← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11728

الإتقان في علوم القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

كُتُبٍ لَا أَصْلَ لَهَا: الْمَغَازِي وَالْمَلَاحِمُ وَالتَّفْسِيرُ، وقال الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ: مُرَادُهُ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَسَانِيدُ صِحَاحٌ مُتَّصِلَةٌ وَإِلَّا فَقَدَ صَحَّ من ذَلِكَ كَثِيرٌ كَتَفْسِيرِ الظُّلْمِ بِالشِّرْكِ فِي آيَةِ الْأَنْعَامِ وَالْحِسَابِ الْيَسِيرِ بِالْعَرْضِ وَالْقُوَّةِ بِالرَّمْيِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ قلت: الذي صح من ذَلِكَ قَلِيلٌ جِدًّا بَلْ أَصْلُ الْمَرْفُوعِ مِنْهُ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ وَسَأَسْرُدُهَا كُلَّهَا آخِرَ الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الثَّانِي: الْأَخْذُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ فَإِنَّ تَفْسِيرَهُ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْفُوعِ إِلَى النبي كَمَا قَالَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ يحتمل ألا يَرْجِعَ إِلَيْهِ إِذَا قُلْنَا إِنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ لَا الرَّأْيِ قُلْتُ: مَا قَالَهُ الْحَاكِمُ نَازَعَهُ فِيهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِمَا فِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ أَوْ نَحْوَهُ مِمَّا لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِيهِ ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَاكِمَ نَفْسَهُ صَرَّحَ بِهِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ فَقَالَ: وَمِنَ الْمَوْقُوفَاتِ تَفْسِيرُ الصَّحَابَةِ وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ إِنَّ تَفْسِيرَ الصَّحَابَةِ مُسْنَدٌ فَإِنَّمَا يَقُولُ فِيمَا فِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ فَقَدْ خَصَّصَ هُنَا وَعَمَّمَ فِي الْمُسْتَدْرَكِ فَاعْتَمَدَ الْأَوَّلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَفِي الرُّجُوعِ إِلَى قَوْلِ التَّابِعِيِّ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَ ابْنُ عُقَيْلٍ الْمَنْعَ وَحَكَوْهُ عَنْ شُعْبَةَ لَكِنَّ عَمَلَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى خِلَافِهِ فَقَدْ حَكَوْا

стр. 1367

فِي كُتُبِهِمْ أَقْوَالَهُمْ لِأَنَّ غَالِبَهَا تَلَقَّوْهَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَرُبَّمَا يُحْكَى عَنْهُمْ عِبَارَاتٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَلْفَاظِ فَيَظُنُّ مَنْ لَا فَهْمَ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ مُحَقَّقٌ فَيَحْكِيهِ أَقْوَالًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ذَكَرَ مَعْنًى مِنَ الْآيَةِ لِكَوْنِهِ أَظْهَرَ عِنْدَهُ أَوْ أَلْيَقَ بِحَالِ السَّائِلِ وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُمْ يُخْبِرُ عَنِ الشَّيْءِ بِلَازِمِهِ وَنَظِيرِهِ وَالْآخَرُ بِمَقْصُودِهِ وَثَمَرَتِهِ وَالْكُلُّ يؤول إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ غَالِبًا فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ فَالْمُتَأَخِّرُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ عَنِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ مُقَدَّمٌ إِنِ اسْتَوَيَا فِي الصِّحَّةِ عَنْهُ وَإِلَّا فَالصَّحِيحُ الْمُقَدَّمُ. الثَّالِثُ: الْأَخْذُ بِمُطْلَقِ اللُّغَةِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ وَهَذَا قَدْ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ، لَكِنْ نَقَلَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقُرْآنِ يُمَثِّلُ لَهُ الرَّجُلُ بِبَيْتٍ مِنَ الشعر فقال: ظَاهِرُهُ الْمَنْعُ وَلِهَذَا قَالَ: بَعْضُهُمْ فِي جَوَازِ تفسيره الْقُرْآنِ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ. وَقِيلَ: الْكَرَاهَةُ تُحْمَلُ عَلَى صَرْفِ الْآيَةِ عَنْ ظَاهِرِهَا إِلَى مَعَانٍ خَارِجَةٍ مُحْتَمَلَةٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا الْقَلِيلُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ وَلَا يُوجَدُ غَالِبًا إِلَّا فِي الشِّعْرِ وَنَحْوِهِ، وَيَكُونُ الْمُتَبَادِرُ خِلَافَهَا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: لَا أَوُتَى بِرَجُلٍ غَيْرِ عَالِمٍ بِلُغَةِ الْعَرَبِ يُفَسِّرُ كِتَابَ اللَّهِ إِلَّا جَعَلْتُهُ نَكَالًا. الرَّابِعُ: التَّفْسِيرُ بِالْمُقْتَضَى مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ وَالْمُقْتَضَبِ مِنْ قُوَّةِ الشَّرْعِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَعَا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ، حَيْثُ قَالَ: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ"، وَالَّذِي عَنَاهُ عَلِيٌّ بِقَوْلِهِ: "إِلَّا فَهْمًا يُؤْتَاهُ الرَّجُلُ فِي الْقُرْآنِ" وَمِنْ هُنَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ، فَأَخَذَ

стр. 1368

كُلٌّ بِرَأْيِهِ عَلَى مُنْتَهَى نَظَرِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ،وَقَالَ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فَأَضَافَ الْبَيَانَ إِلَيْهِ وَقَالَ ﷺ : "مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ، فَأَصَابَ فَقَدْ أخطأ"، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وَقَالَ: "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ: هَذَا إِنْ صح، فإن ما أَرَادَ –وَاللَّهُ أَعْلَمُ – الرَّأْيَ الَّذِي يَغْلِبُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ قَامَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الَّذِي يَسْنِدُهُ بُرْهَانٌ، فَالْقَوْلُ بِهِ جَائِزٌ. وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ، وَإِنْ صَحَّ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ: فَقَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ فسبيله أن يرجع في تفسيره أَلْفَاظِهِ إِلَى أَهْلِ اللُّغَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَسَبَبِ نُزُولِهِ وَمَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى بَيَانِهِ إِلَى أَخْبَارِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ شَاهَدُوا تَنْزِيلَهُ وَأَدَّوْا إِلَيْنَا مِنَ السُّنَنِ مَا يَكُونُ بَيَانًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فما ورد بيانه عن صَاحِبِ الشَّرْعِ فَفِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ فِكْرَةٍ مِنْ بَعْدِهِ وَمَا لَمْ يَرِدْ عَنْهُ بَيَانُهُ فَفِيهِ حِينَئِذٍ فِكْرَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ بَعْدَهُ لِيَسْتَدِلُّوا بِمَا وَرَدَ بَيَانُهُ عَلَى مَا لَمْ يَرِدْ قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ: مَنْ قَالَ فِيهِ بِرَأْيِهِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ مِنْهُ بِأُصُولِ الْعِلْمِ وَفُرُوعِهِ فَيَكُونُ مُوَافَقَتُهُ لِلصَّوَابِ إِنْ وَافَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْرِفُهُ غَيْرَ مَحْمُودَةٍ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ حَمَلَ بَعْضُ الْمُتَوَرِّعَةِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ،

стр. 1369

وامتنع من أَنْ يَسْتَنْبِطَ مَعَانِي الْقُرْآنِ بِاجْتِهَادِهِ ولو صحبتها الشَّوَاهِدُ وَلَمْ يُعَارِضْ شَوَاهِدَهَا نَصٌّ صَرِيحٌ وَهَذَا عُدُولٌ عَمَّا تُعُبِّدْنَا بِمَعْرِفَتِهِ مِنَ النَّظَرِ فِي الْقُرْآنِ وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ وَلَوْ صَحَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ لَمْ يَعْلَمْ شيء إلا بِالِاسْتِنْبَاطِ وَلَمَا فَهِمَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى سِوَى لَفْظِهِ وَأَصَابَ الْحَقَّ فَقَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ وَإِصَابَتُهُ إتفاق إذا الْغَرَضُ أَنَّهُ مُجَرَّدُ رَأْيٍ لَا شَاهِدَ لَهُ وَفِي الْحَدِيثِ "الْقُرْآنُ ذَلُولٌ ذُو وُجُوهٍ فَاحْمِلُوهُ عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِهِ" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَوْلُهُ: "ذَلُولٌ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُطِيعٌ لِحَامِلِيهِ تَنْطِقُ بِهِ أَلْسِنَتُهُمْ وَالثَّانِي أَنَّهُ مُوَضِّحٌ لِمَعَانِيهِ حَتَّى لَا تُقَصِّرَ عَنْهُ أَفْهَامُ الْمُجْتَهِدِينَ وَقَوْلُهُ: "ذُو وُجُوهٍ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مِنْ أَلْفَاظِهِ مَا يحتمل وجوها من التَّأْوِيلِ وَالثَّانِي أَنَّهُ قَدْ جَمَعَ وُجُوهًا مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَقَوْلُهُ: "فَاحْمِلُوهُ عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِهِ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْحَمْلُ عَلَى أَحْسَنِ مَعَانِيهِ وَالثَّانِي أَحْسَنُ مَا فِيهِ مِنَ الْعَزَائِمِ دُونَ الرُّخَصِ وَالْعَفْوِ دُونَ الِانْتِقَامِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنْبَاطِ وَالِاجْتِهَادِ فِي كِتَابِ الله تعالى وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ: النَّهْيُ إِنَّمَا انْصَرَفَ إِلَى الْمُتَشَابِهِ مِنْهُ لَا إِلَى جَمِيعِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ لِأَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا نَزَلَ حُجَّةً عَلَى الْخَلْقِ فلو لم يجز التَّفْسِيرُ لَمْ تَكُنِ الْحُجَّةُ بَالِغَةً فَإِذَا كَانَ كذلك جاز لِمَنْ عَرَفَ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَأَسْبَابِ النُّزُولِ أَنْ يُفَسِّرَهُ وَأَمَّا

стр. 1370

مَنْ لَمْ يَعْرِفْ وُجُوهَ اللُّغَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَسِّرَهُ إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا سَمِعَ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ وَلَوْ أَنَّهُ يَعْلَمُ التَّفْسِيرَ وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِنَ الْآيَةَ حُكْمًا أَوْ دَلِيلُ الْحُكْمِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَوْ قَالَ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ كَذَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْمَعَ فِيهِ شَيْئًا فَلَا يَحِلُّ وَهُوَ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ: حَمَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الرَّأْيَ مَعْنِيٌّ بِهِ الْهَوَى فَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ قَوْلًا يُوَافِقُ هَوَاهُ فَلَمْ يَأْخُذْهُ عَنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَأَصَابَ فَقَدَ أَخْطَأَ لِحُكْمِهِ عَلَى الْقُرْآنِ بِمَا لَا يَعْرِفُ أَصْلَهُ وَلَا يَقِفُ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْأَثَرِ وَالنَّقْلِ فِيهِ وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: لَهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا مَنْ قَالَ فِي مُشْكَلِ الْقُرْآنِ بِمَا لا يعرف من مذهب الْأَوَائِلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لِسُخْطِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْآخَرُ- وَهُوَ الْأَصَحُّ- مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ قَوْلًا يَعْلَمُ أَنَّ الْحَقَّ غَيْرُهُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ وَقَالَ الْبَغَوِيُّ وَالْكَوَاشِيُّ وَغَيْرُهُمَا: التَّأْوِيلُ صَرْفُ الْآيَةِ إِلَى مَعْنًى مُوَافِقٍ لِمَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلَى الْعُلَمَاءِ بِالتَّفْسِيرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ قِيلَ: شَبَابًا وَشُيُوخًا وَقِيلَ: أَغْنِيَاءُ وَفُقَرَاءُ وَقِيلَ: عُزَّابًا وَمُتَأَهِّلِينَ وَقِيلَ: نُشَّاطًا وَغَيْرَ نُشَّاطٍ وَقِيلَ: أَصِحَّاءَ وَمَرْضَى وَكُلُّ ذَلِكَ سَائِغٌ وَالْآيَةُ تَحْتَمِلُهُ وَأَمَّا التَّأْوِيلُ الْمُخَالِفُ لِلْآيَةِ وَالشَّرْعِ فَمَحْظُورٌ لِأَنَّهُ تَأْوِيلُ الْجَاهِلِينَ، مِثْلَ تَأْوِيلِ الرَّوَافِضِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ أَنَّهُمَا عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ يَعْنِي الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ

стр. 1371

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ هَلْ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ الْخَوْضُ فِيهِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَاطَى تَفْسِيرَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا أَدِيبًا متسما فِي مَعْرِفَةِ الْأَدِلَّةِ وَالْفِقْهِ وَالنَّحْوِ وَالْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ تَفْسِيرُهُ لِمَنْ كَانَ جَامِعًا لِلْعُلُومِ الَّتِي يَحْتَاجُ الْمُفَسِّرُ إِلَيْهَا وَهِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ عِلْمًا: أَحَدُهَا: اللُّغَةُ لِأَنَّ بِهَا يُعْرَفُ شَرْحُ مُفْرَدَاتِ الْأَلْفَاظِ وَمَدْلُولَاتِهَا بِحَسَبِ الْوَضْعِ قَالَ: مْجَاهِدٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِلُغَاتِ الْعَرَبِ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ وَلَا يَكْفِي فِي حَقِّهِ مَعْرِفَةُ الْيَسِيرِ مِنْهَا فَقَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَحَدَ الْمَعْنَيَيْنِ وَالْمُرَادُ الْآخَرُ الثَّانِي: النَّحْوُ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَتَغَيَّرُ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْإِعْرَابِ فَلَا بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِهِ أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَتَعَلَّمُ الْعَرَبِيَّةَ يَلْتَمِسُ بِهَا حَسَنَ الْمَنْطِقِ وَيُقِيمُ بِهَا قِرَاءَتَهُ فَقَالَ حَسَنٌ فَتَعَلَّمْهَا فَإِنَّ الرَّجُلَ يَقْرَأُ الآية فيعيى بِوَجْهِهَا فَيَهْلِكُ فِيهَا الثَّالِثُ: التَّصْرِيفُ لِأَنَّ بِهِ تُعْرَفُ الْأَبْنِيَةُ وَالصِّيَغُ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ وَمَنْ فَاتَهُ عِلْمُهُ فَاتَهُ الْمُعْظَمُ لِأَنَّ "وَجَدَ" مَثَلًا كَلِمَةٌ مُبْهَمَةٌ فَإِذَا صَرَّفْنَاهَا اتَّضَحَتْ بِمَصَادِرِهَا وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنْ بِدَعِ التَّفَاسِيرِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِمَامَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ ، جَمْعُ "أُمٍّ"، وَأَنَّ النَّاسَ

стр. 1372

يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأُمَّهَاتِهِمْ دون آبائهم، قال: وهذا غلط أوجبه جهل بِالتَّصْرِيفِ فَإِنَّ "أُمًّا" لَا تُجْمَعُ عَلَى "إِمَامٍ" الرَّابِعُ: الِاشْتِقَاقُ لِأَنَّ الِاسْمَ إِذَا كَانَ اشْتِقَاقُهُ مِنْ مَادَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى بِاخْتِلَافِهِمَا كَالْمَسِيحِ هَلْ هُوَ مِنَ السِّيَاحَةِ أَوِ الْمَسْحِ! الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ وَالسَّابِعُ: الْمَعَانِي وَالْبَيَانُ وَالْبَدِيعُ، لِأَنَّهُ يَعْرِفُ بِالْأَوَّلِ خَوَاصَّ تَرَاكِيبِ الْكَلَامِ، مِنْ جِهَةِ إِفَادَتِهَا الْمَعْنَى وَبِالثَّانِي خَوَاصَّهَا مِنْ حَيْثُ اخْتِلَافِهَا بِحَسَبِ وُضُوحِ الدَّلَالَةِ وَخَفَائِهَا، وَبِالثَّالِثِ وُجُوهَ تَحْسِينِ الْكَلَامِ وَهَذِهِ الْعُلُومُ الثَّلَاثَةُ هِيَ عُلُومُ الْبَلَاغَةِ وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ أَرْكَانِ الْمُفَسِّرِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَاعَاةِ مَا يَقْتَضِيهِ الْإِعْجَازُ وَإِنَّمَا يُدْرِكُ بِهَذِهِ الْعُلُومِ قال السَّكَّاكِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ شَأْنَ الْإِعْجَازِ عَجِيبٌ يُدْرَكُ وَلَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ كَاسْتِقَامَةِ الْوَزْنِ تُدْرَكُ وَلَا يُمْكِنُ وَصْفُهَا وَكَالْمِلَاحَةِ وَلَا طَرِيقَ إِلَى تَحْصِيلِهِ لِغَيْرِ ذَوِي الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ إِلَّا التَّمَرُّنُ عَلَى عِلْمَيِ الْمَعَانِي والبيان وقال ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ: اعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْفَصِيحِ وَالْأَفْصَحِ وَالرَّشِيقِ وَالْأَرْشَقِ مِنَ الْكَلَامِ أَمْرٌ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالذَّوْقِ وَلَا يُمْكِنُ إِقَامَةُ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ جَارِيَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بَيْضَاءُ مُشْرَبَةٌ بِحُمْرَةٍ دَقِيقَةُ الشَّفَتَيْنِ نَقِيَّةُ الثَّغْرِ كَحْلَاءُ الْعَيْنَيْنِ أَسِيلَةُ الْخَدِّ دَقِيقَةُ الْأَنْفِ مُعْتَدِلَةُ الْقَامَةِ وَالْأُخْرَى دُونَهَا فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ وَالْمَحَاسِنِ لَكِنَّهَا أَحْلَى فِي الْعُيُونِ وَالْقُلُوبِ مِنْهَا وَلَا يُدْرَى سَبَبُ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يُعْرَفُ بِالذَّوْقِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَلَا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ وَهَكَذَا الْكَلَامُ نَعَمْ يَبْقَى الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ أَنَّ حُسْنَ الْوُجُوهِ وَمَلَاحَتَهَا وَتَفْضِيلَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ يُدْرِكُهُ كُلُّ مَنْ لَهُ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ وَأَمَّا الْكَلَامُ فَلَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالذَّوْقِ وَلَيْسَ كُلُّ مَنِ اشْتَغَلَ بِالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالْفِقْهِ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الذَّوْقِ وَمِمَّنْ يَصْلُحُ لِانْتِقَادِ الْكَلَامِ وَإِنَّمَا أَهْلُ الذَّوْقِ هُمُ

стр. 1373

الَّذِينَ اشْتَغَلُوا بِعِلْمِ الْبَيَانِ وَرَاضَوْا أَنْفُسَهُمْ بِالرَّسَائِلِ وَالْخُطَبِ وَالْكِتَابَةِ وَالشِّعْرِ وصارت لهم بذلك دربة وَمَلَكَةٌ تَامَّةٌ فَإِلَى أُولَئِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُرْجَعَ فِي مَعْرِفَةِ الْكَلَامِ وَفَضْلِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنْ حَقِّ مُفَسِّرِ كِتَابِ اللَّهِ الْبَاهِرِ وَكَلَامِهِ الْمُعْجِزِ أَنْ يَتَعَاهَدَ بَقَاءَ النَّظْمِ عَلَى حُسْنِهِ وَالْبَلَاغَةِ عَلَى كَمَالِهَا وَمَا وَقَعَ بِهِ التَّحَدِّي سَلِيمًا مِنَ الْقَادِحِ وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْرِفَةُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ بِأَوْضَاعِهَا هِيَ عُمْدَةُ التَّفْسِيرِ الْمُطَّلِعِ عَلَى عَجَائِبِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ قَاعِدَةُ الْفَصَاحَةِ وَوَاسِطَةُ عِقْدِ الْبَلَاغَةِ الثَّامِنُ: عِلْمُ القراءات لأن بِهِ يُعْرَفُ كَيْفِيَّةُ النُّطْقِ بِالْقُرْآنِ وَبِالْقِرَاءَاتِ يَتَرَجَّحُ بَعْضُ الْوُجُوهِ الْمُحْتَمَلَةِ عَلَى بَعْضٍ. التَّاسِعُ: أُصُولُ الدِّينِ بِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ بِظَاهِرِهَا عَلَى مَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَالْأُصُولِيُّ يؤول ذَلِكَ وَيَسْتَدِلُّ عَلَى مَا يَسْتَحِيلُ وَمَا يَجِبُ وَمَا يَجُوزُ الْعَاشِرُ: أُصُولُ الْفِقْهِ إِذْ بِهِ يُعْرَفُ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْأَحْكَامِ وَالِاسْتِنْبَاطِ الْحَادِي عَشَرَ: أَسْبَابُ النُّزُولِ وَالْقَصَصِ إِذْ بِسَبَبِ النُّزُولِ يُعْرَفُ مَعْنَى الْآيَةِ الْمُنَزَّلَةِ فِيهِ بِحَسَبِ مَا أُنْزِلَتْ فِيهِ الثَّانِي عَشَرَ: النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ لِيُعْلَمَ الْمُحْكَمُ مِنْ غَيْرِهِ الثَّالِثَ عَشَرَ: الْفِقْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: الْأَحَادِيثُ الْمُبَيِّنَةُ لِتَفْسِيرِ الْمُجْمَلِ وَالْمُبْهَمِ الْخَامِسَ عَشَرَ: عِلْمُ الْمَوْهِبَةِ وَهُوَ عِلْمٌ يُوَرِّثُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِحَدِيثِ: "مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ"

