المسألة الرابعة: أقسام النهي
...
قال: الرابعة النهي عن أشياء إما عن الجمع كنكاح الأختين أو عن الجميع كالزنا والسرقة.
النهي عن متعدد ولا أقول عن أشياء لأنها جمع قلة ثلاثة والمثال الذي أورده في اثنين إما أن يكون نهيا عن الجمع اعني الهيئة الاجتماعية دون المفرد ان على سبيل الانفراد كالنهي عن نكاح الأختين وكالحرام المخبر عند الأشاعرة فانه يجوز عندنا أن يحرم واحد لا يعنيه وخالفت المعتزلة وأما
стр. 492
عكسه ولم يذكره في الكتاب ولا رأيت من ذكره ومثاله ما جاء في الحديث الصحيح من النهي أن يلبس نعلا واحدا بل أما ان يلبس نعلين أو ينزعهما فهذا نهي عن كل فرد يفيد عدم الاحتجاج واما ان يكون نهيا عن الجمع أي عن كل واحد سواء كان مع صاحبه ومنفردا وذلك كالزنا والسرقة والله اعلم.
стр. 493
الباب الثالث في العموم والخصوص
الفصل الأول: في العموم
تعريف العام
...
الباب الثالث: في العموم الخصوص
الفصل الأول في العموم. العام لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد وفيه فصول الفصل الأول في العموم العام لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد.
نفتح الباب بعد حمد الله تعالى بمقدمات ثم نلتفت إلى ما ذكره.
المقدمة الأولى: العموم هو لغة الشمول وهو من عوارض الألفاظ حقيقة بلا خلاف وأما المعاني فأتوا وأبعدها انه لا يصدق عليها لا حقيقة ولا مجازا وثانيها أنه يصدق عليها مجازا وهو المختار ونقله الآمدي عن الأكثرين واختاره وثالثها وصححه ابن الحاجب ان يصدق عليها حقيقة أيضا واحتج الأكثرون بأنه لو كان حقيقة لاطرد لكنه غير مطرد بدليل المعاني الخاصة الواقعة في امتداد الإشارة إليها كزيد وعمر فإنها لا توصف بحقيقة ولا مجاز واحتج من قال يصدق عليه حقيقة بأن العموم هو شمول أمر واحد لمتعدد وذلك موجود بعينه في المعنى نقول نظر عام وحاجة عامة وعم المطر الأرض والأمير بالعطايا والاصل في الاطلاق الحقيقة وأجيب بأن من لوازم العام ان يكون متحدا.
ويكون مع اتحاده يتناول أمورا متعددة من جهة واحدة والعطاء الخاص لكل واحد من الناس غير الخاص بالآخر وكذلك المطر فإن كل جزء اختص منه بجزء من الأرض لا وجود له بالنسبة إلى الجزء الآخر منها وكذلك الكلام في النظر العام والحاجة العامة وغاية الأمر تعارض الاشتراك والمجاز أولى من الاشتراك لما مر.
стр. 494
المقدمة الثانية: اصطلحوا على ان المعنى يقال له اعم وأخص واللفظ يقال له: عام وخاص ووجه المناسبة ان اعم صيغة افعل التفضيل والمعاني افضل من الألفاظ فخصت بصيغة افعل التفضيل قال القرافي ومنهم من يقول فيهما عام وخاص ايضا.
المقدمة الثالثة: مدلول العموم كلية لا كل ولا كلي وبيان يتوقف على معرفة الكل والكلي والكلية الجزء الجزئية أما الكل فهو المجموع الذي لا يبقى بعده فرد والحكم فيه كالخمسة مع العشرة فالجزء بعض الكل.
كقولنا: كل رجل يحمل الصخرة فهذا صادق.
وأما الكلي: فهو الذي يشترك في مفهومه كثيرون وان شئت قلت القدر المشترك بين جميع الأفراد كمفهوم الحيوان في أنواعه والإنسان في أنواعه فان الحيوان صادق على جميع أفراده ويقابله الجزئي كزيد وحاصله ان الكلي مع قيد زائد وهو تشخيصه فلك ان تقول: الكلي بعض الجزئي.
وأما الكلية: فهي التي يكون الحكم فيها على كل فرد فرد بحيث لا يبقى فرد مثل قولنا: كل رجل يشبعه رغيفان غالبا فإنه يصدق باعتبار الكلية أي كل رجل على حدته يشبعه رغيفان غالبا ولا يصدق باعتبار الكل أي المجموع من حيث هو مجموع فانه لا يكفيه رغيفان ولا قناطير عديدة لأن الكل والكلية يتدرج فيهما الأشخاص الحاضرة والماضية والمستقبلة وجميع ما في مادة الإمكان وانما الفرق بينهما ان الكل يصدق من حيث المجموع والكلية يصدق من حيث الجميع وفرق بين المجموع والجميع فإن المجموع الحكم على الهيئة الاجتماعية لا على الأفراد والجميع الحكم على كل فرد فرد ويقابلها الجزئية وهي الحكم على أفراد حقيقة من غير تعيين كقولك بعض الحيوان إنسان فالجزئية بعض الكلية إذا عرفت ذلك فمسمى العموم كلية لا كل وإلا لتعذر الاستدلال به في النفي والنهي على ثبوت حكمه لفرد من أفراده.
стр. 495
كما عرفت فلا يصح الاستدلال به على ثبوت حكمه للفرد المعين في النفي والنهي الا إذا كان معناه الكلية التي يحكم فيها على كل فرد بحيث لا يبقى فرد كما عرفت وحينئذ يستدل بها على أي فرد شئنا من الأفراد في النفي والنهي فإنما يختلف الحال بين الكل والكلية في النفي والنهي لا في الامر وحين الثبوت فمدلول العموم كلية لا كل لصحة الاستدلال به على ثبوت حكمه لكل فرد من أفراده عند القائلين به اجماعا فإن قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ دال على تحريم قتل فرد من أفراد النفوس بالاجماع وليس معناه ولا تقتلوا مجموع النفوس وإلا لم يدل على كل فرد فرد فلا يكون عاصيا بقتل الواحد ألانه لم يقتل المجموع إذا تقرر هذا فهنا سؤال قوي شغف به الشيخ أبو العباس القرافي وهو ان دلالة العموم على كل فرد من أفراده نحو زيد المشترك مثلا من المشتركين.
لا يمكن ان يكون بالمطابقة ولا بالتضمين ولا بالالتزام وإذا بطل ان يدل لفظ العموم على زيد مطابقة وتضمنا والتزاما بطل ان يدل لفظ العموم مطلقا لانحصار الدلالة في الاقسام الثلاثة إنما قلنا لا يدل عليه بطريق المطابقة لأنها دلالة اللفظ على مسماه بكماله ولفظ العموم لم يوضع لزيد فقط حتى تكون الدلالة عليه مطابقة.
وإنما قلنا: لا يدل بالالتزام لان الدلالة الالتزام هي دلالة اللفظ على لازم مسماه ولازم المسمى لا بد وان يكون خارجا عن المسمى وزيد ليس بخارج عن مسمى العموم لأنه لو خرج لخرج عمرو وخالد وحينئذ لا يبقى في المسمى شيء فدل على انه لا يدل بالمطابقة ولا الالتزام وانما قلنا لا يدل بالتضمي لان دلالة التضمن هي دلالة اللفظ على جزء مسماه والجزء إنما يصدق إذا كان المسمى كلا لأنه مقابلة ومدلول لفظ العموم ليس كلا كما عرفت فلا يكون زيد جزءه فلا يدل عليه تضمنا.
فتبين بطلان دلالة لفظ العموم على زيد بشيء من هذه الثلالة والدلالات القاصرة فيها تبطل ان يدل لفظ العموم مطلقا وقد سار هذا السؤال غورا ونجدا ولم أر من أجاب عنه الا الشيخ شمس الدين الاصفهاني في شرح المحصول
стр. 496
فقال: أنا حيث قلنا إن اللفظ إما أن يكون دالا بالمطابقة والتضمن أو الالتزام فذلك في لفظ مفرد دال على معنى ليس ذلك المعنى هو نسبة بين مفردين.
وذلك لإثباتي ههنا فلا ينبغي أن يطلب ذلك.
وإذا عرفت هذا فاعلم أن قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ في قوة جملة من القضايا وذلك لأن مدلوله اقتل هذا المشرك واقتل هذا المشرك إلى آخر الأفراد وهذه الصيغ إذا اعتبرت بجملتها فهي لا تدل على قتل زيد المشرك ولكنها تتضمن ما يدل على قتل زيد المشرك لا بخصوص كونه زيدا بل بعموم كونه فردا ضرورة تضمنه لقتل زيد المشرك فان من جملة هذه القضايا وهي جزء من مجموع تلك القضايا فتكون دلالة هذه الصيغة على وجهين قتل زيد المشرك لتضمنها ما يدل على ذلك الوجوب والذي هو في ضمن ذلك المجموع هو دال على ذلك مطابقة قال فافهم ذلك فانه من دقيق الكلام وليس ذلك من قبيل دلالة التضمن بل هو من قبيل دلالة المطابقة.
فائدة: إذا ثبت ان مدلول صيغ العموم كلية لا كل فافهم ذلك في الضمائر بأسرها وصيغ المجموع النكرات فإذا قال السيد لعبيده لا تخرجوا ليس المراد لا يخرج كلكم من حيث هو كل بل المراد بهذه الواو التي هي ضمير في اخرجوا كل واحد على حالة وكذلك الخبر بالنفي مثل لا اغضب عليكم فالمراد ثبوت الحكم لكل فرد مما دلت عليه هذه الكاف وكذلك جموع النكرات فإذا قال لأكرمن رجالا اليوم فالمراد أكراما كل واحد واحد مما دل عليه رجال ومنه قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي على كل واحد واحد بنفسه وليس المراد المجموع وإذا تقرر ذلك فنقول إذا قال القائل اقتلوا زيدا فقد أمر كل فرد فرد بقتل زيد لأن في اقتلوا ضميرا يعود على كل فرد فرد كما قلناه وإذا عرفت هذا فهنا سؤال وتقريره في قوله مثلا: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ عموما احدهما في المشركين.
