← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11727

الإبهاج في شرح المنهاج - ط العلمية

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أحدهما: أنه لو عمها للزم وقوع التكليف بما لا يطاق. والثاني: أنه يلزم أن ينسخه كل تكليف يأتي بعده لا يمكن مجامعته له في الوجود وذلك لأن الأمر الأول قد استوعب جميع الأوقات بفعل المأمور به والثاني يقتضي الإتيان بالمأمور به والإتيان بالمأمور به أولا لا يمكن مع الإتيان به ثانيا فيرتفع وجوبه لعدم إمكان فعله فيلزم النسخ وهو يأكل قطعا لأن الأمر ببعض الصلوات ليس نسخا لغيرها والأمر بالحج ليس نسخا للصلاة فثبت ما قلناه من انه لا يعم كل الأوقات وحينئذ لا يكون مقتضيا وانما قيد المصنف بقوله لا يجامعه ليحترز عما يجتمع معه كالصوم مع الصلاة وفي هذين الوجهين نظر. أما الأول: فلأن القائل بالتكرار يشترط الإمكان كما تقدم. وأما الثاني: فلأن النسخ إنما يلزم إذا كان الأمر الثاني مطلقا غير مخصص ببعض الأوقات شرعا أو عقلا ومثل هذا غير واقع في الشرع ولو وقع لالتزم الخصم وقوع النسخ وأما إذا كان الامر الثاني مخصوصا ببعض الأوقات فلا يلزم منه نسخ الأول بل تخصيصه ولا امتناع في ذلك على أنه غير واقع على الوجه المفروض. قال: تمسك الصديق ﵁ على التكرار بقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ولم ينكر عليه قلنا لعله ﵊ بين تكراره قبل النهي يقتضي التكرار فكذا الأمر قلنا الانتهاء أبدا ممكن دون الامتثال قيل لو لم يتكرر لم يرد النسخ. قلنا: وروده قرينة التكرار. احتج من ذهب إلى أن الأمر يفيد التكرار بثلاثة اوجه. أحدها: أن أبا بكر الصديق ﵁ تمسك على أهل الردة من وجوب تكرار الزكاة بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فدل على انعقاد الإجماع على أن الأمر للتكرار والجواب بعد تسليم أن الإجماع السكوتي إجماع أنه لعل النبي ﷺ بين للصحابة ﵃ أن قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ يفيد التكرار فتمسك الصديق رضوان الله عليه بها

стр. 457

مستندا إلى ما بينه ﵇ وهذا وإن كان خلاف الأصل إذ الأصل أنه لم يبين لكن يجب المصير إليه جمعا بين الأدلة وقد يجاب بأن أمر الصلاة والزكاة والصوم معلوم التكرار بالضرورة من دين محمد ﵇ أو بأن ههنا مع صيغة الأمر غيرها وهو أن القاعدة تكرر الحكم بتكرر سببه وسبب وجوب الزكاة نعمة من الملك فلما تكررت تكرر وجوب الزكاة وهذا مقتضى للتكرار غير الامر. وثانيها: أن النهي يقتضى التكرار فكذلك الأمر قياسا عليه والجامع كون كل منهما للطلب والجواب أنه يمكن الانتهاء عن الشيء دائما لأن فيه بقاء على العدم وأما امتثاله أبدا اعني استعماله دائما فغير ممكن وهذا الجواب من المصنف ربما يفهم اختياره أن النهي يقتضي التكرار بلا خلاف وقد صرح بعد ذلك بأن النهي كالأمر في التكرار وعدمه ثم لك أن تقول في هذا الجواب نظر لأن من قال الأمر يقتضي التكرار اشترط الإمكان كما سبق فامتثال الأمر أبدا حينئذ كالانتهاء أبدا من حيث الإمكان فالصواب في الجواب أن يقال هذا إثبات اللغة بالقياس وليس بصحيح سلمنا صحته لكن لا نسلم أن النهي يقتضي التكرار بل هو على وزان الأمر سلمنا أن يقتضي التكرار لكن مقتضى الأمر اتحاد المأمور به وذلك يصدق مرة واحدة بخلاف النهي فإنه لما كان مقتضاه الكف عن المنهي عنه لم يتحقق ذلك إلا بالإمتناع المستمر. وثالثها: أنه لو لم يدل على التكرار ودل على المرة لم يرد النسخ لأن وروده إما بعد فعلها وذلك محال إذ لا تكليف واما قبله وهو يدل على البداء أي ظهور المصلحة بعد خفائها وذلك محال على الله وورود النسخ جائز فدل على أنه للتكرار والجواب أن النسخ لا يجوز وروده عليه فإن ورد صار بذلك قرينة في أنه كان المراد به التكرار وحمل الأمر على التكرار لقرينة جائز. قال: قيل: حسن الاستفسار دليل الاشتراك. قلنا: فقد يستفسر عن إفراد المتواطئ.

стр. 458

احتج من قال باشتراك الأمر بين التكرار والمرة بأنه يحسن الاستفهام فيه فيقال أردت بأمرك فعل مرة واحدة أو اكثر وحسن الاستفهام دليل الاشتراك والجواب ان مدعانا للتواطؤ ويجوز الإستفسار عن إفراد المتواطىء كما إذا قلت اضرب إنسانا فإنه يحسن أن يقال عمرا أم زيدا وأعتق رقبة فإنه يجوز أن يقال مؤمنة أم كافرة وقد تم شرح ما في الكتاب وليس فيه تعرض لشيء من شبه القائلين بالمرة ومنها أن من قال لغيره ادخل الدار فدخل مرة عد ممتثلا ومنها لو قال لوكليه طلق زوجتي لم يملك اكثر من واحدة ومنها لو قيل صار زيد صدق بمرة فليكن مثله في الأمر. والجواب عن الأول: أن ذلك إنما يدل على أن الأمر غير ظاهر في التكرار لا على امتناع احتماله ولهذا لو قيل ادخل مرارا اصح ولو عدم الاحتمال لم يصح هذا التفسير وهو الجواب عن طلق زوجتي وذلك لعدم ظهور الأمر فيما عدا الواحدة لا لعدم الاحتمال لغة الجواب عن الثالث: أنه قياس في اللغة فلا يقبل. فائدة: استحباب إجابة المؤذن هل هو مختص بالمؤذن الأول حتى لو سمع ثانيا فلا يستحب إجابته يظهر تخريج المسالة على أن الأمر هل يقتضي التكرار. وقد حكى النووي في شرح مسلم عن حكاية القاضي عياض اختلاف العلماء في هذه المسألة وحكى بعضهم عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه قال يجيب كل واحد لتعدد السبب.

стр. 459

الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرارهما من قال الامر المطلق يقتضي التكرار فهو هنا أولى ومن قال لا يقتضيه اختلفوا هنا ولا بد من تحرير محل النزاع قبل الكلام فيها فنقول: قال الآمدي ومن تبعه ما علق المأمور به من الشرط أو الصفة إما أن يكون ثبت كونه علة لوجوب الفعل مثل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ وقولنا ان كان هذا المانع خمرا فهو حرام فان الحكم يتكرر اتفاقا وان لم يثبت كونه علة بل توقف الحكم عليه من غير تأثير له كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم فهو محل الخلاف انتهى وهو مقتضى كلام ابن برهان في الوجيز ووافق عليه صفي الدين الهندي مع تمسكه للصفة بالسارق والسارقة. واعلم أنه مناف لكلام الإمام والمصنف ان مقتضى كلامهما أن الخلاف جار مطلقا الا تراهما وقد مثلا للصفة بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ مع ثبوت كون السرقة علة القطع وكذلك قولهما في الدليل الآتي ان شاء الله تعالى. الترتيب يفيد العلية فيتكرر بتكررها فعندهما أن المانع هنا مانع لإفادة ترتيب الحكم على الوصف للعلية وينتجه أن يقال في الجمع بين الطريقتين أن الآمدي ومن سلك طريقه فرضوا الكلام مع من يعترف بأن ترتيب الحكم على الوصف يفيد العلية والإمام تكلم في اصل المسالة مع المخالفين في الموضعين وأما ما في شرح هذا الكتاب للاسفرايني من تخصيص محل الخلاف بما إذا كان لكل من الشرط والصفة صلاحية العلية فغير سديد إذا عرفت هذا ففي المسألة مذاهب: أحدها: أنه لا يقتضي التكرار وهو الصحيح عند الشيخ أبي اسحاق الشيرازي واختاره الآمدي وابن الحاجب. والثاني: أنه يقتضيه ولم يزد الآمدي على حكاية هذين المذهبين لأن الثالث يخالف لما قرره من تخصيص محل النزاع بما ذكر. والثالث: مذهب اقتضاه كلام القاضي في التلخيص مختصر التقريب والإرشاد وهو أن المعلق بشرط لا يقتضي التكرار دون المعلق بصفة.

стр. 460

الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرارهما من قال الامر المطلق يقتضي التكرار فهو هنا أولى ومن قال لا يقتضيه اختلفوا هنا ولا بد من تحرير محل النزاع قبل الكلام فيها فنقول: قال الآمدي ومن تبعه ما علق المأمور به من الشرط أو الصفة إما أن يكون ثبت كونه علة لوجوب الفعل مثل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ وقولنا ان كان هذا المانع خمرا فهو حرام فان الحكم يتكرر اتفاقا وان لم يثبت كونه علة بل توقف الحكم عليه من غير تأثير له كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم فهو محل الخلاف انتهى وهو مقتضى كلام ابن برهان في الوجيز ووافق عليه صفي الدين الهندي مع تمسكه للصفة بالسارق والسارقة. واعلم أنه مناف لكلام الإمام والمصنف ان مقتضى كلامهما أن الخلاف جار مطلقا الا تراهما وقد مثلا للصفة بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ مع ثبوت كون السرقة علة القطع وكذلك قولهما في الدليل الآتي ان شاء الله تعالى. الترتيب يفيد العلية فيتكرر بتكررها فعندهما أن المانع هنا مانع لإفادة ترتيب الحكم على الوصف للعلية وينتجه أن يقال في الجمع بين الطريقتين أن الآمدي ومن سلك طريقه فرضوا الكلام مع من يعترف بأن ترتيب الحكم على الوصف يفيد العلية والإمام تكلم في اصل المسالة مع المخالفين في الموضعين وأما ما في شرح هذا الكتاب للاسفرايني من تخصيص محل الخلاف بما إذا كان لكل من الشرط والصفة صلاحية العلية فغير سديد إذا عرفت هذا ففي المسألة مذاهب: أحدها: أنه لا يقتضي التكرار وهو الصحيح عند الشيخ أبي اسحاق الشيرازي واختاره الآمدي وابن الحاجب. والثاني: أنه يقتضيه ولم يزد الآمدي على حكاية هذين المذهبين لأن الثالث يخالف لما قرره من تخصيص محل النزاع بما ذكر. والثالث: مذهب اقتضاه كلام القاضي في التلخيص مختصر التقريب والإرشاد وهو أن المعلق بشرط لا يقتضي التكرار دون المعلق بصفة.