стр. 1374

قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: وَعُلُومُ الْقُرْآنِ وَمَا يستنبط مِنْهُ بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ قَالَ: فَهَذِهِ الْعُلُومُ- الَّتِي هِيَ كالآية لِلْمُفَسِّرِ لَا يَكُونُ مُفَسِّرًا إِلَّا بِتَحْصِيلِهَا فَمَنْ فَسَّرَ بِدُونِهَا كَانَ مُفَسِّرًا بِالرَّأْيِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَإِذَا فَسَّرَ مَعَ حُصُولِهَا لَمْ يَكُنْ مُفَسِّرًا بِالرَّأْيِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ قَالَ: وَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ كَانَ عِنْدَهُمْ عُلُومُ الْعَرَبِيَّةِ بِالطَّبْعِ لَا بِالِاكْتِسَابِ وَاسْتَفَادُوا الْعُلُومَ الْأُخْرَى مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْتُ: وَلَعَلَّكَ تَسْتَشْكِلُ عِلْمَ الْمَوْهِبَةِ وَتَقُولُ هَذَا شَيْءٌ لَيْسَ فِي قُدْرَةِ الْإِنْسَانِ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَنْتُ مِنَ الْإِشْكَالِ وَالطَّرِيقُ فِي تَحْصِيلِهِ ارْتِكَابُ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لَهُ مِنَ الْعَمَلِ وَالزُّهْدِ قَالَ فِي البُّرْهَانِ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لِلنَّاظِرِ فَهْمُ مَعَانِي الْوَحْيِ وَلَا يَظْهَرُ لَهُ أَسْرَارُهُ وَفِي قَلْبِهِ بِدْعَةٌ أَوْ كِبْرٌ أَوْ هَوًى أَوْ حُبُّ الدُّنْيَا أَوْ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى ذَنْبٍ أَوْ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ بِالْإِيمَانِ أَوْ ضَعِيفُ التَّحْقِيقِ أَوْ يَعْتَمِدُ عَلَى قَوْلِ مُفَسِّرٍ لَيْسَ عِنْدَهُ عِلْمٌ أَوْ رَاجَعٌ إِلَى مَعْقُولِهِ وَهَذِهِ كُلُّهَا حُجُبٌ وَمَوَانِعُ بَعْضُهَا آكَدُ مِنْ بَعْضٍ قُلْتُ: وَفِي هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: يَقُولُ أَنْزِعُ عَنْهُمْ فَهْمَ الْقُرْآنِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقِ عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ التَّفْسِيرُ: أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ وَجْهٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ وَتَفْسِيرٌ تَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى

стр. 1375

ثُمَّ رَوَاهُ مَرْفُوعًا بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ بِلَفْظِ: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ: حَلَالٌ وَحَرَامٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ وَتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُهُ الْعَرَبُ وَتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُهُ الْعُلَمَاءُ وَمُتَشَابِهٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَمَنِ ادَّعَى عِلْمَهُ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ كَاذِبٌ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي البُّرْهَانِ: فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا تَقْسِيمٌ صَحِيحٌ فَأَمَّا الَّذِي تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ فَهُوَ الَّذِي يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى لِسَانِهِمْ وَذَلِكَ اللُّغَةُ وَالْإِعْرَابُ فَأَمَّا اللُّغَةُ فَعَلَى الْمُفَسِّرِ مَعْرِفَةُ مَعَانِيهَا وَمُسَمَّيَاتِ أَسْمَائِهَا وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْقَارِئَ ثُمَّ إِنْ كَانَ مَا تتضمنه أَلْفَاظُهَا يُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ كَفَى فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالِاسْتِشْهَادُ بِالْبَيْتِ وَالْبَيْتَيْنِ وَإِنْ كَانَ يُوجِبُ الْعِلْمَ لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَفِيضَ ذَلِكَ اللَّفْظُ وَتَكْثُرَ شَوَاهِدُهُ مِنَ الشِّعْرِ وَأَمَّا الْإِعْرَابُ فَمَا كَانَ اخْتِلَافُهُ مُحِيلًا لِلْمَعْنَى وَجَبَ عَلَى الْمُفَسِّرِ وَالْقَارِئِ تَعَلُّمُهُ لِيَتَوَصَّلَ الْمُفَسِّرُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ وَيَسْلَمَ الْقَارِئُ مِنَ اللَّحْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحِيلًا لِلْمَعْنَى وَجَبَ تَعَلُّمُهُ عَلَى الْقَارِئِ لِيَسْلَمَ مِنَ اللَّحْنِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُفَسِّرِ لِوُصُولِهِ إِلَى الْمَقْصُودِ بِدُونِهِ وَأَمَّا مَا لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهْلِهِ فَهُوَ مَا تَتَبَادَرُ الْأَفْهَامُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَعْنَاهُ مِنَ النُّصُوصِ الْمُتَضَمِّنَةِ شَرَائِعَ الْأَحْكَامِ وَدَلَائِلَ التَّوْحِيدِ وَكُلُّ لَفْظٍ أَفَادَ مَعْنًى وَاحِدًا جَلِيًّا يُعْلَمُ أَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا الْقِسْمُ لَا يَلْتَبِسُ تَأْوِيلُهُ إِذْ كَلُّ أَحَدٍ يُدْرِكُ مَعْنَى التَّوْحِيدِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ وَأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الْإِلَهِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ "لَا" مَوْضُوعَةٌ فِي اللُّغَةِ لِلنَّفْيِ "وإلا" لِلْإِثْبَاتِ

стр. 1376

وَأَنَّ مُقْتَضَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْحَصْرُ، وَيَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ونحوها من "الأوامر" طلب إيجاب المأمور به في الوجود وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ صِيغَةَ "افْعَلْ" لِلْوُجُوبِ فَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْقَسَمِ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ يَدَّعِي الْجَهْلَ بِمَعَانِي أَلْفَاظِهِ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ بِالضَّرُورَةِ وَأَمَّا مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ مَا يَجْرِي مَجْرَى الْغُيُوبِ نَحْوَ الْآيِ الْمُتَضَمِّنَةِ قِيَامَ السَّاعَةِ وَتَفْسِيرَ الرُّوحِ وَالْحُرُوفَ الْمُقَطَّعَةَ وَكُلَّ مُتَشَابِهٍ فِي الْقُرْآنِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ فَلَا مَسَاغَ لِلِاجْتِهَادِ فِي تَفْسِيرِهِ وَلَا طَرِيقَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِالتَّوْقِيفِ بِنَصٍّ مِنَ الْقُرْآنِ أَوِ الْحَدِيثِ أَوْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى تَأْوِيلِهِ وَأَمَّا مَا يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ وَيَرْجِعُ إِلَى اجْتِهَادِهِمْ فَهُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ إِطْلَاقُ التَّأْوِيلِ وَذَلِكَ اسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ وَبَيَانُ الْمُجْمَلِ وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ وَكُلُّ لَفْظٍ احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ فَصَاعِدًا فَهُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْعُلَمَاءِ الِاجْتِهَادُ فِيهِ وَعَلَيْهِمُ اعْتِمَادَ الشَّوَاهِدِ وَالدَّلَائِلِ دُونَ مُجَرَّدِ الرَّأْيِ فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ أَظْهَرَ وَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْخَفِيُّ وَإِنِ اسْتَوَيَا- وَالِاسْتِعْمَالُ فِيهِمَا حَقِيقَةٌ لَكِنْ فِي أَحَدِهِمَا حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ أَوْ عُرْفِيَّةٌ وَفِي الْآخَرِ شَرْعِيَّةٌ- فَالْحَمْلُ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ أَوْلَى إِلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى إِرَادَةِ اللُّغَوِيَّةِ كَمَا فِي ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ وَلَوْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا عُرْفِيَّةً وَالْآخَرِ لُغَوِيَّةً فَالْحَمْلُ عَلَى الْعُرْفِيَّةِ أولى لأن الشرع ألزم، فَإِنْ تَنَافَى اجْتِمَاعُهُمَا، وَلَمْ يُمْكِنْ إِرَادَتُهُمَا بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ، كَالْقُرْءِ لِلْحَيْضِ وَالطُّهْرِ،

стр. 1377

اجْتَهَدَ فِي الْمُرَادِ مِنْهُمَا بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ فَمَا ظَنَّهُ فَهُوَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ فَهَلْ يَتَخَيَّرُ فِي الْحَمْلِ عَلَى أيهما شاء أو يأخذ بِالْأَغْلَظِ حُكْمًا أَوْ بِالْأَخَفِّ؟ أَقْوَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَنَافَيَا وَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَيَكُونُ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي الْإِعْجَازِ وَالْفَصَاحَةِ إِلَّا إِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى إِرَادَةِ أَحَدِهِمَا إِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَيُنَزَّلُ حَدِيثُ "مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النار" عَلَى قِسْمَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ: أحدها: تَفْسِيرُ اللَّفْظِ لِاحْتِيَاجِ الْمُفَسِّرِ لَهُ إِلَى التَّبَحُّرِ فِي مَعْرِفَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ وَالثَّانِي: حَمْلُ اللَّفْظِ الْمُحْتَمِلِ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ لِاحْتِيَاجِ ذَلِكَ إِلَى مَعْرِفَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْعُلُومِ وَالتَّبَحُّرُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ وَمِنَ علم الْأُصُولِ مَا يُدْرَكُ بِهِ حُدُودُ الْأَشْيَاءِ وَصِيَغُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ وَالْمُجْمَلُ وَالْمُبَيَّنُ وَالْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ وَالْمُطْلَقُ والمقيد والمحكم والمتشابه والظاهر والمؤول وَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ وَالصَّرِيحُ وَالْكِنَايَةُ وَمِنَ الْفُرُوعِ مَا يُدْرَكُ بِهِ الِاسْتِنْبَاطُ، والاستدلال على هذا أَقَلُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى خَطَرٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ يَحْتَمِلُ كَذَا وَلَا يَجْزِمُ إِلَّا فِي حُكْمٍ اضْطُرَّ إِلَى الْفَتْوَى بِهِ فَأَدَّى "اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ" فَيَجْزِمُ مَعَ تَجْوِيزِ خِلَافِهِ عند الله انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ النَّقِيبِ جُمْلَةُ مَا تَحَصَّلَ فِي مَعْنَى حَدِيثِ التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: أحدها: التَّفْسِيرُ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْعُلُومِ الَّتِي يَجُوزُ مَعَهَا التَّفْسِيرُ الثَّانِي: تفسير المتشابه لا يعلمه إلا الله.

стр. 1378

الثالث: التَّفْسِيرُ الْمُقَرِّرُ لِلْمَذْهَبِ الْفَاسِدِ بِأَنْ يُجْعَلَ الْمَذْهَبُ أَصْلًا وَالتَّفْسِيرُ تَابِعًا، فَيَرُدُّ إِلَيْهِ بِأَيِّ طَرِيقٍ أَمْكَنَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا. الرَّابِعُ: التَّفْسِيرُ بِأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ كَذَا عَلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ الْخَامِسُ: التَّفْسِيرُ بِالِاسْتِحْسَانِ وَالْهَوَى ثُمَّ قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ عُلُومَ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: عِلْمٌ لَمْ يُطْلِعِ اللَّهُ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ وَهُوَ مَا اسْتَأْثَرَ بِهِ مِنْ عُلُومِ أَسْرَارِ كِتَابِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ كُنْهِ ذَاتِهِ وَغُيُوبِهِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْكَلَامُ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ إِجْمَاعًا. الثَّانِي: مَا أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ مِنْ أَسْرَارِ الْكِتَابِ وَاخْتَصَّهُ بِهِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ الْكَلَامُ فِيهِ إِلَّا لَهُ ﷺ أَوْ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، قَالَ: وَأَوَائِلُ السُّوَرِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ وَقِيلَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. الثَّالِثُ: عُلُومٌ عَلَّمَهَا اللَّهُ نَبِيَّهُ مِمَّا أَوْدَعَ كِتَابَهُ مِنَ الْمَعَانِي الْجَلِيَّةِ وَالْخَفِيَّةِ وَأَمَرَهُ بِتَعْلِيمِهَا وَهَذَا يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ مِنْهُ مَا لَا يَجُوزُ الْكَلَامُ فِيهِ إِلَّا بِطَرِيقِ السَّمْعِ وَهُوَ أَسْبَابُ النُّزُولِ وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ وَالْقِرَاءَاتُ وَاللُّغَاتُ وَقِصَصُ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَأَخْبَارُ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الْحَوَادِثِ وَأُمُورُ الْحَشْرِ وَالْمَعَادِ وَمِنْهُ مَا يُؤْخَذُ بِطَرِيقِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالِاسْتِنْبَاطِ وَالِاسْتِخْرَاجِ مِنَ الْأَلْفَاظِ وَهُوَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ وَهُوَ تَأْوِيلُ الْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَاتِ فِي الصِّفَاتِ وَقِسْمٌ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَهُوَ اسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْفَرْعِيَّةِ وَالْإِعْرَابِيَّةِ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْأَقْيِسَةِ وَكَذَلِكَ فُنُونُ الْبَلَاغَةِ وَضُرُوبُ الْمَوَاعِظِ والحكم والإشارات لَا يَمْتَنِعُ اسْتِنْبَاطُهَا مِنْهُ وَاسْتِخْرَاجُهَا لِمَنْ لَهُ أَهْلِيَّةٌ انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ عَاصَرْنَاهُ إِلَى أَنَّ عِلْمَ التَّفْسِيرِ مُضْطَرٌّ

