Полный текст (1 459 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
مِنْ قَبْلُ﴾ أَوْ مَقْرُونٌ بِحَرْفِ اسْتِقْبَالٍ نَحْوَ: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ ، ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ وَكَمَا تَرْبِطُ الْجَوَابَ بِشَرْطِهِ تَرْبِطُ شِبْهَ الْجَوَابِ بِشِبْهِ الشَّرْطِ نَحْوَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً وَحَمَلَ عَلَيْهِ الزَّجَّاجُ: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ ورد بأن الخبر ﴿حَمِيمٍ﴾ ، وَمَا بَيْنَهُمَا مُعْتَرِضٌ وَخَرَّجَ عَلَيْهِ الْفَارِسِيُّ: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ وَغَيْرَهُ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾
الْخَامِسُ: أَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنَافِ وَخُرِّجَ عَلَيْهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ بالرفع.
فِي
حَرْفُ جَرٍّ لَهُ مَعَانٍ:
أَشْهَرُهَا: الظَّرْفِيَّةُ مَكَانًا أَوْ زَمَانًا نَحْوَ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ حَقِيقَةً كَالْآيَةِ أَوْ مَجَازًا نَحْوَ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ، ﴿لَقَدْ كَانَ
стр. 632
فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ﴾ ، ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
ثانيها: المصاحبة كمع، نحو: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أَيْ مَعَهُمْ، ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ .
ثَالِثُهَا: التَّعْلِيلُ، نَحْوَ: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ، ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ أَيْ لِأَجْلِهِ.
رَابِعُهَا: الِاسْتِعْلَاءُ، نَحْوَ: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أَيْ عَلَيْهَا.
خَامِسُهَا: مَعْنَى الْبَاءِ، نحو: ﴿يَذْرَأُكُمْ فِيهِ﴾ أَيْ بِسَبَبِهِ.
سَادِسُهَا: مَعْنَى إِلَى، نَحْوَ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ أَيْ إِلَيْهَا.
سَابِعُهَا: مَعْنَى مِنْ، نحو: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ أَيْ مِنْهُمْ بِدَلِيلِ الْآيَةِ الْأُخْرَى.
ثَامِنُهَا: مَعْنَى عَنْ، نَحْوَ: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ أَيْ عَنْهَا وَعَنْ مَحَاسِنِهَا.
تَاسِعُهَا: الْمُقَايَسَةُ وَهِيَ الدَّاخِلَةُ بَيْنَ مَفْضُولٍ سَابِقٍ وَفَاضِلٍ لَاحِقٍ نَحْوَ: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ .
стр. 633
عَاشِرُهَا: التَّوْكِيدُ وَهِيَ الزَّائِدَةُ، نَحْوَ: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ أي أركبوها.
قَدْ
حَرْفٌ مُخْتَصٌّ بِالْفِعْلِ الْمُتَصَرِّفِ الْخَبَرِيِّ الْمُثْبَتِ الْمُجَرَّدِ مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ وَحَرْفِ تَنْفِيسٍ مَاضِيًا كَانَ أَوْ مُضَارِعًا وَلَهَا مَعَانٍ:
الْأَوَّلُ: التَّحْقِيقُ مَعَ الْمَاضِي، نَحْوَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ وَهِيَ فِي الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ الْمُجَابِ بِهَا الْقَسَمُ مِثْلَ إِنَّ وَاللَّامِ فِي الِاسْمِيَّةِ الْمُجَابِ بِهَا فِي إفادة التوكيد.
والثاني: وَالتَّقْرِيبُ مَعَ الْمَاضِي أَيْضًا تُقَرِّبُهُ مِنَ الْحَالِ، تَقُولُ: قَامَ زَيْدٌ فَيَحْتَمِلُ الْمَاضِيَ الْقَرِيبَ وَالْمَاضِيَ الْبَعِيدَ فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ قَامَ اخْتَصَّ بِالْقَرِيبِ قَالَ النُّحَاةُ: وَانْبَنَى عَلَى إِفَادَتِهَا ذَلِكَ أَحْكَامٌ:
مِنْهَا: مَنْعُ دُخُولِهَا عَلَى لَيْسَ وَعَسَى وَنِعْمَ وَبِئْسَ، لِأَنَّهُنَّ لِلْحَالِ فَلَا مَعْنَى لِذِكْرِ مَا يُقَرِّبُ مَا هُوَ حَاصِلٌ وَلِأَنَّهُنَّ لَا يُفِدْنَ الزَّمَانَ.