والثاني: في المأمورين بقتلهم ودلالة العموم كلية كما عرفت فيكون أمر كل فرد من المؤمنين بقتل كل فرد من المشركين والفرد الواحد لا يقدر ان يقتل كل
стр. 497
فرد من المشركين فيكون ذلك تكليفا بالمستحيل وهو غير واقع وقد قال الاصفهاني شارح المحصول في جوابه ان هذا وان كان ظاهر اللفظ الا ان العقل دل على خلافه فيحمل على الممكن دون المستحيل قال والدي أيده الله وعندي ان السؤال لا يستحق جوابا لان الفرد الواحد من المسلمين يقدر ان يقتل جميع المشركين.
المقدمة الرابعة: المتأخرون أو من قال منهم زعموا ان العام في الأشخاص مطلق باعتبار الأزمان والبقاع والأحوال والمتعلقات وقالوا لا يدخلها العموم الا بصيغة وضعت لها فإذا قال اقتلو المشركين عم كل مشرك بحيث لا ينفي فرد ولا يعم الأحوال حتى يقتل في حال الهدنة والذمة ولا خصوص المكان حتى يدل على المشركين في ارض الهند مثلا ولا الزمان حتى يدل على يوم السبت أو الأحد مثلا وقد شغف الشيخ أبو العباس القرافي بهذا البحث وظن انه يلزم من هذه القاعدة انه لا يعمل بجميع العمومات في هذا الزمان لأنه قد عمل بها في زمان ما والمطلق يخرج عن عهدته بالعمل به في صورة وقد وافق على هذه القاعدة الآمدي فانه قال في الكلام على قول الصحابي هل هو حجة جوابا عن الاحتجاج بقوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ما نصه الخبر الأول يعني هذا وان كان عاما في أشخاص الصحابة فلا دلالة فيه على عموم الاهتداء به في كل ما يقتدي فيه انتهى وردها جماعة منهم الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح العمدة واستدل بحديث أبي أيوب لما قدم الشام فوجد مراحيض قد بنيت قبل القبلة على ان أبا أيوب وهو من أهل اللسان والشرح فهم المعموم في الأمكنة يعني فيكون العام في الأشخاص عاما في الأمكنة على خلاف ما قرره القرافي وهذا هو الذي اقتضاه كلام الإمام فانه قال في كتاب القياس جوابا عن سؤال سائل قلنا لما كان أمرا بجميع الاقيسة كان متناولا لا محالة لجميع الأوقات والأقدح ذلك في كونه متناولا لجميع الاقيسة وقد وقع لي مرة في التمسك لردها بحديث ابن المعلى حيث دعاه النبي ﷺ وهو في الصلاة فلم يجبه فقال ﵊: "ألم يقل الله" الحديث فقد جعله ﷺ عاما في الأحوال لأنه احتج عليه بالآخر هو في حالة
стр. 498
الصلاة لكن ظهر لي الآن ان العموم في الأحوال إنما جاء في هذه الآية من صيغة إذا فإنها ظرف والأمر معلق بها وهي شرط ايضا والمعلق على شرط يقتضي التكرار والظرف يشمل جميع الأوقات ويلزمها الأحوال وقررت مرة أخرى ان هذه القاعدة إنما تنقدح في سياق الإثبات كقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ لا فيما إذا كان فعلا في سياق النفي كما لو قيل لا نقتل مسلما فإن الفعل يدل على الزمان إذ هو أحد جزئيه وقد دخل عليه حرف النفي فعمم كل زمان فصار العام في الأشخاص في سياق النفي عاما في الأزمان لأن حكم الفعل حكم النكرة وهي في سياق النفي للعموم والذي نقوله الآن في هذه القاعدة أنها حق لا سبيل إلى المصادمة بمنعها ولكن ما جعله القرافي لازما عليها غير مسلم له وذلك لان المقصود ان العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع بمعنى انه إذا عمل به في الأشخاص في حالة ما في زمان ما في مكان ما لا يعمل به في تلك الأشخاص مرة أخرى أما في أشخاص أخر فيعمل به لأنه لو لم يعمل به لزم التخصيص في الأشخاص فالتوفية بعموم الأشخاص ان لا يبقى شخص ما في أي زمان ومكان وحال الا حكم عليه والتوفيه بإطلاق ان لا يتكرر ذلك الحكم فكل زان يجلد إذا جلدناه لا نجلده مرة ثانية في مكان آخر أو زمان آخر أو حالة أخرى الا إذا زنا مرة أخرى لان تكرر جلده لا دليل عليه والفصل مطلق هذا ما قرره الإمام الجليل علاء الدين الباجي ونقله عنه والدي أطال الله بقاءه في كتابه أحكام كل وهو من انفس مختصراته.
قال وقال الباجي هذا معنى القاعدة وبه يظهر ان لا إشكال عليها ولم يلزم من الاطلاق في شيء منع التعميم في غيره قلت وغالب ظني أن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح الإمام ذكر هذا التقرير بعينه ثم قال الشيخ الإمام والدي أيده الله وقد يعترض على هذا التقرير بان عدم تكرار الجلد مثلا معلوم من كون الامر لا يقتضي التكرار وبان المطلق هو الحكم والعام هو المحكوم عليه وهما غير ان فلا يصلح ان يكون ذلك تأويلا لقولهم العام مطلق قال فينبغي ان يهذب هذا الجواب ويجعل العموم والإطلاق في لفظ واحد بأن يقال المحكوم عليه هو الزاني مثلا أو المشرك فيه أمران.
стр. 499
أحدهما: الشخص.
والثاني: الصفة كالزنا مثلا وأداة العموم لما دخلت عليه أفادت عموم الشخص لا عموم الصفة والصفة باقية على إطلاقها فهذا معنى قولهم العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع أي كل شخص حصل منه مطلق زنا حد وكل شخص حصل منه مطلق شرك قتل بشرطه ورجع العموم والاطلاق إلى لفظة واحدة باعتباره مدلوليها من الصفة والشخص المتصف بها فافهم ذلك ثم انه مع هذا لا نقول كون الصفة مطلقة يحمل على بعض مسماها لأنه يلزم منه إخراج بعض الأشخاص نعم لو حصل استغراق الأشخاص لم يحافظ مع ذلك على عموم الصفة لا طلاقها وهكذا الحديث الذي تمسك به الشيخ تقي الدين وهو قوله ﷺ : "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول" الاستقبال مطلق وبدخول النهي عليه صار عاما فكل استقبال منهي عنه والاستقبال في الشام أو غيره لو أخرج لبطل العموم فأدرجه في النهي من جهة إرادة العموم لا من جهة عموم موضوعه.
المقدمة الخامسة: اتفقت النحاة على ان أربع صيغ من جموع التكسير وان جموع السلامة مذكرا كان أو مؤنثا للعلة وهي العشرة فما دونها وهي التي يجمعها قول الشاعر:
بأفعل وبأفعال وأفعلة ... وفعلة يعرف الأدنى من العدد
وسالم الجمع أيضا داخل معها ... فهذه الخمس فاحفظها ولا تزد
نحو أفلس وأحمال وأرغفة وصبية ومسلمين ومسلمات.
واتفق الأصوليون القائلون بالعموم وهم اكثر حملة الشريعة على ان صيغة المشركين وما شابهها للعموم وكذلك الأحمال والأرغفة فقد يقال هذان فرقتان عظيمتان تنقل عن العرب وكل واحدة نقلت عكس ما نقلته الأخرى فأين العموم الذي هو غير متناهي الأفراد من العشرة فما دونها ولا سبيل إلى تكذيب كل واحدة من هاتين الفرقتين العظيمتين فما وجه الجمع بين كلاميهما والجواب ما ذكره امام الحرمين وقال انه الذي استقر عليه نظره في
стр. 500
محاولة الجمع بين مسالك الأئمة في ذلك وهو ان قول النحاة إنها للعشرة فما دونها إنما هو فيما إذا كان الجمع منكرا نحو مشركين وأحمال ونقل الاصوليين إنما هو حال التعريف بالألف واللام فإنه حينئذ يعم كل جمع وذلك بمنزلة رجل المنكر فإنه للواحد من بني آدم وبالتعريف يعم كل فرد واما الجمع حال التنكير فلا يقول فيه بالتعميم الا من شذ كالجبائي أو ممن حمل المشترك على معنييه وجعل ذلك من باب العموم فالسؤال عليه منقدح يحتاج إلى جواب.
ولقائل ان يقول: الفقهاء على أن من أقر بدراهم قبل منه تفسيرها بثلاثة وهي جمع كثرة واقله باتفاق النحاة أحد عشر فما الجمع بين الكلامين اللهم الا ان يدعي الفقيه ان العرف شاع في إطلاق دراهم على ثلاثة واشتهر فصار حقيقة عرفية وهي مقدمة على اللغوية ولا يكفيه ان يقول إطلاق جمع الكثرة على القلة يصح مجازا والاصل برآة عما زاد فقبلناه تفسيره بثلاثة لذلك لانا نقول لا يقبل من اللافظ بحقائق الالفاظ في الأقارير التفسير بالمجاز الا ترى ان من أقر بأفلس لا يقبل منه التفسير بفلس واحد وإن صح إطلاق الجمع على الواحد مجازا.
المقدمة السادسة: دلالة العموم قطعية عند جماعة وظنية عند آخرين.
واشتهر قول الشافعي: إنها ظنية.
