← Акыда

Акыда · id 11723

الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة

حياة بن محمد بن جبريل

Полный текст (805 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

إذا فتصرف عمر ﵀ إزاء الخوارج تصرف بالحق مستنده النصوص الصحيحة وأعمال سلف الأمة وبعد أن حذر الخوارج من الخروج عليه اتبع خطوة أخرى وهي طلب المناظرة والمحاججة حتى لا يضيع فرصة لحقن دماء المسلمين وهذا هو مضمون المبحث التالي إن شاء الله تعالى

стр. 632

المبحث الثاني: الآثار عن عمر في مناظرة الخوارج . ذكرنا فيما سبق موقف عمر من الخوارج الخارجين عليه عموما ويتبين من هذا المبحث موقفه من الذين كتبوا إليه وكتب إليهم طالبا المناظرة معهم، إذا كانوا مستعدين لذلك، وقد وجد من بعضهم آذانا صاغية حسب الروايات التي بلغتنا وفي هذا ما يرويه ابن عبد الحكم وغيره مما يأتي: ٢٦٧/١- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الخوارج: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى هذه العصابة، أما بعد: أوصيكم بتقوى الله فإنه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ ١. أمابعد: فقد بلغني كتابكم والذي كتبتم فيه إلى يحيى بن يحيى، وسليمان بن داود، والذي أتى إليهما وإن الله ﵎ يقول:

стр. 633

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْأِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٢. وقال: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ ٣. وإني أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأدعوكم أن تدعوا ما كانت تهراق عليه الدماء قبل يومكم هذا في غير قوة ولا تشنيع. وأذكركم بالله أن تشبهوا علينا كتاب الله وسنة نبيه ونحن ندعوكم إليهما. هذه نصيحة منا نصحنا لكم فإن تقبلوها فذلك بغيتنا، وإن تردوها على من جاء بها فقديما ما استغش الناصحون، ثم لم نر ذلك وضع شيئا من حق الله، وقد قال العبد الصالح لقومه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ

стр. 634

عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ ١، وقال الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢،٣. ٢٦٨/٢-البلاذرى: قال كتب عمر كتابا إلى الخوارج فلما قرأوها قالوا: نوجه رجلين يكلمانه فان أجابنا فذاك وإن أبى كان الله من ورائه فأرسلوا مولى لبنى شيبان يقال له عاصم ورجلا من بنى يشكر من أنفسهم فلما دخلا عليه قالا: السلام عليكم وجلسا، فقال لهما عمر: أخبراني ما أخرجكما مخرجكما هذا؟ وأي شيء نقمتم علينا؟ فقال عاصم وكان حبشيا: ما نقمنا عليك في سيرتك لتحري العدل والإحسان فأخبرنا عن قيامك بهذا الأمر أعن رضى من المسلمين ومشورة أم ابتززتم إمرتهم؟ قال ما سألتهم الولاية عليهم ولا غلبتهم على مشيئتهم وعهد إلي رجل عهدا لم أساله الله قط لا في سر ولا علانية فقمت به ولم ينكره علي أحد ولم يكرهه غيركم وأنتم ترون الرضا بكل من عدل وأنصف من كان من الناس فأنزلوني ذلك الرجل فإن خالفت الحق وزغت عنه فلا طاعة لي

стр. 635

عليكم قالا: بيننا وبينك أمر إن أعطيتناه فأنت منا ونحن منك، وإن منعتنا فلست منا ولسنا منك. قال عمر: وما هو؟ قال: رأيتك خالفت أعمال أهل بيتك وسلكت غير طريقهم وسميتها مظالم، فإن زعمت أنك على هدى وهم على ضلال فابرأ منهم والعنهم، فهو الذي يجمع بيننا وبينك أو يفرق قال: فتكلم عمر عند ذلك فقال: إني قد عرفت أو ظننت أنكم لم تخرجوا لطلب الدنيا، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم سبيلها. وأنا سائلكم عن أمر فبالله لتصدقاني عنه فيما بلغه علمكما. قالا: نفعل. قال: أرأيتم أبابكر وعمر أليسا من أسلافكم وممن تتولون وتشهدون لهما بالنجاة؟ قالا: بلى. فقال: هل تعلمون أن العرب ارتدت بعد رسول الله ﷺ فقاتلهم أبو بكر فسفك الدماء، وسبي الذراري، وأخذ الأموال؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل تعلمون أن عمر لما قام بعده رد تلك السبايا إلى عشائرهم؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل برئ أبو بكر من عمر أو عمر من أبي بكر؟ قالا: لا. قال: فهل تبرأؤن من واحد منهما؟ قالا: لا. قال: أخبراني عن أهل النهروان أليسوا من أسلافكم وممن تتولون وتشهدون لهم بالنجاة؟ قالا: بلى. قال: فهل تعلمون أن أهل الكوفة حين خرجوا إليهم كفوا أيديهم فلم يخيفوا آمنا، ولم يسفكوا دما، ولم يأخذوا مالا؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل تعلمون أن أهل البصرة حين خرجوا إليهم مع

стр. 636

عبد الله بن وهب الراسبي١ استعرضوا الناس فقتلوهم، وعرضوا لعبد الله ابن خباب٢ صاحب النبي ﷺ فقتلوه وقتلوا جاريته، ثم صبحوا حيا من العرب يقال لهم بنوا قطيعة فاستعرضوهم فقتلوا الرجال والنساء، والولدان حتى جعلوا يلقون الأطفال في قدور الأقط وهي تفور بهم قالا: قد كان ذلك. قال: فهل برئ أهل الكوفة من أهل البصرة، أو أهل البصرة من أهل الكوفة؟ قالا: لا. قال: فهل تبرأون من طائفة منهما. قالا: لا. قال عمر: أخبراني أرأيتم الدين واحدا أم اثنين؟ قالا: بل واحد. قال: فهل يسعكم فيه شيء يعجز عني؟ قالا: لا. قال: فكيف وسعكم أن توليتم أبابكر وعمر وتولى كل واحد منهما صاحبه وقد اختلفت سيرتهما؟ أم كيف وسع أهل الكوفة أن تولوا أهل البصرة وأهل البصرة أهل الكوفة وقد اختلفوا في أعظم الأشياء: في الدماء والفروج، والأموال. ولا يسعني بزعمكما إلا لعن أهل بيتي والبراءة منهم، فإن كان لعن أهل الذنوب فريضة مفروضة لابد منها فأخبرني عنك أيها المتكلم متى عهدك بلعن أهل فرعون، ويقال: بلعن هامان؟ قال: ما أذكر متى لعنته. قال: ويحك فيسعك ترك لعن فرعون، ولا يسعني بزعمك إلا لعن أهل بيتي والبراءة منهم؟ ويحك إنكم قوم جهال. أردتم أمرا فأخطأتموه، فأنتم تقبلون من