وَمِنْهَا: وُجُوبُ دُخُولِهَا عَلَى الْمَاضِي الْوَاقِعِ حَالًا، إِمَّا ظَاهِرَةً، نَحْوَ: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا﴾ أَوْ مُقَدَّرَةً، نَحْوَ: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ ، ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْكُوفِيُّونَ وَالْأَخْفَشُ وَقَالُوا: لَا تَحْتَاجُ لِذَلِكَ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ حَالًا بِدُونِ قَدْ.
стр. 634
وَقَالَ السَّيِّدُ الْجُرْجَانِيُّ وَشَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْكَافَيَجِيُّ: مَا قَالَهُ الْبَصْرِيُّونَ غَلَطٌ سَبَبُهُ اشْتِبَاهُ لَفْظِ الْحَالِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ الْحَالَ الَّذِي تُقَرِّبُهُ " قَدْ " حَالُ الزَّمَانِ وَالْحَالَ الْمُبَيِّنَ لِلْهَيْئَةِ حَالُ الصِّفَاتِ وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ فِي الْمَعْنَى.
الْمَعْنَى الثَّالِثُ: التَّقْلِيلُ مَعَ الْمُضَارِعِ، قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَهُوَ ضَرْبَانِ تَقْلِيلُ وُقُوعِ الْفِعْلِ، نَحْوَ: "قَدْ يَصْدُقُ الْكَذُوبُ " وَتَقْلِيلُ مُتَعَلِّقِهِ، نَحْوَ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أَيْ أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ هُوَ أَقَلُّ مَعْلُومَاتِهِ تَعَالَى قَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَنَحْوِهَا لِلتَّحْقِيقِ انْتَهَى.
وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قَالَ: إِنَّهَا أُدْخِلَتْ لِتَوْكِيدِ الْعِلْمِ وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى تَوْكِيدِ الْوَعِيدِ.
الرَّابِعُ: التَّكْثِيرُ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرُهُ وَخَرَّجَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ قَالَ: أَيْ رُبَّمَا نَرَى وَمَعْنَاهُ تَكْثِيرُ الرُّؤْيَةِ.
الْخَامِسُ: التَّوَقُّعُ، نَحْوَ: قَدْ يُقْدِمُ الْغَائِبُ، لِمَنْ يَتَوَقَّعُ قدومه وينتظره، وقد قَامَتِ الصَّلَاةُ، لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ مُنْتَظِرُونَ ذَلِكَ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَتَوَقَّعُ إِجَابَةَ اللَّهِ لِدُعَائِهَا.
стр. 635
الْكَافُ
حَرْفُ جَرٍّ لَهُ مَعَانٍ:
أَشْهَرُهَا التَّشْبِيهُ، نَحْوَ: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾ ، وَالتَّعْلِيلُ، نَحْوَ: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً﴾ إلى قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قَالَ الْأَخْفَشُ: أَيْ لِأَجْلِ إِرْسَالِنَا فِيكُمْ رَسُولًا منكم ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ أَيْ لِأَجْلِ هِدَايَتِهِ إِيَّاكُمْ ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ أَيْ أَعْجَبُ لِعَدَمِ فَلَاحِهِمْ ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ وَالتَّوْكِيدُ وَهِيَ الزَّائِدَةُ وَحَمَلَ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ زَائِدَةٍ لَزِمَ إِثْبَاتُ الْمِثْلِ وَهُوَ مُحَالٌ وَالْقَصْدُ بِهَذَا الْكَلَامِ نَفْيُهُ، قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَإِنَّمَا زِيدَتْ لِتَوْكِيدِ نَفْيِ الْمِثْلِ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْحَرْفِ بِمَنْزِلَةِ إِعَادَةِ الْجُمْلَةِ ثَانِيًا.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: إِنَّمَا جُمِعَ بَيْنَ الْكَافِ وَالْمِثْلِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُ الْمِثْلِ وَلَا الْكَافِ فَنَفَى بِلَيْسَ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا.
