Полный текст (1 459 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
النَّوْعُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْإِدْغَامِ وَالْإِظْهَارِ وَالْإِخْفَاءِ وَالْإِقْلَابِ
أَفْرَدَ ذَلِكَ بِالتَّصْنِيفِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ.
الْإِدْغَامُ: هُوَ اللَّفْظُ بِحَرْفَيْنِ حَرْفًا كَالثَّانِي مُشَدَّدًا. وَيَنْقَسِمُ إِلَى كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ:
الإدغام الكبير
فَالْكَبِيرُ مَا كَانَ أَوَّلُ الْحَرْفَيْنِ فيه متحركا سَوَاءٌ كَانَا مِثْلَيْنِ أَمْ جِنْسَيْنِ أَمْ مُتَقَارِبَيْنِ وَسُمِّيَ كَبِيرًا لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ إِذِ الْحَرَكَةُ أَكْثَرُ مِنَ السُّكُونِ، وَقِيلَ: لِتَأْثِيرِهِ فِي إِسْكَانِ الْمُتَحَرِّكِ قَبْلَ إِدْغَامِهِ وَقِيلَ: لِمَا فِيهِ مِنَ الصُّعُوبَةِ وَقِيلَ: لِشُمُولِهِ نَوْعَيْ الْمِثْلَيْنِ وَالْجِنْسَيْنِ وَالْمُتَقَارِبَيْنِ وَالْمَشْهُورُ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْعَشْرَةِ هُوَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ وَوَرْدَ عَنْ جَمَاعَةٍ خَارِجَ الْعَشْرَةِ كَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالْأَعْمَشِ وَابْنِ مُحَيْصِنٍ وغَيْرِهِمْ.
وَوَجْهُهُ: طَلَبُ التَّخْفِيفِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ فِي الْقِرَاءَاتِ لَمْ يَذْكُرُوهُ الْبَتَّةَ كَأَبِي عُبَيْدٍ فِي كِتَابِهِ وَابْنِ مُجَاهِدٍ فِي مُسَبَّعَتِهِ وَمَكِّيٍّ فِي
стр. 317
تَبْصِرَتِهِ وَالطَّلَمَنْكِيِّ فِي رَوْضَتِهِ وَابْنِ سُفْيَانٍ فِي هَادِيهِ وَابْنِ شُرَيْحٍ فِي كَافِيهِ وَالْمَهْدَوِيِّ فِي هِدَايَتِهِ وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ فِي تَقْرِيبِ النَّشْرِ: وَنَعْنِي بِالْمُتَمَاثِلَيْنِ مَا اتَّفَقَا مَخْرَجًا وَصِفَةً وَالْمُتَجَانِسَيْنِ مَا اتَّفَقَا مخرجا واختلفا صفة وبالمتقاربين مَا تَقَارَبَا مَخْرَجًا أَوْ صِفَةً فَأَمَّا الْمُدْغَمُ مِنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ فَوَقَعَ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا وَهِيَ الْبَاءُ وَالتَّاءُ وَالثَّاءُ وَالْحَاءُ وَالرَّاءُ وَالسِّينُ وَالْعَيْنُ وَالْغَيْنُ وَالْفَاءُ وَالْقَافُ وَالْكَافُ وَاللَّامُ وَالْمِيمُ وَالنُّونُ وَالْوَاوُ وَالْهَاءُ وَالْيَاءُ نَحْوُ: ﴿الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ ﴿الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا﴾ ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ ﴿النِّكَاحِ حَتَّى﴾ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ا﴾ ﴿النَّاسَ سُكَارَى﴾ ﴿يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ ﴿يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ﴾ ﴿اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ ﴿أَفَاقَ قَالَ﴾ ﴿إِنَّكِ كُنْتِ﴾ ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ﴾ ﴿الرَّحِيمِ مَالِكِ﴾ ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ ﴿هُوَ وَلِيُّهُمُ﴾ ﴿فِيهِ هُدىً﴾ ﴿يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ .
وَشَرْطُهُ أَنْ يَلْتَقِيَ الْمِثْلَانِ خَطًّا فَلَا يُدْغَمُ فِي نَحْوِ: ﴿أَنَا نَذِيرٌ﴾ من أجل وجود الألف وأن يكونا مِنْ كَلِمَتَيْنِ فَإِنِ الْتَقَيَا مِنْ
стр. 318
كَلِمَةٍ فَلَا يُدْغَمُ إِلَّا فِي حَرْفَيْنِ نَحْوُ: ﴿مَنَاسِكَكُمْ﴾ فِي الْبَقَرَةِ وَ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ فِي الْمُدَّثِّرِ وألا يكون الأول تاء ضمير المتكلم أَوْ خِطَابًا فَلَا يُدْغَمُ نَحْوَ: ﴿كُنْتُ تُرَاباً﴾ ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ﴾ وَلَا مُشَدَّدًا فَلَا يُدْغَمُ نَحْوُ: ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ ﴿رَبِّ بِمَا﴾ وَلَا مُنَوَّنًا فَلَا يُدْغَمُ نَحْوُ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
وَأَمَّا الْمُدْغَمُ مِنَ الْمُتَجَانِسَيْنِ وَالْمُتَقَارِبَيْنِ فَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ حَرْفًا يَجْمَعُهَا: رُضْ سَنَشُدُّ حُجَّتَكَ بِذُلِّ قَثْمٍ وَشَرْطُهُ أَلَّا يَكُونَ الْأَوَّلُ مُشَدَّدًا نَحْوَ: ﴿أَشَدَّ ذِكْراً﴾ وَلَا مُنَوَّنًا نَحْوَ: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ وَلَا تَاءَ ضَمِيرٍ نَحْوَ: ﴿خَلَقْتَ طِيناً﴾ فَالْبَاءُ تُدْغَمُ فِي الْمِيمِ فِي: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فَقَطْ
وَالتَّاءُ فِي عَشَرَةِ أَحْرُفٍ الثَّاءِ: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ﴾ والجيم: ﴿الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ﴾ والذال: ﴿السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ﴾ والزاي: ﴿الْجَنَّةَ﴾ ﴿زُمَراً﴾ والسين: ﴿الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ﴾ وَلَمْ يُدْغَمْ: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً﴾ لِلْجَزْمِ مَعَ خِفَّةِ الْفَتْحَةِ وَالشِّينِ: ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ والصاد: ﴿وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً﴾ والضاد: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً﴾ وَالطَّاءِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ والظاء: ﴿الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي﴾ .
وَالثَّاءُ فِي خَمْسَةِ أَحْرُفٍ التَّاءِ: ﴿حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ والذال: ﴿وَالْحَرْثِ ذَلِكَ﴾ والسين: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ﴾ والشين: ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ والضاد: ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ﴾ .
وَالْجِيمُ فِي حَرْفَيْنِ الشِّينِ: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ والتاء: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ﴾ وَالْحَاءُ فِي الْعَيْنِ فِي: ﴿زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ فَقَطْ.
وَالدَّالُ فِي عَشَرَةِ أَحْرُفٍ التَّاءِ الْمَسَاجِدِ تلك: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ ،
стр. 319
والثاء: ﴿يُرِيدُ ثَوَابَ﴾ والجيم: ﴿دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ والذال: ﴿وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ﴾ والزاي: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا﴾ والسين: ﴿الأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُمْ﴾ والشين: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ والصاد: ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ﴾ والضاد: ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾ والظاء: ﴿يُرِيدُ ظُلْماً﴾ وَلَا تُدْغَمُ مَفْتُوحَةً بَعْدَ سَاكِنٍ إِلَّا فِي التَّاءِ لِقُوَّةِ التَّجَانُسِ
وَالذَّالُ فِي السِّينِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾ وَالصَّادِ فِي قَوْلِهِ مَا اتَّخَذَ صاحبة.
وَالرَّاءُ فِي اللَّامِ نَحْوُ: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ المصير: ﴿لا يُكَلِّفُ﴾ والنهار لآيات فَإِنْ فُتِحَتْ وَسَكَنَ مَا قَبْلَهَا لَمْ تُدْغَمْ نَحْوُ: ﴿وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ وَالسِّينُ فِي الزَّايِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ وَالشِّينِ فِي قَوْلِهِ: ﴿الرَّأْسُ شَيْباً﴾ .
وَالشِّينُ فِي السِّينِ فِي: ﴿ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ فَقَطْ وَالضَّادُ فِي: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ فَقَطْ.
وَالْقَافُ فِي الْكَافِ إِذَا مَا تَحَرَّكَ مَا قَبْلَهَا نَحْوُ: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ وكذا إذا كانت معها في كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ وَبَعْدَهَا مِيمٌ نَحْوُ: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ .
وَالْكَافُ فِي الْقَافِ إِذَا تَحَرَّكَ مَا قَبْلَهَا نَحْوُ: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال إلا إِنْ سَكَنَ نَحْوُ: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ .
وَاللَّامُ فِي الرَّاءِ إِذَا تَحَرَّكَ مَا قَبْلَهَا نَحْوُ: ﴿رُسُلُ رَبِّكَ﴾ أَوْ سَكَنَ وَهِيَ مَضْمُومَةٌ أَوْ مَكْسُورَةٌ نَحْوُ: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ ﴿إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ إلا إِنْ فُتِحَتْ نَحْوُ: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ﴾ إِلَّا لَامَ قَالَ فَإِنَّهَا تُدْغَمُ حَيْثُ وَقَعَتْ نَحْوَ: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ ﴿قَالَ رَجُلانِ﴾ .
стр. 320
وَالْمِيمُ تُسْكَنُ عِنْدَ الْبَاءِ إِذَا تَحَرَّكَ مَا قَبْلَهَا فَتَخْفَى بِغُنَّةٍ نحو: ﴿أَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ ﴿مَرْيَمَ بُهْتَاناً﴾ وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الْإِخْفَاءِ الْمَذْكُورِ فِي التَّرْجَمَةِ وَذِكْرُ ابْنِ الْجَزَرِيِّ لَهُ فِي أَنْوَاعِ الْإِدْغَامِ تَبِعَ فِيهِ بَعْضَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَدْ قَالَ هُوَ فِي النَّشْرِ إِنَّهُ غَيْرُ صَوَابٍ فَإِنْ سَكَنَ مَا قَبْلَهَا أظهرت نحو: ﴿إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ .
وَالنُّونُ تُدْغَمُ إِذَا تَحَرَّكَ مَا قَبْلَهَا فِي الرَّاءِ وَفِي اللَّامِ نحو: ﴿تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ فَإِنْ سَكَنَ أُظْهِرَتْ عِنْدَهُمَا نَحْوُ: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ ﴿أَنْ تَكُونَ لَهُمْ﴾ إِلَّا نُونَ نَحْنُ فَإِنَّهَا تُدْغَمُ نحو: ﴿نَحْنُ لَهُ﴾ ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ﴾ لكثرة دورها وَتَكْرَارِ النُّونِ فِيهَا وَلُزُومِ حَرَكَتِهَا وَثِقْلِهَا.
تَنْبِيهَانِ
الْأَوَّلُ: وَافَقَ أَبُو عَمْرٍو حَمْزَةَ وَيَعْقُوبَ فِي أَحْرُفٍ مَخْصُوصَةٍ اسْتَوْعَبَهَا ابْنُ الْجَزَرِيِّ فِي كِتَابَيْهِ النشر والتقريب.
الثَّانِي: أَجْمَعَ الْأَئِمَّةُ الْعَشَرَةُ عَلَى إدغام: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي اللَّفْظِ بِهِ فَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِإِدْغَامِهِ مَحْضًا بِلَا إِشَارَةٍ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْإِشَارَةِ رَوْمًا وَإِشْمَامًا.
стр. 321
ضَابِطٌ
قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ: جَمِيعُ مَا أَدْغَمَهُ أَبُو عَمْرٍو مِنَ الْمِثْلَيْنِ وَالْمُتَقَارِبَيْنِ إِذَا وَصَلَ السُّورَةَ بِالسُّورَةِ أَلْفُ حَرْفٍ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ لِدُخُولِ آخِرِ " الْقَدْرِ " بِـ" لَمْ يَكُنْ "وَإِذَا بَسْمَلَ وَوَصْلَ آخِرَ السُّورَةِ بِالْبَسْمَلَةِ أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ لِدُخُولِ آخِرِ " الرَّعْدِ " بِأَوَّلِ " إِبْرَاهِيمَ " وَآخِرِ " إِبْرَاهِيمَ " بِأَوَّلِ " الْحِجْرِ " وَإِذَا فَصَلَ بِالسَّكْتِ وَلَمْ يُبَسْمِلْ ألف وثلاثمائة وثلاثة.
