وعن سويد بن حصين، عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: "إذا أسلم والجزية في كفة الميزان فلا تؤخذ منه"١.
وهذه الأمثلة هي محل خلاف بين العلماء وقد رأينا من يستند فيها منعا وإباحة إلى ما قرره عمر بن عبد العزيز ﵀ لوثوقهم به وبمعرفته لترجيح الروايات والجمع بين أقوال العلماء وهناك روايات كثيرة لم نذكرها هنا إذ الغرض الإشارة إلى فقه عمر.
стр. 72
المبحث الثالث في سيرته السياسية:
ويشتمل على الآتي:
أ- ولايته على خناصرة ثم المدينة
ب- تسلمه الخلافة.
جـ- تسخيره الولاية والخلافة لخدمة السنة والعقيدة الصحيحة.
أ- ولاية عمر بن عبد العزيز على خناصرة١.
من المعلوم أن التدرب على أي عمل من الأعمال مما يؤدي إلى إتقانه، والإلمام بجوانبه، ومعرفة دقائقه، وهذا ما وفق فيه عمر بن عبد العزيز فقد كان عبد الملك ابن مروان يحبه ويؤثره أحياناً على أولاده فبعد وفاة عبد العزيز بن مروان والد عمر ولاَّه٢ عبد الملك بن مروان خناصرة تطييبا لخاطره ولما أراد الله له من التدرب على الأعمال القيادية منذ وقت مبكر من عمره. وقد قيل: إن سليمان بن عبد الملك هو الذي ولاه على خناصرة، لكن الراجح هو القول الأول لأن المؤرخين ذكروا أن عمر بن عبد العزيز كان يلازم سليمان بن عبد الملك ملازمة تامة قال سعيد بن عبد العزيز: "كانت خلافة سليمان بن عبد الملك كأنها خلافة عمر بن عبد العزيز كان إذا أراد شيئاً قال له ما تقول يا أبا حفص؟ " ٣ ولم تشر المصادر التي اعتنت بترجمته وذكر أحواله تاريخ ولايته على خناصرة، ولا المدة التي مكث فيها ولعلها مدة قصيرة، حيث لم تحظ بعناية الذين أرخوا لعمر بن عبد العزيز وأرخوا لذلك العهد من صدر الدولة الأموية.
стр. 73
ولايته على المدينة النبوية
لا يخفى أن كل وال من الولاة يحب أن يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وهذا ما فعله الوليد بن عبد الملك حين ولى عمر بن عبد العزيز على المدينة النبوية، وولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة من أهم أعماله قبل أن يلي الخلافة العظمى، ولأهمية الموقع الذي تمتاز به المدينة النبوية حيث كانت عاصمة الدولة الإسلامية أيام الرسول ﷺ وعهد الخلافة الراشدة فقد حرص عمر بن عبد العزيز أن يؤدي للمدينة ما تستحقه من قدسية وما يستحقها أهلها من معاملة طيبة وإيثار، وما يستحقه من أساء إلى أهلها من تأديب وهجران، وقد وُفِّق في ذلك، وسجل له أعمال فيها تذكر على مر الدهور والأزمان.
ذكر ابن سعد أن عمر بن عبد العزيز قدم واليا على المدينة في شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين للهجرة، وهو ابن خمس وعشرين سنة ... ١. ودخل دار جده مروان، ثم بعد ما صلى الظهر دعا عشرة من الفقهاء وهم كما روى ابن سعد في الطبقات قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: "لما قدم عمر بن عبد العزيز المدينة واليا عليها كتب حاجبه الناس، ثم دخلوا فسلموا عليه، فلما صلى الظهر دعا عشرة نفر من فقهاء البلد: عروة بن الزبير، وعبيد الله بن
стр. 74
عبد الله بن عتبة، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وأبا بكر بن سليمان بن أبي حيثمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد بن ثابت، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه وتكونون فيه أعوانا على الحق، ما أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحدا يتعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة فأحرج بالله على أحد بلغه ذلك إلا بلغني. فجزوه خيرا، وافترقوا١.
وكان حريصا على تتبع سنن رسول الله ﷺ في صلاته وفي خطبه في المواسم. روى ابن سعد بسنده أن عمر بن عبد العزيز سأل أنس بن مالك ﵁ عن خطب النبي ﷺ فقال أنس: خطب رسول الله ﷺ بمكة قبل يوم التروية بيوم، وخطب بعرفة يوم عرفة، وخطب بمنى الغد من يوم النحر والغد من يوم النفر٢. وكان عمر في صلاته حينما كان على المدينة يصلي الظهر فيطيل الأوليين منها ويخفف الآخرتين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل ويقرأ في الصبح بطوال المفصل حتى قال أنس بن مالك ﵁ ما صليت وراء أحد أشبه
стр. 75
صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى -يعني عمر بن عبد العزيز-١. وكان عابداً تقياً يصوم الاثنين والخميس٢،وكان أهم أعماله بالمدينة توسيع المسجد النبوي، وإدخال حجرة عائشة ﵂ في المسجد بأمر الوليد بن عبد الملك، وقد حرص عمر رحمه الله تعالى أن يمنع العوام من اتخاذ قبر الرسول ﷺ قبلة لهم في صلاتهم، فبنى الحجرة الشريفة بناء هندسيا محكما.
قال ابن أبي زيد القيرواني: "وعمر بن عبد العزيز هو الذي جعل مؤخر القبر محددا بركن، لئلا يستقبل قبر النبي ﷺ فيصلي إليه، جعل ذلك حين انهدم جدار البيت فصار للبيت خمسة أركان"٣.
وقال الحافظ ابن حجر: " ... لما وسع المسجد جعلت حجرتها - يعني عائشة ﵂ مثلثة الشكل محددة حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة"٤.