وَقَالَ ابْنُ فُورَكَ: لَيْسَتْ زَائِدَةً وَالْمَعْنَى لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ وَإِذَا نَفَيْتَ التَّمَاثُلَ عَنِ الْمِثْلِ فَلَا مِثْلَ لِلَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مِثْلُ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الذَّاتُ كَقَوْلِكَ: مِثْلُكَ لَا يَفْعَلُ هَذَا أَيْ أَنْتَ لَا تَفْعَلُهُ كَمَا قَالَ:
وَلَمْ أَقُلْ مِثْلَكَ أَعْنِي بِهِ
سِوَاكَ يَا فَرْدًا بِلَا مُشْبِهِ
стр. 636
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أَيْ بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ إِيَّاهُ لِأَنَّ إِيمَانَهُمْ لَا مِثْلَ لَهُ فَالتَّقْدِيرُ فِي الْآيَةِ: لَيْسَ كَذَاتِهِ شَيْءٌ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْمِثْلُ هُنَا بِمَعْنَى الصِّفَةِ وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ كَصِفَتِهِ صِفَةٌ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ وُصِفَ بِكَثِيرٍ مِمَّا وُصِفَ بِهِ الْبَشَرُ فَلَيْسَ تِلْكَ الصِّفَاتُ لَهُ عَلَى حَسَبِ مَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْبَشَرِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى.
تَنْبِيهٌ
تَرِدُ الْكَافُ اسْمًا بِمَعْنَى " مِثْلٍ " فَتَكُونُ فِي مَحَلِّ إِعْرَابٍ وَيَعُودُ عَلَيْهَا الضَّمِيرُ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ : إِنَّ الضَّمِيرَ فِي " فِيهِ " لِلْكَافِ فِي كَهَيْئَةٍ أَيْ فَأَنْفُخُ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمُمَاثِلِ فَيَصِيرُ كَسَائِرِ الطُّيُورِ. انْتَهَى.
مَسْأَلَةٌ
الْكَافُ فِي " ذَلِكَ " أَيْ فِي اسْمِ الْإِشَارَةِ وَفُرُوعِهِ وَنَحْوِهِ حَرْفُ خِطَابٍ لَا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ وَفِي " إِيَّاكَ " قِيلَ: حَرْفٌ وَقِيلَ: اسْمٌ مُضَافٌ إِلَيْهِ وَفِي أَرَأَيْتَكَ قِيلَ: حَرْفٌ وَقِيلَ: اسْمٌ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ وَقِيلَ: نَصْبٍ وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ.
стр. 637
كَادَ
فِعْلٌ نَاقِصٌ أَتَى مِنْهُ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعُ فَقَطْ، لَهُ اسْمٌ مَرْفُوعٌ وَخَبَرٌ مُضَارِعٌ مُجَرَّدٌ مِنْ أَنْ وَمَعْنَاهَا قَارَبَ فَنَفْيُهَا نَفْيٌ لِلْمُقَارَبَةِ وَإِثْبَاتُهَا إِثْبَاتٌ لِلْمُقَارَبَةِ وَاشْتُهِرَ عَلَى أَلْسِنَةِ كَثِيرٍ أَنَّ نَفْيَهَا إِثْبَاتٌ وَإِثْبَاتَهَا نَفْيٌ فَقَوْلُكَ: كَادَ زَيْدٌ يَفْعَلُ مَعْنَاهُ لَمْ يَفْعَلْ، بِدَلِيلِ: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ ، " وَمَا كَادَ يَفْعَلُ " مَعْنَاهُ: فَعَلَ بِدَلِيلِ: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ .
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ كَادَ، وَأَكَادُ، وَيَكَادُ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ أَبَدًا. وَقِيلَ: إِنَّهَا تُفِيدُ الدَّلَالَةَ عَلَى وُقُوعِ الْفِعْلِ بِعُسْرٍ، وَقِيلَ: نَفْيُ الْمَاضِي إِثْبَاتٌ، بِدَلِيلِ: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وَنَفْيُ الْمُضَارِعِ نَفْيٌ بِدَلِيلِ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ شَيْئًا. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ أَنَّهَا كَغَيْرِهَا نَفْيُهَا نَفْيٌ وَإِثْبَاتُهَا إِثْبَاتٌ فَمَعْنَى كَادَ يَفْعَلُ قَارَبَ الْفِعْلَ وَلَمْ يَفْعَلْ وَمَا كَادَ يَفْعَلُ مَا قَارَبَ الْفِعْلَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَفْعَلَ فَنَفْيُ الْفِعْلِ لَازِمٌ مِنْ نَفْيِ الْمُقَارَبَةِ عَقْلًا.
وَأَمَّا آيَةُ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ فَهُوَ إِخْبَارٌ عَنْ حَالِهِمْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَوَّلًا بُعَدَاءَ مِنْ ذَبْحِهَا وَإِثْبَاتُ الْفِعْلِ إِنَّمَا فُهِمَ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ﴾ مَعَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَرْكَنْ لَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا فَإِنَّهُ مَفْهُومٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ لَوْلَا الِامْتِنَاعِيَّةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ.
стр. 638
فَائِدَةٌ
تَرِدُ كَادَ بِمَعْنَى أَرَادَ، وَمِنْهُ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ ، ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ وَعَكْسُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أي يكاد.
كَانَ
فِعْلٌ نَاقِصٌ مُتَصَرِّفٌ يَرْفَعُ الِاسْمَ وَيَنْصِبُ الْخَبَرَ وَمَعْنَاهُ فِي الْأَصْلِ الْمُضِيُّ وَالِانْقِطَاعُ نَحْوَ: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً﴾ وَتَأْتِي بِمَعْنَى الدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ نَحْوَ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ، ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى تَتَخَرَّجُ جَمِيعُ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِكَانَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: كَانَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:
بِمَعْنَى الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ .
بِمَعْنَى الْمُضِيِّ الْمُنْقَطِعِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي مَعْنَاهَا، نَحْوَ: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ .
وَبِمَعْنَى الْحَالِ، نَحْوَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ، ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ .
стр. 639
وَبِمَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ، نَحْوَ: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مستطيرا﴾ .
وَبِمَعْنَى صَارَ، نَحْوَ: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ . انْتَهَى.
قُلْتُ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَقَالَ: "أَنْتُمْ " فَكُنَّا كُلَّنَا، وَلَكِنْ قَالَ: "كُنْتُمْ " فِي خَاصَّةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ.
وَتَرِدُ كَانَ بِمَعْنَى " يَنْبَغِي " نَحْوَ: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ ، ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ .
وَبِمَعْنَى حَضَرَ أَوْ وَجَدَ، نَحْوَ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ ، ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ ، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ .
وَتَرِدُ لِلتَّأْكِيدِ وَهِيَ الزَّائِدَةُ، وَجُعِلَ مِنْهُ: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، أي بما يعملون.
كَأَنَّ
بِالتَّشْدِيدِ. حَرْفٌ لِلتَّشْبِيهِ الْمُؤَكِّدِ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ كَافِ التَّشْبِيهِ وَأَنَّ الْمُؤَكِّدَةِ وَالْأَصْلُ فِي كَأَنَّ زَيْدًا أَسَدٌ " أَنَّ زَيْدًا كَأَسَدٍ " قُدِّمَ حَرْفُ التَّشْبِيهِ اهْتِمَامًا بِهِ فَفُتِحَتْ هَمْزَةُ أَنَّ لِدُخُولِ الْجَارِّ.
стр. 640
قَالَ حَازِمٌ: وَإِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ حَيْثُ يَقْوَى الشَّبَهُ حَتَّى يَكَادَ الرَّائِي يَشُكُّ فِي أَنَّ الْمُشَبَّهَ هُوَ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَوْ غَيْرُهُ وَلِذَلِكَ قَالَتْ بلقيس: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ .
قِيلَ: وَتَرِدُ لِلظَّنِّ وَالشَّكِّ فِيمَا إِذَا كَانَ خَبَرُهَا غَيْرَ جَامِدٍ.