الإدغام الصغير
وَأَمَّا الْإِدْغَامُ الصَّغِيرُ: فَهُوَ مَا كَانَ الْحَرْفُ الْأَوَّلُ فِيهِ سَاكِنًا وَهُوَ وَاجِبٌ وَمُمْتَنِعٌ وَجَائِزٌ وَالَّذِي جَرَتْ عَادَةُ الْقُرَّاءُ بِذِكْرِهِ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ هُوَ الْجَائِزُ لِأَنَّهُ الَّذِي اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِيهِ، وَهُوَ قِسْمَانِ:
الْأَوَّلُ: إِدْغَامُ حَرْفٍ مِنْ كَلِمَةٍ فِي حُرُوفٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ كَلِمَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَتَنْحَصِرُ فِي إِذْ وَقَدْ وَتَاءِ التَّأْنِيثِ وَهَلْ وَبَلْ.
فإذ اخْتُلِفَ فِي إِدْغَامِهَا وَإِظْهَارِهَا عِنْدَ سِتَّةِ أَحْرُفٍ التَّاءِ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ﴾ والجيم: ﴿إِذْ جَعَلَ﴾ والدال: ﴿إِذْ دَخَلْتَ﴾ والزاي: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ﴾ والسين: ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ والصاد: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا﴾ .
وقد اخْتُلِفَ فِيهَا عِنْدَ ثَمَانِيَةِ أَحْرُفٍ الْجِيمِ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ والذال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ والزاي: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا﴾ والسين: ﴿قَدْ سَأَلَهَا﴾ ،
стр. 322
والشين: ﴿قَدْ شَغَفَهَا﴾ والصاد: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ والضاد: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ والظاء: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ﴾ .
وَتَاءِ التَّأْنِيثِ اخْتُلِفَ فِيهَا عِنْدَ سِتَّةِ أَحْرُفٍ الثَّاءِ: ﴿بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ والجيم: ﴿نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ والزاي: ﴿خَبَتْ زِدْنَاهُمْ﴾ والسين: ﴿أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ والصاد: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ والظاء: ﴿كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ .
ولام هل وبل اخْتُلِفَ فِيهَا عِنْدَ ثَمَانِيَةِ أَحْرُفٍ تَخْتَصُّ بَلْ مِنْهَا بِخَمْسَةٍ الزَّايِ: ﴿بَلْ زُيِّنَ﴾ والسين: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ والضاد: ﴿بَلْ ضَلُّوا﴾ والطاء: ﴿بَلْ طَبَعَ﴾ والظاء: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ .
وَتَخْتَصُّ هَلْ بِالثَّاءِ: ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ وَيَشْتَرِكَانِ فِي التَّاءِ وَالنُّونِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ﴾ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ ﴿هَلْ نَحْنُ﴾ ﴿بَلْ نَتَّبِعُ﴾
الْقِسْمُ الثَّانِي: إِدْغَامُ حُرُوفٍ قَرُبَتْ مَخَارِجُهَا وَهِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا اخْتُلِفَ فِيهَا:
أَحَدُهَا: الْبَاءُ عِنْدَ الْفَاءِ فِي: ﴿أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ﴾ ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ﴾ ﴿اذْهَبْ فَمَنْ﴾ ﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ﴾
الثاني:: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فِي الْبَقَرَةِ.
الثَّالِثُ: ﴿ارْكَبْ مَعَنَا﴾ فِي هُودٍ.
الرَّابِعُ: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ﴾ فِي سَبَأٍ.
الْخَامِسُ: الرَّاءُ السَّاكِنَةُ عِنْدَ اللَّامِ نَحْوُ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ .
السَّادِسُ: اللَّامُ السَّاكِنَةُ فِي الذَّالِ: ﴿مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾ حَيْثُ وَقَعَ.
стр. 323
السَّابِعُ: الثَّاءُ فِي الذَّالِ فِي: ﴿يَلْهَثْ ذَلِكَ﴾ .
الثَّامِنُ: الدَّالُ فِي الثَّاءِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ﴾ حَيْثُ وَقَعَ.
التَّاسِعُ: الذَّالُ فِي التَّاءِ مِنِ: ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ وَمَا جَاءَ مِنْ لَفْظِهِ.
الْعَاشِرُ: الذَّالُ فِيهَا مِنْ: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ فِي طه.
الْحَادِي عَشَرَ: الذَّالُ فِيهَا أَيْضًا فِي: ﴿عُذْتُ بِرَبِّي﴾ فِي غَافِرٍ والدخان.
الثَّانِي عَشَرَ: الثَّاءُ مِنْ: ﴿لَبِثْتُمْ﴾ و: ﴿لَبِثْتَ﴾ كَيْفَ جَاءَا.
الثَّالِثَ عَشَرَ: الثَّاءُ في: ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ في الأعراف والزخرف.
الرَّابِعَ عَشَرَ: الدَّالُ فِي الذَّالِ فِي: ﴿كهيعص ذِكْرُ﴾ .
الْخَامِسَ عَشَرَ: النُّونُ فِي الْوَاوِ مِنْ: ﴿يس وَالْقُرْآنِ﴾ .
السَّادِسَ عَشَرَ: النُّونُ فِيهَا مِنْ: ﴿نْ وَالْقَلَمِ﴾ .
السَّابِعَ عَشَرَ: النُّونُ عِنْدَ الْمِيمِ مِنْ: ﴿طسم﴾ أول الشعراء والقصص.
قَاعِدَةٌ
كُلُّ حَرْفَيْنِ الْتَقَيَا أَوَّلُهُمَا سَاكِنٌ وَكَانَا مِثْلَيْنِ أَوْ جِنْسَيْنِ وَجَبَ إِدْغَامُ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا لُغَةً وَقِرَاءَةً.
فَالْمِثْلَانِ نَحْوُ: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ﴾ ﴿رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ﴿وَقَدْ دَخَلُوا﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي﴾ ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾ ﴿وَهُمْ مِنْ﴾ ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ ﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ ﴿يُوَجِّهْهُ﴾ .
والجنسان نحو: ﴿قَالَتْ طَائِفَةٌ﴾ وقد تبين: ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ ﴿بَلْ رَانَ﴾ ﴿هَلْ رَأَيْتُمْ﴾ ﴿قُلْ رَبِّ﴾ مَا لَمْ يَكُنْ أَوَّلُ الْمِثْلَيْنِ حَرْفُ مَدٍّ
стр. 324
نحو: ﴿قَالُوا وَهُمْ﴾ ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ﴾ أَوْ أَوَّلُ الْجِنْسَيْنِ حَرْفُ حَلْقٍ نَحْوُ: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ .
فَائِدَةٌ
كَرِهَ قَوْمٌ الْإِدْغَامَ فِي الْقُرْآنِ وَعَنْ حَمْزَةَ أَنَّهُ كَرِهَهُ فِي الصَّلَاةِ فَتَحَصَّلْنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أقوال.
تَذْنِيبٌ
يَلْحَقُ بِالْقِسْمَيْنِ السَّابِقَيْنِ قِسْمٌ آخَرَ اخْتُلِفَ فِي بَعْضِهِ وَهُوَ أَحْكَامُ النُّونِ السَّاكِنَةِ وَالتَّنْوِينِ وَلَهُمَا أَحْكَامٌ أَرْبَعَةٌ: إِظْهَارٌ وَإِدْغَامٌ وَإِقْلَابٌ وَإِخْفَاءٌ.
فَالْإِظْهَارُ لِجَمِيعِ الْقُرَّاءِ عِنْدَ سِتَّةِ أَحْرُفٍ وَهِيَ حُرُوفُ الْحَلْقِ: الْهَمْزَةُ وَالْهَاءُ وَالْعَيْنُ وَالْحَاءُ وَالْغَيْنُ والخاء نحو: ﴿يَنْأَوْنَ﴾ ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ﴿فَانْهَارَ﴾ ﴿مِنْ هَادٍ﴾ ﴿جُرُفٍ هَارٍ﴾ ﴿أَنْعَمْتَ﴾ ﴿مِنْ عَمَلِ﴾ ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿وَانْحَرْ﴾ ﴿مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ ﴿مِنْ غِلٍّ﴾ ﴿إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ ﴿قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ .
وَبَعْضُهُمْ يُخْفِي عِنْدَ الْخَاءِ وَالْغَيْنِ.
وَالْإِدْغَامُ فِي سِتَّةٍ: حَرْفَانِ بِلَا غُنَّةٍ وَهُمَا اللَّامُ وَالرَّاءُ نَحْوُ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ﴿ثَمَرَةٍ رِزْقاً﴾ وَأَرْبَعَةٌ بِغُنَّةٍ وَهِيَ النُّونُ وَالْمِيمُ وَالْيَاءُ وَالْوَاوُ نَحْوَ: ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ ﴿حِطَّةٌ نَغْفِرْ﴾ ﴿مِنْ مَالٍ﴾ ﴿مَثَلاً مَا﴾ ﴿مِنْ وَالٍ﴾ ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ ﴿وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ﴾
стр. 325
وَالْإِقْلَابُ عِنْدَ حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْبَاءُ نَحْوُ: ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ بِقَلْبِ النُّونِ وَالتَّنْوِينِ عِنْدَ الْبَاءِ مِيمًا خَاصَّةً فَتُخْفَى بِغُنَّةٍ.
وَالْإِخْفَاءُ عِنْدَ بَاقِي الْحُرُوفِ وَهِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ التَّاءُ وَالثَّاءُ وَالْجِيمُ وَالدَّالُ وَالذَّالُ وَالزَّايُ وَالسِّينُ وَالشِّينُ وَالصَّادُ وَالضَّادُ وَالطَّاءُ وَالظَّاءُ وَالْفَاءُ وَالْقَافُ والكاف نحو: ﴿كُنْتُمْ﴾ ﴿مَنْ تَابَ﴾ ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي﴾ ﴿الْأُنْثَى﴾ ﴿من ثمرة﴾ ﴿قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ ﴿أَنْجَيْتَنَا﴾ ﴿إِنْ جَعَلَ﴾ ﴿خَلْقاً جَدِيداً﴾ ﴿أَنْدَاداً﴾ ﴿أَنْ دَعَوْا﴾ ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾ ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ ﴿وَكِيلاً ذُرِّيَّةٌ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ﴾ ﴿مِنْ زَوَالٍ﴾ ﴿صَعِيداً زَلَقاً﴾ ﴿الْإِنْسَانُ﴾ ﴿مِنْ سُوءٍ﴾ ﴿وَرَجُلاً سَلَماً﴾ ﴿أَنْشَرَهُ﴾ ﴿إِنْ شَاءَ﴾ ﴿غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿وَالأَنْصَارِ﴾ ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ ﴿وجمالات صفر﴾ ﴿مَنْضُودٍ﴾ ﴿مَنْ ضَلَّ﴾ ﴿وَكُلّاً ضَرَبْنَا﴾ ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ ﴿مِنْ طِينٍ﴾ ﴿صَعِيداً طَيِّباً﴾ ﴿يُنْظَرُونَ﴾ ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ﴿ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ ﴿فَانْفَلَقَ﴾ ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ ﴿خَالِداً فِيهَا﴾ ﴿انْقَلَبُوا﴾ ﴿مِنْ قَرَارٍ﴾ ﴿سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿الْمُنْكَرِ﴾ ﴿مِنْ كِتَابٍ﴾ ﴿كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ وَالْإِخْفَاءُ حَالَةٌ بَيْنَ الْإِدْغَامِ وَالْإِظْهَارِ وَلَا بُدَّ مِنَ الْغُنَّةِ مَعَهُ.
стр. 326
النَّوْعُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْمَدِّ وَالْقَصْرِ
أَفْرَدَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ بِالتَّصْنِيفِ وَالْأَصْلُ فِي الْمَدِّ مَا أخرجه سعيد ابن مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ حَدَّثَنِي مَسْعُودُ بْنُ يَزِيدٍ الْكِنْدِيُّ قَالَ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُقْرِئُ رَجُلًا فَقَرَأَ الرَّجُلُ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ مُرْسَلَةً فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا هَكَذَا أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: كَيْفَ أَقْرَأَكَهَا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ: أَقْرَأَنِيهَا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ فَمَدَّ. وَهَذَا حديث حسن جَلِيلٌ حُجَّةٌ وَنَصٌّ فِي الْبَابِ رِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ.
