السادس: الامتنان: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ ١ والفرق بينه وبين الإباحة أن الإباحة مجرد إذن وأنه لا بد من اقتران الامتنان بذكر احتياج الخلق إليه وعدم قدرتهم عليه ونحو ذلك كالتعرض في هذه الآية إلى أن الله تعالى هو الذي رزقه والعلاقة بين الامتنان والوجوب المشابهة في الإذن أن الممنون لا يكون إلا مأذونا فيه.
السابع: الإكرام: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ ٢ فإن قرينة قوله بسلام آمنين يدل عليه والعلاقة أيضا الإذن.
الثامن: التسخير: مثل: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ٣ والفرق بينه وبين التكوين أن التكوين سرعة الوجود عن العدم وليس فيها انتقال إلى حالة ممتهنة بخلاف التسخير فإنه لغة الذلة والامتهان في العمل والعلاقة فيه وفي التكوين المشابهة المعنوية وهي تحتم الوقوع وقد سمى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين هذا القسم بالتكوين.
التاسع: التعجيز: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ ٤ والعلاقة المضادة إذ لا يكون التعجيز إلا في الممتنع
العاشر: الإهانة: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ ٥
الحادي عشر: التسوية: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ ٦
الثاني عشر: الدعاء: مثل القائل: اللهم اغفر لي وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ ٧
الثالث عشر: التمني: مثل قول امرىء القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا أنجلي٨
стр. 422
وقد يقال لم جعل المصنف هذا الشاعر متمنيا ولم يجعله مترجيا مع أن التمني مختص بالمستحيل وانجلاء الليل غير مستحيل والجواب أن المحب ينزل ليله لطوله منزلة ما يستحيل انجلاؤه ولهذا قال الشاعر:
ليل المحب بلا آخر
الرابع عشر: الإحتقار: كقوله تعالى حكاية عن موسى ﵇ يخاطب السحرة: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ١ يعني أن السحر وإن عظم ففي مقابلة ما أتى به موسى ﵇ حقير والفرق بينه وبين الإهانة أن الإهانة إنما تكون بالقول أو الفعل أو بتركهما دون مجرد الاعتقاد والاحتقار إما مختص بمجرد الاعتقاد أو لا بد من الاعتقاد بدليل أن من اعتقد في شيء أنه لا يعبأ به ولا يلتفت إليه يقال إنه احتقره ولا يقال أهانه ما لم يصدر منه قول أو فعل ينبي عن ذلك.
الخامس عشر: التكوين: كن فيكون. وقد سما الغزالي إلى هذا القسم بكمال القدرة وتبعه الآمدي.
السادس عشر: الخبر مثل قوله ﷺ : "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" ٢
أي صنعت ما شئت.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام هو هذا تهكم إذ معناه اعرضه على نفسك فإن استحيت منه لو اطلع عليه فلا تفعله وإن لم تستح فاصنع ما شئت من هذا الجنس وعلى هذا التفسير يحتاج هذا القسم إلى مثال وأمثلة كثيرة.
стр. 423
قوله وعكسه أي قد يستعمل الخبر ويراد به الأمر مثل قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ ١ المعنى والله أعلم ليرضع الوالدات أولادهن وهذا أبلغ من عكسه لأن الناطق بالخبر مريدا به الأمر كأنه نزل المأمور به منزلة الواقع قوله: "لا تنكح المرأة المرأة" ٢ يعني أن الخبر قد يأتي مرادا به النهي كما قد يقع مرادا به الأمر وذلك أعني مجيئه مرادا به النهي كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة بإسناد جيد أن رسول الله ﷺ قال:
"لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها" فإن صيغته خبر لوروده مضموم الجيم ولو كان نهيا لكان مجزوما مكسورا لالتقاء الساكنين والمراد به النهي فهذا شرح الأقسام الستة عشر التي في الكتاب وهي في الحقيقة أكثر لاشتمال بعض أقسامها على نوعين كما عرفت وقد زاد إمام الحرمين في البرهان الأمر بمعنى الإنعام كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ٣ قال هذا وإن كان فيه معنى الإباحة فان الظاهر منه تذكير النعمة وزاد أيضا الأمر بمعنى التعويض كقوله: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ ٤ وزاد صفي الدين الهندي تاسع عشر وهو التعجب ومثل له بقوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ ٥ وهذا المثال جعله الآمدي وابن برهان من قسم التعجيز ورأيت في طبقات الفقهاء لأبى عاصم العبادي في ترجمة أبى إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي زيادات أخر منها التعجب كما قال الشيخ الهندي لكن مثل له بقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ ٦ ومنها الأمر بمعنى التكذيب مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٧ وقوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ ٨ ومنها الأمر بمعنى المشورة مثل:
стр. 424
﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ ١ وزاد أبو عاصم أيضا في غير هذه الترجمة الأمر بمعنى الاعتبار مثل قوله: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ ٢ والأمر بمعنى التسليم مثل:
﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ وهذا قد تقدم عن إمام الحرمين وقد وصلت الأقسام بزيادات أبى عاصم وإمام الحرمين والقسم الذي ذكره الهندي إلى اثنين وعشرين.
قال: الثانية: أنها حقيقة في الوجوب مجاز في البواقي وقال أبو هاشم:
إنه للندب وقيل للإباحة وقيل مشترك بين الوجوب والندب وقيل للقدر المشترك بين الوجوب والندب وقيل للقدر المشترك بينهما وقيل لأحدهما ولا نعرفه وهو قول الحجة وقيل مشترك بين الثلاثة وقيل بين الخمسة.
أجمعوا على أن صيغة أفعل ليست حقيقة في جميع المعاني التي أوردناها وإنما الخلاف في بعضها وقد اختلفوا فيه على مذاهب:
أحدها: أنه حقيقة في الوجوب فقط مجاز في البواقي وهو المحكي عن الشافعي ﵁.
وقال إمام الحرمين: في التلخيص المختصر من التقريب والإرشاد وأما الشافعي فقد أدعى كل من أهل المذاهب أنه على وفاقه وتمسكوا بعبارات متفرقة له في كتبه حتى اعتصم القاضي بألفاظ له من كتبه واستنبط منها مصيره إلى الوقف وهذا عدول عن سنن الإنصاف فان الظاهر والمأثور من مذهبه حمل مطلق الأمر على الوجوب انتهى ونقله الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع وابن برهان في الوجيز عن الفقهاء واختاره الإمام واتباعه منهم المصنف.
قال الشيخ أبو اسحاق وهو الذي أملاه الشيخ أبو الحسن على أصحاب أبى إسحاق يعني المروزي ببغداد ثم اختلف القائلون بهذا المذهب في أن اقتضاها الوجوب هل هو بوضع اللغة أم بالشرع على مذهبين وصحح الشيخ أبو إسحاق أنه بوضع اللغة ونقله إمام الحرمين عن الشافعي.
стр. 425
والثاني: أنها حقيقة في الندب. قال الغزالي ومنهم من نقله عن الشافعي وقد نقله في الكتاب عن أبي هاشم والغزالي نقله عن كثير من المتكلمين دهماؤهم المعتزلة أي دهماء الكثير من المتكلمين وجماعة من الفقهاء.
قال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع الذي تحكي الفقهاء عن المعتزلة أنها تقتضي الندب وليس هذا مذهبهم على الاطلاق بل ذلك بواسطة أن الأمر عندهم يقتضي الإرادة والحاكم لا يريد الا الحسن والحسن ينقسم إلى واجب ومندوب فيحمل على المحقق من الاسم وهو الندب فليست الصيغة عندهم مقتضية للندب الا على هذا التقدير.
قلت: ويلزمهم أو أكثرهم على هذا التقدير القول بالإباحة لأن المباح عند أكثرهم حسن كما سبق في أوائل الكتاب.
الثالث: أنها حقيقة في الإباحة التي هي أدنى المراتب.
الرابع: أنها مشتركة بالاشتراك اللفظي بين الوجوب والندب وهو المحكي عن المرتضى من الشيعة وقال الغزالي صرح الشافعي في كتاب أحكام القرآن بتردد الأمر بين الوجوب الندب.
الخامس: أنها حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو الطلب فيكون متواطئا وهو رأي الإمام أبى منصور الماتريدي.
السادس: حقيقة إما في الوجوب وإما في الندب وإما فيهما جميعا بالاشتراك اللفظي لكنا لا ندري ما هو الواقع من هذه الأقسام الثلاثة:
ويعرفون ان لا رابع وهذا محكي عن طائفة من الواقعية كالشيخ والقاضي واختاره الغزالي والآمدي هذا هو تحرير هذا المذهب وقول المصنف في حكايته وقيل لأحدهما ولا نعرفه غير مرضي بوجهين:
أحدهما: تصريحه يتردد هذا المذهب بين شيئين وليس كذلك بل بين ثلاثة كما سقناه.
وثانيهما: أنه على تقدير صحة هذا بأن يكون بعض الناس ذهب إلى تردد بين
стр. 426
شيئين فليس قول الغزالي إنما اختار الغزالي ما أوردناه وهذه عبارة المستصفي وقد ذهب ذاهبون إلى أن وضعه للوجوب وقال قوم بل للندب وقال قوم يتوقف فيه ثم منهم من قال هو مشترك كلفظ العين ومنهم من قال لا ندري أيضا أنه مشترك أو وضع لأحدهما واستعمل في الثاني مجازا والمختار أنه يتوقف فيه انتهى.
