الله ابن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده أسلم١ قال: بينما أنا مع عمر بن الخطاب ﵁ وهو يَعُسُّ٢ بالمدينة إذ أعيا فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: يا بنتاه قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء، فقالت لها: يا أمتاه أو ما علمت ما كان من عزمة٣ أمير المؤمنين اليوم. قالت: وما كان من عزمته يا بنية؟ قالت: إنه أمر مناديا، فنادى أن لا يشاب اللبن بالماء، فقالت لها: يا بنتاه قومي إلى اللبن، فامذقيه بالماء فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر فقالت الصبية لأمها: يا أمتاه والله ما كنت لأطيعه في الملإ، وأعصيه في الخلاء. وعمر يسمع كل ذلك، فقال: يا أسلم عَلِّم الباب واعرف الموضع، ثم مضى في عسسه، فلما أصبحا قال: يا أسلم امض إلى الموضع فانظر من القائلة ومَن المقول لها وهل لهم من بعل؟ فأتيت الموضع فنظرت فإذا الجارية أَيِّم لا بعل لها وإذا تيك أمها وإذا ليس لها رجل، فأتيت عمر بن الخطاب فأخبرته، فدعا عمر ولده فجمعهم فقال: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة أزوجه ... فقال
١ انظر: ابن عبد الحكم سيرة عمر بن عبد العزيز ص٢٣-٢٤، والآجري أخبار أبي حفص ٤٧-٤٩، وعبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه، ضعفه يحيى وأبو زرعة، ووثقه أحمد وغيره، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الحافظ: صدوق فيه لين، انظر ميزان الاعتدال ٢/ ٤٢٥ , والمحتد: الأصل انظر: المصباح المنير ص ٢١٤.
٢ العس: نفض الليل عن أهل الريبة. انظر: معجم مقاييس اللغة ٤/٤٢.
٣ معنى عزمه عزما: عقد ضميره على فعله. انظر: المصباح المنير ص١١٥.
стр. 37
عاصم: يا أبتاه لا زوجة لي فزوجني، فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم فولدت لعاصم بنتا وولدت البنت عمر بن عبد العزيز١.
ولادته:
تذكر أكثر المصادر التي اعتنت بترجمة عمر بأنه ولد بالمدينة النبوية، وتوجد مصادر أخرى تذكر أنه ولد بمصر وفي حلوان٢. وكما اختلفت المصادر في تعيين مكان ولادته اختلفت في سنة ولادته على عدة أقوال ملخصها ما يلي:
١- أنه ولد في عام ٥٩هـ٣.
٢- أنه ولد في عام ٦١هـ٤.
٣- أنه ولد في عام ٦٢هـ٥.
стр. 38
٤- أنه ولد في عام ٦٣هـ ١.
ولعل الراجح في هذه الروايات أنه ولد في عام ٦١هـ، لأنه قول أكثر المؤرخين، ولأنه يؤيده ما يذكر أنه توفي وعمره أربعون سنة حيث توفي عام ١٠١هـ. وقوله: تمت حجة الله على ابن الأربعين٢. قال ابن كثير: ويقال: كان مولده سنة إحدى وستين، وهي التي قتل فيها الحسين ابن علي ... قاله غير واحد٣ من أهل العلم. والله أعلم.
مكان ولادته:
تذكر بعض المصادر أن عمر بن عبد العزيز ولد بمصر ولعل مستندهم أن والده عبد العزيز بن مروان كان واليا على مصر، ولكن بتتبع مصادر التاريخ يتضح أن هذا القول ضعيف، لأن أباه عبد العزيز بن مروان بن الحكم إنما تولى مصر سنة خمس وستين للهجرة، بعد استيلاء مروان بن الحكم عليها من يد عامل عبد الله بن الزبير ﵄، فولّى عليها ابنه عبد العزيز ولم يعرف لعبد العزيز بن مروان إقامة بمصر قبل ذلك، وإنما كانت إقامته وبني مروان في المدينة حتى أخرجوا منها قبيل موقعة الحرّة، ثم عادوا إليها بعد الموقعة، ثم أخرجوا منها مرة أخرى بعد أن
стр. 39
استتب الأمر لابن الزبير، فخرجوا إلى الشام حيث بايع الناس مروان بن الحكم جد عمر بن عبد العزيز١ رحمه الله تعالى.
وقد نشأ عمر في المدينة حسبما جاء في رواية ابن عبد الحكم الذي قال: فلما شب وعقل وهو غلام بعدُ صغير كان يأتي عبد الله بن عمر كثيراً لمكان أمه منه، ثم يرجع إلى أمه فيقول: "يا أمّه أنا أحب أن أكون مثل خالي" - يريد عبد الله بن عمر- فتؤفف به ثم تقول له: اغرب أنت تكون مثل خالك تكرر عليه ذلك غير مرة. فلما كبر سار أبوه عبد العزيز ابن مروان إلى مصر أميراً عليها، ثم كتب إلى زوجته أم عاصم أن تقدم عليه وتقدم بولدها، فأتت عمها عبد الله بن عمر فأعلمته بكتاب زوجها عبد العزيز إليها فقال لها: يا ابنة أخي هو زوجك فالحقي به، فلما أرادت الخروج قال لها: خلفي هذا الغلام عندنا -يريد عمر- فإنه أشبهكم بنا أهل البيت فخلفته عنده ولم تخالفه، فلما قدمت على عبد العزيز اعترض ولده فإذا هو لا يرى عمر، قال لها: وأين عمر؟ فأخبرته خبر عبد الله وما سألها من تخليفه عنده لشبهه بهم فسُرَّ بذلك عبد العزيز، وكتب إلى أخيه
стр. 40
عبد الملك يخبره بذلك، فكتب عبد الملك أن يجري عليه ألف دينار في كل شهر، ثم قدم عمر على أبيه مسلِّماً١.