стр. 76
واتفق المؤرخون على أن نهاية مدة ولايته على المدينة كانت عام ثلاثة وتسعين١، وقد ذكروا لعزله عن المدينة روايتين.
أحدهما: أن الوليد بن عبد الملك كتب إلى عمر بأن يضرب خبيب بن عبد الله بن الزبير، ومن المهم إيراد نبذة يسيرة عن خبيب هذا، فهو خبيب بن عبد الله بن الزبير بن العوام، القرشي، الأسدي، المدني٢، روى عن أبيه وكعب الأحبار، وعائشة أم المؤمنين، وروى عنه ابنه الزبير بن خبيب، وسليمان بن عطاء، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وكان من أهل العلم والنسك. قال الزبير بن بكار: كان خبيب قد لقي كعب الأحبار ولقي العلماء وقرأ الكتب وكان من النساك٣.
قال الزبير: وأدركت من أصحابنا وغيرهم يذكرون أنه كان يعلم علما كثيراً لا يعرفون وجهه ولا مذهبه فيه، يشبه ما يدعى الناس من علم النجوم.
قال عمي مصعب بن عبد الله: وحدثت عن مولى لخالته أم هاشم بنت منظور يقال له: يعلى بن عقيبة. قال: كنت أمشي معه وهو يحدث نفسه إذ وقف، ثم قال: سأل قليلا فأعطي كثيرا وسأل كثيرا فأعطي قليلا،
стр. 77
فطعنه فأذراه فقتله ثم أقبل عليَّ فقال: قتل عمرو بن سعيد الساعة ثم مضى، فوجد ذلك اليوم الذي قتل فيه عمرو بن سعيد. وله أشباه هذا يذكرونها فالله أعلم ما هي. وكان مع ذلك عالما بقريش، وكان طويل الصلاة قليل الكلام١، قال ابن سعد في الطبقات: وكان خبيب عالما. فبلغ الوليد بن عبد الملك عنه أحاديث كرهها فكتب إلى عامله بالمدينة أن يضربه مائة سوط فضربه مائة سوط وصب عليه قربة من ماء بارد بيتت بالليل، فمكث أياما ثم مات٢، والأحاديث التي كرهها الخليفة منها ما رواه خبيب، من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنه ﷺ قال: "إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثون رجلا اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله دولا"٣.
ولا شك أنه حديث ضعيف، فبعد هذه الوقعة استعفى عمر من ولاية المدينة وامتنع من الولاية.
стр. 78
أما الرواية الثانية فهي تذكر أن عمر بن عبد العزيز كان يكره أعمال الحجاج، ويؤوي من يهرب إليه منه، فكتب الحجاج إلى الوليد يخبره بما يلقاه المخالفون له الذين يلجئون إلى عمر من إيوائه لهم، وعدم تمكين الحجاج من عقابهم، ومن هنا نجد أن الوليد بدأ يأمر عمر بأوامر يشدد عليه فيها، بقصد تجربته وطاعته، وحزمه في تنفيذ الأوامر فطلب إليه أولا أن يرسل بعثا من المدينة للجهاد فنفذ عمر هذا الطلب، ثم طلب إليه مرة أخرى أن يضرب خبيب بن عبد الله لروايته المتقدمة، ونفذ أيضا هذا الأمر ولكن يبدو أن الحجاج كان يتابع الأمر بدقة وإصرار على إزالة عمر عن المدينة فما كان من الوليد إلا أن طلبه أخيرا ليأتي إلى الشام فذهب عمر إلى الشام١.
وقد ندم عمر على ما صدر منه من ضرب خبيب، وأعتق ثلاثين عبداً، وتصدق بصدقة كثيرة، وفرق في آل خبيب مالا عظيما، وأسف على موت خبيب أسفاً منعه من العيش سبعين ليلة حتى أشفى ٢ على التلف٣.
стр. 79
ب- توليه الخلافة
كان لتولية عمر بن عبد العزيز على بعض الأماكن في الشام مثل الولاية على خناصرة ثم الولاية على المدينة ومكة بمثابة مقدمات نافعة له لما يريده الله له من حمل الخلافة فقد جعلته هذه المقدمات السابقة متمرسا لحمل الخلافة العظمى، وحتى بعد تركه للولايات لم يكن بعيدا عنها حيث كان مع سليمان بن عبد الملك كالوزير١، فكان لا يصدر إلا عن رأيه ووجد عند سليمان بن عبد الملك ميل إلى العدل وحين حضره الوفاة أشار عليه رجاء بن حيوة٢، بأن يستخلف عمر بعده فقبل ذلك لكنه رأى أنه لابد أن يجعل بعد عمر يزيد بن عبد الملك حتى لا تقع فتنة٣.
стр. 80
وقد تمت بيعة عمر يوم موت سليمان سنة ٩٩هـ قيل في العاشر من شهر صفر وقيل في العشرين منه١. وقد خطب بعد ذلك وخير الناس في بيعته فكلهم٢ عبروا عن فرحهم بذلك.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ويقال: إنه خطب الناس، فقال في خطبته: أيها الناس إن لي نفسا تواقة، لا تعطي شيئاً إلا تاقت إلى ما هو أعلى منه، وإني لما أعطيت الخلافة تاقت نفسي إلى ما هو أعلى منها وهي الجنة فأعينوني عليها يرحمكم الله٣.
وقد استبشر الناس بخلافته حتى إن بعض فرق الخوارج قالوا: ما ينبغي لنا أن نخرج على هذا الرجل المستقيم٤.
وقد توسع ابن عبد الحكم وابن الجوزي وغيرهما في تفصيل كيفية تولي عمر الخلافة بإسهاب لا داعي هنا لذكره لأن الغرض هو بيان استخلافه وليس ذكر تفاصليها، وملابساتها٥.