стр. 461

قال إمام الحرمين في هذا الكتاب: وهو الذي يضح وارتضاه القاضي. فإن قلت: هذا مذهب لا يعرف في كتب المتأخرين فما ذلك من كتاب التلخيص على وجوده. قلت: دل على ذلك أن القاضي لما ذكر أن المعلق بشرط لا يقتضى التكرار وحكى خلاف الخصوم فيه قال ومما ذكروه في هذه المسالة إن قالوا الحكم يتعلق بالعلة والشرط ثم إذا علق بالعلة تكرر بتكررها فكذلك إذا علق بالشرط وهذا الذي ذكروه اجتراء منهم بدعوى مجردة فإننا نقول لهم خلافنا يؤول إلى صيغة غريبة وقضية مفهومة وقد أوضحنا منع إثبات اللغة بالمقاييس ومعظم كلامهم يتردد على القياس فلم قلتم ان الصيغة المبنية على التعليل يضاهيها الصيغة المبنية على الشرط فاكتفت بذلك وسنفرق بين العلة والشرط في أبواب القياس انتهي كلامه وهو صريح فيما ذكرناه وإلا ما كان يلتزم المخالفة في العلة كما فعل الغزالي فانه فرض المسالة في الشرط واختار عدم التكرار ثم أورد من جهة الخصم ان الحكم يتكرر بتكرر العلة والشرط مثلها فان علل الشرع إمارات وأجاب بان العلة إذا كانت شرعية فلا نسلم تكرر الحكم بمجرد إضافة الحكم إليها ما لم تعترف به قرينة التعبد بالقياس. وهذا المذهب الذي ارتضاه القاضي هو المختار لما سنذكره ان شاء الله تعالى. المذهب الرابع: واختاره الإمام وبه جزم المصنف أنه لا يقتضيه من جهة اللفظ ويقتضيه من جهة القياس فهنا مقامان: الأول: أنه لا يفيد لفظا واستدل عليه بوجهين: أحدهما: أن ثبوت الحكم مع الصفة والشرط يحتمل التكرار ويحتمل عدمه فان اللفظ إنما دل على تعليق شيء على شيء وذلك اعم من تعليقه عليه في كل الصور أو في صورة واحدة والدليل عليه صحة تقسيم ذلك المفهوم إلى هذين القسمين وموود التقسيم مشترك بين القسمين والمشترك بين الشيئين لا إشعار له بواحد منهما فإذا تعلق الشيء على شيء لا يدل على تكرار التعليق

стр. 462

واعترض القرافي على هذا بان الخصم قد لا يسلم صحة التقسيم فدعواها مصادرة على المطلوب. والثاني: أنه لو قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق لم يتكرر الدخول ولو دل عليه لفظا لتكرر كما لو قال لها كلما دخلت ثم إذا لم يدل عليه في الإنشاء فلا يدل عليه في الأمر لأنه إنشاء معلق مثله واقرب من هذا المثال أن يمثل بقول الرجل لوكيله وكلتك في طلاق زوجتي ولا تطلقها إلا إذا دخلت الدار. المقام الثاني: أنه يفيده من جهة القياس والدليل عليه أن ترتيب الحكم على الشرط أو الصفة يفيد عليه ذلك الشرط وتلك الصفة لذلك الحكم كما ستعرفه إن شاء الله تعالى في كتاب القياس فيلزم أنه يتكرر الحكم بتكرر ذلك لتكرر المعلوم بتكرار علته هكذا قرره هذا المقام شراح الكتاب ولم أر من صرح في كتاب القياس بمساواة ترتيب الحكم على الشرط لترتيب الحكم على الوصف وإنما المذكور هناك ترتيب الحكم على الوصف فقط فإن كان ترتيب الحكم على الشرط مثله فهذا الدليل منقدح الا انا نمنع ذلك ولهذا كان المختار عندنا ما نقلناه عن القاضي من التفرقة بين المعلق بشرط فلا يدل على التكرار والمعلق بوصف فيدل بطريق القياس. فإن قلت: علل الشرع علامات والشروط علامات فما وجه التفرقة. قلت: لا نسلم أن الشروط علامات بالاعتبار الذي به العلل علامات فان المعنى من كون العلة علامة جعل الشارع إياها علامة وجود الحكم وان كان الحكم صادرا من الشارع ومعلوم ان الشرط ليس علامة بهذا الاعتبار فان وجوده لا يدل على وجود المشروط أصلا وانما الشرط علامة باعتبار الانتفاء فلا يلزم من كونهما علامتين باعتبارين مختلفين اتحاد الحكم سلمنا كونهما علامتين باعتبار واحد لكن بالاعتبار الذي في الشرط لا بالاعتبار الذي في العلة والعلة تتميز عنه حينئذ بالاعتبار الذي فيها فلا يلزم من اشتراكهما في وجهة واحدة من جهة العلامة اشتراكهما في اقتضاء الحكم وتكرره عند تكررهما لجواز أن يكون ذلك من لوازم ما به الامتياز قوله وإنما لم يتكرر

стр. 463

جواب عن سؤال مقدر تقديره لو صح ما ذكرتم للزم تكرير وقوع الطلاق المعلق على دخول الدار بتكرر الدخول وليس كذلك والملازمة بينة أجاب قولكم رتب الطلاق على الدخول قلنا مسلم يكون علة قلنا مسلم قولكم فيتكرر قلنا إنما يتكرر التعليل المعتبر وهو تعليل الشارع لا تعليل آحاد الناس فإنما لم يتكرر الوقوع لعدم اعتبار تعليله حتى لو صرح بالتعليل بأن قال طلقتك لأجل دخولك الدار وكانت له امرأة أخرى لا تطلق وان وجدت منها هذه الصفة.

стр. 464

المسألة الخامسة الأمر المغلق بشرط أو صفة هل يفيد التكرار ... قال: الخامسة: المعلق بشرط أو صفة مثل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ لا يقتضي التكرار لفظا ويقتضيه قياسا. أما الأول: فلأن ثبوت الحكم مع الصفة أو الشرط يحتمل التكرار وعدمه ولأنه لو قال إن دخلت الدار فأنت طالق لم يتكرر. وأما الثاني: فلأن الترتيب يفيد العلية فيتكرر الحكم بتكرارها وإنما لم يتكرر الطلاق لعدم اعتبار تعليله.

стр. 465

المسألة السادسة: الأمر الطلق هل يفيد الفور ؟ ... قال: السادسة الأمر لا يفيد الفور خلافا للحنفية ولا التراخي خلافا لقوم وقيل مشترك لنا ما تقدم. الأمر المطلق هل يفيد الفور بمعنى ان تجب المبادرة عقيبه إلى الإتيان بالمأمور به أما القائل بأنه يفيد التكرار فلا يحتاج إلى قوله أنه يفيد الفور لأنه من ضرورياته وإنما الكلام الآن بين القائلين بأنه لا يفيد التكرار وقد اختلف المسلمون لذلك على مذاهب. أحدها: أنه لا يفيد الفور ولا يدفعه وهو قول معظم الشافعية ينسب الى الشافعية نفسه قال إمام الحرمين وهو اللائق بتصريحاته في الفقه وإن لم يصرح به في مجموعاته في الأصول وعليه أبو علي وابنه وأبو الحسين واختاره الغزالي والامام واتباعه منهم المصنف والآمدي وابن الحاجب وهو المنقول عن القاضي قال امام الحرمين في البرهان وهذا بديع من قياس مذهبه مع استمساكه بالوقف وتجهيله من لا يراه وهذا الذي قال أنه بديع من مذهب القاضي قال في التلخيص أنه الأصح وقال قطع القاضي ﵀ بإبطال المصير إلى الوقف في هذا الباب وهو الأصح إذ المصير إلى الوقف في هذا الباب يعود إلى خرق الاجماع أو يلزم ضربا من التناقض. المذهب الثاني: أنه يفيد الفور وبه قالت الحنفية وقد عزى كما ذكر في البرهان إلى أبي حنيفة نفسه وقال ابن برهان في الوجيز لم ينقل عن الشافعي ولا أبي حنيفة في نقل المسالة وانما فروعها تدل على ما نقل عنهما قال وهذا خطأ في نقل المذاهب إذ الفروع تبنى على الأصول لا العكس.