وهكذا تربى عمر رحمه الله تعالى بين أخواله بالمدينة من أسرة عمر ﵁، ولا شك أنه تأثر بهم وبمجتمع الصحابة في المدينة، فقد كان يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله بن مسعود يأخذ عنه العلم٢، وقد حفظ القرآن وهو صغير.
قال ابن كثير: وقال نعيم بن حماد: ثنا ضمام بن إسماعيل عن أبي قبيل أن عمر بن عبد العزيز بكى وهو غلام صغير فبلغ أمه، فأرسلت إليه فقالت: ما يبكيك؟ قال: ذكرت الموت، فبكت أمه، وكان قد جمع القرآن وهو صغير٣.
وقد كان أبوه يتفقده ويستفسر عن أخباره، فقد تأخر عن صلاة الجماعة يوما فسأله مؤدبه عن سبب التأخير فقال: كانت مرجلتي٤ تسكن شعري، فقال له: قدمت ذلك على الصلاة؟! وكتب إلى
стр. 41
أبيه - وهو على مصر- يعلمه بذلك، فبعث أبوه رسولا فلم يكلمه حتى حلق رأسه١.
ووالده هذا هو عبد العزيز بن مروان، وقبل أن نواصل الحديث عن عمر لا بأس من إيراد نبذة وجيزة عن حياة والده.
فقد ولد بالمدينة ونشأ، وتربى بها٢، وكان حريصا على جمع أحاديث رسول الله ﷺ روى ابن سعد بسنده عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد العزيز بن مروان كتب إلى كثير بن مرة الحضرمي، وكان قد أدرك بحمص سبعين بدريا من أصحاب رسول الله ﷺ ... قال: فكتب إليه أن يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول الله ﷺ من أحاديثهم إلا حديث أبي هريرة فإنه عنده٣.
قال ابن سعد وقد روى عبد العزيز عن أبي هريرة، وكان ثقة قليل الحديث٤، وكان أبوه مروان قد ولاه مصر فأقره عليها أخوه عبد الملك
стр. 42
ابن مروان. وكان مروان قد عقد لعبد العزيز ولاية العهد بعد عبد الملك، لكن عبد العزيز تنازل عن ولاية العهد في حياته وتوفي قبل عبد الملك. توفي بمصر في جمادى الأولى سنة خمس وثمانين١، وقد اكتسى عمر أخلاق والده وزاد عليه بأمور كثيرة٢.
صفاته الخَلْقِيَّة
كان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى- أسمر، رقيق الوجه، أحسنه، نحيف الجسم، حسن اللحية، غائر العينين، بجبهته أثر نفحة دابة، قد وخطه الشيب.
وقيل في صفته: أنه كان رجلا أبيض دقيق الوجه، جميلا، نحيف الجسم، حسن اللحية، غائر العينين، بجبهته أثر نفحة حافر دابة، فلذلك سمى أشج بني أمية، وكان قد وخطه الشيب٣.
стр. 43
ب- زوجاته وأولاده
نشأ عمر بالمدينة وتخلق بأخلاق أهلها، وتأثر بعلمائها وأكب على أخذ العلم من شيوخها وكان "يقعد مع مشايخ قريش ويتجنب شبابهم، وما زال ذلك دأبه حتى اشتهر، فلما مات أبوه أخذه عمه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فخلطه بولده، وقدمه على كثير منهم، وزوجه فاطمة بنت عبد الملك"١. وقد أنجبت له ولدين هما: إسحاق، ويعقوب٢.
كما كان لعمر زوجات عدة غير فاطمة، منهن:
لميس بنت علي بن الحارث الحارثية، وله منها أبناؤه: عبد الله، وبكر، وأم عمار.
ومن زوجاته: أم عثمان بنت شعيب بن زبان الأصبغ، وله منها ولده: إبراهيم.
وذكر ابن سعد أن له أمة تسرى بها وكان له منها أبناؤه: عبد الملك، والوليد، وعاصم، ويزيد، وعبد الله، وعبد العزيز، وزبان، وآمنة، وأم عبد الله٣.
стр. 44
ج- تربية أبنائه
وردت نصوص من الكتاب والسنة تحث على تربية الأبناء وتنشِئتهم النشأة الصالحة ليكونوا طائعين لله في كل ما أمرهم به، وقد اهتم عمر بن عبد العزيز بتربية أولاده التربية الصحيحة، فلم يرغب عمر أن ينشأ أولاده في ترف ونعيم، فيجرفهم تيار المجون، والدعة عن اكتساب العلوم، فيروي ابن عساكر عن رجاء بن جميل الإيلي أنه قال: "وكان عمر بن عبد العزيز يَبْدى١ ولده عندنا بالمدينة، وكان يأمر قيِّمه عليهم يكسوهم الكرابيس٢، والبتوت٣، وإذا حملهم من منزلهم إلى منزل حملهم على الحمر الأعرابية"٤.
