشون، فقال لي: ليس ذلك سواء إن اختار الذي له الخيار منهما وكان هو المشتري فثبت بيعه كانت الشفعة للبائع بالخيار فيما اشتراه المشتري بالبت من شريكه؛ لأن البائع بالخيار كأنه إنما باع بعد أن وجبت له الشفعة، وإن ترك البائع بالخيار الأخذ بالشفعة فيما اشترى المشتري بالبت من شريكه كان المشتري بالبت أولى بالشفعة في الذي اشتراه المشتري بالخيار؛ لأن بيع الخيار إنما يثبت ويتم يوم يختار وليس يوم عقد.
قال: وسألت عن ذلك أصبغ.
стр. 84
فقال لي: سمعت ابن القاسم يقول فيه مثل قول مطرف.
وسمعت أشهب يقول فيه مثل قول ابن الماجشون، وبه نقول.
ابن حبيب: وهو أبين وأقوى إن شاء الله.
* * *
باب حكم في شفعةٍ في صدقةٍ وبيعٍ في فورٍ واحدٍ
ابن حبيب: وسألت مطرفًا عن الرجل تكون له الدار أو الأرض فيتصدق على رجل بنصفها مشاعًا، ويبيع من آخر النصف الآخر، وذلك متسق في كلام واحد، هل للمتصدق عليه يأخذ بالشفعة؟
فقال لي: نعم، ذلك له، وإن كان في كلام واحد إذا بدأ بالصدقة قبل البيع، وإن بدأ بالبيع قبل الصدقة فلا شفعة له إلا أن يكون إنما قال: قد كنت تصدقت على فلان وبعت من فلان، فلا ينظر هاهنا إلى تقديمه وتأخيره، ولا يكون للمتصدق عليه فيما ذكر أنه باعه بعد الصدقة شفعة؛ لأنه لا يدرى هل كانت الصدقة قبل أو بعد، ولا يقبل في قوله وإنما ينظر إلى تقديمه وتأخيره إذا كان الآن يفعله.
قال: فسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي: هو عندي واحد وقوله فيه مقبول؛ لأنه لا يثبت ذلك إلا بإقراره.
قال: وقول مطرف فيه أحب إلي، وبه أقول.
* * *
стр. 85
باب أخذ الشفعة بإقرار المشتري
ابن حبيب: وسألت مطرفا عن الأرض تكون مشتركة بين نفر، فيغيب أحدهم، فيدعي رجل أنه اشترى منه نصيبه قبل غيبته، فيريد بقية الشركاء أخذ ذلك النصيب بالشفعة، هل ترى للسلطان أن يحكم لهم بذلك بإقرار المشتري بالشراء؟
فقال: لا، حتى يقيموا البينة أنه اشترى ذلك من الغائب، لأنه لا يدرى لعلهم دسوا هذا ليقر باشتراء هذا النصيب ليشتفعوه وصاحبه لم يبع.
قلت: فإن عجزوا عن البينة، أيقر السهم بيد المشتري؟
قال: نعم، لأني لا أدري لعله اشترى من الغائب، والغائب نزله منزله في البيع، ومتى ما قدم الغائب فأقر بالبيع، أو وجد هؤلاء بينة على البيع، فالشفعة لهم، وإن طال زمان ذلك، وجاوز وقت طلب الشفعة.
وسألت أصبغ عن ذلك، فقال لي مثله.
* * *
стр. 86
باب الشفعة في الشجرة
ابن حبيب: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن الشجرة تكون بين الرجلين بأصلها فيبيع أحدهما حظه منها، هل فيها لصاحبه شفعة؟
فقال لي مطرف: لا شفعة فيها.
وقال لي ابن الماجشون: بلى، إن فيها شفعة، لأنها من الأصول.
فسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي: كان ابن القاسم يقول فيها مثل قول مطرف.
وأنا أقول فيها بقول ابن الماجشون وبه رأيت أشهب يقول، وهو أحب إلي وبه أقول.
* * *
باب الشفعة في المناقلة
ابن حبيب: وسألت مطرفًا عن الشفعة في المناقلة، فقال لي: سمعت مالكًا يقول: لا شفعة فيها، وذلك في الشركاء في المسكنين أو [في] الحائطين أو في الأرضين ليناقل أحدهم بعض شركائه يعطيه حظه
стр. 87
في هذه الأرض أو هذه الدار أو هذا الحائط، فيصير حظه من ذينك الشيئين المفترقين في موضع واحد.
قال مالك: فهذه المناقلة التي لا شفعة فيها للشركاء؛ لأنه لم يرد البيع، وإنما أراد التوسع في حظه وجمعه لكي ينتفع به، وأما لو ناقل بنصيبه من هذه الدار المشتركة أو الحائط بدار له أخرى أو بأرض أخرى أو حائط آخر لا نصيب له فيه ولا حظ لكانت فيه الشفعة، ويجري مجرى البيع، وليس مجرى المناقلة، وسواء عامل على ذلك بعض أشراكه أو أجنبيا ممن لا شركة له معه.
وسألت عن ذلك أصبغ فقال لي: كان ابن القاسم يذكر أن مالكًا رجع عن هذا، وقال: فيه الشفعة.
قال: وقول مطرف فيه أحب إلي وأبين، وسمعته يقول: لم يزل هذا قول مالك حتى مات، وقد بلغني عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن مثله.
ابن حبيب: وسألت مطرفًا عن الرجلين يشتريان الدارين صفقة واحدة، فهي بينهما مشاعة حتى باع أحدهما نصف الدار الواحدة، فأمضى له شريكه البيع، ثم باع شريكه النصف الثاني من تلك الدار، فأراد شريكه في الدار الأخرى الباقية أن يشفع ذلك النصف بالعقد الأول.