стр. 466

قلت وفي هذا الكلام نظر فان المطلع على مذهب إمام إذا استقرأ من كلامه في فروع شيء المصير إلى ما ليس له مأخذ إلا القول بأصل من أصول جزم الاعتقاد بأن ذلك الأصل مختاره ونسبه إليه وهذا صنيع أصحابنا على طبقاتهم يقولون مذهب الشافعي كذا وإنما استنبطوا ذلك من قواعده من غير اطلاع على نصه. ومنهم: من ينسب إليه القول المخرج مع كونه نص على خلافه وقد أختار هذا المذهب من أصحابنا القاضي أبو حامد المروزي وأبو بكر الصيرفي وهو مذهب داود ومعظم الحنابلة. والمذهب الثالث: انه يفيد التراخي كذا أطلقه جماعة منهم المصنف وقال الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع وإمام الحرمين في التلخيص والبرهان ان هذا الاطلاق مدخول إذ مقتضاه ان الصيغة المطلقة تقتضي التراخي حتى لو فرض الامتثال على البدار لم يعتبر به وليس هذا معتقد أحد هذا كلامهما ورأيت ابن الصباغ في عدة العالم قال أن من الواقفية في هذه المسالة من قال لا يجوز فعله على الفور لكن قال إن القائل بهذا خالف الاجماع قبله وعلى الجملة هو مذهب ثابت منسوب إلى خرق الإجماع ونقل ابن السمعاني في القواطع القول بأنه على التراخي عن ابن أبي هريرة وأبي بكر القفال وابن خيران وأبي على الطبري صاحب الإفصاح وصححه ثم قال إن معنى قولنا أنه على التراخي أنه ليس على التعجيل قال والجملة أن قوله افعل ليس فيه عندنا دليل إلا على طلب الفعل فحسب من غير تعرض الوقت. قلت: وعلى هذا التفسير فهذا المذهب هو المذهب الأول بعينه. والمذهب الرابع: الوقف إما لعدم العلم بمدلوله أو لأنه مشترك بينهما وهو الذي عبر عنه المصنف بقوله وقيل مشترك وكان الأحسن أن يقول وقيل بالوقف ليشمل هذين الاحتمالين على أن صفي الدين الهندي نقل أن منهم من توقف فيه توقف الاشتراك ثم افترقت الواقفية فمن قائل إذا أتى بالمأمور به في أول الوقت كان ممتثلا قطعا وإن أخر عن الوقت الأول لا يقطع بخروجه عن

стр. 467

العهدة واختاره إمام الحرمين في البرهان ومن قائل إنه وإن بادر إلى فعله في أول الوقت لا يقطع بكونه ممتثلا وخروجه عن العهدة لجواز إرادة التراخي نقله الآمدي وابن الحاجب وغيرهما. قوله لنا: أي الدليل على أن الأمر لا يقتضي الفور ما تقدم في الكلام على أنه لا يقتضي التكرار وأشار إلى دليلين. أحدهما: صحة تقييده بالفور والتراخي من غير تكرير ولا نقض كصحة تقييده بالمرة والمرات من غيرهما. والثاني: وروده مع الفور وعدمه فيجعل حقيقة في القدر المشترك وهر طلب الإتيان به دفعا للاشتراك والمجاز كما ورد بالتكرار والمرة وعدمهما وجعل حقيقة في القدر المشترك وقد تقدم الكلام في هذين الدليلين مبسوطا وتقدم دليل ثالث لا يأتي هنا. قال: قيل: أنه تعالى ذم إبليس على الترك ولولم يقتض الفور لما استحق الذم. قلنا: لعل هناك قرينة عينت الفورية قيل سارعوا يوجب الفورية. قلنا: فمنه لا من الأمر قيل لو جاز التأخير فإما مع بدل فيسقط أولا معه فلا يكون واجبا وأيضا إما أن يكون للتأخير أمد وهو إذا ظن فواته وهو غير شامل لأن كثيرا من الشباب يموتون فجأة أولا فلا يكون واجبا. قلنا: منقوض بما إذا صرح به قيل النهي يفيد الفور فكذا الأمر. قلنا: يفيد التكرار. احتج القائلون بالفور بأوجه: أحدها: قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ١ عابه على كونه لم يأت في الحال بالمأمور به وهو يدل على أنه واجب الإتيان بالفعل حين أمر به إذ لو لم يجب لكان لإبليس أن يقول ما أوجبت على في الحال فكيف استحق الذم بتركه في الحال أجاب تبعا للإمام بأنه يحتمل ان يكون ذلك الأمر مقرونا بما يدل على أنه على الفور.

стр. 468

قال الهندي وهو ضعيف لأن ظاهره يدل على ترتيب الذم بمجرد ترك المأمور به فتخصيصه بأمر آخر غير خلاف للظاهر. قال: وهذا وإن كان لازما على كل من يجب بهذا الجواب إلا أن الملام فيه على الإمام اشد لأنه أجاب عن هذا الجواب لما اعترض به على استدلاله بهذا النص على ان الآمر للوجوب والمصنف تبعه في الموضعين قال الهندي ثم. والأولى: أن يقال في جوابه أن هذا الامر كان مقرونا بما يدل على أنه للفور بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ١ فانه جعل الامر بالسجود جزاء لشرط التسوية والنفخ والجزاء يحصل عقيب الشرط وإنما أفاد الأمر هنا الفور بهذه القرينة وهذا الجواب إن صح فلك أن تقول هذه القرينة هي التي أوجبت للإمام أن يقول هنا لعل قرينة أوجبت وأما في مسالة الأمر هل يقتضي الوجوب فلا قرينة فكان ما ادعاه الإمام من القرينة موجودا دون ما ادعاه الخصم ثم والحاصل أن كلا منهما ادعى قرينة والاصل عدمها وتأيدت دعوى الإمام والمصنف بهذه الآية فصح ما قالاه وفي صحة الجواب نظر من جهة أنه قد يمنع أن الجزاء يحصل عقيب الشرط وليس هنا ما يتخيل دلالته عليه إلا الفاء في قوله: ﴿فَقَعُوا﴾ وهي لا تدل عليه إلا إن كانت للتعقيب وقد نص النجاة أو على أنها إذا وقعت جوابا للشرط لا تقتضي تعقيدا. وقال بعضهم: إن في الآية قرينة أخرى وهي فعل الأمر في قوله: ﴿فَقَعُوا﴾ إذ هو العامل في إذا لأنها ظرف والعامل فيها جوابها فصار التقدير: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ وقت تسويتي إياه وهذا صحيح على رأي الجمهور القائلين بأن العامل في إذا جوابهما ولكن قال بعض البصريين أن العامل فيها ما يليها حكاه شيخنا أبو حيان في البحر المحيط عند قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا﴾ وهو متجه في هذه الآية لأن ما بعد الفاء لا يجوز أن يعمل فيما قبلها

стр. 469

فكيف يتجه في مثل: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ أن يقال العامل في إذا جوابها بل هذا وأمثاله تصلح اعتراضا على الجمهور القائلين بهذه المقالة. الوجه الثاني قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ١ فانه يوجب أن الأمر للفور لأنه بالمسارعة وهي التعجيل بالمأمور به والأمر للوجوب والمسارعة واجبة ولا معنى لان الأمر يقتضي الفور الا ذلك وحمل المغفرة على حقيقتها في الآية ممتنع لان المغفرة من فعل الله تعالى والعبد لا يسارع إلى فعله محمول على المجاز وهو المأمور به وفي معنى هذه الآية قوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ وأجاب بأن الفورية لم تستفد من الأمر بل من قوله سارعوا يعني من جوهر اللفظ لأن لفظ المسارعة دال عليه كيف ما تصرف بل لمباحث أن يقلب هذا الدليل ويستدل به على عدم الفور لأن المسارعة مباشرة الفعل في وقت مع جواز الإتيان به في غيره ولقائل أن يقول لا نسلم تفسير المصارعة بما ذكرتم بل المسارعة عبارة عن التعجيل بالفعل المطلوب كما تقول سارعت إلى إنقاذ الغريق وإن كانت المبادرة إلي ذلك واجبة وذلك أعم من أن يجوز مع ذلك فعله في وقت آخر أم لا ثم قولكم الفورية لم تستفد من الأمر بل من مادة سارعوا فيه تسليم لوجوب فعل المأمورات الشرعية على الفور بما دل على ذلك من قوله سارعوا فحاصل ما أجبتم به أنكم سلمتم ثبوت الفور في المأمورات ولكن قلتم ان ذلك ليس من مدلول الامر بل من دليل منفصل وهذا يحصل به معظم مقصود الخصم أن الفرض الأعظم إنما هو الأوامر الشرعية. وقد يقال: دلالته على وجوب المسارعة إلى أسباب المغفرة بطريق الاقتضاء فلا يلزم منه وجوب المسارعة إلى جميع أسباب المغفرة بناء على المقتضى وهو ما اضمر ضرورة صدق المتكلم لا عموم له فيختص ذلك بما اتفق على وجوب تعجيله ولا يعم كل مأمور. الثالث: لو لم يكن الأمر للفور لكان التأخير جائزا وجوازه إما مع بدل أو لا معه والضمان باطلان:

стр. 470

أما الأول فلأن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل من كل الوجوه فإذا أتى بهذا البدل وجب أن يسقط عنه هذا التكليف ليس كذلك بالاتفاق. وأما الثاني فلأن ذلك يمنع من كونه واجبا لأنه لا يفهم من قولنا ليس بواجب إلا أنه يجوز تركه من غير بدل. الرابع: أنه لم يكن الفور وجاز التأخير لكان إما إلى أمد أي غاية معينة بحيث إذا وصل المكلف إليها لا يجوز له التأخر عنها أو لا يكون له أمد أي بأن يجوز له التأخير أبدا والقسمان باطلان فالقول بجواز التأخير باطل. أما الأول: فلأن ذلك الأمد لا بد له من أمارة يعرفه المكلف بها لئلا يلزم وقوع التكليف بما لا يطاق ولذلك لم يكن للخصم أن يقول يجوز أن يكون الأمد غاية مجهولة عند المكلف لأنه يصير مكلفا بأن لا يؤخر الفعل عن وقت معين مع عدم معرفته به وهو تكليف بما لا يطاق وإذا كان لا بد له من أمارة يعرفها المكلف فتلك الأمارة هي بالاتفاق ظن الفوات على تقرير الترك إما لكبر السن أو الفرض الشديد وذلك الأمر غير شامل للمكلفين لأن كثيرا من الناس يموتون فجأة ويقتلون بغتة من غير حصول إمارات للموت فيلزم أن لا يشملهم الأمر وليس كذلك. وأما الثاني: فلأن التأخير أبدا يجوز الترك أبدا وتجويز أبدا ينافي الوجوب وأجاب عن هذين الوجهين بالنقض بما إذا صرح للمكلف بجواز التأخير مثل أن يقال له أوجبت عليك أن تفعل كذا في أي وقت شئت أو ولك التأخير فإن هذين الوجهين يطردان فيه مع جواز التأخير بالإتفاق. قال الإمام: فكل ما جعلوه عذرا في هذه الصورة فهو عندنا عما ذكروه وسنذكر ما تحصل به المناقشة في هذا الجواب إن شاء الله تعالى وأجيب عنه أيضا بالتزام أن الأمد غير معين ولا يلزم التكليف بما لا يطاق لأنه إنما يلزم إذ لو لم يجز الإتيان به على الفور أما إذا جاز فعله على الفور فلا يلزم تمكن المكلف من الامتثال في الحال والتكليف بالمحال هو التكليف بالمتعذر امتثاله من كل وجه.