وكان هذا بعد ما أخذوا حظهم من التربية المستقيمة في بيته ثم جعل يتعاهدهم ويكتب إلى مؤدبهم رسائل، ومنها هذه الرسالة الآتية:
"من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى مولاه، أما بعد: فإني اخترتك على علم مني بك لتأديب ولدي، فصرفتهم إليك عن غيرك من موالي، وذي
стр. 45
الخاصة بي، فحدثهم بالجفاء فهو أمعن لإقدامهم، وترك الصبحة١ فإن عادتها تكسب الغفلة، وقلة الضحك، فإن الضحك كثرته يميت القلب، وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم: أن حضور المعازف واستماع الأغاني، واللهج بها ينبت النفاق في القلب، كما ينبت العشب الماء، ولعمري لتوقي ذلك بترك حضور تلك المواطن أيسر على ذي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه. وهو حين يفارقها لا يعتقد بما سمعت أذناه على شيء مما ينتفع به، وليفتتح كل غلام منهم بجزء من القرآن يثبت في قراءته. فإذا فرغ تناول قوسه ونبله وخرج إلى الغرض٢، حافيا فرمى سبعة أرشاق٣، ثم انصرف إلى القائلة فإن ابن مسعود ﵁ كان يقول: يابني قيلوا٤ فإن الشياطين لا تقيل"٥.
стр. 46
فهذه الرسالة تبين المعالم الرئيسة والمبادئ التي يرتكز إليها المؤدب لأولاده وهي بلا شك مستمدة من هدي الرسول ﷺ وهدي السلف الصالح، وقد كتب عمر أيضا إلى أستاذه صالح بن كيسان يأمره بتأديبهم، وكل هذا منه -رحمه الله تعالى- يدل على تمسكه بالكتاب والسنة وتربية أبنائه على حبهما، وحب السلف الصالح، ولم يكن اهتمامه بأولاده مقصورا على ناحية التربية والتعليم وإنما حرص على مراقبة كل تصرف من تصرفاتهم وقاسه بمقياس الإسلام، وقد ذكر ابن الجوزي، وابن عبد الحكم١، أمثلة كثيرة من هذه النوع، وقد أثرت هذه التربية السليمة المبنية على الكتاب والسنة، وآتت ثمارها حيث أصبح ابنه عبد الملك بن عمر مستشاره ومعينه على الحق وعلى اتباع السنة، ذكر ابن الجوزي عن بعض مشيخة أهل الشام أنهم كانوا يرون أن عمر بن عبد العزيز إنما أدخله في العبادة ما رآه من ابنه عبد الملك٢، وكان عبد الملك هذا يقول لوالده: يا أبت أقم الحق ولو ساعة من نهار٣.
стр. 47
وقد توفي عبد الملك في حياة والده، وقد ذكر ابن الجوزي بقية أولاد عمر وأخبارهم بما فيه الكفاية، من ٣١٦-٣٣٩، ويمكن لمن يريد الاستزادة الرجوع إليه.
стр. 48
المبحث الثاني: سيرته العلمية.
ويشتمل على:
أ - إمامته ورفعة مكانته في العلم.
ب- نشره العلم في الأمصار والبوادي.
ج- تدوينه العلم وتثبيته خشية اندراسه بموت حملته.
د - تلاميذه وشيوخه.
هـ - مروياته ونماذج من فقهه.
أ- إمامته ورفعة مكانته في العلم:
أما رفعة مكانته في العلم فقد اتفقت كلمة المترجمين له على أنه أحد أئمة زمانه المليء بأئمة التابعين، فقد أطلق عليه كلُّ من الإمامين: مالك، وسفيان بن عيينة - وهما هما- وصف "إمام": وقال فيه مجاهد - وحسبك به -: "أتيناه نُعلِّمه فما برحنا حتى تعلَّمنا منه"١.
وقال ميمون بن مِهْران - وهو ممن خبَر عمر بن عبد العزيز-: "ما كانت العلماء عند عمر إلا تلامذة". وقال فيه أيضاً: "كان عمر بن عبد العزيز معلِّمَ العلماء"٢.
وذكر الحافظ ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" حِجاجَ عمر لبعض خوارج الجزيرة، وأخْذَه الغلبة عليهم، ثم قال فيه: "كان أحد الراسخين في العلم ﵀"٣.
وقال الحافظ الذهبي: "كان إماماً فقيهاً مجتهداً، عارفاً بالسنن، كبيرَ الشأن، ثبتًا، حافظاً، قانتاً لله أوَّاهاً منيبا يُعَدُّ في حسن السيرة والقيام
стр. 49
بالقسط مع جده لأمه عمر، وفي الزهد مع الحسن البصري، وفي العلم مع الزهري، ولكن موته قرُب من موت شيوخه، فلم ينتشر علمه"١.
وكان طلبُه للعلم في مُقْتبل شبابه على شيوخ المدينة النبوية الزاخرة بالأئمة من عيون التابعين، فنهّل من علمهم وأدبهم. .
وكان الذي تولَّى تأديبه من رجالات المدينة النبوية هو صالحَ بن كيسان أحد الثقات الأجلَّة، فرأى صالحٌ من عمر كل خير، حتى قال فيه: "ما خبرت أحداً اللهُ أعظمُ في صدره من هذا الغلام". ورأى عمر من صالح كلَّ رعاية وتأديب رفيع، فاختاره فيما بعد مؤدّباً لأولاده٢.وكان شيوخه في العلم والرواية مشاهيرَ علماء المدينة آنذاك، إلا أنه أكثر التَّردد والأخذَ عن أحد فقهائها السبعة الأعلام، وهو عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود، ولكثرة تردده إليه واستفادته منه، وصفه العجلي بقوله:"وهو معلِّمُ عمرَ بنِ عبد العزيز"٣.
стр. 50
ولقد عبَّر عمر بن عبد العزيز عن إعجابه الكبير بمجلس عبيد الله - وكان أعمى- وكثرة فوائده المنثورة فيه فقال: "لمجلسُ من الأعمى: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحبُّ إليّ من ألف دينار"١.