فقال: لا شفعة له فيها، وإنما الشفعة فيه للمشتري الأول.
وسألت أصبغ عن ذلك، فقال لي: سمعت ابن القاسم يقوله.
* * *
стр. 88
باب شفعة الصدقة
ابن حبيب: وسألت مطرفًا عن رجل باع شقصًا له في أرض فتصدق به المشتري على رجل، ثم استشفعه الشفيع، لمن الثمن؟
فقال لي: هو للمتصدق عليه؛ لأن المتصدق حين تصدق عليه بشيء يعلم أن فيه شفعة، فكأنما تصدق عليه بالثمن، وليس هذا مثل الرجل يتصدق على الرجل بالعبد فيستحقه رجل، فإن الثمن هاهنا للمتصدق، لأنه إنما أعطاه عبدًا ولم يعطه ثمنًا، وكذلك سمعت مالكًا يقول.
وسألت ابن الماجشون عنه، فقال لي مثله.
وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ وقاله ابن القاسم.
* * *
باب شفعة الهبة
ابن حبيب: وسألت مطرفًا عن الرجل يهب الشقص المشاع على الثواب، فيقول الموهوب له: مالي غائب، فخذ هذه العشرة الدنانير، فإذا قدم مالي أثبتك بثواب ترضاه، فيقوم الشفيع فيريد أخذ ذلك بالشفعة.
فقال لي: لا شفعة له في هذا حتى يتم له الثواب.
قلت: فإن قال الشفيع: أنا آخذ بالشفعة وأدفع العشرة فإذا أتم له الثواب دفعته؟
قال: لا يكون ذلك؛ لأن هذا لو كان بيعًا مبتدأ على هذا الوجه لم يحل، والأخذ بالشفعة بيع من البيوع، ولأنه أيضًا إن لم يثبه
стр. 89
رضاه رد الهبة، ولم يلزمه تمام المثوبة ولا قيمة الهبة، بمنزلة الذي يفوض إليه النكاح، فيقدم شيئًا لا يكون صداق مثلها، أو يترك النكاح ويرجع بما كان قدم، ولا يلزمه النكاح بالذي كان قدم من ذلك.
وسألت ابن الفرج عن ذلك، فقال لي عن ابن القاسم مثله.
ابن حبيب: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن الرجل يشتري الشقص من الحائط، وفيه رقيق يعملون فيه، فاشتراه برقيقه، ثم أتى الشفيع.
فقالا لي: ليس له أن يأخذ إلا الجميع الرقيق والآلة، وكل ما ليس للحائط منه بد مما فيه من عماله وآلته.
قلت: فإن كان المشتري قد فوت الرقيق؛ ببيع، أو هبة، أو صدقة، قبل استشفاع الشفيع، ثم أراد أن يشتفع الشقص؟
قالا: يقسم الثمن الذي ابتاع به على قيمة الرقيق وقيمة الشقص، فيستشفع الشقص بما يصيبه من ذلك، وأما في الموت لو مات الرقيق لم
стр. 90
يكن للشفيع أن يأخذ الشقص إلا بجميع الثمن أو يدع.
وكذلك قال مالك، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ، وقاله ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك.
وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن رجل باع عبدا له بنصف دار وبعشرة دنانير، فأراد الشفيع أن يشتفع نصف الدار، بكم يشتفعه؟
فقالا: ينظر كيف قيمة نصف الدار، فإن كانت قيمتها خمسين دينارًا ضمت العشرة إلى الخمسين فكانت ستين، فكانت الخمسون منها خمسة أسداسها، فاشتفعها بخمسة أسداس قيمة العبد ما كانت، لأن العبد كان ثمنًا لنصف الدار والعشرة دنانير فعلى هذا يحسب.
وسألته أصبغ عن ذلك، فأخبرني عن ابن القاسم مثله.
* * *
باب الشفعة في الكراء
ابن حبيب: اختلف قول مالك في الشفعة في الكراء، فمرة رأى الشفعة فيه، ومرة لم ير الشفعة فيه، وذلك في كراء الدور والمزارع، فأخذ ابن الماجشون وابن عبد الحكم بأن لا شفعة فيه، وأخذ مطرف وابن القاسم
стр. 91
وأصبغ بأن الشفعة فيه، وبه آخذ
* * *
اختلاف البائع والمبتاع في الثمن
ابن حبيب: وسألت ابن عبد الحكم عن بائع الشقص ومبتاعه يختلفان في ثمنه؛ يقول البائع: بعتك بمائتين، ويقول المبتاع: بل بمائة، فيريد الشفيع ويرضى أن يأخذ بالمائتين بالذي ادعى البائع.
فقال لي: ليس ذلك للشفيع من أجل أن عهدته تصير على المشتري والشراء لم يلزمه بعد، ولكن يتحالفان ويتفاسخان وتنقطع الشفعة، أو ينكل المبتاع ويلزمه الشراء بالمائتين وتجب به الشفعة.
فسألت ذلك أصبغ، فقال لي مثله.
* * *
باب المشتفع يأبى أخذ الثمن
ابن حبيب: وسألت أصبغ عن الرجل يحكم عليه الحاكم بالشفعة للشفيع، فيأبى من أخذ الثمن.
فقال لي: يحكم الحاكم للشفيع بشفعته، ويشهد له، ويكتب له العهدة على المشتري المحكوم عليه، ويأخذ الحاكم منه الثمن، ويوقفه للمحكوم عليه، المأخوذ بالشفعة منه مالا من ماله؛ إن شاء أخذه، وإن شاء تركه.