стр. 637

الناس ما رد عليهم رسول الله ﷺ وتردون عليهم ما قبل منهم ويأمن عندكم من خاف عنده، ويخاف عندكم من أمن عنده. قالا: ما نحن كذلك. قال: بلى، تقرون بذلك الآن. هل علمتم أن رسول الله ﷺ بعث إلى الناس وهم عبدة أوثان فدعاهم إلى أن يخلعوا الأوثان، وأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمن فعل ذلك حقن دمه وأمن عنده، وكان أسوة المسلمين ومن أبى ذلك جاهده؟ قالا: بلى. قال: أفلستم أنتم اليوم تبرأون ممن يخلع الأوثان وممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. وتلعنونه وتقتلونه وتستحلون دمه وتلقون من يأبى ذلك من سائر الأمم من اليهود والنصارى فتحرمون دمه ويأمن عندكم؟ فقال الحبشي: ما رأيت حجة أبين ولا أقرب مأخذا من حجتك، أما أنا فأشهد أنك على الحق وأنني برئ ممن خالفك. وقال للشيباني فأنت ما تقول؟ قال: ما أحسن ما قلت وأحسن ما وصفت ولكن أكره أن أفتات على المسلمين بأمر لا أدري ما حجتهم فيه حتى أرجع إليهم فلعل عندهم حجة لا أعرفها. قال: فأنت أعلم. قال: فأمر للحبشي بعطائه وأقام عنده خمس عشرة ليلة ثم مات ولحق الشيباني بقومه فقتل معهم١.

стр. 638

٢٦٩/٣- ابن عبد الحكم قال: ودخل رجلان من الخوارج على عمر ابن عبد العزيز فقالا: السلام عليك يا إنسان، قال: وعليكما السلام يا إنسانان. قالا: ... وقد تقدم برقم (٢٦٢) . ٢٧٠/٤- ابن الجوزي قال: حدثنا أرطأة بن المنذر قال: سمعت أبا عون يقول: دخل ناس من الحرورية على عمر بن عبد العزيز فذاكروه شيئا، فأشار إليه بعض جلسائه أن يرعبهم، ويتغير عليهم فلم يزل عمر بن عبد العزيز يرفق بهم حتى أخذ عليهم ورضوا منه أن يرزقهم ويكسوهم ما بقي. فخرجوا على ذلك فلما خرجوا ضرب عمر ركبة رجل يليه من أصحابه، فقال: يا فلان إذا قدرت على دواء تشفي به صاحبك دون الكي فلا تكوينه أبداً١.

стр. 639

٢٧١/٥- ابن الجوزي أيضا قال: وعن الوليد بن مسلم قال: قال الأوزاعي: لما استخلف عمر بن عبد العزيز كتب إليه رجل من الشراة يقال له عمرو بأبيات: قل للمولى على الإسلام مؤتنفا ... وقد يرى أنه رث القوى واهي إذ رابه معشر عدوه مأكلة ... بنخوة الملك والإسراف والباه إنا شرينا بدين الله أنفسنا ... نبغي بذاك إليه أعظم الجاه ينهىالولاةبحدالسيف عن سرف ... كفى بذاك لهم عن زاجر ناهي وإن قصدت سبيل الحق يا عمرا ... آخاك في الله أمثالي وأشباهي وإن لحقت بقوم كنت واعظهم ... في جور سيرتهم فالحكم لله قال: فأجابه عمر بن عبد العزيز: ياأيها الرجل المهدي نصيحته ... إن المحاسن والتوفيق بالله إن كان أمر من السلطان تنكره ... فماعرى الدين والإسلام بالواهي هذا الكتاب كتاب الله نقرؤه ... مصدق الوحي فينا آمر ناهي فقد يزل الذي يبقى الهدى رهقا ... عند الشريعة وهو العالم الواهي الملك ياعمرو ملك الله خالقنا ... والحكم ياعمرو مردود إلى الله قال: فأتاه فبايعه ولم يخرج عليه١.

стр. 640

٢٧٢/٦- ابن جرير الطبري قال: وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى١، أن الذي خرج على عبد الحميد بن عبد الرحمن بالعراق في خلافة عمر بن عبد العزيز شوذب واسمه بِسطام من بني يشكر فكان مخرجه بجوخَى٢ في ثمانين فارسا أكثرهم من ربيعة. فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد ألا تحركهم إلا أن يسفكوا دما، أو يفسدوا في الأرض، فإن فعلوا فحل بينهم وبين ذلك، وانظر رجلا صليبا حازما فوجهه إليهم، ووجه معه جندا. وأوصه بما أمرتك به. فعقد عبد الحميد لمحمد بن جرير بن عبد الله البجلي في ألفين من أهل الكوفة، وأمره بما أمره به عمر، وكتب عمر إلى بسطام يدعوه ويسأله عن مخْرجه، فقدم كتاب عمر عليه. وقد قدم عليه محمد بن جرير، فقام بإزائه لا يحركه، ولا يهيجه فكان في كتاب عمر إليه: إنه بلغني أنك خرجت غضبا لله ولنبيه، ولست بأولى بذلك مني. فهلم أناظرك فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن كان في يدك نظرنا في أمرك، فلم يحرك بسطام شيئا وكتب إلى عمر: قد أنصفت، وقد بعثت إليك رجلين