الْمَدُّ: عِبَارَةٌ عَنْ زِيَادَةِ مَطٍّ فِي حَرْفِ الْمَدِّ عَلَى الْمَدِّ الطَّبِيعِيِّ وَهُوَ الَّذِي لَا تَقُومُ ذَاتُ حَرْفِ الْمَدِّ دُونَهُ.
وَالْقَصْرُ: تَرْكُ تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَإِبْقَاءُ الْمَدِّ الطَّبِيعِيِّ عَلَى حَالِهِ.
وَحَرْفُ الْمَدِّ الألف مطلقا والواو السَّاكِنَةُ الْمَضْمُومُ مَا قَبْلَهَا وَالْيَاءُ السَّاكِنَةُ الْمَكْسُورُ مَا قَبْلَهَا.
وَسَبَبُهُ لَفْظِيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ فَاللَّفْظِيُّ إِمَّا هَمْزٌ أَوْ سُكُونٌ فَالْهَمْزُ يَكُونُ بَعْدَ حَرْفِ الْمَدِّ وَقَبْلَهُ وَالثَّانِي نَحْوُ: ﴿آدَمَ﴾ ﴿وَرَأى﴾ ﴿وإِيمَان﴾ ﴿وخَاطِئِينَ﴾ ﴿وأُوتُوا﴾ ﴿والمَوْؤُودَةُ﴾ .
стр. 327
وَالْأَوَّلُ إِنْ كَانَ مَعَهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَهُوَ الْمُتَّصِلُ نَحْوُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾ وَ: ﴿السُّوءَ﴾ و: ﴿مِنْ سُوءٍ﴾ و: ﴿يُضِيءُ﴾ .
وَإِنْ كَانَ حَرْفُ الْمَدِّ آخَرَ كَلِمَةٍ وَالْهَمْزُ أَوَّلُ أُخْرَى فَهُوَ الْمُنْفَصِلُ نَحْوُ: ﴿بِمَا أُنْزِلَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ ﴿أَمْرُهُ إِلَى اللهِ﴾ ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ ﴿بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ .
وَوَجْهُ الْمَدِّ لِأَجْلِ الْهَمْزِ أَنَّ حَرْفَ الْمَدِّ خَفِيٌّ وَالْهَمْزُ صَعْبٌ فَزِيدَ فِي الْخَفِيِّ لِيُتَمَكَّنَ مِنَ النُّطْقِ بِالصَّعْبِ.
وَالسُّكُونُ إِمَّا لَازِمٌ وَهُوَ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ فِي حَالَيْهِ نَحْوُ: ﴿الضَّالِّينَ﴾ و: ﴿دَابَّةٍ﴾ و: ﴿أَلَمْ﴾ و: ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ أَوْ عَارِضٌ: وَهُوَ الَّذِي يَعْرِضُ لِلْوَقْفِ وَنَحْوِهِ نحو: ﴿الْعِبَادِ﴾ و: ﴿الْحِسَابِ﴾ وَ: ﴿نَسْتَعِينُ﴾ وَ: ﴿الرَّحِيمِ﴾ وَ: ﴿يُوقِنُونَ﴾ - حَالَةَ الْوَقْفِ - وَ: ﴿فِيهِ هُدىً﴾ و: ﴿قَالَ لَهُمُ﴾ و: ﴿يَقُولُ رَبَّنَا﴾ - حَالَةَ الْإِدْغَامِ -.
وَوَجْهُ الْمَدِّ لِلسُّكُونِ التَّمَكُّنُ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ فَكَأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ حَرَكَةٍ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى مَدِّ نَوْعَيِ الْمُتَّصِلِ وَذِي السَّاكِنِ اللَّازِمِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي مَدِّ النَّوْعَيْنِ الْآخَرَيْنِ: وَهُمَا الْمُنْفَصِلُ وَذُو السَّاكِنِ الْعَارِضِ وَفِي قَصْرِهِمَا.
فَأَمَّا الْمُتَّصِلُ فَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى مَدِّهِ قَدْرًا وَاحِدًا مُشَبَّعًا مِنْ غَيْرِ إِفْحَاشٍ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى تَفَاضُلِهِ كَتَفَاضُلِ الْمُنْفَصِلِ فَالطُّولِيُّ لِحَمْزَةَ وَوَرْشٍ وَدُونَهَا لِعَاصِمٍ وَدُونَهَا لِابْنِ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيِّ وَخَلَفٍ وَدُونَهَا لِأَبِي عَمْرٍو وَالْبَاقِينَ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ مَرْتَبَتَانِ فَقَطْ الطُّولِيُّ لِمَنْ ذَكَرَ وَالْوَسَطِيُّ لِمَنْ بَقِيَ.
стр. 328
وَأَمَّا ذُو السَّاكِنِ وَيُقَالُ لَهُ مَدُّ الْعَدْلِ لِأَنَّهُ يَعْدِلُ حَرَكَةً - فَالْجُمْهُورُ أَيْضًا عَلَى مَدِّهِ مُشَبَّعًا قَدْرًا وَاحِدًا مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى تَفَاوُتِهِ.
وَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ - وَيُقَالُ لَهُ مَدُّ الْفَصْلِ لِأَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ وَمَدُّ الْبَسْطِ لِأَنَّهُ يَبْسُطُ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ وَمَدُّ الِاعْتِبَارِ لِاعْتِبَارِ الْكَلِمَتَيْنِ مِنْ كَلِمَةٍ وَمَدُّ حَرْفٍ بِحَرْفٍ أَيْ مَدُّ كَلِمَةٍ بِكَلِمَةٍ وَالْمَدُّ الْجَائِزُ مِنْ أَجْلِ الْخِلَافِ فِي مَدِّهِ وَقَصْرِهِ - فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ فِي مِقْدَارِ مَدِّهِ اخْتِلَافًا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ لَهُ سَبْعَ مَرَاتِبَ:
الْأُولَى: الْقَصْرُ وَهُوَ حَذْفُ الْمَدِّ الْعَرَضِيِّ وَإِبْقَاءُ ذَاتِ حَرْفِ الْمَدِّ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَهِيَ فِي الْمُنْفَصِلِ خَاصَّةً لِأَبِي جَعْفَرٍ وَابْنِ كَثِيرٍ وَلِأَبِي عَمْرٍو عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
الثَّانِيَةُ: فُوَيْقَ الْقَصْرِ قَلِيلًا وَقُدِّرَتْ بِأَلِفَيْنِ وَبَعْضُهُمْ بِأَلِفٍ وَنِصْفٍ وَهِيَ لِأَبِي عَمْرٍو فِي الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ عِنْدَ صَاحِبِ التَّيْسِيرِ.
الثَّالِثَةُ: فُوَيْقَهَا قَلِيلًا وَهِيَ التَّوَسُّطُ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَقُدِّرَتْ بِثَلَاثِ أَلِفَاتٍ وَقِيلَ بِأَلِفَيْنِ وَنِصْفٍ وَقِيلَ بِأَلِفَيْنِ عَلَى أَنَّ مَا قَبْلَهَا بِأَلْفٍ وَنِصْفٍ وَهِيَ لِابْنِ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيِّ فِي الضَّرْبَيْنِ عِنْدَ صَاحِبِ التَّيْسِيرِ.
الرَّابِعَةُ: فُوَيْقَهَا قَلِيلًا وَقُدِّرَتْ بِأَرْبَعِ أَلِفَاتٍ وَقِيلَ بِثَلَاثٍ وَنِصْفٍ وَقِيلَ بِثَلَاثٍ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا قَبْلَهَا وَهِيَ لِعَاصِمٍ فِي الضَّرْبَيْنِ عِنْدَ صَاحِبِ التَّيْسِيرِ.
стр. 329
الخامسة: فويقها قليلا وَقَدِّرَتْ بِخَمْسِ أَلِفَاتٍ وَبِأَرْبَعٍ وَنِصْفٍ وَبِأَرْبَعٍ عَلَى الْخِلَافِ وَهِيَ فِيهَا لِحَمْزَةَ وَوَرْشٍ عِنْدَهُ.
السَّادِسَةُ: فَوْقَ ذَلِكَ وَقَدَّرَهَا الْهُذَلِيُّ بِخَمْسِ أَلِفَاتٍ عَلَى تَقْدِيرِ الْخَامِسَةِ بِأَرْبَعٍ وَذَكَرَ أَنَّهَا لِحَمْزَةَ.
السَّابِعَةُ: الْإِفْرَاطُ قَدَّرَهَا الْهُذَلِيُّ بِسِتٍّ وَذَكَرَهَا لِوَرْشٍ قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي تَقْدِيرِ الْمَرَاتِبِ بِالْأَلِفَاتِ لَا تَحْقِيقَ وَرَاءَهُ بَلْ هُوَ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ الْمَرْتَبَةَ الدُّنْيَا - وَهِيَ الْقَصْرُ - إِذَا زِيدَ عَلَيْهَا أَدْنَى زِيَادَةٍ صَارَتْ ثَانِيَةً ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْقُصْوَى.
وَأَمَّا الْعَارِضُ فَيَجُوزُ فِيهِ - لِكُلٍّ مِنَ الْقُرَّاءِ - كُلٌّ مِنَ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ: الْمَدُّ وَالتَّوَسُّطُ وَالْقَصْرُ وَهِيَ أَوْجُهُ تَخْيِيرٍ وَأَمَّا السَّبَبُ الْمَعْنَوِيُّ فَهُوَ قَصْدُ الْمُبَالَغَةِ فِي النَّفْيِ وَهُوَ سَبَبٌ قَوِيٌّ مَقْصُودٌ عِنْدَ الْعَرَبِ وَإِنْ كَانَ أَضْعَفَ مِنَ اللَّفْظِيِّ عِنْدَ الْقُرَّاءِ وَمِنْهُ مَدُّ التَّعْظِيمِ فِي نَحْوِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ﴿لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾ وَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَصْحَابِ الْقَصْرِ فِي الْمُنْفَصِلِ لِهَذَا الْمَعْنَى وَيُسَمَّى مَدُّ الْمُبَالَغَةِ قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ فِي كِتَابِ الْمَدَّاتِ إِنَّمَا سُمِّيَ مَدُّ الْمُبَالَغَةِ لِأَنَّهُ طَلَبٌ لِلْمُبَالَغَةِ فِي نَفْيِ إِلَهِيَّةِ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ وَهَذَا مَذْهَبٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَرَبِ لِأَنَّهَا تَمُدُّ عِنْدَ الدُّعَاءِ وَعِنْدَ الِاسْتِغَاثَةِ وَعِنْدَ الْمُبَالَغَةِ فِي نَفْيِ شَيْءٍ وَيَمُدُّونَ مَا لَا أَصْلَ لَهُ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ وَقَدْ وَرَدَ عَنْ حَمْزَةَ مَدَّ الْمُبَالَغَةِ لِلنَّفْيِ فِي لَا الَّتِي لِلتَّبْرِئَةِ نَحْوُ: ﴿لا رَيْبَ
стр. 330
فِيهِ﴾ ﴿لا شِيَةَ فِيهَا﴾ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ ﴿لا جَرَمَ﴾ وَقَدْرُهُ فِي ذَلِكَ وَسَطٌ لَا يَبْلُغُ الْإِشْبَاعَ لِضَعْفِ سَبَبِهِ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْقِصَاعِ وَقَدْ يَجْتَمِعُ السَّبَبَانِ اللَّفْظِيُّ وَالْمَعْنَوِيُّ فِي نَحْوِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ، وَ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ، و ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فَيُمَدُّ لِحَمْزَةَ مَدًّا مُشْبَعًا عَلَى أَصْلِهِ فِي الْمَدِّ لِأَجْلِ الْهَمْزِ وَيُلْغَى الْمَعْنَوِيُّ إِعْمَالًا لِلْأَقْوَى وَإِلْغَاءً لِلْأَضْعَفِ.