وقد حكى الشيخ الهندي عن الشيخ والقاضي وإمام الحرمين والغزالي التوقف في أنه حقيقة في الوجوب فقط أو الندب فقط أو فيهما بالاشتراك اللفظي أو المعنوي وهذا مغاير لهذا الذي سقناه عن الغزالي لتردده بين أربعة لا ثلاثة والذي في المستصفي ما رأيته وأما الشيخ والقاضي فقد ذكرنا النقل عنهما في أول هذا الفصل من كلام إمام الحرمين وأما إمام الحرمين فالذي صرح باختياره ما نصه من أنكر أن العرب ما فصلت بين قول القائل افعل وبين قوله لا تفعل فليس من التحقيق في شيء فإنا على اضطرار نعلم الفصل في ذلك كما نعلم الفصل بين قول القائل فعل وبين قوله ما فعل ولا معنى لبسط ذلك مع وضوحه فإذا سقط هذا رددنا القول إلى الإباحة التي هي تخيير ولا اقتضاء فيها ولا طلب وقلنا لا شك في فصل العرب بين قول من يقول لا حرج عليك فعلت أو تركت وبين قول افعل فان الصيغة الأخيرة مقتضاها طلب لا محالة وليس في الإباحة من الطلب شيء فقد لاح سقوط الإباحة عن متضمن الصيغة ولم يبق الا الندب والندب من ضرورة معناه التخيير في الترك وليس في قول القائل افعل تخيير في الترك أصلا وقد تعين الآن أن نبوح بالغرض الحق ونقول افعل طلب محض لا مساغ له لتقدير الترك فهذا مقتضى اللفظ المجرد عن القرائن فان قيل هذا مذهب الشافعي واتباعه وهو المصير إلى اقتضاء اللفظ إيجابا قلنا ليس كذلك فان الوجوب عندنا لا يعقل دون التقييد بالوعد على الترك وليس ذلك مقتضى تمحيص الطلب فإذا الصيغة لتمحيص الطلب والوجوب مدرك من الوعيد هذا لفظه ثم قال وأنا أبني على منتهى الكلام شيئا يقرب ما اخترته من مذهب الشافعي فأقول ثبت في موضوع الشرع أن التمحص في الطلب موعد على تركه وكلما يكون كذلك فلا يكون إلا واجبا انتهى.
стр. 427
وحاصل هذا الذي اختاره حمل الصيغة على الاقتضاء والطلب وقصار المستفاد منها من جهة اللسان الطلب الجازم وكون هذا الطلب موعدا عليه شيء آخر ثابت في أوامر الشرع بالدليل الخارجي فالوجوب مستفاد بهذا التركيب من اللغة والشرع فقد وافق القائلين بالوجوب وإن كان قد خالفهم في هذا التركيب ونقل المازري في شرح البرهان هذا الذي اختاره إمام الحرمين عن الشيخ أبى حامد الإسفرايني وقال إنه صرح به وسبقه إلى اختياره فأشار إلى أن الأمر يقتضي حصر المأمور على الفعل فاقتضاه منه اقتضاء جزما ولكن إذا ثبت هذا من جهة اللسان ثبت بعده الوعيد وهذا هو الذي اختاره الشيخ أبو حامد وإمام الحرمين هو المختار عندنا فان الوعيد لا يستفاد من اللفظ بل هو أمر خارجي عنه ولكننا نقول المنقول عن الشافعي أن الصيغة تقتضي الوجوب ومراده الصيغة الواردة فى الشرع إذ لا غرض له في الكلام في شيء غيرها ولم يصرح الشافعي بأن اقتضاها للوجوب مستفاد منها فلعله يرتضي هذا التركيب ويقول به ويكون ما ذهب إليه الشيخ أبو حامد وإمام الحرمين هو الذي ذهب إليه إمامهما.
واعلم أن هذا المذهب المختار مغاير للمذهبين اللذين حكياهما عند حكاية القول بالوجوب في ان ذلك هل هو بالشرع أو اللغة فتصير المذاهب أربعة:
الوجوب بالشرع والوجوب باللغة والوجوب بضم الشرع إلى اللغة وعدم الوجوب.
فان قلت: كيف يقال بأن الوجوب مستفاد من وضع اللغة؟
قلت: هو بعيد كما أشرنا إليه ولكنه هو مذهب مصرح به كما عرفت وممن ذكره الشيخ أبو اسحاق والقاضي أبو بكر في مختصر التقريب لإمام الحرمين وقال إن الأكثرين من القائلين بأن الصيغة تقتضي الوجوب عليه وأنه كذلك بأصل الوضع لأنه قد ثبت في إطلاق أهل اللغة تسمية من خالف مطلق الأمر عاصيا وتقريعه وتوبيخه بالعصيان عند مجرد ذكر الأمر ولا يستوجب التوبيخ لا بترك واجب فاقتضى ذلك دلالة الأمر المطلق على الوجوب وقال المازري:
стр. 428
صرح بعض أصحابنا بأن الوعيد مستفاد من اللفظ كما يستفاد منه الاقتضاء الجازم فقد ثبت هذا المذهب إلا أنه عندنا ساقط.
قال القاضي في مختصر التقريب: ولسنا نسلم أن في إطلاق اللغة ما يقتضي ان مخالف الصيغة المطلقة المعراة عن القرائن يسمى عاصيا ويستوجب التوبيخ ويقول لهم بم تنكرون على من يزعم أنهم وإن وبخوا تارك الامتثال بسمة العصيان فإنما وبخوه عند تركه امتثال أمر شاهد قرائن أحوال الأمر به دالة على اقتضاء الوجوب فليس يمكنكم أن تزعموا أنهم يوبخون بالعصيان في الأمر المجرد عن القرائن.
قال واسم الأمر يصدق على المجرد والمقترن فمن أين لكم أن ما أطلقوه ينصرف إلى الصيغة المطلقة.
قال ثم نقول على وجه التنزل لسنا نسلم أن يثبت سمة العصيان وصف ذم على الاطلاق إذ قد يرد ذلك في غير موضع استحقاق الذم فإنك تقول أشرت على فلان بكذا فعصاني وعصى مشورتي وإن لم يكن لمشورتك موجبا على من أشرت عليه المذهب.
السابع: أنها بين الثلاثة أعني الوجوب والندب والإباحة واختلف القائلون به فقالت طائفة بالاشتراك اللفظي وقال آخرون بالمعنوي وكلام المصنف محتمل للأمرين.
الثامن أنها مشتركة من الخمسة أعني الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم وهو المشار إليه بقول المصنف وقيل بين الخمسة ومراده الأحكام الخمسة فإن الإمام في المحصول هكذا حكى هذه المذاهب المذكوره في الكتاب.
التاسع: أنه أمر مشترك بين الوجوب والندب والإباحة والإرشاد والتهديد حكاه الغزالي.
العاشر: أن أمر الله تعالى للوجوب وأمر النبي ﷺ للندب إلا ما كان موافقا لنص أو مبينا لمجمل حكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص عن شيخه
стр. 429
أبى بكر الأبهري وكذلك حكاه عنه المازري في شرح البرهان وقال إن النقل اختلف عنه فروي عنه هذا وروي عنه موافقة من قال إنه للندب على الإطلاق هذا ما حضرنا من المذاهب في هذه المسألة.
وقد ادعى الإمام إذ حكى الاتفاق على أن صيغة افعل ليست حقيقة في جميع المحامل المتقدمة أن الخلاف إنما وقع في أمور خمسة الوجوب والندب والإباحة والتنزيه والتحريم وأنت إذا تأملت ما حكيناه من المذاهب علمت أن حصر الخلاف في ذلك ليس بجيد.
стр. 430
أدلة القائلين بأن صيغة "افعل" حقيقة في الوجوب
قال: لنا وجوه: الأول قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ذم على ترك المأمور فيكون واجبا.
استدل على ما ذهب إليه من أن صيغة أفعل حقيقة في الوجوب لوجوه خمسة:
الأول: قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ١ ووجه الحجة منه أن الصيغة وإن كانت صيغة استفهام لكن الاستفهام غير مراد منها لاستحالته على من يستحيل عليه الجهل بل المراد منها الذم والتوبيخ وأنه لا عذر له في الإخلال بالسجود بعد ورود الأمر به ولو لم يكن الأمر للوجوب لما حسن الذم والتوبيخ ورد الآمدي هذا الدليل بأنه لا يلزم من كون هذا الأمر اقتضى الوجوب أن يكون كل أمر كذلك والجواب: أنه لا قائل بالفصل.
واعلم أن الشيخ أبا إسحاق في شرح اللمع أورد من جهة المعتزلة أن ما ذكرتموه من الآيات يدل على أوامر الله ورسوله يدلان على الوجوب ونحن لا ننازع في ذلك إنما ننازع في مقتضى اللفظ لغة وأجاب بأنهم متى سلموا ذلك حصل المقصود إذ المطلوب معرفة مقتضى أوامر الله وأوامر الرسول ﷺ وغرضنا من ايراد هذا السؤال أنه قد يؤخذ منه أن المعتزلة أو ان الشيخ أبا إسحاق اعتقد انهم لا يخالفون في أن أوامر الله وأوامر رسوله ﵇ يقتضي الوجوب وذلك عجيب فإن النقل عنه بخلاف ذلك.
قال: الثاني: ﴿ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ قيل: ذم على التكذيب
стр. 431
قلنا: الظاهر أنه للترك والويل للتكذيب. قيل: لعل قرينة أوجبت.
قلنا: رتب الذم على ترك مجرد افعل.
الدليل الثاني قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ١ ووجه التمسك انه تعالى ذم أقواما على ترك ما قيل لهم فيه افعلوا إذ الآية بسياقها تدل على الذم فلو لم تكن الصيغة للوجوب لما حسن ذلك وانما قلنا إن سياق الآية يدل على الذم لأنه ليس المراد من قوله لا يركعون الإعلام والإخبار لأن ترك الركوع من المكذبين معلوم لكل أحد فيكون ذما لهم واعترض عليه بوجهين.