стр. 81
منزلة عمر بن عبد العزيز في خلافته
أجمع أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا على أن الخلفاء الأربعة أبا بكر وعمر، وعثمان، وعليا ﵃ أجمعين هم الخلفاء الراشدون الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ... "١. وقوله ﷺ : "الخلافة بعدي ثلاثون سنة"٢.
وقوله ﷺ : "ستكون خلافة نبوة ورحمة ثم يكون ملك ورحمة، ثم يكون ملك وجبرية ... "٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "اعتمد الإمام أحمد وغيره في تقرير خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة على هذه الأدلة، واستدل بها كذلك على من توقف في خلافة علي من أجل افتراق الناس عليه، واشتد إنكاره على من توقف، حتى قال: من لم يربع بعلي في الخلافة فهو أضل من حمار
стр. 82
أهله، ونهى عن مناكحته، وهذا المروي عن الإمام أحمد متفق عليه بين الفقهاء، وعلماء السنة، وأهل المعرفة ... " وهو مذهب العامة١.
وقال ابن عبد البر: الخلفاء الراشدون المهديون: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وهم أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ٢.
وهذه النصوص المتقدمة تحصر الخلافة الراشدة في الأربعة الخلفاء بعد النبي ﷺ ، لكن نجد أن بعض علماء السلف وغيرهم قد أطلقوا على عمر ابن عبد العزيز "الخليفة الراشد" أو خامس الخلفاء الراشدين، فروي عن سفيان الثوري أنه قال: الأئمة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز، وما سوى ذلك فهم منتزون"٣.
وعن مجاهد قال: المهادي سبعة: مضى خمسة وبقي اثنان: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز ﵃ ٤.
وقال الشافعي: "الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم٥.
стр. 83
وقال ابن كثير: وأجمع العلماء قاطبة على أنه من أئمة العدل، وأحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، وذكره غير واحد في الأئمة الاثني عشر الذين جاء فيهم الحديث الصحيح: "لا يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى يكون فيهم اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش"١، ٢.
هذا بعض كلامهم والواقع أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إمام هدى، ولا يمكن أن يقارن بالصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لما تقدم من الأحاديث، ولعل منهج حكمه شبيه بمنهج الخلفاء الراشدين، ومن هذا الجانب أطلق الأئمة من السلف تشبيهه بالخلفاء الراشدين.
روي عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه سئل عن عمر بن عبد العزيز هل هو من أهل الجنة فتوقف، وقال: عمر بن عبد العزيز إمام هدى، أو قال: رجل صالح٣.
стр. 84
وسئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن قول سفيان الثوري أئمة العدل خمسة، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز فقال: هذا باطل - يعني ما ادعي على سفيان - ثم قال: أصحاب رسول الله ﷺ لا يقاربهم أحد١.
وقال الذهبي: كان عمر بن عبد العزيز إماما، فقيها، مجتهدا، عارفا بالسنن ... يعد في حسن السيرة، والقيام بالقسط مع جده لأمه عمر ... "٢،
وقد يكون مستند من عدَّه مع الخلفاء الراشدين ما ذكره البيهقي في دلائل النبوة بسنده عن حبيب بن سالم٣، عن النعمان بن بشير أن أبا ثعلبة سأله عن حديث رسول الله ﷺ في الأمراء، وكان حذيفة بن اليمان قاعدا معهم، فقال حذيفة أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: قال رسول الله ﷺ "إنكم في النبوة تكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء، ثم تكون جبرية تكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. قال: فقدم عمر - يعني
стр. 85
عمر بن عبد العزيز - ومعه يزيد بن النعمان فكتبت إليه أذكره الحديث، وكتبت إليه: إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين بعد الجبرية، قال: فأخذ يزيد الكتاب فأدخله على عمر فسُرَّ به وأعجبه١.
أو لعل العلماء الذين عدوه مع الخلفاء الراشدين إنما يقصدون أنه خليفة راشد في حسن السيرة والقيام بالعدل، كما ذكر ذلك الذهبي في كلامه المتقدم. ومن المعلوم أن الصحابة لا يمكن أن يقاربهم أحد، من غيرهم فضلا عن أن يعَدَّ منهم.
روى أبو بكر الخلال بسنده إلى الإمام أحمد أنه سئل: من أفضل، معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ قال: من رأى رسول الله ﷺ ، وقال رسول الله ﷺ : "خير الناس قرني"٢،٣.
стр. 86
وروى بسنده أن الأعمش ذُكِرَ له عمر بن عبد العزيز وعدله فقال الأعمش: فكيف لو أدركتم معاوية؟! قالوا: يا أبا محمد يعني في حلمه؟ قال: لا والله، بل في عدله١.
ولا شك أن الخلفاء الراشدين هم أفضل الصحابة ولا يمكن أن يلحق شأوهم في العدل في الحكم والإصابة فيه من جاء بعدهم، مهما بلغ من العدل، فالصحيح أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى "قد جاء إلى أمر مظلم فأناره، وإلى سنن قد أميتت فأحياها، ولم يخف في الله لومة لائم، ولا خاف في الله أحدا، فأحيا سننا قد أميتت وشرع شرائع قد درست رحمه الله تعالى"٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في عمر بن عبد العزيز إنه: "قد أحيا السنة وأمات البدعة، ونشر العدل، وقمع الظلمة من أهل بيته وغيرهم، ورد المظالم التي كان الحجاج بن يوسف وغيره ظلموها للمسلمين، وقمع أهل البدع كالذين كانوا يسبون عليا، وكالخوارج الذين كانوا يكفرون عليا، وعثمان، ومن والاهما،
стр. 87
وكالقدرية مثل غيلان القدري وغيره، وكالشيعة الذين كانوا يثيرون الفتنة بعلمه ودينه وعدله"١.
