حظي عمر بن عبد العزيز ﵀ ببيان جملة من هذه العلامات، وهو من توفيق الله له فمن علامات أهل البدع التي أثرت عن عمر ﵀ أنهم يحبون السرية بتعاليمهم والتخفي بها عن العامة، خوفا أن تنكشف تلك الأسرار، ولا يريدون إظهارها إلا في الوقت الذي يشاءون، إذ إنهم لو كانوا يعتقدون أنهم على صواب، لما تستروا عليها، وهذا طريق إلى التفريق بين كلمة المسلمين الذي هو إحدى سمات أهل البدع -وقد حذر عمر من هذا المسلك فقال: "إذا رأيت القوم يتناجون في دينهم بشيء دون العامة، فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة، قال أحد العلماء المعاصرين: وكل أمر في الدين يسر به أصحابه من دون بقية المؤمنين، وبمعزل عن أهل العلم، والفقه في الدين فإنه ينتهي بأصحابه إلى الأهواء، من حيث لا يشعرون، والتاريخ شاهد بذلك. فإن البدع إنما ابتدأت همسا، وأحيانا بقصد الغيرة على الدين والنصح للإسلام ثم يؤول إلى العزلة عن الجماعة وتنافر القلوب، وغرس الغل على المخالفين، وهكذا يحدث الافتراق. كما يحصل في عصرنا هذا لدى بعض المنتسبين إلى الحركات الإسلامية المعاصرة هداهم الله وبصرنا وإياهم الحق١. ومن المعلوم أن الخروج عن الجماعة واستحداث الفرقة سمة من سمات أهل البدع. وقد حذرنا الله
стр. 597
تبارك وتعالى من الفرقة، وأمرنا بلزوم الجماعة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ... ﴾ ١،وقال : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ... ﴾ ٢.
وأمر ﷺ بلزوم الجماعة، وحذر من الفرقة فقال: " ... إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا فعليكم بسنتي ... "٣، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في صفات الفرقة الناجية وهي التي خلا أصحابها من الافتراق، والاختلاف، وأن غيرها من الفرق الباقية، من فرق الاختلاف والتفرق، فقال: "وصفت الفرقة الناجية بأنها أهل السنة والجماعة، وهم الجمهور الأكبر، والسواد الأعظم".
"وأما الفرق الأخرى، فإنهم أهل الشذوذ، والتفرق، والبدع، والأهواء، ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريبا من مبلغ الفرقة الناجية، فضلا عن أن تكون بقدرها، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلة، وشعار هذه الفرق
стр. 598
مفارقة الكتاب والسنة، والإجماع. فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة"١.
ومن علامات أهل البدع المأثورة عن عمر بن عبد العزيز اتباع المتشابه وهو مطية يركبها أهل البدع وذلك بتقليب الأدلة وتفسيرها بما يوافق هواهم مدعين أن تلك النصوص تؤيدهم فيما يذهبون إليه في باطلهم. وهو مسلك يخالف ما عليه أهل الحق في موقفهم من النصوص المتشابهة والمحكمة. قال عمر: انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ وقد أخبرنا الله ﵎ بأن أهل البدع يتصفون باتباع المتشابه في قوله: ﴿ ... فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه﴾ ٢.
وروى البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ
стр. 599
الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١، قالت: فقال رسول الله ﷺ : "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم"٢.
ومما أثر عن عمر بن عبد العزيز من سمات أهل البدع اتباع الهوى حيث قال: وما من قوم يسمعون بقضاء إمام إلا سيختلفون فيه على أهوائهم إلا من رحم الله فإن من رحم الله لا يختلفون في قضائه فإنه قال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ .
واتباع الهوى من أبرز سمات أهل البدع. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ٣.
وقال ﷺ : "إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة. وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك
стр. 600
الأهواء كما تجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله"١.
فالهوى لازم لأهل البدع ولا ينفك عنهم بحال من الأحوال كما هو المشاهد والملموس عن كثب نسأل الله تعالى السلامة والثبات على الحق.
ومن علامات أهل البدع الواردة عن عمر سمة معارضة السنة بالقرآن وهذه صفة من صفات الخوارج وغيرهم من أهل البدع، والأهواء فيبين عمر رحمه الله تعالى معرضا بهؤلاء بأن ما سن رسول الله ﷺ وخلفاؤه من بعده يعتبر الأخذ به اعتصاما بكتاب الله وأنه لا يسوغ لأحد تبديل تلك السنن أو تغييرها أو النظر في أمر خالفها. ولا شك أن ما حرمه الرسول ﷺ في سنته فهو مثل ما حرمه الله في كتابه قال ﵇: "ليوشك الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله ما وجدنا
стр. 601
فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ فهو مثل ما حرم الله"١.
