السابق الذي لا حد له إلا إليه، وليس لشيء منه مخرج، وطعنهم في دين الله وسنة رسوله القائمة في أمته.
أما بعد: فإنكم كتبتم إلي بما كنتم تسترون منه قبل اليوم في رد علم الله والخروج منه إلى ما كان رسول الله ﷺ يتخوف على أمته من التكذيب بالقدر وقد علمتم أن أهل السنة كانوا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، وسيقبض العلم قبضا سريعا١، وقول عمر بن الخطاب ﵁ وهو يعظ الناس -: "إنه لا عذر لأحد عند الله بعد البينة بضلالة ركبها حسبها هدى ولا في هدى تركه حسبه ضلالة، قد تبينت الأمور، وثبتت الحجة، وانقطع العذر، فمن رغب عن أنباء النبوة، وما جاء به الكتاب تقطعت من يديه أسباب الهدى، ولم يجد له عصمة ينجو بها من الردى"٢.
стр. 702
وإنكم ذكرتم أنه بلغكم أني أقول: إن الله قد علم ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون، فأنكرتم ذلك علي وقلتم: إنه ليس يكون ذلك من الله في علم حتى يكون ذاك من الخلق عملا، فكيف ذلك كما قلتم؟ والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ ١، يعني عائدين في الكفر، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢، فزعمتم بجهلكم في قول الله تعالى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ٣، أن المشيئة في أي ذلك أحببتم فعلتم من ضلالة أو هدى. والله تعالى يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤، فبمشيئة الله لهم شاءوا ولو لم يشأ لم ينالوا بمشيئتهم من طاعته شيئا قولا ولا عملا، لأن الله لم يملك العباد ما بيده، ولم يفوض إليهم ما يمنعه من رسله. فقد حرصت الرسل على هدي الناس جميعا، فما اهتدى منهم إلا من هداه الله، ولقد حرص إبليس على ضلالتهم جميعا فما ضل منهم إلا من كان في علم الله
стр. 703
ضالا. وزعمتم بجهلكم أن علم الله ليس بالذي يضطر العباد إلى ما عملوا من معصيته ولا بالذي صدهم عما تركوه من طاعته ولكنه بزعمكم كما علم الله أنهم سيعملون بمعصيته كذلك علم أنهم سيستطيعون تركها فجعلتم علم الله لغوا، تقولون لو شاء العبد لعمل بطاعة الله وإن كان في علم الله أنه غير عامل بها، ولو شاء ترك معصيته وإن كان في علم الله أنه غير تارك لها، فأنتم إذا شئتم أصبتموه وكان علما، وإن شئتم رددتموه وكان جهلا، وإن شئتم أحدثتم من أنفسكم علما ليس في علم الله وقطعتم به علم الله عنكم، وهذا ما كان ابن عباس يعده للتوحيد نقضا وكان يقول: إن الله لم يجعل فضله ورحمته هملا بغير قسم منه ولا اختيار، ولم يبعث رسله بإبطال ما كان في سابق علمه١.
فأنتم تقرون في العلم بأمر وتنقضونه في آخر والله تعالى يقول: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ ٢، فالخلق
стр. 704
صائرون إلى علم الله تعالى ونازلون عليه وليس بينه شيء هو كائن حجاب تحجبه عنه ولا يحول دونه إنه عليم حكيم.
وقلتم لو شاء الله لم يفرض بعمل بغير ما أخبر الله في كتابه عن قوم ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، وأنه قال: ﴿ ... سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١، فأخبر أنهم عاملون قبل أن يعملوا، وأخبر أنه معذبهم قبل أن يخلقوا. وتقولون أنتم: إنهم لو شاءوا خرجوا من علم الله في عذابه إلى ما لم يعلم من رحمته لهم، ومن زعم ذلك فقد عادى كتاب الله برد، ولقد سمى الله تعالى رجالا من الرسل بأسمائهم وأعمالهم في سابق علمه فما استطاع آباؤهم لتلك الأسماء تغييرا، وما استطاع إبليس بما سبق لهم في علمه من الفضل تبديلا، فقال: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ ٢.