ج- تسخيره الولاية والخلافة لخدمة السنة والعقيدة الصحيحة
قد سبق أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى تولى إمارة المدينة عدة سنوات ثم أتته الخلافة، وقد وظف هذه الولاية والخلافة لخدمة السنة أحسن توظيف، ففي اليوم الأول من ولايته على المدينة كوَّن عشرة من العلماء الأبرار يحيطون به، وحدد لهم مهام مجلسهم قائلا "ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم" ٢، أما حين تولى الخلافة فقد كتب إلى عماله رسائل طويلة تتجلى فيها روح الدعوة إلى العقيدة الصحيحة، والتمسك بالسنة في أسلوب الترغيب والترهيب، كما بين بغيته في الخلافة ومنهجه فيها فقال:
"سنّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله، ليس لأحدٍ تبديلها ولا تغييرها ولا النظر في أمر خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصربها فهو منصور،
стр. 88
ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاَّه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا" ١.
فعمر كما اتضح من هذا الأثر سيأخذ بسنن رسول الله ﷺ كلها وسنن خلفائه الراشدين المهديين من بعده، ويوضح كيفية اتباع السنة في خطبه، فيخطب قائلا: "أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبي وليس بعد الكتاب الذي أنزل عليكم كتاب، فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة، ألا وإني لست بقاض، وإنما أنا منفذ لله، ولست بمبتدع ولكني متبع ... "٢.
فهو متبع حريص على الاتباع، ولكن سنة من؟ سنة رسول الله ﷺ وخلفائه من بعده، وهذا هو الميزان الحقيقي لاتباع الكتاب والسنة.
ولا شك أن المقصود بالولاية والخلافة إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم٣، ولذا بين في خطبه أنه متبع وليس مبتدعا، متبع للكتاب المنزل المحكم على الرسول ﷺ الذي نسخت شريعته كل الشرائع، فما أحل الله في هذه الشريعة فهو
стр. 89
حلال إلى يوم القيامة، وما حرم في هذه الشريعة فهو حرام إلى يوم الدين، ولم يكتف عمر بهذه الخطب البليغة وإنما عقّب ذلك برسائل جامعة يبين فيها تمسكه بالسنة، وحث عماله عليها.
قال ابن عبد الحكم: ولما ولى عمر بن عبد العزيز كتب: أما بعد: "فإني أوصيكم بتقوى لله ولزوم كتابه والاقتداء بسنة نبيه وهديه، فإن الله قد بين ما تأتون، وما تتقون، وأعذر إليكم في الوصية، وأخذ عليكم الحجة حين أنزل عليكم كتابه الحفيظ الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١، قال: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاََّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ ٢، وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣، فأقيموا فرائضه، واتبعوا سننه، واعملوا بمحكمه، واصبروا أنفسكم عليه، وآمنوا بمتشابهه، فإن الله علمكم ما علمكم، وأولكم يومئذ أقل الناس شوكة، وأوهنه قوة، وأشده فرقة، وأحقره عند من سواهم من الناس مَحْقِرةً، ليس لهم من الله حظ في الهدى
стр. 90
يرجعون به إليه، مع أن الدنيا ومواضع أموالها وعددها وجماعتها ونكايتها في غيرهم، حتى أراد الله إكرامهم بكتابه ونبيه بعث إليهم محمداً ﷺ عبد الله ورسوله بالحق بشيراً، يبشر بالخير الذي لا خير مثله، وينذر الشر الذي لا شر مثله وأخَّره الله لذلك في القرون وسماه على لسان من شاء من أنبيائه الذين سبقوا، وأخذ عليهم ميثاق جماعتهم قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ١، فأخر الله ذلك لمحمد ﷺ حين بعثه رحمة للعالمين ﴿وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ ٢، وأحكم الله في كتابه ما رضي من الأمور، فما جعل من ذلك حلالاً فهو حلال إلى يوم القيامة وما جعل من ذلك حراماً فهو حرامٌ إلى يوم القيامة. وعلمه سنته ففهمها وعمل بها بين ظَهْرَي أمته، فصلى الصلوات لوقتها كما أمره الله، وعلم مواقيتها التي وقتها الله له فإنه قال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ
стр. 91
اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ ١، ودلوك الشمس ميلها بعد نصف النهار، فلما نعت الله في هذه الآية وقت صلاة الظهر والعصر، والمغرب، ثم قال في آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ ٢، وصلاة العشاء صلاة العتمة، فهذه الصلوات قد جمعها القرآن وبينها محمد ﷺ ، ثم فرض رسول الله ﷺ الزكاة على أمر الله في العين والحرث، والماشية وبين مواضع ذلك فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ٣، حتى استقامت سنتها في الأخذ حين تؤخذ، وفي القسمة حين تقسم، فعمل بها المسلمون في جزيرة العرب، حتى علموها أو كلّ ذي عقل منهم.