стр. 471

الخامس: أن النهي يفيد الفور فكذا الأمر بالقياس عليه بجامع الطلب فيهما وأجاب بأن النهي يفيد التكرار ويلزم من ذلك وقت الحال فأفاد النهي الفور بضرورة دخول وقت الحال في الأوقات لا لذاته وهذا الجواب قد تقدم مثله وقد ناقضه بعد هنا حيث يقول النهي كالأمر في التكرار والفور فكان الأولى ان يجيب أما بأن النهي لا يفيد الفور أو بأن هذا قياس في اللغة فلا تقبل وقد استدل القائلون بالفور أيضا بوجه سادس لم يذكره في الكتاب وهو طريقة الاحتياط فانا اجمعنا على أنه لو فعل عقيبه وقع الموقع ولا عبرة بالمذهب الضعيف المتقدم إن ثبت لمصادمته للإجماع. واختلفا في أنه فعل بعد ذلك هل يخرج عن العهدة فطريقة الإحتياط تقضي وجوب الإتيان به على الفور ليحصل الخروج عن العهدة بيقين. وأجاب الإمام: بأنه ينتقض بقوله افعل في أي وقت شئت واعترض صاحب التحصيل على هذا الجواب بأن طريقة الاحتياط غير منقوضة إذ لا خوف ثمة قال الشيخ شمس الدين بن الجزري في شرح أسئلة التحصيل١ إنما قال ذلك لوجهين: أحدهما: أن الكلام فيما إذا كان الأمر مطلقا واحتمل أن يكون المراد الفور. ثانيهما: أن الفعل على تقدير قوله: افعل في أي وقت شئت لا خرق في قول على الفور ولا على التراخي حتى تنتقض طريقة الاحتياط قال واعلم أن الوجه الأول من وجهي الاعتراض على جواب الإمام في طريقة الاحتياط لم يذكره صاحب التحصيل فعلى هذا ينقدح مناقشة ترد كلامه فيقول إما أن

стр. 472

يريد أن طريقة الإحتياط غير منقوضة على تقدير اعتبار قوله في أي وقت شئت أو لا فإن أراد الأول لم يبق احتياط ضرورة استواء الفعل على الفور والتأخير فلا يقال طريقة الاحتياط باقية وإن أراد الثاني فليس الجواب أن طريقة الاحتياط غير منقوضة إذ لا خوف ثمنه ضرورة قيام الخوف على تقدير عدم اعتبار ذلك الفور بل الجواب أن ذلك بقوله افعل في أي وقت شئت والكلام في الأمر بمجرده قال والإشارة بقوله ثمة إلى الصورة التي أوردها الإمام وهي الصورة الأخيرة خارج عن وضع اللغة فالأولى به أن يقول: ألا خوف هنا. واعلم أن المنتصر لكلام الإمام أن يقول: مراد الإمام بقوله افعل في أي وقت شئت ان هذا القول لا يعد منافيا لقوله افعل بل يكون موافقا لمقتضاه فلا يتصور طريقة الإحتياط إلا إذا كان الفور راجحا أو مساويا أما إذا كان الراجح التوسعة فلا تأتي طريقة الاحتياط وإلا فالإمام ما يجهل أن قوله افعل في أي وقت شئت غير قوله افعل من غير ضميمة هذا كله كلام ابن الجزري وفيه نظر يحتاج إلى تطويل وقال الترمذي التمسك على الفور بطريقة الاحتياط ضعيف لأن الاحتياط ليس من أمارات الوضع ولا مقتضيات الوجوب بل هو من باب الأصلح ثم قوله افعل الآن يعد تأكيدا وفي أي وقت شئت يعد تخفيفا ومسامحة قال القرافي ويرد عليه أن ههنا قاعدة خفية عادة الفضلاء يوردون بسبب إهمالها سؤالا فيقولون في كلما يقول المستدل فيه هذا ارجح فيجب المصير إليه ان الرجحان يقتضي أنه أحسن أما أنه المتعين فلا الندب هو اللازم في هذه المواطن التي فيها الرجحان بالاحتياط ونحو ذلك أن فعل الأحسن مستحب ولا يصل إلى الوجوب قال وأهملت قاعدة وهي إن الرجحان إن كان في أفعال المكلفين فكما قالوه وإن كان في مدارك المجتهدين وأدلة المناظرين اقتضى ذلك الوجوب والتحتم والروم بل العقد الاجماع على أن المجتهد عليه اتباع الراجح من غير رخصة في تركه بخلاف الراجح في حق المكلف إنما هو مندوب وكذلك الراجح في الاجتهاد في طلب القبلة وطهورة الماء من باب الوجوب إجماعا ومنه قيد المتعلقات وأروش الجنايات قال فتأمل هذه القاعدة فهي ظاهرة وهي خفية وبها يظهر بطلان

стр. 473

قوله: إن الإحتياط ليس من مقتضيات الوجوب لأن هذا رجحان في ذلك لا في فعل المكلف وأما قوله افعل الآن تأكيد وفي أي وقت مسامحة فهو مصادرة على مذهب الخصم بغير دليل هذا كلام القرافي والقاعدة التي ذكرها من وجوب اتباع الراجح على المجتهد صحيحة لكن الكلام في أن الأخذ بالاحتياط هل هو راجح ولو صح ما قاله لكنا نلزم المجتهدين بالأخذ بجميع المآخذ وإن لم يثبت عندهم صحتها ونقول للشافعي يجب عليك العمل بالاستحسان احتياطا فالمجتهد الناظر في أن الأمر هل يقتضي الفور ما لم يقم عنده دليل على ذلك ليس له أن يقول بذلك للاحتياط نعم المكلف الذي توجه الأمر نحوه يستحب له المبادرة احتياطا أو يجب عليه بحسب ما يؤدي إليه قواعد الاحتياط وهذا قد قاله هو حيث قال إن كان في أفعال المكلفين فكما ذكروه وما نحن فيه من أفعال المكلفين وأحسن من دليل الاحتياط في الدلالة على أن الأمر يقتضي الفور أن تقول من توجه الأمر المطلق نحوه فقد تحققنا وجوب الفعل عليه وشككنا هل يخرج من العهدة بالتراضي مع القطع بأنه يخرج عنها بالمبادرة لأنه مأمور بأمر فلا يخرج عن عهدته الا بيقين وهذا إنما تم إذا قطعنا بأن المبادرة خارج عن العهدة وفيه ما سلف ثم أنه أيضا يرد في التكرار فيقال للمستدل به يلزمك بهذه الطريقة أن تقول أن الأمر للتكرار إلا أن تبين دليلا قائما على نفي التكرار بخصوصه. فائدة: القبول في الوكالة بمعنى الرضا وعدم الرد معتبر بلا خلاف ولا يجب فيه التعجيل بحال قال الرافعي ولو خرج على أن الأمر هل يقتضي الفور لما بعد وأن شرطنا القبول باللفظ ففي اشتراط الفور خلاف مشهور يتجه تخريجه على هذه القاعدة فيما إذا كانت للصيغة صيغة أمر مثل بع واشتر وما أشبه ذلك.

стр. 474

الفصل الثالث في النواهي المسألة الأولى: النهي يقتضي التحريم ... قال: الفصل الثالث: في النواهي وفيه مسائل الأولى النهي يقتضي التحريم لقوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ . لم يذكر المصنف حد النهي لكونه معلوما من حد الأمر فكل ما قيل في حد الأمر من تعريف ومختار فقد قيل مقابلة في النهي وصيغة النهي عند القائلين:

стр. 475

بالصيغة ترد لسبعة محامل: التحريم مثل: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ والتنزيه مثل قوله ﵇: "ولا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول" والدعاء: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ والإرشاد: ﴿لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وبيان العاقبة: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ والتحقير: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ واليأس: ﴿لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ . والكلام أن صيغة النهي هل هي حقيقة التحريم أو الكراهة أن مشتركة بينهما أو موقوفة على ما سبق في الأمر فالخلاف في اكثر المسائل على وزان الخلاف في مقابلتها من مسائل النهي والمآخذ كالمآخذ وقد سبق أن الأمر المجرد عن القرينة يقتضي الوجوب فالمختار ان النهي المجرد عن القرينة يقتضي التحريم. واعلم أنه إذا ثبت أن الامر للوجوب والنهي نقيضه فلا يثبت ان النهي للتحريم بل أنه ليس للوجوب لأن نقيض الوجوب لا وجوب ولما كان في الرأي المختار زيادة وهو ان النهي للتحريم استدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ووجه الاحتجاج انه أمر بالانتهاء عن المنهى والأمر للوجوب فكان الانتهاء عن المنهى واجبا وذلك هو المراد من قولنا النهي للتحريم ولقائل أن يقول هذا أولا لا يتم إلا بعد تسليم أن الأمر للوجوب وثانيا أن التحريم حينئذ لا يكون مستفادا من صيغة النهي بل بما دل من خارج وهو قوله: ﴿فَانْتَهُوا﴾ بل قد يقال لو كان النهي للتحريم لما احتيج إلى الأمر باجتناب المنهي عنه فكان الأمر بذلك دليلا على أن التحريم غير مكتسب منه وبهذا يظهر لك أن التحريم مستفاد من الشرع لا من اللغة ولم ترد الصيغة المطلقة من حيث اللغة على تضمن جزم الاقتضاء في الإنكفاف عن المنهي عنه كما قدمناه في الأمر إذا قلنا الصيغة المطلقة تتضمن جزم الاقتضاء في المأمور به وهذا هو مذهب إمام الحرمين الذي اخترناه كما علمت ثم قال: وهو كالأمر في التكرار والفور. حكم النهي حكم الأمر في عدم دلالته على التكرار وعلى الفور وقد اختار