стр. 705
فالله أعز في قدرته وأمنع من أن يملك أحدا١ إبطال علمه في شيء من ذلك، فهو مسمى لهم بوحيه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أو أن يشرك في خلقه أحدا، أو يدخل في رحمته من قد أخرجه منها أو يخرج منها من قد أدخله فيها، ولقد أعظم بالله الجهل من زعم أن العلم كان بعد الخلق بل لم يزل الله وحده بكل شيء عليما وعلى كل شيء شهيدا، قبل أن يخلق شيئا، وبعد ما خلق لم ينقص علمه في بدئهم، ولم يزد بعد أعمالهم، ولا بجوائحه٢ التي قطع بها دابر ظلمهم ولا يملك إبليس هدي نفسه ولا ضلالة غيره، وقد أردتم بقذف مقالتكم إبطال علم الله في خلقه وإهمال عبادته وكتاب الله قائم ينقض بدعتكم وإفراط قذفكم، ولقد علمتم أن الله بعث رسوله والناس يومئذ أهل شرك فمن أراد الله له الهدى لم تَحُلْ ضلالته التي كان فيها دون إرادة الله له، ومن لم يرد الله له الهدى تركه في الكفر ضالا، فكانت ضلالته أولى به من هداه فزعمتم أن الله أثبت في قلوبكم الطاعة والمعصية وأن الله خلو من أن يكون يختص أحدا برحمته، ويحجز أحدا عن معصيته، وزعمتم أن الشيء الذي بقدر إنما هو عندكم اليسر والرخاء، والنعمة، وأخرجتم منه
стр. 706
الأعمال وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من الله ضلالة أو هدى، وأنكم الذين هديتم أنفسكم من دون الله. وأنكم الذين حجزتموها عن المعصية بغير قوة من الله ولا إذن منه. فمن زعم ذلك فقد غلا في القول لأنه لو كان شيء لم يسبق في علم الله وقدره لكان لله في ملكه شريك ينفذ مشيئته في الخلق من دون الله والله يقول: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ١، وهم له قبل ذلك كارهون ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ ٢، وهم له قبل ذلك محبون، وما كانوا على شيء من ذلك لأنفسهم بقادرين ثم أخبر بما سبق لمحمد ﷺ من الصلاة عليه والمغفرة له ولأصحابه فقال تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ ٤، فلولا علمه ما
стр. 707
غفرها الله له قبل أن يعملها، وفضلا سبق لهم من الله قبل أن يخلقوا ورضوانا عنهم قبل أن يؤمنوا، ثم أخبر بما هم عاملون آمنون قبل أن يعملوا وقال: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ ١، فتقولون أنتم إنهم قد كانوا ملكوا رد ما أخبر الله عنهم أنهم عاملون، وأن إليهم أن يقيموا على كفرهم مع قوله: فيكون الذي أرادوا لأنفسهم من الكفر مفعولا، ولا يكون لوحي الله فيما اختار تصديقا، بل لله الحجة البالغة. وفي قوله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢، فسبق لهم العفو من الله فيما أخذوا قبل أن يؤذن لهم وقلتم: لو شاءوا خرجوا من علم الله في عفوه عنهم إلى ما لم يعلم من تركهم لما أخذوا فمن زعم ذلك فقد غلا وكذب، ولقد ذكر الله بشرا كثيرا، وهم يومئذ في أصلاب الرجال وأرحام النساء فقال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ ٣، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ
стр. 708
سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ ١، فسبقت لهم الرحمة من الله قبل أن يخلقوا والدعاء لهم بالمغفرة ممن لم يسبقهم بالإيمان من قبل أن يدعوا لهم، ولقد علم العالمون بالله أن الله لا يشاء أمرا فتَحُول مشيئة غيره دون بلاغ ما شاء. ولقد شاء لقوم الهدى فلم يُضِلّهم أحد. وشاء إبليس لقوم الضلالة فاهتدوا وقال لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ٢، وموسى في سابق علمه أنه يكون لفرعون عدوا وحزنا فقال تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ٣، فتقولون أنتم لو شاء فرعون كان لموسى وليا وناصرا والله تعالى يقول: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ ٤، وقلتم لو شاء فرعون لامتنع من الغرق والله تعالى يقول: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ ٥، مثبت ذلك عنده في وحيه في ذكر الأولين، كما
стр. 709
قال في سابق علمه لآدم قبل أن يخلقه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ١، فصار إلى ذلك بالمعصية التي ابتلى بها، وكما كان إبليس في سابق علمه أنه سيكون مذموما مدحورا وصار إلى ذلك لما ابتلي به من السجود لآدم فتلقى آدم التوبة فرحم، وتلقى إبليس اللعنة فغوى ثم أهبط آدم إلى ما خلق له من الأرض مرحوما متوبا عليه وأهبط إبليس بنظرته مدحورا مذموما مسخوطا عليه، وقلتم أنتم أن إبليس وأولياءه من الجن قد كانوا ملكوا رد علم الله والخروج من قسمه الذي أقسم به إذ قال: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢، حتى لا ينفذ علم إلا بعد مشيئتهم فماذا تريدون بهلكة أنفسكم في رد علم الله؟؟؟ فإن الله لم يشهدكم خلق أنفسكم فكيف يحيط جهلكم بعلمه، وعلم الله ليس بمقصر عن شيء هو كائن، ولا يسبق علمه في شيء فيقدر أحد على رده، فلو كنتم تنتقلون في كل ساعة من شيء إلى شيء هو كائن لكانت مواقعكم عنده، ولقد علمت الملائكة قبل خلق آدم ما هو كائن من العباد في الأرض من الفساد وسفك الدماء، فيها وما كان لهم في الغيب من علم، فكان في علم الله الفساد وسفك الدماء. وما قالوا تخرصا