ثم غزا رسول الله ﷺ بنفسه غير مرة، وأغزى الجيوش والسرايا، يقسم إذا كان حاضراً، ويأمر من تولىَّ أمر جيوشه وسراياه بالذي أمر الله به من
стр. 92
قسم ما أفاء الله عليه وعليهم، فإن الله ﵎ قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، ثم أمره الله في الحج بما أمره فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ٢، ثم أفاء الله على رسوله محمد ﷺ أموال قرى لم يوجَف عليها خيل ولا ركاب، فقال فيها لتكون سنة فيما يفتح الله من القرى بعدها: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣، وقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى
стр. 93
رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ١، ثم سمى في هؤلاء الآيات الذي للمسلمين فليس لأحد منهم قسم إلا وهو في هذه الآيات فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٢، وأهل هذه الآية من خرج من بلاده مهاجرا إلى المدينة وليس فيهم الأنصار ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣، وأهل هذه الآية من كان بالمدينة من الأنصار، فإن هجرة رسول الله ﷺ كانت إليهم ثم قال في الآية الثالثة وهي التي جمعت حظ
стр. 94
من بقي من المسلمين بعد هذين الصنفين الأوَّلين في الإسلام وقسم المال ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١، فهم جماعة من بقي من أهل الإسلام ومن هو داخل فيه بعد الهجرة الأولى حتى تنقضي الدنيا، ففي الذي علمكم الله من كتابه، والذي سن رسول الله ﷺ من السنن التي لم تدع شيئاً من دينكم ولا دنياكم نعمة عظيمة وحق واجب في شكر الله، كما هداكم وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون. فليس لأحدٍ في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ أمر ولا رأي إلا إنفاذه، والمجاهدة عليه. وأما ما حدث من الأمور التي تبتلى الأئمة بها مما لم يحكمه القرآن ولا سنة النبي ﷺ فإن والي أمر المسلمين وإمام عامتهم، لا يُقَّدم فيها بين يديه، ولا يُقضى فيها دونه، وعلى من دونه رفعُ ذلك إليه، والتسليم لما قضى.
وقد أحببت في كتابي هذا أن تعرفوا الحال التي كنتم عليها قبل نزول كتاب الله وسنة نبيه من الضلالة، والعمى، وضَنك المعيشة، والذي أبدلكم الله من الكرامة والنصر والعافية، والجماعة، وسلب لكم مما كان في يد غيركم مما لم تكونوا لتسلبوه بقوتكم لو وكلكم إلى أنفسكم، كان
стр. 95
قد شرط ذلك للمؤمنين، وأعطاهم إياه إذ شرط عليهم شرطه، فقد وفاكم الله ما شرط لكم وهو آخذكم بما اشترط عليكم. قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ١، فقد أنجز الله لكم وعده فأنجزوا دين الله في رقابكم أن يكفر كافر بنعمة الله، أو ينسى بلاءه، فيجده على الله هيناً ويطول خلوده فيما لا طاقة له به.
ثم إني أحببت أن يعلم من كان جاهلاً من أمري والذي أنا عليه مما لم أكن أريد به المنطق في يومي هذا، حتى رأيت أن المنطق ببعضه هو أقرب إلى الصلاح في عاجل الأمر وآجله للذي قد أفضى إلي من هذا الأمر وأنا أعلم من كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ ، وما سلف عليه أمر الأئمة بين يدي علما من الله علَّمنيه من لم يكن له شغل عنه، وقد كان شغلي والذي كتب الله أن ابتلى به عاملا منه بما عملت، أو قاصرا منه على ما قصرت، فما كان من خير عَلِمْته فبتعليم الله ودلالته، وإلى الله أرغب في بركته، وما كان عندي من غير ذلك من داء الذنوب، فأسأل الله العظيم تجاوزه
стр. 96
عني بمغفرته. فلعمري ما ازددت علماً بالولاية إلا ازددت لها مخافة، ومنها وجلاً، ولها إعظاما حتى قدر الله لي منها وقدر عليَّ ما قدر، فأنا أشد ما كنت لها استثقالا. ثم أحسن الله حميد أعواني، وعاقبتي، وعاقبة من ولاني أمره، فأصلح أمرهم، وجمع كلمتهم، وبسط علي من نعمه وعليهم ما لم يكن دعائي ولا دعاؤهم ليبلغه، عند الله به ثوابي، وعنده به جزائي من صلاح عامتهم، وأداء حقوقهم إليهم، والعفو عن ذي الذنب منهم.
وقد أعطاني من ذلك وله الحمد في عاجل الدنيا، وجماعة من الشمل وصلاح ذات البين، وسعةٍ في الرزق، ونصر على الأعداء، وكفاية حسنة، حتى أغنى لأهل كل ذي جانب من المسلمين جانبهم، ووسَّع عليهم الرزق. ولا يرى أهل كل ناحية إلا أنهم أفضل قسماً مما بسط الله لهم من رزقه ونعمه من أهل الناحية الأخرى. فإن تعرفوا نعمة الله عليكم، وتشكروا فضله فأحرص بي على ذلك. وأحبب به إلي. قد يعلم الله كيف دعائي بذلك وكيف حرصي عليه، علانية، وإن يجهل ذلك جاهل أو يقصر عنه رأيه، فإن الذي حرصت عليه أن أحملكم عليه من كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ هو حجتي في الدنيا، وبغيتي فيما بعد الموت، ولا تلبسوا ذلك بغيره. وإياكم أن يتشبه في أنفسكم ما حملتكم عليه من كتاب الله وسنة نبيه. وأما ما سوى ذلك من الأمور التي من رأي الناس فإني - لعمري - لولا أن أعمل فيكم ما وليت أمركم، وإن تعملوا به ما نفست الذي أنا فيه من الدنيا علي، أبغض الناس إلي رجل واحد إذا
стр. 97