فالزعم بأن الاكتفاء بالقرآن هو المطلوب من المسلم سمة تميز بها أهل الأهواء والبدع من الخوارج ومن شايعهم في القديم والحديث: ومن علامات أهل البدع التي نوه بها عمر بن عبد العزيز الخصومات في الدين لتأييد الباطل والجدل العقيم الذي لا فائدة من ورائه ترجى. فحذر عمر من هذه الخصلة وبين أنها سمة من سمات أهل البدع فقال: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل وفي روية أكثر الشك وكأني به رحمه الله تعالى يحذر جهمًا رأس الجهمية فيما وقع فيه، ذكر الإمام أحمد في كتابه الرد على الجهمية أنه بلغه أن جهما عدو الله كان من أهل خراسان من أهل ترمذ، وكان صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله تعالى فلقي أناسا من المشركين يقال السمنية فعرفوا الجهم فقالوا له: نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك، فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا له ألست تزعم أن لك إلها؟ قال الجهم: نعم. فقالوا له: فهل رأيت إلهك. قال: لا. قالوا:
стр. 602
فهل سمعت كلامه؟ قال: لا. قالوا: فشممت له رائحة. قال: لا. قالوا: فوجدت له حسا. قال: لا. فوجدت له مجسا. قال: لا. قالوا: فما يدريك أنه إله؟ قال: فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوما ثم إنه استدرك حجة مثل حجة الزنادقة النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو روح الله من ذات الله فإذا أراد أن يحدث أمرا في بعض خلقه تكلم على لسان خلقه فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء، وهو روح غائبة من الأبصار.
فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال: ألست تزعم أن فيك روحا. قال: نعم. فقال: هل رأيت روحك. قال: لا. قال: فسمعت كلامه. قال: لا. قال: فوجدت له حسا. قال: لا. قال: فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان ووجد ثلاث آيات من المتشابه قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١، ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ ٢، ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ ٣، فبنى أصل كلامه على هذه الآيات
стр. 603
وتأول القرآن على غير تأويله وكذب بأحاديث رسول الله ﷺ وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافراً وكان من المشبهة. فأضل بكلامه بشرا كثيرا ... "١.
وما وقع جهم فيما وقع فيه إلا بسبب الخصومة فيما لا علم له به فضل وأضل والخصومات في الدين، وفي القرآن، مذمومة في الجملة. وقد تجوز بشروط ستذكر فيما يأتي وقد حذر السلف الصالح من الخصومات، قال معاوية بن قرة وكان أبوه ممن أتى النبي ﷺ : إياكم وهذه الخصومات فإنها تحبط الأعمال٢.
قال رجل للحكم ابن عتيبة ما حمل أهل الأهواء على هذا؟ قال: الخصومات٣. ومن هنا فإنه يجب على المسلم أن لا يسترسل في النظر في شبهات أهل الأهواء ومجادلاتهم لئلا يعلق بذهنه شيء من ذلك، وقد كان السلف يحذرون من مجالسة أصحاب البدع، ولا يكلمونهم بل ولا يردون السلام عليهم خصوصا من عرف منهم بعناده واستكباره عن الحق، وهذا هو الطريق الأسلم لأن ما تحرره أصحاب الشبهات إنما هو
стр. 604
رجم بالغيب، وتجاوز لحدود العقل، والله يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ ١.
ومن سمات أهل البدع الواردة عن عمر التأويل الفاسد لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ التي لا توافق أهواءهم، ولا شك أن التأويل مسلك خطير ركبه الباطنية والمتصوفة، والزنادقة، وأهل الكلام، وهو موروث عن اليهود حيث أمروا بأن يقولوا حطة فقالوا حنطة. والتأويل الفاسد هو الذي أفسد الدين، والدنيا وهو الذي ركبه اليهود والنصارى، وحرفوا به نصوص التوراة والإنجيل، وحذرنا الله، أن نفعل مثلهم. وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية، فهل قتل عثمان ﵁ إلا بالتأويل الفاسد! وكذا ما جرى في يوم الجمل، وصفين، ومقتل الحسين ﵁، والحرة؟ وهل خرجت الخوارج، واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إلا بالتأويل الفاسد٢.
стр. 605
الفصل الرابع: الآثار عن عمر في النهي عن الخصومات في الدين وحثه على الجدال بالتي هي أحسن .
تمهيد:
الجدال والمراء، والخصومة كلمات مترادفة١، ومن علماء اللغة من يرى أن الخصومة أعم من الجدال والمراء٢.
والجدل محركة اللدد في الخصومة: والقدرة عليها٣.
قال ابن فارس: "جدل" الجيم والدال واللام أصل واحد، وهو من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه، وامتداد الخصومة، ومراجعة الكلام"٤.
والجدال لإحقاق الحق وإبطال الباطل، من آكد الواجبات قام به الأنبياء، والمرسلون. وقد ورد لفظ الجدال وما تصرف منه في القرآن "٢٩مرة" وبلفظ "الحجة" وما تصرف منها "٢٧" مرة وبلفظ "السلطان" "٣٣" مرة، وبلفظ "البرهان" "٨" مرات كما يوجد في السنة القولية والفعلية،
стр. 606
والتقريرية في عامة أبواب التوحيد، والشريعة، وقائع كثيرة يرد بها النبي ﷺ ما ليس حقا١، وقد يذم الجدال إذا كان عن جهل أو كان لرد الحق أو لنصرة الباطل، أو كان فيما نهى الله ورسوله عنه، كالجدال في المتشابه أو الحق بعد ما تبين، وقد كان السلف الصالح يمنعون من الجدال المذموم ويقومون بالجدال بالتي هي أحسن وهذا ما أثر عن عمر بن عبد العزيز حيث منع كما سيأتي من الجدال المذموم. وناظر وجادل بالتي هي أحسن، وهاكم تلك الآثار الواردة عنه في ذلك.
