← Акыда

Акыда · id 116

ابن حزم وموقفه من الإلهيات عرض ونقد

أحمد بن ناصر الحمد

Полный текст (510 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٤ - الإجماع ومسائله على أبواب الفقه. (١) ٥ - أجوبة "كالأجوبة على المسائل المستغربة من البخاري" لابن عبد البر. (٢) ٦ - الإحكام لأصول الأحكام. (٣) ٧ - اختصار كلام جالينوس في الأمراض الحادة. (٤) ٨ - اختلاف الفقهاء الخمسة - مالك، وأبى حنيفة، والشافعي، وأحمد، وداود (٥). ٩ - الأخلاق والسير، في مداواة النفوس، أو رسالة في مداواة * * * * *

стр. 72

النفوس وتهذيب الأخلاق والزهد في الرذائل. (١) ١٠ - أخلاق النفس. (٢) ١١ - الأدوية المفردة. (٣) ١٢ - الاستجلاب. (٤) ١٣ - الاستقصاء. (٥) ١٤ - أسماء الخلفاء المهديين، والأئمة أمراء المؤمنين، وأسماء الولاة من قريش، ومن بني هاشم أمور المسلمين، وذكر مددهم إلى زماننا. (٦)

стр. 73

١٥ - أسماء الصحابة الرواة وما لكل من العدد. (١) ١٦ - أسماء الله الحسنى. (٢) ١٧ - أسواق العرب. (٣) ١٨ - أصحاب الفتيا من الصحابة ومن بعدهم على مراتبهم في كثرة الفتيا. (٤) ١٩ - الأصول، والفروع. (٥) ٢٠ - إظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما لا يحتمل التأويل، وهذا معنى لم يسبق

стр. 74

إليه كما قال ابن خلكان. (١) ٢١ - الإظهار لما شنع به على الظاهرية (٢) ٢٢ - الإعتقاد. (٣) ٢٣ - الإعراب عن الحيرة والإلتباس الواقعين في مذهب أهل الرأي والقياس (٤). ٢٤ - الإمامة والسياسة في قسم سير الخلفاء ومراتبها والندب والواجب منها. (٥) (٢٥) - الإملاء في قواعد الفقه. (٦)

стр. 75

٢٦ - أمهات الخلفاء (١) ٢٧ - الإنصاف. (٢) ٢٨ - أن القرآن ليس من نوع بلاغة الناس. (٣) ٢٩ - أوقات الأمراء. (٤) ٣٠ - أوهام الصحيحين. (٥) ٣١ - الإيصال إلى فهم كتاب الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال ولحرام والسنة والإجماع. أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من أئمة المسلمين ﵃ أجمعين في مسائل الفقه والحجة لكل طائفة وعليها وهو كتاب كبير كما قال ابن خلكان، ويقول الوزير أبو محمد بن العربي: "وكان عند الإمام أبى محمد بن حزم كتاب الإيصال في أربع وعشرين مجلدا بخط يده وكان في غاية الإدماج". (٦)

стр. 76

٣٢ - الإيمان في الرد على عطاف بن دوناس القيروانى. (١) ٣٣ - بلغة الحكيم (٢). ٣٤ - البلقاء في الرد على عبد الحق بن محمد الصقلى. (٣) ٣٥ - البيان عن حقائق الإيمان (٤) ٣٦ - بيان غلط عثمان بن سعيد الأعور في المسند والمرسل (٥) ٣٧ - بيان الفصاحة والبلاغة (٦) ٣٨ - تارك الصلاة عمدًا حتى يخرج وقتها لا قضاء عليه فيما قد خرج من وقته (٧). ٣٩ - التأكيد (٨)

стр. 77

٤٠ - التبيين في هل علم المصطفى ﷺ أعيان المنافقين. (١) ٤١ - التحقيق في نقد زكريا الرازي في كتابه العلم الإلهي (٢) ٤٢ - ترتيب سؤالات عثمان الدارمى لابن معين. (٣) ٤٣ - الترشيد في الرد على كتاب الفريد لابن الراوندى في اعتراضه على النبوات. (٤) ٤٤ - تسمية الشعراء الوافدين على ابن أبي عامر. (٥) ٤٥ - تسمية شيوخ مالك. (٦) ٤٦ - التصفح في الفقه. (٧) ٤٧ - التعقب على الإفليلى في شرحه لديوان المتنبى. (٨)

стр. 78

٤٨ - تفسير قوله تعالى: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا" (١) (٢) ٤٩ - التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بألفاظ العامية، والأمثلة الفقهية قال الحميدي: "فإنه سلك في بيانه وإزالة سوء الظن عنه وتكذيب الممخرقين به طريقة لم يسلكها أحد قبله فيما علمناه (٣) " ويذكر ابن حيان أنه زل وسقط في المنطق وضل في شكول المسالك وخالف أرسطاطا ليس واضعه مخالفة من لم يفهم غرضه. (٤) ٥٠ - التلخيص لوجوه التخليص في المسائل النظرية وفروعها التي لا نص عليها في الكتاب ولا الحديث. (٥)

стр. 79

٥١ - تنوير المقباس. (١) ٥٢ - تواريخ أعمامه، وأبيه، وإخوته، وبنيه، وبناته، مواليدهم وتاريخ من مات منهم في حياته (٢) ٥٣ - التوفيق إلى شارع النجاة باختصار الطريق (٣) ٥٤ - الجامع (٤) ٥٥ - الجامع في صحيح الحديث باختصار الأسانيد. (٥) ٥٦ - جمل فتوح الإسلام بعد رسول الله ﷺ . (٦)

стр. 80

٥٧ - جمهرة أنساب العرب. (١) ٥٨ - جوامع السيرة. (٢) ٥٩ - حجة الوداع. (٣) ٦٠ - الحد والرسم. (٤) ٦١ - حد الطب. (٥) ٦٢ - الحدود. (٦) ٦٣ - حديثان أحدهما في صحيح البخاري، والآخر في صحيح مسلم زعم أنهما موضوعان رواية أبى عبد الله محمد بن نصر الحميدي. (٧)