حجزه الله على ديني أن يفتنني١،ولا كنت أرى المنزل الذي أتى به لمن عسى أن يعمل بغير كتاب الله وسنة نبيه غبطة ولا كرامة، ولا رفعة، ولا الدنيا وما فيها، فمن كان سائلاً عن الذي في نفسي، وعن بغيتي في أمر أمة محمد ﷺ ، فإن الذي في نفسي وبغيتي منه والحمد لله رب العالمين أن تتبعوا كتاب الله وسنة نبيه، وأن تجتنبوا ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيد، ومن عمل بغيرهما فلا كرامة ولا رفعة له في الدنيا والأخرى، وليعلم من عسى أن يُذكر له ذلك أن لعمري أن تموت نفسي أول نفس أحبُّ إلي من أن أحملهم على غير اتباع كتاب ربهم وسنة نبيهم التي عاش عليهما من عاش، وتوفاه الله عليها حين توفاه، إلا أن يأتي علي من ذلك أمر وأنا حريص على اتباعه، وإن أهون الناس علي تلفاً وحزناً لمن عسى أن يريد خلاف شيء من تلك السنة، وذلك الأمر الذي رفعنا ونحن بمنزلة الوضيعة، وأكرمنا ونحن بمنزلة الهوان، وأعزنا ونحن بمنزلة الذل، معاذ الله من أن نستبدل بذلك غيره، ومعاذ الله من أن نتقي أحداً، فإذا تكلمتم في مجالسكم، أو ناجى الرجل أخاه، فليذكر هذا الأمر الذي حضضتكم عليه من إحياء كتاب الله وسنة نبيه، وترك ما خالف ذلك، فإنه ليس بعد الحق إلا الباطل، ولا بعد البصر إلا العمى، وليحذر قوم الضلالة بعد الهدى،
стр. 98
والعمى بعد البصر، فإنه قال لقوم صالح: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ١، اتبعوا ما تؤمرون به، واجتنبوا ما تنهون عنه، ولا يعرِّض أحدكم بنفسه، فإنه ليس لي في دنياكم والحمد لله رغبة، لا في ما في يديَّ منها، ولا ما في أيديكم، وليس عندي مع ذلك صبر على انتقاص شيء من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ولا استبقاء لمن خالف، والحمد لله ولا نعمة عين، ولعمري إن من يعمل ذلك منكم لحقيق أن يظن بامرئ لا حاجة له في دنياكم، ولا صبر له على زيغكم عن دينكم، ولجاجتِكم فيما لا خير لكم فيه أنه جرأ على هراقة دم من انتقص كتاب الله، أو زاغ عن دينه، وسنة نبيه محمد ﷺ .
هذا نحو من الذي قبلي، قد بينته لكم، ولعمري لتخلصن جماعتكم أيها الجند وخياركم مما يكره من الأمور، ولتتبعن أحسن ما توعظون به إن شاء الله. أسأل الله برحمته وسعة فضله، أن يزيد المهتدي هدى، وأن يراجع بالمسيء التوبة في عافية منه، وأن يحكم على من أراد خلاف كتابه وسنة نبيه ﵊ بحكم يغلب به في خاصته، ويعجله له، فإنه على ذلك
стр. 99
قادر، وأنا إليه فيه راغب، ويحسن عاقبة العامة، ولا يعذبنا بذنب المسيء، والسلام عليكم ورحمة الله"١.
هذا فيما يخص رعيته يبين لهم شدة تمسكه بالسنة وحضه إياهم على التمسك بها وحملهم على اتباع ما فيها، ونهيهم عن اتباع ما خالفها، وهذه الرسالة من عمر إلى العمال بعد توليه الخلافة تعتبر بمثابة خطة يرسمها لعماله مبينا لهم المعالم الرئيسة التي تحدد علاقته بهم وهي اتباع الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، وقد بين في هذه الرسالة تمسكه بالعقيدة الصحيحة الصافية، حيث أوصى رعيته بلزوم الكتاب والاقتداء بسنة النبي ﷺ وهديه، وقد حدد لهم ما في نفسه وبغيته وهو أن يتبعوا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وأن يجتنبوا ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيد.
وقد وضع نصب عينيه كتاب الله - وهو الخليفة العالم - فأحل حلاله وحرم حرامه، ونفذ أوامره، واجتنب نواهيه، وزواجره، واتخذ سنة رسول الله ﷺ منار هداية ونور إرشاد إلى بيان آيات الكتاب.
وقد كان يكتب إلى عماله ويأمرهم بالأخذ بالسنة في الأحكام، ويقول: "إن لم تصلحهم السنة فلا أصلحهم الله"٢، فروى أبو الحسن محمد
стр. 100
ابن الفيض الغساني قال: حدثنا إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن جدي قال: لما ولاَّني عمر بن عبد العزيز الموصل، قدمتها، فوجدتها من أكثر البلاد سرقا ونقبا، فكتبت إلى عمر أعلمه حال البلاد، وأسأله أن آخذ الناس بالظنة وأضربهم على التهمة، أم آخذهم بالبينة وما جرت عليه السنة؟ فكتب إلىَّ أن آخذ الناس بالبينة، وما جرت عليه السنة، فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله.
قال يحيى: ففعلت ذلك، فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد، وأقلها سرقا ونقبا١.
وكان - رحمه الله تعالى - يرجح التحقيق العادل المبني على السنة على التحقيق الصارم الذي ابتدعه الولاة عند تغير الناس. فقد كتب إليه عامله عدي بن أرطأة يستأذنه في تعذيب من اقتطعوا من مال الله، فقال: "من عدي بن أرطأة أما بعد: أصلح الله أمير المؤمنين، فإن قبلي أناسا من العمال قد اقتطعوا من مال الله مالا عظيما، لست أرجو استخراجه من أيديهم إلا أن أمسهم بشيء من العذاب، فإن رأى أمير المؤمنين- أصلحه الله - أن يأذن لي في ذلك أفعل".
стр. 101
قال: فأجابه:
"أما بعد: فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب بشر كأني لك جنة من عذاب الله، وكان رضائي عنك ينجيك من سخط الله .
فانظر من قامت عليه بينة عدول، فخذه بما قامت عليه به البينة، ومن أقر لك بشيء فخذه بما أقر به. وأيم الله لأن يلقوا الله بخياناتهم أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم والسلام"١.
وكان رحمه الله تعالى يستشير أهل السنة في شؤون الدين والدنيا ويأمر عماله أن ينشروا العلم فكتب إليهم: "أما بعد: فأمر أهل العلم أن ينشروه في مساجدهم، فإن السنة كانت قد أميت٢.