стр. 641

يدارسانك ويناظرانك. قال أبو عبيدة: الرجلين اللذين بعثهما شوذب إلى عمر مخدوج مولى بني شيبان، والآخر من صليبة بني يشكر -قال: فيقال: أرسل نفرا فيهم هذان، فأرسل إليهم عمر: أن اختاروا رجلين، فاختاروهما، فدخلا عليه فناظراه، فقالا له: أخبرنا عن يزيد لم تقره خليفة بعدك؟ قال: صيره غيري، قالا: أفرأيت لو وليت مالا لغيرك، ثم وكلته إلى غير مأمون عليه، أتراك كنت أدَّيت الأمانة إلى من ائتمن قال: أنظراني ثلاثا، فخرجا من عنده، وخاف بنو مروان أن يخرج ما عندهم وفي أيديهم من الأموال، وأن يخلع يزيد، فدسوا إليه من سقاه سما، فلم يلبث بعد خروجهما من عنده إلا ثلاثا حتى مات١. ٢٧٣/٧- روى البلاذري فقال: كتب عمر إلى الخوارج فقال: إلى العصاة الذين خرجوا بزعمهم التماس الحق أما بعد: فإن الله تعالى لم يلبس على العباد أمورهم، ولم يتركهم سدى، ولم يجعلهم في عمياء، فبعث إليهم النذر، وأرسل إليهم الكتب، وبعث محمد ﷺ بشيرا ونذيرا وأنزل عليه كتابا حفيظا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، قد علم ما تأتون وما تتقون فأوصيكم بتقوى الله وشكر نعمه والاعتصام بحبله والتوكل عليه فإنه من يتق الله يجعل له مخرجا

стр. 642

ويرزقه. وقد بلغني كتابكم وما دعوتموني إليه ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام وقد خاب من دعى إلى الحق فلم يجب وذكرتم نعم الله على عباده وما أمرهم به من الطاعة فلله الحجة البالغة وسألتموني أن أحكم بالعدل وأقوم بالقسط وفي الحق مقنع وفوز نجاة لمن عمل به ولكل نبأ مستقر فلكم الذي سألتم وبالله التوفيق، وسألتموني رد من كان في صدر هذه الأمة من الأئمة إلا ما كان من حكم أبي بكر وعمر وعلي قبل الحكمين ومن كان بعدهم من الأئمة كانوا أقرب عهداً برسول الله ﷺ وأصحابه والله يشهد على أحكامهم ويعلمها، وسألتموني الإذن لكم في قدوم طائفة منكم علي فمن أحب ذلك فليقدم علي آمنا لا أحجبه ولا أبسط إليه يدا وأني أدعوكم إلى الله تعالى ورسوله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإنابة إلى أمر الله تعالى فأذكركم أن لا تخالفوا أمر الله تعالى وكتابه وسنة نبيه فقد بين لكم الهدي وأراكم البينات، فاقبلوا أمر الله وإياكم والبدع، والغلو في الدين، والسؤال عما كفيتموه. فقد سبق فيه من الله تعالى ما قد سمعتموه من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ١، فهذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة فإن تقبلوا يقبل الله تعالى منكم وإن تعرضوا فإن الله أمامكم ومن ورائكم فمن

стр. 643

ذا يعجز الله وشر الدواب عند الله الصم، البكم، وقلتم لا حكم إلا لله، فالحكم لله العظيم، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ١،٢. التعليق: يتضح من الآثار السابقة مناظرات عمر بن عبد العزيز مع الخوارج، وقد سلك معهم في هذه المناظرات السابقة المسلك الصحيح الذي تبعه سلفنا الصالح كابن عباس، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وغيرهما من أئمة السلف حين ناظروا الخوارج٣، وبينوا لهم شبههم التي تعلقوا بها، ويبدو من الآثار السابقة أن عمر بن عبد العزيز قد طمع في رجوع هؤلاء الخوارج وقد دحض شبههم التي يظنونها أدلة ولاشك " أن الخوارج إنما أتاهم الخطأ والغلط من سوء فهمهم للقرآن ومقصودهم اتباع القرآن ظاهرا وباطنا، ولكنهم كما قال عمر ﵀ قوم جهال يردون من الناس ما قبله الرسول منهم، ويأمن عندهم الخائف الكافر، ويخاف عندهم

стр. 644

المؤمن، وقد بينوا في المناظرة ضيق أفقهم حيث أوجبوا لعن أهل الذنوب ثم حصروا الموالاة والمعاداة عليه، وقد دحض عمر هذه الشبهة، ثم بين لهم المنهج الصحيح الذي كان يدعو إليه محمد ﷺ وأصحابه وهو أن الرسول ﷺ بعث إلى الناس وهم عبدة أوثان فدعاهم إلى أن يخلعوا الأوثان، وأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فمن فعل ذلك حقن دمه، وأمن عنده، وكان أسوة المسلمين، ومن أبى ذلك جاهده؟ فهذا هو المنهج الصحيح في دعوة الناس إلى الإسلام، وليس اللعن، والبراءة لكل من ارتكب كبيرة سواء كان خطئا أو عمدا، ولذا اقتنع الحبشي وقال: ما رأيت حجة أبين ولا أقرب مأخذا من حجتك، أما أنا فأشهد أنك على الحق، وأنني بريء ممن خالفك. ويتبين من المناظرات بَيْن عمر والخوارج أنه لم يترك لهم شبهة إلا كسرها وبين زيفها، وكشف عوارها، ويبدو أن بعض الخوارج يحملون قلوبا عميا، وآذانا صما، ونفوسا شريرة، أبعدتهم عن الحق، وصدتهم عن الهدى، وظنوا أن ما معهم هو الحق، وتأولوا القرآن على ما تميله نفوسهم، وقد بذل عمر جهده في مناظرتهم. هذا وقد بين عمر رحمه الله تعالى في مناظرته للخوارج عدة سمات اتصفوا بها ومنها:

стр. 645

١- الجهل: قال عمر ويحكم إنكم قوم جهال، وهذه سمة للخوارج بلا شك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه عن الخوارج: "فهم جهال فارقوا السنة والجماعة عن جهل"١. ٢- ومن سماتهم تضليلهم لأئمة الهدى وجماعة المسلمين ولعل عمر يقصدهم بقوله سن رسول الله وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله ... " قال شيخ الإسلام واصفا صفاتهم: "فهؤلاء أصل ضلالهم اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل وأنهم ضالون، وهذا مأخذ الخارجيين عن السنة من الرافضة ونحوهم ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرا ثم يرتبون على الكفر أحكاما ابتدعوها٢. ٣- ومن علامات الخوارج التكفير بالمعاصي وإلحاق أهلها المسلمين بالكفار في الأحكام، والدار، والمعاملة، والقتال، واستحلال دماء المسلمين بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٤- ومن سماتهم قتل أهل الإسلام وترك أهل الأوثان كما وصفهم بذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.