стр. 476

الإمام أن النهي لا يقتضي التكرار مع قوله في مسألة الفور أن النهي يقتضه وإبهامه عدم الخلاف فيه ولذلك وقع للمصنف كما نبهنا عليه واستدل الإمام على أن النهي لا يقتضي التكرار بأنه يرد للمرة كقول الطبيب للمريض الذي يشرب الدواء لا تشرب الماء ولا تأكل اللحم أي في هذه الساعة ويرد للتكرار مثل: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك وأما الآمدي فإنه قال اتفق العقلاء على أن النهي يقتضي الانتهاء عن المنهى عنه وإنما خلافا لبعض الشاذين وزعم ابن برهان كما نقله عنه الاصفهاني انعقاد الاجماع عليه وهذا ما جزم به الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع وهو المختار عند ابن الحاجب ونحن نوافق القائلين بأنه التكرار في المعنى دون العبارة فتقول إذا قلت مثلا لا تضرب فلا ريب أنك منعت المكلف من إدخال ماهية الضرب في الوجود ولا يحصل ذلك إلا بالإمتناع عن إدخال كل الأفراد ولا يتحقق الإمتثال إلا بالإمتناع فكان التكرار من لوازم الإمتثال لا من مدلول اللفظ وينبغي أن يرد كلام القائل أنه يقتضي التكرار إلى ما قررناه وما استدل به الإمام مردود لأن قول الطبيب للمريض لا تأكل اللحم ولا تشرب الماء إنما جاء فيه التكرار لقرينة المرض والكلام في النهي المجرد وكان يمكننا أن نحمل كلام الإمام على ما قررناه لولا الإستدلال بهذا ثم إن المصنف اختار ان النهي لا يقتضي الفور جريا على قاعدته ونحن لا نختار ذلك إذ من ضرورات ما قررناه وجوب الترك على الفور.

стр. 477

المسألة الثانية: النهي يدل على الفساد ... قال: الثانية النهي شرعا يدل على الفساد في العبارات لأن المنهي بعينه لا يكون مأمورا به وفي المعاملات إذا رجح إلى نفس العقد أو أمر داخل فيه أو لازم له كبيع الحصاة والملاقيح والربا لأن الأولين تمسكوا على فساد الربا بمجرد النهي من غير نكير وإن رجع إلى أمر مقارن كالبيع وقت النداء فلا. هذه المسألة في النهي عن الشيء هل يدل على فساده وقد اختلفوا فيه على مذاهب. أحدها: أنه يدل عليه مطلقا قال الأصفهاني ونقله أبو بكر بن فورك الأصبهاني عن أكثر أصحاب الشافعي وأبي حنيفة.

стр. 478

قلت: ونقله القاضي في التخليص لإمام الحرمين عن الجمهور من أصحاب الشافعي ومالك وأبى حنيفة وأهل الظاهر وطائفة من المتكلمين وقال ابن السمعاني أنه الظاهر من مذهب الشافعي وأن عليه اكثر الأصحاب. والثاني: أنه لا يدل عليه ونقله في مختصر التقريب عن جمهور المتكلمين والامام عن اكثر الفقهاء قال الشيخ أبو اسحاق وللشافعي كلام يدل عليه. والثالث: أنه يدل على الفساد في العبادات دون المعاملات وهو مذهب أبي الحسين واختاره الإمام وبعض اتباعه. والرابع: أن النهي إن كان يختص بالمنهي عنه كالصلاة في السترة النجسة دل على فساده وإن كان لا يختص بالمنهي عنه كالصلاة في الدار المغصوبة والثوب الحرير والبيع وقت النداء فلا يدل على الفساد حكاه الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع عن بعض أصحابنا. والخامس: وهو اختيار المصنف واليه يرجع س م جمع من المحققين أنه يدل على فساده في العبادات سواء نهى عنها لعينها أم لأمر قارئها لأن الشيء الواحد يمتنع أن يكون مأمورا به منهيا عنه كالصلاة المنهي عنها مثلا فإنها لو صحت لوقعت مأمورا بها أمر ندب لعموم الدلائل الطالبة للعبادات والآمر بها يقتضي طلب فعلها والنهي عنها يقتضي طلب تركها والجمع بينهما غير ممكن وأما المعاملات فالنهي أما أن يرجع إلى نفس العقد أو إلى أمر داخل فيه أو خارج عنه لازم له أو إلى أمر مقارن غير لازم له هذه أقسام. أولها: بأن يرجع إلى العقد فيبطل أيضا وذلك كبيع الحصاة وهو أن قول: بعتك من هذه الأثواب مما وقعت عليه الحصاة التي أرميها أو بعتك هذه الأرض من هنا ما انتهت إليه هذه الحصاة وقيل بيع الحصاة أن يقول بيعك على أنك بالخيار إلى أن ارمي الحصاة وقيل أن يجعلا نفس الرمي بيعا فتقول إذا رميت هذه الحصاة فهذا التوكل مبيع بنك بكذا وعلى الصور كلها البيع باطل. وثانيها: أن يرجع إلى أمر داخل فيه فيبطل أيضا وذلك كبيع الملاقيح وهي ما في بطون الأمهات من الأجنة فإن النهي راجع إلى نفس المبيع الذي

стр. 479

هو ركن من أركان العقد والركن داخل في الماهية فيكون راجعا إلى أمر داخل في الماهية. وثالثها: أن يرجع إلى أمر خارج عنه لازم له فيفسد أيضا وذلك كالربا فإن النهي فيه راجع إلى أمر خارج عن العقد أما في ربا النسيئة والتفوق قبل التقابض فكون النهي فيه لمعنى خارج ظاهر وأما في ربا الفضل فلأن النهي عن بيع درهم بدرهمين إنما هو للزيادة وهو معنى خارج عن نفس العقد لأن المعقود عليه من حيث هو قال للبيع وكونه زائدا أم ناقصا من جملة أوصافه واحتج المصنف على أنه يدل على الفساد بأن الأولين تمسكوا على فساد الربا بمجرد النهي من غير تكبر عليهم من أحد فكان ذلك إجماعا ولك أن تقول هذا سكوتي وليس عند المصنف بإجماع ولا حجة فكيف يستقيم منه الإحتجاج به. ورابعها: أن يرجع إلى أمر مقارن للعقد غير لازم له في جميع الصور وذلك كالنهي عن البيع وقت نداء الجمعة فإنه راجع إلى أمر خارج عن العقد وهو تفويت صلاة الجمعة لا لخصوص البيع بدليل أن جميع الأعمال المفوتة للصلاة كذلك والتفويت أمر مقارن غير لازم فهذا القسم لا يدل على الفساد فقد عرفت أن جميع الاقسام سوى هذا عند المصنف تدل على الفساد اختلفوا فمن قائل يدل شرعا لا لغة وهو اختيار المصنف حيث قال يدل شرعا فافهم ذلك لكن دليله هذا الذي قررناه إنما يدل على الفساد من حيث هو وأما كونه من جهة الشرع فلا يدل وقال قوم يدل لغة وقال ابن السمعاني وأما القائلون بأنه لا يدل على الفساد فافترقوا فمن قائل يدل على الصحة ونقله أبو زيد عن أبي حنيفة ومحمد ومن قائل لا يدل وقوله في الكتاب بعينه هو بالباء الموحدة من تحت أي بنفسه وهو متعلق بيكون والله اعلم.

стр. 480

المسألة الثالثة: مقتضى النهي فعل الضد ... قال: الثالثة: مقتضى النهي فعل الضد لأن العدم غير مقدور وقال: أبو هاشم: من دعي إلى زنا فلم يفعل مدح قلنا: المدح على الكف. هذه المسألة في بيان مقتضى النهي فالمطلوب عندنا بالنهي فعل ضد المنهى عنه فإذا قال لا يتحرك فمعناه ما يضاد الحركة وعند أبي هاشم هو نفس أن

стр. 481

لا تفعل وهو عدم الحركة في هذا المثال وقد وافقه بعض المتكلمين وتقله التبريزي عن الغزالي وأما قول إمام الحرمين في الرد على الكعبي في مسألة المباح الفرض من النهي عن الزنا أن لا يكون ضد من أضداده فلا ينبغي أن يفهم منه موافقة أبي هاشم بل هو حق لا شك فيه والفرق بينه وبين رأي أبي هاشم أن قولها الفرض يعني به المقصود من التكليف ولم يقل انه المكلف به كما قال أبو هاشم والمكلف به هو المحصل لذلك الغرض فالغرض هو غاية الشيء الذي طلب لأجلها واحتج المصنف على ما ذهب إليه بأن النهي تكليف والتكليف إنما يرد بما كان مقدورا للمكلف والعدم الأصلي يمتنع أن يكون مقدورا للمكلف وذلك لأن المقدور ما للقدرة فيه تأثير ما والعدم الصرف يستحيل أن يكون أثرا للقدرة وبتقدير ان يكون العدم أثرا يمكن إسناده إلى القدرة لكن العدم الأصلي لا يمكن إسناده إلى القدرة لان الحاصل لا يمكن تحصيله ثانيا وإذا تقرر هذا فمتعلق النهي أمر وجودي ينافي المنهي عنه وهو المطلوب وهذا الدليل متوقف على قاعدة وهي ان اللغات لم يوضع الطلب فيها الا للمقدور دون المعجوز عنه ونحن وان قلنا بجواز تكليف ما لا يطاق فإنما نقول به في أحكام الربوبية لا في الموضوعات اللغوية لتحصيل المقاصد العادية والمحال لا يحصل عادة واعترض على هذا الدليل بأنكم ان عنيتم بالقدرة ماله اثر يستند ذلك إليه فلا نسلم ان التكليف يعتمد هذه القدرة بل ذلك من الفعل واما في الترك فلا وان عنيتم بالقدرة ما يجده من نفسه كل أحد وهو ان سليم الأعضاء القوي يدرك من نفسه انه متى أراد الفعل فعل ومتى أراد الترك ترك ويجد من نفسه التمكن فنحن نسلم ذلك ونمنع انه غير قادر بهذا الاعتبار واعترض أيضا بأن ترك الزنا مثلا ليس بعد محض وانما هو عدم مضاف فيكون مقدورا واحتج أبو هاشم بأن من دعي إلى الزنا فلم يفعله فان العقلاء يمدحونه على أنه لم يزن من غير ان يخطر ببالهم فعل ضد الزنا فعلمنا أن هذا العدم يصلح أن يكون متعلق التكليف وأجاب المصنف بأن المدح ليس على شيء لا يكون في وسعه والعدم الأصلي يمتنع أن يكون في وسعه وطاقته كما عرفت وإنما يمدح على كفه عن ذلك الفعل وذلك الكف أمر

