← Акыда

Акыда · id 11723

الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة

حياة بن محمد بن جبريل

Полный текст (805 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الفصل الثامن: الآثار عن عمر في الرد على فرق مختلفة: المبحث الأول: الآثار عن عمر في الرد على المرجئة تمهيد في تعريف المرجئة لغة واصطلاحاً: الإرجاء يطلق على عدة معان منها: الأمل، والناحية، والتأخير، وقد يهمز وقد لا يهمز. قال ابن فارس: رجى: الراء والجيم والحرف المعتل أصلان متباينان يدل أحدهما على الأمل، والآخر على ناحية الشيء١. فالأول: الرجاء، وهو الأمل، يقال: رجوت الأمر أرجوه، رجاءً٢. وأما الثاني: فهو الرجا مقصور، الناحية من البئر، وكل ناحية رجا. قال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ ٣. وأما المهموز فإنه يدل على التأخير، يقال: أرجأت الشيء: أخرته ... ومنه سميت المرجئة٤، هذا في اللغة. وأما تعريف الإرجاء في الاصطلاح فقد اختلف العلماء في ذلك نوجز كلامهم فيما يلي: ١- الإرجاء في الاصطلاح مأخوذ من معناه اللغوي -أي بمعنى التأخير والإمهال، وهو إرجاء العمل عن درجة الإيمان، وجعله منزلة ثانية بالنسبة

стр. 737

للإيمان، لا أنه جزء منه، وأن الإيمان يتناول الأعمال على سبيل المجاز - لو سلمنا بوجوده - بينما هو حقيقة في مجرد التصديق، وقد يطلق وصف الإرجاء على القائلين بأنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. ويشمل جميع من أخر العمل عن النية والتصديق١. ٢- وذهب آخرون إلى أن الإرجاء يراد به تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة فلا يقضى عليه بحكم ما٢. ٣- وبعضهم ربط الإرجاء بما جرى في شأن علي ﵁ من تأخيره في المفاضلة بين الصحابة إلى الدرجة الرابعة٣، ولا شك أن هذا الترتيب هو الصواب كما سبق بيانه - أو إرجاء أمر علي وعثمان إلى الله تعالى حيث لا يشهدون عليهما بإيمان، ولا غيره". "والواقع أن إطلاق اسم الإرجاء على كل من يقول عن الإيمان أنه قول أو تصديق بلا عمل، أو القول بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا

стр. 738

تنفع مع الكفر طاعة هو الأغلب في عرف العلماء حينما يطلقون حكم الإرجاء على أحد بل هو المقصود بالإرجاء"١. هذا وقد جاءت عن عمر بن عبد العزيز آثار خاصة تدل على زيادة الإيمان وإدخال الأعمال فيه. والمرجئة لا يرون هذا فهذه الآثار تعتبر ردا عليهم، لاسيما وأن أهل العلم قد ذكروا هذه الآثار في معرض ردودهم على المرجئة. كما وردعنه - رحمه الله تعالى - التحذير عن البدع كلها ولا بدعة أظهر من بدعة الإرجاء. وهاهي الآثار الواردة عنه في هذا المبحث. ٣١٩/١- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: "إن للإسلام حدودا وشرائع، وسننا فمن عمل بها استكمل الإيمان، ومن لم يعمل بها لم يستكمل الإيمان، فإن أَعِش أعلمكموها وأحملكم عليها، وإن مت فما أنا على صحبتكم بحريص٢.

стр. 739

٣٢٠/٢- محمد بن نصر المر وزي قال: حدثنا أبو حفص الباهلي, ثنا شريح بن النعمان ثنا المعافى, ثنا الأوزاعي قال: قال عمر بن عبد العزيز: لا عذ ر لأحد بعد السنة في ضلالة ركبها يحسب أنها هدى١. ٣٢١/٣- ابن سعد قال: أخبرنا سعيد بن عارم عن حزم بن أبي حزم قال: قال عمر بن عبد العزيز في كلام له: "فلو كان كل بدعة يميتها الله على يدي وكل سنة ينعشها الله على يدي ببضعة من لحمي حتى يأتي آخر ذلك على نفسي كان في الله يسيرا٢. التعليق: يتبين من الآثار السابقة أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كان حريصا على رد البدع كلها. حتى ولو أدى ذلك إلى أن يضحي بأعضائه كلها، وقد بين في تلك الآثار القول الصحيح في الإيمان وأنه يشمل العبادات كلها. وأولى عناية خاصة بشعبه، ووعد بأنه إن عاش فسيحمل رعيته عليها، ففي هذا المأثور عنه بيان للقول الصحيح في الإيمان كما أن فيه الرد على بدعة الإرجاء, لأن إحقاق الحق إبطال للباطل, وهذا المأثور عنه هو الحق الثابت عنه في مسألة الإيمان.

стр. 740

وأما ما رواه ابن سعد في الطبقات أن عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة جاءه راحلا إليه عون بن عبد الله وموسى بن أبى كثير وعمر بن حمزة وفى بعض المراجع عمر بن ذر فكلموه في الإرجاء وناظروه فزعموا أنه وافقهم ولم يخالفهم في شئ منه١ فهذا لا يثبت عنه لما يلي: - لأن ابن سعد رواه بدون سند فهو إذا منقطع. - ولأنه استعمل فيه صيغة التمريض " زعموا". - وأيضا إن مثل هذا الزعم والادعاء لا يعول عليه لأن رواته متهمون بالإرجاء. هذا وعلى فرض تسليم تلك الرواية فقد ثبت في كتب التراجم أن عون بن عبد الله قد تاب عن الإرجاء. وقد روى ذلك اللالكائي بسنده عن نوفل الهذلي عن أبيه قال: "كان عون بن عبد الله بن مسعود من آدب أهل المدينة وأفقههم وكان مرجئا ثم رجع فأنشد يقول: لأول ما نفارق غير شك ... نفارق ما يقول المرجئونا وقالوا مؤمن من أهل جور ... وليس المؤمنون بجائرينا وقالوا مؤمن دمه حلال ... وقد حرمت دماء المؤمنينا٢