٢٥٦/١- ابن أبي الدنيا قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا حماد ابن زيد، عن يحيى بن سعيد، قال: قال عمر بن عبد العزيز ﵀: "من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل"٢.
стр. 607
٢٥٧/٢- ابن أبي الدنيا أيضا قال: حدثني علي بن الحسين عن إبراهيم بن مهدي، حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: إذا سمعت المراء فأقصر١.
٢٥٨/٣- ابن الجوزي قال: حدثنا بشر بن عبد الله بن بشار أن عمر ابن عبد العزيز قال: "احذروا المراء فإنه لا تؤمن فتنة ولا تفهم حكمته"٢.
٢٥٩/٤- عبد الرزاق قال: وعن معمر أن عمر بن عبد العزيز قال: قد أفلح من عصم من المراء والغضب، والطمع٣.
٢٦٠/٥- ابن عبد الحكم قال: وقال ميمون بن مهران: سألني عمر ابن عبد العزيز على فريضة فأجبته فيها فضرب على فخذي ثم قال: ويحك يا ميمون بن مهران، إني وجدت لقيا الرجال تلقيحا لألبابهم٤.
стр. 608
٢٦١/٦- ابن عبد الحكم أيضا قال: بعث عمر بن عبد العزيز محمد ابن الزبير الحنظلي١ إلى شوذب الحروري٢، وأصحابه حين خرجوا بالجزيرة٣، قال: فكتب معنا إليهم كتابا، فأتيناهم فأبلغناهم رسالته وكتابه، فبعثوا معنا رجلين منهم أحدهما من بني شيبان والآخر في حبشية، وهو أشد الرجلين حجة ولسانا. فقدمنا بهما إلى عمر بن عبد العزيز وهو بخناصره فصعدنا إليه في غرفة فيها ابنه عبد الملك وكاتبه مزاحم، فأعلمناه مكانهما فقال: ابحثوهما إن لا يكون معهما حديدة، ثم أدخلوهما ففعلنا، فلما دخلا، قالا: السلام عليكم ثم جلسا، فقال لهما عمر: أخبراني ما أخرجكما مخرجكما هذا؟ وأي شيء نقمتم علينا؟ فقال الذي في حبشية: والله ما نقمنا عليك في سيرتك فإنك لتجرى العدل والإحسان، ولكن بيننا وبينك أمر إن أعطيتناه فأنت منا ونحن منك، وإن منعتنا فلست منا ولسنا منك. قال عمر: وما هو؟ قال: رأيتك خالفت أعمال أهل بيتك
стр. 609
وسلكت غير طريقهم وسميتها مظالم، فإن زعمت أنك على هدى وهم على ضلال، فابرأ منهم والعنهم، فهو الذي يجمع بيننا وبينك أو يفرق. قال: فتكلم عمر عند ذلك فقال: إني قد عرفت أو ظننت أنكم لم تخرجوا لطلب الدنيا، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم سبيلها. وأنا سائلكم عن أمر فبالله لتصدقاني عنه فيما بلغه علمكما. قالا: نفعل. قال: أرأيتم أبابكر وعمر أليسا من أسلافكم وممن تقولون وتشهدون لهما بالنجاة؟ قالا: بلى. فقال: هل تعلمون أن العرب ارتدت بعد رسول الله ﷺ فقاتلهم أبو بكر فسفك الدماء، وسبي الذراري، وأخذ الأموال؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل تعلمان أن عمر لما قام بعده رد تلك السبايا إلى عشائرهم؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل برئ أبو بكر من عمر أو عمر من أبي بكر؟ قالا: لا. قال: فهل تبرأون من واحد منهما؟ قالا: لا. قال: أخبراني عن أهل النهروان أليسوا من أسلافكم وممن تتولون وتشهدون لهم بالنجاة؟ قالا: بلى. قال: فهل تعلمون أن أهل الكوفة حين خرجوا إليهم كفوا أيديهم فلم يخيفوا آمنا، ولم يسفكوا دما، ولم يأخذوا مالا؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل تعلمون أن أهل البصرة حين خرجوا إليهم مع عبد الله ابن وهب الراسبي١ استعرضوا الناس فقتلوهم، وعرضوا لعبد الله بن
стр. 610
خباب١ صاحب النبي ﷺ فقتلوه وقتلوا جاريته، ثم صبحوا حيا من العرب يقال لهم بنوا قطيعة فاستعرضوهم فقتلوا الرجال والنساء، والولدان حتى جعلوا يلقون الأطفال في قدور الأقط وهي تفور بهم قالا: قد كان ذلك. قال: فهل برئ أهل الكوفة من أهل البصرة، أو أهل البصرة من أهل الكوفة؟ قالا: لا. قال: فهل تبرأون من طائفة منهما. قالا: لا. قال عمر: أخبراني أرأيتم الدين واحد أم اثنين؟ قالا: بل واحد. قال: فهل يسعكم فيه شيء يعجز عني؟ قالا: لا. قال: فكيف وسعكم أن توليتم أبابكر وعمر وتولى كل واحد منهما صاحبه وقد اختلفت سيرتهما؟ أم كيف وسع أهل الكوفة أن تولوا أهل البصرة وأهل البصرة أهل الكوفة وقد اختلفوا في أعظم الأشياء: في الدماء والفروج، والأموال. ولا يسعني بزعمكما إلا لعن أهل بيتي والبراءة منهم، فإن كان لعن أهل الذنوب فريضة مفروضة لابد منها فأخبرني عنك أيها المتكلم متى عهدك بلعن أهل فرعون، ويقال: بلعن هامان؟ قال: ما أذكر متى لعنته. قال: ويحك فيسعك ترك لعن فرعون، ولا يسعني بزعمك إلا لعن أهل بيتي والبراءة منهم؟ ويحكم إنكم قوم جهال. أردتم أمرا فأخطأتموه، فأنتم تقبلون من الناس ما رد عليهم رسول الله ﷺ وتردون عليهم ما قبل منهم ويأمن
١ عبد الله بن خباب كان عاملا لعلي ﵁ حليف بني زهرة. يقال: له رؤية. كان ثقة من كبار التابعين قتله الحرورية سنة ٣٨هـ. تقريب التهذيب ص٣٠١.