وقال إمام الحرمين: في أوائل العموم الذي صح عندي من مذهب الشافعي ان الصيغ العامة لو صح تجردها عن القرائن لكانت نصا في الاستغراق وانما التردد فيما عدا الأقل من جهة عدم القطع بانتفاء القرائن المخصصة وكذلك ذكر الكيال في تعليقه في الأصول وقد نجز ما قصدنا إيراده من المقدمات فلنلتفت إلى شرح الحد الذي اورده في الكتاب فنقول قوله لفظ جنس ويؤخذ من التعبير به ان العموم عنده من عوارض الالفاظ فقط.
فإن قلت: فقد نص بعد ذلك على جواز تخصيص العلة والمفهوم والتخصيص فرع العموم.
стр. 501
قلت: أجاب الإسفرايني شارح الكتاب بأنه أطلق العموم هناك على سبيل المجاز وكلامه هنا في مدلوله الحقيقي وقوله يستغرق فصل يخرج به النكرة في سياق الاثبات سواء كانت مفردة كرجل أو مثناة كرجلين أو مجموعة كرجال أو عددا لخمسة فإنها لا تستغرق جميع ما يصلح له وانما تتناوله على سبيل البدل قلنا عمومان عموم استغراق وهو الذي تتكلم في تعريفه وعموم بدل كما ذكرناه يصدق على كل واحد بطريق البدلية وخرج بهذا الفصل ايضا المطلق فإنه لا يدل على شيء من الأفراد فضلا عن ان يستغرقها وقوله جميع ما يصلح له احترازا عن ما لا يصلح فإن عدم استغراق ما لمن يعقل إنما هو لعدم صلاحيتها له اعني لعدم صدقها عليه وقوله بوضع واحد احتراز عن اللفظ المشترك وماله حقيقة ومجاز وتقرير ذلك ان العين وضعت مرة للباصرة وأخرى للذهب فهي صالحة لهما فإذا قال رأيت العيون وأراد الباصرة دون الذهب أو عكسه فإنها لم تستغرق جميع ما يصلح لها مع كونها عامة لان الشرط هو استغراق الأفراد الخاصة من شخص واحد وقد وجدوا الذي لم يدخل فيها هو افراد وضع آخر فلا يضر وما له حقيقة ومجاز يعمل فيه هذا العمل فالمقصود بهذا القيد إدخال بعض الأفراد فالإخراج هكذا قرره الاسفرايني شارح هذا الكتاب وهو تقرير حسن اجتنب غيره هذا شرح الحد وقد أورد عليه أمورا:
أحدها: انه اخذ فيه لفظه جميع وكذلك لفظة ما وهما من جملة المعرف واخذ المعرف قيدا في المعرف باطل أورده الاصفهاني وادعى ان جوابه متعذر.
والثاني: ان الاستغراق هو العموم والمستغرق والعام لفظان مترادفان فلا يحصل بما ذكره الا تعريف لفظي وهو تبديل لفظ بلفظ آخر وليس ذلك بتعريف حقيقي لا حدى ولا رسمي واجيب عنه بانا لا نسلم ترادف العموم والاستغراق فان العموم لغة هو الشمول والشمول والاستغراق غير مترادفين وان اشتركا في بعض اللوازم سلمنا لكن يجوز تعريف العام المصطلح عليه بالمستغرق اللغوي وحينئذ فهما غير مترادفين لان الكلام في معنى المستغرق
стр. 502
لغة وفي معنى العام اصطلاحا.
والثالث: انه ينتقض بالفعل الذي ذكر معه مفعولا به كقولنا ضرب زيد عمرا فإنه لفظ يستغرق جميع ما يصلح له وليس بعام وهذا ضعيف جدا لأنه لم يستغرق جميع ما يصلح له إذ ليس شاملا لجميع أنواع الضرب الصادر من زيد الواقع على عمرو وانما دل على مطلق صدور ضرب من زيد ووقوعه على عمرو.
والرابع: انه ينتقض بأسماء الأعداد لان لفظ المئة لفظ مستغرق لجميع ما يصلح وهو أفراد العدد وليس بعام.
واجيب عنه بأن قولنا ما يصلح له يدفعه فان لفظ المائة لا يتناول الا بعض ما صلح له وهو المئة الواحدة ليس متناولا لكل واحدا من أفراد المئتين على سبيل الاستغراق.
والخامس: ان مراده بقوله المستغرق لفظ العموم بلا شك وهو غير جائز لان لفظ العموم لا يصلح لواحد واحد من آحاده فانه لم يوضع لواحد ولا لاثنين وانما يصلح للجميع أورده النقشواني قال الاصفهاني وهو مندفع بتفسير الصلاحية فمن أورده لم يفهم معناها فانه ليس المراد بالصلاحية الا ان الرجال يصلح لأفراد هذا الصنف ولا يصلح لغيرهم والله اعلم.
стр. 503
المسألة الأولى: الفرق بين العام وما يشاركه في الجنس
...
قال: وفيه مسائل: الأولى: أن لكل شيء حقيقة هو بها هو فالدال عليها المطلق وعليها بوحدة معينة المعرفة وغير معينة النكرة ومع وحدات معدودة العدد مع كل جزئيها العام.
هذه المسالة في الفرق بين العام والمطلق والنكرة والمعرفة والعدد فنقول لكل شيء حقيقة بها هو وهو تلك الحقيقة مغايرة لكل ما عداها من الأمور اللازمة لها والمفارقة كالإنسانية فإنها من حيث هي حقيقة مغايرة للوحدة والكثرة وإن لم تنقل عن أحدهما إذا عرفت هذا فاللفظ الدال على تلك الحقيقة
стр. 504
من حيث هي من غير اعتبار من عارض عوارضها هو المطلق كقولنا الرجل خير من المرأة والدال على تلك الحقيقة مع وحدة معينة شخصية أو نوعية أو جنسية المعرفة والدال عليها مع وحدة غير معينة النكرة مثل رأيت رجلا والدال عليها مع وحدات أي مع كثرة أما ان تكون تلك الكثرة معدودة أي محصورة أولا فان كانت محصورة فهي العدد كمائة وعشرة وان لم تكن معدودة بل استوعبت جميع جزئيات تلك الحقيقة فهو العام كالرجال والمسلمين وقد عرفت من هذا التقسيم الفرق بين المطلق والنكرة ومن الناس من زعم انه لا فرق بينهما وعليه جرى الآمدي وهذا التقسيم فيه مناقشات.
أحدها: أنه غير حاصل وذلك لان الماهية على ثلاثة أقسام ماهية بلا شرط شيء وهي المطلقة وماهية الشرط لا شيء وهي المجردة عن جميع الأعراض واللواحق كالوحدة والكثرة وغيرهما والتقسيم المذكور لا يشمل إلا الماهية المطلقة وأهمل الآخرتين.
والثاني: أنه يقتضي وقوع التماثل بين العدد والمعرفة والعام أي لا يصدق احدهما على الآخر لأن هذا شأن التقسيم وليس كذلك فان العام قد يكون معرفة كالرجالة وقد يكون نكرة نحو كل رجل والعدد قد يكون معرفة نحو الخمسة أو نكرة كخمسة.
الثالث: انه اعتبر الوحدة في مدلول المعرفة ومدلول النكرة وذلك يوجب خروج نحو الرجلين والرجال عن حد المعرفة لأنه اعتبر الأحدة فيها وهذا متعدد وهو باطل ويوجب خروج نحو رجلين ورجال عن حد النكرة وهو باطل.
стр. 505
المسألة الثانية: في أقسام العام
...
قال الثانية: العموم إما لغة بنفسه كأي للكل ومن للعالمين وما لغيرهم وأين للمكان ومتى للزمان.
الذي يفيد العموم إما أن يفيده من جهة اللغة أو العرف أو العقل.
القسم الأول: المفيد لغة وهو على ضربين لأنه أما ان يدل عليه بنفسه لكونه موضوعا له أو بواسطة اقتران قرينة به الضرب الأول ما يدل عليه بنفسه وهو نوعان لأنه إما أن يكون شاملا للكل أي لجميع المفهومات أو لا يكون.
стр. 506
معرفة نحو هات ما رأيت فيفيد العموم فيما عدا العالمين من الزمان والمكان والجماد والذات وقد تتناول أولى العلم ايضا.
الثاني: ان يختص عمومه ببعضهم فأما ان يختص بالأمكنة نحو ان تجلس اجلس ومنه حيث وأني أو بالأزمنة متى تقول متى تقم أقم.