وأحب أن يكون عماله من أهل الصلاح والقرآن فكتب إلى عماله:
"إياكم أن تستعملوا على شيء من أعمالنا إلا أهل القرآن. فكتبوا إليه يا أمير المؤمنين، إنا استعملنا أهل القرآن فوجدناهم خونة، فكتب لهم: إياكم أن يبلغني عنكم أنكم استعملتم على شيء من أعمالنا إلا أهل
стр. 102
القرآن، فإنه إن لم يكن عند أهل القرآن خير فغيرهم أحرى بأن لا يكون عندهم خير١.
وكان يتجنب الإصلاح بالظلم، فروى ابن عبد الحكم أن عمر قال: "من لم يصلحه إلا الغشم فلا يصلح، والله لا أصلح الناس لهلاك ديني"٢.
وكان يستشير الحسن البصري في كل ما يشكل عليه فروى أبو عبيد القاسم بن سلام أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن يسأله: ما بال من مضى من الأئمة قبلنا أقروا المجوس على نكاح الأمهات والبنات؟ - وذكر أشياء من أمرهم قد سماها - قال: فكتب إليه الحسن: "أما بعد: فإنما أنت متبع ولست بمبتدع. والسلام"٣.
وقد كتب إلى الحسن يسأله عن صفات الإمام العادل فأجابه الحسن ببيان صفات الإمام العادل في رسالة بليغة٤.
كما كان يستشير الزهري في أموره كلها ومنها أمره للزهري بتدوين السنة كما تقدم، وأمره أن يكتب له مواضع الصدقة٥.
стр. 103
ومن الجدير ذكره أنه قد كتب إلى عامله بالمدينة أن اكتب إليَّ بما ثبت عندك عن رسول الله ﷺ وحديث عمرة١.
وكتب إلى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب يطلب منه أن يكتب إليه بسيرة عمر بن الخطاب، وقضائه في أهل القبلة وأهل العهد٢.
وكان عمر رحمه الله تعالى ينتقى من يأخذ عنه السنة فروى الفسوي قال: حدثنا بندار عن عبد الرحمن "ابن مهدي" عن شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: اكتب لي حديث عمرة، وكان عمر بن عبد العزيز يسألها٣. وذلك لاختصاص عمرة بأحاديث عائشة ﵂ واختصاص عائشة ﵂ بمعرفة أحوال رسول الله ﷺ .
ومن اجتهاده رحمه الله تعالى لرفع السنة وأهلها، وقمع البدع، ومن يروجها مناظراته مع غيلان الدمشقي٤الضال الذي كان ينكر القدر ويقول بأن الله تعالى لا يعلم أفعال العباد إلا بعد عملهم إياها، وقد اهتم
стр. 104
ببيان أمر القدر وبيان أركانه، كما بين لعماله أهمية اتباع السنة في هذا الباب، ورد على الذين كتبوا إليه برد علم الله السابق برسالة بليغة وستأتي في الآثار، وكان يستشير العلماء في أمر القدرية ويكتب إلى عماله بحبسهم وضربهم، وقطع ألسنتهم، وقد تبع السنة في معاملة الخوارج حيث كتب إليهم كما كان يفعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ثم ناظرهم وحاربهم، وحين غلب عليهم لم يغنم أموالهم، ولم يقتل جريحهم، وأسيرهم، ومن استعماله الولاية والخلافة في خدمة السنة ما كتبه إلى عماله في النهى عن المنكر والأمر بالمعروف، وكتابه إليهم في اتباع أوامر القرآن وطاعة الله ودعوة الناس إلى الإسلام وبيان مواضع الخمس، والصدقات، والنهي عن الطلاء، وتوحيد المكاييل والموازين، وبيان حكم العشور، والخراج، والجزية، وتحريم المكس، كما كتب إليهم مبينا لهم كيفية العدالة في الحكم، وكيفية تأديب الجاهل، وأمرهم بأن لا يتأثروا بمن حولهم من السفهاء إذا طبقوا السنة، فكان عمر رحمه الله تعالى القدوة في كل ما أمر به. لأنه كان عالما برعيته، عادلاً في قضيته، عاريا من الكبر، متحريا للصواب، رفيقا بالضعيف، غير محاب للقريب ولا جاف للغريب.
стр. 105
قال ابن عبد الحكم: كتب عمر بن عبد العزيز إلى العمال: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العمال: أما بعد: فإن الله بعث محمدا ﷺ ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ١. وإن دين الله الذي بعث به محمدا ﷺ كتابه الذي أنزل عليه أن يطاع الله فيه، ويتبع أمره ويجتنب ما نهى عنه، وتقام حدوده، ويعمل بفرائضه. ويحل حلاله ويحرم حرامه، ويعترف بحقه ويحكم بما أنزل فيه، فمن اتبع هدى الله اهتدى ومن صد عنه ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ٢.
وإن من طاعة الله التي أنزل في كتابه: أن يدعو الناس إلى الإسلام كافة، وأن يفتح لأهل الإسلام باب الهجرة، وأن توضع الصدقات والأخماس على قضاء الله وفرائضه، وأن يبتغي الناس بأموالهم في البر والبحر لا يمنعون ولا يحبسون.
وأما الإسلام فإن الله بعث محمدا ﷺ إلى الناس كافة فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ ٣. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ
стр. 106
إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ١. وقال ﵎ فيما يأمر به المؤمنين من شأن المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين﴾ ٢. فهذا قضاؤه وحكمه، فاتباعه لله طاعة، وتركه معصية لله، فادع إلى الإسلام وأمر به فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣. فمن أسلم من نصراني أو يهودي، أو مجوسي من أهل الجزية فخالط عمَّ المسلمين وفارق داره التي كان بها فإن له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وعليهم أن يخالطوه وأن يواسوه غير أن أرضه وداره إنما هي من فيء الله على المسلمين عامة، ولو كانوا أسلموا عليها قبل أن يفتح الله للمسلمين كانت لهم ولكنها فيء الله على المسلمين عامة.