стр. 611
عندكم من خاف عنده، ويخاف عندكم من أمن عنده. قالا: ما نحن كذلك. قال: بلى، تقرون بذلك الآن. هل علمتم أن رسول الله ﷺ بعث إلى الناس وهم عبدة أوثان فدعاهم إلى أن يخلعوا الأوثان، وأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمن فعل ذلك حقن دمه وأمن عنده، وكان أسوة المسلمين ومن أبى ذلك جاهده؟ قالا: بلى. قال: أفلستم أنتم اليوم تبرأون ممن يخلع الأوثان وممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. وتلعنونه وتقتلونه وتستحلون دمه وتلقون من يأبى ذلك من سائر الأمم من اليهود والنصارى فتحرمون دمه ويأمن عندكم؟ فقال الذي في حبشية: ما رأيت حجة أبين ولا أقرب مأخذا من حجتك، أما أنا فأشهد أنك على الحق وأنني برئ ممن خالفك. وقال للشيباني فأنت ما تقول؟ قال: ما أحسن ما قلت وأحسن ما وصفت ولكن أكره أن أفتات على المسلمين بأمر لا أدري ما حجتهم فيه حتى أرجع إليهم فلعل عندهم حجة لا أعرفها. قال: فأنت أعلم. قال: فأمر للحبشي بعطائه وأقام عنده خمس عشرة ليلة ثم مات ولحق الشيباني بقومه فقتل معهم١.
стр. 612
٢٦٢/٧- ابن عبد الحكم قال: ودخل رجلان من الخوارج على عمر ابن عبد العزيز فقالا: السلام عليك يا إنسان، فقال وعليكما السلام يا إنسانان. قالا: طاعة الله أحق ما اتبعت. قال: من جهل ذلك ضل. قالا: الأموال لا تكون دولة بين الأغنياء. قال: قد حرموها. قالا: مال الله يقسم على أهله. قال: الله بين في كتابه تفصيل ذلك. قالا: تقام الصلاة لوقتها. قال: هو من حقها. قالا: إقامة الصفوف في الصلوات. قال: هو من تمام السنة. قالا: إنما بعثنا إليك. قال: بلغا ولا تهابا. قالا: ضع الحق بين الناس. قال: الله أمر به قبلكما. قالا: لا حكم إلا لله. قال: كلمة حق إن لم تبتغوا بها باطلا. قالا: ائتمن الأمناء. قال: هم أعواني. قالا: احذر الخيانة. قال: السارق محذور، قالا: فالخمر ولحم الخنزير. قال: أهل الشرك أحق به. قالا: فمن دخل في الإسلام فقد أمن. قال: لولا الإسلام ما أمنا. قالا: أهل عهود رسول الله ﷺ . قال: لهم عهودهم. قالا: لا تكلفهم فوق طاقتهم. قال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ١، قالا: خرب الكنائس.
стр. 613
قال: هي من صلاح رعيتي. قالا: ذكرنا بالقرآن. قال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّه﴾ ١، قالا: تردنا على دواب البريد. قال: لا هو من مال الله لا نطيبه لكما. قالا: فليس معنا نفقة. قال: أنتما إذن إبنا سبيل علي نفقتكما٢.
٢٦٣/٨- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أبي، نا محمد بن سلمة، أنبانا خصيف، قال: قال عمر ﵁ لغيلان: ألست تقر بالعلم؟ قال: بلى. قال: فما تريد مع أن الله يقول: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ٣.