стр. 81

٦٤ - حكم من قال إن أرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم الدين. (١) ٦٥ - الدرة فيما يلزم الإنسان اعتقاده والقول به في الملة والنحلة باختصار وبيان (٢) ٦٦ - ديوان شعره (٣). ٦٧ - رد على إسماعيل بن إسحاق "في كتابه في الخمس " قال أبو محمد "وهو كتاب مشهور معلوم ولنا عليه فيه رد هتكنا عواره فيه وفضحناه بحول الله وقوته". (٤) ٦٨ - الرد على ابن النغريلا. (٥) ٦٩ - الرد على أنا جيل النصارى. (٦)

стр. 82

٧٠ - الرد على من اعترض على الفصل. (١) ٧١ - الرد على من كفر المتأولين من المسلمين (٢) ٧٢ - الرد على الهاتف من بعيد. (٣) ٧٣ - رسالتان أجاب فيهما عن رسالتين سئل فيهما سؤال التعنيف (٤). ٧٤ - الرسالة اللازمة لأولي الأمر. (٥) ٧٥ - زجر الغاوي. (٦) ٧٦ - السعادة في الطب. (٧) ٧٧ - السياسة. (٨) ٧٨ - السيرة النبوية. (٩)

стр. 83

٧٩ - تفسير الموطأ، أو شرح أحاديث الموطأ والكلام على مسائله. (١) ٨٠ - شرح فصول بقراط. (٢) ٨١ - شفاء الضد بالضد. (٣) ٨٢ - شيء في العروض (٤). ٨٣ - الصمادحية في الوعد والوعيد (٥). ٨٤ - الضاد والظاء (٦). ٨٥ - الطب النبوى. (٧) ٨٦ - طوق الحمامة في الألفة والألَّاف (٨).

стр. 84

٨٧ - العتاب على أبى مروان الخولانى. (١) ٨٨ - عدد ما لكل صاحب في مسند بقى بن مخلد. (٢) ٨٩ - غزوان المنصور بن أبي عامر. (٣) ٩٠ - الغناء الملهى أمباح هو أم محظور. (٤) ٩١ - "رسالة في آية" (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك (٥)) من سورة يونس آية "٩٤". ٩٢ - مجموع فتاوى عبد الله بن عباس (٦) ٩٣ - كتاب الفرائض. (٧) ٩٤ - الفصل في الملل والأهواء والنحل (٨)، سألقي الضوء على هذا الكتاب لما له من أهمية بالنسبة لموضوع هذه الرسالة التي نحن بصددها، فهو يحوى الكثير من آراء ابن حزم في الإلهيات

стр. 85

صلب بحثنا وكتاب الفصل (١) كما تدل عليه تسميته هو مجموعة من الرسائل المتفرقة. كرسالة المفاضلة بين الصحابة وإظهار تبديل اليهود والنصارى للتوارة والإنجيل، والإمامة، وذكر العظائم المخرجة إلى الكفر. وحكم من قال إن أرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم الدين، وهو بمجموعه يشتمل على ستة مجلدات كما ذكر ذلك أبو محمد بن العربي (٢). وقد كتبه أبو محمد في أوقات مختلفة اذ لا يمكن ان يكون كتبه في سن مبكرة، لأن ما يشتمل عليه لا يحصل الا بعد اطلاع واسع على كثير من المصادر والمراجع وبعد نضوج عقلي تام. وقد ذكر في جزء منه ما يدل على أنه كتبه في حدود أربعين وأربعمائة من الهجرة تقريبًا. (٣) ويسمى أبو محمد هذا الكتاب أحيانا الديوان (٤) وهو عبارة عن تاريخ انتقادي للمذاهب البشرية عموما أهل الأديان وغيرهم، وهو لا يتناول فيه نحلة إلا عرف دقائقها، وحاور فيه كأحسن ما يحاور فيلسوف، وقد جادل جدالا استأثر بكل ما فيه من ذكاء وعمق وبصر نافذ، وهو لا يبارى في نقد تلك الأديان، وكذلك في نقد الفرق الإسلامية وقد خص معظم الجزء الأول والثاني لمناقشة أقوال الفلاسفة، وكل اعتماده في

стр. 86

مناقشته على النص والعقل. والكمال لله تعالى ففي عرض بعض آراء الفرق لم يعتمد في أخذها على أصحابها، فقد ينقلها من الخصوم، فيخالف الدقة في هذا. ولكن الكتاب بوجه عام لم يؤلف في موضوعه مثله فيما أعلم، وقد ترجم إلى الاسبانية واحتل مكانة كبيرة عند الأوروبيين إذ لقبوا مؤلفه من أجله بلقب مؤسس علم الأديان المقارن. (١) ٩٥ - كتاب الفضائح. (٢) ٩٦ - فضائل الأندلس وأهلها. (٣) ٩٧ - فضل العلم وأهله. (٤) ٩٨ - فهرست شيوخ ابن حزم. (٥) ٩٩ - القراءات المشهورة في الأمصار الآتية مجيء التواتر. (٦) ١٠٠ - قصر الصلاة. (٧)

стр. 87

١٠١ - قصيدة في الهجاء ردًا على قصيدة نقفور، وقصيدة ميمية أخرى مطلعها: لك الحمد يا رب والشكر ثم ... لك الحمد ما باح بالشكر فم (١) ١٠٢ - ما خالف فيه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي جمهور العلماء، وما انفرد به كل واحد، وقطعة فيما خالف فيه كل واحد الإجماع المتيقن المقطوع به (٢). ١٠٣ - المجلى بالاختصار (٣). ١٠٤ - المحلى بالآثار، شرح المجلى بالاختصار (٤). قال عن هذا الكتاب عز الدين بن عبد السلام: "ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل المحلى لابن حزم، والمغنى للشيخ الموفق (٥) ١٠٥ - المحاكمة بين التمر والزبيب في الطب (٦). ١٠٦ - نحتصر كتاب الساجى في الرجال (٧).