стр. 710
إلا بتعليم الحكيم لهم، فظن ذلك منهم وقد أنطقهم به فأنكرتم أن الله أزاغ قوما قبل أن يزيغوا وأضل قوما قبل أن يضلوا وهذا فيما لا يشك فيه المؤمنون بالله أن الله قد عرف قبل أن يخلق العباد مؤمنهم من كافرهم، وبرهم من فاجرهم، وكيف يستطيع عبد هو عند الله مؤمن أن يكون كافرا أو هو عند الله كافر أن يكون مؤمنا والله تعالى يقول: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ١، فهو في الضلالة ليس بخارج منها أبدا إلا بإذن الله ثم آخرون اتخذوا من بعد الهدى عجلا جسداً فضلوا به فعفى عنهم، لعلهم يشكرون فصاروا من أمة قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون، ثم ضلت ثمود بعد الهدى فلم يعف عنهم ولم يرحموا فصاروا في علمه إلى صيحة واحدة فإذا هم خامدون، فنفذوا إلى ما سبق لهم أن صالحا رسولهم وأن الناقة فتنة لهم وأنه مميتهم كفارا فعقروها، وكان إبليس فيما كانت فيه الملائكة من التسبيح والعبادة ابتلي فعصى فلم يرحم، وابتلى آدم فعصى فرحم، وهم آدم بالخطيئة فنسي، وهم يوسف بالخطيئة فعصم، فأين كانت الاستطاعة عند ذلك؟ هل كانت تغني شيئا فيما كان من ذلك حتى لا
стр. 711
يكون؟ أو تغني فيما لم يكن حتى يكون؟ فتعرف لكم بذلك حجة، بل الله أعز مما تصفون وأقدر وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من الله ضلالة أو هدى، وإنما علمه بزعمكم حافظ وأن المشيئة في الأعمال إليكم إن شئتم أحببتم الإيمان فكنتم من أهل الجنة ثم جعلتم بجهلكم حديث رسول الله ﷺ الذي جاء به أهل السنة وهو مصدق للكتاب المنزل أنه من ذنب مضاه١، ذنبا خبيثا في قول النبي ﷺ حين سأله عمر: "رأيت ما نعمل أشيء قد فرغ منه؟ أم شيء نأتنفه" فقال ﷺ : "بل شيء قد فرغ منه"٢. فطعنتم بالتكذيب له، وتعليم من الله في علمه إذ قلتم إن كنا لا نستطيع الخروج منه فهو الجبر، والجبر٣ عندكم الحيف، فسميتم نفاذ علم الله في الخلق حيفا وقد جاء الخبر: "إن الله خلق آدم فنثر ذريته في يده فكتب
стр. 712
أهل الجنة وما هم عاملون وكتب أهل النار وما هم عاملون"١، وقال سهل بن حنيف يوم صفين: أيها الناس اتهموا آراءكم على دينكم فوالذي نفسي بيده لقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع رد أمر رسول الله ﷺ لرددناه والله ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلا أسهل بنا على أمر نعرفه قبل أمركم هذا٢.
ثم أنتم بجهلكم قد أظهرتم دعوة حق على تأويل باطل تدعون الناس إلى رد علم الله فقلتم الحسنة من الله والسيئة من أنفسنا، وقال أئمتكم وهم أهل السنة: الحسنة من الله في علم قد سبق، والسيئة من أنفسنا في علم قد سبق، فقلتم لا يكون ذلك حتى يكون بدؤها من أنفسنا كما بدء السيئات من أنفسنا، وهذا رد للكتاب منكم ونقض للدين، وقد قال ابن عباس حين نجم القول بالقدر هذا أول شرك هذه الأمة، والله ما ينتهي بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدر خيرا، كما أخرجوه من أن يكون قدر شرا٣. فأنتم تزعمون بجهلكم أن من كان في علم الله ضالا
стр. 713
فاهتدى فهو بما ملك من ذلك حتى كان في هداه ما لم يكن الله علمه فيه، وأن من شرح صدره للإسلام فهو بما فوض إليه قبل أن يشرحه الله له، وأنه إن كان مؤمنا فكفر فهو مما شاء لنفسه وملك من ذلك لها وكانت مشيئته في كفره أنفذ من مشيئة الله في إيمانه بل أشهد أنه من عمل حسنة فبغير معونة كانت من نفسه عليها وأن من عمل سيئة فبغير حجة كانت له فيها وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وأن لو أراد الله أن يهدي الناس جميعا لنفذ أمره فيمن ضل حتى يكون مهتديا، فقلتم بمشيئته شاء لكم تفويض الحسنات إليكم وتفويض السيئات ألقي عنكم سابق علمه في أعمالكم، وجعل مشيئته تبعا لمشيئتكم، ويحكم فوالله ما أمضى لبني إسرائيل مشيئتهم حين أبوا أن يأخذوا ما آتاهم بقوة حتى نتق الجبل فوقهم كأنه ظلة، فهل رأيتموه أمضى مشيئته لمن كان في ضلالته حين أراد هداه حتى صار إلى أن أدخله بالسيف إلى الإسلام كرها بموضع علمه بذلك فيه أم هل أمضى لقوم يونس مشيئتهم حين أبوا أن يؤمنوا حتى أظلهم العذاب فآمنوا وقبل منهم ورد على غيرهم الإيمان فلم يقبل منهم وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ ١، أي
стр. 714
علم الله الذي قد خلا في خلقه ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ وذلك كان موقفهم عنده أن يهلكوا بغير قبول، بل الهدى والضلالة والكفر والإيمان، والخير والشر، بيد الله يهدي من يشاء ويذر من يشاء في طغيانهم يعمهون، كذلك قال إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ ١، وقال ﵇: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ ٢ أي أن الإيمان والإسلام بيدك وأن عبادة من عبد الأصنام بيدك فأنكرتم ذلك وجعلتموه ملكا بأيديكم دون مشيئة الله .