٢٦٤/٩- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أبي، نا مؤمل، نا حماد يعني ابن سلمة، حدثنا أبو جعفر الخطمي، قال: شهدت عمر بن عبد العزيز وقد دعا غيلان لشيء بلغه في القدر فقال له: ويحك ياغيلان ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: يكذب علي يا أمير المؤمنين ويقال علي ما لم
стр. 614
أقل. قال: ما تقول في العلم؟ قال: قد نفذ العلم. قال: فأنت مخصوم اذهب الآن فقل ما شئت ويحك ياغيلان إنك إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدته كفرت. وإنك أن تقر به فتخصم خير لك من أن تجحده فتكفر. ثم قال: تقرأ ياسين قال: نعم. قال: إقرأ يس والقرآن الحكيم: فقرأ يس والقرآن الحكيم إلى قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١، قال: كيف ترى؟ قال: كأني لم أقرأ هذه الآية يا أمير المؤمنين. قال: زد فقرأ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ٢، قال: قال عمر ﵀: قل: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣، قال: كيف ترى؟ قال: كأني لم أقرأ هذه الآيات قط، وإني
стр. 615
لأعاهد الله أن لا أتكلم في شيء مما كنت أتكلم فيه أبداً قال: اذهب. فلما تولى قال: اللهم إن كان كاذبا فيما قال فأذقه حر السلاح ... ١.
التعليق:
يتبين من الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في هذا الفصل نهيه عن المراء العقيم، وحثه وقيامه بالجدال بالتي هي أحسن. وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة وهو ما فهمه السلف الصالح من النصوص، فالجدال والمراء في حد ذاته قد يكون بحق، وقد يكون بغير حق، وقد يكون مرغبا فيه، وقد يكون منهيا عنه.
فمن الأدلة على جواز الجدال بالحق قوله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٢، وقوله : ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٣.
ومن الأدلة على الجدال الممنوع قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ... ﴾ ٤.
стр. 616
وعلى هذه النصوص النيرة تنزل الآثار الواردة عن عمر في منع الجدال والخصومة والقيام به، والحث عليه، فإن كان الجدال للوقوف على الحق وتقريره كان محموداً، وإن كان في مدافعة الحق وكان جدالا بغير علم كان مذموما منهيا عنه١.
قال ابن عبد البر بعد ذكره مناظرة عمر بن عبد العزيز للخوارج: "هذا عمر بن عبد العزيز ﵀ وهو ممن جاء عنه التغليظ في النهي عن الجدال، وهو القائل: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل، فلما اضطر وعرف الفلج في قوله ورجى أن يهدي الله به لزمه البيان وجادل وكان أحد الراسخين في العلم رحمه الله٢.
وعلى ضوء ما تقرر ذكره تحمل النصوص العامة في الكتاب والسنة وأقوال السلف في النهي عن الجدال مثل قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ ٣.
وقال : ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ٤.
стр. 617
ومن السنة ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" ١. وفي صحيح الجامع قوله ﷺ : "ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه إلا أوتوا الجدل"٢.
ومن أقوال السلف قول عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى: "أدركنا الناس وهم على الجملة يعني لا يتكلمون ولا يخاصمون"٣.
وعن الإمام أحمد قال: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب الرسول ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع، وكل بدعة ضلالة، وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء وترك المراء والجدال في الدين٤.
فظهر من خلال ما سبق ذم الجدال والخصومات بوجه عام، إلا أنه مخصوص وليس على عمومه على الإطلاق، لأن الأمر قد جاء بإباحة
стр. 618
بعض صور المجادلة والثناء عليها، وعلى أهلها في بعض النصوص من الكتاب والسنة وهو المأثور عن عمر بن عبد العزيز كما تقدم من نقل بعض الآثار عنه فمن نصوص القرآن التي تأمر بالجدال بالتي هي أحسن قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ١.
وقد أخبرنا الحق ﵎ عن بعض صور محاجة إبراهيم ﵇ ومناظرته لقومه على سبيل التقرير له والثناء عليه بها كما في قوله جل شأنه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ ٢.
وورد في القرآن الكريم ذكر محاجة إبراهيم لأبيه وقومه كما في سورة الأنبياء٣، ومحاجة موسى ﵇ لفرعون كما في سورة الشعراء٤، وغيرها، والآيات في قصص مناظرات أنبياء الله لأقوامهم ومحاجاتهم لهم
стр. 619
كثيرة. وفي السنة حديث محاجاة موسى لآدم الثابت في الصحيحين١ وقد وقعت المناظرات بين السلف أنفسهم في كثير من المسائل والأحكام كمناظرة علي وابن عباس للخوارج، ومناظرة الأوزاعي قدريا طلب المناظرة٢، ومناظرة الإمام أحمد للجهمية٣.
والذي يتلخص من كلام أهل العلم في الفرق بين الجدال المأمور به والمنهي عنه أن الجدال المأمور به هو الذي يقصد به إثبات الحق أو دفع الباطل أو للتعليم والاستيضاح فيما يشكل على الإنسان من المسائل.
وأما الجدال المذموم فهي ما كانت لرد الحق أو لنصرة الباطل أو كانت فيما نهى الله ورسوله عن المجادلة فيه، كالمجادلة في المتشابه وفي الحق بعد ما تبين أو كانت لحظ النفس كإظهار العلم والفطنة والذكاء مراءاة للناس وطلبا لثنائهم أو لغير ذلك من المقاصد المذمومة كالعناد والتعصب للرأي٤.