стр. 88

١٠٧ - مختصر الملل والنحل. (١) ١٠٨ - مختصر الموضح لأبى الحسن المغلس الظاهري. (٢) ١٠٩ - مراتب الإجماع. (٣) ١١٥ - مراتب الديانة. (٤) ١١١ - مراتب العلماء وتواليفهم. (٥) ١١٢ - مراتب العلوم وكيفية طلبها وتعلق بعضها ببعض. (٦) ١١٣ - مراقبة أحوال الإمام. (٧) ١١٤ - المرطار في اللهو والدعابة. (٨) ١١٥ - مسائل أصول الفقه. (٩) ١١٦ - مسألة الإيمان. (١٠)

стр. 89

١١٧ - مسألة في الروح. (١) ١١٨ - مسألة الكلب. (٢) ١١٩ - مسألة هل السواد لون أم لا.؟ (٣) ١٢٠ - المعارضة "رسالة". (٤) ١٢١ - معرفة النفس بغيرها وجهلها بذاتها. (٥) ١٢٢ - معنى الفقه والزهد. (٦) ١٢٣ - المفاضلة بين الصحابة. (٧) ١٢٤ - مقالة النحل. (٨) ١٢٥ - ملخص إبطال القياس والرأى والاستحسان والتقليد والتعليل. (٩) ١٢٦ - من ترك الصلاة عمدًا. (١٠)

стр. 90

١٢٧ - منتقى الإجماع وبيانه من جملة ما لا يعرف فيه اختلاف. (١) ١٢٨ - مهم السنن. (٢) ١٢٩ - الناسخ والمنسوخ. (٣) ١٣٠ - النبذة الكافية في أصول أحكام الدين. (٤) ١٣١ - نسب البرير. (٥) ١٣٢ - النصائح المنجية من الفضائح المخزية والقبائح المردية. (٦)

стр. 91

١٣٣ - نقط العروس في النوادر (١). ١٣٤ - نكت الإسلام (٢). ١٣٥ - هل للموت آلام أم لا؟ (٣). ١٣٦ - اليقين في نقض تمويه المعتذرين عن إبليس وسائر المشركين (٤). هذا مبلغ معرفتي من مؤلفات ابن حزم ولا شك أنه قليل من كثير من مؤلفاته. ويدرك المطلع في سيرته الكثير من العوامل الداعية لفقدها وإتلافها، ومن ذلك عدم تأييد معاصريه ومن بعدهم لمذهبه، والتحذيرات الكثيرة من كتبه خاصة. ثم ما طرأ على الأندلس عامة - من وقت ابن حزم إلى أن استولى النصارى عليها وأخرجوا المسلمين - من كثرة الحروب والخلافات بين الحكام، والتي من نتائجها الهدم للمكتبات وإحراقها وامتداد أيدي السوء إليها إلى غير ذلك من العوامل.

стр. 92

٨ - وفاته: عاش ابن حزم حياة زاخرة بالمحن والمصائب، فلم يستذل لها، ولا انقادت له فلم يستقر بعد بلوغه العشرين من العمر تقريبا في مدينة أو قرية معينة بل كان يتنقل بين المدن والقرى الأندلسية ولم يغادر الأندلس إلى سواها (١). انتقل أولا من قرطبة إلى المرية ثم منها نفى إلى حصن القصر. ثم ذهب إلى بلنسية ثم رجع إلى قرطبة، ولم يطل استقراره هناك، وقد نزل شاطبة وبها ألف كتابه الطوق (٢). وكانت مناظرته للباجي في ميورقه، وأحرق المعتضد كتبه في أشبيليه وقد صور لنا حاله في آخر كتابه الطوق وهو أول مؤلفاته كما نعلم وقد استمرت حاله على ما كان، قال: "الكلام في مثل هذا إنما هو مع خلاء الذرع وفراغ القلب .. وأنت تعلم أن ذهني متقلب وبالى مهصر بما نحن فيه من نبو الديار والخلاء عن الأوطان .. وتغير الزمان ونكبات السلطان

стр. 93

وتغير الإخوان، وفساد الأحوال وتبدل الأيام وذهاب الوفر. والخروج عن الطارف والتالد، واقتطاع مكاسب الاباء والأجداد والغربة في البلاد وذهاب المال والجاه والفكر في صيانة الأهل والولد واليأس من الرجوع إلى موضع الأهل (١). وقد استقرت النوى بهذا المجاهد العظيم بعد أن طوف في مدن الأندلس وقراها بقرية بلده من بادية لبله، وقيل في منت ليشم، وهي قرية ابن حزم، فتوفى فيما ذكره صاعد نقلا من خط ابنه أبى رافع أن أباه: "توفى ﵀ عشية يوم الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة فكان عمره ﵀ إحدى وسبعين سنة وعشرة أشهر، وتسعة وعشرين يوما (٢) ". وعلى هذا جرى كثير ممن أرخوا لابن حزم، ولم يرو خلافه، إلا عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن العربي: "بأنه توفي جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وأربعمائة (٣) "، وهذه رواية شاذة مخالفة للجمهور.

стр. 94

الفصل الثاني: عصر ابن حزم تمهيد: لقد ثبت أن الظروف التي تحيط بالشخص والبيئة التي يعيش فيها لهما دخل كبير في تكييف حياته، وطبعها بطابع خاص، فالشخصية تتكون وتبرز متأثرة بالبيئة التي هي فيها ولا يلزم من هذا التأثر أن تتجاوب لروح العصر مجاوبة تامة بحيث لا تختلف عنها، بل إن التأثر قد يكون بمخالفة الغير إذ أن البيئات تختلف بالنسبة للأشخاص الموجودين في عصر واحد فللتربية التي يتلقاها الشخص في البيت وفي المدرسة والكتب التي يقرؤها والأحوال السياسية والاجتماعية والعلمية القائمة في عصره كل أولئك عناصر هامة في تكوين الشخصية وتعيين اتجاهها فمن الضروري عند دراسة شخصية من الشخصيات التي كان لها أثر بارز في ناحية من نواحي الحياة أن تدرس الظروف والبيئة المحيطة بتلك الشخصية حتى يوقف منها على العوامل التي أدت إلى ظهورها، وابن حزم أحد الشخصيات التي كان لها شأن عظيم، فهو من أنبغ الثمرات التي انشق عنها فردوسنا المفقود "الأندلس" فهو من أعلام الدين، والشعر والأدب والتاريخ والفلسفة والسياسة، وقد تعرض للنكبات والنفي، ومجاوبته لروح عصره كانت واضحة في كل مسلك سلكه لذا وجب علينا أن نتكلم في عصر ابن حزم عن أحوال السياسة والاجتماع، والعلم في الأندلس من أول القرن الرابع إلى ما بعد النصف من القرن الخامس الهجري تقريبا لأن ما حصل في هذه الفترة من تلك الأحوال يكون له انعكاس على حياته وتأثير على خط سيره، ولنبتدىء بالكلام على الأحوال السياسية.