وأما من كان محاربا فليُدْعَ إلى الإسلام قبل أن يقاتل فإن أسلم فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وله ما أسلم عليه من أهل أو مال.
وإن كان من أهل الكتاب فأعطى الجزية وأمسك بيديه فإنا نقبل ذلك منه.
стр. 107
وأما الهجرة فإنا نفتحها لمن هاجر من أعرابي فباع ماشيته في الهجرة، وانتقل من دار أعرابيته إلى دار الهجرة، وإلى قتال عدونا، فمن فعل ذلك فله أسوة المهاجرين فيما أفاء الله عليهم، وإن الله نعت المؤمنين عند ذكر الفيء فجعله للفقراء والمهاجرين ﴿الَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِم﴾ ١. والذين جاءوا من بعدهم ثم قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِم﴾ ٢، وقد كان المهاجرون يجاهدون على غير عطاء ولا رزق يجرى عليهم فيوسع الله عليهم، ويعظم الفتح لهم ولمن تأسى بهم، وعمل بصالح سنتهم ممن يحبون من إخوانهم ليوجبن الله له الأجر في الآخرة، وليعظمن له الفتح في الدنيا.
وأما الصدقات فإن الله ﵎ فرضها وسمى أهلها حين طعن فيها أناس وبلغوا فيها تهمة نبيهم فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ ٣، فقال الله ﵎ عند ذلك: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ
стр. 108
قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١، فبين رسول الله ﷺ صدقة الأموال: الحرث، والمواشي، والذهب، والورق، فتؤخذ الصدقات كما بين رسول الله ﷺ وفرض، لا يظلمون ولا يتعدى عليهم ولا يحابي بها قريب ولا يمنعها أهلها، ثم تجعل إلى مرضيين من أهل الإسلام فيجعلونها حيث أمرهم الله، يحملهم الإمام من ذلك على ما حمل وينزه نفسه من ذلك من أمر قد أكثر فيها على الأئمة.
وأما الخمس فإن من مضى من الأئمة اختلفوا في موضعه، فطعن في ذلك طاعن من الناس وأكثر فيه، ووضع مواضع شتى فنظرنا فإذا هو على سهام الفيء في كتاب الله لم تخالف واحدة من الاثنتين الأخرى، فإذا عمر ابن الخطاب ﵀ قد قضى في الفيء قضاء قد رضي به المسلمون، فرض للناس أعطية وأرزاقا جارية لهم، ورأى أن لن يبلغ بتلك الأبواب ما جمع من ذلك، ورأى أن فيه لليتيم والمسكين وابن السبيل، فرأى أن يلحق الخمس بالفيء وأن يوضع مواضعه التي سمى الله وفرض، ولم يفعل ذلك إلا ليتنزه منه وخيفة التوهم فيه، فاقتدوا بإمام عادل فإن الآيتين
стр. 109
متفقتان، آية الفيء وآية الخمس، فإن الله قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ١.
وكذلك فرض الله الخمس، فنرى أن يجمعا فيجعلا فيئا للمسلمين، ولا يستأثر عليهم ولا يكون ﴿دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُم﴾ ٢.
ونرى أن الحمى يباح للمسلمين عامة، وقد كانت تحمى فتجعل فيها نِعَمُ الصدقات. فيكون في ذلك قوة ونفع لأهل فرائض الصدقات، وأدخل فيها وطعن فيها طاعن من الناس فنرى في ترك حماها والتنزه عنها خيرا إذا كان ذلك من أمرها، وإنما الإمام فيها كرجل من المسلمين، إنما هو الغيث ينزله الله لعباده فهم فيه سواء.
ثم إن الطلاء لا خير فيه للمسلمين، إنما هو الخمر يكنى باسم الطلاء قد جعل الله عنه مندوحة وأشربة كثيرة طيبة، وقد علمت أن ناسا يقولون: قد أحله عمر ﵁ وشربه ناس ممن مضى من خيارنا، وإن عمر إنما أتي منه بشراب طبخ حتى خثر، فقال حين أتى به: أطلاء هذا؟ يعني به طلاء الإبل، فلما ذاقه قال: لا بأس بهذا فأدخل الناس فيه بعد عمر. أما من شربه من صالحيكم فإنهم شربوه قبل أن يتخذ مسكراً وقد قال رسول
стр. 110
الله ﷺ : "حرامٌ كل مسكر على كل مؤمن" ١، فلا أرى أن يتخذ الفاجر البارَّ دلسة، ونرى أن يتنزه المسلمون عنه عامة، وأن يحرموه فإنه من أجمع الأبواب للخطايا وأخوفها عندي أن تصيب المسلمين منه جائحة تعمهم.
وأما البحر فإنا نرى سبيله سبيل البر، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٢، فأذن فيه أن يتجر فيه من شاء، وأرى أن لا نحول بين أحد من الناس وبينه، فإن البر والبحر لله جميعا سخرهما لعباده يبتغون فيهما من فضله فكيف نحول بين عباد الله وبين معايشهم؟
ثم إن المكيال والميزان نرى فيهما أمورا علم من يأتيها أنها ظلم إنه ليس في المكيال زيغ إلا من تطفيف ولا في الميزان فضل إلا من بخس، فنرى أن تمام مكيال الأرض وميزانها أن يكون واحدا في جميع الأرض كلها.
وأما العشور فنرى أن توضع إلا عن أهل الحرث، فإن أهل الحرث يؤخذون بذلك وإنما أهل الجزية ثلاثة نفر: صاحب أرض يعطي جزيته