قَاعِدَةٌ
إِذَا تَغَيَّرَ سَبَبُ الْمَدِّ جَازَ الْمَدُّ مُرَاعَاةً لِلْأَصْلِ وَالْقَصْرُ نَظَرًا لِلَّفْظِ سَوَاءٌ كَانَ السَّبَبُ هَمْزًا أَوْ سُكُونًا سَوَاءٌ تَغَيَّرَ الْهَمْزُ بِبَيْنَ بَيْنَ أَوْ بِإِبْدَالٍ أَوْ حَذْفٍ وَالْمَدُّ أَوْلَى فِيمَا بَقِيَ لِتَغَيُّرِ أَثَرِهِ نَحْوُ: ﴿هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ﴾ فِي قِرَاءَةِ قَالُونَ وَالْبَزِّيِّ وَالْقَصْرُ فِيمَا ذَهَبَ أَثَرُهُ نَحْوَهَا فِي قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو.
قَاعِدَةٌ
مَتَى اجْتَمَعَ سَبَبَانِ: قَوِيٌّ وَضَعِيفٌ عُمِلَ بِالْقَوِيِّ وَأُلْغِيَ الضَّعِيفُ إِجْمَاعًا وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا فُرُوعٌ:
مِنْهَا: الْفَرْعُ السَّابِقُ فِي اجْتِمَاعِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ.
وَمِنْهَا: نحو: ﴿جَاؤُوا آبَاءَهُم﴾ ، و ﴿رَأَى أَيْدِيَهُمْ﴾ إِذَا قُرِئَ لِوَرْشٍ لَا يَجُوزُ
стр. 331
فِيهِ الْقَصْرُ وَلَا التَّوَسُّطُ بَلِ الْإِشْبَاعُ عَمَلًا بِأَقْوَى السَّبَبَيْنِ وَهُوَ الْمَدُّ لِأَجْلِ الْهَمْزِ بَعْدَهُ فَإِنْ وقف على: ﴿جَاؤُوا﴾ أَوْ، ﴿رَأَى﴾ جَازَتِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ بِسَبَبِ تَقَدُّمِ الْهَمْزِ عَلَى حَرْفِ الْمَدِّ وَذَهَابِ سَبَبِيَّةِ الْهَمْزِ بَعْدَهُ.
فَائِدَةٌ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مِهْرَانَ النَّيْسَابُورِيُّ: مَدَّاتُ الْقُرْآنِ عَلَى عَشَرَةِ أَوْجُهٍ:
مَدُّ الْحَجْزِ فِي نَحْوِ: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ ، ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ ، ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ ، ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ﴾ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ حَاجِزًا خَفَّفَهُمَا لِاسْتِثْقَالِ الْعَرَبِ جَمْعَهُمَا وَقَدْرُهُ أَلِفٌ تَامَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَحُصُولُ الْحَجْزِ بِذَلِكَ.
وَمَدُّ الْعَدْلِ فِي كُلِّ حَرْفٍ مُشَدَّدٍ وَقَبْلَهُ حَرْفُ مَدٍّ وَلِينٍ نَحْوُ: ﴿الضَّالِّينَ﴾ لِأَنَّهُ يَعْدِلُ حَرَكَةً أَيْ يَقُومُ مَقَامَهَا فِي الْحَجْزِ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ.
وَمَدُّ التَّمْكِينِ فِي نَحْوِ: ﴿وَأُولَئِكَ﴾ و ﴿الْمَلائِكَةِ﴾ و ﴿شَعَائِرِ﴾ وَسَائِرِ الْمِدَّاتِ الَّتِي تَلِيهَا هَمْزَةٌ لِأَنَّهُ جُلِبَ لِيُتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ تَحْقِيقِهَا وَإِخْرَاجِهَا مِنْ مَخْرَجِهَا.
وَمَدُّ الْبَسْطِ وَيُسَمَّى أَيْضًا مَدُّ الْفَصْلِ فِي نَحْوِ: ﴿بِمَا أُنْزِلَ﴾ لِأَنَّهُ يُبْسَطُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ ويصل بِهِ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مُتَّصِلَتَيْنِ.
وَمَدُّ الرَّوْمِ فِي نَحْوِ: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ لِأَنَّهُمْ يَرُومُونَ الْهَمْزَةَ مِنْ: ﴿أَنْتُمْ﴾
стр. 332
وَلَا يُحَقِّقُونَهَا وَلَا يَتْرُكُونَهَا أَصْلًا وَلَكِنْ يُلَيِّنُونَهَا وَيُشِيرُونَ إِلَيْهَا وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يَهْمِزُ: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ وَقَدْرُهُ أَلِفٌ وَنِصْفٌ.
وَمَدُّ الْفَرْقِ فِي نَحْوِ: ﴿الْآنَ﴾ لِأَنَّهُ يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الِاسْتِفْهَامِ وَالْخَبَرِ وَقَدْرُهُ أَلِفٌ تَامَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنْ كَانَ بَيْنَ أَلِفِ الْمَدِّ حَرْفٌ مُشَدَّدٌ زِيدَ أَلِفٌ أُخْرَى لِيُتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ تَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ نحو: ﴿الذَّاكِرِينَ اللَّهَ﴾ .
وَمَدُّ الْبِنْيَةِ فِي نَحْوِ: ﴿مَاءً﴾ وَ ﴿دُعَاءً﴾ وَ ﴿نِدَاءً﴾ و ﴿زَكَرِيَّا﴾ ، لِأَنَّ الِاسْمَ بُنِيَ عَلَى الْمَدِّ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَقْصُورِ.
وَمَدُّ الْمُبَالَغَةِ فِي نَحْوِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
وَمَدُّ الْبَدَلِ مِنَ الْهَمْزَةِ فِي نَحْوِ: ﴿آدَمَ﴾ وَ ﴿آخَرَ﴾ وَ ﴿آمَنَ﴾ وَقَدْرُهُ أَلِفٌ تَامَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ.
وَمَدُّ الْأَصْلِ فِي الْأَفْعَالِ الْمَمْدُودَةِ نَحْوُ: ﴿جَاءَ﴾ وَ ﴿شَاءَ﴾ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَدِّ الْبِنْيَةِ أَنَّ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ بُنِيَتْ عَلَى الْمَدِّ فَرْقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَقْصُورِ وَهَذِهِ مَدَّاتٌ فِي أُصُولِ أَفْعَالٍ أُحْدِثَتْ لِمَعَانٍ. انْتَهَى.
стр. 333
النَّوْعُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي تَخْفِيفِ الْهَمْزِ
فِيهِ تَصَانِيفُ مُفْرَدَةٌ:
اعْلَمْ أَنَّ الْهَمْزَ لَمَّا كَانَ أَثْقَلَ الْحُرُوفِ نُطْقًا وَأَبْعَدَهَا مَخْرَجًا تَنَوَّعَ الْعَرَبُ فِي تَخْفِيفِهِ بِأَنْوَاعِ التَّخْفِيفِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ وَأَهْلُ الْحِجَازِ أَكْثَرَهُمْ لَهُ تَخْفِيفًا وَلِذَلِكَ أَكْثَرُ مَا يَرِدُ تَخْفِيفُهُ مِنْ طُرُقِهِمْ كَابْنِ كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ فُلَيْحٍ وَكَنَافِعٍ مِنْ رِوَايَةِ وَرْشٍ وَكَأَبِي عَمْرٍو فَإِنَّ مَادَّةَ قِرَاءَتِهِ عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ مَا هَمَزَ رَسُولُ الله ﷺ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا الْخُلَفَاءُ وَإِنَّمَا الْهَمْزُ بِدْعَةٌ ابْتَدَعُوهَا مَنْ بَعْدَهُمْ.
قَالَ أَبُو شَامَةَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَمُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ.
قُلْتُ: وَكَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيءَ اللَّهِ فَقَالَ: لَسْتُ بِنَبِيءِ اللَّهِ وَلَكِنِّي نَبِيُّ اللَّهِ قَالَ: الذَّهَبِيُّ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَحُمْرَانُ رَافِضِيٌّ لَيْسَ بِثِقَةٍ.
وَأَحْكَامُ الْهَمْزِ كَثِيرَةٌ لَا يُحْصِيهَا أَقَلُّ مِنْ مُجَلَّدٍ وَالَّذِي نُورِدُهُ هُنَا أَنَّ تَحْقِيقَهُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ:
أَحَدُهَا: النَّقْلُ لِحَرَكَتِهِ إِلَى السَّاكِنِ قَبْلَهُ فَيَسْقُطُ نحو: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ بِفَتْحِ الدَّالِّ وَبِهِ قَرَأَ نَافِعٌ مِنْ طَرِيقِ وَرْشٍ وَذَلِكَ حَيْثُ كَانَ السَّاكِنُ
стр. 334
صَحِيحًا آخِرًا وَالْهَمْزَةُ أَوَّلًا وَاسْتَثْنَى أَصْحَابُ يَعْقُوبَ عَنْ وَرْشٍ: ﴿كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ فَسَكَّنُوا الْهَاءَ وَحَقَّقُوا الْهَمْزَةَ وَأَمَّا الباقون فحققوا وَسَكَّنُوا فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ.
وَثَانِيهَا: الْإِبْدَالُ بِأَنْ تُبْدَلَ الْهَمْزَةُ السَّاكِنَةُ حَرْفَ مَدٍّ مِنْ جِنْسِ حَرَكَةِ مَا قَبْلَهَا فَتُبْدَلُ أَلْفًا بَعْدَ الْفَتْحِ نحو: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾ واوا بعد الضم نحو: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ وَيَاءً بَعْدَ الْكَسْرِ نَحْوَ: ﴿جِيتَ﴾ وَبِهِ يَقْرَأُ أَبُو عَمْرٍو وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْهَمْزَةُ فَاءً أَمْ عَيْنًا أَمْ لَامًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ سُكُونُهَا جزما نحو: ﴿نَنْسَاهَا﴾ أَوْ بِنَاءً نَحْوَ: ﴿أَرْجِئْهُ﴾ أَوْ يَكُونَ تَرْكُ الْهَمْزِ فِيهِ أَثْقَلُ وهو: ﴿تُؤْوِي إِلَيْكَ﴾ فِي الْأَحْزَابِ أَوْ يُوقِعَ فِي الِالْتِبَاسِ وهو: ﴿رئياً﴾ فِي مَرْيَمَ فَإِنْ تَحَرَّكَتْ فَلَا خِلَافَ عَنْهُ فِي التَّحْقِيقِ نَحْوُ: ﴿يؤدوه﴾ .
ثَالِثُهَا: التَّسْهِيلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَرَكَتِهَا فَإِنِ اتَّفَقَ الْهَمْزَتَانِ فِي الْفَتْحِ سَهَّلَ الثَّانِيَةَ الْحَرَمِيَّانِ وَأَبُو عَمْرٍو وَهِشَامٌ وَأَبْدَلَهَا وَرْشٌ أَلِفًا وَابْنُ كَثِيرٍ لَا يُدْخِلُ قَبْلَهَا أَلْفًا وَقَالُونُ وَهِشَامٌ وَأَبُو عَمْرٍو يُدْخِلُونَهَا وَالْبَاقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ يُحَقِّقُونَ وَإِنِ اخْتَلَفَا بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ سَهَّلَ الْحَرَمِيَّانِ وَأَبُو عَمْرٍو الثَّانِيَةَ وَأَدْخَلَ قَالُونُ وَأَبُو عَمْرٍو قَبْلَهَا أَلِفًا وَالْبَاقُونَ يُحَقِّقُونَ. أَوْ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ وَذَلِكَ فِي: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ ﴿أَأُلْقِيَ﴾ فَقَطْ فَالثَّلَاثَةُ يُسَهِّلُونَ وَقَالُونُ يُدْخِلُ أَلِفًا وَالْبَاقُونَ يُحَقِّقُونَ.
قَالَ الدَّانِيُّ: وَقَدْ أَشَارَ الصَّحَابَةُ إِلَى التَّسْهِيلِ بِكِتَابَةِ الثَّانِيَةِ وَاوًا.