стр. 741

فثبت أن عون بن عبد الله رحمه الله تعالى قد رجع عن القول بالإرجاء ولعل قوله بالإرجاء كان قبل اتصاله بعمر رحمه الله تعالى اتصالا وثيقا وكونه من المقربين عنده. وأما "عمر بن حمزة "- وعند الذهبي في السير - "عمر بن ذر القاص" فقد كان ثقة بليغا إلا أنه كان يرى الإرجاء وكان لين القول فيه.١. وأما "موسى بن أبي كثير الوشاء أبو الصباح الكوفي" ,فهو صدوق لكن ذكر في ترجمته أنه يروي عن المشاهير المناكير فلما كثر ذلك بطل الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات، ولا ريب أن الادعاء السابق في كون عمر بن عبد العزيز قد وافقهم في الإرجاء ولم يخالفهم في شيء من ذلك، مما خالف فيه الثقات فيبطل الاحتجاج بتلك الدعوى. قال يحيى بن معين: كان موسى بن أبى كثير مرجئا.٢. فظهر بما تقدم أن عون بن عبد الله قد رجع عن الإرجاء. وأن عمر بن ذر كان إرجاؤه خفيفا, وقد كان في بدء الأمر يراد به بعض إطلاقاته, وأما موسى بن أبي كثير فلا يسلم له زعمه, ولا شك أن عمر ﵀ من السلف الصالح، والمرجئة بخلاف هذا الوصف بعد أن خرجوا عن الحق. هم ومن سار على طريقتهم في مفهوم الإيمان مثل المعتزلة،

стр. 742

والخوارج الذين يرون أن العمل جزء لا يتجزأ من حقيقة الإيمان بحيث إذا ذهب بعضه ذهب كله. وقد تقدم ذكر بعض الردود على هذه الرواية الموجودة عند ابن سعد في مبحث زيادة الإيمان ونقصانه بما أغنى عن إعادته هنا.

стр. 743

المبحث الثاني: الآثار عن عمر في الرد على الجهمية . تمهيد: الجهمية: نسبة إلى الجهم بن صفوان، لأنه هو الذي أظهر هذا المذهب ودعا إليه وجادل من أجله، وتوسع في مسائله، وأصلُه، من مدينة بلخ ثم انتقل منها إلى سمرقند وترمذ، ثم انتقل إلى الكوفة، ثم رجع إلى خراسان، وفي الكوفة التقى بشيخه الجعد بن درهم، وقد خرج على بني أمية فأسر ثم قتل، وهو من كبار المعطلة. وملخص ما كان يدعو إليه: أنه كان ينكر أسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة ولا يسمى الله باسم من الأسماء التي يسمى بها خلقه وكان يقول: لا أقول إن الله شيء لأن ذلك تشبيه له بالأشياء١. ويسمى الله تعالى باسم المحيي والمميت، والموجد، والفاعل، والخالق، لأن هذه الصفات لا تطلق على العبيد. ويسميه القادر لأن العبد عنده ليس بقادر، ولا فاعل بناءً على مذهبه في أفعال العباد، إذ كان رأس الجهمية الجبرية٢. أما الصفات فينفيها جميعا لأن إثباتها يقتضي التشبيه بزعمه.

стр. 744

والإيمان عنده: المعرفة بالله فقط. والكفر هو: الجهل فقط١، وزعم أن الجنة والنار تفنيان وهذه الأقاويل كلها ظاهرة البطلان. هذا وما يأتي من الآثار عن عمر تعتبر ردودا عامة على الجهمية وقد أوردها علماء السلف ضمن ردودهم عليهم كالإمام أحمد، والدارمي، وغيرهما من علماء السلف وهي كما يلي: ٣٢٢/١- الفريابي قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا معاوية بن هشام، ثنا سفيان عن جعفر بن برقان، قال: جاء رجل إلى عمر بن عبد العزيز فسأله عن بعض الأهواء فقال: انظر دين الأعرابي والغلام في الكتاب فاتبعه واله عما سوى ذلك٢. ٣٢٣/٢- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن

стр. 745

تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. قال عبد الله بن عبد الحكم فسمعت مالكا يقول: وأعجبني عزم عمر في ذلك١. ٣٢٤/٣- ابن أبي الدنيا قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا حماد ابن زيد، عن يحيى بن سعيد، قال: قال عمر بن عبد العزيز ﵀: من جعل دينه غرضا٢ للخصومات أكثر التنقل٣،٤. ٣٢٥/٤- اللالكائي قال: وذكر عبد الرحمن، قال: ثنا محمد بن أحمد ابن عمرو بن عيسى قال: ثنا عيسى بن عمرو البصري، قال: ثنا سليمان ابن عيسى الشجري، قال: ثنا سهل الحنفي، عن مقاتل بن حيان، قال:

стр. 746

دخلت على عمر بن عبد العزيز فقال لي: من أين أنت؟ فقلت: من أهل بلخ١، فقال: كم بينك وبين النهر؟ قلت: كذا وكذا فرسخا. فقال: هل ظهر من وراء النهر رجل يقال له جهم؟ قلت: لا. قال: سيظهر من وراء النهر رجل يقال له جهم يهلك خلقا من هذه الأمة، يدخلهم الله وإياه النار مع الداخلين٢. التعليق: الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث آثار عامة أوردها علماء السلف في ردهم على الجهمية، ولاشك أنها تعتبر ردا على جميع المبتدعة، وذلك في أمره ﵀ بالتمسك بما تدل عليه الفطرة من إثبات ما للخالق من صفات الكمال ونعوت الجلال، كإثبات الفوقية والعلو، وغير ذلك مما تدل عليه الفطرة السليمة. وكذلك أمره بالنهي عن