فإن قلت قد جعلتم هذه الصيغ للعموم في الأصول وخالفتم ذلك في الفروع بدليل ان من قال لامرأته متى قمت أو حيث أراني قمت فأنت طالق لا يقع عليه الا واحدة ويقتضي ما قررتم تكرار الوقوع بتكرار القيام كما لو قال كلما قلت ليس من لازم العموم التكرار في كلما فلخصوصية كل لدلالتها على كل فرد فيتعلق به الحكم وليس ذلك في شيء من صيغ العموم غيرها وهنا مهمات نبه عليها والدي ﵀ في كتابه الموضوع في أحكام كل وهو كتاب جليل ونحن نورد هنا مما يتعلق به صيغة الأصول منها ما يتهذب به النظر فتقول أطلق الأصوليون هذه الصيغ وأن مدلولها كل فرد فأما كل فلا يدخل الا على ذي جزئيات وأجزاء ومدلولها في الموضعين الإحاطة بكل فرد من الجزئيات أو الأجزاء أو قد تضاف لفظا إلى نكره مثل: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ١ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ﴾ ٢ وقال لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
وقال كعب بن زهير:
كل ابن أنثى وان طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول
ومعنى العموم في هذا القسم كل فرد لا المجموع وكل لا دلالة لها الا على كل فرد وهي نص في كل فرد مما دلت عليه تلك النكرة مفردا كان أو تثنية أو جمعا ويكون الاستغراق للجزئيات بمعنى ان الحكم لكل جزء من جزئيات النكرة وقد يكون مع ذلك الحكم على المجموع لازما كقولنا
стр. 507
كل مشرك مقتول وقد لا يلزم كقولنا كل رجل يشبعه رغيف وكلا الأمرين ليس من لفظ كل بل يظهر ذلك من معنى الكلام وقد يضاف كل لفظ إلى معرفة لقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ ١ وقوله ﷺ حكاية عن ربه: "يا عبادي كلكم جائع الا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار الا من كسوته فاستكسوني اكسكم" وكلام اكثر الأصوليين يقتضي ان كلا في هذه الحالة مثلها حالة الإضافة إلى نكرة في الدلالة على كل فرد واقتضى كلام بعض الاصوليين وابن مالك من النحاة ان مدلولها في هذه الحالة المجموع قال الشيخ الإمام والدي أطال الله بقاه والذي يظهر أنها إذا أضيفت إلى معرفة فإن كان مفردا كانت لاستغراق أجزائه ويلزم منه المجموع ولذلك يصدق قولنا كل رمان مأكول ولا يصدق كل الرمان مأكول لدخول قشره وبعبارة أخرى يصدق كل رجل مضروب إذا ضربت كلما واحد ضربا ما ولا يصدق كل الرجل مضروب الا إذا أضربت جميع أجزائه وان كانت المعرفة المضاف إليها جمعا احتمل ان يراد المجموع كما في قولنا كلكم بينكم درهم وان يراد كل فرد كقوله ﷺ : "كلكم راع" ولذلك فصله بعد ذلك فقال لسلطان راع والرجل راع والمرأة راعية والاحتمال الثاني: اكثر فيحمل عليه عند الإمكان ولا يعدل الأول الا بقرينة ومن أمثلة بعض الاصوليين كل أعضاء البدن حيوان والمراد المجموع كما في كلكم بينكم درهم وهذا يحتاج إلى سماع من العرب لكن كلام النحو بين منطبق عليه قال ابن السراج يقول ان خيرهم كلهم زيد وان لي قبلكم كلكم خمسين درهما والمراد الجمع لا كل فرد.
واعلم انك إذا اثبت حكما لجزء أو أجزاء ثم أخذت جملة من تلك الأجزاء أو الجزئيات لا يلزم ان يثبت لها ذلك الحكم بل قد يثبت بحسب ما يدل عليه الدليل إذا أدخلت كلا على ما فيه الألف واللام وأريد الحكم على كل فرد فهل نقول ان الألف واللام هنا يفيد العموم وكل تأكيدها أو أنها هنا لبيان الحقيقة حتى يكون ناسيا كل من الأمرين محتمل قال الشيخ الإمام
стр. 508
والدي أعزه الله وقد يقال بأن الألف واللام تفيد العموم في مراتب ما دخلت عليه وكل تفيد العموم في أجزاء كل من المراتب.
فإذا قلت كل الرجال أفادت الألف واللام استغراق كل مرتبة من مراتب الرجل وأفادت كل استغراق الا آحاد فيصير لكل منهما معنى وهو أولى من التأكيد ومن هنا يظهر أنها لا تدخل على المفرد المعرف بالألف واللام إذا أريد بكل منهما العموم.
فإن قلت: فقوله ﷺ : "كل ذلك لم يكن" هل يفيد نفي كل واحد والمجموع.
قلت قد ظهر لك بما أنه يفيد نفي كل واحد فإن ذلك إشارة إلى المذكور وهو قول ذي اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت فالمذكور القصر والنسيان وعاد اسم الإشارة المفرد عليه فيفيد نفي كل واحد لأن دلالة العموم إذا أضيفت كل إلى مفرد نكره أو معرفه نص في واحد لما سبق وههنا التقدير كل المذكور لم يكن وهو مفرد فلذلك لا يحتمل نفي المجموع فقط ولو كان موضعه جمع معرف لاحتمل نفي كل واحد ونفي المجموع وإن كان الأظهر نفي كل واحد لما سبق ونظير ذلك مما يفيد لفي كل واحد قول الشاعر:
قد أصبحت أم الخيار تدعى ... علي ذنبا كله لم أصنع
فمدلوله ايضا نفي كل واحد ويعبر عن هذا بعموم السلب عام لكل الأفراد من انه حكم بالسلب على كل فرد وهذا فيما إذا تقدمت كل على النفي واما إذا تقدم النفي على كل كقول المتنبي.
ما كل ما يتمنى المرء يدركه
وقول الآخر:
وقولنا: ما جاء كل القوم وما جاء القوم كلهم وليس كل بيع حلالا فإنه لا يفيد العموم وهو المسمى بسلب العموم أي يفيد سلب العموم لا عموم لسلب وذكروا في سببه طرقالم يرتضها والدي الشيخ الإمام واختار طريقا
стр. 509
غيرها قررها في أحكام كل وهي ان قولنا مثلا ما كل ما يتمنى المرء يدركه سالبة محصلة نقيض الموجبة المحصلة والموجبة المحصلة تقتضي العموم فلا يقتضيه نقيضها وكذلك قولك لم يقم كل إنسان سالبة محصلة معناها نقيض لمعنى الموجبة المحصلة وهي قولك قام كل إنسان وقولك قام كل إنسان معناه الحكم على كل فرد بالقيام فيكون المحكوم به في السالبة المحصلة نقيض قيام كل فرد ونقيض الكلي جزئي فيكون مدلوله سلب القيام عن بعضهم لأنه النقيض وهذا بخلاف ما إذا تأخر السلب عن كل كما تقدم من قوله ﷺ : "كل ذلك لم يكن". وقول الشاعر: كله لم اصنع, فقد بان الفرق بين سلب العموم وعموم السلب.
واعلم ان النهي والنفي من واد واحد ومقتضى ذلك ان يطرد حكم النفي في النهي.
فإذا قلت لا تضرب كل رجل أو كل الرجال يكون النهي عن المجموع لا عن كل واحد ويتعدى هذا إلى سائر صيغ العموم كقولك لا تضرب الرجال الا ان يكون هناك قرينة تقتضي ثبوت النهي لكل فرد الأصوليون قالوا:
دلالة العموم كلية ولذلك يستدل بها في النفي والنهي وما ذكرناه يرد عليهم.
قلت: وهذا الذي أوردناه من التفرقة بين تقدم النفي على كل وتأخره عنها هو الذي ذكره البيانيون وارتضاه الشيخ الإمام والدي أيده الله وهو ان كان في غاية الظهور الا ان لقائل ان يقول ما برحت العلماء سلفا وخلفا تستدل بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ ١ ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ ٢ ونظائر ذلك على إثبات الحكم لكل فرد ولم يقل أحد ان ذلك نهي عن المجموع وقال
стр. 510
الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ١ والمراد كل واحد وكذلك فإن أصحابنا لو قال والله لأوطئت كل واحدة منكن يكون موليا من كل واحدة ويتعلق بوطء كل واحدة الحنث ولزوم الكفارة وهذا كله يشهد لعدم التفرقة بين النفي وتأخره.
ثم اعلم ان ما قدمناه من انه إذا تقدم النفي على كل لا يدل على الاستغراق شرطه ان لا ينتقض النفي بالا فلو انتقض قبل المحمول فالاستغراق باق كما لو لم يدخل النفي قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية فالمراد ان كل واحد آنيه عبد وان كان النفي متقدما لكن لأجل الاستثناء وسببه ان النفي إنما هو المحمول وتسلطه عليه وما بعد الا لا تسلط للمنفي عليه فما بعد الا مثبت وهو في الاستثناء المفرغ مسند إلى ما قبلها وهو كل فرد كما كان في الجملة.
قيل: دخول النفي والاستثناء فهذا ما أوردنا إيراده من الكلام على صيغة كل.
قال الشيخ الإمام ومن لطيف القول فيها أنها للاستغراق سواء كانت للتأكيد أم لا والاستغراق لأجزاء ما دخلت عليه ان كان معرفة ولجزيئاته ان كان نكرة فانك إذا قلت رأيت زيدا كله كانت لاستيعاب أجزائه وكذلك أخذت العشرة كلها.
وقولك: رأيت كلهم وكلهم قائم وكل القوم ضارب ونحوه من سائر الصور دخولها على المعرفة من هذا القبيل لأنك لو حذفتها لكان الشمول حاصلا فكانت لاستغراق تلك الأفراد التي استغرقها المعرفة كما هي لاستغراق أجزاء العشرة وزيد.
وإذا قلت: كل رجل قائم وما أشبهه من دخولها على النكرة كانت لاستغراق جزئيات تلك الحقيقة التي أضاف إليه واحد منهما.
стр. 511
قلت: وما ذكرناه من التفرقة بين إضافة كل إلى معرفة فيكون لاستغراق أجزاء ما دخلت عليه أضافتها إلى نكرة فيكون لجزيئاته هو ما ذكروه وقرره والدي ﵁ وارتضاه ولمعترض ان يقول: قال الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ﴾ ١ والمراد الجزئيات لا الأجزاء وقال ﷺ : "كل الطلاق واقع الا طلاق المعتوه" ٢.
الحديث هذا القول في كل وأما جميع فمثل كل إذا أضيفت إلى معرفة فتكون لإحاطة الأجزاء ومما يستفاد في جميع ان ابن الفارض في كتابه النكت قال جميع وان كانت مثل كل في إفادة الاستغراق الا أنها تفارقها فينا عدا ذلك فان الزجاج حكى عن المبرد ان قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ يفيد وقوع السجود منهم فقط.
وقوله: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ يفيد انهم سجدوا مجتمعين ويؤيده انه جعل الافتراق في مقابلة في قوله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ ٣.
قلت: والقول بان لفظ جميع بدل على اتحاد الزمن غريب لم أره في غير هذا الكتاب وانما يعرف ذلك في لفظ مجموع واما الألف واللام والموصولات كلها فمثل كل وكذلك من وما الشرطيتان والاستفهاميتان مثل كل ايضا تعم كل فرد وتحيط به.