رَابِعُهَا: الْإِسْقَاطُ بِلَا نَقْلٍ وَبِهِ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو إِذَا اتَّفَقَا فِي الْحَرَكَةِ وَكَانَا فِي كَلِمَتَيْنِ فَإِنِ اتَّفَقَا كَسْرًا نَحْوَ: ﴿هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ﴾ جَعَلَ وَرْشٌ
стр. 335
وَقُنْبُلٌ الثَّانِيَةَ كَيَاءٍ سَاكِنَةٍ وَقَالُونُ وَالْبَزِّيُّ الْأُولَى كَيَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَأَسْقَطَهَا أَبُو عَمْرٍو وَالْبَاقُونَ يُحَقِّقُونَ وَإِنِ اتَّفَقَا فَتْحًا نَحْوَ: ﴿جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ جَعَلَ وَرْشٌ وَقُنْبُلٌ الثَّانِيَةَ كَمَدَّةٍ وَأَسْقَطَ الثَّلَاثَةَ الْأُولَى وَالْبَاقُونَ يُحَقِّقُونَ أَوْ ضَمًّا وَهُوَ: ﴿أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ﴾ فَقَطْ أَسْقَطَهَا أَبُو عَمْرٍو وَجَعَلَهَا قَالُونُ وَالْبَزِّيُّ كَوَاوٍ مَضْمُومَةٍ وَالْآخَرَانِ يَجْعَلَانِ الثَّانِيَةَ كَوَاوٍ سَاكِنَةٍ وَالْبَاقُونَ يُحَقِّقُونَ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي السَّاقِطِ هَلْ هُوَ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةُ الْأَوَّلُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَالثَّانِي عَنِ الْخَلِيلِ مِنَ النُّحَاةِ.
وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي الْمَدِّ فَإِنْ كَانَ السَّاقِطُ الْأُولَى فَهُوَ مُنْفَصِلٌ أَوِ الثَّانِيَةُ فَهُوَ مُتَّصِلٌ.
стр. 336
النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي كَيْفِيَّةِ تَحَمُّلِهِ
اعْلَمْ أَنَّ حِفْظَ الْقُرْآنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْأُمَّةِ صَرَّحَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي وَالْعُبَادِيُّ وَغَيْرُهُمَا. قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: وَالْمَعْنَى فِيهِ أَلَّا يَنْقَطِعَ عَدَدُ التَّوَاتُرِ فِيهِ فَلَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ التَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ فَإِنْ قَامَ بِذَلِكَ قَوْمٌ يَبْلُغُونَ هَذَا الْعَدَدَ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ وَإِلَّا أَثِمَ الْكُلُّ.
وَتَعْلِيمُهُ أَيْضًا فرض كفاية وهو من أَفْضَلُ الْقُرَبِ فَفِي الصَّحِيحِ: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ".
وَأَوْجُهُ التَّحَمُّلِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ السَّمَاعُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ وَالْقِرَاءَةُ عَلَيْهِ وَالسَّمَاعُ عَلَيْهِ بِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ وَالْمُنَاوَلَةُ وَالْإِجَازَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَالْإِعْلَامُ وَالْوِجَادَةُ فَأَمَّا غَيْرُ الْأَوَّلَيْنِ فَلَا يَأْتِي هُنَا لِمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ.
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ فَهِيَ الْمُسْتَعْمَلَةُ سَلَفًا وَخَلَفًا وَأَمَّا السَّمَاعُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِهِ هُنَا لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ إِنَّمَا أَخَذُوا الْقُرْآنَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالْمَنْعُ فِيهِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا كَيْفِيَّةُ الْأَدَاءِ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ سَمِعَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ كَهَيْئَتِهِ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ الْمَعْنَى أَوِ اللَّفْظُ لَا بِالْهَيْئَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي أَدَاءِ الْقُرْآنِ وَأَمَّا الصَّحَابَةُ فَكَانَتْ
стр. 337
فَصَاحَتُهُمْ وَطِبَاعُهُمُ السَّلِيمَةُ تَقْتَضِي قُدْرَتَهُمْ عَلَى الْأَدَاءِ كَمَا سَمِعُوهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ.
وَمِمَّا يَدُلُّ لِلْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ عَرْضُ النَّبِيِّ ﷺ الْقُرْآنَ عَلَى جِبْرِيلَ فِي رَمَضَانَ كُلَّ عَامٍ وَيُحْكَى أَنَّ الشَّيْخَ شَمْسَ الدِّينِ بْنَ الْجَزَرِيِّ لَمَّا قَدِمَ الْقَاهِرَةَ وَازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ الْخَلْقُ لَمْ يَتَّسِعْ وَقْتُهُ لِقِرَاءَةِ الْجَمِيعِ فَكَانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ الْآيَةَ ثُمَّ يُعِيدُونَهَا عَلَيْهِ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَلَمْ يَكْتَفِ بِقِرَاءَتِهِ.
وَتَجُوزُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ يَقْرَأُ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إِذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ حَالُهُمْ وَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينٍ السَّخَاوِيُّ يَقْرَأُ عَلَيْهِ اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ فِي أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ وَيَرُدُّ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ وَكَذَا لَوْ كَانَ الشَّيْخُ مُشْتَغِلًا بِشُغْلٍ آخَرَ كَنَسْخٍ وَمُطَالَعَةٍ.
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ مِنَ الْحِفْظِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ بَلْ يَكْفِي وَلَوْ مِنَ الْمُصْحَفِ.
فَصْلٌ
كَيْفِيَّاتُ الْقِرَاءَةِ ثَلَاثٌ:
أَحَدُهَا: التَّحْقِيقُ وَهُوَ إِعْطَاءُ كُلِّ حَرْفٍ حَقَّهُ مِنْ إِشْبَاعِ الْمَدِّ وَتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ وَإِتْمَامِ الْحَرَكَاتِ وَاعْتِمَادِ الْإِظْهَارِ وَالتَّشْدِيدَاتِ وَبَيَانِ الْحُرُوفِ وَتَفْكِيكِهَا وَإِخْرَاجِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ بِالسَّكْتِ وَالتَّرْتِيلِ وَالتُّؤَدَةِ وَمُلَاحَظَةِ الْجَائِزِ مِنَ الْوُقُوفِ بِلَا قَصْرٍ وَلَا اخْتِلَاسٍ وَلَا إِسْكَانِ مُحَرَّكٍ وَلَا إِدْغَامِهِ وَهُوَ يَكُونُ لِرِيَاضَةِ الْأَلْسُنِ وَتَقْوِيمِ الْأَلْفَاظِ وَيُسْتَحَبُّ الْأَخْذُ بِهِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتَجَاوَزَ فِيهِ إِلَى حَدِّ الْإِفْرَاطِ بِتَوْلِيدِ الْحُرُوفِ مِنَ الْحَرَكَاتِ وَتَكْرِيرِ الرَّاءَاتِ وَتَحْرِيكِ السَّوَاكِنِ وَتَطْنِينِ النُّونَاتِ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الْغُنَّاتِ، كَمَا قَالَ
стр. 338
حَمْزَةُ لِبَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ يُبَالِغُ فِي ذَلِكَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَا فَوْقَ الْبَيَاضِ بَرَصٌ وَمَا فَوْقَ الْجُعُودَةِ قَطَطٌ وَمَا فَوْقَ الْقِرَاءَةِ لَيْسَ بِقِرَاءَةٍ؟!
وَكَذَا يُحْتَرَزُ مِنَ الْفَصْلِ بَيْنَ حُرُوفِ الْكَلِمَةِ كَمَنْ يَقِفُ عَلَى التَّاءِ مِنْ: ﴿نَسْتَعِينُ﴾ وَقْفَةً لَطِيفَةً مُدَّعِيًا أَنَّهُ يُرَتِّلُ وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَذْهَبُ حَمْزَةَ وَوَرْشٍ وَقَدْ أَخْرَجَ فِيهِ الدَّانِيُّ حَدِيثًا فِي كِتَابِ التَّجْوِيدِ مُسَلْسَلًا إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ التَّحْقِيقَ وَقَالَ: إِنَّهُ غَرِيبٌ مُسْتَقِيمُ الْإِسْنَادِ.
الثَّانِيَةُ: الْحَدْرُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ إِدْرَاجُ الْقِرَاءَةِ وَسُرْعَتُهَا وَتَخْفِيفُهَا بِالْقَصْرِ وَالتَّسْكِينِ وَالِاخْتِلَاسِ وَالْبَدَلِ وَالْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ وَتَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ مَعَ مُرَاعَاةِ إِقَامَةِ الْإِعْرَابِ وَتَقْوِيمِ اللَّفْظِ وَتَمَكُّنِ الْحُرُوفِ بِدُونِ بَتْرِ حُرُوفِ الْمَدِّ وَاخْتِلَاسِ أَكْثَرِ الْحَرَكَاتِ وَذَهَابِ صَوْتِ الْغُنَّةِ وَالتَّفْرِيطِ إِلَى غَايَةٍ لَا تَصِحُّ بِهَا الْقِرَاءَةُ وَلَا تُوصَفُ بِهَا التِّلَاوَةُ وَهَذَا النَّوْعُ مَذْهَبُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ. وَمَنْ قَصَرَ الْمُنْفَصِلَ كَأَبِي عَمْرٍو وَيَعْقُوبَ.
الثَّالِثَةُ: التَّدْوِيرُ: وَهُوَ التَّوَسُّطُ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ مِنَ التَّحْقِيقِ وَالْحَدْرِ وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ عَنْ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ مِمَّنْ مَدَّ الْمُنْفَصِلَ وَلَمْ يَبْلُغْ فِيهِ الْإِشْبَاعَ وَهُوَ مَذْهَبُ سَائِرِ الْقُرَّاءِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأَدَاءِ.
تَنْبِيهٌ
سَيَأْتِي فِي النَّوْعِ الَّذِي يَلِي هَذَا اسْتِحْبَابُ التَّرْتِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّحْقِيقِ - فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ - أَنَّ التَّحْقِيقَ يَكُونُ لِلرِّيَاضَةِ وَالتَّعْلِيمِ
стр. 339
وَالتَّمْرِينِ وَالتَّرْتِيلَ يَكُونُ لِلتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ وَالِاسْتِنْبَاطِ فَكُلُّ تَحْقِيقٍ تَرْتِيلٌ وَلَيْسَ كُلُّ تَرْتِيلٍ تَحْقِيقًا.
فَصْلٌ
مِنَ الْمُهِمَّاتِ تَجْوِيدُ الْقُرْآنِ وَقَدْ أَفْرَدَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ بِالتَّصْنِيفِ وَمِنْهُمُ الدَّانِيُّ وَغَيْرُهُ أَخْرَجَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: "جَوِّدُوا الْقُرْآنَ ".
قَالَ الْقُرَّاءُ: التَّجْوِيدُ حِلْيَةُ الْقِرَاءَةِ وَهُوَ إِعْطَاءُ الْحُرُوفِ حُقُوقَهَا وَتَرْتِيبَهَا وَرَدُّ الْحَرْفِ إِلَى مَخْرَجِهِ وَأَصْلِهِ وَتَلْطِيفُ النُّطْقِ بِهِ عَلَى كَمَالِ هَيْئَتِهِ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَعَسُّفٍ وَلَا إِفْرَاطٍ وَلَا تَكَلُّفٍ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ﷺ بِقَوْلِهِ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ " - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - وَكَانَ ﵁ قَدْ أُعْطِيَ حَظًّا عَظِيمًا فِي تَجْوِيدِ الْقُرْآنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُمَّةَ كَمَا هُمْ مُتَعَبِّدُونَ بِفَهْمِ مَعَانِي الْقُرْآنِ وَإِقَامَةِ حُدُودِهِ هُمْ مُتَعَبِّدُونَ بِتَصْحِيحِ أَلْفَاظِهِ وَإِقَامَةِ حُرُوفِهِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَلَقَّاةِ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَقَدْ عَدَّ الْعُلَمَاءُ الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِ تَجْوِيدٍ لَحْنًا فَقَسَّمُوا اللَّحْنَ إِلَى جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ فَاللَّحْنُ خَلَلٌ يَطْرَأُ عَلَى الْأَلْفَاظِ فَيُخِلُّ إِلَّا أَنَّ الْجَلِيَّ يُخِلُّ إِخْلَالًا ظَاهِرًا يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ عُلَمَاءُ الْقِرَاءَةِ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ الْخَطَأُ فِي الْإِعْرَابِ وَالْخَفِيَّ يُخِلُّ إِخْلَالًا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ عُلَمَاءُ الْقِرَاءَةِ وَأَئِمَّةُ الْأَدَاءِ الَّذِينَ تَلَقَّوْهُ مِنْ أَفْوَاهِ الْعُلَمَاءِ وَضَبَطُوهُ مِنْ أَلْفَاظِ أَهْلِ الْأَدَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ: وَلَا أَعْلَمُ لِبُلُوغِ النِّهَايَةِ فِي التَّجْوِيدِ مِثْلَ رِيَاضَةِ الْأَلْسُنِ
стр. 340
وَالتَّكْرَارِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُتَلَقَّى مِنْ فَمِ الْمُحَسِّنِ. وَقَاعِدَتُهُ تَرْجِعُ إِلَى مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ الْوَقْفِ وَالْإِمَالَةِ وَالْإِدْغَامِ وَأَحْكَامِ الْهَمْزِ وَالتَّرْقِيقِ وَالتَّفْخِيمِ وَمَخَارِجِ الْحُرُوفِ وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأُوَلُ وَأَمَّا التَّرْقِيقُ فَالْحُرُوفُ الْمُسْتَفِلَةُ كُلُّهَا مُرَقَّقَةٌ لَا يَجُوزُ تَفْخِيمُهَا إِلَّا اللَّامَ مِنِ اسْمِ اللَّهِ بَعْدَ فَتْحَةٍ أَوْ ضَمَّةٍ إِجْمَاعًا أَوْ بَعْدَ حُرُوفِ الْإِطْبَاقِ فِي رِوَايَةٍ إِلَّا الرَّاءَ الْمَضْمُومَةَ أَوِ الْمَفْتُوحَةَ مُطْلَقًا أَوِ السَّاكِنَةَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ. وَالْحُرُوفُ الْمُسْتَعْلِيَةُ كُلُّهَا مُفَخَّمَةٌ لَا يُسْتَثْنَى مِنْهَا شَيْءٌ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ.
