Полный текст (1 459 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي مَعْرِفَةِ الْوُجُوهِ وَالنَّظَائِرِ
صَنَّفَ فِيهَا قَدِيمًا مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَابْنُ الدَّامِغَانِيِّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْمِصْرِيُّ وَابْنُ فَارِسٍ وَآخَرُونَ.
فَالْوُجُوهُ لِلَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي عِدَّةِ مَعَانٍ كَلَفْظِ الْأُمَّةِ وَقَدْ أَفْرَدْتُ فِي هَذَا الْفَنِّ كِتَابًا سَمَّيْتُهُ " مُعْتَرَكُ الْأَقْرَانِ فِي مُشْتَرَكِ الْقُرْآنِ ".
وَالنَّظَائِرُ كَالْأَلْفَاظِ الْمُتَوَاطِئَةِ. وَقِيلَ: النَّظَائِرُ فِي اللَّفْظِ وَالْوُجُوهُ فِي الْمَعَانِي وَضُعِّفَ لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذَا لَكَانَ الْجَمْعُ فِي الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ وَهُمْ يَذْكُرُونَ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ اللَّفْظَ الَّذِي مَعْنَاهُ وَاحِدٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ فَيَجْعَلُونَ الْوُجُوهَ نَوْعًا لِأَقْسَامٍ وَالنَّظَائِرَ نَوْعًا آخَرَ.
وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ مُعْجِزَاتِ الْقُرْآنِ حَيْثُ كَانَتِ الْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ تَنْصَرِفُ إِلَى عِشْرِينَ وَجْهًا وَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْبَشَرِ.
وَذَكَرَ مُقَاتِلٌ فِي صَدْرِ كِتَابِهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا: "لَا يَكُونُ الرَّجُلُ فَقِيهًا كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَرَى لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا كَثِيرَةً ".
قُلْتُ: هَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَوْقُوفًا وَلَفْظُهُ: "لَا يَفْقَهُ الرَّجُلُ كُلَّ الْفِقْهِ ": وَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَرَى اللَّفْظَ الْوَاحِدَ يَحْتَمِلُ مَعَانِيَ مُتَعَدِّدَةً فَيَحْمِلَهُ عَلَيْهَا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُتَضَادَّةٍ وَلَا يَقْتَصِرُ بِهِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ.
стр. 527
وَأَشَارَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ اسْتِعْمَالُ الْإِشَارَاتِ الْبَاطِنَةِ وَعَدَمُ الِاقْتِصَارِ عَلَى التَّفْسِيرِ الظَّاهِرِ
، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرٍ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تَفْقَهَ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى تَرَى لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا ".
قَالَ حَمَّادٌ: فَقُلْتُ لِأَيُّوبَ: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ: "حَتَّى تَرَى لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا " أَهُوَ أَنْ يَرَى لَهُ وُجُوهًا فَيَهَابُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ هَذَا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَرْسَلَهُ إِلَى الْخَوَارِجِ فَقَالَ: "اذْهَبْ إِلَيْهِمْ فَخَاصِمْهُمْ وَلَا تُحَاجَّهُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ ذُو وُجُوهٍ وَلَكِنْ خَاصِمْهُمْ بِالسُّنَّةِ ".
وَأَخْرَجَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنَا أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْهُمْ فِي بُيُوتِنَا نَزَلَ قَالَ: صَدَقْتَ وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ تَقُولُ وَيَقُولُونَ وَلَكِنْ خَاصِمْهُمْ بِالسُّنَنِ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْهَا مَحِيصًا فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَخَاصَمَهُمْ بِالسُّنَنِ فَلَمْ تَبْقَ بِأَيْدِيهِمْ حُجَّةٌ.
وَهَذِهِ عُيُونٌ مِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا النَّوْعِ.
مِنْ ذَلِكَ:
﴿الْهُدَى﴾ : يَأْتِي على تسعة عَشَرَ وَجْهًا:
بِمَعْنَى الثَّبَاتِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ .
стр. 528
وَالْبَيَانِ: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ .
وَالدِّينِ: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ .
وَالْإِيمَانِ: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ .
والدعاء: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ ، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ .
وَبِمَعْنَى الرِّسْلِ وَالْكُتُبِ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ .
والمعرفة: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ .
وَبِمَعْنَى النَّبِيِّ ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ .
وَبِمَعْنَى الْقُرْآنِ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ .
وَالتَّوْرَاةِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ .
والاسترجاع: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ .
وَالْحُجَّةِ: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ، بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ أَيْ لَا يَهْدِيهِمْ حُجَّةً.
وَالتَّوْحِيدِ: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾ .
والسنة: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ .
стр. 529
وَالْإِصْلَاحِ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ .
وَالْإِلْهَامِ: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ ، أَيْ أَلْهَمَهُمُ الْمَعَاشَ.
وَالتَّوْبَةِ: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ .
وَالْإِرْشَادِ: ﴿أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ .
وَمِنْ ذَلِكَ:
" السُّوءُ ": يَأْتِي عَلَى أَوْجُهٍ:
الشِّدَّةِ: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ .
والعقر: ﴿وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ .
وَالزِّنَى: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً﴾ ، ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ .
وَالْبَرَصِ: ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ .
وَالْعَذَابِ: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ﴾ .
وَالشِّرْكِ: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ .
والشدة: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ .
стр. 530
﴿وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ .
والذنب: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ .
وَبِمَعْنَى: بِئْسَ ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ .
والضر: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ، ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ .
وَالْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ .
وَمِنْ ذَلِكَ:
" الصَّلَاةُ " تَأْتِي عَلَى أَوْجُهٍ:
الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ .
وَصَلَاةِ الْعَصْرِ: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ .
وَصَلَاةِ الْجُمُعَةَ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ﴾ .
وَالْجِنَازَةِ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ .
والدعاء: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ .
والدين: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ .
والقراءة: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ .
стр. 531
وَالرَّحْمَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ .
ومواضع الصلاة: ﴿وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ ، ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ .
وَمِنْ ذَلِكَ:
" الرَّحْمَةُ ": وَرَدَتْ عَلَى وجه:
الْإِسْلَامِ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ .
وَالْإِيمَانِ: ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ .
وَالْجَنَّةِ: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
وَالْمَطَرِ: ﴿بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ .
وَالنِّعْمَةِ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ .
وَالنُّبُوَّةِ: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ ، ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ .
وَالْقُرْآنِ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ .
والرزاق: ﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ .
وَالنَّصْرِ وَالْفَتْحِ: ﴿إِِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ .
والعافية: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ .
стр. 532
والمودة: ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ ، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ .
وَالسَّعَةِ: ﴿تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ .
وَالْمَغْفِرَةِ: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ .
وَالْعِصْمَةِ: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ .
وَمِنْ ذَلِكَ:
" الْفِتْنَةُ: وَرَدَتْ عَلَى أَوْجُهٍ:
الشِّرْكِ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ ، ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ .
والإضلال: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ .
وَالْقَتْلِ: ﴿أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
والصد: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ .
وَالضَّلَالَةِ: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ .
وَالْمَعْذِرَةِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ .
وَالْقَضَاءِ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ .
وَالْإِثْمِ: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ .
стр. 533
وَالْمَرَضِ: ﴿يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ﴾ .
والعبرة: ﴿لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾ .
والعقوبة: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ .
وَالِاخْتِبَارِ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ .
وَالْعَذَابِ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ .
وَالْإِحْرَاقِ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ .
والجنون: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ .
وَمِنْ ذَلِكَ:
" الرُّوحُ "، وَرَدَ عَلَى أَوْجُهٍ:
الْأَمْرِ: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ .
والوحي: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ .
وَالْقُرْآنِ: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ .
والرحمة: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ .
والحياة: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ .
وجبريل: ﴿أَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ ، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ .
стр. 534
وَمَلَكٌ عَظِيمٌ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ .
وَجَيْشٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ .
وَرُوحِ الْبَدَنِ: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ .
وَمِنْ ذَلِكَ:
" الْقَضَاءُ ": وَرَدَ عَلَى أَوْجُهٍ.
الْفَرَاغِ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾
والأمر: ﴿إِذَا قَضَى أَمْراً﴾ .
وَالْأَجْلِ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ .
وَالْفَصْلِ: ﴿لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ .
وَالْمُضِيِّ: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾ .
والهلاك: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ .
والوجوب: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ﴾ .
وَالْإِبْرَامِ: ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ .
стр. 535
وَالْإِعْلَامِ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ .
وَالْوَصِيَّةِ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ .
والموت: ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ .
وَالنُّزُولِ: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ .
والخلق: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ .
وَالْفِعْلِ: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ ، يعني حقا لم يفعل.
وَالْعَهْدِ: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ﴾ .
وَمِنْ ذَلِكَ:
" الذِّكْرُ ": وَرَدَ عَلَى أَوْجُهٍ:
ذِكْرِ اللِّسَانِ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ .
وَذِكْرِ الْقَلْبِ: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ .
والحفظ: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ .
والطاعة والجزاء: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ .
وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ .
стр. 536
وَالْعِظَةِ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ ، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى﴾ .
وَالْبَيَانِ: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .
والحديث: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ، أَيْ حَدِّثْهُ بِحَالِي.
وَالْقُرْآنِ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذكري﴾ ، ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ .
والتوراة: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ .
وَالْخَبَرِ: ﴿سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً﴾ .
والشرف: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾ .
وَالْعَيْبِ: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ .
وَاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ: ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ .
والثناء: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ .
والوحي: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً﴾ .
والرسول: ﴿ذِكْراً رَسُولاً﴾ .
والصلاة: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ .
وَصَلَاةِ الْجُمُعَةَ: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
стр. 537
وَصَلَاةِ الْعَصْرِ: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ .
وَمِنْ ذَلِكَ:
" الدُّعَاءُ " وَرَدَ عَلَى أَوْجُهٍ:
الْعِبَادَةِ: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ .
والاستعانة: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ .
والسؤال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ .
وَالْقَوْلِ: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ .
والنداء: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ .
وَالتَّسْمِيَةِ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ .
وَمِنْ ذَلِكَ:
" الْإِحْصَانُ ": وَرَدَ عَلَى أَوْجُهٍ:
الْعِفَّةِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ .
والتزوج: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ .
وَالْحُرِّيَّةِ: ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ .
стр. 538
فَصْلٌ
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِ الْأَفْرَادِ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْأَسَفِ فَمَعْنَاهُ الحزن إلا ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ فَمَعْنَاهُ أَغْضَبُونَا.
وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ " الْبُرُوجِ "، فَهِيَ الْكَوَاكِبُ إِلَّا: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ ، فَهِيَ الْقُصُورُ الطِّوَالُ الْحَصِينَةُ.
وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ " الْبَرِّ وَالْبَحْرِ "، فَالْمُرَادُ بِالْبَحْرِ الْمَاءُ وَبِالْبَرِّ التُّرَابُ الْيَابِسُ إِلَّا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ الْبَرِيَّةُ وَالْعُمْرَانُ.
وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنْ " بَخْسٍ "، فَهُوَ النَّقْصُ إِلَّا: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أَيْ حَرَامٍ.
وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنَ " الْبَعْلِ "، فَهُوَ الزَّوْجُ إِلَّا: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً﴾ فَهُوَ الصَّنَمُ.
وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنْ " الْبَكَمِ "، فَالْخَرَسُ عَنِ الْكَلَامِ بِالْإِيمَانِ إِلَّا: ﴿عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾ فِي الْإِسْرَاءِ، وَ ﴿أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ فِي النَّحْلِ، فَالْمُرَادُ بِهِ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَلَامِ مُطْلَقًا.
وَكُلُّ مَا فِيهِ " جِثِيًّا " فَمَعْنَاهُ جَمِيعًا، إِلَّا: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ فَمَعْنَاهُ تَجْثُو عَلَى رُكَبِهَا.
وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنْ " حُسْبَانٍ " فَهُوَ الْعَدَدُ، إِلَّا: ﴿حُسْبَاناً مِنَ السَّمَاءِ﴾ في الْكَهْفِ فَهُوَ الْعَذَابُ.
стр. 539
وَكُلُّ مَا فِيهِ " حَسْرَةٌ " فَالنَّدَامَةُ إِلَّا: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ فَمَعْنَاهُ الْحُزْنُ.
وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنْ " الدَّحْضِ " فَالْبَاطِلُ إِلَّا: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ فَمَعْنَاهُ مِنَ الْمَقْرُوعِينَ.
وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنْ " رِجْزٍ " فَالْعَذَابُ إِلَّا: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ الصَّنَمُ.
وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنْ " رَيْبٍ " فَالشَّكُّ إِلَّا: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ يَعْنِي حَوَادِثَ الدَّهْرِ.
وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنْ " الرَّجْمِ " فَهُوَ الْقَتْلُ إلا: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ فمعناه أشتمنك، و ﴿رَجْماً بِالْغَيْبِ﴾ أَيْ ظَنَّا.
وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنْ " الزُّورِ " فَالْكَذِبُ مَعَ الشِّرْكِ إِلَّا: ﴿مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ فَإِنَّهُ كَذِبٌ غَيْرُ الشِّرْكِ.
وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنْ " زَكَاةٍ " فَهُوَ الْمَالُ إِلَّا: ﴿وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً﴾ أَيْ طُهْرَةً.
وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنَ " الزَّيْغِ " فَالْمَيْلُ إِلَّا: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ﴾ أَيْ شَخَصَتْ.
وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنْ " سَخِرَ " فَالِاسْتِهْزَاءُ إِلَّا: ﴿سُخْرِيّاً﴾ فِي الزُّخْرُفِ فَهُوَ مِنَ التَّسْخِيرِ وَالِاسْتِخْدَامِ.
стр. 540
وَكُلُّ " سَكِينَةٍ " فِيهِ طُمَأْنِينَةٌ إِلَّا الَّتِي فِي قِصَّةِ طَالُوتَ فَهُوَ شَيْءٌ كَرَأْسِ الْهِرَّةِ لَهُ جَنَاحَانِ.
وَكُلُّ " سَعِيرٍ " فِيهِ فَهُوَ النَّارُ وَالْوَقُودُ إلا: ﴿فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ فَهُوَ الْعَنَاءُ.
وَكُلُّ " شَيْطَانٍ " فِيهِ فَإِبْلِيسُ وَجُنُودُهُ إِلَّا: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ .
وَكُلُّ " شَهِيدٍ " فِيهِ غَيْرُ الْقَتْلَى فَمَنْ يَشْهَدُ فِي أُمُورِ النَّاسِ إلا: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ فَهُوَ شُرَكَاؤُكُمْ.
وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنْ " أَصْحَابِ النَّارِ " فَأَهْلُهَا إِلَّا: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً﴾ فَالْمُرَادُ خَزَنَتُهَا.
وَكُلُّ " صَلَاةٍ " فِيهِ عِبَادَةٌ وَرَحْمَةٌ إِلَّا: ﴿وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ فَهِيَ الْأَمَاكِنُ.
وَكُلُّ " صَمَمٌ " فِيهِ فَفِي سَمَاعِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ خَاصَّةً إِلَّا الَّذِي فِي الْإِسْرَاءِ.
стр. 541
وَكُلُّ " عَذَابٍ " فِيهِ فَالتَّعْذِيبُ إِلَّا: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾ فَهُوَ الضَّرْبُ.
وَكُلُّ " قُنُوتٍ " فِيهِ طَاعَةٌ إِلَّا: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ فمعناه مقربون.
وَكُلُّ " كَنْزٍ " فِيهِ مَالٌ إِلَّا الَّذِي فِي الْكَهْفِ فَهُوَ صَحِيفَةُ عِلْمٍ.
وَكُلُّ " مِصْبَاحٍ " فِيهِ كَوْكَبٌ إِلَّا الَّذِي فِي النُّورِ فَالسِّرَاجُ.
وَكُلُّ "نِكَاحٍ " فِيهِ تَزَوُّجٌ إِلَّا: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ فَهُوَ الْحُلُمُ.
وَكُلُّ " نَبَأٍ " فِيهِ خَبَرٌ إِلَّا: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ﴾ فَهِيَ الْحُجَجُ.
وَكُلُّ " وُرُودٍ " فِيهِ دُخُولٌ إِلَّا: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ يَعْنِي هَجَمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَدْخُلْهُ.
وَكُلُّ مَا فيه " من " [تكلبف] ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فَالْمُرَادُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا الَّتِي فِي الطَّلَاقِ فَالْمُرَادُ مِنَ النَّفَقَةِ.
وَكُلُّ " يَأْسٍ " فِيهِ قُنُوطٌ إِلَّا الَّتِي فِي الرَّعْدِ فَمِنَ الْعِلْمِ.
стр. 542
وَكُلُّ " صَبْرٍ " فِيهِ مَحْمُودٌ إِلَّا: ﴿لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ ، ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ .
هَذَا آخِرُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَارِسٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كُلُّ " صَوْمٍ " فِيهِ فَمِنَ الْعِبَادَةِ إِلَّا: ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ أَيْ صَمْتًا.
وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنَ " الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ " فَالْمُرَادُ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ إِلَّا الَّتِي فِي أَوَّلِ الْأَنْعَامِ فَالْمُرَادُ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وَنُورُ النَّهَارِ.
وَكُلُّ " إِنْفَاقٍ " فِيهِ فَهُوَ الصَّدَقَةُ إِلَّا: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمَهْرُ.
وَقَالَ الدَّانِيُّ: كُلُّ مَا فِيهِ مِنَ " الْحُضُورِ " بِالضَّادِ فَهُوَ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ إِلَّا مَوْضِعًا وَاحِدًا فَإِنَّهُ بِالظَّاءِ مِنَ الِاحْتِظَارِ وَهُوَ الْمَنْعُ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ .
وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ " بَعْدَ " بِمَعْنَى " قَبْلَ " إِلَّا حَرْفٌ وَاحِدٌ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ .
стр. 543
قَالَ مُغَلْطَايْ فِي كِتَابِ الْمُيَسَّرِ: قَدْ وَجَدْنَا حَرْفًا آخَرَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ .
قَالَ أَبُو مُوسَى فِي كِتَابِ الْمُغِيثِ: مَعْنَاهُ هُنَا " قَبْلَ " لِأَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَعَلَى هَذَا خَلْقُ الْأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ. انْتَهَى.
قُلْتُ: قَدْ تَعَرَّضَ النَّبِيُّ ﷺ والصحابة والتابعون بشيء مِنْ هَذَا النَّوْعِ.
فَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كُلُّ حَرْفٍ فِي الْقُرْآنِ يُذْكَرُ فِيهِ الْقُنُوتُ فَهُوَ الطَّاعَةُ. هَذَا إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَابْنُ حِبَّانَ يُصَحِّحُهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ أَلِيمٌ " فَهُوَ الْمُوجِعُ.
وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ " قُتِلَ " فَهُوَ لُعِنَ.
وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ " الرِّجْزِ " يَعْنِي بِهِ الْعَذَابَ.
وَقَالَ الْفِرْيَابِيُّ: حَدَّثَنَا قَيْسٌ عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،
стр. 544
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "كُلُّ تَسْبِيحٍ فِي الْقُرْآنِ صَلَاةٌ وَكُلُّ سُلْطَانٍ فِي الْقُرْآنِ حُجَّةٌ ".
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ" كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ " الدِّينُ " فَهُوَ الْحِسَابُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي كِتَابِ: "الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ "مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُلُّ رَيْبٍ شَكٌّ إِلَّا مَكَانًا وَاحِدًا فِي الطور: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ يَعْنِي حَوَادِثَ الْأُمُورِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنَ " الرِّيَاحِ " فَهِيَ رَحْمَةٌ وَكُلُّ شَيْءٍ فِيهِ مِنَ " الرِّيحِ " فَهُوَ عَذَابٌ.
وَأَخْرَجَ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: كُلُّ " كَأْسٍ " ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ إِنَّمَا عَنَى بِهِ الْخَمْرَ.
وَأَخْرَجَ عَنْهُ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ " فَاطِرٌ " فَهُوَ خَالِقٌ.
وَأَخْرَجَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ " إِفْكٌ " فَهُوَ كَذِبٌ.
وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: كُلُّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ فَهُوَ الْإِسْلَامُ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فَهُوَ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ.
وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: كُلُّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ يُذْكَرُ فِيهَا " حِفْظُ
стр. 545
الْفَرْجِ " فَهُوَ مِنَ الزِّنَى إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ فَالْمُرَادُ أَلَّا يَرَاهَا أَحَدٌ.
وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ " إِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ " إِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الْكُفَّارَ.
وَأَخْرَجَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ " خُلُودٌ " فَإِنَّهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ.
وَأَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ " يَقْدِرُ " فَمَعْنَاهُ يُقِلُّ.
وَأَخْرَجَ عَنْهُ قَالَ: "التَّزَكِّي " فِي الْقُرْآنِ كُلُّهُ إِسْلَامٌ.
وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ: "وَرَاءَ " فِي الْقُرْآنِ " أَمَامَ " كُلُّهُ غَيْرَ حَرْفَيْنِ ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ يَعْنِي سِوَى ذَلِكَ ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ، يَعْنِي سِوَى ذَلِكُمْ.
وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ: مَا كَانَ " كِسْفًا " فَهُوَ عَذَابٌ وَمَا كَانَ " كِسَفًا " فَهُوَ قِطَعُ السَّحَابِ.
وَأَخْرَجَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: مَا صَنَعَ اللَّهُ فَهُوَ " السُّدّ " مَا صَنَعَ النَّاسُ فَهُوَ " السَّدّ ".
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي رَوْقٍ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ " جَعَلَ " فَهُوَ خَلَقَ.
وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: "الْمُبَاشَرَةُ " فِي كُلِّ كِتَابِ اللَّهِ الْجِمَاعُ.
стр. 546
وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قَالَ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ " فَاسِقٌ " فَهُوَ كَاذِبٌ إِلَّا قَلِيلًا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ " حَنِيفًا مُسْلِمًا "وَمَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ " حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ " حُجَّاجًا.
وَأَخْرَجَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: "الْعَفْوُ " فِي الْقُرْآنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ: نَحْوُ تَجَاوُزٍ عَنِ الذَّنْبِ، وَنَحْوٌ فِي الْقَصْدِ فِي النَّفَقَةِ: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ وَنَحْوٌ فِي الْإِحْسَانِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَا سَمَّى اللَّهُ الْمَطَرَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا عَذَابًا وَتُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الْغَيْثَ.
قُلْتُ: اسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ﴾ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْغَيْثُ قَطْعًا.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِذَا كَانَ فِي الْعَذَابِ فَهُوَ " أَمْطَرَتْ " وَإِذَا كَانَ فِي الرَّحْمَةِ فَهُوَ " مَطَرَتْ ".
فَرْعٌ
أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ: احْفَظْ عَنِّي كُلَّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ فَهُوَ لِلْمُشْرِكِينَ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَمَا أَكْثَرَ أَنْصَارَهُمْ وَشُفَعَاءَهُمْ.
стр. 547
وَأَخْرَجَ: سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُلُّ طَعَامٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ نِصْفُ صَاعٍ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ " قَلِيلٌ " وَ " إِلَّا قَلِيلٌ " فَهُوَ دُونَ الْعَشَرَةِ.
وَأَخْرَجَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ " عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ " "حافظوا على الصلوات " فَهُوَ عَلَى مَوَاقِيتِهَا.
وَأَخْرَجَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ: "وَمَا يُدْرِيكَ " فلم يخبر " وَمَا أَدْرَاكَ " فَقَدْ أَخْبَرَ بِهِ.
وَأَخْرَجَ عَنْهُ قَالَ: كُلُّ " مَكْرٍ " فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ عَمَلٌ.
وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ: "قُتل، لُعن " فَإِنَّمَا عُنِيَ بِهِ الْكَافِرُ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ فِي مُفْرَدَاتِهِ: قِيلَ: كُلُّ شَيْءٍ ذَكَرَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: "وَمَا أَدْرَاكَ " فَسَّرَهُ وَكُلُّ شَيْءٍ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: "وَمَا يُدْرِيكَ " تَرَكَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ ، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ الْكِتَابَ، لَا السِّجِّينُ وَلَا الْعِلِّيُّونَ. وَفِي ذَلِكَ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ. انْتَهَى وَلَمْ يَذْكُرْهَا.
وَبَقِيَتْ أَشْيَاءُ تَأْتِي فِي النَّوْعِ الَّذِي يَلِي هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى:
стр. 548
النَّوْعُ الْأَرْبَعُونَ: فِي مَعْرِفَةِ مَعَانِي الْأَدَوَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْمُفَسِّرُ
وَأَعْنِي بِالْأَدَوَاتِ الْحُرُوفَ وَمَا شَاكَلَهَا مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ وَالظُّرُوفِ.
اعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ مِنَ الْمُهِمَّاتِ الْمَطْلُوبَةِ لِاخْتِلَافِ مَوَاقِعِهَا وَلِهَذَا يَخْتَلِفُ الْكَلَامُ وَالِاسْتِنْبَاطُ بِحَسَبِهَا كَمَا فِي قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فَاسْتُعْمِلَتْ " عَلَى " فِي جَانِبِ الْحَقِّ، وَ" فِي " فِي جَانِبِ الضَّلَالِ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ كَأَنَّهُ مُسْتَعْلٍ يَصْرِفُ نَظَرَهُ كَيْفَ شَاءَ وَصَاحِبَ البطل كَأَنَّهُ مُنْغَمِسٌ فِي ظَلَامٍ مُنْخَفِضٍ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ عَطَفَ عَلَى الْجُمَلِ. الْأُوَلِ بِالْفَاءِ وَالْأَخِيرَةِ بِالْوَاوِ لَمَّا انْقَطَعَ نِظَامُ التَّرَتُّبِ لِأَنَّ التَّلَطُّفَ غَيْرُ مُرَتَّبٍ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالطَّعَامِ كَمَا كَانَ الْإِتْيَانُ بِهِ مُتَرَتِّبًا عَلَى النَّظَرِ فِيهِ وَالنَّظَرُ فِيهِ مُتَرَتِّبًا عَلَى التَّوَجُّهِ فِي طَلَبِهِ وَالتَّوَجُّهُ فِي طَلَبِهِ مُتَرَتِّبًا عَلَى قَطْعِ الْجِدَالِ فِي الْمَسْأَلَةِ عَنْ مُدَّةِ اللَّبْثِ وَتَسْلِيمِ الْعِلْمِ لَهُ تَعَالَى.
وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ ، الْآيَةَ عَدَلَ عَنِ اللَّامِ إِلَى " فِي " فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ إِيذَانًا إِلَى أَنَّهُمْ أَكْثَرُ اسْتِحْقَاقًا لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِمْ بِمَنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ بِاللَّامِ لِأَنَّ فِي لِلْوِعَاءِ فَنَبَّهَ بِاسْتِعْمَالِهَا عَلَى أَنَّهُمْ أَحِقَّاءُ بِأَنْ يُجْعَلُوا مَظِنَّةً لِوَضْعِ الصَّدَقَاتِ فِيهِمْ كَمَا يُوضَعُ الشَّيْءُ فِي وِعَائِهِ مُسْتَقِرًّا فِيهِ.
стр. 549
وَقَالَ الْفَارِسِيُّ: إِنَّمَا قَالَ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ ، وَلَمْ: يَقُلْ " وَلِلرِّقَابِ " لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَالَ: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: ﴿فِي صَلاتِهِمْ﴾ .
وَسَيَأْتِي ذِكْرُ كَثِيرٍ مِنْ أَشْبَاهِ ذَلِكَ.
وَهَذَا سَرْدُهَا مُرَتَّبَةً عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ وَقَدْ أَفْرَدَ هَذَا النَّوْعَ بِالتَّصْنِيفِ خَلَائِقُ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَالْهَرَوِيِّ فِي الْأُزْهِيَةِ وَالْمُتَأَخِّرِينَ كَابْنِ أُمِّ قَاسِمٍ فِي الْجَنَى الدَّانِي.
الْهَمْزَةُ
تَأْتِي عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الِاسْتِفْهَامُ وَحَقِيقَتُهُ طَلَبُ الْإِفْهَامِ وَهِيَ أَصْلُ أَدَوَاتِهِ وَمِنْ ثَمَّ اخْتَصَّتْ بِأُمُورٍ:
أَحَدُهَا: جَوَازُ حَذْفِهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي النَّوْعِ السَّادِسِ وَالْخَمْسِينَ.
ثَانِيهَا: أَنَّهَا تَرِدُ لِطَلَبِ التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ بِخِلَافِ هَلْ فَإِنَّهَا لِلتَّصْدِيقِ خَاصَّةً وَسَائِرُ الْأَدَوَاتِ لِلتَّصَوُّرِ خَاصَّةً.
ثَالِثُهَا: أَنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى الْإِثْبَاتِ نَحْوَ: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً﴾ ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ ، وَعَلَى النَّفْيِ نَحْوَ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ ، وَتُفِيدُ حِينَئِذٍ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا التَّذَكُّرُ وَالتَّنْبِيهُ كَالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ
стр. 550
إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ وَالْآخَرُ: التَّعَجُّبُ مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ وَفِي كِلَا الْحَالَيْنِ هِيَ تَحْذِيرٌ نَحْوَ: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ﴾ .
رَابِعُهَا: تَقْدِيمُهَا عَلَى الْعَاطِفِ تَنْبِيهًا عَلَى أَصَالَتِهَا فِي التَّصْدِيرِ نَحْوَ: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً﴾ ، ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ ، ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ ، وَسَائِرُ أَخَوَاتِهَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ كَمَا هُوَ قِيَاسُ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ نَحْوَ: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ ، ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ، ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ ، ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ ، ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ﴾ .
خَامِسُهَا: أَنَّهُ لَا يُسْتَفْهَمُ بِهَا حَتَّى يَهْجِسَ فِي النَّفْسِ إِثْبَاتُ مَا يُسْتَفْهَمُ عَنْهُ بِخِلَافِ هَلْ فَإِنَّهُ لِمَا لَا يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ فِيهِ نَفْيٌ وَلَا إِثْبَاتٌ حَكَاهُ أَبُو حَيَّانَ عَنْ بَعْضِهِمْ.
سَادِسُهَا: أَنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى الشَّرْطِ نَحْوَ: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ، ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ بِخِلَافِ غَيْرِهَا.
وَتَخْرُجُ عَنِ الِاسْتِفْهَامِ الْحَقِيقِيِّ فَتَأْتِي لِمَعَانٍ تُذْكَرُ فِي النوع السابع والخمسون.
стр. 551
فَائِدَةٌ:
إِذَا دَخَلَتْ عَلَى " رَأَيْتَ " امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ مِنْ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ أَوِ الْقَلْبِ وَصَارَ بِمَعْنَى " أخبرني " وقد تبدل " ها "، وَخَرَجَ عَلَى ذَلِكَ قِرَاءَةُ قُنْبُلٍ ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ بِالْقَصْرِ وَقَدْ تَقَعُ فِي الْقَسَمِ وَمِنْهُ مَا قرئ ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ﴾ بِالتَّنْوِينِ ﴿اللَّهِ﴾ بِالْمَدِّ.
الثَّانِي: مِنْ وَجْهَيِ الْهَمْزَةِ أَنْ تَكُونَ حَرْفًا يُنَادَى بِهِ الْقَرِيبُ وَجَعَلَ مِنْهُ الفراء: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ عَلَى قِرَاءَةِ تَخْفِيفِ الْمِيمِ أَيْ صَاحِبُ هَذِهِ الصِّفَاتِ.
قَالَ هِشَامٌ: وَيُبْعِدُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّنْزِيلِ نِدَاءٌ بِغَيْرِ يَاءٍ وَيُقَرِّبُهُ سَلَامَتُهُ مِنْ دَعْوَى الْمَجَازِ إِذْ لَا يَكُونُ الِاسْتِفْهَامُ مِنْهُ تَعَالَى عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمِنْ دَعْوَى كَثْرَةِ الْحَذْفِ إِذِ التَّقْرِيرُ عِنْدَ مَنْ جَعَلَهَا لِلِاسْتِفْهَامِ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ خَيْرٌ أَمْ هَذَا الْكَافِرُ. أَيْ الْمُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً﴾ ، فَحُذِفَ شَيْئَانِ: مُعَادِلُ الْهَمْزَةِ وَالْخَبَرُ.
أَحَدٌ
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الزِّينَةِ: هُوَ اسْمٌ أَكْمَلُ مِنَ الْوَاحِدِ أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ فُلَانٌ لَا يَقُومُ لَهُ وَاحِدٌ جَازَ فِي الْمَعْنَى أن يقوم اثنا فَأَكْثَرُ بِخِلَافِ قَوْلِكَ: لَا يَقُومُ لَهُ أَحَدٌ.
وَفِي الْأَحَدِ خُصُوصِيَّةٌ لَيْسَتْ فِي الْوَاحِدِ تَقُولُ: لَيْسَ فِي الدَّارِ وَاحِدٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ وَالْوَحْشِ وَالْإِنْسِ فَيَعُمُّ النَّاسَ وَغَيْرَهُمْ بِخِلَافِ لَيْسَ فِي الدَّارِ أَحَدٌ فَإِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْآدَمِيِّينَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
стр. 552
قَالَ: وَيَأْتِي الْأَحَدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ وَبِمَعْنَى الْوَاحِدِ فَيُسْتَعْمَلُ فِي الْإِثْبَاتِ وَفِي النَّفْيِ نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أَيْ وَاحِدٌ، وَأَوَّلٌ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ ، وَبِخِلَافِهِمَا فَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي النَّفْيِ تَقُولُ: مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ، وَمِنْهُ: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ وَ ﴿أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ﴾ .