وقلتم في القتل إنه بغير أجل، وقد سماه الله لكم في كتابه فقال ليحيى: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً﴾ ٣، فلم يمت يحيى إلا بالقتل وهو موت كما مات من قتل منهم شهيدا أو قتل عمدا أو قتل خطأ كمن مات بمرض أو فجأة، كل ذلك موت بأجل توفاه، ورزق استكمله وأثر بلغه، ومضجع برز إليه ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاََّ بِإِذْنِ اللَّهِ
стр. 715
كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ ١، ولا تموت نفس ولها في الدنيا عمر ساعة إلا بلغته ولا موضع قدم إلا وطأته، ولا مثقال حبة من رزق إلا استكملته، ولا مضجع بحيث كان إلا برزت إليه، يصدق ذلك قول الله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ ٢، فأخبر الله سبحانه بعذابهم بالقتل في الدنيا، والآخرة بالنار، وهم أحياء بمكة. وتقولون أنتم أنهم قد كانوا ملكوا رد علم الله في العذابين اللذين أخبر الله ورسوله أنهما نازلان بهم وقال تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْي﴾ ٣، يعني القتل يوم بدر ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ٤، فانظروا إلى ما أرداكم فيه رأيكم، وكتابا سبق في علمه بشقائكم إن لم يرحمكم ثم قول رسول الله ﷺ : "بنى الإسلام على ثلاثة أعمال، الجهاد ماض منذ يوم بعث الله رسوله إلى يوم القيامة فيه عصابة من المؤمنين يقاتلون الدجال لا
стр. 716
ينقض ذلك جور جائر، ولا عدل من عدل"١، والثانية: أهل التوحيد لا تكفروهم ولا تشهدوا عليهم بشرك، والثالثة: المقادير كلها خيرها وشرها من قدر الله فنقضتم من الإسلام جهاده، ونقضتم شهادتكم على أمتكم بالكفر، وبرئتم منهم ببدعتكم، وكذبتم بالمقادير كلها والآجال والأعمال والأرزاق، فما بقيت في أيديكم خصلة ينبني الإسلام عليها إلا نقضتموها وخرجتم منها٢.
التعليق:
إن هذه الرسالة المروية عن عمر تُفَصّل الرد على القدرية الذين كتبوا إليه برد علم الله السابق والتكذيب بأقداره النافذة وقد بين رحمه الله تعالى ضلال القدرية في فهم علم الله السابق وفي فهم الهداية والإضلال، وفي أفعال العباد، وفي فهم المشيئة وهي بلا شك رسالة بليغة وافية بالمقصود يظهر منها منهج السلف الصالح في بيان الحق بدليله مع الاعتماد على الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح وهي دليل على ما أعطاه الله لعمر ابن عبد العزيز رحمه الله تعالى من قوة البيان, والصدع بالحق، والإصابة
стр. 717
في القول، وهذه الرسالة وإن كان سندها إلى عمر بن عبد العزيز لا يصل إلى درجة الصحة لكن معناها صحيح ثابت وهى رسالة مشهورة عنه ذكرها عنه غير واحد من أهل العلم ومنهم أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي قال في كتابه أصول الدين:
"ومن أهل السنة من التابعين عمر بن عبد العزيز وله رسالة بليغة في الرد على القدرية"١.
وقال ابن الجوزي واصفا هذه الرسالة التي نحن بصدد التعليق عليها "وهذه رسالة مروية عن عمر بن عبد العزيز في الأول، وجدت أكثر كلماتها لم تضبطها النقلة على الصحة، فانتقيت منها كلمات صالحة"٢، ثم ذكر جزءا مما أورده أبو نعيم٣ رحمه الله تعالى.
وكذلك ذكرها الدكتور محمود الطحان من المعاصرين ضمن الرسائل التي وردبها الخطيب البغدادي مدينة دمشق حين خرج إليها في بحثه
стр. 718
"الحافظ الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث" برقم (١٤٢) وهو ضمن مجموعة تحت رقم (١٨) موجودة بالمكتبة الظاهرية١.
ثم إن أكثر المسائل الموجودة في هذه الرسالة قد جاءت عن عمر بطرق مسندة صحيحة مما يعضدها ويقويها ويوثقها، وتُفَصل هذه الرسالة الرد على القدرية في نفيهم علم الله السابق حيث بين عمر رحمه الله تعالى في مقدمة الرسالة أن هؤلاء المكذبين بالقدر لا يعذرون بجهلهم بذلك لأن عمر بن الخطاب يقول: إنه لا عذر لأحد عند الله بعد البينة بضلالة ركبها حسبها هدى، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة، قد تبينت الأمور، وثبتت الحجة، وانقطع العذر٢، ثم ذكر بعد المقدمة نص السؤال الذي وجهته إليه القدرية في نفي علم الله السابق، وهو أن عمر كما بلغهم يقول: إن الله قد علم ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون، فأنكروا ذلك عليه وقالوا لا يعلم الله أعمال العباد إلا بعد وقوعها، فرد عليهم عمر بأن الله تعالى يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون مستدلا بآيات من القرآن الكريم وتحتوي الرسالة كذلك على بيان عمر ضلال القدرية في فهم
стр. 719
المشيئة حيث توهموا بأن للعباد مشيئة مستقلة عن مشيئة الله تعالى فرد عليهم بأن مشيئة العباد تابعة لمشيئة الله بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ١.
وقد رد على هؤلاء القدرية في جوانب متعددة تتعلق بضلالهم في فهم علم الله تعالى حيث جعلوا علم الله لغوا لأنهم جعلوا أنفسهم هي الخالقة المحدثة للحسنات والسيئات، وجعلوا نعمة الله الدينية على المؤمن والكافر سواء، وأنه لم يعط العبد إلا قدرة واحدة تصلح للضدين، وليس بيد الله هداية خص بها المؤمن، أو تطلب منه بقول العبد ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٢، وأن علمه تعالى لا يتعلق بهداية ضال ولا إضلال مهتد٣.