стр. 747

الخصومات في الدين بغير علم، ولم يقع جهم فيما وقع فيه إلا بسبب الخصومات فيما لا علم له به، فضل وأضل. وقد تقدم شيء من ذلك في بيان سمات أهل البدع، وقد كان السلف الصالح يستدلون بما أثر عن عمر بن عبد العزيز في الأخذ بسنن رسول الله ﷺ ، وسنن الخلفاء الراشدين من بعده في ردهم على الجهمية مثلما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتوى الحموية حيث ذكر أن أبا القاسم الأزجي روى بإسناده عن مطرف بن عبد الله، قال: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع١ أحاديث الصفات يقول: قال عمر بن عبد العزيز ويذكر الأثر الثاني من المبحث السابق: "سن رسول الله وولاة الأمر من بعده ... " وقال الشاطبي ﵀ متحدثا عن هذا الأثر: "إنه كلام مختصر جمع أصولا حسنة من السنة منها قطع مادة الابتداع جملة. ومنها المدح لمتبع السنة وذم لمن خالفها ومنها أن سنة ولاة الأمر وعملهم تفسير لكتاب الله وسنة رسوله فقد جمع كلام عمر أصولا حسنة وفوا ئد مهمة٢. وقد أورد الإمام أحمد في كتابه "الرد على الجهمية" أثر عمر بن عبد العزيز "من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل"٣.

стр. 748

وأما الأثر الأخير وهو ما ذكره اللالكائي من سؤال عمر بن عبد العزيز عن خروج جهم بن صفوان فإن محقق كتاب السنة للالكائي قد بين ضعفه١، والأثر على ضعفه لا يتفق أيضا مع عقيدة أهل السنة والجماعة حيث ذكر فيها الإخبار بالمغيبات، والحكم على المعين بالنار، وقد سبق بيان موقف أهل السنة والجماعة في مسألة الحكم على المعين بالجنة أو النار، حيث تبين أن الصواب في ذلك هو إيكال علم الخلق إلى الخالق. ومذهب الجهمية يعرف قبحه كل من سلمت فطرته، ولا يحتاج إلى حشد الأدلة الضعيفة ومنها تلك الرواية. ومن المهم الإشارة إلى أن علماء السلف رحمهم الله تعالى أطلقوا على كل من ينكر أسماء الله تعالى وصفاته لقب الجهمية سواء أنكرها كلها أو أنكر بعضها أو أنكر الصفات وأثبت الأسماء كالمعتزلة، فالسلف رحمهم الله تعالى أطلقوا هذا الاسم على هؤلاء لخروجهم عما دل عليه الكتاب والسنة وفهمه السلف الصالح منهما.

стр. 749

المبحث الثالث: موقف عمر بن عبد العزيز ممن يُزهّد في العلم الشرعي من الفرق الضالة . ٣٢٦/١- ابن عبد البر قال: حدثنا عبد الوارث، نا قاسم، نا أحمد بن زهير، نا أبو الفتح البخاري نصر بن المغيرة، قال: قال سفيان بن عيينة، قال عمر بن عبد العزيز: "من عمل في غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح١. ٣٢٧/٢- الدارمي قال: أخبرنا مروان بن محمد، ثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المدينة إنه من تعبد بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه، ومن جعل دينه غرضا للخصومة كثر تنقله"٢.

стр. 750

٣٢٨/٣- قال البخاري رحمه الله تعالى باب كيف يقبض العلم، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: "انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي ﷺ ولتفشوا العلم. ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا ثم قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار بذلك -يعني حديث عمر بن عبد العزيز إلى قوله ذهاب العلماء ١. التعليق: العلم الشرعي المستمد من الكتاب والسنة فضله عظيم وخطبه ومنزلته رفيعة وقد أمر الله نبيه محمدا ﷺ بطلب الاستزادة منه قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ ٢،وأهل العلم هم ورثة الأنبياء وأعلام الأمة وهم شهداء الله في الأرض ودرجاتهم رفيعة عالية قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ٣، والعلم والعمل قرينان لكن لا بد أن يتقدم

стр. 751

العلم على العمل. وقد بوب البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه بابا بعنوان: باب العلم قبل القول والعمل لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ١، فبدأ بالعلم٢، قال الحافظ: قال ابن المنير: أراد البخاري به أن العلم شرط في صحة القول والعمل فلا يعتبران إلا به. فهو متقدم عليهما لأنه مصحح للنية المصححة للعمل فنبه المصنف على ذلك حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم: "أن العلم لا ينفع إلا بالعمل" تهوين أمر العلم والتساهل في طلبه٣، والجهل بعلم الكتاب والسنة خطره عظيم وضرره كثير، وكثرة الجهل بعلم الشريعة من علامات الساعة ولهذا أمر عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بتدوين الحديث النبوي وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ فقط. فلما خاف عمر بن عبد العزيز وكان واليا للمسلمين على رأس المائة الأولى من ذهاب العلم بموت العلماء رأى أن في تدوينه ضبطا له وإبقاء٤. وحذر من عبادة الله تعالى بالجهل الذي هو سبب هلاك الأمم الماضية وهذه الأمة. فسجل كلمته المشهورة المأثورة من تعبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح فالذي يعبد الله تعالى وهو

стр. 752

جاهل بعلم الكتاب والسنة لا شك أنه يقع في الخرافات التي تحل في النفوس محل العلم والاعتقاد الصحيح فيضعف نور الإيمان وتنتشر الخرافات ويقوي أمر التحزب الباطل وقد عاب الله تعالى في كتابه الكريم الجهل وأخبر أن سبب ترك الناس لدين الله وتفرقهم فيه إنما هو الجهل. قال تعالى في شأن موسى وقومه حين وصل بهم الجهل إلى أن طلبوا من موسى أن ينصب لهم إلها قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ١، وآيات كثيرة في القرآن الكريم فيها ذم الجهل والدعوة إلى العلم والمعرفة وكذا في السنة النبوية أحاديث كثيرة في ذم الجهل والتحذير منه. قال ﷺ : "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا"٢. وقد نشأ عن الجهل الغلو في تعظيم بعض المخلوقين تعظيما خارجا عن هدي الإسلام كما نرى في الصوفية حيث جعلوا مرتبة أوليائهم فوق مرتبة الأنبياء وقدَّسوهم ونسجوا أساطير من صنع خيالهم حول هؤلاء الأولياء الأبدال بزعمهم. وإذا شئت أن تأكد من هذا فراجع طبقات