стр. 620
والمهم أن الآثار المنقولة عن عمر بن عبد العزيز في النهي عن المراء والجدال والأخرى التي تفيد إباحته بل تصرح بجوازه وقيامه بمناظرة الخوارج والقدرية وغيرهم إنما هي في ضوء ما صرحت به نصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف رحمهم الله تعالى. فقد كان عمر حاكما عالما عاملا بما علم فجمع بين النصوص وتوسط في الأمور كلها ومنع من الخصومات في الدين إذا كان ذلك يؤدي إلى نصرة الباطل وإظهاره في صورة تحببه إلى النفوس والقلوب وجادل بالعلم على بصيرة من أمره فلم يترك لمبطل سبيلا ولا لمؤوّل طريقا فجمع بين الحسنيين، وقد تبين من خلال الآثار المنقولة عنه أن الجدال والمراء ليس مذموما على الإطلاق، وإنما الممنوع منه ما تقدم بيانه، والمحمود منه ما قام به هو من مجادلة الخوارج وغيرهم كالشيعة والقدرية.
وقد بين علماء السلف في مؤلفاتهم في القديم والحديث هذه المسألة واستوفوا الحجج ووجهوا ما استشكل من الأدلة مثل ما قام به ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله ١، والخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه٢، وشيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة والفتاوى وغيرها. ومن المعاصرين الشيخ الدكتور بكر أبو زيد في كتابه "الرد على
стр. 621
المخالف"، والدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي في كتابه "موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع" وغيرهم كثير
стр. 622
الفصل الخامس: موقفه من الخوارج
المبحث الأول: موقفه من خروج الخوارج عليه
...
تمهيد:
قبل الدخول في ذكر الآثار عن عمر بن عبد العزيز في موقفه من الخوارج، أرى أنه من المناسب تعريف الخوارج وذكر أهم فرقهم وما ورد في ذمهم من الأحاديث ثم بعد ذلك ذكر الآثار عن عمر إن شاء الله تعالى.
تعريف بالخوارج:
اختلف العلماء في تعريف الخوارج فعرفهم أبو الحسن الأشعري تعريفا خاصا حيث بين أن اسم الخارجي يقع على تلك الطائفة التي خرجت على رابع الخلفاء الراشدين وأن ذلك هو العلة في تسميتهم بهذا الاسم. فقال ﵀: "والسبب الذي سموا له خوارج خروجهم على علي بن أبي طالب لما حكم"١
وأما الشهرستاني فعرفهم تعريفا عاما فاعتبر الخروج على الإمام الذي اجتمعت الكلمة على إمامته الشرعية خروجا في أي زمان فقال: "كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيا سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان"٢.
стр. 623
وقال الحافظ ابن حجر معرفا الخوارج: والخوارج الذين أنكروا على علي التحكيم وتبرأوا منه ومن عثمان وذريته وقاتلوهم، فإن أطلقوا تكفيرهم فهم الغلاة١.
فالخوارج إذًا هم أولئك الذين خرجوا على علي ﵁ بعد قبوله التحكيم ويلحق بهم كل من خرج على أئمة المسلمين الشرعيين، وكفرهم بالمعاصي. ولهم عدة ألقاب غير لقب الخوارج، كالحرورية، والشراة، والمارقة، والمحكمة، وهم يرضون بعض هذه الألقاب باعتبار ويرفضونها باعتبار آخر.
وأما بداية انتشارهم وظهورهم فقد كانت بعد حصول الاتفاق على التحكيم بين علي ومعاوية ﵄ سنة سبع وثلاثين كما حكى ذلك الطبري٢ وغيره من المؤرخين.
ومن أهم فرق الخوارج المحكمة الأولى الذين انفصلوا عن جيش علي ﵁ وهم الذين أعلنوا شعار: لا حكم إلا لله. قال أبو الحسين الملطي واصفا ما بلغوا إليه من ظلم وإجرام، فأما الفرقة الأولى من الخوارج، فهم المحكمة الذين كانوا يخرجون بسيوفهم في الأسواق فيجتمع الناس في غفلة فينادون: لا حكم إلا لله، ويضعون سيوفهم فيمن يلحقون من الناس، فلا
стр. 624
يزالون يقتلون حتى يقتلوا. وكان الواحد منهم إذا خرج للتحكيم لا يرجع حتى يقتل أو يقتل فكان الناس منهم على وجل وفتنة١.
ومن فرقهم الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق الحنفي. قال الأشعري: وهو أول من أحدث الخلاف بينهم٢، ومن غرائب هذه الفرقة كونهم يرون قتل الأطفال لأن حكمهم حكم آبائهم بزعمهم متأولين قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ ٣.
ومن فرقهم النجدات أتباع نجدة بن عامر الحنفي ومن عقائدهم العذر بالجهل في الأحكام٤، فمن استحل شيئا عن طريق الاجتهاد مما لعله محرم فمعذور٥.
ومن فرق الخوارج فيما يذكره علماء الفرق الإباضية ولهم وجود وامتداد إلى الآن في عمان وزنجبار، وفي المغرب الإسلامي، ومن فرق الخوارج الصفرية، وهم أتباع عبد الله بن صفار التميمي على الأرجح.
стр. 625
هذه هي أهم فرق الخوارج. قال الأشعري: وأصل قول الخوارج إنما هو قول الأزارقة، والإباضية، والصفرية، والنجدية، وكل الأصناف سوى الأزارقة والإباضية، والنجدية فإنما تفرعوا من الصفرية١.
وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة عن النبي ﷺ في ذم الخوارج المارقة وصفوا فيها بأوصاف ذميمة شنيعة جعلتهم في أخبث المنازل فمن هذه الأحاديث ما ورد في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "يخرج في هذه الأمة قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم فيقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم -أو حناجرهم- يمرقون من الدين مروق السهم من الرميَّة فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء"٢.
وفي الصحيح أيضا عن سهل بن حنيف قال: سمعت النبي ﷺ يقول: وأهوى بيده قبل العراق: "يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية"٣.
стр. 626
وروى البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"١.
ففي هذه الأحاديث الثلاثة وغيرها مما لم نذكره ذم واضح لفرقة الخوارج فقد وصفهم النبي ﷺ بأنهم طائفة مارقة وأنهم يبالغون في الصلاة وقراءة القرآن لكنهم لا يقومون بحقوق الإسلام بل يمرقون منه وأنهم ليس لهم من الإيمان إلا مجرد النطق به، وأنهم أصحاب عقول رديئة وضعيفة، وأنهم عند ما يقرؤون القرآن يظنونه لشدة ما بلغوا إليه من سوء الفهم أنه لهم وهو عليهم٢.
هذا وكان لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى مواقف مشهورة وأقوال مأثورة في التعامل مع الخوارج ومناظرتهم ودحض شبههم بالحجة وآرائهم بالدليل وإيضاح الحق لهم بدليله حبا منه للسنة واتباعا للسلف الصالح رحمة الله تعالى عليهم أجمعين.
стр. 627
المبحث الأول: موقفه من خروج الخوارج عليه
٢٦٥/١- ابن عبد البر قال: حدثنا نعيم، حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير، حدثنا هشام بن يحيى الغساني، عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه في الخوارج: إن كان من رأي القوم أن يسيحوا في الأرض من غير فساد على الأئمة ولا على أحد من أهل الذمة، ولا يتناولون أحدا، ولا قطع سبيل من سبل المسلمين فليذهبوا حيث شاءوا، وإن كان رأيهم القتال فوالله لو أن أبكاري من ولدي خرجوا رغبة عن جماعة المسلمين لأرقت دماءهم ألتمس بذلك وجه الله والدار الآخرة١.
٢٦٦/٢- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله ... ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا٢.
٢٦٧/٣- ابن عبد الحكم أيضا قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الخوارج رسالة وفيها ... أقسم بالله لو كنتم أبكاري من أولادي ورغبتم
стр. 628
عما فرشنا للعامة فيما ولينا لدفقت دماءكم أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة فإنه يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١، فهذا النصح إن أحببتم وإن تستغشوني فقديما ما استغش الناصحون والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته٢.
التعليق:
يتبين من الآثار السابقة منهج عمر بن عبد العزيز في التعامل مع الخوارج، فمع خروجهم عليه وهو الخليفة الحق لم يحركهم، وإنما كتب إليهم وحذرهم من الخروج عن الجماعة الذين هم أهل الحق وقد أمر الله ﵎ بالاجتماع ونهى عن التفرق وأمر بلزوم الجماعة ونهى عن الخروج عنها وجعل إجماع هذه الأمة حجة فإذا اجتمعوا على أمير وجب طاعته وحرم الخروج عليه ما لم يأمر بمعصية ولم يظهر كفرا بواحا، وحذر نبي الهدى محمد ﷺ عن الخروج على الأئمة وأمر بطاعتهم في المنشط والمكره في غير معصية الله تعالى. روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من رآى من أميره شيئا يكرهه
стр. 629
فليصبر فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية"١.
وقد نهى السلف الصالح عن الخروج على أئمة الجور فقد سئل الحسن البصري عن قتال الحجاج بعد أن ذكروا له ظلمه وسفكه للدماء وأخذه للأموال. فقال: أرى أن لا تقاتلوه فإنها إن تكن عقوبة من الله فما أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين٢.
وخطب في الناس قائلا: "ياأيها الناس إنه والله ما سلط الله الحجاج عليكم إلا عقوبة، فلا تعارضوا عقوبة الله بالسيف، ولكن عليكم السكينة والتضرع"٣.
والآثار المروية عن عمر بن عبد العزيز هنا تبين منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع الخوارج الذين هم من أوائل الفرق ظهورا في الإسلام فمع خروجهم عليه وهو الخليفة الحق لم يحركهم، ولم يرسل عليهم الحملة تلو الحملة. وإنما عاملهم معاملة أتاحت لهم الفرصة في الرجوع إلى الحق مستنا بسنن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في معاملة
стр. 630
الخوارج حين خرجوا عليه. وهذا التصرف من عمر رحمه الله تعالى هو ما تدل عليه الأحاديث الصحيحة روى مسلم عن عرفجة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه"١.
قال النووي في الحديث الأمر بقتال من خرج على الإمام أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك وينهى عن ذلك فإن لم ينته قوتل وإن لم يندفع شره إلا بقتله فقتل كان هدراً٢، وروى البخاري في صحيحه عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا"٣.