وَأَمَّا مَخَارِجُ الْحُرُوفِ فَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْقُرَّاءِ وَمُتَقَدِّمِي النُّحَاةِ كَالْخَلِيلِ أَنَّهَا سَبْعَةَ عَشَرَ.
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ: سِتَّةَ عَشَرَ فَأَسْقَطُوا مَخْرَجَ الْحُرُوفِ الْجَوْفِيَّةِ وَهِيَ حُرُوفُ الْمَدِّ وَاللِّينِ وَجَعَلُوا مَخْرَجَ الْأَلِفِ مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ وَالْوَاوِ مِنْ مَخْرَجِ الْمُتَحَرِّكَةِ وَكَذَا الْيَاءُ.
وَقَالَ قَوْمٌ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَأَسْقَطُوا مَخْرَجَ النُّونِ وَاللَّامِ وَالرَّاءِ وَجَعَلُوهَا مِنْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَكُلُّ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ وَإِلَّا فَلِكُلِّ حَرْفٍ مَخْرَجٌ عَلَى حدة.
قال القراء: واختيار مَخْرَجِ الْحَرْفِ مُحَقَّقًا أَنْ تَلْفِظَ بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ وَتَأْتِيَ بِالْحَرْفِ بَعْدَهُ سَاكِنًا أَوْ مُشَدَّدًا وَهُوَ أَبْيَنُ مُلَاحِظًا فِيهِ صِفَاتِ ذَلِكَ الْحَرْفِ:
стр. 341
الْمَخْرَجُ الْأَوَّلُ: الْجَوْفُ لِلْأَلِفِ وَالْوَاوِ وَالْيَاءِ السَّاكِنَتَيْنِ بَعْدَ حَرَكَةٍ تُجَانِسُهُمَا.
الثَّانِي: أَقْصَى الْحَلْقِ لِلْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ.
الثَّالِثُ: وَسَطُهُ لِلْعَيْنِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ.
الرَّابِعُ: أَدْنَاهُ لِلْفَمِ لِلْغَيْنِ وَالْخَاءِ.
الْخَامِسُ: أَقْصَى اللِّسَانِ مِمَّا يَلِي الْحَلْقَ وَمَا فَوْقَهُ مِنَ الْحَنَكِ لِلْقَافِ.
السَّادِسُ: أَقْصَاهُ مِنْ أَسْفَلِ مَخْرَجِ الْقَافِ قَلِيلًا وَمَا يَلِيهِ مِنَ الْحَنَكِ لِلْكَافِ.
السَّابِعُ: وَسَطُهُ بينه وبين وسط الحنك الجيم وَالشِّينِ وَالْيَاءِ.
الثَّامِنُ: لِلضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ أَوَّلِ حَافَّةِ اللِّسَانِ وَمَا يَلِيهِ مِنَ الْأَضْرَاسِ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ وَقِيلَ الْأَيْمَنِ. التَّاسِعُ: اللَّامُ مِنْ حَافَةِ اللِّسَانِ مِنْ أَدْنَاهَا إِلَى مُنْتَهَى طَرَفِهِ وَمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا يَلِيهَا مِنَ الْحَنَكِ الْأَعْلَى. الْعَاشِرُ: لِلنُّونِ مِنْ طَرَفِهِ أَسْفَلَ اللَّامِ قَلِيلًا.
الْحَادِيَ عَشَرَ: لِلرَّاءِ مِنْ مَخْرَجِ النُّونِ لَكِنَّهَا أَدْخَلُ فِي ظَهْرِ اللِّسَانِ.
стр. 342
الثَّانِيَ عَشَرَ: لِلطَّاءِ وَالدَّالِ وَالتَّاءِ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ وَأُصُولِ الثَّنَايَا العلياء مُصْعِدًا إِلَى جِهَةِ الْحَنَكِ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: الْحَرْفُ الصغير الصاد والسين والزاء مِنْ بَيْنِ طَرَفِ اللِّسَانِ وَفُوَيْقَ الثَّنَايَا السُّفْلَى.
الرَّابِعَ عَشَرَ: لِلظَّاءِ وَالثَّاءِ وَالذَّالِ مِنْ بَيْنِ طَرَفِهِ وأطراف الثنايا العلياء.
الْخَامِسَ عَشَرَ: لِلْفَاءِ مِنْ بَاطِنِ الشَّفَةِ السُّفْلَى واطراف الثنايا العلياء.
السَّادِسَ عَشَرَ لِلْبَاءِ وَالْمِيمِ وَالْوَاوِ غَيْرِ الْمَدِّيَّةِ بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ
السَّابِعَ عَشَرَ الْخَيْشُومُ لِلْغُنَّةِ فِي الْإِدْغَامِ والنون أوالميم السَّاكِنَةِ.
قَالَ فِي النَّشْرِ: فَالْهَمْزَةُ وَالْهَاءُ اشْتَرَكَا مَخْرَجًا وَانْفِتَاحًا وَاسْتِفَالًا وَانْفَرَدَتِ الْهَمْزَةُ بِالْجَهْرِ وَالشِّدَّةِ وَالْعَيْنُ وَالْحَاءُ اشْتَرَكَا كَذَلِكَ وَانْفَرَدَتِ الْحَاءُ بِالْهَمْسِ وَالرَّخَاوَةِ الْخَالِصَةِ. وَالْغَيْنُ وَالْخَاءُ اشْتَرَكَا مَخْرَجًا وَرَخَاوَةً وَاسْتِعْلَاءً وَانْفِتَاحًا وَانْفَرَدَتِ الْغَيْنُ بِالْجَهْرِ. وَالْجِيمُ وَالشِّينُ وَالْيَاءُ اشْتَرَكَتْ مَخْرَجًا وَانْفِتَاحًا وَاسْتِفَالًا وَانْفَرَدَتِ الْجِيمُ بالشدة وَاشْتَرَكَتْ مَعَ الْيَاءِ فِي الْجَهْرِ وَانْفَرَدَتِ الشِّينُ بِالْهَمْسِ وَالتَّفَشِّي وَاشْتَرَكَتْ مَعَ الْيَاءِ فِي الرَّخَاوَةِ. وَالضَّادُ وَالظَّاءُ اشْتَرَكَا صِفَةً جَهْرًا وَرَخَاوَةً وَاسْتِعْلَاءً وَإِطْبَاقًا وَافْتَرَقَا
стр. 343
مَخْرَجًا وَانْفَرَدَتِ الضَّادُ بِالِاسْتِطَالَةِ. وَالطَّاءُ وَالدَّالُ وَالتَّاءُ اشْتَرَكَتْ مَخْرَجًا وَشِدَّةً وَانْفَرَدَتِ الطَّاءُ بِالْإِطْبَاقِ وَالِاسْتِعْلَاءِ وَاشْتَرَكَتْ مَعَ الدَّالِ فِي الْجَهْرِ وَانْفَرَدَتِ التَّاءُ بِالْهَمْسِ وَاشْتَرَكَتْ مَعَ الدَّالِ فِي الِانْفِتَاحِ وَالِاسْتِفَالِ.
وَالظَّاءُ وَالذَّالُ وَالثَّاءُ اشْتَرَكَتْ مَخْرَجًا وَرَخَاوَةً وَانْفَرَدَتِ الظَّاءُ بِالِاسْتِعْلَاءِ وَالْإِطْبَاقِ وَاشْتَرَكَتْ مَعَ الذَّالِ فِي الْجَهْرِ وَانْفَرَدَتِ الثَّاءُ بِالْهَمْسِ وَاشْتَرَكَتْ مَعَ الذَّالِ انْفِتَاحًا وَاسْتِفَالًا. وَالصَّادُ وَالزَّايُ وَالسِّينُ اشْتَرَكَتْ مَخْرَجًا وَرَخَاوَةً وَصَفِيرًا وَانْفَرَدَتِ الصَّادُ بِالْإِطْبَاقِ وَالِاسْتِعْلَاءِ وَاشْتَرَكَتْ مَعَ السِّينِ فِي الْهَمْسِ وَانْفَرَدَتِ الزَّايُ بِالْجَهْرِ وَاشْتَرَكَتْ مَعَ السِّينِ فِي الِانْفِتَاحِ وَالِاسْتِفَالِ فَإِذَا أَحْكَمَ الْقَارِئُ النُّطْقَ بِكُلِّ حَرْفٍ عَلَى حِدَتِهِ مُوَفًّى حَقَّهُ فَلْيُعْمِلْ نَفْسَهُ بِإِحْكَامِهِ حَالَةَ التَّرْكِيبِ لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَنِ التَّرْكِيبِ مَا لَمْ يَكُنْ حَالَةَ الْإِفْرَادِ بِحَسَبِ مَا يُجَاوِرُهَا مِنْ مُجَانِسٍ وَمُقَارِبٍ وَقَوِيٍّ وَضَعِيفٍ وَمُفَخَّمٍ وَمُرَقَّقٍ فَيَجْذِبُ الْقَوِيُّ الضَّعِيفَ وَيَغْلِبُ الْمُفَخَّمُ الْمُرَقَّقَ وَيَصْعُبُ عَلَى اللِّسَانِ النُّطْقُ بِذَلِكَ عَلَى حَقِّهِ إِلَّا بِالرِّيَاضَةِ الشَّدِيدَةِ: فَمَنْ أَحْكَمَ صِحَّةَ التَّلَفُّظِ حَالَةَ التَّرْكِيبِ حَصَّلَ حَقِيقَةَ التَّجْوِيدِ.
وَمِنْ قَصِيدَةِ الشَّيْخِ عَلَمِ الدِّينِ فِي التَّجْوِيدِ - وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْتُ:
لَا تَحْسَبِ التَّجْوِيدَ مَدًّا مُفْرِطًا
أَوْ مَدَّ مَا لَا مَدَّ فِيهِ لِوَانِ
أَوْ أَنْ تُشَدِّدَ بَعْدَ مَدٍّ هَمْزَةً
أَوْ أَنْ تَلُوكَ الْحَرْفَ كَالسَّكْرَانِ
أَوْ أَنْ تَفُوهَ بِهَمْزَةٍ مُتَهَوِّعًا
فَيَفِرُّ سَامِعُهَا مِنَ الْغَثَيَانِ
لِلْحَرْفِ مِيزَانٌ فَلَا تَكُ طَاغِيًا
فِيهِ وَلَا تَكُ مُخْسِرَ الْمِيزَانِ
стр. 344
فإذا همزت فجيء بِهِ مُتَلَطِّفًا
مِنْ غَيْرِ مَا بُهْرٍ وَغَيْرِ تَوَانِ
وَامْدُدْ حُرُوفَ الْمَدِّ عِنْدَ مُسَكَّنٍ
أَوْ هَمْزَةٍ حَسَنًا أَخَا إِحْسَانِ
فَائِدَةٌ
قَالَ فِي جَمَالِ الْقُرَّاءِ: قَدْ ابْتَدَعَ النَّاسُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَصْوَاتَ الْغِنَاءِ وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا غُنِّيَ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ ،نَقَلُوا ذَلِكَ مِنْ تَغَنِّيهِمْ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَمَّا الْقَطَاةُ فَإِنِّي سَوْفَ أَنْعَتُهَا
نَعْتًا يُوَافِقُ عِنْدِي بَعْضَ مَا فِيهَا
وَقَدْ قَالَ ﷺ فِي هَؤُلَاءِ: "مَفْتُونَةٌ قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ مَنْ يُعْجِبُهُمْ شَأْنُهُمْ ".