ولمعرفة عمر بما عند عبيد الله من علم ورأي، كان يقول أيام خلافته: "لو كان عبيد الله حيًا ما صدرتُ إلا عن رأيه"٢. ومن شيوخه أنس بن مالك وسمع منه، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن جعفر ابن أبي طالب، وعمر بن أبي سلمة المخزومي، والسائب بن يزيد.
وروى عن جماعة من التابعين منهم سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله بن عمر، وابن شهاب وخلق سواهم٣.
وأمدُ إقامة عمر في المدينة النبوية غير معلوم، إلا أنه من الواضح أنه كان أمداً مديداً، يسَّر لعمر بن عبد العزيز - إلى جانب ذكائه وحافظته - الاستفادة العظيمة من الأئمة الذين لقيهم، ولقد وصف حاله التي خرج
стр. 51
عليها من المدينة بقوله: "خرجت من المدينة وما من رجل أعلم مني"١، مع أنه ترك فيها سعيد بن المسيب ونظراءه.
وبيّنة هذه الشهادات والأخبار قائمة في كتب العلم، فما من كتاب من كتب السنة، أو الفقه الاستدلالي إلا ويجد القارئ فيها ذكراً لعمر، من حديث، أو رأي، أو أمر، أو قضاء، ونحوها، وليسهل الأمر على المتتبع فلينظر من هذه الكتب الأبواب التي لها صلة بالخليفة والسلطان، كالزكوات، والصدقات، والمعاقل، والديات، والجهاد، والسّير، ونحوها فإنه واجد فيها الكثير الوفير.
بل لو رجعنا إلى الكتب الصغيرة لأئمة العلم الأقدمين لوجدنا فيها ذكر عمر بن عبد العزيز متكرراً، على سبيل الاحتجاج لرأيهم بقوله وفعله.
من ذلك رسالة الإمام الليث بن سعد إلى الإمام مالك بن أنس ﵄، وهي رسالة قصيرة لا تتجاوز صفحاتهُا عددَ أصابع اليد، وفيها يحتج الليث - مراراً- لصحة قوله، بقول عمر بن عبد العزيز، على مالك فيما ذهب إليه في بعض مسائله٢.
стр. 52
ويردُ ذِكر عمر بن عبد العزيز في كتب الفقه للمذاهب الأربعة المتبوعة، على سبيل الاحتجاج بمذهبه:
فيستدلُّ الحنفية بصنيعه في كثير من المسائل، حتى لقد جعلوا له وصفاً يتميَّز به عن جدّه لأمه: عمر بن الخطاب ﵁، وأحيانا يُدرجون ذكره معه.
قال الحافظ القرشي ﵀ في "الجواهر المضية": "فائدة: يقول أصحابنا في كتبهم في مسائل الخلاف: "وهو قول عمر الصغير" يريدون به عمر بن عبد العزيز الإمام الخليفة المشهور".
وقال الحافظ الزيلعي ﵀: "يوجد في بعض نسخ"الهداية": "وبذلك قضى العمران" فيحتمل أنه أراد أبا بكر، وعمر، ويؤيده التصريح بهما في النسخة الأخرى، ويحتمل أنه أراد عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، وكثيرا ما يفعل أصحابنا ذلك"١.
стр. 53
ويُكثر الشافعية من ذكره في كتبهم، ولذلك ترجم له الإمام النووي ترجمة حافلة في "تهذيب الأسماء واللغات". وقال في أولها: "تكرر في "المختصر" و"المهذب" ... "١.
وأما المالكية فيكثرون من ذكره في كتبهم أكثر من غيرهم، ومالك إمام المذهب ذكر عمر بن عبد العزيز في "الموطأ" محتجاً بفتواه وقوله في مواضع عديدة في موطئه٢.
وأما الحنابلة فكذلك، يذكرونه كثيراً، وعمر هو الذي قال فيه الإمام أحمد: "لا أدري قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز". وكفاه هذا٣.
وكفانا قولُ الإمام أحمد أيضا: "إذا رأيتَ الرجل يحبُّ عمر بن عبد العزيز ويذكر محاسنه وينشرها فاعلم أن من وراء ذلك خيرا إن شاء الله"٤.
стр. 54
وقبل الانتقال إلى الحديث عن الأمر الثاني، أودّ أن أعرض لإشكال والإجابة عنه.
قد يقول قائل: إذا كان عمر بن عبد العزيز بهذه المثابة في سعة العلم والإمامة فيه، ويُعْدَل بابن شهاب الزهري، فلم لمْ يشتهر بالعلم هذه الشهرة، ولم يُنقل عنه من العلم ما نُقل عن غيره من الأئمة: كالزهري، ومالك، وابن عيينة وأمثالهم؟!
والجواب عنه: أن العلم تحمُّل وأداء: والتحمُّل هو الأخذ والاستماع، والأداء هو التحديث والإسماع.
وقد يسّر الله تعالى لعمر بن عبد العزيز الجانبَ الأول من العلم، وهو تحملُه وتلقّيه له، ولم يتيسر له الجانب الثاني إلا قليلا. فلما بعث به أبوه إلى المدينة، توفّر على استماع العلم وتحمله، إلى أن خرج من المدينة النبوية ولم يترك فيها أحداً أعلم منه كما تقدم. ثم شغل بإمارة المدينة، ثم جُمع إليه معها إمارة مكة المكرمة، ثم ألقيت عليه الخلافة بثقلها وأعبائها، فلم يتفرغ لأداء ما تحمّل إلا قليلا.
وعذره في هذا عذر غيره من أئمة السلف
стр. 55
فأبو بكر الصديق ﵁: كان أطولَ الصحابة صحبة لرسول الله ﷺ وأكثرهم ملازمة له، ولم ينقل عنه من الرواية إلا القليل١، وعذره تعجُّل وفاته، وانهماكه في حروب الردة، وأمور الخلافة.