стр. 753

الصوفية للشعراني، ورماح حزب الرحيم المعوجة للفوتى، وجواهر المعاني لعلي خرازم، وغيرها لترى العجب العجاب، ولتعرف مدى خطر التعبد بغير علم كيف يجر المسلم إلى الإلحاد والشرك والكفر وقد ذكر ابن الجوزي في تلبيس إبليس أن الصوفية ينكرون على من تشاغل بالعلم فقال: "لما انقسم هؤلاء بين متكاسل عن طلب العلم وبين ظان أن العلم هو ما يقع في النفوس من ثمرات التعبد وسموا ذلك العلم: العلم الباطن نهوا عن التشاغل بالعلم الظاهر ثم روى ﵀ بسنده عن جعفر الخلدي قال: لو تركني الصوفية لجئتكم بإسناد الدنيا لقد مضيت إلى عباس الدوري وأنا حدث فكتبت عنه مجلسا واحدا وخرجت من عنده فلقيني بعض من كنت أصحبه من الصوفية فقال: إيش هذا معك؟ فأريته إياه فقال ويحك تدع علم الخرق وتأخذ علم الورق، ثم خرق الأوراق فدخل كلامه في قلبي فلم أعد إلى عباس، ثم روى أيضا عن الحسين بن أحمد الصفار قال: كان بيدي محبرة فقال الشبلي غيب سوادك عني يكفيني سواد قلبي١. هذا وبعض المتصوفة في العصر الحديث يشنعون على طلاب العلم ولا سيما الذين يعتنون بالمسائل وأدلتها من الكتاب والسنة بل يحاربون ذلك ويسمون هذا العلم شغبا وجدلا وخصاما. ويقولون: إن العلم كهذا

стр. 754

يصرف الإنسان عن العمل ويقولون: إن إبليس كان علمه من هذا القبيل أي من قبيل المسائل والأدلة ويجعلون قول إبليس ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ١، من قبيل العلم بالمسائل، مع أنه ليس إلا معارضة النص بالقياس. ويقولون: إن إبليس كان أعلم من في الأرض بل حتى ممن في عالم الملكوت وزيادة عليه فقد كان معلم الملكوت ولكن علمه وكثرة علمه هذا أداه إلى الضلال مع أن الله جل وعلا يقول في إبليس ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ٢، فهم يضللون العلم بالمسائل والعلم بالأدلة وأهلها٣. وقد عد السيوطي رحمه الله تعالى الاشتغال بنوافل العبادات مع الجهل وترك حمل العلم من البدع٤. ولا شك أن العلم الشرعي هو العلم الذي تعبدنا الله به لأنه هو المأخوذ عن الله وعن أنبيائه ورسله ومن المعلوم أن الله تعالى لا يقبل أي عمل إلا إذا كان موافقا لما أمر به لأن العلم إذا لم يكن شرعيا

стр. 755

من الله تعالى كان وضعيا من استحسانات البشر ومفاهيمهم القاصرة وما يذكر من تزهيد أقطاب التصوف وغيرهم عن العلم الشرعي فإنما هو دليل على تلاعب الشيطان بهم. واتباعهم لهوى أنفسهم يتمثل هذا في قولهم يعيبون على أهل الشريعة: "أخذتم علمكم ميتا عن ميت حدثني فلان أين هو؟ قالوا: مات. عن فلان أين هو؟ قالوا: مات. فعلمنا عن الحي القيوم يقول أحدنا: حدثني قلبي عن ربي" ١ وغير ذلك من عباراتهم التي يعيبون بها العلوم الشرعية والذين يسمون أصحابها بأصحاب القراطيس. تنفيرا عنهم وترغيبا فيما ابتدعوه في الدين بجهلهم الذي يزعمون أنه يعتمدون فيه على العلم اللدني الذي يتباهون بحصولهم عليه كذبا وافتراء وزخرفا من القول غرورا.

стр. 756

الفصل التاسع: موقفه من أهل الذمة تمهيد: قد سبق أن ذكرنا موقف عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى من أهل الأهواء والبدع، وسنذكر الآن موقفه من أهل الذمة وهم:- أهل الأديان الأخرى غير الإسلام المعاهدين على دفع الجزية للمسلمين. أما موقفه من أهل الحرب؛ فقد كان متبعا منهج الرسول ﷺ ومنهج خلفائه الراشدين حيث كتب إلى ملوك السند يدعوهم إلى الإسلام كما فعل الرسول ﷺ مع فارس والروم، ووعدهم عمر بأن يملكهم بلادهم ولهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، وكانت سيرته قد بلغتهم فأسلم "جيشبة بن زاهر" والملوك، وتسموا له بأسماء العرب ... وبقي ملوك السند مسلمين على بلادهم أيام عمر ويزيد بن عبد الملك ... ١. كما كتب إلى ملك الروم قيصر يدعوه إلى الإسلام٢. أما ما يخص أهل الذمة الموجودين تحت سلطته فيتضح موقفه منهم فيما أثر عنه من الآثار الآتية:

стр. 757

٣٢٩/١- ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن القاسم، عن عياش بن سليم، عن عمر بن عبد العزيز في الذمي يوصي بالكنيسة يوقف وقفا من ماله للنصارى أو لليهود. قال: يجوز ذلك١. ٣٣٠/٢- وقال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني سويد، عن حصين، عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: إن أسلم والجزية في كفة الميزان فلا تؤخذ منه٢. ٣٣١/٣- وقال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عمر بن محمد، عن عمرو بن المهاجر، عن عمر بن عبد العزيز، في الذمي يسلم قبل السنة بيوم، قال: لا تؤخذ منه الجزية٣. ٣٣٢/٤- أبو عبيد القاسم بن سلاَّم قال: حدثني سعيد بن أبي مريم، عن عبد الله بن عمر العمري، عن سهيل بن أبي صالح، عن رجل من الأنصار، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن - وهو بالعراق - أن أخرج للناس أعطياتهم فكتب إليه عبد الحميد إني قد أخرجت للناس أعطياتهم، وقد بقي في بيت المال مال. فكتب إليه: أن انظر كل من أدان في غير سفه ولا سرف فاقض عنه، قال قد قضيت

стр. 758

عنهم وبقي في بيت المال مال فكتب إليه أن زوج كل شاب يريد الزواج، فكتب إليه: إني قد زوجت كل من وجدت، وقد بقي في بيت مال المسلمين مال. فكتب إليه بعد مخرج هذا: أن انظر من كانت عليه جزية فضعف عن أرضه، فأسلفه ما يقوي به على عمل أرضه، فإنا لا نريدهم لعام ولا لعامين١. ٣٣٣/٥- وقال: حدثنا حفص بن غياث، عن أبي بن عبد الله، قال: أتانا كتاب عمر بن عبد العزيز: "لا تهدموا كنيسة ولا بيت نار، صولحوا عليه، ولا تحدثوا كنيسة ولا بيت نار، ولا تحدوا شفرة، على رأس بهيمة، ولا تجمعوا بين صلاتين إلا من عذر"٢. ٣٣٤/٦- ابن عبد الحكم قال: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: أما بعد: فإن المشركين نجس حين جعلهم الله جند الشيطان، وجعلهم ﴿الأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ

стр. 759

صُنْعاً﴾ ١، فأولئك لعمري ممن تجب عليهم باجتهادهم لعنة الله ولعنة اللاعنين. وإن المسلمين كانوا فيما مضى إذا قدموا بلدة فيها أهل الشرك يستعينون بهم لعلمهم بالجباية، والكتابة، والتدبير، فكانت لهم في ذلك مدة فقد قضاها الله بأمير المؤمنين فلا أعلم كاتبا، ولا عاملا، في شيء من عملك على غير دين الإسلام إلا عزلته واستبدل مكانه رجلا مسلما، فإن محق أعمالهم محق أديانهم. فإن أولى بهم إنزالهم منزلتهم التي أنزلهم الله بها من الذل والصغار، فافعل ذلك واكتب إلي كيف فعلت. وانظر فلا يركبن نصراني على سرج وليركبوا بالأكف، ولا تركبن امرأة من نسائهم راحلة، وليكن مركبها على إكاف٢ ولا يفحجوا على الدواب، وليدخلوا أرجلهم من جانب واحد، وتقدم في ذلك إلى عمالك حيث كانوا، واكتب إليهم كتابا في ذلك بالتشديد واكفنيه، ولا قوة إلا بالله٣.

стр. 760

٣٣٥/٧- ابن عبد الحكم قال: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: أن لا يمشين نصراني إلا مفروق الناصية، ولا يلبس قباء١، ولا يمشي إلا بزنار٢ من جلود، ولا يلبس طيلسانا٣، ولا سراويل ذات خدمة، ولا نعلا لها عذبة٤، ولا يوجدن في بيته سلاح إلا انتهب٥. ٣٣٦/٨- أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد ابن إسحاق، ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، أن عمر كتب: أن امنعوا اليهود، والنصارى من دخول مساجد المسلمين، واتبع نهيه قول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ ٦...."٧ ٣٣٧/٩- أبو يوسف القاضي قال: حدثني عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله:

стр. 761

أما بعد: فلا تدعن صليبا ظاهرا، إلا كسر، ومحق، ولا يركبن يهودي ولا نصراني على سرج، وليركب على إكاف، ولا تركبن امرأة من نسائهم على رحالة، وليكن ركوبها على إكاف، وتقدم في ذلك تقدما بليغا، وامنع من قبلك فلا يلبس نصراني قباء، ولا ثوب خز ولا عصب، وقد ذكر لي أن كثيرا ممن قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم، وتركوا المناطق على أوساطهم، واتخذوا الجمام والوفر١، وتركوا التقصيص، ولعمري لئن كان يصنع ذلك فيما قبلك، إن ذلك بك لضعف، وعجز، ومصانعة، وإنهم حين يراجعون ذلك ليعلموا ما أنت فانظر كل شيء نهيت عنه فاحسم عنه من فعله والسلام٢. التعليق: هذه الآثار تدل على مدى سعة فكر عمر بن عبد العزيز وفقهه وعلى التسامح الذي أشاعه بين الناس من ناحية موقفه من أهل الذمة حيث أنه

стр. 762

كان يعاملهم بالرفق، وعدم إرهاقهم بما يشق عليهم ترغيبا لهم في الإسلام، وكذلك أيضا قد عف عن ما في أيديهم. وكان همه الإسلام أولا، لا الجزية، وإثراء بيت المال، فقد أمر عماله أن يضعوا الجزية عن الذمي إذا أسلم حتى ولو كانت تلك الجزية في الميزان، وقد عوضه الله بخير عميم فامتلأت خزائنه بالمال لحسن نيته حيث كان ينفق المال بسخاء للمحتاجين، على اختلافهم فيساعد من يحتاج من المزارعين الذميين ما يتقوون به على الاستفادة من أراضيهم، وغير ذلك من الأعمال التي تذكر له تأسيا برسول الله ﷺ ، وخلفائه ﵃، وهذا دلالة على أن من ترك شيئاً لله عوضه الله بخير منه. ولهذا أصبح عمر ﵀ مثال الحاكم العابد، والزاهد، العفيف. وقد أمرنا الله ﵎ بأن نعامل أهل الكتاب معاملة حسنة لا سيما الذين لم يقاتلونا في الدين فقال: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ١.