стр. 646

المبحث الثالث: الآثار عن عمر في الحكم على الخوارج رأينا فيما سبق موقفه من مناظرة الخوارج، وسيتبين مما يأتي موقفه من الحكم عليهم. وقد اتسم موقفه في المناظرة ببيان الحق بدليله مع إحساس العزة من نفسه من غير كبر. وقد حكم على الخوارج بعد ما يئس من رجوعهم إلى الحق، والانضمام إلى أهله، بعد ما استعمل كل ما عنده من وسيلة شرعية لإقناعهم وهذا ما سيتبين بالآثار التالية.

стр. 647

فكتب إلي عمر: أن خذ من في أيديهم من رهنك، يعني ودع من في يدك من رهنهم، وإن كان رأي القوم أن يسيحوا في البلاد على غير فساد على أهل الذمة ولا تناول أحد من الأمة فليذهبوا حيث شاءوا، وإن هم تناولوا أحدا من المسلمين وأهل الذمة فحاكمهم إلى الله١. قال ابن الجوزي: وكتب إليهم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العصابة الذين خرجوا: أما بعد: فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإن الله يقول: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٢، وإني أذكركم الله أن تفعلوا كفعل كبرائكم ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ٣

стр. 648

أفبذنبي تخرجون من دينكم وتسفكون الدماء وتنتهكون المحارم؟ ولو كانت ذنوب أبي بكر وعمر مخرجة رعيتهما من دينهم كانت لهما ذنوب، فقد كانت آباؤكم في جماعتهم، فلم ينزعوا فما ينزعكم على المسلمين، وأنتم بضعة وأربعون رجلا!! وإني أقسم لكم بالله لو كنتم أبكاري من ولدي فوليتم عما أدعوكم إليه من الحق لدفقت دماءكم ألتمس بذلك وجه الله والدار الآخرة، فهذا النصح فإن استغششتموني فقديما ما استغش الناصحون. قال ابن الجوزي: فأبوا إلا القتال وحلقوا رؤوسهم، وساروا إلى يحيى ابن يحيى. فأتاهم كتاب عمر، ويحيى بن يحيى مواقعهم للقتال: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى يحيى بن يحيى أما بعد: فإني ذكرت آية في كتاب الله ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ١، وإن من العدوان قتل النساء، والصبيان، فلا تقتلن امرأة ولا صبيا، ولا تقتلن أسيرا، ولا تطلبن هاربا ولا تجهزن على جريح إن شاء الله٢. ٢٧٤/٢- ابن سعد: قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: خرجت حرورية بالعراق في خلافة

стр. 649

عمر بن عبد العزيز وأنا يومئذ بالعراق مع عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد عامل العراق، فلما انتهى أمرهم إلى عمر كتب إلى عبد الحميد يأمره أن يدعوهم إلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ فلما أعذر في دعائهم كتب إليه أن قاتلهم فإن الله وله الحمد لم يجعل لهم سلفا يحتجون به علينا. فبعث إليهم عبد الحميد جيشا فهزمتهم الحرورية، فلما بلغ ذلك عمر بعث إليهم مسلمة بن عبد الملك من أهل الشام وكتب إلى عبد الحميد: قد بلغني ما فعل جيشك جيش السوء، وقد بعثت إليك مسلمة ابن عبد الملك فخل بينه وبينهم. فلقيهم مسلمة في أهل الشام فلم ينشبوا أن أظهره الله عليهم"١. ٢٧٥/٣- ابن سعد أيضا قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الحميد بن عمران، عن عبد الله بن عتبة، قال: بعثني عمر بن عبد العزيز في خلافته إلى الخوارج الذين خرجوا عليه فكلمتهم فقلت: ما الذي تنقمون عليه؟ قالوا: ما ننقم عليه إلا أنه لا يلعن من كان قبله من أهل بيته، فهذه مداهنة منه. قال: فكف عمر عن قتالهم حتى أخذوا الأموال

стр. 650

وقطعوا السبيل فكتب إليه عبد الحميد بذلك فكتب إليه عمر: أما إذا أخذوا الأموال وأخافوا السبيل فقاتلهم فإنهم رجس١. ٢٧٦/٤- أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن عون بن عبد الله، قال: كتب عمر بن عبد العزيز أن يدعى الخوارج٢. ٢٧٧/٥- أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني خازم بن حسين، قال: قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عامله في الخوارج، فإن أظفرك الله بهم وأدالك عليهم فرد ما أصبت من متاعهم إلى أهليهم٣. ٢٧٨/٦- أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عبد الملك بن محمد، عن أبي بكر بن حزم، عن المنذر بن عبيد، قال: حضرت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد: ومن أخذت من أسراء الخوارج فاحبسه حتى يحدث خيرا، قال: فلقد مات عمر بن عبد العزيز وفي حبسه منهم عدة٤.

стр. 651

٢٧٩/٧- ابن أبي شيبة قال: حدثنا جرير، عن مغيرة١، قال: خاصم عمر بن عبد العزيز الخوارج فرجع من رجع منهم، وأبت طائفة أن يرجعوا فأرسل عمر رجلا على خيل وأمره أن ينزل حيث يرحلون ولا يحركهم ولا يهيجهم، فإن قتلوا وأفسدوا في الأرض فاسط عليهم وقاتلهم، وإن هم لم يقتلوا ولم يفسدوا في الأرض فدعهم يسيرون٢. ٢٨٠/٨- ابن أبي شيبة أيضا قال: حدثنا حميد، عن حسن، عن أبيه، قال: أشهد أن كتاب عمر بن عبد العزيز قرئ علينا: إن سفكوا الدم الحرام وقطعوا السبيل فتبرأ في كتابه من الحرورية وأمر بقتالهم٣؟ ٢٨١/٩- الملطى قال: وقال مزاحم بن زفر: كنا بسمرقند وعليها محمد بن المهلب، فخرج علينا يوم الجمعة رجل حروري فضرب رجلا من بني عجل بالسيف فأخذ، فدعا محمد بن المهلب الضحاك بن مزاحم فسأله، فقال: أرى أن تحبسه حتى ينظر ما يصنع المضروب ثم تقصه منه. فحبسه وكاتب إلى يزيد المهلب، فكتب يزيد إلى سليمان بن عبد الملك