وهكذا كان عمر بن عبد العزيز: كثير التحمل قليل الأداء، ولولا ما شُغل به من أمور المسلمين لنُقل عنه من العلم ما نُقل عن أقرانه الأئمة يضاف إليه: انقضاء أجله في الأربعين من عمره. رحمه الله تعالى، والتنصيص على هذا العذر صريح في قول الحافظ الذهبي السابق: " ... وفي العلم مع الزهري ولكن موته قرب من موت شيوخه، فلم ينتشر علمه".
ب- نشره العلم في الأمصار والبوادي
وأما نشره العلم في الأمصار والبوادي فذلك في إرساله العلماء إليها ليعلّموا أهلها شرع الله ويفقهوهم فيه.
قال الحافظ الذهبي ﵀ في "تذكرة الحفاظ"، ترجمة نافع مولى ابن عمر: قال عبيد الله بن عمر: بعث عمر بن عبد العزيز نافعا إلى أهل مصر يعلمهم السنن"٢.
стр. 56
وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة بكر بن سوادة المصري: "أرسله عمر بن عبد العزيز إلى أهل أفريقية ليفقههم"١.
ومن الذين أرسلهم كذلك عبد الرحمن بن رافع التنوخي، قال الدباغ: كان أحد الفقهاء العشرة الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز ليفقهوا أهل أفريقيا٢.
ومنهم عبد الله بن يزيد الحبلى، قال الدباغ: بعثه عمر بن عبد العزيز إلى أفريقية ليفقههم فبث فيهم علما كثيرا٣.
ومنهم طلق بن جعبان "أوجابان" الفارسي، قال الدباغ: كان أحد النفر الذين بعث بهم عمر ابن عبد العزيز من فقهاء مصر إلى المغرب٤.
ومنهم سعد بن مسعود التجيببي ذكره الدباغ وقال: سكن القيروان، وبث فيها علما كثيرا٥.
стр. 57
ومنهم إسماعيل بن عبيد الله الأنصاري ولاءً، سكن القيروان وانتفع به خلق كثير من أهلها وغيرهم١.
ومنهم كذلك إسماعيل بن عبيد الله بن المهاجر المخزومي أسلم عامة البربر على يديه، وكان حريصا على إسلامهم، وكان عمر بن عبد العزيز قد أرسله إليهم ليحكم بينهم ويفقههم في الدين٢.
وعبد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني كان قاضيا لعمر بن عبد العزيز في القيروان٣.
ويحتمل أن من هؤلاء العشرة أبا سعيد جعثل بن عاهان بن عمير الرعيني ثم القتباني. قال الدباغ: وهو أحد العشرة التابعين٤، وكذلك حبان بن أبي جبلة القرشي مولى بني عبد الدار. قال الدباغ: وهو أحد العشرة التابعين٥.
ومن أخبار إرساله العلماء إلى البوادي من أجل نشر العلم وتعليم الناس السنة ما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام، وابن عبد الحكم، وابن
стр. 58
الجوزي، أن عمر بن عبد العزيز بعث يزيد بن أبي مالك الدمشقي، والحارث بن "يمجد" وقيل: ابن محمد الأشعري يفقهان الناس في البادية وأجرى عليهما رزقا، فأما يزيد فقبل، وأما الحارث فأبى أن يقبل وقال: ما كنت لآخذ على علم علمنيه الله أجرا، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز بذلك، فكتب عمر: إنا لا نعلم بما صنع يزيد بأسا، وأكثر الله فينا مثل الحارث بن يمجد١.
وكان يُردفُ إرساله العلماء بكتب يُرسلها هو إلى الأمصار يعلّمهم فيها السنن والفقه، ويمكن الوقوف على كثير منها في كتابي ابن عبد الحكم، وابن الجوزي في سيرته فلا حاجة إلى الإطالة بذكر بعضها، إنما المفيدُ ذكر كلام الإمام مالك في بيان منهج عمر بن عبد العزيز في هذه الكتب (التعليمية) لعماله ورعيته.
روى ابن عبد البر في "التمهيد" عن ابن وهب قال: "سمعت مالكا يقول: كان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يُعلمهم السنن والفقه، ويكتب إلى المدينة يسألهم عما مضى، وأن يعملوا بما عندهم ... "٢.
стр. 59
فكان ﵀ يستمدُّ علمه - فوق ما اغترفه أول أمره - من معين المدينة النبوية، ويرسل بذلك إلى سائر أمصار الإسلام، فتكون كتبه بمثابة رُسُل توجِّه الرعية.
ومما زاد في نشره العلم أمران:
أ- فرْضُه العطاءَ والمرتبات لمن نصب نفسه للعلم وحبسها عليه، كي لا يهتمُّوا بدنياهم أو يشتغلوا بها عن هذه المهمة.
فروى أبو زرعة الدمشقي عن أبي بكر بن أبي مريم قال: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى والي حمص: "مُرْ لأهل الصلاح من بيت المال بما يُغْنيهم، لئلا يشغلهم شيء عن تلاوة القرآن وما حملوا من الأحاديث"١.
وذكر له ابن الجوزي كتابا آخر إلى والي حمص كذلك، قال له فيه: "انظر إلى القوم الذين نصبوا أنفسهم للفقه، وحبسوها في المسجد عن طلب الدنيا، فأعط كلَّ رجل منهم مائة دينار يستعينون بها على ما هم عليه، من بيت مال المسلمين حين يأتيك كتابي هذا، وإن خيرَ الخير أعجلُه، والسلام عليك"٢.