стр. 763

فهذه الآية تأمرنا بالرفق بضعيفهم وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، واكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف والرحمة، لا على سبيل الخوف والذلة١. وأما ما يخص أهل الذمة القادرين على أداء الجزية فقد أمرهم بأن لا يتشبهوا بالمسلمين في اللباس، والمركب، والهيئة، ويؤخذ عليهم عهدا بأن يجعلوا في أوساطهم الزنارات مثل الرمانة من خشب، وبأن يجعلوا شراك نعالهم مثنية، ولا يحذوا على حذو المسلمين، وتمنع نساؤهم من ركوب الرحائل، ويمنعوا من أن يحدثوا بناء بيعة أو كنيسة في المدينة إلا ما كانوا صولحوا عليه، وصاروا ذمة، وهي بيعة لهم أو كنيسة. فما كان كذلك تركت لهم ولم تهدم، وكذلك بيوت النيران، ويتركون يسكنون في أمصار المسلمين وأسواقهم يبيعون، ويشترون، ولا يبيعون خمرا ولا خنزيرا، ولا يظهرون الصلبان في الأمصار٢، وهذا ما أمر به عمر رحمه الله تعالى تأسيا بعمر بن الخطاب ﵁ ويبدو من الآثار الواردة عن عمر أنه وجد أن أهل الذمة في زمنه قد انقسموا إلى ثلاثة أقسام: ١- قسم قد حُمِّلوا ما لا يطيقون دفعه من قبل بعض العمال فأزال عنهم هذا الظلم

стр. 764

٢- وقسم قد خرجوا عن الحدود المرسومة لهم بعهودهم فتطاولوا على المسلمين، وتلبسوا بحالات تشبهوا فيها بالمسلمين في أزيائهم ومراكبهم، فرأى عمر أن في ذلك خروجا منهم عن مكانتهم بحسب الشروط الواردة في عهودهم. ٣- وقسم قد وَلّوا مناصب هامة في جبابة الزكاة، والفيء، والمواريث، فرأى عمر أن هذا خروج عن العهد الذي عليهم وهو دفع الجزية عن يد وهم صاغرون. فأعادهم إلى عهدهم ومكانهم. فعمر رحمه الله تعالى يعزل من لا يثق في عقيدته، وقد كانت معاملته مع أهل الذمة مضرب المثل في العدالة. وقد تقدم في فضائله شيء من ذلك. ولم يأمر أهل الذمة بأن يلبسوا لباسا خاصا إلا لحرصه عليهم من أن يصيبهم مكروه ولو خطئا، لأن المسلمين مطالبون بفرائض وواجبات عليهم أن يؤدوها، ولم يكن هناك ما يحدد الهوية فإن لم يتميز الأشخاص بملابسهم وهيآتهم لوقع اللبس، كمن يقف مثلا خارج المسجد والصلاة تصلى وهو يلبس ملابس المسلمين فلا شك أن ذلك يوجب المساءلة والاتهام أما إذا كان يلبس ملابس أهل الذمة فلا يتهم١ ويمكن أن يكون ذلك من باب التصغير لهم والتحقير لعلهم يسلمون أو يبقوا مكسورين والله أعلم.

стр. 765

الخاتمة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه ومن والاه ١- وبعد: فقد تناولنا من خلال التمهيد والأبواب الثلاثة المتقدمة الآثار الواردة عن عمر في العقيدة، فكان التمهيد مخصصا بالتعريفات؛ تعريف مفردات عنوان الرسالة، وتعريف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وتبين منها أن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- قد ولد بالمدينة النبوية عام ٦١هـ ونشأ وتربى فيها وأخذ عن علمائها وفقهائها السبعة وبذل جهداً كبيراً في تدوين السنة وإحيائها، وإماتة البدع، ومحو آثارها. وقد أُمِّر على المدينة، وحمدت سيرته، وجعل بطانته العلماء الأبرار ثم نحي عنها وسافر إلى الشام ثم ولي الخلافة وكان رحمه الله تعالى صاحب فضائل جمة، ومناقب مشهورة، وتوجد مبالغات في بعض ما ينسب له من الفضائل. وقد تأثر بجده عمر بن الخطاب ﵁ واقتدى بسيرته في الحكم، ويكاد علماء السلف يجمعون على أنه هو المجدد للقرن الأول، وقد سخر ولايته لخدمة السنة، والعقيدة الصحيحة، وبذل جهداً كبيراً وكتب رسائل عديدة طويلة كتبها إلى عماله في ذلك، وقد كانت وفاته خسارة فادحة للمسلمين في عام ١٠١هـ في أخريات رجب عن أربعين عاما على أصح الأقوال.

стр. 766

٢- وكان ﵀ على طريقة السلف الصالح في الحرص على الدعاء والاهتمام بآدابه، وشروطه والنهي عن الابتداع فيه، وكان يرى جواز التبرك بمقتنيات الرسول ﷺ فقط. ٣- وتبين من خلال الآثار المنقولة عنه حرصه الشديد على إظهار الشكر لله تعالى وتوسطه بين الخوف والرجاء، وكان ينهى عن التطير ويأمر بالتوكل ويأخذ بالأسباب المباحة كما كان ينهى عن اتخاذ القبور مساجد. ويأمر بقتل الساحر إذا ثبت سحره. ٤- إن عمر رحمه الله تعالى كان على منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وأنها توقيفية، وأزلية. ٥- وكان عمر رحمه الله تعالى على طريقة السلف في الإيمان بالملائكة والكتب والرسل وخصائص النبي ﷺ وفضائل أصحابه، وحقوق أهل بيته. ٦- وتبين من خلال الآثار الواردة عنه الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، وأنهما على الروح، والجسد معاً. كما تبين منها الإيمان بالمعاد، والحوض، والميزان، والصراط، والجنة والنار، ورؤية المؤمنين ربهم في الجنة. ٧- وكان يحرص على إيضاح مسائل الإيمان بالقدر وذكر أركانه، ويزجر عن الخوض فيه بالعقل المجرد، ويحث على التسليم لما قضى الله وقدر.