стр. 652

فوافق الكتاب موت سليمان بن عبد الملك واستخلاف عمر بن عبد العزيز، فعرض عليه الكتاب فكتب: أما بعد: فانظر الحروري فإن المضرب مات من ضربته فدعه لأوليائه يقتلونه، وإن كان بريئا فقصه منه، ثم احبسه محبسا قريبا من أهله حتى يموت من هواه الخبيث١. ٢٨٢/١٠-الملطي أيضا: قال: قال حسان بن فروخ: سألني عمر بن عبد العزيز عما تقول الأزارقة فأخبرته فقال: ما يقولون في الرجم؟ فقلت يكفرون به فقال الله أكبر كفروا بالله وبرسوله٢. التعليق: يظهر من خلال هذه الآثار السابقة حرص عمر بن عبد العزيز على حقن دماء المسلمين وحبه للتمسك بالكتاب والسنة وآثار السلف الصالح مستنيرا بما أخذوا به من السنة في معاملة الخوارج من مناظرة ومحاجة كما فعل أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ فحين خرج عليه الخوارج أرسل إليهم عبد الله بن عباس ﵄ فناظرهم ورجع منهم طائفة ثم بين لهم بأن لا يسفكوا دما وأن لا يخيفوا آمنا فما استفادوا من ذلك

стр. 653

فسفكوا الدماء وخوَّفوا الآمنين فعند ذلك حاربهم١، وهذا ما فعله عمر ابن عبد العزيز فقد تبع هذا المنهج الذي سار عليه علي بن أبي طالب ﵁ فلما بالغ في الإعذار والإنذار قدر الاستطاعة وهدى الله تعالى من أراد له الهداية لم يتوان عن محاربتهم لأنهم رجس. والآثار التي حذر فيها الخوارج من الخروج على الأئمة توقف الناس أمام الحق الذي يراه عمر وهو أنه ليس لكل أحد أن يقول في كتاب الله بما يريد ادعاء بالحكم بكتاب الله - وهي صفة للخوارج والمنحرفين الذين يدعون الأخذ بكتاب الله ويخالفون ما سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده - بل يعتبر عمر هنا أن الأخذ بتلك السنن هو الاعتصام بكتاب الله وهو القوة على دين الله وأنه لا يسوغ لأحد تبديلها وتغييرها أو النظر في أمر خالفها ... ٢. فعمر سيأخذ بالسنن التي أمر بها الكتاب والسنة وعمل بها الخلفاء الراشدون ليقطع بهذا لكل من تسول له نفسه الخروج عن هذه السنن سواء كان من الخوارج الجهلة الذين ضلوا الطريق أو غيرهم. فاجتهد ﵀ أن يرد الخوارج إلى الحق والصواب بالحجة والإقناع لعلمه بأنه لا يحل دم امرئ مسلم بغير حق. فما تخرج عليه فرقة من فرق

стр. 654

الخوارج حتى يكتب إلى ولاته الكتب محذرا فيها من البدء بالعدوان وأن لا يحركوهم حتى يسفكوا دما ويفسدوا في الأرض، كما يكتب إلى الخوارج أيضا ليرسلوا إليه من يناظره ويجادله ويناقشه في الوصول إلى الحق، فلما أعذرهم وتبين للناس ضيق أفقهم في الجدال وتعصبهم المقيت، وأبوا إلا القتال وحلقوا رؤوسهم وتمادوا ومع ذلك فلم يأمر بقتالهم إلا بعد أن سفكوا الدم وأخذوا الأموال وقطعوا السبيل، فحينذاك أمر بقتالهم، ولكنه مع ذلك لا ينسى أنهم مسلمون، وإن كانوا معتدين، فيكتب إلى واليه بحكم البغاة أن لا يقتل أسيرا ولا يجهز على جريح ولا يقتل النساء والصبيان. وهذه هي سنة رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب ﵁ في معاملة الخوارج. روى البيهقي في معرفة السنن والآثار عن الشافعي قال: بلغنا أن علي بن أبي طالب ﵁ بينا هو يخطب إذ سمع تحكيما من ناحية المسجد لا حكم إلا لله. فقال: علي بن أبي طالب ﵁: لا حكم إلا لله كلمة حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاث. لا نمنعكم مساجد الله أن يذكر فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا ولا نبدؤكم بالقتال١.

стр. 655

وزاد الحافظ ابن حجر في الفتح: ولا نبدؤكم بقتال ما لم تحدثوا فسادا١. وروى البيهقي أن عليا ﵁ كان لا يأخذ سلبا وإن كان يباشر القتال بنفسه وأنه كان لا يجهز على جريح، ولا يقتل مدبرا، وأمر أصحابه بأن لا يتبعوا مدبرا، ولا يحهزوا على جريح، ولا يغنموا مالا، وذلك لأن أموالهم لا تغنم، لأن الله تعالى إنما جعل الغنيمة في أموال الكافرين ولم يجعلها في أموال المصلين ولا يحل مال المسلم إلا بطيب نفس منه لقوله ﷺ "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه"٢. وهذا هو الذي فعله عمر مع الخوارج كما سبق رسمه في الآثار. هذا, ولعل الحكم على الخوارج يختلف باختلاف جرمهم وشناعة أقوالهم فمن أنكر منهم شيئا معلوما من الدين بالضرورة كالأزارقة الذين أنكروا الرجم فقد أثر عن عمر تكفيرهم. هذا وللعلماء قولان بالنسبة للحكم على الخوارج: ١- أنهم كفار. ٢- أنهم فساق مبتدعون بغاة.