стр. 92
باب أرضٍ مشتركةٍ بيع بعضها
ابن حبيب: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن الشركاء في الأرض بميراث أو غيره، يبيع واحد منهم عرصة أو عرصًا، وبعض أشراكه فيها حاضر، وبعضهم غائب، وبعضهم صغير أو بكر، فيبنيها المشتري، وهو يرى أن البائع إنما باعه حقه وحده، وقد تصير له دون وراثة، أو لا يبنيها وتكون بحالها، حتى قام عليه الحاضر، وقدم الغائب، وتزوجت البكر فطلبوا كلهم حقهم منها.
فقالا لي: إن كانت الأرض بحالها لم تتغير ببناء، وقام الكبار الحضور بحدثان بيعها قبل انقطاع حجتهم بطول حيازتها عنهم، فهم كلهم فيها بمنزلة صغارهم وكبارهم، حضورهم وغيبهم، يخيرون في ثلاثة أشياء إن شاؤوا مضوا وأخذوا أنصباءهم من الثمن وإن شاؤوا أخذوا عوضها فيما بقي من الأرض المشتركة وجعلوا حظ الشريك البائع فيما باع، لأنه يوم أخذ ذلك وباعه إنما أخذه بسبب حظه وسهمه، فلهم أن يسوغوه ذلك إن شاؤوا، ويأخذوا حظوظهم كلها مما بقي من الأرض، وإن شاؤوا أخذوا حظوظهم من الأرض التي باع، ويرجع المشتري على البائع بما ينوب ذلك من الثمن الذي أعطاه، واشتفعوا ما بقي في يد المشتري من نصيب البائع.
قلت: ولا يكون لهم أن يقاسموه الأرض كلها ما باع منها وما لم يبع فإن وقع ما باع منها في سهم البائع مضى للمبتاع، وإن وقع في سهام هؤلاء بطل عن المبتاع ورجع بالثمن كله.
فقال لي: أبي من ذلك مالك، لأن للمبتاع من ذلك سهم البائع إلا أن يشتفع عليه، فليس لهم أن يخرجوه من يده بغير الشفعة.
قلت: فإن كان المبتاع قد بنى العرض وغيرها بالعمارة، وطال زمان حيازته إياها بمحضر هؤلاء الحضور من الشركاء القائمين اليوم؟
قالا: فلا سبيل لهؤلاء الحضور إلى هذا المبتاع فيما في يده، ويرجع حقهم على البائع، يسأل البائع؛ فإن أقر لهم أن حقهم فيه، وأنه إنما باع ما
стр. 93
كان له ولهم في ذلك، خير هؤلاء الحضور في وجهين؛ إن شاؤوا أخذوا منه أنصباءهم من الثمن، وإن شاؤوا العوض مما بقي من الأرض، وإن قال: ما بعت الذي بعت إلا بعد أن تصير لي حقا وملكًا دونكم، حلف على ذلك، وانقطع حقه منه في الثمن وفي العوض بتركهم ذلك، وكانوا على حظهم مما بقي من الأرض.
وأما الغائب والصغار والبكر فهم على ما وصفت لك فوق هذا، لأن ذلك لا يحتاز عليهم ولا يطول فهم مخيرون في الثلاثة أشياء التي وصفنا لك؛ فإن اختاروا أن يأخذوا حظهم مما في يد المشتري من ذلك وقد فوته بالبناء كان ذلك لهم، إن استحقوا النصف كان لهم، وكان عليهم نصف قيمة البنيان الذي صار في نصفهم الذي استحقوا قيمته ثابتًا قائمًا، لأن المشتري بناه على شبهة حق بشرائه إياه، وأنه كان يراه له دون غيره، فلا سبيل لهم إلى أخذ ما استحقوا إلا بغرم ما فيه من البنيان؛ إن كان نصفًا فنصف قيمة البنيان كله، وإن كان ثلثًا فثلث قيمة البنيان.
ثم إن أحبوا أن يستشفعوا ما بقي في يد المشتري من حظ البائع وحظوظ الحضور الذين انقطعت حجتهم فيها بحيازة المشتري إياه عنهم وبنائه إياه وهم قيام ينظرون ولا يغيرون، كان ذلك لهم إذا أعطوا المشتري ما زاد بنيانه وعمله في عرصهم، تقام العرصة مبنية كما هي اليوم، وينظر إلى ما زاد هذا البنيان والعمل على ثمنها الذي ابتيعت به، فيدفعون ذلك إلى هذا المبتاع، ولا سبيل لهم إلى أخذ ما يستحقون وما يستشفعون إلا بغرم ذلك إليه كما وصفت.
وأما العرصة فإنما يشتفعون ما ينتفعون منها بالثمن الذي به ابتيعت، وليس بالقيمة التي ذكرنا إنما تلك القيمة اعتبار لقيمة البنيان الذي يغرمون في الاستحقاق والاشتفاع.
وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثله كله.
وسألت أصبغ عن الرجل يشتري الدار فيحتفر فيها بئرًا فلا يجد الماء، ثم يسرب للماء سربًا فلا يجد شيئًا، فينفق في ذلك، ثم يستحق رجل بعض
стр. 94
الدار ويريد أن يشتفع سائرها، هل عليه غرم ما أنفق المشتري في البئر والسرب وهو لم يجد الماء؟
فقال: لا غرم عليه؛ لأن ذلك لا منفعة فيه للدار بل الضرر فيه، وإنما يلزم الشفيع كل زيادة كانت في الدار يوم يشتفع وهذا لا زيادة فيه بل النقصان فيه والخراب؛ فلا أرى فيه شيئا.
* * *
باب الشركة في الشفعة
قال: وسمعت أصبغ يقول في الرجل يشتري الشقص له شفعاء فيسلم له بعضهم الشفعة إلا واحدًا منهم، فيريد أن يأخذ الجميع أنه إن كان تسليمهم الشفعة على الهبة منهم للمشتري، والعطية والتسليم له فحاص كالصدقة منهم عليه بشفعتهم، فليس للمتمسك إلا سهمه منها، وللمشتري سهام المسلمين له، وإن لم يكن هذا الوجه إلا على الترك للشفعة وكراهية الأخذ بها فللمتمسك جميعا.