стр. 482

وجودي وهو فعل ضد الزنا وإلى هذا أشار بقوله قلنا على الكف أي المدح على فعل الكف هذا شرح ما ذكره ونختم المسألة بفائدتين. أحدهما: فقد عرفت ان الكف فعل على المختار وفي فروع الطلاق عن الرافعي عن القفال لو قال ان فعلت ما ليس لله فيه رضى فأنت طالق فتركت صلاة أو صوما لا تطلق لأنه ينبغي أنه ترك وليس بفعل فلو سرقت أو زنت طلقت الثانية وهي المقصود الأهم قد يقال ما الفرق بين هذه المسألة التي انتهينا منها وبين المسألة المتقدمة في أن النهي عن الشيء هل هو أمر بقصده وتقرير السؤال أنك قد علمت أن الجمهور قالوا المطلوب بالنهي فعل عند المنهى عنه أي الكف عنه وقال أبو هاشم إغفاء الفعل واختلفوا أيضا في النهي عن الشيء هل هو أمر بضده كما سلف في مكانه فإذا قيل معنى قولنا النهي عن الشيء أمر بضده هو ان مطلوب النهي فعل الضد وهو أحد القولين في المسالة الأولى ومعنى انه ليس أمرا بضده هو ان المطلوب انتقاء المنهي عنه وهو القول الثاني فالمسألتان حينئذ واحدة وإلا فما الفرق قلنا قد كنا وعدنا في الكلام على تلك المسألة بالجواب عن هذا السؤال ضيق المحل هناك عما لورده هنا وقد أجيب بأوجه. أحدها: أن الكلام في تلك المسألة بحث لفظي وفي هذه معنوي ذكره الأصفهاني في شارح المحصول. والثاني: أن قولنا: النهي عن الشيء أمر بضده بحث في المتعلقات بكسر اللام فإن النهي فنعلق بالمنهي عنه والأمر متعلق بأمور وقولنا المطلوب بالنهي فعل ضد المنهي عنه بحث في المتعلقات بفتح اللام. والثالث: أن البحث في تلك المسألة في دلالة الالتزام على المنهى عنه فتقول متى نهى عن الشيء مطابقة دلت على طلب ضده التزاما والبحث في هذه في دلالة المطابقة ما مدلولها المطابق هل العدم أو هذه ذكرهما القرافي. وأعلم أنه قد وقع النظر في هذا السؤال وهذه الأجوبة عندي غير مرة

стр. 483

وطال الحجاج والذي قلته انا في مفرق أنه إذا انهي عن شيء كالزنا مثلا فهناك ثلاثة أمور. أحدها: انتفاء الزنا. والثاني: الكف. والثالث: فعل عند من أضداده لا يتم الكف أو الانتفاء الا به كالوطىء المباح أو غيره مما لا يجامع الزنا في آن واحد إذا تقرر ذلك فنقول كون المطلوب في النهي أو الانتفاء هو مسالة أبي هاشم والخلاف فيها قد ينبني على أن شرط المطلوب الإمكان أم لا وعلى ان الانتفاء مقدور أم لا وهما مسألتان مختلف فيهما فان قلنا ليس من شرط المطلوب الإمكان جاز أن يكون متعلق النهي الانتفاء كرأي أبى هاشم وان قلنا شرط التكليف الإمكان وان الانتفاء مقدور فكذلك ايضا وإلا يقين ان يكون المطلوب في النهي هو الكف. واما كون النهي يقتضي الامر بضده أو فمعناه ان طلب الكف عن المنهي عنه أو طلب انتفائه على اختلاف القولين: هل يستلزم الأمر بضده الذي لا يتم الكف أو الانتفاء الا به كما لوطيء المباح مثلا أم لا وهذه هي المسالة الأخرى والخلاف فيها مبني على ان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب لا على ما أثبتت عليه المسألة الأولى فالمسالتان مختلفتان ليست إحداهما عين الأخرى ولا مستلزمه لها ليس القولان القولين فإن القائلين بأن مطلوب أمر بالضد الذي هو لا يتم الكف الا به أمر وكذلك القائلون بان مطلوب النهي الذي انتفاء الفعل ويمكن ان يخلفوا في ان طلب الانتفاء هل هو أمر بالضد الذي لا يتم انتفاء الفعل الا به هذا فرعنا على ان النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده. أما إذا فرعنا على ان النهي نفس الأمر بالضد وأريد بالضد الكف أو الانتفاء فهي غيرها ايضا لان خلاف مسالة أبى هاشم هو في ان مطلوب النهي هل هو الكف أو الانتفاء وخلاف هذه في ان هذا النهي الذي هو طلب الانتفاء أو الكف أمر أم لا نعم الخلاف في هذه على هذا التفريع مرتب على الخلاف في مسالة أبى هاشم حتى إذا قلنا بمذهب أبى هاشم لم يكن النهي أمرا

стр. 484

بلا خلاف لان الامر طلب فعل لا طلب انتفاء اتفاقا وإذا قلنا بمذهب غير أبى هاشم أمكن الخلاف في ان النهي الذي هو طلب الكف أمر بذلك الكف أم لا لأن الكف فعل لكن يلزم القائلين بأن النهي أمر بالكف ان يكون النهي نوعا من الامر وان فرعنا على ان النهي عن الشيء نفس الامر بضده لكن أريد بالضد ما لا يتم الكف أو الانتفاء الا به كالوطء المباح مثلا صارت المسألتان واحدة الا ان المبحوث عنه في مسألة أبى هاشم هو ان مطلوب النهي الكف أو الانتفاء والمبحوث عنه في ان مطلوب النهي فعل الضد الذي لا يتم الكف أو الانتفاء الا به أم لا ويتلخص من البحثين ان في المسألة حينئذ ثلاثة مذاهب: أحدها: مذهب أبى هاشم: الثاني: أن مطلوب النهي هو الكف: الثالث: ان المقصود في النهي فعل ضد ليس بكف ولا انتفاء والله اعلم. ويتضح به ما قررناه من الفرق بأن الكف فعل اعم من جميع الأضداد لأنه لا ضد الا وهو مشتمل على الكف فإذا قلنا في هذه المسألة المطلوب بالنهي الكف أوردنا الضد الأعم. وقولنا: في المسألة الأخرى النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده المراد به الضد الخاص الذي لا يتم الكف أو الانتفاء إلا به ويكون من نهى عن شيء حينئذ عند القائل بان النهي عن الشيء أمر بضده مأمورا بشيئين اعم وأخص الكف وفعل يحصل في ضمنه الكف فالمنهي عن الزنا مأمور بالكف عنه وبفعل يشتمل على ذلك الكف ويلزم على ذلك الكف ويلزم على هذا ان يثاب على شيئين الأعم والأخص لتعلق الأمر بهما وان يصح نذره فلو قال لله على ان افعل فلا يضاد الزنا وهو الفعل الفعلاني وعين فعلا لم يطلبه الشرع بخصوصه كالنوم مثلا لزمه الوفاء لكونه مأمورا به في ضمن النهي عن الزنا هذا ما كنت اقرره في الفرق ثم حضر عندي في الحلقة بعض الفضلاء وحصل البحث في هذا الجواب وفي الأجوبة المتقدمة اعني جواب شارح وجواب

стр. 485

القرافي وأنها على هي صحيحة فكتبت أسأل والدي ﵀ عن السؤال من اصله وذكرت الأجوبة وانه هل يحصل الجواب بشيء منها وهل يمكن ان يقال في الجواب هذا الوجه الرابع الذي قررته وانه هل يمكن الاعتراض على هذا الجواب الرابع بأن الكف على الزنا مثلا وإذا كان فعلا يغاير الزنا كان ضدا له ويكون حينئذ أخص من مطلق ضده فلا يحسن. أولا: هناك ثلاثة أمور الانتفاء والكف وفعل الضد لان الكف حينئذ فعل ضد والمغايرة بينهما مغايرة العام والخاص أو يقال الكف اعم لان كل فعل غاير الزنا فقد اشتمل على الكف عن الزنا أو يقال هما متباينان وإذا لم يثبت انهما متباينان وكانت مغايرتهما مغايرة العام والخاص انقدح الاعتراض على هذا الجواب. ثانيا: بأنهم في تلك المسألة قالوا النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده والكف الذي جعل مطلوب النهي في هذه المسألة يصدق عليه انه أحد الأضداد فحصل الأمر انهم قالوا هناك المطلوب واحد بهم من أمور متعددة وهي الاضطهاد وهنا شخصوه في الكف المسؤول الجواب عن هذا كله والمسؤول ايضا النظر في وجه الصواب في مسألة أبى هاشم هل هو معه أو مع الجماهير فكتب احسن إليه ما نصه الخلاف بين الجمهور وأبى هاشم فالجمهور على المطلوب بالنهي فعل عند المنهي عنه وعند أبى هاشم نفس ان لا يفعل وما يضمنه آخر السؤال هل الصواب معه أو مع الجماهير فالجواب ان قول الجمهور المطلوب بالنهي فعل ضد النهى عنه ليس بجيد من حيث اللفظ وقد يكونه الخلل في ذلك من جهة من عبر عنهم فإن النهي قسيم الأمر طلب الفعل فلو كان النهي طلب فعل الضد لكان أمرا وكان النهي من الأمر وقسم الشيء لا يكون قسيما منه ولا شك ان كل متلبس بفعل هو تارك لضده وكل من الفعلين الفعل والترك يصح ان يؤمر به وان ينهي عنده مثاله السفر والإقامة ضدان والتارك للسفر متلبسين بالإقامة قبل الترك للسفر نفس الإقامة أو معنى آخر فيه بحيث يشبه البحث في الحركة هل هي الحصول في حيز مسبوق بالحصول في غيره أو هي نفس لانتقال من حين إلى حين وفيه قولان للمتكلمين