стр. 95

١ - الأحوال السياسية: تولى على بلاد الأندلس منذ فتحت إلى أن دخلها عبد الرحمن بن معاوية الملقب بالداخل قرابة عشرين أميرًا من قبل أئمة المسلمين بالشرق طوال دولة بني أمية وأ يكن الأمر مضبوطًا في الجملة بيد حازمة من قبل أولئك الأفراد لضعفهم وبعدهم عن مقر الخلافة وكون الأندلسيين من عناصر متباينة فكثرت الخلافات والفتن بينهم. (١) إلى أن نفذ عبد الرحمن الداخل إلى المغرب - بعد أن تغلب العباسيون على الأمويين في الشرق. فأصبح أميرًا على الأندلس وضبط الأمور ووحد الكلمة وكان يلقب بالأمير وعلى هذا جرى بنو من بعده فلم يدع أحد منهم بأمير المؤمنين تأدبًا مع الخلافة بمقر الإسلام في المشرق. حتى كان عبد الرحمن الناصر وهو ثامن أمراء بني أمية بالأندلس فتسمى بأمير المؤمنين لما رأى من ضعف خلفاء بني العباس وغلبة الأعاجم عليهم وكونهم لم يتركوا لهم غير الاسم، وذلك في عام سبعة عشر وثلاثمائة تقريبا. (٢) وقد تولى الإمارة في مطلع القرن الرابع الهجري بعد وفاة جده الأمير عبد الله بن محمد والذي اضطربت الأندلس في عهده وكثر المتغلبون في نواحيها. (٣) فهدأ عبد الرحمن ذلك الاضطراب فاستقامت له الأندلس في سائر جهاتها

стр. 96

بعد نيف وعشرين سنة من أيامه واستولى على سبته وفاس من بلاد المغرب. (١) وكان كثير الجهاد بنفسه فأوطأ عساكر المسلمين من بلاد الإفرنج ما لم يطؤوه من قبل ومدت إليه أمم النصرانية يد الإذعان وأرسلوا إليه رسلهم وهداياهم في سبيل المهادنة والسلم فبلغت دولة الإسلام في عهده مبلغا لا ينال. (٢) يقول ابن حزم: "إن دولة بني أمية بالأندلس كانت أنبل دول الإسلام وأنكاها في العدو قد بلغت من العز والنصر ما لا مزيد عليه". (٣) وقد دامت خلافة عبد الرحمن الناصر نصف قرن من الزمن بلغت بلاد الأندلس فيها الذروة من العز والسؤود والرفعة، فقد قضى على الاضطرابات السائدة وأدب الخارجين عليه وقهر أعداءه وأرهب الأسبان فعم الرخاء والأمن أرجاء الأندلس وما تبعه من المغرب إلى أن توفي سنة خمسين وثلاثمائة فأتى بعده ابنه الحكم بن عبد الرحمن ويلقب بالمستنصر بالده وكان حسن السيرة وسار على سيرة أبيه ولكن مدته لم تطل كأبيه حيث توفي سنة ٣٦٦ هـ، (٤) وبوفاته انقضى العصر الذهبي للأندلس وبدأ عصر الفوضى والاضطراب والتغلب على الخليفة، ولم يأت بعده من الأمويين خلفاء كالسابقين إلا إسما حيث تولى بعد الحكم المستنصر ابنه هشام المؤيد وكان دون البلوغ فمن الطبيعي أن يستبد بالأمر أحد الأوصياء على الخليفة الصغير فظهر المنصور ابن أبي عامر وضبط الأمور بقوة شخصيته ودهائه ونجح في السيطرة على مقاليد الأمور ورسم لنفسه خطة بارعة للقضاء على

стр. 97

الخصوم والمنافسين. كل ذلك عن هشام وخطه وتوقيعه وتسمى بالحاجب. وأجبر الأندلسيين على الخضوع لهذه الحكومة العسكرية الاستبدادية التي اعتمد في تكوينها على عناصر من غير العرب واتخذ الوزراء - وكان منهم أحمد بن سعيد والد علي بن حزم - ونفذت الكتب والمخاطبات والأوامر باسمه وأمر بالدعاء له على المنابر عقب الدعاء للخليفة ومحا رسم الخلافة بالجملة ولم يبق لهشام المؤيد من رسوم الخلافة أكثر من الدعاء له على المنابر وكتب اسمه في السكة، وقد كان من نتائج هذه السياسة الإرهابية أن اضطرمت نيران الفتنة بعد وفاته بزمن قليل ولم تنطفىء إلا بعد أن قضت على الإسلام في الأندلس - وكانت الأحوال طوال أيام حجابته على ما كانت عليه في عهد الحكم المستنصر فحمى الثغور وساد الأمن بلاد الأندلس فهو من أعظم السلاطين دهاء وحزما وهيبة في القلوب فكان يجهز الجيوش ويغزو بنفسه حتى إن غزواته تجاوزت الخمسين غزوة في سائر أيام ملكه ولم تنكس له راية ولا فل له جيش وما أصيب له بعث وما هلكت له سرية. (١) إلى أن توفي سنة ٣٩٢ هـ وقد دامت أيامه سبعا وعشرين سنة. فخلفه ابنه عبد الملك وتلقب بالمظفر فجرى على سنن أبيه في السياسة والغزو وكانت أيامه أعيادا دامت سبع سنين. وكانت تسمى بالسابع تشبيهًا بسابع العروس ولم يزل مثل اسمه إلى أن مات سنة ٣٩٨ هـ على الراجح. (٢) فخلفه على الحجابة أخوه عبد الرحمن وتلقب بالناصر - وقيل بالمأمون - وجرى على سنن أبيه وأخيه في الحجر على الخليفة هشام