قال الحافظ ابن حجر: "في الحديث دلالة على تحريم قتال المسلمين والتشديد فيه لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه، لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه لإرادة قتله وقتاله ... والوعيد المذكور لا يتناول من قاتل البغاة من أهل الحق فيحمل على البغاة وعلى من بدأ بالقتال ظالما"٤.
стр. 631
إذا فتصرف عمر ﵀ إزاء الخوارج تصرف بالحق مستنده النصوص الصحيحة وأعمال سلف الأمة وبعد أن حذر الخوارج من الخروج عليه اتبع خطوة أخرى وهي طلب المناظرة والمحاججة حتى لا يضيع فرصة لحقن دماء المسلمين وهذا هو مضمون المبحث التالي إن شاء الله تعالى
стр. 632
المبحث الثاني: الآثار عن عمر في مناظرة الخوارج .
ذكرنا فيما سبق موقف عمر من الخوارج الخارجين عليه عموما ويتبين من هذا المبحث موقفه من الذين كتبوا إليه وكتب إليهم طالبا المناظرة معهم، إذا كانوا مستعدين لذلك، وقد وجد من بعضهم آذانا صاغية حسب الروايات التي بلغتنا وفي هذا ما يرويه ابن عبد الحكم وغيره مما يأتي:
٢٦٧/١- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الخوارج: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى هذه العصابة، أما بعد: أوصيكم بتقوى الله فإنه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ ١.
أمابعد: فقد بلغني كتابكم والذي كتبتم فيه إلى يحيى بن يحيى، وسليمان بن داود، والذي أتى إليهما وإن الله ﵎ يقول:
стр. 633
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْأِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٢. وقال: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ ٣.
وإني أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأدعوكم أن تدعوا ما كانت تهراق عليه الدماء قبل يومكم هذا في غير قوة ولا تشنيع. وأذكركم بالله أن تشبهوا علينا كتاب الله وسنة نبيه ونحن ندعوكم إليهما. هذه نصيحة منا نصحنا لكم فإن تقبلوها فذلك بغيتنا، وإن تردوها على من جاء بها فقديما ما استغش الناصحون، ثم لم نر ذلك وضع شيئا من حق الله، وقد قال العبد الصالح لقومه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ
стр. 634
عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ ١، وقال الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢،٣.
٢٦٨/٢-البلاذرى: قال كتب عمر كتابا إلى الخوارج فلما قرأوها قالوا: نوجه رجلين يكلمانه فان أجابنا فذاك وإن أبى كان الله من ورائه فأرسلوا مولى لبنى شيبان يقال له عاصم ورجلا من بنى يشكر من أنفسهم فلما دخلا عليه قالا: السلام عليكم وجلسا، فقال لهما عمر: أخبراني ما أخرجكما مخرجكما هذا؟ وأي شيء نقمتم علينا؟ فقال عاصم وكان حبشيا: ما نقمنا عليك في سيرتك لتحري العدل والإحسان فأخبرنا عن قيامك بهذا الأمر أعن رضى من المسلمين ومشورة أم ابتززتم إمرتهم؟ قال ما سألتهم الولاية عليهم ولا غلبتهم على مشيئتهم وعهد إلي رجل عهدا لم أساله الله قط لا في سر ولا علانية فقمت به ولم ينكره علي أحد ولم يكرهه غيركم وأنتم ترون الرضا بكل من عدل وأنصف من كان من الناس فأنزلوني ذلك الرجل فإن خالفت الحق وزغت عنه فلا طاعة لي
стр. 635
عليكم قالا: بيننا وبينك أمر إن أعطيتناه فأنت منا ونحن منك، وإن منعتنا فلست منا ولسنا منك. قال عمر: وما هو؟ قال: رأيتك خالفت أعمال أهل بيتك وسلكت غير طريقهم وسميتها مظالم، فإن زعمت أنك على هدى وهم على ضلال فابرأ منهم والعنهم، فهو الذي يجمع بيننا وبينك أو يفرق قال: فتكلم عمر عند ذلك فقال: إني قد عرفت أو ظننت أنكم لم تخرجوا لطلب الدنيا، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم سبيلها. وأنا سائلكم عن أمر فبالله لتصدقاني عنه فيما بلغه علمكما. قالا: نفعل. قال: أرأيتم أبابكر وعمر أليسا من أسلافكم وممن تتولون وتشهدون لهما بالنجاة؟ قالا: بلى. فقال: هل تعلمون أن العرب ارتدت بعد رسول الله ﷺ فقاتلهم أبو بكر فسفك الدماء، وسبي الذراري، وأخذ الأموال؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل تعلمون أن عمر لما قام بعده رد تلك السبايا إلى عشائرهم؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل برئ أبو بكر من عمر أو عمر من أبي بكر؟ قالا: لا. قال: فهل تبرأؤن من واحد منهما؟ قالا: لا. قال: أخبراني عن أهل النهروان أليسوا من أسلافكم وممن تتولون وتشهدون لهم بالنجاة؟ قالا: بلى. قال: فهل تعلمون أن أهل الكوفة حين خرجوا إليهم كفوا أيديهم فلم يخيفوا آمنا، ولم يسفكوا دما، ولم يأخذوا مالا؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل تعلمون أن أهل البصرة حين خرجوا إليهم مع