أحدهما: أنا لا نسلم أن الذم على ترك مقتضى الأمر بل على تكذيب الرسل ويؤيده قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أجاب عنه بأن الظاهر أن الذم على ترك مقتضى الأمر ان رتب الذم على الترك والترتيب يشعر بالغلبة والويل على التكذيب فحينئذ إما ان يكون المكذبون هم التاركين فلهم الويل بسبب التكذيب ولهم العقاب بترك المأمور به إذ الكفار مأمورون بالفروع وإما ان يكونوا غيرهم فيجوز ان يستحق قوم الويل بسبب التكذيب وآخرون العقاب بسبب ترك المأمور به.
هذا تقرير الجواب واعترض النقشواني على الاستدلال بالآية من وجه آخر فقال لا نسلم انه ذمهم على ترك الركوع فقط بل ذمهم على كونهم بحيث لو قيل لهم اركعوا لا يركعون والمراد به انهم غير قابلين للإنذار ونصح الأنبياء وغير ملتفتين إلى دعوتهم قد انطوت جبلتهم على ما يمنعهم من ذلك والرجل قد يتصف بهذه السجية قبل ان يقال له اركع فلا يركع ونحن معترفون بأن هذه الملكة مما يوجب العذاب.
هذا اعتراضه وهو ضعيف وجوابه ما ذكرناه من ان الظاهر ان الذم على ترك مدلول قوله: ﴿ارْكَعُوا﴾ وما ذكره خروج عن حقيقة اللفظ من غير دليل.
والوجه الثاني: وهو يتجه على الدليلين المذكورين هذا الذي نحن فيه والذي تقدم وتوجيهه سلمنا ان الذم على الترك لكن فعل الأمر اقترنت به
стр. 432
قرينة تقتضي إيجابه فان الصيغة إذا اقترنت بها قرينة صرفتها إلى ما دلت عليه اجماعا أجاب عنه بأنه رتب الذم على مجرد ترك المأمور به وترتيب الحكم على الوصف يشعر بالغلبة فيكون نفس الترك علة وما ادعيتم من القرينة الأصل عدمه.
فإن قلت: هذا الاحتمال وان كان على خلاف الأصل فهو قادح في القطع والمسألة قطعية.
قلت: أما من قال ان المسألة ظنية كأبي الحسين البصري وغيره فيجب بمنع كونها قطعية واما من قال بأنها قطعية فيجب بأن كل واحد مما يذكر من الأدلة وإن كان لا يفيد القطع لكن المجموع يفيده.
قال: الثالث: تارك المأمور به مخالف له كما أن الآتي به موافق على صدد العذاب لقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قيل الموافقة اعتقاد حقيقة الأمر والمخالفة اعتقاد فساده.
قلنا: ذلك دليل الأمر لأنه قبل الفاعل ضمير والذين مفعول.
قلنا: الإضمار خلاف الأصل ومع هذا فلا بد من مرجع قيل الذين يتسللون.
قلنا: هم المخالفون فكيف يؤمرون بالحذر عن أنفسهم وإن سلم فيضيع قوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾ .
قيل: فليحذر لا يوجب.
قلنا: يحسن وهو دليل قيام المقتضى.
قيل: عن أمره لا يعم.
قلنا: عام لجواز الاستثناء.
الدليل الثالث: أن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر ومخالف ذلك الأمر على صدد العذاب فبارك المأمور به على صدد العذاب إنما قلنا تارك المأمور به مخالف للأمر لأن موافقة الأمر هي الإيمان بمقتضى الأمر والمخالفة ضد
стр. 433
الموافقة فكانت مخالفة الأمر عبارة عن الإخلال بمقتضاه فثبت أن تارك المأمور به مخالف وإنما قلنا مخالف الأمر على صدد العذاب لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١ أمر مخالف الأمر بالحذر عن العذاب والحذر عنه إنما يكون بعد قيام المقتضى لوقوعه بدليل أنه يصح الأمر بالحذر عن الشيء بدون وجود المقتضى له ألا ترى أنه يقبح أن يقال لمن جلس تحت سقف قوي غير مائل إحذر أن يقع عليك ولا يقبح أن يقال ذلك لمن جلس تحت سقف مائل في معرض الوقوع وما ذلك إلا لأن المقتضي للوقوع قائم فيه فلولم يكن ترك المأمور به مقتضيا لوقوع العذاب لما حسن الأمر بالحذر عن العقاب ولا معنى لقولنا: إن الأمر يقتضي الوجوب إلا ذلك.
وفي هذا التقدير نظر سيأتي إن شاء الله تعالى.
واعترض الخصم بأربعة اوجه:
أحدها: منع المقدمة الأولى أي لا نسلم ان موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه وإنما هي اعتقاد حقيقته كونه حقا مستوجب القبول فالمخالفة هي إنكار حقيقته يعني اعتقاد أنه فاسد.
قلنا: هذا ليس موافقة للأمر بل موافقة للدليل الدال على حقيقة ذلك الأمر وهو المعجزة الدالة على صدق الرسول فاعتقاد حقية الأمر موافقة الدليل لا موافقة الأمر فإن موافقة الشيء عبارة عما يستلزم تقرير مقتضاه فإذا دل الدليل على حقية الأمر كان الاعتراف بحقيته مستلزما لتقرير مقتضى ذلك الدليل والأمر لما اقتضى دخول فعل المأمور به في الوجود كانت موافقته عبارة عما يقرر دخوله وإدخاله في الوجود يقرر دخوله فكانت موافقة الأمر عبارة عن فعل مقتضاه.
وثانيها: منع المقدمة الثانية وتقريره لا نسلم أنه تعالى أمر المخالف بالحذر
стр. 434
بل أمر بالحذر عن المخالف فيكون فاعل فليحذر ضميرا والذين في محل النصب بأنه مفعوله أجاب عنه بوجهين:
أحدهما: أن الإضمار خلاف الأصل.
والثاني: أن الضمير لا بد له من اسم ظاهر يعود إليه وهو مفقود هنا قال الخصم لما لا يعود على الذين يتسللون والتقدير فليحذر الذين يتسللون منكم لواذا عن الذين يخالفون عن أمره.
أجاب المصنف عنه بوجهين:
أحدهما: أن الذين يتسللون هم المخالفون وذلك أن المخالفين لما ثقل عليهم المقام في المسجد وسماع الخطبة لاذوا بمن يستأذن للخروج حتى إذا أذن له خرجوا معه من غير إذن فنزل قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً﴾ وإذا كان كذلك فلو أمر المتسللون بالحذر عن المخالفين لكانوا قد أمروا بالحذر عن أنفسهم وذلك غير ممكن.
الثاني: انا ولو سلمنا ان مرجع الضمير الذين يتسللون كما ادعوه لكان أمرا للمتسللين بالحذر عن المخالفين ويصير تقدير الآية حينئذ فليحذر الذين يتسلون منكم لواذا الذين يخالفون عن أمره فيضيع إذ ذاك قوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ لأن فاعل ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ حينئذ الضمير والذين مفعوله والحذر لا يتعدى إلى مفعولين حتى يكون ان تصيبهم مفعولا له ثانيا له فيصير حينئذ ضائعا لا تعلق له بما قبله ولا بما بعده.
فإن قلت: لم لا يكون لأجله إذا الحذر لأجل إصابة الفتنة أو العذاب الأليم؟
قلت: لو كان كذلك لكان مجامعا للحذر لأن الفعل يجب ان يجامع علته واجتماعهما محال كذا أجاب به الشيرازي شارح الكتاب وقد قال الجاريردي الشارح أيضا يمكن ان يجاب عن قولهم:
أولا: ان الفاعل ضمير يعود على المتسللين بأنه لو كان كذلك لوجب اظهاره فيقال فليحذروا لأنه عائد على جمع.
стр. 435
وثالثها: وهو اعتراض على المقدمة الثانية أيضا وتقريره سلمنا أن قوله فليحذر أمر المخالفين بالحذر وأنه لا ضمير في الآية لكن لم قلتم انه يوجب الحذر وهل غاية ذلك الا ورود الأمر به واقتضاء الأمر الوجوب هو محل النزاع والاستدلال بما ذكرتموه مصادرة على المطلوب.
أجاب: انا لا ندعي وجوب الحذر من قوله فليحذر وإنما ندعي أنه يفيد حسن الحذر عن مخالفة الأمر وحسن الحذر دليل على قيام المقتضى للوقوع في المحذور وإلا لكان الحذر عبثا ولقائل أن نقول قد يحسن الحذر مع التردد في قيام المقتضى لمجرد ذلك التردد عملا بالأحوط كالدائر بين أمرين يتردد في قيام اقتضاء أحدهما وقوع الضرر ولا يتوقع ضررا من الآخر فانه يحسن أن يحذر من الأول والأمر ستردد بين الوجوب وعدمه فيحسن التحذير منه ولو لمجرد التنازع في مقتضاه.
ورابعها: أنا سلمنا صحة ما ذكرتم من المقدمتين إلا أن قوله تعالى: ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ في الآية المذكورة لفظ مجرد فيفيد أن أمرا واحدا للوجوب لا إن كل أمر للوجوب أجاب بأنه عام لجواز الاستثناء إذ يصح أن يقال ليحذر الذين يخالفون عن أمره إلا في الأمر الفلاني ومعيار العموم جواز الاستثناء كما ستعرفه إن شاء الله تعالى هذا شرح ما في الكتاب.
وقد اعترض النقشواني على الاحتجاج بالآية فقال الأمر هنا بمعنى الشأن وهو الاجتماع على محاربة الكفار لأنه مذكور معرف بالإضافة إلى النبي ﷺ وقد ذكر قبل هذا منكرا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ وذلك الأمر هو الشأن وهو الاجتماع على المحاربة وهو الذي دعاهم النبي ﷺ إليه وكان بعضهم يتسلل لواذا فأراد بالمخالفة ههنا الانحراف وهو التسلل لواذا في المعنى وإذا كان ذلك محمولا على الانحراف استقام دخول عن فيه فيقال انحراف عن كذا ولا يقال ترك عن كذا فإذا كان الأمر محمولا على الشأن والمخالفة على الانحراف لم يبق في الآية احتجاج على المقصود والإنصاف يوجب حمل الأمر والمخالفة على ما ذكرنا اتساقا للكلام ورعاية على أصول العربية.