стр. 98

والاستبداد عليه ثم ثاب له رأى في الاستئثار بما بقى من رسوم الخلافة فحمل الخليفة المستضعف هشامًا المؤيد على العهد له بالخلافة بعده. فنقم عليه أهل الدولة ذلك وثارت ثائرة الأمويين والمضريين وكانت فتنة خلع فيها هشام المؤيد وسجن وبويع محمد بن هشام بن عبد الجباربن أمير المؤمنين الناصر لدين الله من أعقاب الخلفاء، ولقبوه المهدي بالته، وكان عبد الرحمن الناصر - الحاجب - في إحدى غزواته فلما علم عاد لتلافي الأمر فوجد أنصاره قد انصرفوا عنه وثار به جنده وقتلوه سنة ٣٩٩ هـ وانتهى بذلك أمر الدولة العامرية. (١) وبدأ المهدي يشدد الوطأة على البرابرة لأن الأموية كانت تعتد عليهم مظاهرتهم العامريين وتنسب تغلبهم إليهم فأمر أن لا يركبوا ولا يتسلحوا، ورد بعض رؤسائهم من باب القصر وألحق بهم ما أزعجهم عن المدينة. فثاروا وهاجموها وخلعوا المهدى ففر، وبايعوا من بعده سليمان بن الحكم بن الناصر الذي تلقب بالمستعين سنة ٤٠٠ هـ ولكن المهدي لم يستكن فذهب إلى ملك قسطيلة الأسباني واستعان به فاسترد ملكه وخرج المستعين من قرطبة، وقامت موقعة أخرى بين البربر ومعهم المستعين، والمهدي ومعه النصارى فانهزم المهدي وقتل فأخرجوا هشامًا المؤيد وأعادوا الأمر له مرة ثانية سنة ٤٠٣ هـ فناوأه المستعين فعاد إلى قرطبة بجيش من البربر من نفس السنة وقتل هشام المؤيد سرًّا. فبدأت المهازل تترى بين المتقاتلين على الإمارة فتوزع الملك البرابرة وجعلوه قسمة بينهم واستقل كل منهم

стр. 99

بإقليم. (١) وقد وصف لنا أبو محمد بن حزم خراب دورهم بقرطبة من جراء هذه الأحداث بعد أن استخبر من ورد إليه منها. وكان قد أجلى. فقال: "ولقد أخبرني بعض الوارد من قرطبة وقد استخبرته عنها أنه رأى دورنا ببلاط مغيث في الجانب الغربي منها وقد أمحت رسومها وطمست أعلامها وخفيت معاهدها، وغيرها البلى وصارت صحارى مجدبة بعد العمران وفيافي موحشة بعد الأنس، وخرائب منقطعة بعد الحسن، وشعابًا مفزعة بعد الأمن ومأوى للذئاب ومعازف للغيلان وملاعب للجان ومكامن للوحوش". (٢) في تلك الأيام المملوءة بالفتن والاضطرابات السياسية نهض خيران العامري حاكم المرية وكاتب الأدارسة وحرض على قتل المستعين حتى جاء علي بن حمود العلوي من الأدارسة وفتح قرطبة سنة ٤٠٧ هـ وقتل المستعين وتلقب بالناصر فبدأت دولة العلويين فأحس خيران خيفة من ابن حمود فسعى سرًّا ليعيد الأمر إلى الأمويين بعد أن سعى قبل ذلك بخروجه منهم، وظهر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن الناصر ببلنسية فبايعه أكثر أهل الأندلس وتقلب بالمرتضي وذلك سنة ٤٠٨ هـ وقد قدم عليه ابن حزم فاتخذه وزيرًا له وقد سار المرتضي ومعه ابن حزم بجيشه الذي يضم خيران العامري وصاحبه المنذر بن يحيى إلى قرطبة لحرب بني حمود ولكن وقفت أمامهم جيوش غرناطة وعليها في ذلك الوقت شيخ البربر زاوى بن زيرى الصنهاجى فنشبت الحرب بين الفريقين وانتهت بهزيمة المرتضي لخيانة وقعت من خيران وصاحبه ووقع أبو محمد في

стр. 100

الأسر ثم أطلق سراحه ونجا المرتضي بنفسه وقت الهزيمة ولكن دس عليه خيران من قتله غيلة وكان ذلك سنة ٤٠٩ هـ تقريبًا فاستمر الأمر في قرطبة بيد بني حمود؛ تعاقبه علي بن حمود، القاسم بن حمود، يحيى بن علي. (١) وفي جمادى الثانية سنة ٤١٤ هـ ثار أهل قرطبة بالبربر وأعلنوا خلع القاسم وأرغموه على مغادرة القصر وأجمعوا على رد الأمر لبني أمية فبايعوا عبد الرحمن بن هشام المستظهر من بين ثلاثة اختاروهم في رمضان سنة ٤١٤ هـ وكان أبو محمد بن حزم من المؤيدين له فأصبح من وزرائه مع غيره من وزراء بني أمية القدامى وكان المستظهر كما وصفه ابن حيان: "لبقًا ذكيًا وأديبًا لوذعيًا لم يكن في بيته يومئذ أبرع منه منزلة وكان قد نقلته المخاوف وتقاذفت به الأسفار فتحنك وتخرج وتمرن فيها". (٢) ولكن خلافته لم تدم أكثر من شهرين إذ ثار عليه محمد بن عبد الرحمن الملقب بالمستكفي وقتله في سبع وعشرين ذي القعدة سنة ٤١٤ هـ، واستقل بأمر قرطبة ثم بعد ستة عشر شهرًا من بيعته رجع الأمر إلى المعتلي يحيى بن علي بن حمود سنة ٤١٦ هـ. ثم بدا لأهل قرطبة فخلعوا المعتلي بن حمود سنة ٤١٧ هـ وبايعوا هشام بن محمد أخا المرتضي وذلك سنة ٤١٨ هـ وتلقب بالمعتد بالله وكان بالثغر ولم ينزل دار الخلافة إلا في آخر سنة ٤٢٠ هـ. (٣) وقد كان من وزرائه أبو محمد بن حزم ولكن لم تطل مدته إذ خلعه الجند سنة ٤٢٢ هـ ونودى في قرطبة بأن لا يبق فيها أحد من بني أمية وبانتهاء المعتد بالله انتهت حياة ابن حزم الوزارية.