* * *
باب شفعة الحبس
ابن حبيب: وسمعت مطرفًا يقول: من حبس شقصًا له مشاعًا ثم باع شريكه فلا شفعة له ولا للمحبس عليه إذا كان حبسًا لا مرجع له
стр. 95
إلا أن يريد المحبس أو المحبس عليه أن يلحق ذلك بالتحبيس، فيكون من أراد ذلك منهما أولى باستشفاعه، لأنه إنما يستشفعه حينئذ بالحبس والمحبس هو الشريك.
قال: وإن كان حبسًا مرجعه إلى المحبس، فالشفعة للمحبس، لأن ذلك مال من ماله.
وسألت عن ذلك أصبغ وابن الماجشون فقالا لي مثله.
وأخبرني أصبغ أنه سمع ابن القاسم - وسئل عن رجل تصدق على اخت له بسهم له في أرض مبهمة، وقال: إني كنت قد أصبت لها من مورثها مالًا أعرف مبلغه، فسهمي في هذه الأرض لها بما أصبت من مالها، فأراد الورثة أن يأخذوا ذلك السهم بالشفعة ـ قال ابن القاسم: لا أرى فيه شفعة، لأن أصل الثمن لا يعرف، وقد قال لنا مالك: ما طال من الشفعة حتى ينسى الثمن، ولم ير أن صاحبه أخفى ذلك ليقطع الشفعة، فلا شفعة فيه. قال ابن القاسم: ولا على الأخت في هذه الصدقة حيازة، لأنه إنما صار لها ثمنًا لمالها، فسبيله سبيل الشراء لا سبيل الصدقة.
وسألت أصبغ عن قول مالك: «رأيت القضاة ببلدة يؤخرون الأخذ بالشفعة اليوم واليومين والثلاثة» فقال لي: إنما يؤخرون على قدر المال وكثرته ومؤونة جمعه ما لم يكن ذلك مضرا بالمستشفع منه.
قال لي أصبغ: فأما في الأخذ بالشفعة أو الترك، فإنما يكون ذلك في مقام واحد، يقول له القاضي: إما أن تأخذ، وإما أن تترك.
فإن قال: قد تركت. لم ترجع إليه بعد قوله: قد تركت. ولا يكون له أن يقول: أخرني أرى رأيي، ولكن يوقفه؛ فإما أخذ، وإما ترك.
فإن قال: أخذت. أخره بالثمن على ما قلت لك.
стр. 96
باب الحكم في الغصب والتعدِّي
ابن حبيب: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن غاصب الرقيق والحيوان والدور والأرضين إذا استحق شيء من ذلك عليه، هل عليه كراء الدار إذا سكنها؟ أو الأرض إذا زرعها؟ وأجرة العبد إذا استخدم به؟ وكراء الدابة إذا ركبها؟
فقالا لي: نعم، ذلك كله عليه، وليس عندنا في ذلك فرق بين الدور والحيوان.
قالا: وإن استغل الغلام بخراج، أو أكرى الدابة بكراء، فذلك للمستحق، وإن شاء فكراء مثلها، وأجرة مثل الغلام، أتي ذلك كان أوفر له.
قلت لهما: فإن هو علم أنه أغلق الدار فلم يسكنها، وبور الأرض ولم يزرعها، وترك الغلام فلم يستخدمه، ولم يستعمله، وارتبط الدابة فلم يركبها، ولم يكرها، فهل عليه في شيء من هذا كراء أو أجرة؟
فقالا لي: نعم، لأنه قل منعه ذلك منها.
قلت: فما كان من الشجر فأكل الثمار سنين؟
قالا: عليه كل ما أكل منها؛ إن عرفت مكيلته فكيل ذلك، وإن لم تعرف فقيمته على الصفة والخرص، والصفة في ذلك للغاصب مع يمينه إذا لم يوجد من يعرف ذلك، لأنه غارم.
وسألت عن ذلك ابن عبد الحكم وأصبغ، فقالا لي مثل قولهما في ذلك كله، قالا لي: وبه نأخذ، وبه كان أشهب وجميع أصحابنا يأخذون إلا ابن القاسم، فإنه لم يكن يجعل عليه للرقيق والحيوان أجرة ولا كراء، وإن ركب استخدم.
وهو قول لا نأخذ به، لأن ذلك ذريعة لأهل الغصب شديدة.
وسمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان: إذا غصبت الجارية فغاب
стр. 97
عليها الغاصب ـ علم أنه كشفها أو لم يعلم ـ فقد وجبت قيمتها للمغصوب؛ نقصت الجارية، أو زادت، فهو بالخيار إن أحب فجاريته، وإن أحب فقيمتها يوم غضبها، وهو قول مالك وجميع أصحابنا.
مطرف وابن الماجشون: ولسنا نقول ذلك في الرقيق المذكور، ولا في الدواب إلا أن يسافر على الدابة السفر البعيد ثم يقدم فيستحقها صاحبها، فهو مخير في القيمة يوم غصبها، وإن كانت اليوم أحسن حالًا، لأنه قد نابها عور أو عرضها الفوت، وإن شاء أخذ دابته وكراء ركوبه إياها.
وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثله، وقال في الجارية ذلك إذا كانت رائعة.
* * *
باب التعدي على الوديعة
ابن حبيب: وسمعت ابن الماجشون يقول: من تعدى في مال في يديه بوديعة أو نحوها فتجر فيه، وهو مليء به أو مفلس، فالربح بالضمان، وهو ضامن للمال في ماله وذمته، إلا والي يتيم مفلس جر في مال يتيم لنفسه فإن مالكًا قال فيه قولًا مستحسنًا، قال: إن ربح فيه فالربح لليتيم، لأنه كان الناظر ليتيمه، والمدبر لماله، والحائط لأمره، والناظر له في نفسه وماله، فلم يكن من النظر ليتيمه أن يتجر لنفسه في ماله، ولا وفاء عنده به، وهو إن تلف ذلك المال وقد تجر فيه لنفسه كان له ضامنًا في ذمته لغريمه.