وقد أكثر رحمه الله تعالى في الرد على المكذبين بالقدر بآيات كثيرة ولوضوح هذه الرسالة وبلاغتها وسلاسة أسلوبها وعذوبة ألفاظها وظهور معانيها وقوة ما فيها من الحجج المقنعة في الرد على المكذبين بعلم الله السابق وصفت واشتهرت بأنها رسالة بليغة في الرد على القدرية، وقد اشتملت على إيضاح مسائل كثيرة لها صلة بالانحراف في باب القدر،
стр. 720
كنفي الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى وأزلية الأسماء الحسنى وعلم الله بأهل الجنة وأهل النار واستخراج ذرية آدم من ظهره قبل خلقهم وتقسيمهم إلى قسمين قسم إلى الجنة وقسم إلى النار، وكتابة ذلك كله. كما بين فيها ردهم ونفيهم للأحاديث الصحيحة إذا لم توافق مذهبهم وتأويلهم إياها تأويلا باطلا.
وبين عمر كذلك ضلال القدرية في فهم الاستطاعة حيث جعلوا الاستطاعة قبل الفعل وهي صالحة للضدين عندهم، ولا تقارن الفعل أبدا. ومن المهم إيضاح الصحيح من مسألة الاستطاعة لصلتها بمحتويات الرسالة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " ... وفصل الخطاب، أن الاستطاعة جاءت في كتاب الله على نوعين:
١- الاستطاعة المشترطة للفعل، وهي مناط الأمر والنهي كقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ١، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ
стр. 721
الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ١. وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ ٢، وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين﴾ ٣، وقول النبي ﷺ لعمران بن حصين: "صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب"٤.
فإن الاستطاعة في هذه النصوص لو كانت لا توجد إلا مع الفعل لوجب ألا يجب الحج إلا على من حج، ولا يجب صيام شهرين إلا على من صام، ولا القيام في الصلاة إلا على من قام، وكان المعنى: على الذين يصومون الشهر طعام مسكين، والآية إنما أنزلت لما كانوا مخيرين بين الصيام، والإطعام في شهر رمضان٥.
٢- الاستطاعة التي يكون معها الفعل، قد يقال هي المقترنة بالفعل الموجبة له - وهي النوع الثاني- وقد ذكروا فيها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ
стр. 722
أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ٢. ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ٣.
فإن الاستطاعة المنفية هنا -سواء كان نفيها خبرا أو ابتداء- ليست هي الاستطاعة المشروطة في الأمر والنهي فإن تلك إذا انتفت انتفى الأمر والنهي والوعد والوعيد، والحمد، والذم، والثواب والعقاب، ومعلوم أن هؤلاء في هذه الحال مأمورون منهيون، موعودون متوعدون، فعلم أن المنفية هنا ليست المشروطة في الأمر والنهي المذكورة في قوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٤.
فاعتقدت القدرية أن الاستطاعة المشترطة للفعل تكفي في حصول الفعل، وأن العبد يحدث مشيئته وهو مستغن عن الله حين الفعل فأخطأوا
стр. 723
خطأً قبيحا، فإن العبد له مشيئة وهي تابعة لمشيئة الله تعالى كما ذكر الله في عدة مواضع من كتابه. قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ١، وقوله : ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ ٢، وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣. والواقع أن الخطأ في هذه المسألة ناشئ عن عدم التفريق بين الاستطاعتين فالاستطاعة المشترطة للفعل هي الاستطاعة الشرعية وهي التي عليها مناط الأمر والنهي، والثواب، والعقاب، وعليها يتكلم الفقهاء، وهي الغالبة في عرف الناس٤.
أما الاستطاعة المقارنة للفعل الموجبة له فهي الاستطاعة الكونية، وهي التي عليها مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل٥، فعدم تفريقهم بين هاتين الاستطاعتين أوقعهم فيما وقعوا فيه فجعلوا الاستطاعة
стр. 724
قبل الفعل وجعلوها صالحة للضدين، ولا تقارن الفعل أبدا١. وبين عمر كذلك ضلال القدرية في فهم الآجال والأرزاق حيث قالوا إن المقتول لم يمت بأجله، وأن الله تعالى وقت لهم الأرزاق والآجال لوقت معلوم فمن قتل قتيلا فقد أعجله عن أجله ورزقه لغير أجله، وبقي له من الرزق ما لم يستوفه ولم يستكمله تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا٢. فرد عليهم عمر بقوله: " وقلتم في القتل إنه بغير أجل، وقد سماه لكم في كتابه فقال ليحيى: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً﴾ ٣، فلم يمت يحيى إلا بالقتل وهو موت كما مات من قتل منهم شهيدا، أو قتل عمدا، أو قتل خطأً كمن مات بمرض أو فجأة كل ذلك بأجل توفاه، ورزق استكمله، وأثر بلغه، ومضجع برز إليه ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ ٤، ولا تموت نفس ولها في الدنيا عمر ساعة إلا بلغته، ولا موضع قدم
стр. 725
المبحث الثالث: الآثار عن عمر بن عبد العزيز في الحكم على القدرية
٣١٠/١- مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك١، أنه قال: كنت أسير مع عمر بن عبد العزيز فقال ما رأيك في هؤلاء القدرية فقلت: رأيي أن تستتيبهم فإن قبلوا وإلا عرضتهم على السيف فقال عمر بن عبد العزيز: وذلك رأيي. قال مالك: وذلك رأيي٢.