وَمِمَّا ابْتَدَعُوهُ شَيْءٌ سَمَّوْهُ التَّرْعِيدَ وَهُوَ أَنْ يُرْعِدَ صَوْتَهُ كَالَّذِي يُرْعِدُ مِنْ بَرْدٍ أَوْ ألم.
وآخره سَمَّوْهُ التَّرْقِيصَ وَهُوَ أَنْ يَرُومَ السكون عَلَى السَّاكِنِ ثُمَّ يَنْفِرُ مَعَ الْحَرَكَةِ كَأَنَّهُ فِي عَدْوٍ أَوْ هَرْوَلَةٍ.
وَآخَرُ يُسَمَّى التَّطْرِيبَ وَهُوَ أَنْ يَتَرَنَّمَ بِالْقُرْآنِ وَيَتَنَغَّمَ بِهِ فَيَمُدَّ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِ الْمَدِّ وَيَزِيدَ فِي الْمَدِّ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي.
وَآخَرُ يُسَمَّى التَّحْزِينَ وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى وَجْهٍ حَزِينٍ يَكَادُ يَبْكِي مَعَ خُشُوعٍ وَخُضُوعٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ نَوْعٌ أَحْدَثَهُ هؤلاء الذين يجتمعون فيقرؤون كُلُّهُمْ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ فَيَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ " أَفَلَ تعقلون " بحذف الألف،
стр. 345
وقال: ﴿آمَنَّا﴾ بِحَذْفِ الْوَاوِ وَيَمُدُّونَ مَا لَا يُمَدُّ لِيَسْتَقِيمَ لَهُمُ الطَّرِيقُ الَّتِي سَلَكُوهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى التَّحْرِيفَ. انْتَهَى.
فَصْلٌ: فِي كَيْفِيَّةِ الْأَخْذِ بِإِفْرَادِ الْقِرَاءَاتِ وَجَمْعِهَا
الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ أَخْذُ كُلِّ خَتْمَةٍ بِرِوَايَةٍ لَا يَجْمَعُونَ رِوَايَةً إِلَى غَيْرِهَا إِلَّا أَثْنَاءَ الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ فَظَهَرَ جَمْعُ الْقِرَاءَاتِ فِي الْخَتْمَةِ الْوَاحِدَةِ وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ، الْعَمَلُ وَلَمْ يَكُونُوا يَسْمَحُونَ بِهِ إِلَّا لِمَنْ أَفْرَدَ الْقِرَاءَاتِ وَأَتْقَنَ طُرُقَهَا وَقَرَأَ لِكُلِّ قَارِئٍ بِخَتْمَةٍ عَلَى حِدَةٍ بَلْ إِذَا كَانَ لِلشَّيْخِ روايات قرؤوا لِكُلِّ رَاوٍ بِخَتْمَةٍ ثُمَّ يَجْمَعُونَ لَهُ وَهَكَذَا.
وَتَسَاهَلَ قَوْمٌ فَسَمَحُوا أَنْ يَقْرَأَ لِكُلِّ قَارِئٍ مِنَ السَّبْعَةِ بِخَتْمَةٍ سِوَى نَافِعٍ وَحَمْزَةَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ بِخَتْمَةٍ لِقَالُونَ ثُمَّ خَتْمَةٍ لِوَرْشٍ ثُمَّ خَتْمَةٍ لِخَلَفٍ ثُمَّ خَتْمَةٍ لِخَلَّادٍ وَلَا يَسْمَحُ أَحَدٌ بِالْجَمْعِ إِلَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَعَمْ إِذَا رَأَوْا شَخْصًا أَفْرَدَ وَجَمَعَ عَلَى شَيْخٍ مُعْتَبَرٍ وَأُجِيزَ وَتَأَهَّلَ وَأَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ الْقِرَاءَاتِ فِي خَتْمَةٍ لَا يُكَلِّفُونَهُ الْإِفْرَادَ لِعِلْمِهِمْ بِوُصُولِهِ إِلَى حَدِّ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِتْقَانِ. ثُمَّ لَهُمْ فِي الْجَمْعِ مَذْهَبَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْجَمْعُ بِالْحَرْفِ بِأَنْ يَشْرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ فَإِذَا مَرَّ بِكَلِمَةٍ فِيهَا خُلْفٌ أَعَادَهَا بِمُفْرَدِهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَا فِيهَا ثُمَّ يَقِفَ عَلَيْهَا إِنَّ صَلَحَتْ لِلْوَقْفِ وَإِلَّا وَصَلَهَا بِآخِرِ وَجْهٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْوَقْفِ. وَإِنْ كَانَ الْخُلْفُ يَتَعَلَّقُ بِكَلِمَتَيْنِ كَالْمَدِّ الْمُنْفَصِلِ وَقَفَ عَلَى الثَّانِيَةِ وَاسْتَوْعَبَ الْخِلَافَ وَانْتَقَلَ إِلَى
стр. 346
مَا بَعْدَهَا وَهَذَا مَذْهَبُ الْمِصْرِيِّينَ وَهُوَ أَوْثَقُ فِي الِاسْتِيفَاءِ وَأَخَفُّ عَلَى الْآخِذِ لَكِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ رَوْنَقِ الْقِرَاءَةِ وَحُسْنِ التِّلَاوَةِ.
الثَّانِي: الْجَمْعُ بِالْوَقْفِ بِأَنْ يَشْرَعَ بِقِرَاءَةِ مَنْ قَدَّمَهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى وَقْفٍ ثُمَّ يَعُودَ إِلَى الْقَارِئِ الَّذِي بَعْدَهُ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْفِ ثُمَّ يَعُودَ وَهَكَذَا حَتَّى يَفْرُغَ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّامِيِّينَ وَهُوَ أَشَدُّ اسْتِحْضَارًا وَأَشَدُّ اسْتِظْهَارًا وَأَطْوَلُ زَمَنًا وَأَجْوَدُ مَكَانًا وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَجْمَعُ بِالْآيَةِ عَلَى هَذَا الرَّسْمِ وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَيْجَاطِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ وشرحها: الجامع الْقِرَاءَاتِ شُرُوطًا سَبْعَةً حَاصِلُهَا خَمْسَةٌ:
أَحَدُهَا: حُسْنُ الْوَقْفِ.
ثَانِيهَا: حُسْنُ الِابْتِدَاءِ.
ثَالِثُهَا: حُسْنُ الْأَدَاءِ.
رَابِعُهَا: عَدَمُ التَّرْكِيبِ، فَإِذَا قَرَأَ لِقَارِئٍ لَا يَنْتَقِلُ إِلَى قِرَاءَةِ غَيْرِهِ حَتَّى يُتِمَّ مَا فِيهَا فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَدَعْهُ الشَّيْخُ بَلْ يُشِيرُ إِلَيْهِ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَفَطَّنْ قَالَ: لَمْ تَصِلْ فَإِنْ لَمْ يَتَفَطَّنْ مَكَثَ حَتَّى يَتَذَكَّرَ فَإِنْ عَجَزَ ذَكَرَ لَهُ. الْخَامِسُ: رِعَايَةُ التَّرْتِيبِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالِابْتِدَاءُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمُؤَلِّفُونَ فِي كُتُبِهِمْ فَيَبْدَأُ بِنَافِعٍ قَبْلَ ابْنِ كَثِيرٍ وَبِقَالُونَ قَبْلَ وَرْشٍ.
قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ: وَالصَّوَابُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ مُسْتَحَبٌّ بَلِ الَّذِينَ أَدْرَكْنَاهُمْ مِنَ الْأُسْتَاذَيْنِ لَا يَعُدُّونَ الْمَاهِرَ إِلَّا مَنْ يَلْتَزِمُ تَقْدِيمَ شَخْصٍ
стр. 347
بِعَيْنِهِ وَبَعْضُهُمْ كَانَ يُرَاعِي فِي الْجَمْعِ التَّنَاسُبَ فَيَبْدَأُ بِالْقَصْرِ ثُمَّ بِالرُّتْبَةِ الَّتِي فَوْقَهُ وَهَكَذَا إِلَى آخِرِ مَرَاتِبِ الْمَدِّ وَيَبْدَأُ بِالْمُشْبَعِ ثُمَّ بِمَا دُونَهُ إِلَى الْقَصْرِ وَإِنَّمَا يُسْلَكُ ذَلِكَ مَعَ شَيْخٍ بَارِعٍ عَظِيمِ الِاسْتِحْضَارِ أَمَّا غَيْرُهُ فَيُسْلَكُ مَعَهُ تَرْتِيبٌ وَاحِدٌ.
قَالَ: وَعَلَى الْجَامِعِ أَنْ يَنْظُرَ مَا فِي الْأَحْرُفِ مِنَ الْخِلَافِ أُصُولًا وَفَرْشًا فَمَا أَمْكَنَ فِيهِ التَّدَاخُلُ اكْتُفِيَ مِنْهُ بِوَجْهٍ وَمَا لَمْ يُمْكِنْ فِيهِ نُظِرَ فَإِنْ أَمْكَنَ عَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ بِكَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ غَيْرِ تَخْلِيطٍ وَلَا تَرْكِيبٍ اعْتَمَدَهُ وَإِنْ لَمْ يَحْسُنْ عَطْفُهُ رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِ ابْتِدَائِهِ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ الْأَوْجُهَ كُلَّهَا مِنْ غَيْرِ إِهْمَالٍ وَلَا تَرْكِيبٍ وَلَا إِعَادَةِ مَا دَخَلَ فَإِنَّ الْأَوَّلَ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مَكْرُوهٌ وَالثَّالِثَ مَعِيبٌ.
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالتَّلْفِيقِ وَخَلْطُ قِرَاءَةٍ بِأُخْرَى فَسَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي النَّوْعِ الَّذِي يَلِي هَذَا.
وَأَمَّا الْقِرَاءَاتُ وَالرِّوَايَاتُ وَالطُّرُقُ وَالْأَوْجُهُ فَلَيْسَ لِلْقَارِئِ أَنْ يَدَعَ مِنْهَا شَيْئًا أَوْ يُخِلَّ بِهِ فَإِنَّهُ خَلَلٌ فِي إِكْمَالِ الرِّوَايَةِ إِلَّا الْأَوْجُهَ فَإِنَّهَا عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ فَأَيُّ وَجْهٍ أَتَى بِهِ أَجْزَأَهُ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ.
وَأَمَّا قَدْرُ مَا يُقْرَأُ حَالَ الْأَخْذِ فَقَدْ كَانَ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ لَا يَزِيدُونَ عَلَى عَشْرِ آيَاتٍ لِكَائِنٍ مَنْ كَانَ وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَرَأَوْهُ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْآخِذِ.
قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ: والذي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ الْأَخْذُ فِي الْإِفْرَادِ بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَفِي الْجَمْعِ بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَلَمْ يَحُدَّ لَهُ آخَرُونَ حَدًّا وَهُوَ اخْتِيَارُ السَّخَاوِيِّ.
стр. 348
وَقَدْ لَخَّصْتُ هَذَا النَّوْعَ وَرَتَّبْتُ فِيهِ مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَاتِ وَهُوَ نَوْعٌ مُهِمٌّ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْقَارِئُ كَاحْتِيَاجِ الْمُحَدِّثِ إِلَى مِثْلِهِ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ.