стр. 656

وقد استند الذين كفروهم على ما ورد من أحاديث المروق المشهورة التي تصفهم بأوصاف تصدق على بعض فرقهم كإنكارهم بعض الأمور المعروفة من الدين بالضرورة فلذا كفر عمر بن عبد العزيز الأزارقة حين أنكروا الرجم ووصف من خرج عن طريقة السلف بالدخول في النار. أما الذين فسقوهم فاستندوا على أن الحكم بالكفر على أحد غير هين لكثرة النصوص التي تحذر من ذلك إلا من ظهر الكفر من قوله أو فعله فلا مانع حينئذ من تكفيره بعد إقامة الحجة عليه، وهذا ما نلاحظه عند عمر بن عبد العزيز في تعامله معهم حيث لم يعاملهم معاملة الكفار كما سبق نقله عنه. ولاشك أن الصحيح في ذلك أن يقال في حق كل فرقة ما تستحقه من الحكم حسب قربها أو بعدها عن الدين وهذا ما فعله عمر رحمه الله تعالى فلم يطلق على الخوارج حكما حتى ناقشهم وجادلهم وبين لهم الحق ولم يكفرهم إلا بعد صدور أقوال الكفر منهم ﵀ رحمة واسعة. والخلاصة: أن موقف عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى من الخوارج كان قويا وحازما مع الحرص على تطبيق السنة كما كان يناظرهم ويعلمهم، ويقاتلهم إذا حدث منهم قتال أو بغى أو قطعوا السبيل. وتعرضوا لمصالح المسلمين كما سبق بيانه في الآثار. ورغم شدته وموقفه من الخوارج، وقتاله إياهم إلا أنه لا يكفرهم إلا إذا أنكروا أمرًا معلوما من الدين بالضرورة كإنكار الرجم وهذا هو

стр. 657

موقف السلف الصالح جميعا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالا للأمة وتكفيرا لها ولم يكن في الصحابة من يكفرهم، لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين ... "١.

стр. 658

الفصل السادس: موقفه من الشيعة تمهيد: كلمة الشيعة في اللغة يراد بها: الاتباع، والأنصار، والأعوان، والخاصة١. وفي الاصطلاح هو اسم لكل من فضل عليًّا على الخلفاء الراشدين قبله ﵃ جميعا ورأى أن أهل بيته أحق بالخلافة٢. وقد ظهر الشيعة بعد معركة صفين حين انشق الخوارج وتحزبوا في النهروان فظهر في مقابلهم اتباع وأنصار علي ﵁ حيث بدأت فكرة التشيع تشتد شيئاً فشيئًا. وللشيعة أسماء عدة كالرافضة والزيدية إضافة إلى الاسم العلم لهم، الشيعة. هذا بغض النظر عن صدق هذا الاسم عليهم أو عدم صدقه لأنه لا تأثير للأسماء في الحقيقة والواقع. والشيعة فرق عديدة منهم الغلاة الذين خرجوا عن الإسلام وهم يدعونه ويدعون التشيع، ومنهم دون ذلك ومؤسس مذهبهم هذا هو عبد الله بن سبأ كان يهوديا من اليمن فادعى الإسلام. وأهم فرقهم هي: الكيسانية، والسبئية، والزيدية، والرافضة.

стр. 659

والأخيرة هذه - هي الواجهة البارزة في عصرنا الحاضر للتشيع، ومن الطبيعي جدا أن يحصل الخلاف بين الشيعة شأنهم شأن بقية الفرق أهل الأهواء فما داموا قد خرجوا عن النهج الذي ارتضاه الله لعباده، واستندوا إلى عقولهم وأهوائهم فلا بد أن نتوقع الخلاف خصوصا حينما يكون الخلاف مرادا لذاته. وقد علم عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فرق الشيعة - كما سيأتي - وقام بزجرهم بخطبه ورسائله محذرا عن الفرقة، والخروج عما كان عليه الصحابة وآمرا بالاعتصام بالكتاب والسنة، ولزوم الجماعة، وترك الابتداع في الدين الذي هو أبرز سمات شعار فرقة الشيعة الرافضة إلى أن أتاه أجله فرحمه الله رحمة واسعة. ٢٨٣/١- الذهبي قال: قال الزبير بن بكار: قال عمر بن عبد العزيز: إني لأعرف صلاح بني هاشم وفسادهم بحب كُثَير١، فمن أحبه منهم فهو فاسد، ومن أبغضه فهو صالح لأنه كان خشبيا يؤمن بالرجعة٢.

стр. 660

٢٨٤/٢- ابن عبد ربه في العقد الفريد: قال أتى عمر بن عبد العزيز كتاب من عامله على الكوفة يخبره بسوء طاعة أهلها فوقع عليها عمر "لا تطلب طاعة من خذل عليا رضى الله عنه وكان إماما مرضيا"١. ٢٨٥/٣- قال الأزدي: قرأت في التاريخ، أن عمر بن عبد العزيز قال: قد ناظرت الناس وكلمتهم وإني لأحب أن أكلم الشيعة فشخص إليه أبو جعفر محمد بن علي ومعه زرارة بن أعين٢، فقال: أخبرني عن مقعدك هذا الذي قعدته أبإرث من رسول الله ﷺ ؟ قال: لا. قال: فبوصية منه. قال: لا. فبإجماع من المسلمين أو لأحد ولاية منك. قال: لا. فلما نهض أبو جعفر قال له زرارة ما تقول فيه، قال: هو خير ممن كان قبله وفلان خير منه٣.

стр. 661

٢٨٦/٤- ابن عبد البر قال: حدثنا أحمد بن محمد، نا أحمد بن الفضل، نا محمد بن جرير، نا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثني عبد الله ابن يوسف، عن إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن طلحة بن أشعث، قال: بعثني عمر بن عبد العزيز إلى العراق فقال: أقرئهم ولا تستقرئهم وحدثهم ولا تسمع منهم، وعلمهم ولا تتعلم منهم١. ٢٨٧/٥- الدارمي قال: أخبرنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، قال: قال عمر بن عبد العزيز إذا رأيت قوما ينتاجون بأمر دون عامتهم فهم على تأسيس الضلالة٢. التعليق: إن مما أنعم الله به على عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بُعد النظر، والإصابة في القول، فأقواله رحمه الله تعالى تنم عن هبة خصه الله بها، فقوله إذا رأيت القوم يتناجون في دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة، يُعتبر قاعدة تدلنا على أخص سمة يتميز بها أهل الأهواء والبدع، وهي التناجي في أمور الدين بخفية، والخروج عن جماعة المسلمين الذين هم سلف هذه الأمة. وقد حاز الشيعة قصب السبق في هذا الجانب حيث وجد عندهم من البدع ما لم يوجد عند غيرهم من الفرق المنتسبة