٣١١/٢- الآجري قال: أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا إسحاق بن موسى٣، حدثنا أبو ضمرة أنيس بن عياض٤، قال: حدثني أبو سهيل
стр. 726
نافع بن مالك بن أبي عامر أنه قال: "قال لي عمر بن عبد العزيز من فيه إلى أذني: ما تقول في الذين يقولون: لا قدر؟ قلت: أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. قال عمر: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلا هذه الآية الواحدة لكفت: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِين إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ١،٢.
٣١٢/٣- الآجري أيضا قال: أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا إسحاق بن سيار النصيبي٣، قال: حدثنا عبد الله بن صالح٤، حدثني معاوية٥-يعني
стр. 727
ابن صالح، عن حكيم بن عمير١، قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: "إن قوما ينكرون القدر شيئا فقال عمر: "بينوا لهم وارفقوا بهم حتى يرجعوا". فقال قائل: هيهات هيهات يا أمير المؤمنين، لقد اتخذوه دينا يدعون إليه الناس ففزع لها عمر فقال: أولئك أهل أن تسل ألسنتهم من أقفيتهم سلاًّ، هل طار ذباب بين السماء والأرض إلا بمقدار٢.
٣١٣/٤- الآجري في الشريعة في جواب عمر لعامله: "كتبت تسألني عن الحكم فيهم، فمن أتيت به منهم فأوجعه ضربا واستودعه الحبس، فإن تاب من رأيه السوء وإلا فاضرب عنقه"٣.
٣١٤/٥- ابن بطة قال: حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا ابن عرفة، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن حكيم بن عمر، قال: قال عمر
стр. 728
ابن عبد العزيز: ينبغي لأهل القدر أن يوعز إليهم فيما أحدثوا من القدر، فإن كَفُّوا وإلا سُلت ألسنتهم من أقفيتهم استلالا١.
٣١٥/٦- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أبي، نا إسماعيل، حدثني أبو محزوم، عن سيار، قال: قال عمر بن عبد العزيز ﵀ في أصحاب القدر: "فإن تابوا وإلا نفوا من ديار المسلمين"٢.
٣١٥/٧- ابن الجوزي قال: حدثنا يوسف بن أسباط، عن سفيان الثوري، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة -وكان عامله في البصرة-: "أما بعد: فإذا أتاك كتابي هذا فاستتب القدرية مما دخلوا فيه فإن تابوا فخل سبيلهم وإلا فانفهم من ديار المسلمين"٣.
٣١٧/٨- ابن سعد: قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن أبي سهيل نافع بن مالك، قال: تلا عمر بن عبد
стр. 729
العزيز: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِين إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ١. فقال لي يا أبا سهيل ما تركت هذه الآية للقدرية حجة، الرأي فيهم ما هو؟ قال: قلت: "أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. قال: ذاك الرأي ذاك الرأي"٢.
٣١٨/٩- ابن بطة قال: حدثنا أبو علي محمد بن يوسف، قال: حدثنا عبد الرحمن بن خلف، قال: نا حجاج، قال: حدثنا حماد، عن أبي جعفر، عن محمد بن كعب أو غيره أن عمر بن عبد العزيز قيل له: "إن غيلان يقول في القدر كذا وكذا". فقال: "يا غيلان: ما تقول في القدر فتعوذ، ثم قرأ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ... ﴾ حتى قرأ ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ ٣. قال: فقال عمر: القول فيه
стр. 730
طويل عريض، ما تقول في العلم؟ قال: قد علم الله ما هو كائن. قال: أما والله لو لم تقلها لضربت عنقك"١.
التعليق:
الحكم على أهل الأهواء والبدع يتوقف على البدعة التي ارتكبوها فإن كانت بدعة مكفرة يكفر صاحبها إذا استوفى جميع الشروط، وعدمت الموانع، وإن كانت بدعة مفسقة يفسق صاحبها ويعزر بحبس أو نفي حتى يموت من هواه الخبيث، والآثار التي نقلت عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث توضح الحكم على القدرية الذين كانوا ينكرون علم الله السابق لخلقه كما تبين ذلك فيما سبق. وقد سلك عمر رحمه الله تعالى في الحكم على هؤلاء المبتدعة طريق الحق الذي تدل عليه النصوص الصحيحة وما أثر عن الصحابة رضوان الله عليهم.
ففي الصحيحين، أن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة"٢. قال النووي: فأما قوله: "والتارك لدينه المفارق للجماعة"، فهو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي
стр. 731
ردة كانت، فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام، قال العلماء: ويتناول أيضا كل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي، أو غيرهما. وكذا الخوارج١.
وقد جاءت نصوص كثيرة تخص القدرية بالذم والتهديد والتخويف. فعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة عاق ولا مكذب بقدر ولا مدمن خمر"٢.
وروى ابن أبي عاصم في السنة وغيره عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله تعالى إن مرضوا فلا تعودوهم وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم وإن ماتوا فلا تصلوا عليهم"٣.
стр. 732
وعن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: الاستسقاء بالأنواء، وحيف السلطان، والتكذيب بالقدر"١.