قال مالك: وإن كان له به وفاء وكان ظاهر المال فالربح له سائغ.
قال لي ابن الماجشون: وأنا أقول به، وقد أباه المغيرة وغيره من أصحابنا، وقال: المفلس والموسر في ذلك سواء، ووالي اليتيم في ذلك كغيره، وبهذا قال المصريون، وهو قول العامة.
стр. 98
وقول مالك فيه أحب إلي، وبه أقول.
* * *
باب منزل غصب منذ زمان
ابن حبيب: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن الرجل يكون في يده المنزل أو غيره الأعوام الكثيرة؛ العشرين سنة أو نحوها، يبني ويغرس ويختدم ويصنع ما يصنع الرجل في ماله، ثم يدعي رجل من جيرانه أنه كان اغتصبه ذلك، ويقيم بينة على الغصب، أو على إقرار الغاصب بالغصب، هل يضره ترك القيام بحقه طول هذا الزمان إذا كان عالمًا ببينته؟
فقالا لي: لا يضره ذلك، لأنه قد علم أصل هذا الشيء كيف كان في يدي هذا الغاصب، وإن عاد من بعد السلطان إلى حال السوقة ومن ينتصف منه، وهو بمنزلة الكتاب عليه بالسكني أو الكراء أو المنفعة، وإن أورث ذلك ورثته واقتسموه بحضرته فهو على حقه أبدًا إلا أن يحدثوا فيه تفويتًا من بيع أو عطايا أو صداق نساء، وهو قائم يعلم ذلك، وهو قادر
стр. 99
على حقه، لا عذر له في تركه، فذلك إذا طال زمان من بعد هذا يقطع حقه وحجته.
قلت: وتجوز شهادة شهدائه له وقد كانوا يرون الغاصب أو وارثه يحتاز غير حقه ولا يقومون بشهادتهم؟
فقالا لي: إذا كان الذي له ذلك الشيء عالما بهم فلا يضرهم تركهم القيام بعلمهم، وإذا لم يكن عالمًا بهم ولم يعلموه بما عندهم من علمهم له فشهادتهم ساقطة، إلا أن يكون الغاصب أو وارثه ممن لا ينتصف منه من ذي السلطان، معروف ذلك، فلا يسقط شهادتهم تركهم إعلام المغصوب بها، لأن لهم في ذلك عذرًا ومقالًا.
وسألت أصبغ عن ذلك، فقال لي مثل قولهما فيه.
* * *
باب التعدي على البهيمة أو العبد
ابن حبيب: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن الرجل يعدو على البهيمة بقطع لبنها.
فقالا لي: إن كان عظم شأنها اللبن مثل الشاة الغزيرة التي يرتفع ثمنها للبنها فقد ضمن جميع قيمتها إذا انقطع لبنها، وإن لم تكن شاة غزيرة يرتفع ثمنها للبنها فإنه يضمن ما نقصها، لأن تلك أكثر شأنها اللحم، فقلما ينقصها ذهاب ضرعها، وانقطاع لبنها.
стр. 100
قالا: وأما البقرة أو الناقة، فتلك لها منافع كثيرة يعظم لها قدرها سوى اللبن ـ وإن كانت غزيرة ـ لأن البقرة يحرث عليها، والناقة يحمل عليها، فإنما هو ما نقصها.
وسألت أصبغ عن ذلك، فقال لي مثل قولهما.
قال: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن رجل عدا على عبد رجل فقطع يده.
فقالا لي: إن كان صناعًا إنما عظم نفعه خراجه في صنعة يده فقد ضمن جميع قيمته، وإن لم يكن صناعًا وكان كغيره من العبيد ـ وإن كان تاجرًا نبيلًا ـ فإنما فيه ما نقصه ذلك.
قالا لي: وإن فقئت عينه فسواء كان صناعًا أو تاجرًا أو وغدًا إنما فيه ما نقصه ذلك.
قلت لهما: فلو عدا عليه فقطع يديه أو رجليه أو فقأ عينيه؟
فقالا لي: إذا تلزمه قيمته كلها.
قلت: نعم، ولكن أيعتقان عليه؟
قالا: لأنه إنما عدا على عبد غيره فوقع عليه تعديه ومثله وهو في غير ملكه، وإنما يعتق بالمثلة على من فعل ذلك بمن يملكه.
قلت لهما: فهل لسيده أن يختار إمساكه وأخذ نقصه ذلك؟
فقالا: لا، إذا أفسده المتعدي فسادًا فاحشًا لا منفعة فيما يبقى منه فقد لزمته القيمة، ويأخذ المتعدي ما بقي من الشيء الذي تعدى فيه كأنه
стр. 101
له، كان عبدًا أو ثوبًا أو غير ذلك من جميع الأشياء كلها.
قال لي مطرف وابن الماجشون: ومن عدا على فرس رجل أو غيره من الدواب ففقأ عينه، فإنما فيه قيمة ما نقصه، فإن قطع أذنه فمثل ذلك، وإن قطع ذنبه فجميع قيمته لأن الفرس والحمار الفاره والبغل لا يركبه ذو الهيئة مقطوع الذنب، وهو يركبه مفقوء العين وأجدع الأذن، إلا أن يكون في وخش الدواب التي تحمل عليها الأثقال، فلا يكون في قطع ذنبه إلا ما نقصه.