هذا ما ذكره والدي في من ولقائل ان يقول من صالحة للمذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والمجموع هذا حظ منها وحظ النحوي منها وحظ الأصولي أنها للعموم فهل العموم في جميع هذه المراتب أو في الآحاد ويظهر فائدة إذا قال من دخل داري من هذين فاعطه درهما.
стр. 512
فان قلنا: بالأول أعطينا كل واحد درهما.
وان قلنا بالثاني: أعطينا كل واحد درهما بدخوله ونصف درهم بدخوله مع الآخر وان دخل ثلاثة فعلى الثاني نعطيهم ثلاثة بدخول الآحاد كل واحد درهما ودرهما بدخول الثلاثة لكل واحد منه الثلث وثلاثة لان صيغة الأثنينية فيهم ثلاثة فيستحقون بها ثلاثة لكل درهم فمجموع ما يستحقون تسعة وعلى هذا القياس وفيه احتمال آخر وهو انه لا يعطي المجموع الا درهما ومأخذه ان من لا تدل على الإفراد واحدا واحدا وانما تستغرق ما صلحت له.
وهذا البحث سمعته من والدي ولم يذكره في أحكام كل ولم أره منقولا ولا ملخص عنه فيما يظهر الا ان يقال لا عموم لها الا في مراتب الأفراد لكن الأسبق إلى الفهم أنها عامة فيما يصلح وهو يصلح للأفراد ومجموع الأفراد وان كانوا لا يتناهون ولكل مرتبة من مراتب المثنى والمجموع دون النهاية فليبحث عن ذلك واما أي ومتى ومهما وأين فمدلولها كل فرد لا على سبيل الإحاطة فهي تخالف كلا في هذا المعنى والدليل على ذلك انك تقول أي الرجال عندك أزيد أم عمرو بأم لا بالواو ويقول أكل الرجال عندك زيد وعمر وخالد بالواو ولا بأم فدل على الفرق بين مدلوليها فكل تفيد شمول الحكم لكل ما دخلت عليه وأي لا تقتضيه ومن هنا جاء التكرار في كل وكلما ولم يجيء في أي ونحوها حتى لو قال أي وقت دخلت الدار فأنت طالق فدخلت مرة بعد أخرى لم يتكرر الطلاق ولو قال كلما دخلت أو كل وقت دخلت فدخلت مرة بعد أخري تكرر.
فإن قلت: فإذا كانت أي لا تدل على التكرار وانما تدل على أحد ما دخلت عليه لا بعينه فهي والمطلق سواء وكل منهما عمومه على البدل لا على الشمول والكلام إنما هو في عموم الشمول.
قلت: المطلق والنكرة التي لا عموم فيها لا تعرض لها للأفراد وانما يدل المطلق على الماهية وان دلت النكرة مع ذلك على وحدة فلا عموم فيها فمطلق
стр. 513
هذا في النفي إذا قلت لا تشتم من شتمك فالظاهر أن المراد الحقيقة ومعناه مخالف لمعنى لا تشتم كل من شتمك.
والثالث: أي وهي مثل كل في إقامة الأفراد لكن يفارقها في اقتضاء كل الاستغراق الشمولي وأي لا تقتضي الا الاستغراق البدلي والله أعلم.
قال أو بقرينة في الاثبات كالجمع المحلى بالألف واللام والمضاف وكذا اسم الجنس أو النفي كالنكرة في سياق.
هذا هو الضرب الثاني: هو ما يفيد العموم من جهة اللغة لا من جهة وضعه له بل بواسطة اقتران قرينة وهو على وجهين.
أحدهما: أن يكون في الاثبات وذلك كالجمع المحلى بالألف واللام من غير عهد مثل أن الله بريء من المشركين والجمع المضاف نحو عبيدي أحرار وكذا المفرد إذا دخلت عليه الألف واللام أو الإضافة وهو الذي عبر عنه المصنف باسم الجنس كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ كما سبق ومما يدل على أن المفرد المضاف يعم ولم نر من ذكره قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ ١ فان المراد موسى المرسل إلى فرعون ومعه هارون ولوط المرسل إلى المؤتفكات وهنا تنبيهان.
أحدهما: ان العموم فيما ذكر مختلف فالداخل على اسم الجنس يعم الأفراد أعنى كل فرد فرد والداخل على الجمع يعم المجموع لان الألف واللام والإضافة يعمان افراد ما دخلا عليه وقد دخلا على جمع فانظر في هذا وفائدته انه يتعذر الاستدلال به في النفي والنهي على ثبوت الحكم لفرد لأنه إنما حصل النفي أو النهي عن افراد المجموع وليس الواحد جمعا وهذا معنى قولهم لا يلزم من النهي عن المجموع النهي عن كل فرد ولا من نفيه نفي كل فرد وهذا لا يعارض ما تقدم من ان العموم من باب الكلية وان معناه ثبوته لكل فرد سواء كان نفيا أو نهيا أم لا لانا في حالة الجمع أثبتناه ايضا في النفي والنهي لكل فرد من أفراد ما دخل عليه وهي الجموع وينبغي على مساق
стр. 514
هذا في النفي إذا قلت لا تشتم من شتمك فالظاهر أن المراد الحقيقة ومعناه مخالف لمعنى لا تشتم كل من شتمك.
والثالث: أي وهي مثل كل في إقامة الأفراد لكن يفارقها في اقتضاء كل الاستغراق الشمولي وأي لا تقتضي الا الاستغراق البدلي والله أعلم.
قال أو بقرينة في الاثبات كالجمع المحلى بالألف واللام والمضاف وكذا اسم الجنس أو النفي كالنكرة في سياق.
هذا هو الضرب الثاني: هو ما يفيد العموم من جهة اللغة لا من جهة وضعه له بل بواسطة اقتران قرينة وهو على وجهين.
أحدهما: أن يكون في الاثبات وذلك كالجمع المحلى بالألف واللام من غير عهد مثل أن الله بريء من المشركين والجمع المضاف نحو عبيدي أحرار وكذا المفرد إذا دخلت عليه الألف واللام أو الإضافة وهو الذي عبر عنه المصنف باسم الجنس كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ كما سبق ومما يدل على أن المفرد المضاف يعم ولم نر من ذكره قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ ١ فان المراد موسى المرسل إلى فرعون ومعه هارون ولوط المرسل إلى المؤتفكات وهنا تنبيهان.
أحدهما: ان العموم فيما ذكر مختلف فالداخل على اسم الجنس يعم الأفراد أعنى كل فرد فرد والداخل على الجمع يعم المجموع لان الألف واللام والإضافة يعمان افراد ما دخلا عليه وقد دخلا على جمع فانظر في هذا وفائدته انه يتعذر الاستدلال به في النفي والنهي على ثبوت الحكم لفرد لأنه إنما حصل النفي أو النهي عن افراد المجموع وليس الواحد جمعا وهذا معنى قولهم لا يلزم من النهي عن المجموع النهي عن كل فرد ولا من نفيه نفي كل فرد وهذا لا يعارض ما تقدم من ان العموم من باب الكلية وان معناه ثبوته لكل فرد سواء كان نفيا أو نهيا أم لا لانا في حالة الجمع أثبتناه ايضا في النفي والنهي لكل فرد من أفراد ما دخل عليه وهي الجموع وينبغي على مساق
стр. 515
هذا التقرير أن تختلف الجموع تشمل جموع القلة ثلاثة ثلاثة ولا يشمل جموع الكثرة وإلا أحد عشر أحد عشر.
الثاني: علمت اختيار المصنف ان المفرد المعرف بأن يعم وهو قول أبى اسحاق الشيرازي وابن برهان والجبائي والمبرد وصححه ابن الحاجب وهو المنقول عن الشافعي واما الإمام واكثر اتباعه فقالوا لا يفيد العموم والمختار الأول.
فان قلت لم لا قال الشافعي ﵁ بوقوع الثلاث على من حلف بالطلاق المعروف وحيث قلت:
هذا سؤال سأله القرافي الشيخ عز الدين بن عبد السلام وأجابه كما ذكر في شرح المحصول بأن هذا يمين فيراعي فيهما العرف دون الأوضاع اللغوية قال الشيخ الإمام الوالد ﵀ في الأجوبة عن الأسئلة التي سألته عنها وقد يقال في الجواب ان الطلاق حقيقة واحدة وهي قطع عصمة النكاح وليس له أفراد حتى يقال أنها تندرج في العموم ولكن مراتبه مختلفة منها ما يحصل به تشعيب النكاح وهو الرجعي وجوز الشارع فيه ان يكون مرة بعد أخرى والتشعيب الحاصل من الثانية اكثر من الحاصل بالأولى وان اشتركا في جواز الرجعة ومنها ما يحصل به البينونة مع إمكان الرد بغير محلل وهو إذا كان بعوض ومنها ما يحصل به البينونة الكبرى وهو الثلاث فهذه مراتب وليست إفرادا ولكن إذا قال أنت طالق ثلاثا فقد استوعب جملة الطلاق فإذا لم يذكر الثلاث ولا نواها لم يحمل الا على اقل المراتب لان الألف واللام لا دلالة لها على قوة مرتبة أو ضعفها فلا يحمل الا على الماهية وليست آحاد المراتب بمنزلة أحاد العموم حتى نقول بالاستغراق وأيضا فلو قال القائل العنق يلزمني أو المشي ان مكة ونحو ذلك وقلنا:
يجب عليه الوفاء لم يلزمه الا المسمى فكذلك هذا قال وهذا شيء يمكن ان يقال والأدب مع الشيخ عز الدين الاقتصار على جوابه.
والثاني: مما يدل بواسطة اقتران قرينة ان يكون في النفي وذلك كالنكرة
стр. 516
في سياقه إما بما أو بلن أو ليس أو لم فإنها تعم سواء باشرها النفي نحو ما أحد قائم أم باشر عاملها نحو ما قام أحد ومما استدل به الإمام على النكرة في سياق النفي تعم انه لو لم يكن للنفي لما كان قولنا لا اله الا الله نفيا لدعوى من ادعى الها سوى الله تعالى.