стр. 101

يقول المقري في وصف تلك الأحوال وما جري! بعد ذلك: "وانقطعت الدولة الأموية من الأرض وانتثر سلك الخلافة بالمغرب وقام الطوائف بعد انقراض الخلائف وانتزى الأمراء والرؤساء من البربر والعرب والموالي بالجهات واقتسموا خطتها وتغلب بعضهم على بعض واستقل أخيرًا بأمرها منهم ملوك استفحل أمرهم وعظم شأنهم ولاذوا بالجزى للطاغية أن يظاهر عليهم أو يبتزهم ملكهم وأقاموا على ذلك برهة من الزمان حتى قطع عليهم البحر ملك العدوة وصاحب مراكش أمير المسلمين يوسف بن تاشفين اللمتوني فخلعهم وأخلى منهم الأرض". (١) وفي هذا العصر المضطرب الزاخر بالأحداث السياسية عاش أبو محمد علي بن حزم فشاهد انحلال الخلافة الأموية واستقلال كل وال بولايته وشاهد الفترة الأولى من ملوك الطوائف. بنو عباد ملوك أشبيلية والذي أحرق ثانيهم المعتضد كتبه، وبنو جهور بقرطبة وغيرهم كثير، هذه هي حالة الأندلس في عصر ابن م حزم. ملك قوي لم يذقه إلا في نعومة أظفاره ثم اضطراب وفتن عكرت صفو شبابه وغيرت مجرى حياته ثم خضوع وصغار لأعداء الإسلام حتى دفعت الأتاوات لطاغية النصارى واستمرت تلك الحال طوال حياته وقد شاهد سقوط الدولة العامرية وبه كان سقوط وزارة أبيه، واقتحام البربر قرطبة وتنازع الأمراء على كرسي الإمارة، وقد رأى أن أهل الأندلس لم يجتمعوا إلا على بنب أمية وأن خراب البلاد واضطرابها كان من البربر. وحيث إنه من أسرة لها في السياسة شأن رأى أن عليه واجبًا نحو دينه وقومه وهو أن يشارك بما يراه سبيلًا إلى رجوع الأحوال على ما كانت عليه فناصر ثلاثة من بني أمية - المرتضى، والمستظهر،

стр. 102

والمعتد بالله - ولم تطل مدتهم لتغير الأحوال وتدخل النصارى والاستعانة بهم من قبل بعض الأمراء المسلمين حتى بلغت الأحوال بهم إلى دفع الإتاوات لهم. رأى كل هذا فأثر في نفسه تأثيرات متشعبة، شعور بالألم والحزن على قرطبة التي كانت فردوس الأندلس ونور المعرفة فيها، واستفحال أمر النصارى وضعف أمر المسلمين. وهو المؤمن التقي، والعالم المحدث الذي يرى أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. وقد رأى أن سبب ذلك هو اضطراب حبل الأمور وتفرق الكلمة وذهاب الوحدة وقد فشلت تلك المحاولات التي دخل فيها السياسة فتركها يائسًا من نجاحها واجتماع الأمر لأحد، وليس بعجيب أن ينصرف عنها لما رأى من اضطراب الأمور فخلص للعلم وحده حين رأى تلك الأحوال وقد ذم ملوك الطوائف جميعهم في رسالته التلخيص لوجوه التخليص. (١) وكان من الطبعي أن لا ينظر ابن حزم نظرة إكبار إلى الأمراء الذين كانوا يستعينون بالنصارى أو يمدون أيديهم إليهم بالولاء يستجدونهم أو بالإتاوة يدفعونها، وكذلك كانت نظرته إلى العلماء الذين يوالون أولئك الأمراء لهذا كان بينهم وبينه عداوة كان من مظاهرها إحراق كتبه، ومضايقته بتنفير الطلاب عنه وتحذير العوام من فتنته، ومن مظاهرها أن جفته الديار حتى آوى إلى ضيعته التي ورثها من آبائه فأقام فيها يدرس ويصنف إلى أن انتقار إلى جوار ربه. (٢)

стр. 103

٢ - الأحوال الاجتماعية: بعد أن عرضنا الحالة السياسية في عصر ابن حزم، لابد من أن نشير إلى المجتمع الأندلسي فيه فأثره لا يقل عن أثرها. ولاسيما أن هذا المجتمع أثار كوامن الفكر في ابن حزم، وكوامن الإحساس حتى جعل منه ذلك العالم الذي يكتب في الحب كما يكتب في الفقه والعقائد. فكان هذا المجتمع يموج بعناصر مختلفة جمعها المكان. فكان فيهم العرب الخلص، وهم الذين كان لثقافتهم وللغتهم السلطان الكامل. لذا كان للأندلس مظهر أدبي وفكري واحد وحدته تلك اللغة السامية لغة القرآن الكريم. (١) وكان فيهم البربر وكانوا غالبية الجيش حين الفتح الإسلامي للأندلس. (٢) وقد تزايدوا بعد الفتح لقرب الأندلس من بلادهم. وفيهم حدة طباع ونفرة شديدة أحيانًا. (٣) ولذلك كانوا وقود الفتن وموقديها. (٤) وكان في ذلك المجتمع الصقالبة ومن اعتنق الإسلام من سكان البلاد الأصليين ومن بقي على ديانته ذميًا له ما للمسلمين وعليه ما عليهم.