стр. 436
قال: الرابع: تارك المأمور به عاص لقوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ - ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ والعاصي يستحق النار لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ قيل: لو كان العصيان ترك الأمر لتكرر قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ .
قلنا: الأول: ماض أو حال.
والثاني: مستقبل قيل: المراد الكفار بقرينة الخلود.
قلنا الخلود: المكث الطويل.
الدليل الرابع: تارك المأمور به عاص وكل عاص يستحق العقاب فتارك المأمور به يستحق العقاب ولا معنى للوجوب إلا ذلك.
بيان الأول: بقوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ١ وقوله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ ٢ وكذا قوله: ﴿وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ ٣ وما قدمناه من شعر العرب.
وبيان الثاني بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ ٤ ومن من صيغ العموم.
واعلم ان المصنف جعل الكبرى مهملة ان قال والعاصي يستحق النار فلم يسورها بكل وشرطها ان تكون كلية فالصواب في مصطلح القوم ان يقول وكل عاص كما أوردناه وبه عبر الإمام واعترض الخصم بوجهين:
أحدهما: أنا لا نعلم الصغرى وهي ان تارك المأمور به عاص وبيانه قوله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ فلو كان العصيان عبارة عن ترك المأمور به لكان قوله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ معناه انهم يفعلون ما يؤمرون وكان قوله ويفعلون ما يؤمرون تكريرا أجاب عنه بان التكرار إنما يلزم ان لو كان لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون بالنسبة إلى زمان
стр. 437
واحد وليس كذلك بل لا يعصون للزمان الماضي والحال لقرينة قوله ما أمرهم ويفعلون للمستقبل لقرينة قوله ما يؤمرون فتقدير الآية لا يعصون الله ما أمرهم في الماضي والحال ويفعلون ما يأمرهم به في المستقبل هذا تقرير الاعتراض وجوابه وهنا مناقشتان:
إحداهما: في قوله: لو كان العصيان ترك الأمر وذلك لان النزاع إنما هو في ان تارك الأمر عاص أم لا لا في ان العصيان هل هو ترك الأمر أم لا وكيف يقال ذلك والعصيان قد يقع بترك الفعل الذي يجب اتباعه فكان الصواب ان يقول قيل لو كان تارك الأمر عاصيا.
والثانية: قوله معنى الآية لا يعصون الله ما أمرهم في الماضي قال القرا في بعيد من جهة ان النحاة نصوا على ان لا لنفي المستقبل واستعمالهما بمعنى لم قليل مجاز فيجتمع المجاز في الفعل المضارع وفي لا ايضا فكان الأحسن في الجواب ان يقال لا نسلم التكرار بل قال بعض العلماء: ان قوله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ إخبار عن الواقع منهم أي عدم المعصية دائما وقوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ إخبار عن سجياتهم التي طبعوا عليها يعني ان سجيتهم الطاعة فيكون أحدهما خبرا عن الواقع مهم والآخر خبر عن السجية التي فطروا عليها فلا تكرار والفعل المضارع قد كثر استعماله في الحالة المستمرة كقولهم زيد يعطي ويمنع ويصل ويقطع وقول خديجة ﵂ للنبي ﷺ انك لتصل الرحم وتحمل الكل وتعين على نوائب الدهر أي ذلك شانك في كل وقت وهو مجاز واحد في المضارع مشهور فيكون أولى من مجازين في الفعل والحرف وأحدهما قليل جدا.
الوجه الثاني: انا لا نسلم كلية المقدمة الثانية ونقول ليس المراد بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ كل عاص بل للكفار فقط ويدل على ذلك قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ فان غير الكافر لا يخلد في النار أجاب عنه بأن الخلود في اللغة المكث الطويل الصادق على الدائم وغيره وليس هو الدائم فقط بل هو حقيقة في القدر المشترك حذرا من الاشتراك والمجاز.
стр. 438
فان قلت فما تفعل في قوله أبدا.
قلت: لا ينافي إذ قد يطلق ويراد به المدة الطويلة كما في قوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ والكفار يتمنون الموت في جهنم الا ترى إلى قولهم فيها يا مالك ليقض علينا ربك ولقائل ان يقول أما تقسيم الخلود بالمكث الطويل بخلاف الغالب من استعمال الشرع وعلى اللفظ على الغالب أولا لا سيما وقد أردفه بقوله أبدا وقولكم أن أبدا قد يستعمل في الزمن الطويل قلنا صحيح ولكن قرينة اجتماعها مع الخلود ينفي ذلك هنا وإلا فكأنه قال قاطنين فيها مكثا طويلا زمنا طويلا فيكون قد قرر اللفظ لمجرد التأكيد الذي هو غير محتاج إليه هنا.
فإن قلت التأكيد لا بد منه على التقديرين لأنه إن أراد بالخلود الدائم كما ذكرتم فما أتى بقوله أبدا إلا للتأكيد.
قلت: التأكيد على تقدير إرادة الدائم مناسب مناسبة شديدة لأن المحكوم به أولا أعنى المكث الدائم شيء عظيم يليق بخطبة التأكيد فكان التأكيد دليلا على ما قلناه من أن المراد بالخلود الدائم للاحتجاج إلى التأكيد والحالة هذه ويدل ذلك أيضا من الآية قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ ولم يقل فإنه يدخل نار جهنم بل أتى بلام الاختصاص والملك بالموضوع للدوام والبقاء وصدر الجزاء بأن المؤكدة للجزاء حيث قال فان له ولم يقل فله ثم أكد ثانيا عند ختام ذكر الجزاء بقوله أبدا ولم يبق علينا إلا أن الدائم لا يستحقه غير الكافر والآية في المعاصي وهو أعم ألا أن يكون هذا العام قد أريد به الخاص وأما النقشواني فقال ليس العصيان عبارة عن ترك الأمر فقط بل عن ذلك مع زعم بطلان مقتضاه وهو ترجيح جانب العقب على الترك أو عدم الإيمان بمقتضاه وهو معنى قوله تعالى في الملائكة: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ أي يجزمون بمقتضاه ويمتثلون ويمتنع منهم عدم الإتيان بمقتضاه قال وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ معناه ما ذكرنا لأن موسى ﵇ يقول أزعمت أن ما أشرت به عليك وأمرتك به باطل غير سديد حتى تركته وأراد أن يعاقبه فكان جواب
стр. 439
هارون ﵇ بان تركي لم يكن بناء على زعم البطلان بل بناء على مصلحة أخرى ثم ان موسى ﵇ لما سمع ذلك قبل معذرته وعلم انه ليس بعاص ما أمره مع انه كان تاركا لما أمره قال ولو كان العصيان باقيا لكان سبب العقارب باقيا ولما كان يمتنع عن عقابه بالقدر الذي ذكره قال وبهذا استحق العاصي الخلود في النار بهذه الآية وكان ضالا ضلالا مبينا بدليل قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ وترك المأمور به مع زعم بصحة مقتضاه لا يوجب ذلك هذا كلامه وهو مدخول أما قوله العصيان ترك الأمر مع زعم بطلان مقتضاه قلنا هذا خلاف الشائع الذائع في اللغة العربية ويلزم على هذا ان لا يطلق على من خالف أوامر الله ورسوله انه عاص ما لم ينضم إلى ذلك هذا القيد وهو واضح البطلان واما قوله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ﴾ فليس معناه الا انهم يمتثلون أوامره واما قضية هارون ﵇ فهو لم يعص أخاه موسى ﵇ وانما موسى استفهمه لما رآه لم يفعل ما أشار به كان يقول ما كان يمنعك من ذلك هل عصيت أمري فقال هارون لا ولكن المانع اني خشيت ان تقول فرقت بين بني إسرائيل فقبل موسى ﵇ عذره وعلم أنه لم يعصه لا باعتقاده بطلان مقتضى أمره ولا بالمخالفة لأن أمره لم يكن مطلقا بل مقيدا بعدم المانع وإن لم يكن التقييد موجودا في اللفظ كما تقول لوكيلك اشتري اللحم ثم تقول ما منعك من شرائه هل عصيت أمري فيقول لك لا بل كان السوق غير قائم أو اللحم غير موجود والله اعلم.
قال: الخامس: أنه ﵇ احتج لذم أبي سعيد الخدري على ترك استجابته وهو يصلي بقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ .
الدليل الخامس: ما رواه البخاري من أن النبي ﷺ دعا أبا سعيد وهو في الصلاة فلم يجبه فقال: "ما منعك ان تجيب وقد سمعت الله يقول" ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ وهذا الاستفهام ليس على حقيقة لأنه ﵇ كان يعلم أنه في الصلاة فدل على أنه لمجرد الذم والتوبيخ ولولا اقتضاء الامر للوجوب لما كان ذلك وقد وقع في الكتاب ان أبي سعيد
стр. 440
هذا هو الخدري وكذا وقع في المحصول وغيره من كتب الأصول ظنا من مصنفها أنه لا أبو سعيد في الصحابة إلا الخدري وهذا الظن نشأ لهم من شهرة الخدري وعدم ظروف ذكر غيره على أسماعهم وأبو سعيد هذا إنما هو أبن المعلي وليس هو بخدري١ والقرافي ﵀ نبه على ذلك ومن كتبه إستفدناه وهو صحيح وقد سألت شيخنا الحافظ الذهبي ﵀ هل روى هذا الحديث من طريق الخدري في شيء من الكتب والأجزاء فقال لا ووقع الحديث في بعض الكتب منسوبا إلى أبي بن كعب وليس بجيد ايضا وقد نجزت الدلائل الخمس وهي إنما تفيد ثبوتها أن الأوامر الصادرة من الشارع للوجوب لأنها حقيقة الوجوب بأصل الوضع كما هو المدعي فلا بد من إقامة الدليل على أنها في اللغة كذلك لكن لما كان الغرض المهم معرفة مدلولان أوامر الشارع خص الاستدلال بها وقد قدمنا أن المختار عندنا ما ذهب إليه امام الحرمين وليس الشرح موضع تقريره والذب عنه.