стр. 60
ب- حضُّه العلماء على "علنيَّة العلم" وأمره إياهم أن يتخذوا المساجد مراكز لتعليم الناس أمور دينهم، وكتب بذلك: "أما بعد: فأمُرْ أهلَ العلم أن ينشروا العلم في مساجدهم، فإن السنة كانت قد أميتت"١.
ج - تدوينه العلم وتثبيته خشية اندراسه بموت حملته:
أما تدوينه العلم وتثبيته فذلك في إرشاداته وأوامره الخاصة والعامة بتدوين السنة عامة، وروايات بعض الصحابة والتابعين خاصة.
فمن إرشاداته: قوله ﵀: "قيّدوا العلم بالكتاب"٢، وهذا يدل على ذهابه إلى ما استقر عليه الأمر من جواز كتابة العلم.
ولم يقف الأمر منه عند حدِّ الإرشاد العام، إنما تعداه إلى الأوامر الخاصة والعامة: فروى البخاري في "صحيحه" كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: "انظُر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خِفْتُ دروسَ العلم - أي اندراسه- وذهاب العلماء"٣.
стр. 61
وروى الخطيب في "تقييد العلم" بسنده قال:"كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم: أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ ، أو سنة ماضية، أو حديث عمرة بنت عبد الرحمن فاكتُبه، فإني قد خِفْتُ دروس العلم وذهاب أهله"١.
وكذلك وجَّه كتاباً إلى الإمام ابن شهاب الزهري – وغيره - بكتابة السنن.
فروى الحافظ ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" عن ابن شهاب قال: "أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفتراً دفتراً، فبعث إلى كلّ أرض له عليه سلطانٌ دفتراً"٢.
وروى الإمام أبو عبيد في "الأموال الشرعية وبيان جهاتها ومصارفها" أن عمر بن عبد العزيز أمر ابن شهاب أن يكتب مصارف الزكاة الثمانية، وكيف يكون تفريقها فيهم، فكتب له كتاباً مطوَّلاً ذكر أبو عبيد جزءا منه في كتابه الأموال٣.
стр. 62
وروى الخطيب في "تقييد العلم" عن عبد الله بن دينار البَهْراني قال: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المدينة: أن انظروا حديث رسول الله ﷺ فاكتبوه، فإني قد خِفْتُ دروس العلم وذهاب أهله"١.
وأعم الروايات في هذا الصدد عن عمر بن عبد العزيز: رواية أبي نعيم في "تاريخ أصبهان":عن عبد الله بن دينار أيضا قال: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه واحفظوه، فإني أخاف دروس العلم وذهاب العلماء"٢.
قال الحافظ ابن حجر رحمه في شرحه قول عمر بن عبد العزيز لأبي بكر بن حزم "انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه": "يُستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ، فلما خاف عمر بن عبد العزيز - وكان على رأس المائة الأولى- من ذهاب العلم بموت العلماء، رأى أن في تدوينه ضبطاً له وإبقاء"٣.
ويلاحظ قول الحافظ: "تدوين الحديث النبوي" و"أول من دوَّن الحديث" فهذا هو تاريخ تدوينه، أما مجرد كتابته فقد حصلت في عهد
стр. 63
النبي ﷺ فمن بعده، فكان أحدُهم يكتب لنفسه مسموعاته ليُتْقن حفظها، ويرجع إليها عند الحاجة، ولا تتعدّى كتابتُه خاصة مروياته.
ومما تجدُر ملاحظته في تدوين عمر بن عبد العزيز للسنة عدة أمور:
١- حُسْن اختياره لمن يقوم بهذه المهمة العظيمة، وسمت الروايات منهم الزهريَّ وأبا بكر ابن حزم.
أما الزهري: فإمام زمانه، ومرجع علماء عصره، وأشهر من أن يعرَّف.
وأما أبو بكر بن حزم: فهو الذي شهد له الإمام مالك بقوله: "لم يكن عندنا أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم" كما في "التهذيب"١.
٢- أمره بتدوين أحاديث أناس مخصوصين لما امتازوا به وكذلك تدوين أحاديث خاصة لأهميتها.
وتقدم أن بعض المصادر روت أن عمر بن عبد العزيز طلب من ابن حزم تدوين حديث عمر، وحينئذ فيكون قد طلب منه تدوين مرويات عمر بن الخطاب، لما يقصده من تتبعه سيرته وأحواله وأقضيته، وقد روى
стр. 64
أبو نعيم في الحلية وغيره خبراً طويلاً يطلب فيه عمر بن عبد العزيز من سالم بن عبد الله بن عمر أن يكتب إليه بسيرة جده عمر بن الخطاب ﵁ ١.
٣- تنبيهه من يكتبُ له السنة ويدونها، أن يلتزم الثابت الصحيح منها، كما جاء هذا في رواية الإمام أحمد لهذا الخبر حيث قال: أكتب إلي من الحديث بما ثبت عندك عن رسول الله ﷺ وحديث عمرة ٢، وهذا تنبيه مهم في حد ذاته، ويزداد أهمية حينما تلاحظ أن هذه هي أولى مراحلِ التدوين، فإذا لم يُرسم هذا المنهج، كانت المراحل اللاحقة أشدَّ اضطرابا وخللاً فيما تجمعه من السنة النبوية.
وبهذا يتبين أن عمر بن عبد العزيز انتقى الرجال القائمين بهذا العمل العظيم، فأحسن الانتقاء، ورسم لهم بعض النقاط المهمة جداً، فخصَّ أناساً يتبعون أحاديثهم، وخصَّ أحاديثَ معينة ذات أهمية خاصة بالنسبة له، وأن يكتبوا ما ثبت عندهم من الحديث الشريف فقط، ولا يكون همُّهم الجمع والإكثار.