стр. 104

اجتمعت تلك العناصر بهذه البلاد التي خصها الله تعالى كما قال المقري: "من الريع وغدق السقيا، ولذاذة الأقوات، وفراهة الحيوان، ودرور الفواكه وكثرة المياه، وتبحر العمران، وجودة اللباس، وشرف الآنية، وكثرة السلاح، وصحة الهواء، وابيضاض ألوان الإنسان، ونبل الأذهان، وفنون الصنائع وشهامة الطباع ونفوذ الإدراك، وأحكام التمدن والاعتمار بما حرمه الكثير من الأقطار مما سواها". (١) ولكن لكل أرومته ولكل سلالة خصائصها. جاء في نفح الطيب وصف أهل الأندلس "أنهم عرب في الأنساب والعز والأنفة وعلو الهمم وفصاحة الألسن وطيب النفوس وإباء الضيم، وقلة احتمال الذل والسماحة بما في أيديهم والنزاهة عن الخضوع واتيان الدنية، هنديون في فرط عنايتهم بالعلوم وحبهم فيها وضبطهم لها وروايتهم، بغداديون في نظافتهم وظرفهم ورقة أخلاقهم ونباهتهم وذكائهم وحسن نظرهم وجودة قرائحهم ولطافة أذهانهم وحدة افكارهم ونفوذ خواطرهم، يونانيون في استنباطهم للماء ومعاناتهم لضروب الغراسات واختيارهم لأجناس الفواكه وتدبيرهم لتركيب الشجر وتحسينهم للبساتين بأنواع الخضر وصنوف الزهر فهم أحكم الناس لأسباب الفلاحة .. وهم أصبر الناس على مطاولة التعب في تجويد الأعمال ومقاسات النصب في تحسين الصنائع أحذق الناس بالفروسية وأبصرهم بالطعن والضرب". (٢) هذه صفات وخواص تلك العناصر المختلفة التي تجمعت داخل بلاد الأندلس وبمجموعها حصلت تلك الصفات المتباينة التي لا

стр. 105

توجد في عنصر منها بمفرده إذ ليس كل أندلسي فيه تلك الصفات إلا فصاحة الألسن فكانت هي القاسم المشترك التقريبي بينهم، قال أبو علي القالي الذي وفد على الأندلس في عهد عبد الرحمن الناصر في وصف اللغة العربية في الأندلس: "لما وصلت القيروان وأنا أعتبر من أمر به من أهل الأمصار فأجدهم درجات في العبارات وقلة الفهم بحسب تفاوتهم في مواضعهم منها بالقرب والبعد كأن منازلهم من الطريق هي منازلهم من العلم محاصة ومقايسه. قال أبو علي: "فقلت إن نقص أهل الأندلس عن مقادير من رأيت في أفهامهم بقدر نقصان هؤلاء عمن قبلهم فسأحتاج إلى ترجمان في هذه الأوطان. قال ابن بسام: فبلغني أنه كان يصل كلامه هذا بالتعجب من أهل هذا الأفق الأندلسي في ذكائهم ويتغطى عنهم عند المباحثة والمناقشة ويقول لهم: إن علمي علم وواية وليس علم دراية فخذوا عني ما نقلت فلم آل لكم أن صححت هذا. مع إقرار الجميع له يومئذ بسعة العلم وكثرة الروايات والأخذ عن الثقات". (١) وهكذا كان أهل الأندلس ذلك المزيج الذي ازدهرت به الحضارة فأحيا الآداب والفنون العلوم، وكانت اللغة العربية وعاء ذلك ولم تكن كتاباتهم بلغة العلم الجافة بل كانت تمتاز بسلامة التعبير وجودة التصوير وقد ظهر في الأندلس على خلاف البلاد الإسلامية كثرة الأديبات والشاعرات من النساء من الحرائر والجواري وقد وجد من الجواري الشاعرات عدد كثير كان من بينهن من يجدن العلوم. (٢)

стр. 106

وكان لكثرة الغزوات التي غزاها السلمون إلى جنوب فرنسا وغيرها من جزر البحر الأبيض وعودتهم بالسبايا وفيها الجواري الحسان التي ثقفت ثقافة أدبية عالية أثر على النفس العربية المرهفة الحس نحو الجمال فانطلقت خواطر الشعراء وجادت قرائح الأدباء وانبثقت العواطف الإنسانية، بعض التزم الجادة، وآخر لم يحكمه زمام العقل وقيود الفكر وجلال الشرع. وقد جمع أبو محمد بن حزم مادة كتابه "طوق الحمامة" من هذا المجتمع الملىء بالعناصر المختلفة فكل ما يقرره فيه مستمد منه، وقد صور هذا أتم تصوير وأحكمه وذكر الوقائع المؤيدة والشاهدة لذلك. ثم إنه ﵀ صورة صادقة للفضيلة الإنسانية في مجتمعه، وكان قلبه يفيض بالأحاسيس نحو الجمال، ولكن في دائرة الحلال لا يعدوها فهو لم يرتكب حرامًا ولم يرتع في مراتع الحرام، وقد أقسم بالأيمان المغلظة أنه لم يحل إزاره على حرام. (١) وقد عاش المجتمع الأندلسي القرن الرابع الهجري كاملًا في هدوء واستقرار وأمن وازدهار. وكان قمة عهد المسلمين في الأندلس ما قبله صعود انتهى إليه وما بعده انحدار ابتدأ منه وقد عاش المسلمون في هذا القرن حياة عز ورفعة وجاه. وقد رتعوا في بحبوحة من العيش. رغد ورخاء دائم ونعيم مقيم. وقد طغت على المجتمع مظاهر البذخ والترف وتشييد القصور وتحسين الطرقات وتجميل المنتزهات، حيث اتسعت أبواب العيش وكثرة الموارد عندهم حتى إنهم أصبحوا، يستقبحون التسول، وإذا رأوا شخصًا صحيحًا قادرًا

стр. 107

على الخدمة يمارس هذه العادة سبوه وأهانوه فضلا عن أن يتصدقوا عليه. (١) وقد استمر هذا الرخاء في العيش بعد ذلك رغم ما حدث من الاضطرابات والزعازع السياسية في الأندلس. وقد بقيت قرطبة تقريبًا هي أشد المجتمعات تحفظا وتظاهرا بالدين والتمسك بالأخلاق، يقول المقري عن قرطبة: "ومن محاسنها .. ظرف اللباس، وتظاهر بالدين والمواظبة على الصلاة وتعظيم أهلها لجامعها الأعظم وكسر أواني الخمر حينما تقع عين أحد من أهلها عليها والتستر بأنواع المنكرات والتفاخر بأصالة البيت وبالجندية وبالعلم وهي أكثر بلاد الأندلس كتبا وأهلها أشد الناس اعتناء بخزائن الكتب". (٢) حتى ممن لا يقرأ حيث أصبح وضع المكتبة في البيت مما يتباها فيه أهل تلك البلاد حتى إن بعضهم يشترى الكتاب بأضعاف ما يستحق ليملأ به فراغًا في خزانته. وبجوار هذا كان اللهو الماجن أحيانًا في متنزهات قرطبة وغيرها من مدن الأندلس وكان القول العابث فيها مستراد ومذهب. (٣) وهذا بلا شك نتيجة لكون السكان من عناصر كثيرة، وقد قضى أبو محمد قرابة عشرين عامًا من حياته الأولى في قرطبة. ويطول بنا المقام لو تتبعنا الوسط الاجتماعي الذي عاش في كنفه ابن حزم بعد ذلك في الحديث، ولكن بحسبنا أن نقول إن هذا الوسط كان حافلًا بشتى مظاهر الاختلاط فمن اختلاط بين الجنسين إلى اختلاف بين