فسألت أصبغ عن ذلك كله، فقال لي فيه أجمع مثل قولهما، إلا في الذي يعدو على عبد الرجل فيقطع يديه أو رجليه أو يفقأ عينيه حيث يضمن قيمته كلها لإبطاله وتفاحش مثلته، فإنه قال: سمعت ابن القاسم يرى أن يعتق عليه، وهو استحسان، ولا تكون المثلة إلا فيما يملك الرجل، قل ذلك أو كثر، على ما قال مطرف وابن الماجشون، وبه أقول.
* * *
باب المغيرين
ابن حبيب: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن القوم يعدون على منزل الرجل، فيغيرون عليه فينتهبونه ويذهبون بما كان فيه من مال أو حلي أو ثياب أو طعام أو ماشية، غير أن الشهود لا يشهدون على معاينة ما يذهبون به، إلا أنهم يشهدون على غارتهم وانتهابهم.
فقال مطرف: أرى أن يحلف المغار عليه على ما ادعى مما يشبه أن يكون له، وأن مثله يملكه، ولم يأت بما يستنكر، ثم يكون القول قوله.
стр. 102
وقال لي ابن الماجشون: لا أرى أن يعطى بقوله وبيمينه ـ وإن ادعى ما يشبه ـ حتى يقيم البينة على كل ما ادعاه من قليل ذلك وكثيره.
وسألت عن ذلك أصبغ فأخبرني عن ابن القاسم مثل قول ابن الماجشون، واحتج بأن مالكًا سئل عن رجل انتهب من رجل صرة فيها دنانير بحضرة شهود، ثم اختلفا في عدة ما كان فيها، والشهود لا يعرفون عدتها. قال مالك: القول قول المنتهب مع يمينه.
وقول مطرف في ذلك أحب إلي، وبه أقول.
وقال ابن كنانة: والظالم أحق من حمل عليه.
فسألت مطرفًا عن هؤلاء المغيرين إذا أخذ منهم أحد، أيضمن جميع ما أغاروا عليه مما ثبتت معرفته، أو ما حلف عليه المغار عليه مما يشبه أن يكون له؟
فقال لي: نعم، يضمن ذلك من أخذ لأن منهم، بعضهم إنما قوي ببعض، وإنما مثلهم عندي كمثل القوم يدخلون حرز الرجل فيسرقون جميعًا الخشبة الكبيرة التي لم يكن بعضهم يقوى عليها دون بعض، وليس ثمنها إلا ثلاثة دراهم، وهم جماعة، فكلهم يقطع، وكل واحد منهم يضمن جميع ثمنها، فكان ما ينوبه أقل مما يقطع فيه لما قطع إذا، ولكنه أنزل كأنه وحده سرق، ذلك حين كان بعضهم إنما قوي ببعض وصار كل واحد منهم إنما تم له ما دخل فيه بصاحبه، فكذلك المغيرون على الرجل والمنتهبون لماله، إنما قوي بعضهم بريح بعض، ولولا اجتماعهم وتعاونهم ما قووا على ذلك.
قال لي مطرف: وكذلك اللصوص المحاربون الذي يقطعون الطريق، من أخذ منهم ضمن جميع ما أخذ هو وأصحابه.
قال لي مطرف: وإن أخذ هؤلاء جميعًا؛ المغيرون والسراق
стр. 103
واللصوص ـ وهم ذوو مال ـ فإنما يؤخذ من كل واحد ما ينوبه.
وقال لي ابن الماجشون وأصبغ - في ضمان ذلك كله ـ مثل قول مطرف.
فسألت مطرفًا عن هؤلاء المغيرين.
فقال لي: حدهم في العقوبة كحد اللصوص والمحاربين إذا شهروا السلاح عليه، وفعلوا ذلك على وجه الغلبة بالمكابرة؛ كان ذلك على أصل نائرة بينهم، أو على وجه العتابة.
وسألت ابن الماجشون عن ذلك، فقال لي مثله، وقاله أصبغ أيضًا.
قال: وقالوا لي جميعًا في والي البلد يعتب على بعض أهل ولايته فيغير عليهم وينسف أموالهم ظلمًا مثل قولهم في المغيرين
* * *
باب غصب الدار
وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن ظالم أسكن معلمًا دار رجل ظلمًا ليعلم له فيها ولده، ثم مات الظالم ومات المعلم.
فقالا لي: صاحب الدار مخير في كراء داره؛ إن شاء أخذه من مال الظالم، وإن شاء أخذه من مال المعلم.
وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثله.
* * *
стр. 104
باب أمة مغصوبةٍ
ابن حبيب: وسمعت أصبغ بن الفرج يقول: اختلف ابن القاسم وأشهب في الأمة المغصوبة تلد عند الغاصب، منه أو من زوج، فيختار المغصوب منه أخذ القيمة يوم غصبها.
فقال ابن القاسم: لا شيء له في الولد إذا اختار أخذ القيمة يوم غصبها.
وقال أشهب: له مع القيمة الولد إن كانوا قيامًا أو قيمتهم إن كانوا قد ماتوا.
قال لي أصبغ: وبهذا نقول، والظالم أحق أن يحمل عليه.
* * *
باب التعدي في الوديعة
ابن حبيب: وسمعت ابن الماجشون يقول: من استودع وديعة فحل صرارها واستسلف منها شيئًا فقد ضمنها كلها إن تلفت، وسواء تلفت قبل أن يرد فيها ما استسلف منها أو بعد أن رد ذلك فيها، فهو لها ضامن ولو لم يستسلف منها شيئًا، إلا أنه قد حل صرارها وأفضى إليها، لأنها لم توكل إلى أمانته وحدها حين استودعها مصرورة، فإذا حل صرارها فقد تعدى وأخرجها من وثاق صاحبها إلى غير وثاقه، فصار بذلك لها مبيحًا.