وهذه النصوص الصحيحة التي تقدمت وغيرها تدل على أن المكذبين بالقدر على خطر عظيم. وهناك نصوص كثيرة يذكرها علماء الفرق في ذم القدرية بخصوصهم، وبيان الحكم عليهم، إلا أنها نصوص لم تسلم من القدح فلو صحت لكانت كافية في الحكم عليهم، ولضعفها وكلام العلماء حولها لا أرى التطويل بذكرها هنا. وقد صرحت الأحاديث التي تقدمت بذم القدرية حيث صرحت بأنهم لا يدخلون الجنة وأنهم مجوس هذه الأمة لا يسلم عليهم ولا يعاد مرضاهم ولا يصلى على موتاهم وقد خاف ﷺ من هذه البدعة وحذر منها حيث قال: "أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: ... " ومنها: "والتكذيب بالقدر" ولما كانت بدعة القدرية من أبين البدع إلا أن مدارك الناس تختلف في فهم أحكام الله تعالى وللإعذار إلى القدرية وغيرهم حرص عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أن يسأل غيره في الحكم فيهم - وعمر بلا شك من مجتهدي العلماء - ولكن حبا في الإعذار سأل نافع بن مالك عم الإمام مالك بن أنس فأفتاه بأن
стр. 733
يستتيبهم فإن تابوا وإلا أقيم عليهم الحد. كما كتب إلى عماله بأن يسيروا على هذا المنهج حيث أمرهم بأن يبينوا للقدرية خطأهم برفق حتى يرجعوا كما نوَّع العقوبات التي أمر بإنزالها عليهم إذا لم يتوبوا بعد البيان، فأمر بسل ألسنتهم من أقفيتهم، أو نفيهم من ديار المسلمين، وبين عمر أن إنكار القدر ضلال وجهل عظيم لأنه لو لم تكن إلا هذه الآية -يشير بها إلى آية سورة الصافات- لكفت ثم قرأ ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِين إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ١. كما استتاب غيلان عدة مرات كما مر في مبحث مناظرته للقدرية -وكان منهجه في استتابه غيلان سؤاله عن علم الله، وكان غيلان يجيب بإثبات علم الله وقد بيَّن عمر لغيلان أنه لولا إقراره بالعلم لضرب عنقه كما بين له أن الإقرار بالعلم إقرار بلازمه وهو مشيئة الله لأعمال العباد كلها وخلقه لها، وأن إنكار علم الله كفر، يدخل من قال به في عداد المرتدين كما أمر عمر بضرب المكذبين بالقدر وحبسهم وقد حبس غيلان عدة أيام ثم أدخله عليه كما سبق، وهذه العقوبات التي حكم بها عمر على المكذبين بالقدر. بعد إقامة الحجة عليهم كما هو واضح، هو الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان معاملة أئمة المسلمين للمبتدعة والحكم عليهم
стр. 734
"العقوبة قبل الحجة ليست مشروعة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ١، ولهذا قال الفقهاء إن الإمام يراسل المبتدعة فإن ذكروا شبهة بينها، وإن ذكروا مظلمة أزالها كما أرسل عليّ ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم حتى رجع منهم أربعة آلاف، وكما طلب عمر بن عبد العزيز دعاة القدرية والخوارج فناظرهم حتى ظهر لهم الحق وأقروا به ثم بعد موته نقض غيلان القدري التوبة فصلب"٢.
وقد بين شيخ الإسلام ﵀ أن القدرية الذين ينكرون علم الله السابق كفار، فقال في بيان ذلك، "وأما كون الأشياء معلومة لله قبل كونها: فهذا حق لا ريب فيه، وكذلك كونها مكتوبة عنده أو عند ملائكته كما دل على ذلك الكتاب والسنة وجاءت به الآثار. وهذا العلم والكتاب: هو القدر الذي ينكره غالية القدرية ويزعمون أن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وهم كفار كفرهم الأئمة كالشافعي، وأحمد وغيرهما٣.
стр. 735
وقال ﵀ في موضع آخر: "ولم يكفر أحمد الخوارج والقدرية إذا أقروا بالعلم وأنكروا خلق الأفعال وعموم المشيئة، لكن حُكِي عنه في تكفيرهم روايتان١.
وقال ابن رجب: "وقد قال كثير من أئمة السلف ناظِروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوا فقد كفروا، يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد وأن الله قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد، وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ فقد كذب بالقرآن فيكفر بذلك، وإن أقروا بذلك وأنكروا أن الله خلق أفعال العباد وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية، فقد خصموا، لأن ما أقروا به حجة عليهم فيما أنكروه، وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور بين العلماء. وأما من أنكر العلم القديم فنص الشافعي وأحمد على تكفيره وكذلك غيرهما من أئمة الإسلام"٢.
وقد بين العلماء أن القدرية النفاة لعلم الله السابق قد انقرضوا لشدة ما أنكر عليهم السلف وأفتوا بقتلهم إن لم يرجعوا ونتيجة لهذا الإنكار الشديد من جانب السلف، ولقباحة ورداءة هذا المعتقد أيضا تراجع تراجعا سريعا، حتى لم يعد له وجود، وأيضا لا يخفى ما يترتب على هذا
стр. 736
الفصل الثامن: الآثار عن عمر في الرد على فرق مختلفة: المبحث الأول: الآثار عن عمر في الرد على المرجئة
تمهيد في تعريف المرجئة لغة واصطلاحاً:
الإرجاء يطلق على عدة معان منها: الأمل، والناحية، والتأخير، وقد يهمز وقد لا يهمز. قال ابن فارس: رجى: الراء والجيم والحرف المعتل أصلان متباينان يدل أحدهما على الأمل، والآخر على ناحية الشيء١.
فالأول: الرجاء، وهو الأمل، يقال: رجوت الأمر أرجوه، رجاءً٢.