وَوَاحِدٌ يُسْتَعْمَلُ فِيهَا مُطْلَقًا وَأَحَدٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ فَلَا يُقَالُ: كَوَاحِدٍ مِنَ النِّسَاءِ بَلْ كَوَاحِدَةٍ وَأَحَدٌ يصلح في الأفراد وَالْجَمْعِ.
قُلْتُ: وَلِهَذَا وَصْفُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ.
وَالْأَحَدُ لَهُ جَمْعٌ مِنْ لَفْظِهِ وهو الأحد ون وَالْآحَادُ وَلَيْسَ لِلْوَاحِدِ جَمْعٌ مِنْ لَفْظِهِ فَلَا يُقَالُ وَاحِدُونَ بَلِ اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ.
وَالْأَحَدُ مُمْتَنِعُ الدُّخُولِ فِي الضَّرْبِ وَالْعَدَدِ وَالْقِسْمَةِ وَفِي شَيْءٍ مِنَ الْحِسَابِ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ انْتَهَى مُلَخَّصًا وَقَدْ تَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِ بَيْنَهُمَا سَبْعَةُ فُرُوقٍ.
وَفِي أَسْرَارِ التَّنْزِيلِ لِلْبَارِزِيِّ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ: فَإِنْ قِيلَ: الْمَشْهُورُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ الْأَحَدَ يُسْتَعْمَلُ بَعْدَ النَّفْيِ وَالْوَاحِدَ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ فَكَيْفَ جَاءَ أَحَدٌ هُنَا بَعْدَ الْإِثْبَاتِ.
стр. 553
قُلْنَا: قَدِ اخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمَا بِمَكَانٍ دُونَ الْآخَرِ وَإِنْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُ أَحَدٍ فِي النَّفْيِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعُدُولُ هُنَا عَنِ الْغَالِبِ رِعَايَةً لِلْفَوَاصِلِ انْتَهَى.
وَقَالَ الرَّاغِبُ فِي مُفْرَدَاتِ الْقُرْآنِ: أَحَدٌ يُسْتَعْمَلُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي النَّفْيِ فَقَطْ، وَالْآخَرُ فِي الْإِثْبَاتِ.
فَالْأَوَّلُ: لِاسْتِغْرَاقِ جِنْسِ النَّاطِقِينَ، وَيَتَنَاوَلُ الْكَثِيرَ وَالْقَلِيلَ وَلِذَلِكَ صَحَّ أَنْ يُقَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ فَاضِلِينَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ .
وَالثَّانِي: عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْعَدَدِ مَعَ الْعَشَرَاتِ نَحْوَ أَحَدَ عَشَرَ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ.
وَالثَّانِي: الْمُسْتَعْمَلُ مُضَافًا إِلَيْهِ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ، نَحْوَ: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ .
وَالثَّالِثُ: الْمُسْتَعْمَلُ وَصْفًا مُطْلَقًا وَيَخْتَصُّ بِوَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى نَحْوَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، وَأَصْلُهُ وَحَدٌ إِلَّا أَنَّ وَحَدًا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ انْتَهَى.
إِذْ:
ترد على أوجه:
أحدهما: أَنْ تَكُونَ اسْمًا لِلزَّمَنِ الْمَاضِي وَهُوَ الْغَالِبُ ثُمَّ قَالَ الْجُمْهُورُ: لَا تَكُونُ إِلَّا ظَرْفًا نَحْوَ: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ،
стр. 554
أَوْ مُضَافًا إِلَيْهَا الظَّرْفُ نَحْوَ: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ ، ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ﴾ ، ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ .
وَقَالَ غَيْرُهُمْ: تَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ، نَحْوَ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً﴾ وَكَذَا الْمَذْكُورَةُ فِي أَوَائِلِ الْقَصَصِ كُلُّهَا مَفْعُولٌ بِهِ بِتَقْدِيرِ: ﴿اذْكُرْ﴾ .
وَبَدَلًا مِنْهُ، نَحْوَ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الكتاب مريم إذ انتبذت﴾ فَإِذْ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ مَرْيَمَ عَلَى حَدِّ الْبَدَلِ فِي: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ ، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ أَيْ اذْكُرُوا النِّعْمَةَ الَّتِي هِيَ الْجَعْلُ الْمَذْكُورُ، فَهِيَ بَدَلُ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ وَالْجُمْهُورُ يَجْعَلُونَهَا فِي الْأَوَّلِ ظَرْفًا لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا. وَفِي الثَّانِي ظَرْفًا لِمُضَافٍ إِلَى الْمَفْعُولِ مَحْذُوفٍ، أَيْ وَاذْكُرْ قِصَّةَ مَرْيَمَ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ التَّصْرِيحُ بِهِ في: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ .
وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّهَا تَكُونُ مُبْتَدَأً وَخَرَّجَ عَلَيْهِ قِرَاءَةَ بَعْضِهِمْ: "لِمَنْ مَنِّ اللَّهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ " قَالَ: التَّقْدِيرُ: "مَنُّهُ إِذْ بَعَثَ " فَإِذْ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ كَإِذَا فِي قَوْلِكَ أَخْطُبُ مَا يَكُونُ الْأَمِيرُ إِذَا كَانَ قَائِمًا أَيْ لِمَنْ مَنِّ اللَّهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَقْتَ بَعْثِهِ. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَا نَعْلَمُ بِذَلِكَ قَائِلًا.
وَذَكَرَ كَثِيرٌ أَنَّهَا تَخْرُجُ عَنِ الْمُضِيِّ إِلَى الِاسْتِقْبَالِ، نَحْوَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ ، وَالْجُمْهُورُ أَنْكَرُوا ذَلِكَ، وَجَعَلُوا الْآيَةَ مِنْ بَابِ ﴿وَنُفِخَ
стр. 555
فِي الصُّورِ﴾ ، أَعْنِي مِنْ تَنْزِيلِ الْمُسْتَقْبَلِ الْوَاجِبِ الْوُقُوعِ مَنْزِلَةَ الْمَاضِي الْوَاقِعِ. وَاحْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ مِنْهُمُ ابْنُ مَالِكٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ فَإِنَّ " يَعْلَمُونَ " مُسْتَقْبَلٌ لَفْظًا وَمَعْنًى لِدُخُولِ حَرْفِ التَّنْفِيسِ عَلَيْهِ وَقَدْ عَمِلَ فِي " إِذْ " فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ بِمَنْزِلَةِ " إِذَا ".
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا تَأْتِي فِي الْحَالِ نَحْوَ: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أَيْ حِينَ تُفِيضُونَ فِيهِ.
فَائِدَةٌ:
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ " إِنْ " بِكَسْرِ الْأَلِفِ فَلَمْ يَكُنْ وَمَا كَانَ " إِذْ " فَقَدْ كَانَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، نَحْوَ: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي ولن ينفعكم اليوم إشراككم فِي الْعَذَابِ لِأَجْلِ ظُلْمِكُمْ فِي الدُّنْيَا. وَهَلْ هِيَ حَرْفٌ بِمَنْزِلَةِ لَامِ الْعِلَّةِ أَوْ ظَرْفٌ بِمَعْنَى وَقْتٍ وَالتَّعْلِيلُ مُسْتَفَادٌ مِنْ قُوَّةِ الْكَلَامِ لَا مِنَ اللَّفْظِ قَوْلَانِ؟، الْمَنْسُوبُ إِلَى سِيبَوَيْهِ الْأَوَّلُ وَعَلَى الثَّانِي فِي الْآيَةِ إِشْكَالٌ لِأَنَّ " إِذْ " لَا تُبْدَلُ مِنَ الْيَوْمِ لِاخْتِلَافِ الزَّمَانَيْنِ وَلَا تَكُونُ ظَرْفًا لِـ" يَنْفَعَ " لِأَنَّهُ لَا يَعْمَلُ فِي ظَرْفَيْنِ وَلَا لِـ" مُشْتَرِكُونَ " لِأَنَّ مَعْمُولَ خَبَرِ " إِنَّ " وَأَخَوَاتِهَا لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا وَلِأَنَّ مَعْمُولَ الصِّلَةِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَوْصُولِ وَلِأَنَّ اشْتِرَاكَهُمْ فِي الْآخِرَةِ لَا فِي زَمَنِ ظُلْمِهِمْ.
وَمِمَّا حُمِلَ عَلَى التَّعْلِيلِ: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ ، ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ . وَأَنْكَرَ الْجُمْهُورُ هَذَا الْقِسْمِ وَقَالُوا: التَّقْدِيرُ: "بعد إذا ظَلَمْتُمْ ".