стр. 441
أدلة القائلين بالندب
قال: احتج المخالف بأن الفارق بين السؤال والندب هو الرتبة والسؤال للندب فكذا الأمر.
قلنا: السؤال وان لم يتحقق.
ذكر المصنف لبعض المخالفين دلائل.
أولها لأبى هاشم القائل بأن الأمر للندب لا جرم إن في بعض النسخ احتج أبو هشام لكن ذلك غير مستقيم لان الثالث والثاني عن أحد التقريرين كما سيأتي ان شاء الله تعالى لا تعلق لها لأبي هاشم وتقرير ما احتج به أبو هاشم أنه لا فرق بين السؤال والأمر إلا الرتبة فإن رتبة الأمر أعلى من رتبة السائل والسؤال للندب فكذلك الأمر لأن الأمر لو دل على شيء غير الندب من إيجاب أو غيره لكان بينهما فرق آخر وهو خلاف ما نقوله.
هذا تقرير الاحتجاج يعبر بعض الشارحين بأن الأمر لو دل على الإيجاب وهي عبارة صحيحة في الرد على القائلين بالوجوب إلا أن أبا هاشم لم يأت بهذا الوجه لإبطال مذهب الوجوب بل لتقرير مذهبه فكان الأحسن أن يقال بأن الأمر لو دل على شيء غير الندب كما أوردناه ولا يخص الوجوب بالذكر.
وأجاب المصنف: أن السؤال من حيث الوضع يدل على الإيجاب أيضا لأن صيغة أفعل عند القائل لأنها للإيجاب موضوعة لوجوب الفعل مع المنع من الترك وقد استعملها السائل لكان لا يلزم من السؤال الوجوب أن الوجوب حكم شرعي يستدعي إيجاب الشبع ولذا لا يلزم المسؤول القبول.
فان قلت: إذا دل السؤال على الإيجاب لزم افتراقهما من وجه آخر إذ إيجاب الأمر يدل على الوجوب بخلاف إيجاب السؤال.
стр. 442
قلت: إيجاب الأمر أيضا غير مستلزم للوجوب لجواز أن يوجد بدون الوجوب كما إذا أمر السيد عبده بما لا يقدر عليه حسا وشرعا.
وقد أجاب الأسفرايني أحد شراح هذا الكتاب عن السؤال بأن المعنى تكون الفارق بينهما الرتبة هو كون إيجاب الأمر يقتضي الوجوب بخلاف السؤال وهذا فيه نظر إذ هما مدلولان متغايران على ان هذه المباحث كلها إنما هي على تقدير ثبوت اعتبار الرتبة حتى يكون فارقه لكنها عند المصنف غير معتبرة أن العلو والاستعلال لا يعتبران كما تقدم فلدي أجاب به المصنف على تسليم ثبوت الفرق نعم الفرق بين السؤال والأمر عنده فرق ما بين العام والخاص فإن السؤال أمر صادر يتذلن والأمر أعم.
وأما قول بعض الشارحين قد يترتب الوجوب على السؤال كسؤال المضطر وقد لا يترتب وقد يترتب على الأمر وهو ما إذا كان صادرا ممن هو له وكان مقدورا للمكلف وقد لا يترتب وفي تمثيله لترتيب الوجوب على السؤال بحالة الاضطرار نظر لان وجوب إطعام المضطر ليس لسؤاله بل لكونه مضطرا حتى لو لم يسأل وعرف انه مضطر وجب إطعامه من غير سؤال.
стр. 443
أدلة القائلين بأنها للقدر المشترك
قال: بأن الصيغة لما استعملت فيهما والاشتراك والمجاز خلاف الأصل فيكون حقيقة في القدر المشترك.
قلنا: يجب المصير إلى المجاز لما بيننا من الدليل.
احتج من ذهب إلى أن الصيغة موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب والندب بأنها وردت للوجوب تارة وللندب أخرى فوجب ان تكون حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو رجحان الفعل عن الترك وإلا فان كان حقيقة فيها لزم الاشتراك أو في أحدهما لزم المجاز فيهما على خلاف الأصل ويمكن ان يقرر هذا الدليل على وجه آخر يصير به دليلا لأبي هاشم على أنه حقيقة في الندب وذلك بان تزيد على ما ذكرنا أن هذه الصيغة دالة على أصل الرجحان وجواز الترك ثابت بمقتضى البراءة الأصلية التي لم يوجد ما يزيلها في رجحان وجود العقل مع جواز الترك ثابت حينئذ ولا نعني بالندب إلا ذلك.
والجواب إنا قد بينا أن الامر حقيقة في الوجوب كما سبق فالمصير إلى كونه مجازا في الندب وغيره من الوارد واجب لئلا يلزم الاشتراك والمجاز أولى به.
واعلم أن التقرير الأول هو الأقرب إلى كلام صاحب الكتاب والثاني هو ما أورده الإمام وفيه نظر لأن كوننا لا نحكم عليه بالوجوب للبراءة الأصلية غير جعلنا إياه حقيقة في الندب وحكمنا عليه بعد الوجوب لا يقتضي أنه حقيقة في الندب.
стр. 444
أدلة القائلين بالتوقف
قال: بأن تعرف مفهوما لا يكون بالعقل ولا بالنقل لأنه لم يتواتر والآحاد لا تفيد القطع قلنا المسألة وسيلة إلى العمل فيكفي فيها الظن وأيضا يتعرف بتركيب عقلي من مقدمات نقلية كما سبق.
احتج من ذهب إلي الوقف بأنه لو ثبت في إحداهما لثبت بدليل الامتناع إثبات اللغة بالتشهي وذلك الدليل إما عقلي أو نقلي والأول لا يمكن إذ لا محال للعقل في اللغة والثاني إما متواتر وهو منتف وإلا لكان ضروريا حاملا لكل أحد من هذه الطوائف وكان النزاع يرتفع من بينهم واما الآحاد وهي لا تفيد القطع إنما تفيد الظن وهو في المسائل العلمية غير كان والمسألة علمية إذ هي من قواعد أصول الفقه ولم يجر الشارع العمل بالظن في أصول الفقه كما نقله عن العلماء قاطبة الابياري شارح البرهان حكاه عنه القرافي وانما ذلك للاهتمام بالقواعد وإذا انتفت طرق المعرفة تعين أوقف وهذا الذي نقله الأبياري رأيته في كلام القاضي في مختصر التقريب والإرشاد في غير موضعين أجاب بوجهين.
أحدهما: ان هذه المسألة وسيلة إلى العمل فيكفي فيها حصول الظن كما يكفي حصول الظن في مقاصدها في العمليات وحاصل هذا الجواب منع كون المسألة علمية وقد اختلف الأصوليون في أن هذه ظنية يقينية.
الثاني: أن هذا الحصر ممنوع وسند المنع أنه يجوز ان يعرف بدليل مركب من العقلي والنقلي كما سبق في الدليل الرابع أن تارك المأمور به عاص وكل يستحق النار ينتج العقل من هاتين الثقليتين أن تارك المأمور به يستحق العقاب ولا معنى للوجوب إلا ذلك وكما سبق أيضا في الدليل الثالث وهو تارك المأمور
стр. 445
به مخالف وكل مخالف معذب فتارك المأمور به معذب وكما سبق في باب اللغات الجمع المحلي بالألف واللام يدخله الاستثناء والاستثناء ما لولاه لدخل فيدل على أن الجمع المحلي للعموم فقول المصنف كما سبق يحتمل عوده إلى كل واحد من هذه الثلاث وقد أجيب عن هذا الدليل بجواب ثالث وهو التزام حصوله بالتواتر ولا يلزم منه رفع الخلاف لأنه إنما يلزم ذلك أن لو كان العقلي هنا ضروريا لكنه نظري فيحتمل أن يصل إلى بعضهم بكثرة المطالعة في كلامهم وتواريخهم ولا يصل إلى الآخر لعدم أو قلة اشتغاله بذلك وأجاب بعضهم بأن مات ذكره المتوقف من الدليل لازم عليه وذلك لأن العقل لا يقتضى الوقف والنقل القطعي غير متحقق والظني لا يفيد فما كان جوابه فهو جوابنا لكن في هذا نظر إذ المتوقف لم يحكم بشيء فلا دليل عليه واعلم أن المنع الثاني ذكره المصنف قدمه الإمام على الأول وهو أولى على قاعدة أهل النظر مما فعله المصنف فكان ينبغي أن يقول لا نسلم الحصر سلمنا نختار معرفته بالآحاد والجدليون يعللون مثل ذلك بأن الثاني هنا مثلا فيه تسليم للحصر فلا يحسن منعه بعد ذلك والله اعلم.
стр. 446
المسألة الثالثة مدلول الأمر بعد التحريم
...
قال: الثالثة: الأمر بعد التحريم للموجوب
وقيل للإباحة لنا أن الأمر يفيده ووروده بعد الحرمة لا يدفعه قيل: إذا حللتم فاصطادوا قلنا: معارض بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ .
هذه المسألة مفرعة على ثبوت أن صيغة افعل تقتضي الوجوب فاختلف القائلون بذلك فيما إذا أوردت بعد الخطر هل هي باقية على دلالتها أو ورودها بعد الخطر قرينة للإباحة أم كيف الحال على أربعة مذاهب.