стр. 662

إلى الإسلام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهؤلاء - يشير إلى الروافض - جمعوا هذه الثلاثة١ وزادوا عليها فإنهم خارجون عن الطاعة يقتلون المؤمن، والمعاهد، ولا يرون لأحد من ولاة المسلمين طاعة، سواء كان عدلاً أو فاسقاً إلا لمن لا وجود له وهم يقاتلون لعصبية شر من عصبية ذوي الأنساب، وهي العصبية للدين الفاسد فإن في قلوبهم من الغل والغيظ على كبار المسلمين من أولياء الله مستقدمهم ومستأخرهم وأمثلهم عندهم الذي لا يلعن ولا يستغفر ... وهؤلاء أشد الناس حرصا على تفريق جماعة المسلمين فإنهم لا يقرون لولي أمر بطاعة سواء كان عدلا أو فاسقا، ولا يطيعونه لا في طاعة ولا في غيرها، بل أعظم أصولهم عند التكفير، واللعن، والسب لخيار ولاة الأمور كالخلفاء الراشدين، والعلماء المسلمين، ومشايخهم، لاعتقادهم أن كل من لم يؤمن بالإمام المعصوم الذي لا وجود له فما آمن بالله ورسوله٢. ولكون الشيعة يؤمنون بالإمام المعصوم وبأن عليًّا ﵁ هو الخليفة بعد النبي ﷺ بالنص نراهم عندما ناظروا عمر بن عبد العزيز - إن صحت ثبوت تلك المناظرة - أصروا على مبادئهم وهي الإشارة بأن الولاية لا

стр. 663

تنال إلا بإرث من رسول الله ﷺ أو بوصية منه، أو بإجماع المسلمين. وهذه الدعاوي كلها من اختلاق وافتراء عبد الله بن سبأ اليهودي. قال أبو الحسن الأشعري في المقالات: وأجمعوا على أن النبي ﷺ نص على استخلاف علي بن أبي طالب ﵁ باسمه، وأظهر ذلك، وأعلنه. وأن أكثر الصحابة ضلوا بتركهم الاقتداء به بعد وفاة النبي ﷺ ، وأن الإمامة لا تكون إلا بنص وتوقيف، وأنها قرابة، وأنه جائز للإمام في حال التقية أن يقول إنه ليس بإمام وأبطلوا جميعا الاجتهاد في الأحكام، وزعموا أن الإمام لا يكون إلا أفضل الناس. وزعموا أن عليا رضوان الله عليه كان مصيبا في جميع أحواله، وأنه لم يخطئ في شيء من أمور الدين إلا الكاملية أصحاب أبي كامل فإنهم أكفروا الناس بترك الاقتداء به وأكفروا عليّا بترك الطلب ... "١. وقد كان عمر بن عبد العزيز ﵀ يعرف معتقدات هذه الفرقة الضالة، التي تكتم عقيدتها بالتقية، حيث تتظاهر بأنها تنقاد للأئمة وتؤدي الواجبات في الظاهر، بينما تعتقد في الباطن خلاف ذلك ومن العجيب أن يوجد بين المسلمين الذين يؤمنون بالقرآن من يرى أن هناك من يرجع من الأموات قبل يوم القيامة كما هو معتقد فرقة من فرق الغلاة الشيعة الذين يرون أنه لا يجوز القتال بالسيوف وغيرها من الأسلحة الفتاكة إلا مع

стр. 664

وجود الإمام المعصوم. أما في حال غيبته فيقتصرون على القتال بالخشب فقط. ومن خلال أفراد هذه الفرقة عرف عمر بن عبد العزيز أن من تحبه من بني هاشم فهو فاسد لأن أفرادها وعوامها لا يحبون إلا من يوافقهم في ضلالاتهم وأهوائهم، وأما من تكرهه من بني هاشم فهو صالح لأنه لا يمكن للمسلم العاقل أن يعتقد مثل هذه الاعتقادات الباطلة، وقد بين الأشعري ﵀ أن هذا المعتقد كان يقول به عبد الله بن سبأ مؤسس معتقد الغلاة فقال ﵀ الصنف الرابع عشر من أصناف الغالية وهم السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ يزعمون أن عليا لم يمت، وأنه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة، فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً. وذكروا عنه أنه قال لعلي رضي الله تعالى عنه: أنت أنت! والسبئية يقولون بالرجعة وأن الأموات يرجعون إلى الدنيا ... "١. ومعرفة عمر بن عبد العزيز بعقيدة كُثيرِّ الشاعر يؤيدها ما يروى أن كثيرا عزة له أبيات يثبت فيها عقيدته الفاسدة في الغلو في أهل البيت مثل قوله: ١- ألا إن الأئمة من قريش ... ولاة الحق أربعة سواء ٢- علي والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء ٣- فسبط سبط إيمان وبر ... وسبط غيبته كربلاء.

стр. 665

٤- وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمها اللواء ٥- تغيب لا يرى فيهم زمانا ... برضوى عنده عسل وماء١ ومثل قوله: ١- إلا قل للوصي فدتك نفسي ... أطلت بذلك الجبل المقاما ٢- أضر بمعشر والوك منا ... وسموك الخليفة والإماما. ٣- وعادوا فيك أهل الأرض طرا ... مقامك عندهم ستين عاما ٤- وما ذاق ابن خولة طعم موت ... ولا وارت له أرض عظاما ٥- لقد أمسى بمجرى شعب رضوى ... تراجعه الملائكة الكلاما ٦- وإن له لرزقا كل يوم ... وأشربة يعل بها الطعاما قال الذهبي ﵀ قال الزبير بن بكار عن كُثير: كان شيعيا يقول بتناسخ الأرواح ويقرأ ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ ٣ قال: وكان خشبيا يؤمن بالرجعة، يعني رجعة علي ﵁ إلى الدنيا٤. ولم يهتم عمر رحمه الله تعالى بالرد على ما كان يراه كُثَير وغيره من الشيعة كما اهتم بالرد على القدرية والخوارج لأن القول بالرجعة لا يقر