стр. 767

٨- وقد تبين من تلك الآثار موقف عمر من زيادة الإيمان ونقصانه، وكونه يشمل الأعمال، والأقوال، والاعتقادات، وموقفه من مرتكب الكبيرة، وتكفير المعين، ولعنه، والحكم عليه أوله بالجنة أو النار، وبيان بعض نوا قض الإيمان كالردة، وإنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة وغيرهما. وأنه كان في كل ذلك على نهج السلف. ٩- وتبين أن الاعتصام بالكتاب والسنة، ولزوم الجماعة، وتجريد المتابعة للنبي ﷺ والحض على لزوم السنة، والذب عنها والتمسك بما تدل عليه أخبار الآحاد، وما تدل عليه الفطرة من منهج عمر في العقيدة. ١٠- إن عمر كان يعتصم بسنة الخلفاء الراشدين، ويحذر من الأهواء كلها والبدع، وكان يبين سمات أهلها، ويحذر الناس من الاتصاف بها، ويحذر من الخصومات إذا كانت عن جهل أو في ما نهى الله ورسوله عنه أو كانت بباطل، ويحث على الجدال بالتي هي أحسن؛ كما جاء في القرآن، وقد كان رحمه الله تعالى مجتهدا في إيضاح الحق، عالماً، عاملاً. وله مواقف مشهورة ومشكورة تجاه أهل الأهواء والبدع. ١١- إن موقف عمر رحمه الله تعالى من أهل البدع من الخوارج، والشيعة، والقدرية، والجهمية، والمرجئة وغيرهم من أهل الأهواء والبدع هو موقف السلف الصالح حيث ناظر الخوارج، وبين لهم خطأهم ثم حاربهم، وحذر الناس من مبادئ الشيعة، كما ناظر القدرية وسألهم عن علم الله تعالى فإن أقروا به خصموا وإن جحدوا به كفروا، ثم بين له

стр. 768

خطأهم في فهم النصوص. ثم حكم عليهم، كما حكم على غيرهم من فرق الضلال، كالذين يعبدون الله بغير علم من الفرق الضالة. ١٢- إن موقفه من أهل الذمة هو ما دل عليه الكتاب والسنة وعمل به السلف الصالح من الإحسان إليهم، وعدم إرهاقهم عنتا، وتسليفهم ما يحتاجون إليه من مال، وإنفاذ ما تصدقوا به على ذويهم، وحثهم على الدخول في الإسلام ماديا، ومعنويا، وغير ذلك من الإحسان إليهم. وأن هذا كان له تأثير عظيم في نفوس أهل الذمة ودخولهم في الإسلام. هذا ما تيسر التنبيه عليه حيث اكتفيت بذكر أهم ما ينبغي الوقوف عليه من الآثار الواردة عن هذا الخليفة العابد، الزاهد، وأرجو الله أن أكون قد أسهمت إسهاما نافعا في بيان هذا الجانب من حياة عمر بن عبد العزيز. والكمال لله تعالى.

стр. 769

مصادر ومراجع ... فهرس المصادر والمراجع المصادر المخطوطة القدر للفريابي مخطوط بالجامعة الإسلامية برقم (٢٥٧٠) . تاريخ دمشق لابن عساكر مخطوط بالجامعة الإسلامية جـ ١٣، وجـ ١٩. المصادر المطبوعة الآثار الواردة عن أئمة السنة في أبواب الاعتقاد من كتاب سير أعلام النبلاء إعداد الدكتور جمال بادي بن أحمد بشير ط. دار الوطن الرياض ط. الأولى عام ١٤١٦هـ. آداب الشافعي ومناقبه للإمام الجليل عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة ط. الثانية عام ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م. أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز ﵀ وسيرته للآجري تحقيق الدكتور عبد الله عبد الرحيم عسيلان، الطبعة الثانية عام ١٤١٢هـ - ١٩٨٢م. أخبار الآحاد في الحديث النبوي حجيتها مفادها والعمل بموجبها للشيخ عبد الرحمن بن جبرين ط. دار عالم الفوائد عام ١٤١٦هـ

стр. 770

الأخلاق المتبولية لعبد الوهاب الشعراني تحقيق د/منيع عبد الحليم محمود ط. دار التراث العربي القاهرة. عام ١٩٧٤م. الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار ﷺ للنووي ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان. الأسماء الحسنى معانيها وآثارها رسالة دكتوراه لم تنشر بعد للدكتور رفيع اوَّنْلا النجيري حفظه الله. أصول الدين لعبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي ط. دار المدينة للطباعة والنشر بيروت وطبعة مدرسة الإلهيات بدار الفنون التركية باستانبول ط, الأولى عام ١٣٤٦هـ ١٩٢٨م استانبول. الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني تحقيق إبراهيم الأبياري ط. دار الشعب مصر عام ١٣٨٩هـ - ١٩٦٩م. الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع للسيوطي دراسة وتحقيق مصطفى عبد القادر عطا ط. دار الكتب العلمية ط. الأولى عام ١٤٠٨هـ ١٩٨٨م بيروت لبنان. الأهواء والفرق والبدع عبر تاريخ الإسلام مسيرة ركب الشيطان النشأة والأسباب تأليف د/ناصر عبد الكريم العقل ط. دار الوطن الرياض ط. الثانية عام ١٤١٧