стр. 65
وهذا كله يدلُّ على بُعد نظره، ودقة تفكيره، وحسن توفيقه في العلم رحمه الله تعالى، وجزاه الله عن الإسلام والسنة النبوية عظيم الأجر ووافر الثواب١.
د- تلاميذه:
رأينا فيما سبق جهود عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى في خدمة السّنة ولا شك أنها تحمّل وأداء، وقد سبق أنه ممن تحمل العلم فأكثر ثم أشغل بالخلافة، ولم يتمكن من الأداء كغيره، ومع ذلك فقد كانت له تلامذة كثيرون لأنه رحمه الله تعالى كان جواداً بالخير، ولم يبخل بما عنده من علم اكتسبه على تلاميذه أو حتى على جلسائه وعامة رعيته. فروى عنه عدد كثير، وجم غفير، كما أثبتته المصادر من بينهم عدد من شيوخه في حين كتب إليه البعض يستفتونه فأجابهم٢.
أما شيوخه الذين رووا عنه فهم:
١- أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، المدني، الزهري، أحد فقهاء المدينة (ت٩٤هـ) ٣.
стр. 66
٢- وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي، أعلم أهل زمانه بالقضاء (ت١٢٠هـ) ١.
٣- ومحمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري القرشي المدني حافظ زمانه (ت١٢٤هـ) ٢.
-كما روى عنه جم غفير من علماء عصره من بينهم:
٤- أيوب بن أبي تميمة السختياني العنزي مولاهم الثقة الصدوق الثبت الحجة العدل (١٣٩هـ) ٣.
٥- وإبراهيم بن أبي عبلة شمر بن يقظان بن عبد الله المرتحل الشامي المقدسي الثقة الصدوق (ت١٥٢هـ) .
٦- وعمير بن هانئ العنسي الدارني الإمام التابعي الثقة (ت ١٢٧هـ) ٤.
٧- ويعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي المدني الثقة العالم الورع أحد علماء السيرة (ت١٢٨هـ) ٥.
стр. 67
٨- ومحمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن عبد العزى التيمى القرشي، المدني، الإمام، الحافظ، القدوة (ت١٣٠هـ) ١.
٩- وحميد بن أبي حميد الطويل أبو عبيدة البصري مولى طلحة الطلحات الإمام، الحافظ، الثقة (١٤٣هـ) ٢.
١٠- وعمرو بن مهاجر بن أبي مسلم واسمه دينار الأنصاري وهو مولى أسماء بنت زيد (ت١٣٩هـ) ٣.
١١- وعمرو بن ميمون بن مهران الجزري الرقي عامل عمر بن عبد العزيز على خراج الجزيرة كان ثقة صدوقا (١٤٥هـ) ٤.
١٢- والنضر بن عربي أبو روح الباهلي مولاهم الجرزي الحراني، الإمام، الثقة، العالم، المحدث (ت١٦٨هـ) ٥.
стр. 68
كما روى عنه أبناؤه الذين تقدم ذكرهم وزوجته فاطمة بنت عبد الملك بن مروان١.
وبما سبق ذكره يظهر جليا أن عمر قد أصبح في زمانه مهوى أفئدة طلاب العلم.
روى الحديث فأكثر ونظر في النصوص فاجتهد واستنبط فأخذ عنه الفقهاء، واعتبروا رأيه حجة.
هـ- مرويات عمر بن عبد العزيز
لعمر بن عبد العزيز ﵀ مرويات كثيرة في مسائل متعددة فقد ذكر ابن الجوزي عددا من مروياته، وكذلك روى له أصحاب السنن، وأفرد له الحافظ أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي مسندا يحوي واحدا وستين حديثا والكتاب مطبوع ومتداول ولله الحمد٢.
ومن مروياته حديث أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة انصت -والإمام يخطب - فقد لغوت" رواه
стр. 69
مسلم١، وحديث: "سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ " رواه النسائي٢.
وحديث عائشة أن رسول الله ﷺ "كان يقبلها وهو صائم" رواه مسلم٣. وحديث أن رسول الله ﷺ نهى عن المتعة وقال: "ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة، ومن أعطى شيئا فلا يأخذه" رواه مسلم٤.
نماذج من فقهه وما أفتى به
لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فتاوى فقهية بحكم تضلعه من العلم، فقد كانت تعترضه مسائل فقهية يعمل فيها فكره، بالإضافة إلى استشارته العلماء من حوله وتلك المسائل كثيرة ونأخذ منها بعض الأمثلة التي تدل على مدى سعة علمه، فمنها:
стр. 70
١- نهيه عن الطلاء وهو النبيذ المسكر والمتخذ من غير العنب، قال ابن عون كان ابن سيرين إذا سئل عن الطلاء قال: نهى عنه إمام هدى يعني عمر بن عبد العزيز١.
٢- عظم الميتة نجس، فعن أم ولد عمر بن عبد العزيز قالت: "سألني عمر دهنا فأتيته به وبمشط من عظام الفيل، فرده، وقال: "هذه ميتة" قلت: وما جعله ميتة؟ قال: ويحك! من ذبح الفيل٢.
٣- ليس في العسل زكاة، كتب عمر إلى ابن حزم ألا تأخذ من الخيل ولا من العسل صدقة"٣.
٤- إسقاط الجزية عن الذمي إذا أسلم قبل استحقاقها، فعن عمر بن مهاجر، عن عمر بن عبد العزيز في الذي يسلم قبل السنة بيوم قال: لا تؤخذ منه الجزية"٤.
стр. 71
وعن سويد بن حصين، عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: "إذا أسلم والجزية في كفة الميزان فلا تؤخذ منه"١.