واعلم ان النكرة ان كانت صادقة على القليل والكثير أو واقعة بعد لا العاملة عملان أعني لا التي لنفي الجنس مثل لا رجل في الدار ببناء رجل على الفتح أو داخلا عليها من مثل ما جاءني من رجل فإن كونها العموم من الواضحات ولكن هل استفيد العموم في قولك ما جاءني من رجل من لفظه أو كان مستفادا من النفي قبل دخولها هي لتأكيده الحق الثاني وهو ما قرره والدي أيده الله غير مرة ولهذا قال الشيخ جمال الدين بن مالك وتزاد لتخصيص العموم بعد نفي أو شبهة وأراد بتنصيص العموم تقويته كما.
ذكرناه وان كان هو حاصلا قبلها وقد اعترض عليه شيخنا أبو حيان فقال تقسيم المصنف وغيره من هذه الزائدة إلى أنها تكون لاستغراق الجنس ولتأكيد الجنس ليس هو مذهب سيبويه ﵀ بل قولك ما جاءني من أحد وما جاءني من رجل من في الموضعين لتأكيد استغراق الجنس وهذا هو الصحيح انتهى وانما حمل شيخنا أبا حيان على ذلك انه لم يفرق بين العموم وتنصيص العموم ففهم كلام ابن مالك على خلاف ما أراد ثم اعترض عليه والحق ما ذكرناه وان العموم قبل دخول من ظاهر لا نص واحتماله للخصوص احتمال كبير وان كان مرجوحا وبعد دخول من العموم نص واحتمال الخصوص ضعيف جدا بحيث لا يكاد يوجد في كلام العرب ولا ينبغي ان يكون في ذلك خلاف بل ينزل اختلاف كلام العلماء على هذا التنزيل الذي ذكرناه وانه متى قلت ما جاءني رجل أفاد الاستغراق مع جواز إرادة الوحدة جواز منكر.
وإذا قلت ما جاءني من رجل كان الاستغراق فصار إرادة الخصوص مستنكرة.
стр. 517
وإذا قلت ما جاءني أحد كان نصا في العموم لان أحد لا يدخل الا في النفي الا إذا كانت همزتها مبدلة من واو فإنها تدخل في الاثبات فلذلك يحتمل الخصوص ايضا فإذا دخلت عليه من كقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ١لم يبق الاحتمال الخصوص وجه وقد تمسك القرافي في ان ما جاءني رجل لا يفيد العموم بقوله الزمخشري في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢ إنما استفيد العموم من لفظه من ولو قال مالكم اله غيره لم يعم مع ان لفظه اله نكرة وقد حكم بأنه لا يعم وكذلك قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ﴾ ٣ قال إنما استفيد العموم من لفظه من تكون لإرادة العموم نحو ما تقدم وتارة تؤكد العموم كقولك ما جاءني من أحد وهذا الذي قاله الزمخشري يمكن تأويله على أنها أربع مراتب كما أشرنا إليه أدناها في إفادة العموم ما جاءني رجل لعدم دخول من ولعدم اختصاص رجل بالنفي وأعلاها ما جاءني من ديار لانتفاء الأمرين والمرتبة المتوسطة ما جاءني من رجل وما جاءني أحد كما أشرنا إليه من قبل فان أراد الزمخشري ذلك صح كلامه وإلا فهو ممنوع لان قوله تعالى: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ ٤ وقوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ ونظائرهما مما لا شك في إفادته العموم وليس فيه من ولا لفظ مختص بالنفي وأيضا فان النكرة تدل على المساهمة ولا دلالة لها على قيد الوحدة وان كانت محتملة له والاصل عدمه فدخول النفي عليها بنفي معناها بطريق الأصالة وهو مطلق الماهية ويلزم منه العموم واما احتمال قيد الوحدة فهو سابع ولكنه خلاف الأصل والظاهر فلا يجعل هو الأصل في الدلالة ولا مساويا لما هو الأصل وإذا تؤمل كلام العرب حصل القطع بذلك ولم يثبت في هذه المسالة خلاف ومن ادعى فيها خلافا يحتاج إلى بيان ورد لما قلناه ومع كون من هذه تفيد نصية العموم أو تأكيده في محتملة لان يكون للتبعيض أولا ابتداء الغاية.
وقال ابن مالك ان في كلام سيبويه إشارة إلى أنها للتبعيض وهو كما قال
стр. 518
لأن سيبويه قال بعد تمثيله بما أتاني من رجل أدخلت من لأن هذا موضع تبعيض فأراد أنه لم يأت بعض الرجال وقال شيخنا أبو حيان ان هذا غير مرضي من ابن مالك لأنه يلزم منه ان تكون ألفاظ العموم للتبعيض وانما المقصود بزيادة من في نحو ما أتاني من رجل جعل المجرور بها نصا في العموم وانما تكون للتبعيض فيما إذا لم يقصد عموم وحسن في موضعها بعض نحو من الناس من يقول وهذا الذي قاله شيخنا غير مرضي والحق ما قاله ابن مالك وقد وافق شيخنا في آخر كلامه على جواز إرادة ذلك وعجب قوله انه يلزم ان يكون ألفاظ العموم للتبعيض وانما حمله على ذلك توهمه ان اصل العموم مستفاد من لفظة من وقد بينا خلافه فيما تقدم والله اعلم.
فائدتان: الاولى صرح امام الحرمين بأن النكرة في سياق الشرط تعم في قول القائل من يأتني بمال أجازه فلا يختص هذا بمال هذا كلامه ومراد العموم البدلي لا الشمولي وهو صحيح.
الثانية: اختلف في ان النكرة في سياق النفي هل عمت لذاتها والنفي المشترك منهما.
والثاني: هو قول الحنفية واختاره والدي أيده الله فلم يحصل العموم عندهم الا لأن حرف النفي اقتضى نفي الماهية الكلية ونفي الأعم يلزم منه نفي الأخص فحصلت السالبة الكلية بطريق اللزوم لا لأن اللفظ موضوع في اللغة للسالبة الكلية وظاهر كلام غيرهم من الشافعية الأول وهو ان اللفظ وضع لسلب كل فرد من افراد الكلية وان سلب الكلي حصل بطريق اللزوم لنفي الكلية عكس تلك المقالة فإنه يلزم من نفي كل فرد نفي الكلي ومن نفي الكلي نفي كل فرد فهما متلازمات وهذا المذهب هو الظاهر عند القرافي وينبني على الخلاف التخصيص بالنية فإن قلنا يقول الحنفية من أنه نفي للكلي فلا يؤثر حتى لو قال لا أكلت ونوى معينا لا يسمع وإن قلنا بالقول الآخر من انه نفي للكلية فيؤثر تخصيص بعض الأفراد بالنية.
قال أو عرفا مثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ فإنه يوجب حرمة جميع الاستمتاعات.
стр. 519
هذا هو القسم الثاني: وهو تقيد العموم من جهة العرف مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ فإن أهل العرف نقلوا تحريم العين إلى تحريم جميع الاستمتاعات المقصودة من النساء فيفيد حرمة جمع الاستمتاعات من الوطء ومقدماته ومنهم من يقول.
المقصود في هذه الآية تحريم الوطء خاصة ومنهم من تدعي إجمالها كما ستعرفه في باب المجمل والمبين لأن المصنف ذكر قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ فإنا حملناه على الأكل للعرف
والخلاف في هذه الآية هو الذي في تلك.
قال أو عقلا كترتب الحكم على الوصف.
هذا هو القسم الثالث: وهو ما يدل عليه بالعقل وهو ثلاثة.
الأول: وعليه اقتصر في الكتاب ترتيب الحكم على الوصف فإن ترتيبه يشعر بكونه علة له وذلك يفيد بالعقل على معنى أنه كلما وجدت العلة وجد المعلول وكلما انتفت انتفي فهذا القسم إنما دل بالعقل ولم يدل باللغة ولا بالعرف أما العرف فواضح وأما اللغة فلأنه لو دل بها لكان أما المنطوق أو المفهوم وانتفاء المفهوم ظاهر ولا يدل بالمنطوق لان تعليق الشيء بالوصف لا يدل على التكرار لفظا.
والثاني: ما يذكر جوابا عن سؤال النبي ﷺ عمن افطر فقال عليه الكفارة فيعلم أنه يعم كل مفطر.
والثالث: مفهوم المخالفة عند القائلين به كقوله ﷺ : "مطل الغني ظلم" فانه بمفهومه يدل على أن مطل غير الغني لا يكون ظلما وأما مفهوم فداخل في القسم الأول إذا الحكم إنما ثبت فيه بطريق الأولى لأجل أن العلة فيه أولى أو لكونه مساويا لأجل ان العلة اقتضت ذلك فكان من جملة أصناف القسم الأول.
стр. 520
قال ومعيار العموم جواز الاستثناء فانه يخرج ما يجب اندراجه لولاه وإلا لجاز من الجمع المنكر قيل لو تناوله لامتنع الاستثناء لكونه نقضا قلنا: منقوض بالاستثناء من العدد.
ذهب قوم وهم الملقبون بأرباب الخصوم إلى انه ليس للعموم صيغة تخصه وان ما سبق ذكره من الصيغ موضوع في الخصوص وهو اقل الجمع أما إثنان أو ثلاثة على الخلاف فيه واستعمل في العموم مجازا وذهب الشافعي وسائر المحققين إلى أن له صيغا مخصوصة به بالوضع ويستعمل مجازا في الخصوص وذهب آخرون الى الوقف ونقله القاضي في مختصر التقريب عن الشيخ ومعظم المحققين وذهب إليه قال وحقيقة ذلك انهم قالوا سبرنا اللغة ووضعها فلم نجد في وضع اللغة صيغة دالة على العموم سواء وردت مطلقة أو مقيدة بضروب من التأكيد واقفية مذهب آخر وهو دعوى الاشتراك.