الأول: أنها على حالها في اقتضاء الوجوب وهو اختيار الإمام وأتباعه منهم المصنف وبه قالت المعتزلة وصححه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع والإمام أبو المظفر بن السمعاني في القواطع ونقله ابن الصباغ في عدة العالم عن اختيار القاضي أبي الطيب ونقله ابن برهان في الوجيز عن القاضي لكن لم يقل لذلك مطلقا وإنما الذي قاله كما حكاه عنه إمام الحرمين في البرهان لو كنت من القائلين بالصيغة لقطعت بان الصيغة
стр. 447
المطلقة بعد الخطر مجراه على الوجوب وكذا قال في مختصر التقريب الذي نختاره أن الأمر بعد سبق الخطر كالأمر من غير سبقه وإن فرضنا الكلام في العبارة فهي بعد الحظر كهي من غير خطر يسبق وقد فرط من أصلنا المصير إلى الوقف وها نحن عليه في صوره التنازع كما ارتضيناه في صورة الاطلاق من غير تقدم خطر انتهى.
والثاني: أنها تكون للإباحة ورجحه ابن الحاجب ونقله ابن برهان في وجيزه عن أكثر الفقهاء والمتكلمين واين التلمساني في شرح المعالم عن نص الشافعي وكذا نقل عن نصه عبد العزيز بن عبد الجبار الكوفي كما نقله الاصبهاني في شرح المحصول وقال القاضي في مختصر التقريب أنه أظهر أجوبة الشافعي وحكاه الشيخ أبو حامد الاسفرايني في باب الكتابة من تعليقته عن الشافعي وقال الشيخ أبو اسحاق للشافعي كلام بدل عليه وقال ابن السمعاني عليه دل ظاهر قول الشافعي في أحكام القرآن.
والثالث: اختاره الغزالي وهو إن كان الخطر الشائق عارضا بعلة وعلق صيغة افعل بزواله مثل فإذا حللتم فاصطادوا فعرف الاستعمال يدل على انه لرفع الذم فقط حتى يرجع حكمه إلى ما قبله وان احتمل ان يكون رفع هذا الخطر بندب أو إيجاب لكن هذا هو الأغلب كقوله ﵇: "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فادخروا" وأما إذا لم يكن الخطر عارضا بعلة ولا صيغة افعل علق بزوالها فيبقى موجب الصيغة على اصل التردد بين الإيجاب والندب وتريد ههنا احتمال الإباحة وتكون هذه قرينة تروح هذا الاحتمال وإن لم تعينه وأما إذا لم ترد صيغة افعل ولكن قال إذا حللتم فأنتم مأمورون بالاصطياد فهذا يحتمل الوجوب والندب ولا يحتمل الإباحة قال وقوله أمرتكم بكذا يضاهي قوله افعل في جميع المواضع إلا في هذه الصورة وما يقال بها وهذا المذهب أخذه الغزالي مما حكاه إمامه البرهان وفي التلخيص عن بعضهم أنه إن ورد الخطر مؤقتا وكان منتهاه صيغة في الاقتضاء فهي للإباحة قال والغرض من مساق الكلام رد الخطر إلى غاية وهي
стр. 448
كقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ثم زاد الغزالي ما ذكره وقد قال في التلخيص عن هذا المذهب أنه أسد مذهب لهؤلاء.
والرابع: الوقف وهو مذهب امام الحرمين واختاره جماعة واستدل المصنف على ما اختاره بأن الأمر يفيد الوجوب إذ التفريع على القول بذلك ووروده بعد الحرمة غير صالح لأن يكون معارضا فإنه كما لا يمتنع الانتقال من التحريم إلى الإباحة لا يمتنع الانتقال منه إلى الوجوب لمنافاة كل واحد منهما للتحريم فإذا جاز الانتقال إلى أحد المتنافين جاز الانتقال إلى الآخر واحتج القائل بالإباحة بأنها وردت لذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ ٣ وفي الحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" ٤ "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا" ٥ وأجاب في الكتاب بأن هذه الأدلة معارضة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ٦ فإنه يفيد الوجوب لأن الجهاد وأجب وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ٧ وحلق الرأس نسك وليس بمباح محض كذا ذكره الإمام وكذلك قوله ﵇: "فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدم وصلي" ٨ وإذا تعارضا من هذه الجهة بقي دليلنا على اصله ولمن يقول:
стр. 449
بالإباحة أن يمنع استفادة الوجوب في هذه السور من الصيغة الواردة بعد الخطر ويقول أن الوجوب مستفاد من خارج فان قتال المشركين واجب وكذلك الصلاة بالنسبة إلى المرأة ثم لما منع منه حصل الإحجام عنه فكان ورود الأمر مفيدا أن نسبب الأحجام زائل وأن هذا الأمر صار مباحا ومتى صار مباحا لزم ان يعود إلى ما كان عليه من الوجوب.
فائدة: قد عرفت الخلاف في الامر الوارد بعد الخطر هل يدل على الوجوب أو الإباحة ويضاهيه مسائل منها الكتابة فهي مستحبة وإن كانت واردة بعد خطر وعن صاحب التقريب حكاية قول أنها تجب بطلب العبد.
ومنها: النظر إلى المخطوبة بعد العزم على نكاحها مستحب وفي وجه هو مباح مجرد والأمر به في قوله ﷺ للمغيرة بن شعبة: "لا أنظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" ١ أي يجعل بينكما المودة وارد بعد الخطر وهو تحريم النظر إلى الأجنبيات عند خوف الفتنة.
ومنها: إذا قال لعبده اتجر صار مأذونا ويجب عليه امتثال أمر سيده وهو أمر وارد بعد خطر وهو الحجر على العبد في التصرف في مال سيده والله اعلم.
تنبيه: صرح الأمام هنا بأن حكم الأمر بعد الاستئذان حكمه بعد التحريم حتى يقع فيه الخلاف في إفادة الوجوب ومثال ذلك ان يستأذن على فعل شيء فيقول افعله وهذا حسن متجه ينفع في الاستدلال على وجوب التشهد بقوله ﷺ إذ سألوه كيف نصلى عليك قال: "قولوا" الحديث.
قال: واختلف القائلون: بالإباحة في النهي بعد الوجوب.
الذين قالوا: بان الأمر الوارد بعد الخطر يفيد الوجوب جزموا القول: بأن النهي بعد الوجوب يفيد التحريم.
وأما الذين قالوا: هناك بأنه يفيد الإباحة فاختلفوا في النهي الوارد بعد الوجوب فمنهم من طرد فيه الخلاف وحكم بالإباحة ومنهم من قال لا تأثير
стр. 450
ههنا للوجوب المتقدم بل النهي يفيد التحريم وبه قال الأستاذ وقال لا ينتهض الوجوب السابق قرينة في حمل النهي على رفع الوجوب وادعى الوفاق في ذلك وفي التلخيص مختصر التقريب والإرشاد للقاضي دعوى الوفاق كما ذكر الاستاد فانه قال في أثناء الحجاج لو صح ما قلتموه للزم ان تقولوا إذا فرط الإيجاب وسبق التحتم ثم تعقبته لفظا تقتضي تحريما بما لو قدرت مطلقة أنها لا تحمل على التحريم وقد قلتم جميعا أنها محمولة على التحريم انتهى ولكن الخلاف ثابت مصرح به وقال أمام الحرمين أما أنا فسأجب ذيل الوقف عليه كما قدمته في صيغة الأمر بعد الخطر وقد فرق القائلون بأن النهي بعد الوجوب للتحريم مع قولهم: بأن الأمر بعد الخطر للإباحة بوجوه.
أحدها: أن النهي لرفع المفاسد المتعلقة بالمنهي والأمر لتحصيل المصالح المتعلقة بالمأمور واعتناء الشارع بدفع المفاسد أشد من اعتنائه بجلب المصالح.
والثاني: أن النهي عن الشيء موافق للأصل الذي هو عدم الفعل ولا كذلك الأمر لاقتضائه الفعل.
الثالث: أن القائل بالإباحة ثم إنما دعاه إليها ورود الصيغة كثيرا في الآيات والأخبار بمعنى الإباحة كما سبق بخلاف النهي بعد الوجوب.
والرابع: أن دلالة النهي على التحريم أقوى من دلالة الأمر على الوجوب لأنه إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام والله اعلم.
فائدة: تقدم ما ذكره الإمام في الامر عقيب الاستئذان واما النهي عقيب الاستئذان مثل قوله ﷺ لسعد وقد قال له: أوصي بمالي كله قال: "لا" ومثل أيسلم بعضنا على بعض نعم أيصافح بعضنا البعض قال: "نعم" أينحني بعضنا لبعض؟ قال: "لا" ووقع في الستة كثير من ذلك فهذا الاستفهام الأصل فيه انه استفهام عن الخير كأنه يقول أيقع هذا أو لا وجوابه في الأصل خبر أيضا يقول يقع أو لا كقولك يقوم زيد فيجيب نعم أو لا ثم قد تأتي قرينة تدل على أن المراد بذلك الإستفهام عن الحكم الشرعي كما في هذين الحديثين وأشباههما فان القرينة تدل على ان المراد الاستفهام على الحكم الشرعي أما الوجوب أو
стр. 451
الجواز أو الاستحباب وقد يكون استرشادا أيضا فيكون الجواب بلا أو نعم وارد على ما فهم من السؤال والظاهر في الحديث.
الثاني: أن المراد الإستفهام عن الجواز ولذلك كان الانحناء حراما وقوله نعم: في السلام والمصافحه فيه جواز ذلك خاصة واستحبابه من دليل آخر ولا نقدره أمرا بل خبرا وكذا في حديث سعد الظاهر فيه أنه استفهام عن الجواز ولذلك في الثلث قال الثلث والثلث كثير فإن نعم مقدرة فيه ولا نقدره أمرا لأنه ليس مستحبا لقوله إنه كثير وليس بنا ضرورة إلى تقديره أمرا وصرفه عن ظاهره فهذا هو القاعدة في ذلك قررها والدي رحمه وينبني عليها مباحث في مواضع كثيرة فافهمها.
стр. 452
المسألة الرابعة: الأمر المطلق لا يفيد التكرار ولا يدفعه
...