قال: وإذا استودعها منثورة غير مصرورة فاستسلف منها شيئًا ثم تلف ما بقي منها، فلا ضمان عليه إلا لما استسلف منها.
قلت: فلو رد فيها ما استسلف منها ثم تلفت أيضمن منها شيئًا؟
قال: لا يضمن منها شيئًا، والقول قوله في أنه رد فيها ما استسلف منها، لأنه لما استودعها منثورة غير مصرورة لم يتوثق منها بشيء غير
стр. 105
أمانته، وكأنه أبيح له القضاء فيها والحركة لها.
وقد كان ابن القاسم وأشهب وأصبغ يحملون المصرورة محمل المنثورة.
وقول ابن الماجشون فيه أحب إلي، وبه أقول.
* * *
باب جحدان الوديعة
ابن حبيب: وسمعت أصبغ يقول: قال ابن القاسم - في الرجل يدعي العبد أو الدابة قبل الرجل ويزعم أنه استودعها إياه فينكر أن يكون يعرف شيئًا مما طلب، فيخاصمه فيموت العبد أو الدابة قبل أن يستحقها صاحبها، ثم يستحقها ـ إن الجاحد غارم لقيمته، لأنه يوم جحدها غاصب، فصار لها حينئذ ضامنًا، وكذلك الدار يجحدها ثم يستحقها صاحبها وقد انهدمت بعد الجحود، أن الجاحد غارم لقيمتها يوم يجحدها، وليس يوم يقضى عليه، لانه يوم جحد صار غاصبًا لها، ولو كان غاصبًا لها بدءًا كانت القيمة يوم غصب.
* * *
باب دعوى غصبٍ أو غيره
ابن حبيب: وسألت أصبغ عن الرجل يدعي الماشية قبل الرجل، أترى أن توقف حتى ينافره فيها؟
فقال لي: إن ادعاها قبل غاصب أوقفت له وغلتها حتى يأتي ببينة
стр. 106
ويستبرئ أمره، وإن لم يدعها قبل غاصب وادعاها بوجه شبهة خرجت بها من يديه فإنه إن جاء المدعي بشبهة بينة أو أمر ظاهر رأيت أن توقف له وإلا لم أر ذلك.
قلت له: فإن رأيت إيقافها أتوقف غلتها معها؟
قال: نعم.
قلت: فعلى من رعيتها؟
فقال: على الذي تصير إليه.
قال: والرعية هي القنية بمنزلة النفقة والكسوة في الرقيق، وبمنزلة العلوفة في الدواب، إذا أوقفت بالدعوى الظاهرة والبينة أو بدعواها قبل غاصب؛ فإن ذلك كله ما دامت موقوفة على من تصير له.
قلت: فمن يعجل ذلك منهما؟ وعلى من ترى الحاكم أن يأمره بالإنفاق عليها منهما إلى أن يتبين له من تصير إليه منهما؟
قال: يجتهد في ذلك، فإن قدر عليها بسلف أو إنفاق من بيت مال وما أشبهه فذلك، وإلا كان أولاهما بأن تؤخذ منه النفقة الذي ملكه فيها قائم لم يزل بعد، ولم تخرج من يده بحكم، فإذا ثبت الاستحقاق أداره به على صاحبه وأعداه.
* * *
باب غاصب الدار بالسكنى
ابن حبيب: وسمعت مطرفًا والمدعي يقولان: من غصب رجلًا سكنى داره ولم يغصبه أصلها فانهدمت من غير فعله فليس عليه إلا كراء ما سكن، وإن انهدمت من فعله فعليه كراء ما سكن وربها مخير؛ إن شاء ضمنه قيمة الدار كلها يوم انهدمت من فعله، وإن شاء ضمنه قيمة ما هدم وأخذ البقعة.
стр. 107
قالا: وإن غصبه أصل الدار فسكنها ثم انهدمت من غير فعله فربها مخير؛ إن شاء ضمنه قيمتها يوم غصبها ولا شيء له من كراء ما سكن ولا من البقعة، وإن شاء فله كراء ما سكن وله البقعة ولا شيء له من قيمة الهدم وإن شاء فله البقعة وقيمة الهدم ولا شيء له من الكراء.
وإن هدمها الغاصب فربها مخير؛ إن شاء أخذ قيمتها يوم غضبها، إن شاء فله كراء ما سكن وقيمة ما هدم والبقعة.
وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثله كله.
* * *
باب غصب الجارية
ابن حبيب: وسمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان ـ فيمن غصب رجلًا جارية ثم باعها في سوق المسلمين، فأخذها المشتري، ثم أتى ربها فاستحقها ـ فإنه مخير على الغاصب في وجهين؛ إن شاء أخذ منه قيمتها يوم غضبها، وإن شاء فالثمن الذي به باعها، فإن أخذ الثمن أو القيمة مضت الجارية للمشتري.
وإن أبى المستحق أخذ الثمن أو القيمة من الغاصب وأراد جاريته فإن مالكًا كان يقول: إن شاء أخذ جاريته وأخذ قيمة ولدها من أبيهم، قيمتهم يوم يستحقهم، وإن شاء أخذ قيمة الجارية من المشتري، قيمتها يوم يستحقها، وأخذ أيضًا قيمة ولدها.
ثم رجع مالك عن ذلك يوم استحقت أم ولده [ ..... ] وقال: لا
стр. 108
أرى في هذا على المشتري إلا قيمة الجارية يوم وطئها، ولا أرى عليه في أولاده قيمة.
فرأيت مطرفًا والمصريين أخذوا بقوله الأول، ورأيت ابن الماجشون ومن مضى من المدنيين: ابن دينار وابن أبي حازم والمغيرة وابن كنانة أخذوا بقوله الآخر، وبه نقول، وحكم يومئذ مالك به.