стр. 666

به جميع العقلاء، ويؤمن المسلمون برجعة واحدة تكون في يوم القيامة حين يجمع الخالق الخلائق لفصل القضاء كما هو معلوم من دين الإسلام بالضرورة فلتفاهة هذا القول ولكون العقل السليم يمج مثل هذه الترهات ولدلالة الكتاب والسنة على بطلان هذه الدعوى، لم يهتم عمر رحمه الله تعالى بالرد على هؤلاء. قال تعالى ردا على من تمنى الرجعة إلى الدنيا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ١، ومدلول هذه الآية هو اعتقاد جميع المسلمين ولم يقل بخلاف هذا أحد لا سلف الأمة ولا أحد من أهل البيت الذين يزعم الشيعة أنهم له تبع. وقد ورد في السنة المطهرة ما يوضح معنى هذه الآية ويوضح صراحة أنه لا رجعة إلى الدنيا بعد الموت: فعن طلحة بن خراش قال: سمعت جابرا يقول: لقيني رسول الله ﷺ فقال: "يا جابر، ما لي أراك منكسرا؟ " فقلت: يارسول الله استشهد أبي قتل يوم أحد، وترك عيالا ودينا، قال: "أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ " قال: قلت بلى يارسول الله. قال: "ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك وكلمه كفافا٢ فقال:

стр. 667

ياعبدي تمن علي أعطك، قال: يارب تحييني فأقتل فيك ثانية، قال الرب : إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون"١، فالحديث صريح في منع القول بوقوع الرجعة فضلا عن أن تكون عقيدة إسلامية يجب اعتقادها. وكذلك لم يرد على كثير كونه خشبيا والسبب في هذه التسمية أن هذه الفرقة كما قيل كانوا يقاتلون بالخشب ولا يجيزون القتال بالسيف وغيره إلا تحت راية إمام معصوم من آل البيت كما سبق بيانه٢. هذا وللمخالطة والمجالسة تأثير قوي يعرفه كل عاقل وقد كان في زمان عمر شيعة وهم كذبة أصحاب خرافة ودجل كما رأينا فيما سبق فلم ير عمر أن يؤخذ عنهم العلم ويتلمذ عليهم خوفا من تأثير بدعتهم وتمويههم على من تتلمذ عندهم وإنما أمر أن يفتح عليهم ما يكرهونه من العلم الصحيح المبني على الكتاب والسنة حرصا منه على هداية هذه الفرقة الضالة وقطعا للعذر عليهم وقياما بالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله فرحمه الله رحمة واسعة. مع سعة معرفته بمبادئ الشيعة الضالة التي كانت منتشرة في عهده وقبل عهده ولهذا كان ﵀ يعالج هذا الجانب ما استطاع إليه سبيلا. مثله مثل غيره من علماء السلف في ذلك الوقت.

стр. 668

الفصل السابع: موقفه من القدرية المبحث الأول: الآثار عن عمر في الرد على القدرية ومنهجه في ذلك ... تمهيد: مذهب أهل السنة والجماعة في باب القدر وغيره ما دل عليه الكتاب والسنة، وكان عليه السابقون الأولون والذين اتبعوهم بإحسان، وهو أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها، وصفاتها القائمة بها، من أفعال العباد وغير أفعال العباد، وأنه سبحانه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في الوجود شيء إلا بمشيئته وقدرته، ولا يمتنع عليه شيء شاءه، بل هو قادر على كل شيء، وما لم يكن لو كان كيف يكون. وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها، وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم قدر آجالهم، وأرزاقهم، وأعمالهم، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة، وشقاوة، فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء، ومشيئته لكل ما كان، وعلمه بالأشياء قبل أن تكون، وتقديره لها، وكتابته إياها قبل أن تكون. وهم متفقون على أن العباد مأمورون بما أمرهم الله به منهيون عما نهاهم الله عنه، ومتفقون على الإيمان بوعده، ووعيده، الذي نطق به

стр. 669

الكتاب والسنة، ومتفقون على أنه لا حجة لأحد على الله في واجب تركه، ولا محرم فعله بل لله الحجة البالغة على عباده. وهم متفقون أيضا على أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وأن العباد لهم مشيئة وقدرة يفعلون بمشيئتهم وقدرتهم ما أقدرهم الله عليه مع قولهم: إن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله١. فليست مشيئتهم مستقلة بل مقيدة بمشيئة الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا تشَاؤُونَ إلاَّ أَن يَّشَاءَ اللهُ﴾ . وقد انحرف عن هذا المذهب السليم والمعتقد الصحيح القدرية والجبرية، وقد عاصر عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى القدرية الغلاة فسلك معهم منهج الكتاب والسنة فناظرهم وكتب إليهم مبينا لهم المذهب الصحيح بتأن وروية، واستدلال بآي الكتاب العزيز فجاءت الآثار الواردة عنه نبراسا مضيئا لمن يريد اتباع السلف الصالح، وهذه الآثار الواردة عنه تعتبر مناظرة وردا على القدرية بأصنافها٢، وعلى الجبرية كذلك. والمكذبون بالقدر يعتمدون على شبه واهية، وبعضهم لم يعلم الحقيقة من خبث هذا المذهب الفاسد، وقد كان بدايتهم منذ عهد أواخر

стр. 670

الصحابة ﵃، فتبرأ منهم ابن عمر وغيره من الصحابة، وقد امتد بقاؤهم إلى عهد عمر بن عبد العزيز وكانوا بداية المعتزلة ومن أشهر هؤلاء المكذبين بالقدر غيلان بن مسلم الدمشقي كان أصله قبطيا فأسلم أجداده وكانوا من موالي عثمان بن عفان رضي الله عنه١، وكان غيلان قدريا مرجئا جامعا بين السيئتين كتب إلى عمر بن عبد العزيز رسالة كما ذكر صاحب المنية والأمل٢ وستأتي، فولاّه عمر دار الضرب بدمشق واستمر فيها إلى أن عرف عمر بمذهبه فناداه وحبسه، وناظره فتاب ثم ناداه فناظره فتاب وهكذا تكررت المناظرات بينهما إلى أن أوصى عمر إلى أمراء أجناده بتنفيذ حكم الله فيه، ولكن توفي عمر قبل أن تصل هذه الوصية إليهم كما ناظر عمر غيره ممن وفد عليه كما سيأتي بيانه خلال الآثار القادمة، وقد كان غيلان من بلغاء الكتاب، وقد نافق عمر حين ناظره - ولعله لم يستطع أن يتخلص من سلطان عقائده الموروثة فقد كان القبط من أهل الكتاب النصارى، وكان النصارى مختلفين في القدر فمنهم من كان يرى أن الإنسان حر مختار في عمله، ومنهم فئة جبرية، ترى أن كل
следующие страницы →