стр. 556
وَقَالَ ابْنُ جِنِّي: رَاجَعْتُ أَبَا عَلِيٍّ مِرَارًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ﴾ الْآيَةَ، مُسْتَشْكِلًا إِبْدَالَ إِذْ مِنَ الْيَوْمِ وَآخِرُ مَا تَحَصَّلَ مِنْهُ أَنَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ مُتَّصِلَتَانِ وَأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ اللَّهِ سَوَاءٌ فَكَأَنَّ الْيَوْمَ مَاضٍ انْتَهَى.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: التَّوْكِيدُ بِأَنْ تُحْمَلَ عَلَى الزِّيَادَةِ. قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَتَبِعَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَحَمَلَا عَلَيْهِ آيَاتٍ مِنْهَا: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ .
الرَّابِعُ: التَّحْقِيقُ كَقَدْ وَحُمِلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ. وَجَعَلَ مِنْهُ السُّهَيْلِيُّ قَوْلَهُ: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَيْسَ الْقَوْلَانِ بِشَيْءٍ.
مَسْأَلَةٌ
تَلْزَمُ إِذْ الْإِضَافَةَ إِلَى جُمْلَةٍ، إِمَّا اسْمِيَّةٍ، نَحْوَ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ ، أَوْ فِعْلِيَّةٍ فِعْلُهَا مَاضٍ لَفْظًا وَمَعْنًى نَحْوَ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ ، ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ أَوْ مَعْنًى لَا لَفْظًا نَحْوَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الثَّلَاثَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ . وَقَدْ تُحْذَفُ الْجُمْلَةُ لِلْعِلْمِ بِهَا، وَيُعَوَّضُ عَنْهَا التَّنْوِينُ وَتُكْسَرُ الذَّالُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، نَحْوَ: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ .
وَزَعَمَ الْأَخْفَشُ أَنَّ " إِذْ " فِي ذَلِكَ مُعْرَبَةٌ لِزَوَالِ افْتِقَارِهَا إِلَى الْجُمْلَةِ،
стр. 557
وَأَنَّ الْكَسْرَةَ إِعْرَابٌ لِأَنَّ الْيَوْمَ وَالْحِينَ مُضَافَانِ إِلَيْهَا وَرُدَّ بِأَنَّ بِنَاءَهَا لِوَضْعِهَا عَلَى حَرْفَيْنِ وَبِأَنَّ الِافْتِقَارَ بَاقٍ فِي الْمَعْنَى كَالْمَوْصُولِ تُحْذَفُ صِلَتُهُ.
إِذَا
عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ لِلْمُفَاجَأَةِ فَتَخْتَصُّ بِالْجُمَلِ الِاسْمِيَّةِ وَلَا تَحْتَاجُ لِجَوَابٍ وَلَا تَقَعُ فِي الِابْتِدَاءِ وَمَعْنَاهَا الْحَالُ لَا الِاسْتِقْبَالُ، نَحْوَ: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ ، ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ﴾ ، ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ .
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَمَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ حُضُورُ الشَّيْءِ مَعَكَ فِي وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِكَ الْفِعْلِيَّةِ تَقُولُ: خَرَجْتُ فَإِذَا الْأَسَدُ بِالْبَابِ فَمَعْنَاهُ حُضُورُ الْأَسَدِ مَعَكَ فِي زَمَنِ وَصْفِكَ بِالْخُرُوجِ أَوْ فِي مَكَانِ خُرُوجِكَ وَحُضُورُهُ مَعَكَ فِي مَكَانِ خُرُوجِكَ أَلْصَقُ بِكَ مِنْ حُضُورِهِ فِي خُرُوجِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَكَانَ يَخُصُّكَ دُونَ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَكُلَّمَا كَانَ أَلْصَقَ كَانَتِ الْمُفَاجَأَةُ فِيهِ أَقْوَى.
وَاخْتُلِفَ فِي " إِذَا " هَذِهِ فَقِيلَ: إِنَّهَا حَرْفٌ وَعَلَيْهِ الْأَخْفَشُ وَرَجَّحَهُ ابْنُ مَالِكٍ. وَقِيلَ: ظَرْفُ مَكَانٍ وَعَلَيْهِ الْمُبَرِّدُ وَرَجَّحَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ. وَقِيلَ: ظَرْفُ زَمَانٍ وَعَلَيْهِ الزَّجَّاجُ وَرَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَزَعَمَ أَنَّ عَامِلَهَا فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مُشْتَقٌّ مِنْ لَفْظِ الْمُفَاجَأَةِ قَالَ: التَّقْدِيرُ: ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ فَاجَأْتُمُ الْخُرُوجَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ نَاصِبُهَا عِنْدَهُمُ الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ أَوِ الْمُقَدَّرُ قَالَ: وَلَمْ يَقَعِ الخبر معها في التنزير إِلَّا مُصَرَّحًا بِهِ.
стр. 558
الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ لِغَيْرِ الْمُفَاجَأَةِ فَالْغَالِبُ أَنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِلْمُسْتَقْبَلِ مُضَمَّنَةً مَعْنَى الشَّرْطِ وَتَخْتَصُّ بِالدُّخُولِ عَلَى الْجُمَلِ الْفِعْلِيَّةِ وَتَحْتَاجُ لِجَوَابٍ وَتَقَعُ فِي الِابْتِدَاءِ عَكْسَ الْفُجَائِيَّةِ. وَالْفِعْلُ بَعْدَهَا إِمَّا ظَاهِرٌ نَحْوَ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ أَوْ مُقَدَّرٌ نَحْوَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ . وَجَوَابُهَا إِمَّا فِعْلٌ نَحْوَ: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ أَوْ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مَقْرُونَةٌ بِالْفَاءِ نَحْوَ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ، ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ﴾ أَوْ فِعْلِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ كَذَلِكَ نَحْوَ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أَوِ اسْمِيَّةٌ مَقْرُونَةٌ بِإِذَا الْفُجَائِيَّةِ نَحْوَ: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ ، ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ .
وَقَدْ يَكُونُ مُقَدَّرًا لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ أَوْ لِدَلَالَةِ الْمَقَامِ وَسَيَأْتِي فِي أَنْوَاعِ الْحَذْفِ.
وَقَدْ تَخْرُجُ إِذَا عَنِ الظَّرْفِيَّةِ قَالَ الْأَخْفَشُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ : إِنَّ إِذَا جُرَّ بِحَتَّى. وَقَالَ ابْنُ جِنِّي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ الْآيَةَ فِيمَنْ نَصَبَ: ﴿خَافِضَةً رَافِعَةً﴾ : إِنَّ إِذَا الْأُولَى مُبْتَدَأٌ وَالثَّانِيَةَ خَبَرٌ وَالْمَنْصُوبَانِ حَالَانِ وَكَذَا جُمْلَةُ لَيْسَ وَمَعْمُولَاهَا. وَالْمَعْنَى: وَقْتُ وُقُوعِ الْوَاقِعَةِ خَافِضَةً لِقَوْمٍ رَافِعَةً لِآخَرِينَ هُوَ وَقْتُ رَجِّ الْأَرْضِ. وَالْجُمْهُورُ
стр. 559
أَنْكَرُوا خُرُوجَهَا عَنِ الظَّرْفِيَّةِ وَقَالُوا فِي الْآيَةِ الْأُولَى: إِنَّ " حَتَّى " حَرْفُ ابْتِدَاءٍ دَاخِلٌ عَلَى الْجُمْلَةِ بِأَسْرِهَا وَلَا عَمَلَ لَهُ وَفِي الثَّانِيَةِ إِنَّ إِذَا الثَّانِيَةَ: بَدَلٌ مِنَ الْأُولَى وَالْأُولَى ظَرْفٌ وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ الْمَعْنَى وَحَسَّنَهُ طُولُ الْكَلَامِ وَتَقْدِيرُهُ بَعْدَ إِذَا الثَّانِيَةِ أَيْ انْقَسَمْتُمْ أَقْسَامًا وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً.
وَقَدْ تَخْرُجُ عَنِ الِاسْتِقْبَالِ فَتُرَدُّ لِلْحَالِ، نَحْوَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ فَإِنَّ الْغَشَيَانَ مُقَارِنٌ لِلَّيْلِ ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ .
وَلِلْمَاضِي نَحْوَ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً﴾ الْآيَةَ، فَإِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ وَالِانْفِضَاضِ وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ ، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ ، ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ .
وَقَدْ تَخْرُجُ عَنِ الشَّرْطِيَّةِ نَحْوَ: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ ، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ فَإِذَا فِي الْآيَتَيْنِ ظَرْفٌ لِخَبَرِ الْمُبْتَدَإِ بَعْدَهَا وَلَوْ كَانَتْ شَرْطِيَّةً وَالْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ جَوَابٌ لَاقْتَرَنَتْ بِالْفَاءِ.
وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِهَا مَرْدُودٌ بِأَنَّهَا لَا تُحْذَفُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَقَوْلٌ آخَرُ: إِنَّ الضَّمِيرَ تَوْكِيدٌ لَا مُبْتَدَأٌ وَأَنَّ مَا بَعْدَهُ الْجَوَابُ تَعَسُّفٌ وَقَوْلٌ آخَرُ جَوَابُهَا مَحْذُوفٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالْجُمْلَةِ بَعْدَهَا تَكَلُّفٌ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
стр. 560
تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ: الْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ نَاصِبَ إِذَا شَرْطُهَا وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ مَا فِي جَوَابِهَا مِنْ فِعْلٍ أَوْ شَبَهِهِ
الثَّانِي: قَدْ تُسْتَعْمَلُ إِذَا لِلِاسْتِمْرَارِ فِي الْأَحْوَالِ الْمَاضِيَةِ وَالْحَاضِرَةِ وَالْمُسْتَقْبَلَةِ كَمَا يُسْتَعْمَلُ الْفِعْلُ الْمُضَارِعُ لِذَلِكَ وَمِنْهُ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ أَيْ هَذَا شَأْنُهُمْ أَبَدًا وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ .
الثَّالِثُ: ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي الْمُغْنِي " إِذْ مَا " وَلَمْ يَذْكُرْ " إِذَا مَا ".
وَقَدْ ذَكَرَهَا الشَّيْخُ بَهَاءُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي عَرُوسِ الْأَفْرَاحِ فِي أَدَوَاتِ الشَّرْطِ.
فَأَمَّا " إِذْ مَا "، فَلَمْ تَقَعْ فِي الْقُرْآنِ وَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّهَا حَرْفٌ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ وَغَيْرُهُ: إِنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَأَمَّا " إِذَا مَا " فَوَقَعَتْ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا﴾ ، ﴿إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِكَوْنِهَا بَاقِيَةً عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَوْ مُحَوَّلَةً إِلَى الْحَرْفِيَّةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجْرِيَ فِيهَا الْقَوْلَانِ فِي " إِذْ مَا " وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزَمَ بِبَقَائِهَا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ لِأَنَّهَا أَبْعَدُ عَنِ التَّرْكِيبِ بِخِلَافِ " إِذْ مَا ".
الرَّابِعُ: تَخْتَصُّ إِذَا بِدُخُولِهَا عَلَى الْمُتَيَقَّنِ وَالْمَظْنُونِ وَالْكَثِيرِ الْوُقُوعِ بِخِلَافِ إِنْ فَإِنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْمَشْكُوكِ وَالْمَوْهُومِ النَّادِرِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ فَأَتَى بِإِذَا فِي الْوُضُوءِ لِتَكَرُّرِهِ وَكَثْرَةِ أَسْبَابِهِ وَبِإِنْ فِي الْجَنَابَةِ لِنُدْرَةِ وُقُوعِهَا
стр. 561
بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَدَثِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا﴾ ، ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أَتَى فِي جَانِبِ الْحَسَنَةِ بِإِذَا لِأَنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ كَثِيرَةٌ وَمَقْطُوعٌ بِهَا وَبِإِنْ فِي جَانِبِ السَّيِّئَةِ لِأَنَّهَا نَادِرَةُ الْوُقُوعِ وَمَشْكُوكٌ فِيهَا.
نَعَمْ أَشْكَلَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ آيَتَانِ الْأُولَى قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ﴾ ، ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ فَأَتَى بِإِنْ مَعَ أَنَّ الْمَوْتَ مُحَقَّقُ الْوُقُوعِ وَالْأُخْرَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ فَأَتَى بِإِذَا فِي الطَّرَفَيْنِ. وَأَجَابَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الْأُولَى بِأَنَّ الْمَوْتَ لَمَّا كَانَ مَجْهُولَ الْوَقْتِ أُجْرِيَ مَجْرَى غَيْرِ الْمَجْزُومِ. وَأَجَابَ السَّكَّاكِيُّ عَنِ الثَّانِيَةِ بِأَنَّهُ قَصَدَ التَّوْبِيخَ وَالتَّقْرِيعَ فَأَتَى بِإِذَا لِيَكُونَ تَخْوِيفًا لَهُمْ وَإِخْبَارًا بِأَنَّهُمْ لَا بُدَّ أَنْ يَمَسَّهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْعَذَابِ وَاسْتُفِيدَ التَّقْلِيلُ مِنْ لَفْظِ " الْمَسِّ " وَتَنْكِيرِ " ضُرٍّ ".
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْأِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي " مَسَّهُ " لِلْمُعْرِضِ الْمُتَكَبِّرِ لَا لِمُطْلَقِ الْإِنْسَانِ وَيَكُونُ لَفْظُ " إِذَا " لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَعْرِضِ يَكُونُ ابْتِلَاؤُهُ بِالشَّرِّ مَقْطُوعًا بِهِ.
وَقَالَ الْخُوَيِّيُّ: الَّذِي أَظُنُّهُ أَنَّ إِذَا يَجُوزُ دُخُولُهَا عَلَى الْمُتَيَقَّنِ وَالْمَشْكُوكِ،
стр. 562
لِأَنَّهَا ظَرْفٌ وَشَرْطٌ فَبِالنَّظَرِ إِلَى الشَّرْطِ تَدْخُلُ عَلَى الْمَشْكُوكِ وَبِالنَّظَرِ إِلَى الظَّرْفِ تَدْخُلُ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ كَسَائِرِ الظُّرُوفِ.
الْخَامِسُ: خَالَفَتْ " إِذَا "، " إِنْ " أَيْضًا فِي إِفَادَةِ الْعُمُومِ قَالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: فَإِذَا قُلْتَ إِذَا قَامَ زَيْدٌ قَامَ عَمْرٌو أَفَادَتْ أَنَّهُ كُلَّمَا قَامَ زَيْدٌ قَامَ عَمْرٌو قَالَ هَذَا هُوَ لصحيح وَفِي أَنَّ الْمَشْرُوطَ بِهَا إِذَا كَانَ عَدَمًا يَقَعُ الْجَزَاءُ فِي الْحَالِ وَفِي إِنْ لَا يَقَعُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْيَأْسُ مِنْ وُجُودِهِ وَفِي أَنَّ جَزَاءَهَا مُسْتَعْقِبٌ لِشَرْطِهَا عَلَى الِاتِّصَالِ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ بِخِلَافِ إِنْ وَفِي أَنَّ مَدْخُولَهَا لَا تَجْزِمُهُ لِأَنَّهَا لَا تَتَمَخَّضُ شَرْطًا.
خَاتِمَةٌ
قِيلَ: قَدْ تَأْتِي إِذَا زَائِدَةً وَخُرِّجَ عَلَيْهِ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ أَيْ انْشَقَّتِ السَّمَاءُ كَمَا قَالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ .
إِذًا:
قَالَ سِيبَوَيْهِ: مَعْنَاهَا الْجَوَابُ وَالْجَزَاءُ فَقَالَ الشَّلَوْبِينُ: فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَقَالَ الْفَارِسِيُّ: فِي الْأَكْثَرِ وَالْأَكْثَرُ أَنْ تَكُونَ جَوَابًا لِإِنْ أَوْ لَوْ ظَاهِرَتَيْنِ أَوْ مُقَدَّرَتَيْنِ: قَالَ الْفَرَّاءُ: وَحَيْثُ جَاءَتْ بَعْدَهَا اللَّامُ فَقَبْلَهَا لَوْ مُقَدَّرَةٌ إِنْ لم تكن ظاهرة نحو: ﴿إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ ، وَهِيَ حَرْفٌ يَنْصِبُ الْمُضَارِعَ بِشَرْطِ تَصْدِيرِهَا وَاسْتِقْبَالِهِ وَاتِّصَالِهَا أَوِ انْفِصَالِهَا بِالْقَسَمِ أَوْ بِلَا النَّافِيَةِ قَالَ النُّحَاةُ: وَإِذَا وَقَعَتْ بَعْدَ الْوَاوِ وَالْفَاءِ جَازَ فِيهَا الْوَجْهَانِ، نَحْوَ: ﴿وَإِذاً لَا يَلْبَثُونَ
стр. 563
خِلافَكَ﴾ ، ﴿فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ﴾ وَقُرِئَ شَاذًّا بِالنَّصْبِ فِيهِمَا.
وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: التَّحْقِيقُ أَنَّهُ إِذَا تَقَدَّمَهَا شَرْطٌ وَجَزَاءٌ وَعُطِفَتْ فَإِنْ قَدَّرْتَ الْعَطْفَ عَلَى الْجَوَابِ جَزَمْتَ وَبَطَلَ عَمَلُ إِذًا لِوُقُوعِهَا حَشْوًا أَوْ عَلَى الْجُمْلَتَيْنِ جَمِيعًا جَازَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَكَذَا إِذَا تَقَدَّمَهَا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ فِعْلٌ مَرْفُوعٌ إِنْ عُطِفَتْ عَلَى الْفِعْلِيَّةِ رُفِعَتْ أَوِ الِاسْمِيَّةِ فَالْوَجْهَانِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إِذًا نَوْعَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنْ تَدُلَّ عَلَى إِنْشَاءِ السَّبَبِيَّةِ وَالشَّرْطِ بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ الِارْتِبَاطُ مِنْ غَيْرِهَا نَحْوَ أَزُورُكَ غَدًا فَتَقُولُ إِذًا أُكْرِمَكَ وَهِيَ فِي هَذَا الْوَجْهِ عَامِلَةٌ تَدْخُلُ عَلَى الْجُمَلِ الْفِعْلِيَّةِ فَتَنْصِبُ الْمُضَارِعَ الْمُسْتَقْبَلَ الْمُتَّصِلَ إِذَا صُدِّرَتْ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً لِجَوَابٍ ارْتَبَطَ بِمُقَدَّمٍ أَوْ مُنَبِّهَةً عَلَى مُسَبَّبٍ حَصَلَ فِي الْحَالِ وَهِيَ حِينَئِذٍ غَيْرُ عَامِلَةٍ لِأَنَّ الْمُؤَكِّدَاتِ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا وَالْعَامِلَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ نَحْوَ إِنْ تَأْتِنِي إِذًا آتِيكَ وَاللَّهِ إِذًا لَأَفْعَلَنَّ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ لَفُهِمَ الِارْتِبَاطُ وَتَدْخُلُ هَذِهِ عَلَى الِاسْمِيَّةِ فَتَقُولُ إِذًا أَنَا أُكْرِمُكَ وَيَجُوزُ تَوَسُّطُهَا وَتَأَخُّرُهَا وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً﴾ فَهِيَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجَوَابِ مُرْتَبِطَةٌ بِمَا تَقَدَّمَ.
تَنْبِيهَانِ:
الْأَوَّلُ: سَمِعْتُ شَيْخَنَا الْعَلَّامَةَ الْكَافَيَجِيَّ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ﴾ : لَيْسَتْ إِذًا هَذِهِ الْكَلِمَةَ
стр. 564
الْمَعْهُودَةَ وَإِنَّمَا هِيَ إِذًا الشَّرْطِيَّةُ حُذِفَتْ جُمْلَتُهَا الَّتِي تُضَافُ إِلَيْهَا وَعُوِّضَ عَنْهَا بِالتَّنْوِينِ كَمَا فِي يَوْمِئِذٍ. وَكُنْتُ أَسْتَحْسِنُ هَذَا جِدًّا وَأَظُنُّ أَنَّ الشَّيْخَ لَا سَلَفَ لَهُ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ رَأَيْتُ الزَّرْكَشِيَّ قَالَ فِي الْبُرْهَانِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِإِذًا الْمَعْنَيَيْنِ السَّابِقَيْنِ:
وَذَكَرَ لَهُمَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مَعْنًى ثَالِثًا وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مُرَكَّبَةً مِنْ إذ الَّتِي هِيَ ظَرْفُ زَمَنٍ مَاضٍ وَمِنْ جُمْلَةٍ بَعْدَهَا تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا لَكِنْ حُذِفَتِ الْجُمْلَةُ تَخْفِيفًا وَأُبْدِلَ مِنْهَا التَّنْوِينُ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ فِي حِينَئِذٍ وَلَيْسَتْ هَذِهِ النَّاصِبَةَ لِلْمُضَارِعِ لِأَنَّ تِلْكَ تَخْتَصُّ بِهِ وَلِذَا عَمِلَتْ فِيهِ وَلَا يَعْمَلُ إِلَّا مَا يَخْتَصُّ وَهَذِهِ لَا تَخْتَصُّ بَلْ تَدْخُلُ عَلَى الْمَاضِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ﴾ ، ﴿إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ﴾ ، ﴿إِذاً لَأَذَقْنَاكَ﴾ وَعَلَى الِاسْمِ نَحْوَ: ﴿وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ قَالَ: وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَذْكُرْهُ النُّحَاةُ لَكِنَّهُ قِيَاسٌ مَا قَالُوهُ فِي إِذْ.
وَفِي التَّذْكِرَةِ لِأَبِي حَيَّانَ: ذَكَرَ لِي عَلَمُ الدِّينِ الْقِمَّنِيُّ أَنَّ الْقَاضِيَ تَقِيَّ الدِّينِ بْنَ رَزِينٍ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ إِذًا عِوَضٌ مِنَ الْجُمْلَةِ الْمَحْذُوفَةِ وَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ نَحْوِيٍّ.
وَقَالَ الْخُوَيِّيُّ: وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ لِمَنْ قَالَ: أنا آتيك: إذا أكرمك بالفرع عَلَى مَعْنَى إِذَا أَتَيْتَنِي أُكْرِمُكَ فَحُذِفَتْ أَتَيْتَنِي وَعُوِّضَتِ التَّنْوِينُ مِنَ الْجُمْلَةِ فَسَقَطَتِ الْأَلِفُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ قَالَ: وَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ اتِّفَاقُ النُّحَاةِ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مَنْصُوبٌ بِإِذًا لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ
стр. 565
بِذَلِكَ مَا إِذَا كَانَتْ حَرْفًا نَاصِبًا لَهُ وَلَا يَنْفِي ذَلِكَ رَفْعُ الْفِعْلِ بَعْدَهَا إِذَا أُرِيدَ بِهَا إِذَا الزَّمَانِيَّةُ مُعَوَّضًا مِنْ جُمْلَتِهَا التَّنْوِينُ كَمَا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجْزِمُ مَا بَعْدَ " مِنْ " إِذَا جَعَلَهَا شَرْطِيَّةً وَيَرْفَعُهُ إِذَا أُرِيدَ بِهَا الْمَوْصُولَةُ. انْتَهَى.
فَهَؤُلَاءِ قَدْ حَامُوا حَوْلَ مَا حَامَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالنَّحْوِ وَمِمَّنْ يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ فِيهِ نَعَمْ ذَهَبَ بَعْضُ النُّحَاةِ إِلَى أَنَّ أَصْلَ إِذًا النَّاصِبَةِ اسْمٌ وَالتَّقْدِيرُ فِي إِذًا أُكْرِمُكَ: إِذَا جِئْتَنِي أُكْرِمُكَ فَحُذِفَتِ الْجُمْلَةُ وَعُوِّضَ مِنْهَا التَّنْوِينُ وَأُضْمِرَتْ " أَنْ " وَذَهَبَ آخَرُونَ أَنَّهَا حَرْفٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ إِذْ وإن حَكَى الْقَوْلَيْنِ ابْنُ هِشَامٍ فِي الْمُغْنِي.
التَّنْبِيهُ الثَّانِي
الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ إِذًا يُوقَفُ عَلَيْهَا بِالْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ مِنَ النُّونِ وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْقُرَّاءِ وَجَوَّزَ قَوْمٌ مِنْهُمُ الْمُبَرِّدُ وَالْمَازِنِيُّ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا بِالنُّونِ كَلَنْ وَإِنْ وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي الْوُقُوفِ عَلَيْهَا كِتَابَتُهَا فَعَلَى الْأَوَّلِ تُكْتَبُ بِالْأَلِفِ كَمَا رُسِمَتْ فِي الْمَصَاحِفِ وَعَلَى الثَّانِي بِالنُّونِ.
وَأَقُولُ: الْإِجْمَاعُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْوَقْفِ عَلَيْهَا وَكِتَابَتُهَا بِالْأَلِفِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا اسْمٌ مُنَوَّنٌ لَا حَرْفٌ آخِرُهُ نُونٌ خُصُوصًا أَنَّهَا لَمْ تَقَعْ فِيهِ نَاصِبَةً لِلْمُضَارِعِ فَالصَّوَابُ إِثْبَاتُ هَذَا الْمَعْنَى لَهَا كَمَا جَنَحَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ وَمَنْ سَبَقَ النَّقْلُ عَنْهُ.
следующие страницы →