стр. 1379

إِلَى النَّقْلِ فِي فَهْمِ مَعَانِي تَرْكِيبِهِ بِالْإِسْنَادِ إِلَى مُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ وَأَضْرَابِهِمْ وَأَنَّ فَهْمَ الْآيَاتِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ بَعْدَ حِكَايَةِ ذَلِكَ: الْحَقُّ أَنَّ عِلْمَ التَّفْسِيرِ مِنْهُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النَّقْلِ كَسَبَبِ النُّزُولِ وَالنَّسْخِ وَتَعْيِينِ الْمُبْهَمِ وَتَبْيِينِ الْمُجْمَلِ ومنه مالا يَتَوَقَّفُ وَيَكْفِي فِي تَحْصِيلِهِ الثِّقَةُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ قَالَ وَكَأَنَّ السَّبَبَ فِي اصْطِلَاحِ كَثِيرٍ عَلَى التفرقة بين التفسير والتأويل والتمييز بين المنقول والمستنبط ليحمل عَلَى الِاعْتِمَادِ فِي الْمَنْقُولِ وَعَلَى النَّظَرِ فِي الْمُسْتَنْبَطِ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُرْآنَ قِسْمَانِ قَسَمٌ وَرَدَ تَفْسِيرُهُ بِالنَّقْلِ وَقِسْمٌ لَمْ يَرِدْ وَالْأَوَّلُ: إِمَّا أَنْ يَرِدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أو الصحابة أو رؤوس التَّابِعِينَ فَالْأَوَّلُ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ صِحَّةِ السَّنَدِ وَالثَّانِي يُنْظَرُ فِي تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ فَإِنْ فَسَّرَهُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ فَهِمَ أَهْلُ اللِّسَانِ- فَلَا شَكَّ فِي اعْتِمَادِهِمْ- أَوْ بِمَا شَاهَدَهُ مِنَ الْأَسْبَابِ وَالْقَرَائِنِ فَلَا شَكَّ فِيهِ وَحِينَئِذٍ إِنْ تَعَارَضَتْ أَقْوَالُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ فَذَاكَ وَإِنَّ تَعَذَّرَ قُدِّمَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَشَّرَهُ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ" وَقَدْ رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ قَوْلَ زَيْدٍ فِي الْفَرَائِضِ لِحَدِيثِ "أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ" وَأَمَّا مَا وَرَّدَ عَنِ التَّابِعِينَ فَحَيْثُ جَازَ الِاعْتِمَادُ فِيمَا سَبَقَ فَكَذَلِكَ هُنَا وَإِلَّا وَجَبَ الِاجْتِهَادُ وَأَمَّا مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَقْلٌ فَهُوَ قَلِيلٌ وَطَرِيقُ التَّوَصُّلِ إِلَى فَهْمِهِ النَّظَرُ إِلَى مُفْرَدَاتِ الْأَلْفَاظِ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ وَمَدْلُولَاتِهَا وَاسْتِعْمَالِهَا بِحَسَبِ السِّيَاقِ وَهَذَا

стр. 1380

يَعْتَنِي بِهِ الرَّاغِبُ كَثِيرًا فِي كِتَابِ "الْمُفْرَدَاتِ" فَيَذْكُرُ قَيْدًا زَائِدًا عَلَى أَهْلِ اللُّغَةِ فِي تَفْسِيرِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ اقْتَضَاهُ السِّيَاقُ انْتَهَى. قُلْتُ: وَقَدْ جَمَعْتُ كِتَابًا مُسْنَدًا فِيهِ تَفَاسِيرُ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةُ فِيهِ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ مَا بَيْنَ مَرْفُوعٍ وَمَوْقُوفٍ وَقَدْ تَمَّ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فِي أَرْبَعِ مُجَلَّدَاتٍ وَسَمَّيْتُهُ: "تَرْجُمَانَ الْقُرْآنِ" وَرَأَيْتُ وَأَنَا فِي أَثْنَاءِ تَصْنِيفِهِ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ تَحْتَوِي عَلَى بِشَارَةٍ حَسَنَةٍ. تَنْبِيهٌ مِنَ الْمُهِمِّ مَعْرِفَةُ التَّفَاسِيرِ الْوَارِدَةِ عَنِ الصَّحَابَةِ بِحَسَبِ قِرَاءَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَرِدُ عَنْهُمْ تَفْسِيرَانِ فِي الْآيَةِ الْوَاحِدَةِ مُخْتَلِفَانِ فَيُظَنُّ اخْتِلَافًا وَلَيْسَ بِاخْتِلَافٍ وَإِنَّمَا كُلُّ تَفْسِيرٍ عَلَى قِرَاءَةٍ وَقَدْ تَعَرَّضَ السَّلَفُ لِذَلِكَ فَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ مِنْ طَرِيقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ "سُكِّرَتْ" بِمَعْنَى "سُدَّتْ" وَمِنْ طُرُقٍ أَنَّهَا بِمَعْنَى "أُخِذَتْ" ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مَنْ قَرَأَ "سُكِّرَتْ" مُشَدِّدَةً فَإِنَّمَا يَعْنِي "سُدَّتْ" وَمَنْ قَرَأَ "سُكِرَتْ" مُخَفَّفَةً فَإِنَّهُ يَعْنِي "سُحِرَتْ" وَهَذَا الْجَمْعُ مِنْ قَتَادَةَ نَفِيسٌ بَدِيعٌ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ الَّذِي تَهْنَأُ بِهِ الْإِبِلُ وَأَخْرَجَ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ النُّحَاسُ الْمُذَابُ، وَلَيْسَا بِقَوْلَيْنِ،

стр. 1381

وَإِنَّمَا الثَّانِي تَفْسِيرٌ لِقِرَاءَةِ مَنْ "قطرآن"، بِتَنْوِينٍ قَطْرٍ وَهُوَ النُّحَاسُ وَ "آنٍ" شَدِيدِ الْحَرِّ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَكَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَمْثِلَةُ هَذَا النَّوْعِ كَثِيرَةٌ وَالْكَافِلُ بِبَيَانِهَا كِتَابُنَا "أَسْرَارُ التَّنْزِيلِ" وَقَدْ خَرَّجْتُ عَلَى هَذَا قَدِيمًا الِاخْتِلَافَ الْوَارِدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ﴾ هَلْ هُوَ الْجِمَاعُ أَوِ الْجَسُّ بِالْيَدِ فَالْأَوَّلُ تَفْسِيرٌ لِقِرَاءَةِ لَامَسْتُمُ وَالثَّانِي لِقِرَاءَةِ ﴿لمَسْتُمُ﴾ وَلَا اخْتِلَافَ. فَائِدَةٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ لَا يَحِلُّ تَفْسِيرُ الْمُتَشَابِهِ إِلَّا بِسُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ خَبَرٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوْ إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ "هَذَا نَصُّهُ" فَصْلٌ في تفسير الصوفية وأما كَلَامِ الصُّوفِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ فَلَيْسَ بِتَفْسِيرٍ قَالَ: ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ وَجَدْتُ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْوَاحِدِيِّ الْمُفَسِّرِ أَنَّهُ قَالَ: صَنَّفَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ "حَقَائِقَ التَّفْسِيرِ" فَإِنْ كَانَ قَدِ اعتقد أن ذلك تفسيرا فَقَدْ كَفَرَ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَأَنَا أَقُولُ الظَّنُّ بِمَنْ يُوثَقُ بِهِ مِنْهُمْ إِذَا قَالَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ تَفْسِيرًا وَلَا ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ الشَّرْحِ لِلْكَلِمَةِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانُوا قَدْ سَلَكُوا مَسْلَكَ الْبَاطِنِيَّةِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُمْ لِنَظِيرِ مَا وَرَدَ بِهِ

стр. 1382

الْقُرْآنُ، فَإِنَّ النَّظِيرَ يُذْكَرُ بِالنَّظِيرِ وَمَعَ ذَلِكَ فياليتهم لَمْ يَتَسَاهَلُوا بِمِثْلِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيهَامِ وَالْإِلْبَاسِ! وَقَالَ النَّسَفِيُّ فِي عَقَائِدِهِ: النُّصُوصُ عَلَى ظَاهِرِهَا وَالْعُدُولُ عَنْهَا إِلَى مَعَانٍ يَدَّعِيهَا أَهْلُ الْبَاطِنِ إِلْحَادٌ قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِهِ: سُمِّيَتِ الْمَلَاحِدَةُ بَاطِنِيَّةً لِادِّعَائِهِمْ أَنَّ النُّصُوصَ لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا بَلْ لَهَا مَعَانٍ بَاطِنِيَّةٌ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الْمُعَلِّمُ وَقَصْدُهُمْ بِذَلِكَ نَفْيُ الشَّرِيعَةِ بِالْكُلِيَّةِ قَالَ: وَأَمَّا مَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ النُّصُوصَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَمَعَ ذَلِكَ فِيهَا إِشَارَاتٌ خَفِيَّةٌ إِلَى دَقَائِقَ تَنْكَشِفُ عَلَى أَرْبَابِ السُّلُوكِ يُمْكِنُ التَّطْبِيقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الظَّوَاهِرِ الْمُرَادَّةِ فَهُوَ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَمَحْضِ الْعِرْفَانِ وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ سِرَاجُ الدِّينِ البلقيني عَنْ رَجُلٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ : إِنَّ مَعْنَاهُ: مَنْ ذَلَّ: أَيْ مِنَ الذُّلِّ ذِي: إِشَارَةٌ إِلَى النفس يشف: من الشفا جَوَابُ "مَنْ" عِ: أَمُرُّ مِنَ الْوَعْيِ فَأَفْتَى بِأَنَّهُ مُلْحِدٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ يوضع الْكَلَامَ عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِإِنْ قُلْتَ: فَقَدْ قَالَ الْفِرْيَابِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ

стр. 1383

الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِكُلِّ آيَةٍ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَلِكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ" وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مَرْفُوعًا: "الْقُرْآنُ تَحْتَ الْعَرْشِ لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ يُحَاجُّ الْعِبَادَ" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ وَغَيْرُهُمْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَيْسَ مِنْهُ حَرْفٌ إِلَّا لَهُ حَدٌّ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ" قُلْتُ: أَمَّا الظَّهْرُ وَالْبَطْنُ فَفِي مَعْنَاهُ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّكَ إِذَا بَحَثْتَ عَنْ بَاطِنِهَا وَقِسْتَهُ عَلَى ظَاهِرِهَا وَقَفْتَ عَلَى مَعْنَاهَا وَالثَّانِي: أَنَّ مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا عَمِلَ بِهَا قَوْمٌ وَلَهَا قَوْمٌ سَيَعْمَلُونَ بِهَا كَمَا قال ابْنُ مَسْعُودٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ الثَّالِثُ: أَنَّ ظَاهِرَهَا لَفْظُهَا وَبَاطِنَهَا تَأْوِيلُهَا الرَّابِعُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ- وَهُوَ أَشْبَهُهَا بِالصَّوَابِ: إِنَّ الْقِصَصَ الَّتِي قَصَّهَا اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَمَا عَاقَبَهُمْ بِهِ ظَاهِرُهَا الْإِخْبَارُ بِهَلَاكِ الْأَوَّلِينَ إِنَّمَا هُوَ حَدِيثٌ حَدَّثَ بِهِ، عَنْ قَوْمِ، وَبَاطِنُهَا وَعْظُ الْآخَرِينَ وَتَحْذِيرُهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا كَفِعْلِهِمْ فَيَحِلُّ بِهِمْ مِثْلَ مَا حَلَّ بِهِمْ وَحَكَى ابْنُ النَّقِيبِ قَوْلًا خَامِسًا: أَنَّ ظَهْرَهَا مَا ظَهَرَ مِنْ مَعَانِيهَا لِأَهْلِ الْعِلْمِ بِالظَّاهِرِ وَبَطْنَهَا مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْأَسْرَارِ الَّتِي أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا أَرْبَابَ الْحَقَائِقِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: "وَلِكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ" أَيْ مُنْتَهًى، فِيمَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ مَعْنَاهُ وَقِيلَ: لِكُلِّ حُكْمٍ مِقْدَارٌ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: "وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ" لِكُلِّ غَامِضٍ مِنَ الْمَعَانِي وَالْأَحْكَامِ مَطْلَعٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، وَيُوقَفُ عَلَى الْمُرَادِ

стр. 1384

بِهِ وَقِيلَ: كُلُّ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ عِنْدَ الْمُجَازَاةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الظَّاهِرُ التِّلَاوَةُ وَالْبَاطِنُ الْفَهْمُ، وَالْحَدُّ أَحْكَامُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْمَطْلَعُ الْإِشْرَافُ عَلَى الْوَعْدِ والوعيد قُلْتُ: يُؤَيِّدُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ إِنَّ الْقُرْآنَ ذُو شُجُونٍ وَفُنُونٍ وَظُهُورٍ وَبُطُونٍ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلَا تُبْلَغُ غَايَتُهُ فَمَنْ أَوْغَلَ فِيهِ بِرِفْقٍ نَجَا وَمَنْ أَوْغَلَ فِيهِ بِعُنْفٍ هَوَى أَخْبَارٌ وَأَمْثَالٌ وَحَلَالٌ وَحَرَامٌ وَنَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ وَمُحْكَمٌ وَمُتَشَابِهٌ وَظَهْرٌ وَبَطْنٌ فَظَهْرُهُ التِّلَاوَةُ وَبَطْنُهُ التَّأْوِيلُ فَجَالِسُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ وَجَانِبُوا بِهِ السُّفَهَاءَ وَقَالَ ابْنُ سَبُعٍ فِي شِفَاءِ الصُّدُورِ: وَرَدَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَفْقُهُ الرَّجُلُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَجْعَلَ لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ أَرَادَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فَلْيُثَوِّرَ الْقُرْآنَ قَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ تَفْسِيرِ الظَّاهِرِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لِكُلِّ آيَةٍ سِتُّونَ أَلْفَ فَهْمٍ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ في فَهْمَ مَعَانِي الْقُرْآنِ مَجَالًا رُحْبًا وَمُتَّسَعًا بَالِغًا وَأَنَّ الْمَنْقُولَ مِنْ ظاهر التفسير وليس يَنْتَهِي الْإِدْرَاكُ فِيهِ بِالنَّقْلِ وَالسَّمَاعَ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي ظَاهِرِ التَّفْسِيرِ لِيَتَّقِيَ بِهِ مَوَاضِعَ الْغَلَطِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَّسِعُ الْفَهْمُ وَالِاسْتِنْبَاطُ وَلَا يَجُوزُ التَّهَاوُنُ فِي حِفْظِ التَّفْسِيرِ الظَّاهِرِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْهُ أَوَّلًا إِذْ لَا يَطْمَعُ فِي الْوُصُولِ إِلَى الْبَاطِنِ قَبْلَ إِحْكَامِ الظَّاهِرِ وَمَنِ ادَّعَى فَهْمَ أَسْرَارِ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَحْكُمِ التَّفْسِيرَ الظَّاهِرَ فَهُوَ كَمَنِ ادَّعَى الْبُلُوغَ إِلَى صَدْرِ الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُجَاوِزَ الْبَابَ انْتَهَى.

стр. 1385

وقال الشيخ تاج الدين بن عَطَاءِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ لَطَائِفِ الْمِنِنِ: اعْلَمْ أَنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ لِكَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ بِالْمَعَانِي الْعَرَبِيَّةِ لَيْسَ إِحَالَةً لِلظَّاهِرِ عَنْ ظَاهِرِهِ وَلَكِنَّ ظَاهِرَ الْآيَةَ مَفْهُومٌ مِنْهُ مَا جَلَبَتِ الْآيَةَ لَهُ وَدَلَّتْ عَلَيْهِ فِي عُرْفِ اللِّسَانِ وَثَمَّ أَفْهَامٌ بَاطِنَةٌ تُفْهَمُ عِنْدَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ لِمَنْ فَتَحَ اللَّهُ قَلْبَهُ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ لِكُلِّ آيَةٍ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْ تَلَقِّي هَذِهِ المعاني منهم أن يَقُولَ لَكَ ذُو جَدَلٍ وَمُعَارِضَةٍ هَذَا إِحَالَةٌ لِكَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِحَالَةٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ إِحَالَةً لَوْ قَالُوا: لَا مَعْنَى لِلْآيَةِ إِلَّا هَذَا وَهُمْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ بل يقرؤون الظَّوَاهِرَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا مُرَادًا بِهَا مَوْضُوعَاتُهَا وَيَفْهَمُونَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ما أفهمهم. فصل: فيما يجب على المفسر قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَجِبُ عَلَى الْمُفَسِّرِ أَنْ يَتَحَرَّى فِي التَّفْسِيرِ مُطَابَقَةَ الْمُفَسَّرِ وَأَنْ يَتَحَرَّزَ فِي ذَلِكَ مِنْ نَقْصٍ عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي إِيضَاحِ الْمَعْنَى أَوْ زِيَادَةٍ لَا تَلِيقُ بِالْغَرَضِ وَمِنْ كَوْنِ الْمُفَسِّرِ فِيهِ زَيْغٌ عَنِ الْمَعْنَى وَعُدُولٌ عَنْ طَرِيقِهِ وَعَلَيْهِ بِمُرَاعَاةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ وَمُرَاعَاةِ التَّأْلِيفِ وَالْغَرَضِ الَّذِي سِيقَ لَهُ الْكَلَامُ وَأَنْ يُؤَاخِيَ بَيْنَ الْمُفْرَدَاتِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبَدَاءَةُ بِالْعُلُومِ اللَّفْظِيَّةِ وَأَوَّلُ مَا يَجِبُ الْبَدَاءَةُ بِهِ مِنْهَا تَحْقِيقُ الْأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ فَيَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ ثُمَّ التَّصْرِيفِ ثُمَّ الِاشْتِقَاقِ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ،

стр. 1386

فَيَبْدَأُ بِالْإِعْرَابِ، ثُمَّ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعَانِي ثُمَّ الْبَيَانِ ثُمَّ الْبَدِيعِ ثُمَّ يُبَيِّنُ الْمَعْنَى الْمُرَادَ ثُمَّ الاستنباط ثم الإشارات وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي أَوَائِلِ الْبُرْهَانِ: قَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْمُفَسِّرِينَ أَنْ يَبْدَءُوا بِذِكْرِ سَبَبِ النُّزُولِ وَوَقَعَ الْبَحْثُ فِي أَنَّهُ أَيُّمَا أَوْلَى البداءة بِهِ بِتَقَدُّمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ أَوْ بِالْمُنَاسَبَةِ لِأَنَّهَا الْمُصَحِّحَةُ لِنَظْمِ الْكَلَامِ وَهِيَ سَابِقَةٌ عَلَى النُّزُولِ قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الْمُنَاسِبَةِ مُتَوَقِّفًا عَلَى سَبَبِ النُّزُولِ كَآيَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فَهَذَا يَنْبَغِي فِيهِ تَقْدِيمُ ذِكْرِ السَّبَبِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْوَسَائِلِ عَلَى الْمَقَاصِدِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى ذَلِكَ فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ وجه الْمُنَاسَبَةِ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ جَرَتْ عَادَةُ الْمُفَسِّرِينَ مِمَّنْ ذَكَرَ فَضَائِلَ الْقُرْآنِ أَنْ يَذْكُرَهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّرْغِيبِ وَالْحَثِّ عَلَى حِفْظِهَا إِلَّا الزَّمَخْشَرِيَّ فَإِنَّهُ يَذْكُرُهَا فِي أَوَاخِرِهَا قَالَ مَجْدُ الْأَئِمَّةِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عُمَرَ الْكِرْمَانِيُّ: سَأَلْتُ الزَّمَخْشَرِيَّ عَنِ الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لِأَنَّهَا صِفَاتٌ لَهَا وَالصِّفَةُ تَسْتَدْعِي تَقْدِيمَ الْمَوْصُوفِ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ "حَكَى اللَّهُ" كَذَا فَيَنْبَغِي تَجَنُّبُهُ قَالَ الإمام أبو نصر الْقُشَيْرِيُّ فِي الْمُرْشِدِ: قَالَ مُعْظَمُ أَئِمَّتُنَا: لَا يُقَالُ: "كَلَامُ اللَّهِ محكي" وَلَا يُقَالَ: "حَكَى اللَّهُ" لِأَنَّ الْحِكَايَةَ الْإِتْيَانُ بِمِثْلِ الشَّيْءِ وَلَيْسَ لِكَلَامِهِ مِثْلٌ وَتَسَاهَلَ قَوْمٌ فَأَطْلَقُوا لَفْظَ الْحِكَايَةِ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ

стр. 1387

وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ إِطْلَاقُ الزَّائِدِ عَلَى بَعْضِ الْحُرُوفِ وَقَدْ مَرَّ فِي نَوْعِ الْإِعْرَابِ وَعَلَى الْمُفَسِّرِ أَنْ يَتَجَنَّبَ ادِّعَاءَ التَّكْرَارِ مَا أَمْكَنَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ مِمَّا يَدْفَعُ تَوَهُّمَ التَّكْرَارِ فِي عَطْفِ الْمُتَرَادِفَيْنِ نَحْوَ: ﴿لَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ ﴿صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ مَجْمُوعَ الْمُتَرَادِفَيْنِ يُحَصِّلُ مَعْنًى لَا يُوجَدُ عِنْدَ انْفِرَادِ أَحَدِهِمَا فَإِنَّ التَّرْكِيبَ يُحْدِثُ مَعْنًى زَائِدًا وَإِذَا كَانَتْ كَثْرَةُ الْحُرُوفِ تُفِيدُ زِيَادَةَ الْمَعْنَى فَكَذَلِكَ كَثْرَةُ الْأَلْفَاظِ انْتَهَى. وقال الزركشي في البرهانك: لِيَكُنْ مَحَطَّ نَظَرِ الْمُفَسِّرِ مُرَاعَاةُ نَظْمِ الْكَلَامِ الَّذِي سِيقَ لَهُ وَإِنْ خَالَفَ أَصْلَ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ لِثُبُوتِ التَّجَوُّزِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: عَلَى الْمُفَسِّرِ مُرَاعَاةَ مَجَازِيَّ الِاسْتِعْمَالَاتِ فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَظُنُّ بِهَا التَّرَادُفُ وَالْقَطْعُ بِعَدَمِ التَّرَادُفِ مَا أَمْكَنَ فَإِنَّ لِلتَّرْكِيبِ مَعْنًى غَيْرُ مَعْنَى الْإِفْرَادِ وَلِهَذَا مَنَعَ كَثِيرٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ وُقُوعَ أَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَوْقِعَ الْآخَرِ فِي التَّرْكِيبِ وَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهِ فِي الْإِفْرَادِ انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: كَثِيرًا مَا يَشْحَنُ الْمُفَسِّرُونَ تَفَاسِيرَهُمْ عِنْدَ ذِكْرِ الْإِعْرَابِ بِعِلَلِ النَّحْوِ وَدَلَائِلِ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَدَلَائِلِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَدَلَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ وَكُلُّ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي تَآلِيفِ هَذِهِ الْعُلُومِ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مُسَلَّمًا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ دُونَ اسْتِدْلَالٍ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا ذَكَرُوا ما لا يصح من أسباب نزول وَأَحَادِيثَ فِي الْفَضَائِلِ وَحِكَايَاتٍ لَا تُنَاسِبُ وَتَوَارِيخَ إِسْرَائِيلِيَّةٍ، وَلَا يَنْبَغِي ذِكْرُ هَذَا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ.

стр. 1388

فَائِدَةٌ قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ شِئْتُ أُوَقِّرَ سَبْعِينَ بَعِيرًا مِنْ تَفْسِيرِ أُمِّ الْقُرْآنِ لَفَعَلْتُ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يَحْتَاجُ تَبْيِينُ مَعْنَى الْحَمْدِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْمُ الْجَلِيلُ الَّذِي هُوَ اللَّهُ وَمَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّنْزِيهِ ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الْعَالَمِ وَكَيْفِيَّتِهِ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِهِ وَأَعْدَادِهِ وَهِيَ أَلْفُ عَالَمٍ أَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ وَسِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ فَيَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ ذَلِكَ كُلِّهِ فَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الِاسْمَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ وَمَا يَلِيقُ بِهِمَا مِنَ الْجَلَالِ وَمَا مَعْنَاهُمَا ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ جَمِيعِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي اخْتِصَاصِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا فَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَوَاطِنِ وَالْأَهْوَالِ وَكَيْفِيَّةِ مُسْتَقَّرِهِ، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الْمَعْبُودِ مِنْ جَلَالَتِهِ وَالْعِبَادَةِ وَكَيْفِيَّتِهَا وَصِفَتِهَا وَأَدَائِهَا عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِهَا وَالْعَابِدِ فِي صِفَتِهِ وَالِاسْتِعَانِةِ وَأَدَائِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إِلَى آخَرِ السُّورَةِ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الهداية مَا هِيَ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمُ وَأَضْدَادِهِ وَتَبْيِينِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ وَصِفَاتِهِمْ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا النَّوْعِ وَتَبْيِينِ الْمَرْضِيِّ عَنْهُمْ وَصِفَاتِهِمْ وَطَرِيقَتِهِمْ فَعَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ يَكُونُ مَا قَالَهُ عَلِيٌّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.

стр. 1389

النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ: فِي غَرَائِبِ التَّفْسِيرِ أَلَّفَ فِيهِ مَحْمُودُ بْنُ حَمْزَةَ الْكِرْمَانِيُّ كِتَابًا فِي مُجَلَّدَيْنِ سَمَّاهُ "الْعَجَائِبَ وَالْغَرَائِبَ" ضَمَّنَهُ أَقْوَالًا ذُكِرَتْ في معاني آيات مُنْكَرَةً لَا يَحِلُّ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا وَلَا ذِكْرُهَا إِلَّا لِلتَّحْذِيرِ مِنْهَا، من ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي "حمعسق": إِنَّ الْحَاءَ حَرْبُ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَالْمِيمَ وِلَايَةُ الْمَرْوَانِيَّةِ وَالْعَيْنَ وِلَايَةُ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَالسِّينَ وِلَايَةُ السُّفْيَانِيَّةِ، وَالْقَافَ قُدْوَةُ مَهْدِيٍّ، حَكَاهُ أَبُو مُسْلِمٍ، ثُمَّ قَالَ أَرَدْتُ بِذَلِكَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ فِيمَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ حَمْقَى، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي الم: مَعْنَى "أَلِفٍ" أَلِفَ اللَّهُ مُحَمَّدًا فَبَعَثَهُ نَبِيًّا، وَمَعْنَى "لَامٍ" لَامَهُ الْجَاحِدُونَ وَأَنْكَرُوهُ، وَمَعْنَى "مِيمٍ" مِيمُ الْجَاحِدُونَ الْمُنْكِرُونَ مِنَ الْمُومِ وَهُوَ الْبِرْسَامُ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ : إِنَّهُ قَصَصُ الْقُرْآنِ وَاسْتَدَلَّ بِقِرَاءَةِ أَبِي الْجَوْزَاءِ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَصِ﴾ ، وَهُوَ بَعِيدٌ بَلْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ أَفَادَتْ مَعْنًى غَيْرَ مَعْنَى الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي أَسْرَارِ التَّنْزِيلِ

стр. 1390

وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ فُورَكٍ فِي تَفْسِيرِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ لَهُ صَدِيقٌ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ "قَلْبُهُ"، أَيْ لِيَسْكُنَ هَذَا الصَّدِيقُ إِلَى هَذِهِ الْمُشَاهَدَةِ إِذَا رَآهَا عِيَانًا قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَهَذَا بِعِيدٌ جِدًّا وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ إِنَّهُ الْحُبُّ وَالْعِشْقُ وَقَدْ حَكَاهُ الْكَوَاشِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ إِنَّهُ الذَّكَرُ إِذَا انْتَصَبَ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي مُعَاذٍ النَّحْوِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ﴾ يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ، ﴿نَاراً﴾ أَيْ نُورًا وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ تَقْتَبِسُونَ الدِّينَ.

стр. 1391

النَّوْعُ الثَّمَانُونَ: فِي طَبَقَاتِ الْمُفَسِّرِينَ تفسير الصحابة اشْتُهِرَ بِالتَّفْسِيرِ مِنَ الصَّحَابَةِ عَشَرَةُ: الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، وابن مسعود وابن عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَمَّا الْخُلَفَاءُ فَأَكْثَرُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالرِّوَايَةُ عَنِ الثَّلَاثَةِ نَزِرَةٌ جَدًّا وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ تَقَدُّمَ وَفَاتِهِمْ كَمَا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السَّبَبُ فِي قِلَّةِ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ لِلْحَدِيثِ وَلَا أَحْفَظُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي التَّفْسِيرِ إِلَّا آثَارًا قَلِيلَةً جِدًّا لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ الْعَشَرَةَ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَرُوِيَ عَنْهُ الْكَثِيرُ وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيًّا يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: "سلوني فوالله لا تسألوني عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ وَسَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ فَوَاللَّهِ مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ أَبِلَيْلٍ نَزَلَتْ أَمْ بِنَهَارٍ أَمْ فِي سَهْلٍ أَمْ فِي جَبَلٍ" وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ مَا مِنْهَا حَرْفٌ إِلَّا وَلَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَهُ مِنْهُ الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ نُصَيْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَحْمَسِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا نَزَلَتْ آيَةٌ إِلَّا وَقَدْ عَلِمْتُ فِيمَ أُنْزِلَتْ وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ إِنَّ رَبِّي وَهَبَ لِي قَلْبًا عَقُولًا ولسانا سؤلا

стр. 1392

وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَرُوِيَ عَنْهُ أَكْثَرُ مِمَّا رَوَى عَنْ عَلِيٍّ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا نَزَلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَنْ نَزَلَتْ وَأَيْنَ؟ نَزَلَتْ وَلَوْ أَعْلَمُ مَكَانَ أَحَدٍ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَنَالُهُ الْمَطَايَا لَأَتَيْتُهُ" وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبي البختري، قَالَ: قَالُوا لِعَلِيٍّ: أَخْبِرْنَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: عَلِمَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ ثُمَّ انْتَهَى، وَكَفَى بِذَلِكَ عِلْمًا وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَهُوَ تَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ الَّذِي دَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ": وَقَالَ لَهُ أَيْضًا: "اللَّهُمَّ آتِهِ الْحِكْمَةَ" وَفِي رِوَايَةٍ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ" وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَانْشُرْ مِنْهُ" وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَالِدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إِنَّهُ كَائِنُ حَبْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خِرَاشٍ عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نِعْمَ تَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ أَنْتَ" وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: "نِعْمَ تَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ"

стр. 1393

وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُسَمَّى الْبَحْرَ لِكَثْرَةِ عِلْمِهِ وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ حَبْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَخْرَجَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ مِنَ الْقُرْآنِ بِمَنْزِلٍ كان عمر يقول: "ذا كم فَتَى الْكُهُولِ، إِنَّ لَهُ لِسَانًا سؤلا وَقَلْبًا عَقُولًا" وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ يسأله عن ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فسله ثم تعال أخبرني فذهب فسأله فقال: كانت السموات رَتْقًا لَا تُمْطِرُ وَكَانَتِ الْأَرْضُ رَتْقًا لَا تُنْبِتُ فَفَتَقَ هَذِهِ بِالْمَطَرِ وَهَذِهِ بِالنَّبَاتِ فَرَجَعَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَقُولُ: مَا يُعْجِبُنِي جَرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ فَالْآنَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ أُوتِيَ عِلْمًا وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ: لِمَ يدخل هذا معنا إن لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ فَقَالَ: عُمَرُ إِنَّهُ مِمَّنْ عَلِمْتُمْ وَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ فَمَا رئيت أَنَّهُ دَعَانِي فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَرَنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نَصَرَنَا وَفَتَحَ عَلَيْنَا وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَقَالَ لي: أكذلك تقول يا بن عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ لَا، فَقَالَ: مَا تَقُولُ؟ فَقُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ بِهِ، قَالَ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ! "

стр. 1394

وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخطاب يَوْمًا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَنْ تَرَوْنَ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ ؟ قَالُوا اللَّهُ أَعْلَمُ فَغَضِبَ عُمَرُ، فَقَالَ: قُولُوا: نَعْلَمُ أَوْ لَا نَعْلَمُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي قُلْ وَلَا تَحْقِرْ نَفْسَكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ فَقَالَ عُمَرُ أَيُّ عَمَلٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لرجل يعمل لطاعة اللَّهِ ثُمَّ بَعَثَ لَهُ الشَّيْطَانُ فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أَعْمَالَهُ وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَلَسَ فِي رَهْطٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَذَكَرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَتَكَلَّمَ كُلٌّ بِمَا عِنْدَهُ فَقَالَ عمر: مالك يا بن عَبَّاسٍ صَامِتٌ لَا تَتَكَلَّمُ! تَكَلَّمْ وَلَا تَمْنَعُكَ الْحَدَاثَةُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ فَجَعَلَ أَيَّامَ الدُّنْيَا تَدُورُ عَلَى سَبْعٍ وَخَلَقَ أَرْزَاقَنَا مِنْ سَبْعٍ وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ سَبْعٍ وَخَلَقَ فوقنا سموات سبعا وَخَلَقَ تَحْتَنَا أَرْضِينَ سَبْعًا وَأَعْطَى مِنَ الْمَثَانِي سَبْعًا وَنَهَى فِي كِتَابِهِ عَنْ نِكَاحِ الْأَقْرَبِينَ عَنْ سَبْعٍ وَقَسَمَ الْمِيرَاثَ فِي كِتَابِهِ عَلَى سَبْعٍ وَنَقَعُ فِي السُّجُودِ مِنْ أَجْسَادِنَا عَلَى سَبْعٍ وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْكَعْبَةِ سَبْعًا وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ سَبْعًا وَرَمَى الْجِمَارَ بِسَبْعٍ فَأَرَاهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شهر رمضان فتعجب عمر، وقال: وما وَافَقَنِي فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ تَسْتَوِ شُؤُونُ، رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤَدِّينِي فِي هَذَا كَأَدَاءِ ابْنِ عَبَّاسٍ!