فَائِدَةٌ
ادَّعَى ابْنُ خَيْرٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْقُلَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ رِوَايَةٌ وَلَوْ بِالْإِجَازَةِ فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُ الْقُرْآنِ كَذَلِكَ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْقُلَ آيَةً أَوْ يَقْرَأَهَا مَا لَمْ يَقْرَأْهَا عَلَى شَيْخٍ؟ لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَقْلًا وَلِذَلِكَ وَجْهٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي أَدَاءِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ. وَلِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِيهِ وَجْهٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا هُوَ لِخَوْفِ أَنْ يُدْخَلَ فِي الْحَدِيثِ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَوْ يُتَقَوَّلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْهُ وَالْقُرْآنُ مَحْفُوظٌ مُتَلَقًّى مُتَدَاوَلٌ مُيَسَّرٌ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
فَائِدَةٌ ثَانِيَةٌ:
الْإِجَازَةُ مِنَ الشَّيْخِ غَيْرُ شَرْطٍ فِي جَوَازِ التَّصَدِّي لِلْإِقْرَاءِ وَالْإِفَادَةِ فَمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْأَهْلِيَّةَ جَازَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ أَحَدٌ وَعَلَى ذَلِكَ السَّلَفُ الْأَوَّلُونَ وَالصَّدْرُ الصَّالِحُ وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ عِلْمٍ وَفِي الْإِقْرَاءِ وَالْإِفْتَاءِ خِلَافًا لِمَا يَتَوَهَّمُهُ الْأَغْبِيَاءُ مِنِ اعْتِقَادِ كَوْنِهَا شَرْطًا. وَإِنَّمَا اصْطَلَحَ النَّاسُ عَلَى الْإِجَازَةِ لِأَنَّ أَهْلِيَّةَ الشَّخْصِ لَا يَعْلَمُهَا غَالِبًا مَنْ يُرِيدُ الْأَخْذَ عَنْهُ مِنَ الْمُبْتَدِئِينَ وَنَحْوِهِمْ لِقُصُورِ مَقَامِهِمْ عَنْ ذَلِكَ وَالْبَحْثُ عَنِ الْأَهْلِيَّةِ قَبْلَ الْأَخْذِ شَرْطٌ فَجُعِلَتِ الْإِجَازَةُ كَالشَّهَادَةِ مِنَ الشَّيْخِ لِلْمُجَازِ بِالْأَهْلِيَّةِ.
стр. 349
فَائِدَةٌ ثَالِثَةٌ
مَا اعْتَادَهُ كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِ الْقُرَّاءِ مِنِ امْتِنَاعِهِمْ مِنَ الْإِجَازَةِ إِلَّا بِأَخْذِ مَالٍ فِي مُقَابِلِهَا لَا يَجُوزُ إِجْمَاعًا بَلْ إِنْ عَلِمَ أَهْلِيَّتَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِجَازَةُ أَوْ عَدَمَهَا حَرُمَ عَلَيْهِ وَلَيْسَتِ الْإِجَازَةُ مِمَّا يُقَابَلُ بِالْمَالِ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ عَنْهَا وَلَا الْأُجْرَةُ عَلَيْهَا. وَفِي فَتَاوَى الصَّدْرِ مَوْهُوبٌ الْجَزَرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَيْخٍ طَلَبَ مِنَ الطَّالِبِ شَيْئًا عَلَى إِجَازَتِهِ فَهَلْ لِلطَّالِبِ رَفْعُهُ إِلَى الْحَاكِمِ وَإِجْبَارُهُ عَلَى الْإِجَازَةِ؟ فَأَجَابَ: لَا تَجِبُ الْإِجَازَةُ عَلَى الشَّيْخِ وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا.
وَسُئِلَ أَيْضًا عَنْ رَجُلٍ أَجَازَهُ الشَّيْخُ بِالْإِقْرَاءِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَا دِينَ لَهُ وَخَافَ الشَّيْخُ مِنْ تَفْرِيطِهِ فَهَلْ لَهُ النُّزُولُ عَنِ الْإِجَازَةِ: فَأَجَابَ لَا تَبْطُلُ الْإِجَازَةُ بِكَوْنِهِ غَيْرَ دَيِّنٍ. وَأَمَّا أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى التَّعْلِيمِ فَجَائِزٌ فَفِي الْبُخَارِيِّ: "إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ " وَقِيلَ: إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ وَاخْتَارَهُ الْحَلِيمِيُّ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ عَلَّمَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ فَأَهْدَى لَهُ قَوْسًا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنْ سَرَّكَ أَنْ تُطَوَّقَ بِهَا طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا ".
وَأَجَابَ مَنْ جَوَّزَهُ بِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالًا وَلِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِتَعْلِيمِهِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ثُمَّ أَهْدَى إِلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَخْذُ بِخِلَافِ مَنْ يَعْقِدُ مَعَهُ إِجَارَةً قَبْلَ التَّعْلِيمِ.
стр. 350
وَفِي الْبُسْتَانِ لِأَبِي اللَّيْثِ: التَّعْلِيمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: لِلْحِسْبَةِ وَلَا يَأْخُذُ بِهِ عِوَضًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يُعَلِّمَ بِالْأُجْرَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُعَلِّمَ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَإِذَا أُهْدِيَ إِلَيْهِ قَبِلَ.
فَالْأَوَّلُ مَأْجُورٌ وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالثَّانِي مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَالْأَرْجَحُ الْجَوَازُ وَالثَّالِثُ يَجُوزُ إِجْمَاعًا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مُعَلِّمًا لِلْخَلْقِ وَكَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ.
فَائِدَةٌ رَابِعَةٌ
كَانَ ابْنُ بُصْحَانَ إِذَا رَدَّ عَلَى الْقَارِئِ شَيْئًا فَاتَهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ كَتَبَهُ عَلَيْهِ عِنْدَهُ فَإِذَا أَكْمَلَ الْخَتْمَةَ وَطَلَبَ الْإِجَازَةَ سَأَلَهُ عَنْ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ فَإِنْ عَرَفَهَا أَجَازَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ يَجْمَعُ خَتْمَةً أُخْرَى.
فَائِدَةٌ أُخْرَى
عَلَى مُرِيدِ تَحْقِيقِ الْقِرَاءَاتِ وَإِحْكَامِ تِلَاوَةِ الْحُرُوفِ أَنْ يَحْفَظَ كِتَابًا كَامِلًا يَسْتَحْضِرُ بِهِ اختلاف القراءة وتميز الْخِلَافِ الْوَاجِبِ مِنَ الْخِلَافِ الْجَائِزِ.
стр. 351
فَائِدَةٌ أُخْرَى
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ كَرَامَةٌ أَكْرَمَ اللَّهُ بِهَا الْبَشَرَ فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ يُعْطُوا ذَلِكَ وَأَنَّهَا حَرِيصَةٌ لِذَلِكَ عَلَى اسْتِمَاعِهِ مِنَ الْإِنْسِ.
стр. 352
النَّوْعُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي آدَابِ تِلَاوَتِهِ وَتَالِيهِ
أَفْرَدَهُ بِالتَّصْنِيفِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَفِي الْأَذْكَارِ جُمْلَةً مِنَ الْآدَابِ وَأَنَا أُلَخِّصُهَا هُنَا وَأَزِيدُ عَلَيْهَا أَضْعَافَهَا وَأُفَصِّلُهَا مَسْأَلَةً مَسْأَلَةً لِيَسْهُلَ تَنَاوُلُهَا.
مَسْأَلَةٌ
يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتِلَاوَتِهِ قَالَ تَعَالَى مُثْنِيًا عَلَى مَنْ كَانَ ذَلِكَ دأبه ﴿تْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْل﴾ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ".
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا".
وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "يَقُولُ الرَّبُّ مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ ".
стр. 353
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أمامة: "اقرؤوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ ".
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: "الْبَيْتُ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ يَتَرَاءَى لِأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا تَتَرَاءَى النُّجُومُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ ".
وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: "نَوِّرُوا مَنَازِلَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ".
وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: "أَفْضَلُ عِبَادَةِ أُمَّتِي قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ".
وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: "كُلُّ مُؤْدِبٍ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى مَأْدُبَتُهُ وَمَأْدُبَةُ اللَّهِ الْقُرْآنُ فَلَا تَهْجُرُوهُ".
وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدَةَ الْمَكِّيِّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا: "يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ لَا تَتَوَسَّدُوا الْقُرْآنَ وَاتْلُوهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَفْشُوهُ وَتَدَبَّرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ".
وَقَدْ كَانَ لِلسَّلَفِ فِي قَدْرِ الْقِرَاءَةِ عَادَاتٌ فَأَكْثَرُ مَا وَرَدَ فِي كَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ: "مَنْ كَانَ يَخْتِمُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ثَمَانِيَ خَتَمَاتٍ: أَرْبَعًا فِي اللَّيْلِ وَأَرْبَعًا فِي النَّهَارِ "،وَيَلِيهِ: "مَنْ كَانَ يَخْتِمُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَرْبَعًا "، وَيَلِيهِ ثَلَاثًا وَيَلِيهِ ختمين وَيَلِيهِ خَتْمَةً.
وَقَدْ ذَمَّتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مِخْرَاقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: إِنَّ رِجَالًا يَقْرَأُ أَحَدُهُمُ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَقَالَتْ: قرؤوا ولم يقرؤوا كُنْتُ أَقُومُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ التَّمَامِ فَيَقْرَأُ بِالْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءِ فَلَا يَمُرُّ بِآيَةٍ فِيهَا اسْتِبْشَارٌ إِلَّا دَعَا وَرَغِبَ وَلَا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ إِلَّا دَعَا وَاسْتَعَاذَ.
стр. 354
وَيْلِي ذَلِكَ مَنْ كَانَ يَخْتِمُ فِي لَيْلَتَيْنِ وَيَلِيهِ مَنْ كَانَ يَخْتِمُ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ وَهُوَ حَسَنٌ.
وَكَرِهَ جَمَاعَاتٌ الْخَتْمَ فِي أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: "لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أقل من ثلاث ".
وأخرج ابن دَاوُدَ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا: "قَالَ لَا تقرؤوا الْقُرْآنَ فِي أَقَلِّ مِنْ ثَلَاثٍ ".
وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقْرَأَ الْقُرْآنُ فِي أَقَلِّ مِنْ ثَلَاثٍ.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُنْذِرِ - وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ – قَالَ: قُلْتُ: يا رسول الله ﷺ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي ثَلَاثٍ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنِ اسْتَطَعْتَ.
وَيَلِيهِ: مَنْ خَتَمَ فِي أَرْبَعٍ ثُمَّ فِي خَمْسٍ ثُمَّ فِي سِتٍّ ثُمَّ فِي سَبْعٍ وَهَذَا أَوْسَطُ الْأُمُورِ وَأَحْسَنُهَا وَهُوَ فِعْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ.
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْرَأِ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً قَالَ: أَقْرَأْهُ فِي عَشْرٍ قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً قَالَ: اقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ".
وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ - وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ - أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَمْ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: فِي خَمْسَةَ عَشَرَ قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُنِي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ قَالَ: اقْرَأْهُ فِي جُمُعَةٍ.
وَيْلِي ذَلِكَ: مَنْ خَتَمَ فِي ثَمَانٍ ثُمَّ فِي عَشْرٍ ثُمَّ فِي شَهْرٍ ثُمَّ فِي شَهْرَيْنِ.
стр. 355
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: كَانَ أَقْوِيَاءُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يقرؤون الْقُرْآنَ فِي سَبْعٍ وَبَعْضُهُمْ فِي شَهْرٍ وَبَعْضُهُمْ فِي شَهْرَيْنِ وَبَعْضُهُمْ فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ فِي الْبُسْتَانِ: يَنْبَغِي لِلْقَارِئِ أَنْ يَخْتِمَ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الزِّيَادَةِ.
وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ فَقَدْ أَدَّى حقه لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى جِبْرِيلَ فِي السَّنَةِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا مَرَّتَيْنِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يُكْرَهُ تَأْخِيرُ خَتْمِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا بِلَا عُذْرٍ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فِي كَمْ نَخْتِمُ الْقُرْآنَ قَالَ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: الْمُخْتَارُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ فَمَنْ كَانَ يَظْهَرُ لَهُ بِدَقِيقِ الْفِكْرِ لَطَائِفُ وَمَعَارِفُ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى قَدْرٍ يَحْصُلُ لَهُ مَعَهُ كَمَالُ فَهْمِ مَا يَقْرَأُ وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مَشْغُولًا بِنَشْرِ الْعِلْمِ أَوْ فَصْلِ الْحُكُومَاتِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ وَالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى قَدْرٍ لَا يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ إِخْلَالٌ بِمَا هُوَ مُرْصَدٌ لَهُ وَلَا فَوَاتُ كَمَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ فَلْيَسْتَكْثِرْ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ إِلَى حَدِّ الْمَلَلِ أَوِ الْهَذْرَمَةِ فِي الْقِرَاءَةِ.
следующие страницы →