قال: الرابعة: الأمر المطلق لا يفيد التكرار ولا يدفعه وقيل للتكرار وقيل للمرة وقيل بالتوقف للاشتراك أو للجهل بالحقيقة.
الأمر: إما أن يرد مقيدا وهو نوعان:
أحدهما: أن يرد مقيدا بالمرة أو بالتكرار فيحمل عليه قطعا.
والثاني: ان يرد مقيدا بصفة أو شرط وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله وأما إن يرد مطلقا عاريا من القيود وهو مسألة الكتاب وفيه مذاهب.
أحدهما: أنه لا يدل بذاته لا على التكرار ولا على المرة وانما يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة والكثرة نعم لا يمكن إدخال الماهية في الوجود بأقل من مرة فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به لا أن الأمر يدل عليها بذاته واختاره الإمام واتباعه منهم المصنف والآمدي وابن الحاجب ونص على اختيار القول به القاضي في التلخيص لإمام الحرمين.
وقد عبر المصنف عن المرة بقوله ولا يدفعه فانه إذا لم يدفع التكرار لا يكون للمرة فإنه لو كان للمرة يدفع التكرار إذ هما متقاربان.
والثاني: أنه يدل على التكرار المستوعب لزمان العمر ونقل الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع عن شيخه أبي حاتم القزويني وعن القاضي أبي بكر
стр. 453
وهو مذهب الأستاذ وجماعة من الفقهاء والمتكلمين وذكر الاصفهاني ان العالمي نقله عن اكثر أصحاب الشافعي لكن شرط هذا القول الإمكان دون أزمنة قضاء الحاجة والنوم وضروريات الإنسان كما صرح به اكثر الاصوليين منهم الشيخ أبو اسحاق وإمام الحرمين وابن الصباغ في عدة العالم والآمدي وغيرهم.
قال صفي الدين الهندي ثم لا يخفي عليك أنه ليس المراد من التكرار هنا معناه الحقيقي وهو إعادة الفعل الأول فان ذلك غير ممكن من المكلف وإنما المراد مثله ولك أن تقول ما تريد بقولك ليس المراد إعادة ذلك الفعل الأول أتريد الماهية مع قيد التشخيص في الأول أم الماهية وحدها الأول مسلم والثاني ممنوع لان الماهية الموجودة في الأول موجودة في الثاني بعينها.
والثالث: انه يدل على المرة ولا يحتمل التكرار وإنما يحمل عليه بدليل ونقله الشيخ أبو اسحاق عن اكثر أصحابنا وأبي حنيفة واكثر الفقهاء وعن اختيار شيخه القاضي أبي الطيب والشيخ أبى حامد ونقل بعض الشارحين تبعا للأصفهاني في شرح المحصول عن الآمدي أنه قال وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية ثم خطا هذا الشارح والآمدي بأن إمام الحرمين إنما يرى الوقف ولا يقضي في الزيادة بنفي ولا إثبات.
واعلم أن الآمدي لم ينقل في الأحكام عن إمام الحرمين إلا الوقف كما هو الواقع وهذه عبارة الآمدي ومنهم من نفى احتمال التكرار وهو اختيار أبى الحسين البصري وكثير من الاصوليين ومنهم من توقف في الزيادة ولم يقض فيها نفي ولا إثبات وإليه ميل إمام الحرمين والوقفية انتهى والظاهر أن نسخة الاصفهاني وكذلك هذا الشارع من الأحكام سقيمة منها من قوله ومنهم إلى قوله وإليه وهذه النسخة التي عندي صحيحة مقروءة على الآمدي وعليها خطه.
واعلم أن صفي الدين الهندي نقل عن أبي الحسين وكثير من الاصوليين المذهب المختار وهو خلاف ما نقله عنه الآمدي كما رأيت والذي رأيته في
стр. 454
المعتمد يقتضي موافقة ما نقله الهندي أو يصرح بل لم يحك هذا القول الذي نقله عن الآمدي بالأصالة.
والرابع: التوقف قالوا وهو محتمل لشيئين.
أحدهما: أن يكون مشتركا بين التكرار والمرة فيتوقف إعماله في أحدهما على قرينة وهذا قد صرح بحكايته صاحب الكتاب في كتابه المرصاد الذي وضعه على مختصر ابن الحاجب.
والثاني: أنه لاحدهما ولا نعرفه فيتوقف لجهلنا بالواقع ولقائل أن يقول وضعه للمرة وللتكرار كل منهما على حدته وضع للنقيضين لأن التكرار وحده مع المرة وحدها مما لا يجتمعان إذ لا تجتمع الوحدة بقيد الوحدة مع الكثرة ولا يرتفعان إذا هو مأمور بشيء لا يخرج ذلك الشيء عن أحدهما ثم إن الوضع للنقيضين على رأي الإمام ومن نحا نحوه ممتنع فكيف يتجه ممن يعتقد اعتقاده أن يجعل التوقف محتملا وفي المسألة مذهب خامس حكاه صفي الدين الهندي عن عيسى بن إبان أنه إن كان فعلا له غاية يمكن إيقاعه في جميع المدة فيلزمه في جميعها وإلا فيلزمه الأقل.
قال: لنا تقييده بالمرة والمرات من غير تكرير ولا نقض وأنه ورد مع التكرار وعدمه فيجعل حقيقة في القدر المشترك وهو طلب الإتيان به دفعا للاشتراك والمجاز وأيضا لو كان للتكرار لعم الأوقات فيكون تكليفا بما لا يطاق وينسخه كل تكليف بعده لا يجامعه.
استدل على المختار بأوجه:
أحدهما: أنه لو كان الأمر المطلق دالا على المرة لكان تقييده بها تكرارا وبالمرات نقضا ولو كان دالا على التكرار لكان تقييده بالمرات تكرارا بالمرة نقصا والمرازمة بينة والملازمة باطل الصحة قولنا افعل ذلك مرات وليس فيه تكرار ولا نقض ولا يخفى عليك أن هذا الوجه ليس حجة الا على من يدعي أنه نص بالمرة الواحدة ولا يحتمل التكرار ومن يدعي العكس أما من يدعي التوقف والظهور في أحدهما فلا يصلح حجة عليه.
стр. 455
الثاني: أنه ورد للتكرار شرعا مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ و ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ وعرفا مثل قول القائل لغيره احفظ دابتي واحسن إلى الناس وورد للمرة شرعا كآية الحج والعمرة وعرفا مثل ادخل الدار وقول السيد لعبده اشتر اللحم فحينئذ إما أن يكون حقيقة فيهما فيلزم الاشتراك أو في أحدهما فيلزم المجاز والمجاز والاشتراك على خلاف الأصل فيكون للقدر المشترك بينهما وهو طلب الإتيان بالمأمور وذلك أعم من أن يكون في المرة الواحدة أو المرات وحينئذ لا يدل على أحدهما بخصوصه إلا بقرينة.
وهذا الدليل قد استعملوه في مواضع عديدة وبعض المتأخرين من الاصوليين كالنقشواني وغيره قد ضعفوه فقالوا إذا كان موضوعا للقدر المشترك الذي هو مطلق الطلب ثم استعمل في طلب خاص فقد استعمل في غير ما وضع له لأن الأعم مغاير للأخص لكنه مشتمل على ما وضع له فيجوز مجازا وأيضا فان الالفاظ موضوعة بازاء المعاني الذهنية على رأي الإمام واتباعه فإذا استعمل فيما تشخص منهما في الخارج يكون مجازا لأنه غير ما وضع له فتقرر أن استعمال الأمر في المقيد بالتكرار وبالمرة مجاز لما قلناه وهذا بحث صحيح مطرد في كل أعم استعمل في أخص وبعضهم يفصل فيه فيقول إن استعمل فيه باعتبار ما فيه من القدر الأعم فهو حقيقة وإن استعمل فيه اعتبار خصوصه فهو مجاز وهذا التفصيل لا حاجة إليه لأنه إذا استعمل فيه باعتبار ما فيه من القدر الأعم لا يخرج عن كونه استعمل العام في الخاص وقوله باعتبار سبب في الإستعمال فهو كاستعمال الأسد الشجاع باعتبار الشجاعة وإن أراد بقوله باعتبار أنه لم يستعمل إلا في الأعم فذلك إحالة لفرض المسألة لأن فرض المسألة أنه استعمل في الأخص.
الثالث: وهو دليل على ضعف القول بالتكرار لأنه لو كان مقتضيا للتكرار نعم جميع الأوقات حتى يجب فعل المأمور به فيها وذلك لعدم أولوية وقت دون وقت لكنه لا يعم جميع الأوقات لوجهين.
стр. 456
أحدهما: أنه لو عمها للزم وقوع التكليف بما لا يطاق.
والثاني: أنه يلزم أن ينسخه كل تكليف يأتي بعده لا يمكن مجامعته له في الوجود وذلك لأن الأمر الأول قد استوعب جميع الأوقات بفعل المأمور به والثاني يقتضي الإتيان بالمأمور به والإتيان بالمأمور به أولا لا يمكن مع الإتيان به ثانيا فيرتفع وجوبه لعدم إمكان فعله فيلزم النسخ وهو يأكل قطعا لأن الأمر ببعض الصلوات ليس نسخا لغيرها والأمر بالحج ليس نسخا للصلاة فثبت ما قلناه من انه لا يعم كل الأوقات وحينئذ لا يكون مقتضيا وانما قيد المصنف بقوله لا يجامعه ليحترز عما يجتمع معه كالصوم مع الصلاة وفي هذين الوجهين نظر.
أما الأول: فلأن القائل بالتكرار يشترط الإمكان كما تقدم.