стр. 1395

وَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّفْسِيرِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً وَفِيهِ رِوَايَاتٌ وَطُرُقٌ مُخْتَلِفَةٌ فَمِنْ جَيِّدِهَا طَرِيقُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْهَاشِمِيِّ عَنْهُ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ "بِمِصْرَ صَحِيفَةٌ فِي التَّفْسِيرِ رَوَاهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ لَوْ رَحَلَ رَجُلٌ فِيهَا إِلَى مِصْرَ قَاصِدًا مَا كَانَ كَثِيرًا" أَسْنَدَهُ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ فِي نَاسِخِهِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذِهِ النُّسْخَةُ كَانَتْ عِنْدَ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ رَوَاهَا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهِيَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَقَدِ اعْتَمَدَ عَلَيْهَا فِي صَحِيحِهِ كَثِيرًا فِيمَا يُعَلِّقُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَخْرَجَ مِنْهَا ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حاتم وابن المنذر كثير بِوَسَائِطَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي صَالِحٍ وَقَالَ قَوْمٌ لَمْ يَسْمَعِ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ التَّفْسِيرَ وَإِنَّمَا أَخَذَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَعْدَ أَنْ عَرَفْتَ الْوَاسِطَةَ وَهُوَ ثِقَةٌ فَلَا ضَيْرَ فِي ذَلِكَ وَقَالَ الْخَلِيلِيُّ فِي الْإِرْشَادِ: تَفْسِيرُ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ قَاضِي الْأَنْدَلُسِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْكِبَارُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَأَجْمَعَ الْحُفَّاظُ عَلَى أَنَّ ابْنَ أَبِي طَلْحَةَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَهَذِهِ التَّفَاسِيرُ الطِّوَالُ الَّتِي أَسْنَدُوهَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ غَيْرُ مَرْضِيَّةٍ وَرُوَاتُهَا مَجَاهِيلُ كَتَفْسِيرِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي التَّفْسِيرِ جَمَاعَةٌ رَوَوْا عَنْهُ وَأَطْوَلُهَا مَا يَرْوِيهِ بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَفِيهِ نَظَرٌ

стр. 1396

وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنِ ابْنُ جُرَيْجٍ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ كِبَارٍ وَذَلِكَ صَحَّحُوهُ وَرَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَ جُزْءٍ وَذَلِكَ صَحِيحٌ مُتَّفِقٌ عَلْيِهِ وَتَفْسِيرُ شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ المكي عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَرِيبٌ إِلَى الصِّحَّةِ وَتَفْسِيرُ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ يُكْتَبُ وَيُحْتَجُّ بِهِ وَتَفْسِيرُ أَبِي رَوْقٍ نَحْوَ جُزْءٍ صَحَّحُوهُ وَتَفْسِيرُ إِسْمَاعِيلِ السُّدِّيِّ يُورِدُهُ بِأَسَانِيدَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَى عَنْ السُّدِّيِّ الْأَئِمَّةُ مِثْلُ الثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ لَكِنَّ التَّفْسِيرَ الَّذِي جَمَعَهُ رَوَاهُ أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ وَأَسْبَاطٌ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ أَمْثَلَ التَّفَاسِيرِ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ فأما ابن جريج فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الصِّحَّةَ، وَإِنَّمَا رَوَى مَا ذَكَرَ فِي كُلِّ آيَةٍ مِنَ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ وَتَفْسِيرِ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَمُقَاتِلٌ فِي نَفْسِهِ ضَعَّفُوهُ وَقَدْ أَدْرَكَ الْكِبَارَ مِنَ التَّابِعِينَ، وَالشَّافِعِيُّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ تَفْسِيرَهُ صَالِحٌ انْتَهَى كَلَامُ الْإِرْشَادِ وَتَفْسِيرُ السُّدِّيِّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ يُورِدُ مِنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ كَثِيرًا مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ هَكَذَا، وَلَمْ يُورِدْ مِنْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ شَيْئًا لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَنْ يُخَرِّجَ أَصَحَّ مَا وَرَدَ وَالْحَاكِمُ يُخَرِّجُ مِنْهُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ أَشْيَاءَ وَيُصَحِّحُهُ لَكِنْ مِنْ طَرِيقِ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَنَاسٍ فَقَطْ دُونَ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إِنَّ هذا لإسناد يَرْوِي بِهِ السُّدِّيُّ أَشْيَاءَ فِيهَا غَرَابَةٌ

стр. 1397

وَمِنْ جَيِّدِ الطُّرُقِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ طَرِيقُ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ وَهَذِهِ الطَّرِيقُ صَحِيحَةٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَكَثِيرًا مَا يُخَّرِجُ مِنْهَا الْفِرْيَابِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَمِنْ ذَلِكَ طَرِيقُ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى آلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ- عَنْهُ، هَكَذَا بِالتَّرْدِيدِ وَهِيَ طرق جَيِّدَةٌ وَإِسْنَادُهَا حَسَنٌ وَقَدْ أَخْرَجَ مِنْهَا ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ كَثِيرًا وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ مِنْهَا أَشْيَاءُ وَأَوْهَى طُرُقِهِ طَرِيقُ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنِ انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ السُّدِّيِّ الصَّغِيرِ فَهِيَ سِلْسِلَةُ الْكَذِبِ وَكَثِيرًا مَا يُخَرِّجُ مِنْهَا الثَّعْلَبِيُّ وَالْوَاحِدِيُّ لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ لِلْكَلْبِيِّ أَحَادِيثُ صَالِحَةٌ وَخَاصَّةً عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالتَّفْسِيرِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ تَفْسِيرٌ أَطْوَلُ مِنْهُ وَلَا أَشْبَعُ وَبَعْدَهُ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ إِلَّا أَنَّ الْكَلْبِيَّ يُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِمَا فِي مُقَاتِلٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ الرَّدِيئَةِ وَطَرِيقُ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُنْقَطِعَةٌ فَإِنَّ الضَّحَّاكَ لَمْ يَلْقَهُ فَإِنِ انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ بِشْرِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي رَوْقٍ عَنْهُ فَضَعِيفَةٌ لِضَعْفِ بِشْرٍ وَقَدْ أَخْرَجَ مِنْ هَذِهِ النُّسْخَةِ كَثِيرًا ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ فَأَشَدُّ ضَعْفًا لِأَنَّ جُوَيْبِرًا شَدِيدُ الضَّعْفِ مَتْرُوكٌ وَلَمْ يُخَرِّجِ ابْنُ جَرِيرٍ وَلَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ شَيْئًا إِنَّمَا أخرجها ابن مردويه وأبو الشيخ بن حِبَّانَ وَطَرِيقُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَ مِنْهَا ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ كَثِيرًا وَالْعَوْفِيُّ ضعيف لبس بِوَاهٍ وَرُبَّمَا حَسَّنَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَأَيْتُ عَنْ فَضَائِلِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ لأبي عبد الله مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شَاكِرٍ الْقَطَّانِ أَنَّهُ أَخْرَجَ بِسَنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّفْسِيرِ إِلَّا شَبِيهٌ بِمِائَةِ حَدِيثٍ

стр. 1398

وَأَمَّا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَعَنْهُ نُسْخَةٌ كَبِيرَةٌ يَرْوِيهَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْهُ وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْهَا كَثِيرًا وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَقَدْ وَرَدَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرَ هَؤُلَاءِ الْيَسِيرُ مِنَ التَّفْسِيرِ كَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَوَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَشْيَاءُ تَتَعَلَّقُ بِالْقَصَصِ وَأَخْبَارِ الْفِتَنِ وَالْآخِرَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا بِأَنْ يكون مما تَحْمِلُهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَالَّذِي وَرَدَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ وَكِتَابُنَا الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ جَامِعٌ لِجَمِيعِ مَا وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنْ ذَلِكَ طَبَقَةُ التَّابِعِينَ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: أَعْلَمُ النَّاسِ بِالتَّفْسِيرِ أَهْلُ مَكَّةَ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٍ وَغَيْرِهِمْ وَكَذَلِكَ فِي الْكُوفَةِ أَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعُلَمَاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي التَّفْسِيرِ مِثْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ الَّذِي أَخَذَ عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ انْتَهَى. فَمِنَ الْمُبَرَّزِينَ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ قَالَ الْفَضْلُ بْنُ مَيْمُونٍ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ عَرَضْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلَاثِينَ مَرَّةً عنه أَيْضًا قَالَ عَرَضْتُ الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلَاثَ عَرْضَاتٍ أَقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهُ وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا فِيمَ نَزَلَتْ؟ وَكَيْفَ كَانَتْ؟ وَقَالَ خُصَيْفٌ: كَانَ أَعْلَمُهُمْ بِالتَّفْسِيرِ مجاهد

стр. 1399

وقال الثوري: إِذَا جَاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجَاهِدٍ فَحَسْبُكَ بِهِ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: وَلِهَذَا يَعْتَمِدُ عَلَى تَفْسِيرِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قُلْتُ: وَغَالِبُ مَا أَوْرَدَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْهُ وَمَا أَوْرَدَهُ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ غَيْرِهِ قَلِيلٌ جِدًّا وَمِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ خُذُوا التَّفْسِيرَ عَنْ أَرْبَعَةٍ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَالضَّحَّاكِ وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ أَعْلَمَ التَّابِعِينَ أَرْبَعَةٌ كَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ أَعْلَمَهُمْ بِالْمَنَاسِكِ وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَعْلَمَهُمْ بِالتَّفْسِيرِ وَكَانَ عِكْرِمَةُ أَعْلَمَهُمْ بِالسِّيَرِ وَكَانَ الْحَسَنُ أَعْلَمَهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَمِنْهُمْ عِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْ عِكْرِمَةَ وَقَالَ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: لَقَدْ فَسَّرْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَجْعَلُ فِي رِجْلِي الْكَبْلَ وَيُعَلِّمُنِي الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سِمَاكٍ قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ كُلُّ شَيْءٍ أُحَدِّثُكُمْ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمِنْهُمُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ

стр. 1400

الْخُرَاسَانِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَقَتَادَةُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَمُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ وَأَبُو مَالِكٍ وَيَلِيهِمُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي آخَرِينَ فَهَؤُلَاءِ قُدَمَاءُ الْمُفَسِّرِينَ وَغَالِبُ أَقْوَالِهِمْ تَلَقَّوْهَا عَنِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ الطَّبَقَةِ أُلِّفَتْ تَفَاسِيرُ تَجْمَعُ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَتَفْسِيرِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ وَآدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَرَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ وَعَبْدِ بْنِ حميد وسعيد وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَآخَرِينَ وَبَعْدَهُمِ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَكِتَابُهُ أَجَلُّ التَّفَاسِيرِ وَأَعْظَمُهَا ثُمَّ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَأَبُو الشَّيْخِ بن حبان وَابْنُ الْمُنْذِرِ فِي آخَرِينَ وَكُلُّهَا مُسْنَدَةٌ إِلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ وَلَيْسَ فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا ابْنُ جَرِيرٍ فَإِنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِتَوْجِيهِ الْأَقْوَالِ وَتَرْجِيحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَالْإِعْرَابِ وَالِاسْتِنْبَاطِ فَهُوَ يَفُوقُهَا بِذَلِكَ ثُمَّ أَلَّفَ فِي التَّفْسِيرِ خَلَائِقُ فَاخْتَصَرُوا الْأَسَانِيدَ وَنَقَلُوا الْأَقْوَالَ بَتْرًا فَدَخَلَ مِنْ هُنَا الدَّخِيلُ وَالْتَبَسَ الصَّحِيحُ بِالْعَلِيلِ ثُمَّ صَارَ كُلُّ مَنْ يَسْنَحُ لَهُ قَوْلٌ يُورِدُهُ وَمَنْ يَخْطُرُ بِبَالِهِ شَيْءٌ يَعْتَمِدُهُ ثُمَّ يَنْقُلُ ذَلِكَ عَنْهُ مَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُ ظَانًّا أَنَّ لَهُ أَصْلًا غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلَى تَحْرِيرِ مَا وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَمَنْ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فِي التَّفْسِيرِ حَتَّى رَأَيْتُ مَنْ حَكَى فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ نَحْوَ عَشَرَةِ أَقْوَالِ وَتَفْسِيرُهَا

стр. 1401

بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى هُوَ الْوَارِدُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَجَمِيعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ حَتَّى قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ لَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا بَيْنَ الْمُفَسِّرِينَ ثُمَّ صَنَّفَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْمٌ بَرَعُوا فِي عُلُومٍ فَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَقْتَصِرُ فِي تَفْسِيرِهِ عَلَى الْفَنِّ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ فَالنَّحْوِيُّ تَرَاهُ لَيْسَ لَهُ هَمٌّ إِلَّا الْإِعْرَابَ وَتَكْثِيرَ الْأَوْجُهِ الْمُحْتَمَلَةِ فِيهِ وَنَقْلَ قَوَاعِدَ النَّحْوِ وَمَسَائِلِهِ وَفُرُوعِهِ وَخِلَافِيَّاتِهِ كَالزَّجَّاجِ وَالْوَاحِدِيِّ فِي الْبَسِيطِ وَأَبِي حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ وَالْإِخْبَارِيُّ لَيْسَ لَهُ شُغُلٌ إِلَّا الْقِصَصَ وَاسْتِيفَاءَهَا وَالْإِخْبَارَ عَمَّنْ سَلَفَ سَوَاءٌ كَانَتْ صَحِيحَةً أَوْ بَاطِلَةً كَالثَّعْلَبِيِّ وَالْفَقِيهُ يَكَادُ يَسْرُدُ فِيهِ الْفِقْهَ مِنْ بَابِ الطَّهَارَةِ إِلَى أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَرُبَّمَا اسْتَطْرَدَ إِلَى إِقَامَةِ أَدِلَّةِ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْآيَةِ وَالْجَوَابِ عَنْ أَدِلَّةِ الْمُخَالِفِينَ كَالْقُرْطُبِيِّ وَصَاحِبُ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ- خُصُوصًا الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ- قَدْ مَلَأَ تَفْسِيرَهُ بِأَقْوَالِ الْحُكَمَاءِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَشِبْهِهَا وَخَرَجَ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى يَقْضِيَ النَّاظِرُ الْعَجَبَ مِنْ عَدَمِ مُطَابَقَةِ الْمَوْرِدِ لِلْآيَةِ قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ: جَمَعَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً طَوِيلَةً لَا حَاجَةَ بِهَا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا التَّفْسِيرَ وَالْمُبْتَدِعُ لَيْسَ لَهُ قَصْدٌ إِلَّا تَحْرِيفُ الْآيَاتِ وَتَسْوِيَتُهَا عَلَى مَذْهَبِهِ الْفَاسِدِ بِحَيْثُ إِنَّهُ مَتَى لَاحَ لَهُ شَارِدَةٌ مِنْ بَعِيدٍ اقْتَنَصَهَا أَوْ وَجَدَ مَوْضِعًا لَهُ فِيهِ أَدْنَى مَجَالٍ سَارَعَ إِلَيْهِ. قَالَ الْبَلْقِينِيُّ: اسْتَخْرَجْتُ مِنَ الْكَشَّافِ اعتزالا بالمناقيش من قول تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ وَأَيُّ فَوْزٍ أَعْظَمُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَشَارَ بِهِ إِلَى عَدَمِ الرُّؤْيَةِ

стр. 1402

وَالْمُلْحِدُ فَلَا تَسْأَلُ عَنْ كُفْرِهِ وَإِلْحَادِهِ فِي آيَاتِ اللَّهِ وَافْتِرَائِهِ عَلَى اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ فِي ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ﴾ : مَا عَلَى الْعِبَادِ أَضَرُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَكَقَوْلِهِ فِي سَحَرَةِ مُوسَى مَا قَالَ وَقَوْلُ الرَّافِضَةِ فِي ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ مَا قَالُوا وَعَلَى هَذَا وَأَمْثَالِهِ يُحْمَلُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ "إِنَّ فِي أُمَّتِي قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَنْثُرُونَهُ نَثْرَ الدَّقَلِ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ" فِإِنْ قُلْتَ: فَأَيُّ التَّفَاسِيرِ تُرْشِدُ إِلَيْهِ وَتَأْمُرُ النَّاظِرَ أَنْ يُعَوِّلَ عَلَيْهِ! قُلْتُ تَفْسِيرُ الْإِمَامِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ الَّذِي أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ الْمُعْتَبَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُؤَلَّفْ فِي التَّفْسِيرِ مِثْلُهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ: كِتَابُ ابْنِ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ لَمْ يُصَنِّفْ أَحَدٌ مِثْلَهُ وَقَدْ شَرَعْتُ فِي تَفْسِيرٍ جَامِعٍ لِجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ التَّفَاسِيرِ الْمَنْقُولَةِ وَالْأَقْوَالِ الْمَقُولَةِ وَالِاسْتِنْبَاطَاتِ وَالْإِشَارَاتِ وَالْأَعَارِيبِ وَاللُّغَاتِ وَنُكَتِ الْبَلَاغَةِ وَمَحَاسِنِ الْبَدَائِعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى غَيْرِهِ أَصْلًا وَسَمَّيْتُهُ بِ "مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَمَطْلَعِ الْبَدْرَيْنِ" وَهُوَ الَّذِي جَعَلْتُ هَذَا الْكِتَابَ مُقَدِّمَةً لَهُ وَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يُعِينَ عَلَى إِكْمَالِهِ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَإِذْ قَدِ انْتَهَى بِنَا الْقَوْلُ فِيمَا أَرَدْنَاهُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَلْنَخْتِمْهُ بِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ التَّفَاسِيرِ الْمُصَرَّحِ بِرَفْعِهَا إِلَيْهِ غَيْرِ مَا وَرَدَ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ لِتُسْتَفَادَ فَإِنَّهَا مِنَ الْمُهِمَّاتِ.

стр. 1403

الْفَاتِحَةُ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ- وَحَسَّنَهُ- وَابْنُ حِبَّانَ في صححيه عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ هُمُ الْيَهُودُ وَإِنَّ الضَّالِّينَ النَّصَارَى" وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ قَالَ: الْيَهُودُ قُلْتُ الضَّالِّينَ؟ قَالَ: النَّصَارَى الْبَقَرَةُ أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكم فِي مُسْتَدْرَكِهِ- وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قَالَ: "مِنَ الْحَيْضِ وَالْغَائِطِ وَالنُّخَامَةِ وَالْبُزَاقِ" قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تفسيره في إسناده الربعي قَالَ فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ: لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ قَالَ: فَفِي تَصْحِيحِ الْحَاكِمِ لَهُ نَظَرٌ ثُمَّ رَأَيْتُهُ فِي تَارِيخِهِ قَالَ إِنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَحْسَنَ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا الْعَدْلُ؟ قَالَ: "الْعَدْلُ الْفِدْيَةُ" مُرْسَلٌ جَيِّدٌ عَضَّدَهُ إِسْنَادٌ مُتَّصِلٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا. وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ ، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ

стр. 1404

عَلَى إِسْتَاهُهُمْ، وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعْرِهِ، فِيهِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ" وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بِهَذَا السَّنَدِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كُلُّ حَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ يُذْكَرُ فِيهِ الْقُنُوتُ فَهُوَ الطَّاعَةُ، وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ في الرواية بِسَنَدٍ فِيهِ مَجَاهِيلُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ ، قال: "يتبعونه حق ابتاعه" وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ، قَالَ: لَا طَاعَةَ إِلَّا فِي الْمَعْرُوفِ لَهُ شَاهِدٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا بِلَفْظِ: "لَيْسَ لِظَالِمٍ عَلَيْكَ عَهْدٌ أَنْ تُطِيعَهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ" وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ- وَصَحَّحَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ قَالَ: عَدْلًا وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالَ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ،

стр. 1405

فَيُدْعَى قَوْمُهُ فَيُقَالَ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ وَمَا أَتَانَا مِنْ أَحَدٍ فَيُقَالُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ ، قَالَ وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ فَتُدْعَونَ فَتَشْهَدُونَ لَهُ بِالْبَلَاغِ وَأَشْهَدُ عَلَيْكُمْ قَوْلُهُ وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ مَرْفُوعٌ غَيْرُ مُدْرَجٍ نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ وَالدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ يَقُولُ: اذْكُرُونِي يَا مَعْشَرَ الْعِبَادِ بِطَاعَتِي أَذْكُرُكُمْ بِمُغْفِرَتِي. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: انْقَطَعَ قِبَالَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَاسْتَرْجَعَ فَقَالُوا: مُصِيبَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: "مَا أَصَابَ المؤمن مما يكره فَهُوَ مُصِيبَةٌ" لَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ الْكَافِرَ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَيَسْمَعُهَا كُلُّ دَابَّةٍ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ، فَتَلْعَنُهُ كُلُّ دَابَّةٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ يَعْنِي دَوَابَّ الْأَرْضِ" وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ : قَالَ شَوَّالُ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قَالَ
следующие страницы →