стр. 108

العناصر والسلالات ومن احتكاك بين المسلمين والنصارى إلى صراع بين أصحاب الفرق والمذاهب. ولا شك في أن كل هذه المظاهر المختلفة من الاختلاط قد عملت على تنشيط الحركة الفكرية في أرجاء بلاد الأندلس على الرغم مما صحبها من مظاهر الانحلال الخلقي والتفكك الاجتماعي، وقد قوى واشتد اختلاط المسلمين بالنصارى. لما ضعف شأن الأمراء المسلمين وصاروا يستعينون ببعض النصارى ويدفعون لهم الإتاوات أحيانًا. وكان اختلاط ابن حزم بتلك الجماعات عاملًا قويًّا في تحديد نوع اتجاهه الفكري وصبغ تفكيره بطابع جدلي. وفي الحق أن كل شيء في الأندلس كان يتجه إلى تكوين عالم جليل كابن حزم، إن توافرت الواهب التي تكون كمواهبه والمنزع القوي الذي يكون كمنزعه، وقد توافرت تلك العناصر فكان إمام الأندلس وفقيهها. (١) ولكن ظاهرة اجتماعية سيطرت على الأندلس كغيرها. وهي اتخاذ الدين وسيلة إلى الدنيا وذريعة إلى الغض من الخصوم، وكان السلاطين لا يعفون عن إثارة الناس على من يحقدون عليه كما كان بعض العلماء أسرع استجابة إلى تهييج الجماهير على من يخالف لهم مذهبًا أو ينافسهم في جاه أو ينتزع منهم سلطة. أو من يخشى إقبال الناس عليه لمواهبه وفضله وكفايته. وقد حصل لأبي محمد بن حزم التشريد من الأوطان من الأمراء والولاة والتخطئة والتجهيل وتحذير الناس منه وتزهيد الطلاب فيه من العلماء فجفته الديار ونفر منه الأصحاب وإن خفت صوته في حياته وبعد وفاته بزمن قليل فقد ظهر واشتد بعد ذلك.

стр. 109

٣ - الأحوال العلمية: كان الكثير من خلفاء بني أمية في الأندلس من أهل العلم والأدب .. فعبد الرحمن الداخل كان عالمًا وأديبًا شاعرًا. (١) ومحمد بن عبد الرحمن (٢) كان محبًا للعلوم ومؤثرًا لأهل الحديث وقد ناصر بقى بن مخلد (٣) لما دخل الأندلس بكتاب "مصنف" أبي بكر ابن أبي شيبة وأنكر جماعة من أهل الرأي على بقى ما فيه من الخلاف واستشنعوه ومنحوا من قراءته فاتصل بقى بالأمير محمد فاستحضره وإياهم واستحضر الكتاب كله وجعل يتصفحه جزءا جزءا إلى أن أتى على آخره وقد ظنوا أنه يوافقهم في الانكار عليه ثم قال لخازن الكتب هذا كتاب لا تستغنى خزانتنا عنه فانظر في نسخة لنا. ثم قال لبقى أنشر علمك وارو ما عندك من الحديث وإجلس للناس حتى ينتفعوا بك، ونهاهم أن يتعرضوا له. (٤) فهذا دليل علم واهتمام، وعناية من الخلفاء بالعلم وأهله وحث على طلبه ولم يكن لأهل الأندلس مدارس تعينهم على طلب العلم بل يقرأون جميع العلوم في المساجد بأجرة، فهم يقرأون لأن يعلموا لا لأن يأخذوا جاريًا.

стр. 110

وكان حالهم في فنون العلوم هو التحقيق والإنصاف، وهم أحرص الناس على التميز، فالجاهل الذي لم يوفقه الله للعلم يجهد أن يتميز بصنعة، ويربأ بنفسه أن يرى فارغًا عالة على الناس لأن هذا في نهاية القبح. والعالم عندهم معظم من الخاصة والعامة يشار إليه، ويحال عليه وينبه قدره، وذكره عند الناس، ويكرم في جوار وابتياع حاجة وما أشبه ذلك. وللفقه عندهم رونق وجاهة، والمنتشر عندهم مذهب الإمام مالك ويقرأون القرآن بالسبع. وكانوا يعنون برواية الحديث، ويتحرون فيها الدقة، وعلم الأصوال عندهم متوسط الحال. والنحو عندهم في نهاية من علو الطبقة. وللشعر عندهم حظ عظيم، وللشعراء من ملوكهم وجاهة. (١) وقد عرفنا حالة الأندلس السياسية من أول القرن الرابع إلى ما بعد النصف من القرن الخامس ورأينا أنها في القرن الرابع في غاية من الازدهار والاستقرار السياسي. وقد اقترن هذا بضروب من الازدهار الفكري وذلك في عهد عبد الرحمن الناصر فهو الذي رفع للعلم صرحًا باذخًا فأغدق العطايا على العلماء وأوسع لهم مجالسه وشجعهم على دراسة سائر العلوم الدينية وغيرها كالرياضيات والفلك، كما أشرك بعضًا من علماء اليهود في الثقافة الأندلسية فبدأت في عهده دراسة التوراة والتلمود في أسبانيا، وتكونت في قصر الخليفة الأندلسي العظيم مكتبة كبرى كانت هي الدليل الواضح على الدرجة العليا التي بلغتها الثقافة الأندلسية في * * * *
следующие страницы →