стр. 486

وإن كان كل منهما يلزم الآخر فمتى انتقل من حيز فقد حصل في غيره ومتى حصل في غيره بعد حصوله فيه فقد انتقل بكل من المحصولين أمر ثبوتي يمكن ان يعقل وحده والانتقال أمر نسبي لا يعقل بينهما فكذلك المنهي عنه ارتكابه شيء لا يحتاج في تصوره إلى غيره وفعل ضده شيء لا يحتاج في تصوره إلى غيره والانتهاء شيء. ثالثا: وهو عندي هو المطلوب بالنهي لا كما قاله الجمهور ولا كما قاله أبو هاشم وعندي ان الجمهور إنما أرادوا ما قلته ولكن العبارة عنهم لم نحرر فإذا قلت لا تسافر فقد نهيته عن السفر وانهي يقتضي الانتهاء لأنه مطاوعة نقول نهيته فانتهى والانتهاء هو الانصراف عن المنهى عنه وهو الترك وهو الإنزجار المطاوع لزجر والإنكفاف وما أشبه ذلك ولغة العرب تشهد لهذا والمعقول ايضا يشهد له ويفرق في العقل وفي اللغة بين قولنا لا تسافر وبين قولنا أقم وإن أقم أمر بالإقامة من حيث هي فقد لا يستحضر معها السفر وان لا تسافر نهي وزجر عن السفر فمن أقام قاصدا ترك السفر يقال فيه انتهى عن السفر ومن لم يخطر له السفر بالكلية الا يقال له انتهى عن السفر لا ويقال له مقيم والانتهاء أمر معقول وهو فعل ويصح التكليف به وكذلك في جميع المناهي الشرعية كالزنا والسرقة الشرب ونحوها المقصود في جميعها الانتهاء عن تلك الزوائل ولا يفهم في وضع اللسان وتصور العقل غير ذلك ومن لازم ذلك الانتهاء التلبس بفعل ضد أضداد المنهي عنه فالعبارة المحررة ان يقال ان المطلوب بالنهي الانتهاء ويلزم من الانتهاء فعل ضد المنهي عنه ولا يعكس فيقال المطلوب ضد المنهي عنه ويلزم به الانتهاء متقدم في الرتبة في العقل على فعل الضد فكان معه كالسبب مع المسبب فالكافر إذا اسلم فقد وجد منه ثلاثة أشياء كفره أولا المنهى عنه ثم انتهاؤه عنه والترتيب بينهما في الزمان تم تلبسه بالإيمان الترتيب بينه وبين الانتهاء عن الكفر ليس في الزمان وانما هو في الرتبة ترتب المعلولية على العلية وهما في زمان واحد كذلك الانتهاء وفعل الضد في زمان واحد والانتهاء متقدم بالرتبة نقسم العلية عن المعلولية على العلية وهما في زمان واحد كذلك الانتهاء وفعل الضد في زمان واحد والانتهاء متقدم

стр. 487

بالرتبة تقدم العلية عن المعلولية حتى لو فرض ان الانتهاء يحصل دون فعل الضد حصل المطلوب به ولم يكن حاجة إلى فعل الضد لكن ذلك فرض غير ممكن وهذا المعنى حاصل في الأفعال وكل ما يتلبس به الإنسان والمقصود بالذات هو الانتهاء واما فعل الضد فلا يقصد الا بالالتزام بل قد لا يقصد أصلا ولا يستحضره المتكلم ومتى قصد فعل الضد وطلبه من حيث هو كان أمرا لا نهيا عن ضده ومتى أتى بصيغة أمر في مبنى الانتهاء كقوله اترك فهذا لفظه لفظ أمر ومعناه معنى النهي وبينهما فرق وهو انا قلنا ان الانتهاء له طرفان. أحدهما: من جانب المنهي عنه. والثاني: من جانب ضده الذي به يحصل الانتهاء فقوله لا نفعل جانب المنهي عنه أقوى وقوله اترك الجانب الآخر فيه أقوى ولا مانع أن يترجح أحد الجانبين على الآخر وان كانا جميعا مقصودين أما إذا محض الأمر بهذا الضد أو بذلك فلا نهي البتة وقد لا يستحضر معه الطرفان الآخر فعلى ما قلناه ينبغي أن يجعل كلام الجمهور ومن عبر عنهم بتلك العبارة فإما غير مقابل لمعناها ولها قصده تقريب المعاني إلى الطالب المبتدي فان التعمق في المعاني يضر المبتدي ومن آداب المعلم أن يربي الناس بصغار العلم قبل كباره واما قول أبى هاشم أن المطلوب نفس أن نفعل فهو وان كان يبتدر إلى الذهن في الأول لأن حرف النهي ورد على الفعل فقد طلب منه عدمه لكن نفس أن لا يفعل عدم محض فلا يكلف به ولا يطلب وانما يطلب من المكلف ماله قدرة على تحصيله فلعل مراد أبي هاشم العدم الذي هو من الانتهاء والانتهاء فعل فان أراد ذلك تقارب المذهبان ويكون الجمهور نظروا إلى حقيقة ما هو مكلف به وأبو هاشم نظر إلى المقصود به وهو إعدام دخول النهي عنه في الوجود وان لم يرد أبو هاشم ذلك أراد أن العدم المحض الذي لا صنع للمكلف في تحصيله فهو باطل إذا عرف هذا فقول خارج المحصول أن هذه المسالة لا يشتبه بأن النهي عن الشيء أمر بضده لان الكلام في ذلك لفظي وفي هذه معنوي ليس بجيد أما أولا فلأنه ليس الكلام في تلك لفظيا فقط بل لفظيا ومعنويا وحقيقة

стр. 488

النهي والأثر أمران نفسانيان يعبر عنهما بلفظ الكلام في حقائقهما وأما ثانيا فلان الأمر بالشيء لفظا يقتضي أن المطلوب المعنوي مأمور به على ما قال فيحصل الاشتباه واما الذي قاله القرافي فالوجه الأول صحيح ولكنه لا يفيده بجواب ولا شك أن المتعلق بكسر اللام غير المتعلق بفتحها والفرق بينهما صوري ولا يلزم منه عدم تداخل إحدى المسالتين في الأخرى. وأما الوجه الثاني: فقوله أن النهي عن الشيء أمر بضده التزاما صحيح وقوله المطلوب بالنهي فعل الضد مطابقة ليس بصحيح لما قدمناه لكنه موافق لظاهر كلام الأصوليين فحينئذ هذا الجواب الثاني من كلام القرافي ينبغي أن يكون هو العمدة عل ظاهر كلام الأصوليين لكنا لا نوافق عليه لما قدمناه فالمختار عنده في المسألتين أن الكلام في الالتزام لا في المطابقة وحينئذ نقول وأقدم على زيادة في بيان ما كنا فيه أن النفي له في اللغة معنيان. أحدهما: فعل الفاعل النفي تقول نفيت الشيء فانتفى وهذا هو اظهر المعنيين. الثاني: نفس الإعفاء تقول: نفي الشيء هكذا سمع من اللغة وعلى هذا المعنى الثاني يكون النفي والإثبات نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ويكون المراد بالإثبات الثبوت كما أن المراد بالنفي الانتفاء واما إذا أردت بالنفي نفيك الشيء وبالإثبات إثباتك له فيكونان ضدين لا نقيضين لأن قد لا تنفى ولا تثبت وهذا البحث ليس مما نحن فيه ولكنه يحتاج إلى تصوره بحث آخر منه وهو العدم تارة يكون عنده الشيء في نفسه من حيث هو هو من غير نظر إلى معدم وتارة يكون عدما غير والعدمان في حقيقتهما سواء ولكن الأول بلا فاعل والثاني بفاعل وفعل ضده كذلك فأبو هاشم يرى ان المطلوب بالنهي الأول والجمهور يرون ان المطلوب بالنهي الثاني والحق معهم لأنه الذي يصح به التكليف فالعدم من حيث هو أمر وعدم الزنا من حيث هو أخص منه ولا فعل معه البته وهو الذي يقول أبو هاشم انه مطلوب وعدم الزنا بفعل فاعل وهو كف النفس عنه شيء ثالث أخص من الثاني أي هو أخص من الأول وفيه أمران

стр. 489

أحدهما: طرف العدم. والثاني: طرف الفعل المحصل له وهو من الطرف الأول ليس بشيء لانه عدم ولا يكلف به من الطرف الثاني ثبوت لذلك اطلقنا في كلامنا عليه اسم الشيء فيصح التكليف به وهو مراد الجمهور وفعل الفاعل من حيث هو مع قطع النظر عن العدم الحاصل به أمر رابع وهو أمر وجودي لا عدم معه وهو الذي يراد غالبا بالضد فهذا هو المراد بقولنا الامر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده أو بأحد اضداده وإذا علمت هذه الاربعة فاعتبرها تجدها في سائر الأمور فكل أمر لك إقبال عليه وانصراف عنه وتلبس بفعل غيره وفي الانصراف عنه نسبتان والامام فخر الدين لما كان يرى ان الحركة هي الحصول في الخبر الثاني لاجرام قال ان المطلوب بالنهي فعل ضده ونخن نرى ان الحركة هي الانتقال من الخبر الأول إلى الخبر الثاني لا جرام قلنا ان المطلوب بالنهي الانتهاء وهو الانصراف عن المنهي عنه إلى غيره لا يقصد غيره بل يقصد عدم الأول فإن فعل غيره قاصدا له الانتهاء كان متمثلا وان فعل غير قاصد الانتهاء لم يكن ممتثلا ولكنه لم يأثم لأنه لم يرتكب المنهى والمقصود هنا في الحقيقة إنما هو عدم المنهى عنه ولو كان المقصود ان يضم إلى العدم شيئا آخر لكان من لم يزن ولا قصد الامتثال ولا ونقول عدم الذم بكونه عاملا عن النهي فإنا نعرضه فمن استحضر النهي ولم يفعل المنهى عنه ولا قصد شيئا فإنه لا يذم ولا يحمد وهذا يبين لنا الفرق بين تحريم الشيء وإيجاب الكف عنه فإن إيجاب الكف عنه يقضي أنه لا يخرج عن العهدة إلا بتحصيل الكف الذي من شرطه إقبال النفس عليه ثم كفها عنه وليس كذلك وانما الفعل هو المحرم فلا يأثم الا به وقد أطلنا في ذلك فلنرجع إلى غرضنا ونقول قولهم المطلوب بالنهي فعل ضد المنهى عنه مرادهم به الضد العام وهو الانتهاء الحاصل بواحد من اضداده المنهى عنه وقولهم النهي عن الشيء أمر بضده قد بينوا انه بطريق الالتزام مرادهم به الضد الخاص وهو أحد الأضداد الذي يحصل الانتهاء به وبغيره فان أرادوا الضد العام لزم من كل من المسألتين الأخرى لكنه لا يكون تكرارا فلا يكون مسألة واحدة بل هما