ونقل عن الشيخ ايضا وعليه الاكثرون من الواقفية ومنهم من فصل بين الاخبار والوعيد والأمر والنهي.
فقال: بالوقف في الاخبار والوعد والوعيد دون الامر والنهي هذه مذاهب خمسة وحكى القاضي في تختصر التقريب سادسا وهو تسليم العموم حالة التقييد بضروب من التقييد فلفظ الناس مثلا إذا قلنا انه لا يعم حالة الاطلاق فنسلم انه عام في مثل قوله القائل الناس أجمعون عن آخرهم صغيرهم وكبيرهم لا يشذ منهم أحد إلى غير ذلك.
قال القاضي والمحققون من الواقفية يقولون:
وان قيدت بهذه القيود فليست موضوعة للاستغراق في اللغة ولكن قد يعرف عمومها بقرائن الأحوال المقترنة بالمقال وهي مما لا تنحصر بالعبارة كما يعرف بالقرائن وجل الرجل وان كانت القرائن لا توجب معرفتها ولكن أجرى الله العادة بخلق العلم الضروري عندها.
стр. 521
وسابعا: عن بعض الواقفية ان الخير إذا انطوى على وعيد العصاة من أهل الملة لزم التوقف فيه ولا يتوقف في غيره.
وثامنا: وهو التوقف في الوعيد دون الوعد قال وفرق بينهما بما يليق بالشطح والبرهان دون الحقائق.
وتاسعا: عن بعض المنتمين إلى الواقفية وهو ان الاخبار إذا وردت ومخرجها مخرج العموم عند القائلين به وسمعها السامع وكانت وعدا أو وعيدا ولم يسمع من آي الكتاب وسنن الرسول ﷺ ومواقع أدلة السمع شيئا فيعلم ان المراد بها العموم وان كان قد سمع قبل اتصالها به أدلة الشرع وعلم انقسامها للخصوص والعموم فلا يعلم حينئذ العموم في الاخبار اتصلت به.
قال: واعلم ان هذه الفئة بالنسبة إلى القائلين بالعموم أولى منهم بالنسبة إلى الواقفية هذا ما حكاه القاضي في هذا الكتاب ثم أطنب في الاستدلال على مذهبه والرد على خصومه وهذه المذاهب التي حكاها ذكرها غيره وانما أردت سردها من كلام القاضي.
واعلم ان هذا الكتاب قد أكثرنا النقل عنه في هذا الشرح وهو كتاب التلخيص لامام الحرمين اختصر من كتاب التقريب والإرشاد للقاضي فلذلك أغزو النقل تارة إلى التلخيص لامام الحرمين وذلك حيث يظهر لي ان الكلام من أمام الحرمين فإنه زاد من قبل نفسه أشياء على طريقة المتقدمين في الاختصار وتارة أعزوه إلى مختصر التقريب وهو حيث لا يظهر لي ذلك والذي أقوله ليستفاد اني على كثرة مطالعتي في الكتب الأصولية للمتقدمين والمتأخرين وتنقيبي عنها على ثقة بأني لم أر كتابا اجل من هذا التلخيص لا لمتقدم ولا لمتأخر ومن طالعة مع نظره الى ما عداه من المصنفات علم قدر هذا الكتاب وفي المسألة قوله.
عاشرا: حكاه المازري في شرح البرهان فقال أشار بعض المتأخرين في بعض الفاظه إلى طريقة مستغربة لا يكاد يصغي إليها أحد من أهل هذه الصناعة فقال ان لفظة المؤمنين والكافرين حيث ما وقعت في الشرع أفادت
стр. 522
العموم ويمكن ان يكون هذا من أحكام الشرع في بعض الالفاظ اللغوية كاحتكامه في لفظ الصلاة والحج والصوم وهنا تنبيهات.
أحدها: أن الواقفية وإن قالت لم يوضع اللفظ لخصوص ولا عموم.
قالت: بانا نعلم أن اقل الجمع لا بد منه ليجوز إطلاقه قال امام الحرمين ومما دل الناقلون فيه انهم نقلوا عن أبي الحسن ومتبعيه ان الصيغة وان تقيدت بالقرائن فإنها لا تشعر بالحج بل تبقى على التردد.
قال: وهذا وان صح النقل فيه فهو مخصوص عندي بالتوابع المؤكدة لمعنى الجمع كقول القائل رأيت القوم أجمعين اكثعين ابصعين فأما ألفاظ صريحة تعرض مقيدة فلا يظن بذي عقل أنه يتوقف فيها.
الثاني: قال امام الحرمين لا ينكر أحد من الواقفية أمكان وأيضا استدلال الصحابة بعموم ذلك مثل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ .
التعبير عن معنى الجميع بترديد ألفاظ مشعرة به كقول القائل رأيت القوم واحدا واحدا لم يغتن منهم أحدا وإنما كرر هذه الالفاظ قاطعا لوهم من يحسبه خصوصا الى غير ذلك.
قال: وانما انكر الواقفية لفظة واحدة مشعرة بمعنى الجمع انتهى وقد علمت فيما تقدم من كلامه في التلخيص أن الذي ادعى فيه الوفاق محل خلاف ولا يتوهم ان مراده بالجمع القدر المخصوص الذي هو ثلاثة أو اثنان وانما مراده العموم يدل عليه.
قوله: إنما كرر هذه الالفاظ قطعا لوهم من يحسبه خصوصا.
وقوله: رأيت القوم واحدا واحدا لم يغتني منهم أحد وقد أطلنا في حكاية المذاهب فلنعد الى الشرح فنقول الذي ذهب إليه المصنف تبعا لامام مذهب الشافعي وهو المختار ونقله القاضي عبد الوهاب في الملخص عن الفقهاء بأسرهم والآمدي قال المختار إنما هو صحة الاحتجاج بهذه الالفاظ في الخصوص لكونه مرارا من اللفظ يقينا سواء أريد به الكل أو البعض والوقف
стр. 523
فيما زاد على ذلك هذا كلامه وهو قريب من مذهب الواقفية الا انه لم يصرح بأنه متردد في ان العموم هل له صيغة أو هل الصيغة مشتركة وانما ذكر الاحتجاج فقط وابن الحاجب لم يتابعه على هذا بل اختار مذهب الشافعي ﵁ واستدل المصنف عليه بوجهين.
أحدهما: انه لو لم تكن هذه الصيغ للعموم لما جاز دخول الاستثناء لكنه يجوز أن يستثني منها ما يشاء من الأفراد بالاتفاق فدل على أنها للعموم وبيان الملازمة ان الاستثناء وإخراج ما لولاه لوجب دخوله في المستثنى منه فلزم ان يكون كل الأفراد واجبة الإندراج ولا معنى للعموم الا ذلك وانما قلنا لولا الاستثناء لوجب اندراج المستثنى في المستثنى منه ولان الاندراج جائز بالاتفاق فلو لم يكن واجبا ايضا لكان يجوز الاستثناء من الجمع المنكر لاشتراكهما في إمكان اندراج كل فرد من أفرادهما تحته فتقول جاء رجال الا زيدا وقد نص النحاة على منعه وأجاب بأن ما ذكرتموه منقوض بالاستثناء من العدد فانه يجوز وهذا الجواب أولا ضعيف لان للخصم أن يمنع صحة الاستثناء من تعدد كما هو أحد المذاهب للنحاة وصححه إبن عصفور.
وثانيا: لا يحتاج إليه لأنه لم يدع وجوب الاندراج مع كونه مستثنى وانما ادعاه عند عدمه ولهذا قال ما يجب اندراجه لولاه وعلى هذا الفرض فالمستثنى ليس داخلا في المستثنى منه نية وإنما هو داخل لغة لأن المختار أن الحكم على المستثنى منه إنما هو بعد إخراج المستثنى فلا تناقض واعترض القرافي على الدليل بان الاستثناء أربعة أقسام ما لولاه لعلم دخوله نحو عشرة الا اثنين وما لولاه لظن دخوله وهو الاستثناء من العمومات نحو اقتلوا المشركين الا زيدا وما لولاه لجاز دخوله من غير علم ولا ظن وهو أربعة الاستثناء من المحال نحو اكرم رجلا الا زيدا فان كل أخص محل لأعمه والأزمنة نحو صل الا عند الاستواء والأمكنة نحو صل الا في الحمام والأحوال كقوله تعالى: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ ١ أي في كل حالة من الأحوال الا في حالة الإحاطة بكم وما لولاه لامتنع دخوله نحو الاستثناء المنقطع في قولك قام القوم
стр. 524
الا حمارهم وإذا كان الاستثناء اعم من كل واحد من هذه الاقسام امتنع الاستدلال به على الوجوب فان الخصم لا يعتقد الا الجواز في هذه الصورة هذا اعتراضه والجواب ان لا ندعى ان امتنع الاستدلال به على فإن الخصم لا يعتقد الا الجواز في هذه الصورة هذا اعتراضه والجواب ان لا ندعي ان مطلق الاستثناء لإخراج ما لولاه لوجب دخوله وانما ندعي ذلك في صيغة من وما والمجموع المعرفة والدليل عليه اجماع أئمة العربية على ان الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ والاتفاق على انه يصح الاستثناء من هذه الصيغ وهاتان المقدمتان يفيدان كون هذه الصيغة للعموم والمقدمة الإجماعية لا تمنع ولا تعارض سواء قلنا تفيد العلم أم لا وأيضا فالاستثناء إخراج ما لولاه لدخل سواء كان معلوم الدخول أو مظنون الدخول وذلك هو القدر المشترك وإلا يلزم الاشتراك أو المجاز وهما على خلاف الأصل واما استثناء الجائز فممنوع وقوله المحال نحو أكرم رجلا الا زيدا.