وهذه الأمثلة هي محل خلاف بين العلماء وقد رأينا من يستند فيها منعا وإباحة إلى ما قرره عمر بن عبد العزيز ﵀ لوثوقهم به وبمعرفته لترجيح الروايات والجمع بين أقوال العلماء وهناك روايات كثيرة لم نذكرها هنا إذ الغرض الإشارة إلى فقه عمر.
стр. 72
المبحث الثالث في سيرته السياسية:
ويشتمل على الآتي:
أ- ولايته على خناصرة ثم المدينة
ب- تسلمه الخلافة.
جـ- تسخيره الولاية والخلافة لخدمة السنة والعقيدة الصحيحة.
أ- ولاية عمر بن عبد العزيز على خناصرة١.
من المعلوم أن التدرب على أي عمل من الأعمال مما يؤدي إلى إتقانه، والإلمام بجوانبه، ومعرفة دقائقه، وهذا ما وفق فيه عمر بن عبد العزيز فقد كان عبد الملك ابن مروان يحبه ويؤثره أحياناً على أولاده فبعد وفاة عبد العزيز بن مروان والد عمر ولاَّه٢ عبد الملك بن مروان خناصرة تطييبا لخاطره ولما أراد الله له من التدرب على الأعمال القيادية منذ وقت مبكر من عمره. وقد قيل: إن سليمان بن عبد الملك هو الذي ولاه على خناصرة، لكن الراجح هو القول الأول لأن المؤرخين ذكروا أن عمر بن عبد العزيز كان يلازم سليمان بن عبد الملك ملازمة تامة قال سعيد بن عبد العزيز: "كانت خلافة سليمان بن عبد الملك كأنها خلافة عمر بن عبد العزيز كان إذا أراد شيئاً قال له ما تقول يا أبا حفص؟ " ٣ ولم تشر المصادر التي اعتنت بترجمته وذكر أحواله تاريخ ولايته على خناصرة، ولا المدة التي مكث فيها ولعلها مدة قصيرة، حيث لم تحظ بعناية الذين أرخوا لعمر بن عبد العزيز وأرخوا لذلك العهد من صدر الدولة الأموية.
стр. 73
ولايته على المدينة النبوية
لا يخفى أن كل وال من الولاة يحب أن يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وهذا ما فعله الوليد بن عبد الملك حين ولى عمر بن عبد العزيز على المدينة النبوية، وولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة من أهم أعماله قبل أن يلي الخلافة العظمى، ولأهمية الموقع الذي تمتاز به المدينة النبوية حيث كانت عاصمة الدولة الإسلامية أيام الرسول ﷺ وعهد الخلافة الراشدة فقد حرص عمر بن عبد العزيز أن يؤدي للمدينة ما تستحقه من قدسية وما يستحقها أهلها من معاملة طيبة وإيثار، وما يستحقه من أساء إلى أهلها من تأديب وهجران، وقد وُفِّق في ذلك، وسجل له أعمال فيها تذكر على مر الدهور والأزمان.
ذكر ابن سعد أن عمر بن عبد العزيز قدم واليا على المدينة في شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين للهجرة، وهو ابن خمس وعشرين سنة ... ١. ودخل دار جده مروان، ثم بعد ما صلى الظهر دعا عشرة من الفقهاء وهم كما روى ابن سعد في الطبقات قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: "لما قدم عمر بن عبد العزيز المدينة واليا عليها كتب حاجبه الناس، ثم دخلوا فسلموا عليه، فلما صلى الظهر دعا عشرة نفر من فقهاء البلد: عروة بن الزبير، وعبيد الله بن
стр. 74
عبد الله بن عتبة، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وأبا بكر بن سليمان بن أبي حيثمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد بن ثابت، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه وتكونون فيه أعوانا على الحق، ما أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحدا يتعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة فأحرج بالله على أحد بلغه ذلك إلا بلغني. فجزوه خيرا، وافترقوا١.
وكان حريصا على تتبع سنن رسول الله ﷺ في صلاته وفي خطبه في المواسم. روى ابن سعد بسنده أن عمر بن عبد العزيز سأل أنس بن مالك ﵁ عن خطب النبي ﷺ فقال أنس: خطب رسول الله ﷺ بمكة قبل يوم التروية بيوم، وخطب بعرفة يوم عرفة، وخطب بمنى الغد من يوم النحر والغد من يوم النفر٢. وكان عمر في صلاته حينما كان على المدينة يصلي الظهر فيطيل الأوليين منها ويخفف الآخرتين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل ويقرأ في الصبح بطوال المفصل حتى قال أنس بن مالك ﵁ ما صليت وراء أحد أشبه
стр. 75
صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى -يعني عمر بن عبد العزيز-١. وكان عابداً تقياً يصوم الاثنين والخميس٢،وكان أهم أعماله بالمدينة توسيع المسجد النبوي، وإدخال حجرة عائشة ﵂ في المسجد بأمر الوليد بن عبد الملك، وقد حرص عمر رحمه الله تعالى أن يمنع العوام من اتخاذ قبر الرسول ﷺ قبلة لهم في صلاتهم، فبنى الحجرة الشريفة بناء هندسيا محكما.
قال ابن أبي زيد القيرواني: "وعمر بن عبد العزيز هو الذي جعل مؤخر القبر محددا بركن، لئلا يستقبل قبر النبي ﷺ فيصلي إليه، جعل ذلك حين انهدم جدار البيت فصار للبيت خمسة أركان"٣.
وقال الحافظ ابن حجر: " ... لما وسع المسجد جعلت حجرتها - يعني عائشة ﵂ مثلثة الشكل محددة حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة"٤.