стр. 771

الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة لابن بطة العكبري تحقيق ودراسة رضا بن نعسان معطي ط. دار الراية الرياض ط. الثانية عام ١٩٩٤م - ١٤١٥هـ. الإبانة لابن بطة كتاب القدر الثاني تحقيق ودراسة د/عثمان عبد الله الأثيوبي ط. دار الراية الرياض عام ١٤١٥هـ. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل تأليف محمد ناصر الدين الألباني ط. المكتب الإسلامي ط. الأولى عام ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م بيروت ودمشق. الاعتصام للشاطبي ضبطه وصححه الأستاذ أحمد عبد الشافي ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط. الثانية عام ١٤١١هـ - ١٩٩١م. إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن قيم الجوزية ط. دار المعرفة بيروت لبنان. الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به للباقلاني تحقيق عماد الدين أحمد حيدر ط. عالم الكتب بيروت عام ١٤٠٧هـ - ١٩٨٦م. ط. الأولى. الإيمان أركانه، حقيقته، نواقضه للدكتور محمد نعيم ياسين ط. الأولى عام ١٣٩٨هـ. الإيمان بالقضاء والقدر تأليف محمد بن إبراهيم الحمد ط. دار الوطن ط. الثانية عام ١٤١٦هـ.

стр. 772

الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية خرج أحاديثه محمد ناصر الدين الألباني ط. المكتب الإسلامي بيروت لبنان عام ط. الثانية عام ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م. اشتقاق أسماء الله الحسنى لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي تحقيق الدكتور عبد الحسين المبارك ط. مؤسسة الرسالة بيروت ط. الثانية عام ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م. الاعتصام للشاطبي ط. دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان. الاعتقاد على مذهب السلف وأهل السنة والجماعة للبيهقي ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان عام ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م. الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط. الأولى عام ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م. الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي تحقيق سيف الدين أحمد الكاتب ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط. الثانية عام ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م. باب ذكر المعتزلة من كتاب المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل لأحمد بن يحيى بن المرتضى اعتنى بتصحيحه توماارنلد ط. دار صادر بيروت عن طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن عام ١٣١٦هـ.

стр. 773

الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير الدمشقي تأليف أحمد محمد شاكر ط. دار الفكر. بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية ضبط نصه وخرج آياته أحمد عبد السلام مكتبة الباز ط. الأولى عام ١٤١٤هـ ١٩٩٤م دار الكتب العلمية بيروت لبنان. البداية والنهاية لابن كثير ط. الأولى عام ١٣٥١هـ - ١٩٣٣م ط. دار الفكر العربي الجزرة جـ، م، ع. البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة لأبي الوليد ابن رشد القرطبي وضمنه المستخرجة من الاسمعة المعروفة بالعتبية لمحمد العتبي القرطبي تحقيق الدكتور محمد حجي ط. دار الغرب الإسلامي بيروت لبنان عام ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م. ط. الثانية. البيهقي وموقفه من الإلهيات للشيخ الدكتور أحمد بن عطية الغامدي ط. المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية عام ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م ط. الثانية. تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ط. دار الكتاب العربي بيروت لبنان عن طبعة كردستان العلمية عام ١٣٢٦هـ.

стр. 774

تاج العروس من جواهر القاموس تأليف السيد محمد مرتضى الزبيدي تحقيق عبد الستار أحمد فراج بإشراف إبراهيم الترزي ط. دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان عام ١٣٨٥هـ - ١٩٦٥م. تاريخ أبي زرعة الدمشقي تحقيق شكر الله نعمة الله القوجاني مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق. تاريخ أبي زرعة الدمشقي وضع حواشيه خليل المنصور ط. دار الكتب العلمية بيروت لبنان عام ١٤١٧هـ - ١٩٩٦م ط. الأولى. تاريخ الإسلام للذهبي تحقيق د/بشار عواد معروف والشيخ شعيب الأرناؤوط ود/ مهدي عباس ط. مؤسسة الرسالة ط. الأولى عام ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م. تاريخ الخلفاء للسيوطي تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ط. الأولى مطبعة السعادة بمصر عام ١٣٧١هـ - ١٩٥٢م. تاريخ الخلفاء للسيوطي ط. مطبعة الفجالة الجديدة الرابعة عام ١٣٨٩هـ. تاريخ الرسل والملوك لابن جرير الطبري تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ط. دار المعارف بمصر عام ١٩٦٤م. تاريخ الموصل للشيخ أبي زكريا يزيد بن محمد الأزدي تحقيق د/ علي حبيبة ط. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر القاهرة عام ١٣٨٧هـ - ١٩٦٧م.

стр. 775

تاريخ اليعقوبي ط. دار صادر بيروت لبنان عام ١٣٧٩هـ - ١٩٦٠م. تاريخ بغداد أو مدينة السلام للحافظ أحمد بن علي الخطيب البغدادي الناشر دار الكتاب العربي بيروت لبنان. تاريخ خليفة بن خياط العصفري ط. مكتبة دار الكتب العلمية تحقيق د/ مصطفى نجيب ود/ حكمت فواز. تاريخ داريا للقاضي عبد الجبار الخولاني حققه وقدم له سعيد الأفغاني ط. دار الفكر دمشق تصوير عام ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م. تاريخ قضاة مصر ومعه تسمية قضاتها لأبي عمر محمد بن يوسف الكندي المصري ط. مؤسسة الكتب الثقافية بيروت ط. الأولى عام ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م. تاريخ مدينة دمشق تصنيف الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي المعروف بابن عساكر دراسة وتحقيق محب الدين أبي سعيد عمر غرامة العمروي ط. دار الفكر ط. الأولى عام ١٤١٧هـ - ١٩٩٦م. التبرك أنواعه وأحكامه تأليف الدكتور ناصر عبد الرحمن بن محمد الجديع الناشر مكتبة الرشد الرياض عام ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م الطبعة الثالثة. التبرك المشروع والممنوع للدكتور علي بن نفيع العلياني ط دار الوطن للنشر الرياض ط. الأولى عام ١٤١١هـ.
следующие страницы →