قلنا: قال النحاة لا يستثنى المعرفة من النكرة الا ان عمت نحو ما قام رجال كانوا في دارك الا زيد منهم وليس في قولكم اكرم رجلا الا زيدا واحدا الأمرين واما الأزمنة والأمكنة والأحوال فإنما ذلك لتقدير لأنك تقدر صل كل وقت وصل في كل مكان ولتاتنني به في كل حاله فالاستثناء بعد ذلك إنما ورد على داخل في اللفظ والله اعلم قال وأيضا استدلال الصحابة بعموم ذلك مثل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله الأئمة من قريش نحن معاشر الأنبياء لا نورث شائعا من غير نكير.
الوجه الثاني: من الاستدلال أن الصحابة ﵃ استدلت بعموم بعض هذه الصيغ أو بعضهم وشاع ولم ينكر فكان اجماعا وبيان ذلك انهم استدلوا لعموم اسم الجنس المحلى بالألف واللام على العموم وذلك نحو قوله تعالى:
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ١وعملوا بمضمون ذلك واستدلوا بعموم الجمع المضاف نحو تعالى:
стр. 525
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ١ واستدل أبو بكر ﵁ ايضا بعمومه فانه رد على فاطمة ﵂ لما طلبت منه ميراثها من النبي ﷺ بقوله ﷺ :
"نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة" ٢ وهذه الواقعة على هذا النسق لا اعرفها وانما اخرج البخاري من حديث عائشة ﵂ ان فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثها من الرسول ﷺ يطلبان سهمه من فدك وسهمه من خيبر فقال لهما أبو بكر سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نورث ما تركنا صدقة".
وروى الترمذي في غير الجامع: "إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة" قال شيخنا الذهبي٣ وفي صحته نظر واستدل عمر ﵁ بعموم اسم الجمع المحلى فانه قال لأبي بكر ﵁ حين عزم على قتال مانعي الزكاة كيف تقاتلهم وقد قال النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم" فقال له أبو بكر أليس قد قال: "إلا بحقها" وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وتمسك به أيضا أبو بكر ﵁ بقوله ﷺ : "الأئمة من قريش" ٤ وحديث الائمة من قريش رواه العام احمد والنسائي
стр. 526
قال الثالثة: الجمع المنكر لا يقتضي العموم لأنه يحتمل كل أنواع العدد قال الجبائي انه حقيقة في كل أنواع العدد فيحمل على الجميع حقائقه قلنا لا بل في القدر المشترك.
الجمع المنكر إذا لم يكن مضافا لا يقتضي العموم عند الجمهور بل يحمل على ثلاثة أو اثنين على الخلاف في اقل الجمع وذهب أبو على الجبائي إلى انه يقتضيه قال صفي الدين الهندي والذي أظنه ان الخلاف في غير جمع القلة وإلا فالخلاف فيه بعيدا جدا إذ هو مخالف لنصهم على انه للعشرة مما دونها انتهى لكن الحكايات في غالب المصنفات عن الجبائي ناطقة فانه يجمع الجمع المنكر بمنزلة الجمع المعرف والقاضي في مختصر التقريب صرح بحكاية ذلك عنه وقضية ذلك عدم التفرقة بين جموع القلة والكثرة لنا ان لفظ رجال يحتمل جميع أنواع العدد لأنه يصح لغة بأي جمع شئنا فنقول رجال ثلاثة وأربعة وخمسة فصح نقسمه الى ذلك ومورد التقسيم اعم من كل واحد من تلك الاقسام الخاصة والأعم لا يدل على الأخص فاللفظ الدال على ذلك المورد لا يكون له أشعار بتلك الاقسام فلا يكون الا عليها وفي قول المصنف في كل أنواع العدد مناقشة إذ يقال الاثنان عدد باتفاق لحساب وليس ذلك بجمع على رأيك لأنه اقل الجمع ثلاثة واحتج الجبائي بأن جملة على الاستغراق حمل له على كل حقائقه لأنه يطلق على كل نوع منها والاصل في الإطلاق الحقيقه مشتركا بينهما فيحمل عليها.
أجاب بأنا لا نسلم انه حقيقة في القدر المشترك بين الكل وهو مطلق الجمع الصادق على الثلاثة والأربعة فما فوقهما وقد بينا ان الدال على ما به الاشتراك غير دال على ما به الاحتياز.
واعلم ان هذا الدليل الذي أورده الجبائي يستفاد منه انه عنده من المشتركات وانه يحمل المشترك على معاينة وسبق التنبيه على ذلك في مسالة المشترك وللجبائي دليل آخر يغاير هذه الطريقة وهو صحة الاستثناء من الجمع المنكر حكاه عنه الأصوليون على طبقاتهم القاضي فمن بعده وهو مغايرته لهذه
стр. 527
الطريقة ممنوع فقد أتفقت النحاة على ان ذلك لا يصح واما جعل الإمام هنا اقل رجال ثلاثة ففيه نظر لان جمع كثرة والأقل في مدلوله إنما هو أحد عشر باتفاق النحاة وهو المشترك بين جموع الكثرة كلها الا ان ما ذكره ماش على ما قاله الفقهاء فإنهم قالوا له عندي دراهم قبل تفسيره ثلاثة مع أن دراهم جمع كثرة.
стр. 528
الطريقة ممنوع فقد أتفقت النحاة على ان ذلك لا يصح واما جعل الإمام هنا اقل رجال ثلاثة ففيه نظر لان جمع كثرة والأقل في مدلوله إنما هو أحد عشر باتفاق النحاة وهو المشترك بين جموع الكثرة كلها الا ان ما ذكره ماش على ما قاله الفقهاء فإنهم قالوا له عندي دراهم قبل تفسيره ثلاثة مع أن دراهم جمع كثرة.
стр. 529
المسألة الثالثة: في الجمع المنكر لا يقتضي العموم
...
قال الثالثة: الجمع المنكر لا يقتضي العموم لأنه يحتمل كل أنواع العدد قال الجبائي انه حقيقة في كل أنواع العدد فيحمل على الجميع حقائقه قلنا لا بل في القدر المشترك.
الجمع المنكر إذا لم يكن مضافا لا يقتضي العموم عند الجمهور بل يحمل على ثلاثة أو اثنين على الخلاف في اقل الجمع وذهب أبو على الجبائي إلى انه يقتضيه قال صفي الدين الهندي والذي أظنه ان الخلاف في غير جمع القلة وإلا فالخلاف فيه بعيدا جدا إذ هو مخالف لنصهم على انه للعشرة مما دونها انتهى لكن الحكايات في غالب المصنفات عن الجبائي ناطقة فانه يجمع الجمع المنكر بمنزلة الجمع المعرف والقاضي في مختصر التقريب صرح بحكاية ذلك عنه وقضية ذلك عدم التفرقة بين جموع القلة والكثرة لنا ان لفظ رجال يحتمل جميع أنواع العدد لأنه يصح لغة بأي جمع شئنا فنقول رجال ثلاثة وأربعة وخمسة فصح نقسمه الى ذلك ومورد التقسيم اعم من كل واحد من تلك الاقسام الخاصة والأعم لا يدل على الأخص فاللفظ الدال على ذلك المورد لا يكون له أشعار بتلك الاقسام فلا يكون الا عليها وفي قول المصنف في كل أنواع العدد مناقشة إذ يقال الاثنان عدد باتفاق لحساب وليس ذلك بجمع على رأيك لأنه اقل الجمع ثلاثة واحتج الجبائي بأن جملة على الاستغراق حمل له على كل حقائقه لأنه يطلق على كل نوع منها والاصل في الإطلاق الحقيقه مشتركا بينهما فيحمل عليها.
أجاب بأنا لا نسلم انه حقيقة في القدر المشترك بين الكل وهو مطلق الجمع الصادق على الثلاثة والأربعة فما فوقهما وقد بينا ان الدال على ما به الاشتراك غير دال على ما به الاحتياز.
واعلم ان هذا الدليل الذي أورده الجبائي يستفاد منه انه عنده من المشتركات وانه يحمل المشترك على معاينة وسبق التنبيه على ذلك في مسالة المشترك وللجبائي دليل آخر يغاير هذه الطريقة وهو صحة الاستثناء من الجمع المنكر حكاه عنه الأصوليون على طبقاتهم القاضي فمن بعده وهو مغايرته لهذه
стр. 530
المسألة الرابعة: نفي المساواة بين الشئين هل هو عام .
...
قال الرابعة قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ ١ يحتمل نفي الاستواء من كل وجه ومن بعضه فلا ينبغي الاستواء من كل وجه لان الأعم لا يستلزم نفي الأخص بخلاف لا آكل فانه عام فيحتمل التخصيص كما لو قيل لآكل أكلا وفرق أبو حنيفة بان أكلا يدل على الوحدة وهو ضعيف.
هذه المسالة مشتملة على بحثين:
الأول: ان نفي المساواة بين الشيئين هل يقتضى العموم اعني نفي الاستواء من كل وجه أم لا وذهبت الشافعية ﵃ وجماعة آخرون إلى الأول وتمسك بها أصحابنا على ان المسلم لا يقتل بالكافر لان القصاص مبني على المساواة.
وذهب الحنفية إلى الثاني واختاره المصنف تبعا للإمام والخلاف في المسالة دائر على حرف واحد وهو ان لفظ ساوى واستوى وما مثل زيدا عمرا أو زيد مثل عمرو والمماثلات كلها والاستواءات هل مدلولها في اللغة المشاركة في جميع الوجوه حتى يكون مدلولها كلا شاملا ومجموعا محيطا أو مدلولها المساواة في شيء ما حتى يصدق بأي وصف كان واحتج المصنف بأن نفي الاستواء اعم من نفي الاستواء من كل الوجوه أو من بعضها والدال على القدر المشترك بين القسمين لا إشعار له فيه بهما وهذا معنى قولهم الأعم لا يستلزم نفي الأخص فحينئذ نفي الاستواء لمطلق لا يحتمل نفي الإستواء من كل وجه.