قال لي مطرف وابن الماجشون: فإذا أخذ من المشتري قيمة الجارية رجع على البائع بالثمن الذي كان دفع إليه فقط.
قالا: وإن ماتت الأمة عند المشتري قبل أن يستحقها المستحق وبقي ولدها فليس له على قول مالك الأول على المشتري من قيمتها شيء، وله عليه قيمة ولده منها، قيمتهم يوم استحق أمهم الميتة.
وأما في قوله الآخر فليس له من قيمة الولد شيء، وله قيمة الأم حية كانت أو ميتة، قيمتها يوم وطئها، لأنه يومئذ ضمنها وبضمانه إياها يومئذ سقطت عنه قيمة الولد، لأن كل من وطيء جارية بشبهة يدرأ بها عند الحد فيها فهو ضامن لقيمتها، ثم لا شيء عليه من قيمة ولدها.
من ذلك: الأب يطأ جارية ولده، والرجل يطأ الأمة له فيها شريك، والرجل يطأ الأمة تحل له، وأشباه هذا كثير.
قالا: وإن كره المستحق أخذ قيمتها من المشتري رجع به على الغاصب فأخذ منه الثمن أو القيمة.
قالا: وإن وجد ولدها قد ماتوا فليس له ـ في قول مالك الأول ـ من قيمتهم شيء، وإن قتلوا فدياتهم لأبيهم، وقيمتهم عليه للمستحق ـ في قول مالك الأول ـ إلا أن تكون دياتهم أقل من قيمتهم فلا يكون عليه غيرها.
قالا: وإن كان المشتري إنما زوجها فولدت فالولد للمستحق مع الأمة، فإن أراد أخذهم وأخذ الأمة في القولين جميعًا، وإن أبى
стр. 109
فليس له على المشتري شيء، ويرجع على الغاصب، فيأخذ منه الثمن أو القيمة.
قالا: وإن كانت الأمة إنما ولدت عند الغاصب فسواء ولدت منه أو من زوج زوجه إياها الغاصب، فالمستحق مخير؛ إن شاء أخذ من الغاصب قيمتها يوم غضبها، وإن شاء أخذها وأخذ ولدها كلهم، وعلى الغاصب الحد إذا كان الولد منه.
قالا: وإن مات ولدها عند الغاصب ـ منه كانوا أو من زوج ـ ثم استحق المستحق الأمة وأراد أخذها وأخذ قيمة الولد فليس ذلك له، وإنما له قيمتها يوم غصبها أو يأخذها وحدها، وكذلك لو ماتت هي وبقي ولدها فأراد أخذ الولد لم يكن له غيرهم، وإن أباهم فله قيمة الأم يوم غصبها.
قال: وإن وجد الأم عند الغاصب لم تلد، وهي بحالها أو أحسن حالًا، فهو مخير: إن شاء أخذها، وإن شاء تركها وأخذ قيمتها إذا كان الغاصب قد غاب عليها، علم أنه وطئها أو لم يعلم ذلك.
وإن وجدها وقد نقصت فأراد أخذها وأخذ ما نقصها فليس ذلك له، وليس له إلا أن يأخذها بعينها أو يدعها ويأخذ قيمتها يوم غصبها، إلا أن يكون نقصانها من شيء صنعه بها الغاصب؛ من قطع يد أو رجل، أو فقء عين، أو شئ جاء من قبل الغاصب، فيكون له حينئذ أن يأخذها ويأخذ ما نقصها الذي بها، أو يدعها ويأخذ قيمتها يوم غضبها، وإن كان ذلك من فعل غير الغاصب فليس له إلا أن يأخذها ناقصة ويتبع الذي فعل بها، أو يدعها ويأخذ قيمتها يوم غضبها ويتبع الغاصب الذي فعل ذلك بها.
قالا: وإن وجدها عند مشتر اشتراها وهي بحالها أو أحسن حالًا فهو مخير في ثلاثة أشياء: إن شاء أخذها بعينها، وإن شاء تركها وأخذ الثمن الذي باعها به الغاصب، وإن شاء فالقيمة يوم غصبها الغاصب إذا كان قد غيب عليها، كما فسرنا لك.
стр. 110
وإن وجدها وقد باعها المشتري من آخر، ثم باعها الآخر من آخر أيضًا، وهي بحالها أو أحسن حالًا فهو بالخيار في أخذ أي ثمن شاء من أثمانها التي بيعت بها، وتمضي الجارية لمشتريها، يأخذ ذلك الثمن الذي قبضه، ويرجع الذي أخذ منه الثمن على الذي باعه بالثمن الذي باعه به، وإن شاء المستحق أخذ جاريته، وإن شاء أخذ قيمتها من الغاصب يوم غصبها، وإن كانت بحالها أو أحسن حالًا، إذا كان قد غيب عليها، كما فسرنا لك.
وسألت أصبغ عن ذلك كله، فقال لي فيه أجمع مثل قوليهما، إلا أني رأيته أخذ فيما اختلف فيه قول مالك في تلك المسألة بقول مالك الأول وبه أخذ المصريون.
* * *
باب التعدي في الميراث
ابن حبيب: وسألت مطرفًا عن امرأة مات عنها زوجها، وترك أرضًا وبقرًا وغنمًا ودواب فاستعملت ذلك كله زمانًا، وورثة الهالك صغار أو غيب، ما عليها؟
فقال: عليها حظوظهم من كراء ما حرثت من الأرض، واستعملت من البقر، وسخرت من الدواب بعد أن تقاص بالعلف، وما مات من البقر والدواب في عملها فهي لقيمتها ضامنة، وما استعملت من ذلك فدخله نقص أو عيب فأهله مخيرون في أخذه، وما نقصها أو تضمينها إياه بقيمة يوم أخذته وتعدت عليه، وما مات أو نقص في غير عملها ولا سببها
следующие страницы →