وأما الثاني: فهو الرجا مقصور، الناحية من البئر، وكل ناحية رجا. قال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ ٣. وأما المهموز فإنه يدل على التأخير، يقال: أرجأت الشيء: أخرته ... ومنه سميت المرجئة٤، هذا في اللغة. وأما تعريف الإرجاء في الاصطلاح فقد اختلف العلماء في ذلك نوجز كلامهم فيما يلي:
١- الإرجاء في الاصطلاح مأخوذ من معناه اللغوي -أي بمعنى التأخير والإمهال، وهو إرجاء العمل عن درجة الإيمان، وجعله منزلة ثانية بالنسبة
стр. 737
للإيمان، لا أنه جزء منه، وأن الإيمان يتناول الأعمال على سبيل المجاز - لو سلمنا بوجوده - بينما هو حقيقة في مجرد التصديق، وقد يطلق وصف الإرجاء على القائلين بأنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة.
ويشمل جميع من أخر العمل عن النية والتصديق١.
٢- وذهب آخرون إلى أن الإرجاء يراد به تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة فلا يقضى عليه بحكم ما٢.
٣- وبعضهم ربط الإرجاء بما جرى في شأن علي ﵁ من تأخيره في المفاضلة بين الصحابة إلى الدرجة الرابعة٣، ولا شك أن هذا الترتيب هو الصواب كما سبق بيانه - أو إرجاء أمر علي وعثمان إلى الله تعالى حيث لا يشهدون عليهما بإيمان، ولا غيره".
"والواقع أن إطلاق اسم الإرجاء على كل من يقول عن الإيمان أنه قول أو تصديق بلا عمل، أو القول بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا
стр. 738
تنفع مع الكفر طاعة هو الأغلب في عرف العلماء حينما يطلقون حكم الإرجاء على أحد بل هو المقصود بالإرجاء"١.
هذا وقد جاءت عن عمر بن عبد العزيز آثار خاصة تدل على زيادة الإيمان وإدخال الأعمال فيه. والمرجئة لا يرون هذا فهذه الآثار تعتبر ردا عليهم، لاسيما وأن أهل العلم قد ذكروا هذه الآثار في معرض ردودهم على المرجئة. كما وردعنه - رحمه الله تعالى - التحذير عن البدع كلها ولا بدعة أظهر من بدعة الإرجاء. وهاهي الآثار الواردة عنه في هذا المبحث.
٣١٩/١- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: "إن للإسلام حدودا وشرائع، وسننا فمن عمل بها استكمل الإيمان، ومن لم يعمل بها لم يستكمل الإيمان، فإن أَعِش أعلمكموها وأحملكم عليها، وإن مت فما أنا على صحبتكم بحريص٢.
стр. 739
٣٢٠/٢- محمد بن نصر المر وزي قال: حدثنا أبو حفص الباهلي, ثنا شريح بن النعمان ثنا المعافى, ثنا الأوزاعي قال: قال عمر بن عبد العزيز: لا عذ ر لأحد بعد السنة في ضلالة ركبها يحسب أنها هدى١.
٣٢١/٣- ابن سعد قال: أخبرنا سعيد بن عارم عن حزم بن أبي حزم قال: قال عمر بن عبد العزيز في كلام له: "فلو كان كل بدعة يميتها الله على يدي وكل سنة ينعشها الله على يدي ببضعة من لحمي حتى يأتي آخر ذلك على نفسي كان في الله يسيرا٢.
التعليق:
يتبين من الآثار السابقة أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كان حريصا على رد البدع كلها. حتى ولو أدى ذلك إلى أن يضحي بأعضائه كلها، وقد بين في تلك الآثار القول الصحيح في الإيمان وأنه يشمل العبادات كلها. وأولى عناية خاصة بشعبه، ووعد بأنه إن عاش فسيحمل رعيته عليها، ففي هذا المأثور عنه بيان للقول الصحيح في الإيمان كما أن فيه الرد على بدعة الإرجاء, لأن إحقاق الحق إبطال للباطل, وهذا المأثور عنه هو الحق الثابت عنه في مسألة الإيمان.
стр. 740
وأما ما رواه ابن سعد في الطبقات أن عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة جاءه راحلا إليه عون بن عبد الله وموسى بن أبى كثير وعمر بن حمزة وفى بعض المراجع عمر بن ذر فكلموه في الإرجاء وناظروه فزعموا أنه وافقهم ولم يخالفهم في شئ منه١ فهذا لا يثبت عنه لما يلي:
- لأن ابن سعد رواه بدون سند فهو إذا منقطع.
- ولأنه استعمل فيه صيغة التمريض " زعموا".
- وأيضا إن مثل هذا الزعم والادعاء لا يعول عليه لأن رواته متهمون بالإرجاء.
هذا وعلى فرض تسليم تلك الرواية فقد ثبت في كتب التراجم أن عون بن عبد الله قد تاب عن الإرجاء. وقد روى ذلك اللالكائي بسنده عن نوفل الهذلي عن أبيه قال: "كان عون بن عبد الله بن مسعود من آدب أهل المدينة وأفقههم وكان مرجئا ثم رجع فأنشد يقول:
لأول ما نفارق غير شك ... نفارق ما يقول المرجئونا
وقالوا مؤمن من أهل جور ... وليس المؤمنون بجائرينا
وقالوا مؤمن دمه حلال ... وقد حرمت دماء المؤمنينا٢