وأما الثاني: فلأن النسخ إنما يلزم إذا كان الأمر الثاني مطلقا غير مخصص ببعض الأوقات شرعا أو عقلا ومثل هذا غير واقع في الشرع ولو وقع لالتزم الخصم وقوع النسخ وأما إذا كان الامر الثاني مخصوصا ببعض الأوقات فلا يلزم منه نسخ الأول بل تخصيصه ولا امتناع في ذلك على أنه غير واقع على الوجه المفروض.
قال: تمسك الصديق ﵁ على التكرار بقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ولم ينكر عليه قلنا لعله ﵊ بين تكراره قبل النهي يقتضي التكرار فكذا الأمر قلنا الانتهاء أبدا ممكن دون الامتثال قيل لو لم يتكرر لم يرد النسخ. قلنا: وروده قرينة التكرار.
احتج من ذهب إلى أن الأمر يفيد التكرار بثلاثة اوجه.
أحدها: أن أبا بكر الصديق ﵁ تمسك على أهل الردة من وجوب تكرار الزكاة بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فدل على انعقاد الإجماع على أن الأمر للتكرار والجواب بعد تسليم أن الإجماع السكوتي إجماع أنه لعل النبي ﷺ بين للصحابة ﵃ أن قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ يفيد التكرار فتمسك الصديق رضوان الله عليه بها
стр. 457
مستندا إلى ما بينه ﵇ وهذا وإن كان خلاف الأصل إذ الأصل أنه لم يبين لكن يجب المصير إليه جمعا بين الأدلة وقد يجاب بأن أمر الصلاة والزكاة والصوم معلوم التكرار بالضرورة من دين محمد ﵇ أو بأن ههنا مع صيغة الأمر غيرها وهو أن القاعدة تكرر الحكم بتكرر سببه وسبب وجوب الزكاة نعمة من الملك فلما تكررت تكرر وجوب الزكاة وهذا مقتضى للتكرار غير الامر.
وثانيها: أن النهي يقتضى التكرار فكذلك الأمر قياسا عليه والجامع كون كل منهما للطلب والجواب أنه يمكن الانتهاء عن الشيء دائما لأن فيه بقاء على العدم وأما امتثاله أبدا اعني استعماله دائما فغير ممكن وهذا الجواب من المصنف ربما يفهم اختياره أن النهي يقتضي التكرار بلا خلاف وقد صرح بعد ذلك بأن النهي كالأمر في التكرار وعدمه ثم لك أن تقول في هذا الجواب نظر لأن من قال الأمر يقتضي التكرار اشترط الإمكان كما سبق فامتثال الأمر أبدا حينئذ كالانتهاء أبدا من حيث الإمكان فالصواب في الجواب أن يقال هذا إثبات اللغة بالقياس وليس بصحيح سلمنا صحته لكن لا نسلم أن النهي يقتضي التكرار بل هو على وزان الأمر سلمنا أن يقتضي التكرار لكن مقتضى الأمر اتحاد المأمور به وذلك يصدق مرة واحدة بخلاف النهي فإنه لما كان مقتضاه الكف عن المنهي عنه لم يتحقق ذلك إلا بالإمتناع المستمر.
وثالثها: أنه لو لم يدل على التكرار ودل على المرة لم يرد النسخ لأن وروده إما بعد فعلها وذلك محال إذ لا تكليف واما قبله وهو يدل على البداء أي ظهور المصلحة بعد خفائها وذلك محال على الله وورود النسخ جائز فدل على أنه للتكرار والجواب أن النسخ لا يجوز وروده عليه فإن ورد صار بذلك قرينة في أنه كان المراد به التكرار وحمل الأمر على التكرار لقرينة جائز.
قال: قيل: حسن الاستفسار دليل الاشتراك.
قلنا: فقد يستفسر عن إفراد المتواطئ.
стр. 458
احتج من قال باشتراك الأمر بين التكرار والمرة بأنه يحسن الاستفهام فيه فيقال أردت بأمرك فعل مرة واحدة أو اكثر وحسن الاستفهام دليل الاشتراك والجواب ان مدعانا للتواطؤ ويجوز الإستفسار عن إفراد المتواطىء كما إذا قلت اضرب إنسانا فإنه يحسن أن يقال عمرا أم زيدا وأعتق رقبة فإنه يجوز أن يقال مؤمنة أم كافرة وقد تم شرح ما في الكتاب وليس فيه تعرض لشيء من شبه القائلين بالمرة ومنها أن من قال لغيره ادخل الدار فدخل مرة عد ممتثلا ومنها لو قال لوكليه طلق زوجتي لم يملك اكثر من واحدة ومنها لو قيل صار زيد صدق بمرة فليكن مثله في الأمر.
والجواب عن الأول: أن ذلك إنما يدل على أن الأمر غير ظاهر في التكرار لا على امتناع احتماله ولهذا لو قيل ادخل مرارا اصح ولو عدم الاحتمال لم يصح هذا التفسير وهو الجواب عن طلق زوجتي وذلك لعدم ظهور الأمر فيما عدا الواحدة لا لعدم الاحتمال لغة الجواب عن الثالث: أنه قياس في اللغة فلا يقبل.
فائدة: استحباب إجابة المؤذن هل هو مختص بالمؤذن الأول حتى لو سمع ثانيا فلا يستحب إجابته يظهر تخريج المسالة على أن الأمر هل يقتضي التكرار.
وقد حكى النووي في شرح مسلم عن حكاية القاضي عياض اختلاف العلماء في هذه المسألة وحكى بعضهم عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه قال يجيب كل واحد لتعدد السبب.
стр. 459
الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرارهما من قال الامر المطلق يقتضي التكرار فهو هنا أولى ومن قال لا يقتضيه اختلفوا هنا ولا بد من تحرير محل النزاع قبل الكلام فيها فنقول:
قال الآمدي ومن تبعه ما علق المأمور به من الشرط أو الصفة إما أن يكون ثبت كونه علة لوجوب الفعل مثل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ وقولنا ان كان هذا المانع خمرا فهو حرام فان الحكم يتكرر اتفاقا وان لم يثبت كونه علة بل توقف الحكم عليه من غير تأثير له كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم فهو محل الخلاف انتهى وهو مقتضى كلام ابن برهان في الوجيز ووافق عليه صفي الدين الهندي مع تمسكه للصفة بالسارق والسارقة.
واعلم أنه مناف لكلام الإمام والمصنف ان مقتضى كلامهما أن الخلاف جار مطلقا الا تراهما وقد مثلا للصفة بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ مع ثبوت كون السرقة علة القطع وكذلك قولهما في الدليل الآتي ان شاء الله تعالى.
الترتيب يفيد العلية فيتكرر بتكررها فعندهما أن المانع هنا مانع لإفادة ترتيب الحكم على الوصف للعلية وينتجه أن يقال في الجمع بين الطريقتين أن الآمدي ومن سلك طريقه فرضوا الكلام مع من يعترف بأن ترتيب الحكم على الوصف يفيد العلية والإمام تكلم في اصل المسالة مع المخالفين في الموضعين وأما ما في شرح هذا الكتاب للاسفرايني من تخصيص محل الخلاف بما إذا كان لكل من الشرط والصفة صلاحية العلية فغير سديد إذا عرفت هذا ففي المسألة مذاهب:
أحدها: أنه لا يقتضي التكرار وهو الصحيح عند الشيخ أبي اسحاق الشيرازي واختاره الآمدي وابن الحاجب.
والثاني: أنه يقتضيه ولم يزد الآمدي على حكاية هذين المذهبين لأن الثالث يخالف لما قرره من تخصيص محل النزاع بما ذكر.
والثالث: مذهب اقتضاه كلام القاضي في التلخيص مختصر التقريب والإرشاد وهو أن المعلق بشرط لا يقتضي التكرار دون المعلق بصفة.
стр. 460
الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرارهما من قال الامر المطلق يقتضي التكرار فهو هنا أولى ومن قال لا يقتضيه اختلفوا هنا ولا بد من تحرير محل النزاع قبل الكلام فيها فنقول:
قال الآمدي ومن تبعه ما علق المأمور به من الشرط أو الصفة إما أن يكون ثبت كونه علة لوجوب الفعل مثل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ وقولنا ان كان هذا المانع خمرا فهو حرام فان الحكم يتكرر اتفاقا وان لم يثبت كونه علة بل توقف الحكم عليه من غير تأثير له كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم فهو محل الخلاف انتهى وهو مقتضى كلام ابن برهان في الوجيز ووافق عليه صفي الدين الهندي مع تمسكه للصفة بالسارق والسارقة.
واعلم أنه مناف لكلام الإمام والمصنف ان مقتضى كلامهما أن الخلاف جار مطلقا الا تراهما وقد مثلا للصفة بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ مع ثبوت كون السرقة علة القطع وكذلك قولهما في الدليل الآتي ان شاء الله تعالى.
الترتيب يفيد العلية فيتكرر بتكررها فعندهما أن المانع هنا مانع لإفادة ترتيب الحكم على الوصف للعلية وينتجه أن يقال في الجمع بين الطريقتين أن الآمدي ومن سلك طريقه فرضوا الكلام مع من يعترف بأن ترتيب الحكم على الوصف يفيد العلية والإمام تكلم في اصل المسالة مع المخالفين في الموضعين وأما ما في شرح هذا الكتاب للاسفرايني من تخصيص محل الخلاف بما إذا كان لكل من الشرط والصفة صلاحية العلية فغير سديد إذا عرفت هذا ففي المسألة مذاهب:
أحدها: أنه لا يقتضي التكرار وهو الصحيح عند الشيخ أبي اسحاق الشيرازي واختاره الآمدي وابن الحاجب.
والثاني: أنه يقتضيه ولم يزد الآمدي على حكاية هذين المذهبين لأن الثالث يخالف لما قرره من تخصيص محل النزاع بما ذكر.
والثالث: مذهب اقتضاه كلام القاضي في التلخيص مختصر التقريب والإرشاد وهو أن المعلق بشرط لا يقتضي التكرار دون المعلق بصفة.