стр. 490

مسألتان وان لزم من معرفة حكم إحداهما معرفة حكم الأخرى فلا يضرنا ذلك وانما يحسن السؤال لو كانوا وضعوا مسألة ان النهي عن الشيء هل هو أمر بضده أو لا وليس ذلك في المحصول وانما في المحصول ان الامر بالشيء هل هو نهي عن ضده وتكلم غيره في النهي عن الشيء وهل هو أمر بضده فلو جعلنا مسألتين مترجما عنهما ربما كان يرد السؤال ولكنا نعمل لذلك بل نبهنا على هذا في أثناء مسألة ولا مانع ان ننبه في أثناء مسالة على ما تضمنه مسألة أخرى ولا يقال انهما مسالة واحدة متكررة والحاصل انه ان أريد بالضد الضد العام فالكف والانتفاء ضد عام فيلزم مع إحدى المسألتين الأخرى ولكن الإمام لم يضعها مسألتين فلا سؤال عليه وهذا التقرير هو الحق وان أريد بالضد الخامس فيصح ما قاله السائل في قوله هل يمكن أن يقال إلى آخره والحق المراد بالضد الضد العام فر يمكن ان يقال وانما الجواب ما قاله القرافي في الوجه الثاني من كلامه مع ما فيه مما قدمناه وأما القول إن نفس النهي عن الشيء نفس الامر بضده فهو قول ضعيف وقول السائل إنه يتلخص قول الثالث ان مقصود النهي فعل ضد ليس بكف ولا انتفاء عجيب لان الكف أو الانتفاء أعم فكيف يوجد الأخص بدونه وتصحيح كلام السائل في ذلك ان يقول ليس بكف فقط وانتفاء فقط والله اعلم. هذا آخر ما ذكره والدي أيده الله ولا ينبغي ان يمل التطويل في هذه المسالة ففيه من الفوائد ما لا يوجد في سواه.

стр. 491

المسألة الرابعة: أقسام النهي ... قال: الرابعة النهي عن أشياء إما عن الجمع كنكاح الأختين أو عن الجميع كالزنا والسرقة. النهي عن متعدد ولا أقول عن أشياء لأنها جمع قلة ثلاثة والمثال الذي أورده في اثنين إما أن يكون نهيا عن الجمع اعني الهيئة الاجتماعية دون المفرد ان على سبيل الانفراد كالنهي عن نكاح الأختين وكالحرام المخبر عند الأشاعرة فانه يجوز عندنا أن يحرم واحد لا يعنيه وخالفت المعتزلة وأما

стр. 492

عكسه ولم يذكره في الكتاب ولا رأيت من ذكره ومثاله ما جاء في الحديث الصحيح من النهي أن يلبس نعلا واحدا بل أما ان يلبس نعلين أو ينزعهما فهذا نهي عن كل فرد يفيد عدم الاحتجاج واما ان يكون نهيا عن الجمع أي عن كل واحد سواء كان مع صاحبه ومنفردا وذلك كالزنا والسرقة والله اعلم.

стр. 493

الباب الثالث في العموم والخصوص الفصل الأول: في العموم تعريف العام ... الباب الثالث: في العموم الخصوص الفصل الأول في العموم. العام لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد وفيه فصول الفصل الأول في العموم العام لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد. نفتح الباب بعد حمد الله تعالى بمقدمات ثم نلتفت إلى ما ذكره. المقدمة الأولى: العموم هو لغة الشمول وهو من عوارض الألفاظ حقيقة بلا خلاف وأما المعاني فأتوا وأبعدها انه لا يصدق عليها لا حقيقة ولا مجازا وثانيها أنه يصدق عليها مجازا وهو المختار ونقله الآمدي عن الأكثرين واختاره وثالثها وصححه ابن الحاجب ان يصدق عليها حقيقة أيضا واحتج الأكثرون بأنه لو كان حقيقة لاطرد لكنه غير مطرد بدليل المعاني الخاصة الواقعة في امتداد الإشارة إليها كزيد وعمر فإنها لا توصف بحقيقة ولا مجاز واحتج من قال يصدق عليه حقيقة بأن العموم هو شمول أمر واحد لمتعدد وذلك موجود بعينه في المعنى نقول نظر عام وحاجة عامة وعم المطر الأرض والأمير بالعطايا والاصل في الاطلاق الحقيقة وأجيب بأن من لوازم العام ان يكون متحدا. ويكون مع اتحاده يتناول أمورا متعددة من جهة واحدة والعطاء الخاص لكل واحد من الناس غير الخاص بالآخر وكذلك المطر فإن كل جزء اختص منه بجزء من الأرض لا وجود له بالنسبة إلى الجزء الآخر منها وكذلك الكلام في النظر العام والحاجة العامة وغاية الأمر تعارض الاشتراك والمجاز أولى من الاشتراك لما مر.

стр. 494

المقدمة الثانية: اصطلحوا على ان المعنى يقال له اعم وأخص واللفظ يقال له: عام وخاص ووجه المناسبة ان اعم صيغة افعل التفضيل والمعاني افضل من الألفاظ فخصت بصيغة افعل التفضيل قال القرافي ومنهم من يقول فيهما عام وخاص ايضا. المقدمة الثالثة: مدلول العموم كلية لا كل ولا كلي وبيان يتوقف على معرفة الكل والكلي والكلية الجزء الجزئية أما الكل فهو المجموع الذي لا يبقى بعده فرد والحكم فيه كالخمسة مع العشرة فالجزء بعض الكل. كقولنا: كل رجل يحمل الصخرة فهذا صادق. وأما الكلي: فهو الذي يشترك في مفهومه كثيرون وان شئت قلت القدر المشترك بين جميع الأفراد كمفهوم الحيوان في أنواعه والإنسان في أنواعه فان الحيوان صادق على جميع أفراده ويقابله الجزئي كزيد وحاصله ان الكلي مع قيد زائد وهو تشخيصه فلك ان تقول: الكلي بعض الجزئي. وأما الكلية: فهي التي يكون الحكم فيها على كل فرد فرد بحيث لا يبقى فرد مثل قولنا: كل رجل يشبعه رغيفان غالبا فإنه يصدق باعتبار الكلية أي كل رجل على حدته يشبعه رغيفان غالبا ولا يصدق باعتبار الكل أي المجموع من حيث هو مجموع فانه لا يكفيه رغيفان ولا قناطير عديدة لأن الكل والكلية يتدرج فيهما الأشخاص الحاضرة والماضية والمستقبلة وجميع ما في مادة الإمكان وانما الفرق بينهما ان الكل يصدق من حيث المجموع والكلية يصدق من حيث الجميع وفرق بين المجموع والجميع فإن المجموع الحكم على الهيئة الاجتماعية لا على الأفراد والجميع الحكم على كل فرد فرد ويقابلها الجزئية وهي الحكم على أفراد حقيقة من غير تعيين كقولك بعض الحيوان إنسان فالجزئية بعض الكلية إذا عرفت ذلك فمسمى العموم كلية لا كل وإلا لتعذر الاستدلال به في النفي والنهي على ثبوت حكمه لفرد من أفراده.

стр. 495

كما عرفت فلا يصح الاستدلال به على ثبوت حكمه للفرد المعين في النفي والنهي الا إذا كان معناه الكلية التي يحكم فيها على كل فرد بحيث لا يبقى فرد كما عرفت وحينئذ يستدل بها على أي فرد شئنا من الأفراد في النفي والنهي فإنما يختلف الحال بين الكل والكلية في النفي والنهي لا في الامر وحين الثبوت فمدلول العموم كلية لا كل لصحة الاستدلال به على ثبوت حكمه لكل فرد من أفراده عند القائلين به اجماعا فإن قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ دال على تحريم قتل فرد من أفراد النفوس بالاجماع وليس معناه ولا تقتلوا مجموع النفوس وإلا لم يدل على كل فرد فرد فلا يكون عاصيا بقتل الواحد ألانه لم يقتل المجموع إذا تقرر هذا فهنا سؤال قوي شغف به الشيخ أبو العباس القرافي وهو ان دلالة العموم على كل فرد من أفراده نحو زيد المشترك مثلا من المشتركين. لا يمكن ان يكون بالمطابقة ولا بالتضمين ولا بالالتزام وإذا بطل ان يدل لفظ العموم على زيد مطابقة وتضمنا والتزاما بطل ان يدل لفظ العموم مطلقا لانحصار الدلالة في الاقسام الثلاثة إنما قلنا لا يدل عليه بطريق المطابقة لأنها دلالة اللفظ على مسماه بكماله ولفظ العموم لم يوضع لزيد فقط حتى تكون الدلالة عليه مطابقة. وإنما قلنا: لا يدل بالالتزام لان الدلالة الالتزام هي دلالة اللفظ على لازم مسماه ولازم المسمى لا بد وان يكون خارجا عن المسمى وزيد ليس بخارج عن مسمى العموم لأنه لو خرج لخرج عمرو وخالد وحينئذ لا يبقى في المسمى شيء فدل على انه لا يدل بالمطابقة ولا الالتزام وانما قلنا لا يدل بالتضمي لان دلالة التضمن هي دلالة اللفظ على جزء مسماه والجزء إنما يصدق إذا كان المسمى كلا لأنه مقابلة ومدلول لفظ العموم ليس كلا كما عرفت فلا يكون زيد جزءه فلا يدل عليه تضمنا. فتبين بطلان دلالة لفظ العموم على زيد بشيء من هذه الثلالة والدلالات القاصرة فيها تبطل ان يدل لفظ العموم مطلقا وقد سار هذا السؤال غورا ونجدا ولم أر من أجاب عنه الا الشيخ شمس الدين الاصفهاني في شرح المحصول
следующие страницы →