وَقَدْ تُخَفَّفُ نَحْوَ: ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ .
كَأَيِّنْ
اسْمٌ مُرَكَّبٌ مِنْ كَافِ التَّشْبِيهِ وَأَيٍّ الْمُنَوَّنَةِ لِلتَّكْثِيرِ فِي الْعَدَدِ نَحْوَ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ .
وَفِيهَا لُغَاتٌ مِنْهَا: كَائِنٌ، بِوَزْنِ بَائِعٍ، وَقَرَأَ بِهَا ابْنُ كَثِيرٍ حَيْثُ وَقَعَتْ وَكَأْيٍ بِوَزْنِ كَعْبٍ وقرئ بها ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ﴾ وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ لَازِمَةُ الصَّدْرِ مُلَازِمَةٌ لِلْإِبْهَامِ مُفْتَقِرَةٌ لِلتَّمْيِيزِ وَتَمْيِيزُهَا مَجْرُورٌ بمن غَالِبًا وَقَالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: لَازِمًا.
كَذَا
لَمْ تَرِدْ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا لِلْإِشَارَةِ نَحْوَ: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ .
стр. 641
كُلُّ
اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِاسْتِغْرَاقِ أَفْرَادِ الْمُنَكَّرِ الْمُضَافِ هُوَ إِلَيْهِ، نَحْوَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ .
وَالْمُعَرَّفِ الْمَجْمُوعِ، نَحْوَ: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ ، ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ﴾ وأجزاء المفرد المعرف نحو: ﴿طْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ بِإِضَافَةِ " قَلْبٍ " إِلَى " مُتَكَبِّرٍ " أَيْ عَلَى كُلِّ أَجْزَائِهِ وَقِرَاءَةُ التَّنْوِينِ لِعُمُومِ أَفْرَادِ الْقُلُوبِ.
وَتَرِدُ بِاعْتِبَارِ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ نَعْتًا لِنَكِرَةٍ أَوْ مَعْرِفَةٍ فَتَدُلُّ عَلَى كَمَالِهِ وَتَجِبُ إِضَافَتُهَا إِلَى اسْمٍ ظَاهِرٍ يُمَاثِلُهُ لَفْظًا وَمَعْنًى نَحْوَ: ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ أَيْ بَسْطًا كُلَّ الْبَسْطِ أَيْ تَامًّا، ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ .
ثَانِيهَا: أَنْ تَكُونَ تَوْكِيدًا لِمَعْرِفَةٍ فَفَائِدَتُهَا الْعُمُومُ وَتَجِبُ إِضَافَتُهَا إِلَى ضَمِيرٍ رَاجِعٍ لِلْمُؤَكَّدِ نَحْوَ: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ وَالزَّمَخْشَرِيُّ قَطْعَهَا حِينَئِذٍ عَنِ الْإِضَافَةِ لَفْظًا وَخُرِّجَ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ بَعْضِهِمْ: "إِنَّا كُلاًّ فِيهَا ".
ثالثها: ألا تَكُونُ تَابِعَةً بَلْ تَالِيَةً لِلْعَوَامِلِ فَتَقَعُ مُضَافَةً إِلَى الظَّاهِرِ وَغَيْرَ
стр. 642
مُضَافَةٍ، نَحْوَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ، ﴿وَكُلّاً ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ﴾ .
وَحَيْثُ أُضِيفَتْ إِلَى مُنَكَّرٍ وَجَبَ فِي ضَمِيرِهَا مُرَاعَاةُ مَعْنَاهَا نَحْوَ: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ ، ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ﴾ ، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ، ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ﴾ .
أَوْ إِلَى مُعَرَّفٍ جَازَ مُرَاعَاةُ لَفْظِهَا فِي الْإِفْرَادِ وَالتَّذْكِيرِ وَمُرَاعَاةُ مَعْنَاهَا وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ .
أَوْ قُطِعَتْ فَكَذَلِكَ، نَحْوَ: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ ، ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ ، ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ ، ﴿وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ .
وَحَيْثُ وَقَعَتْ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ بِأَنْ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهَا أَدَاتُهُ أَوِ الْفِعْلُ الْمَنْفِيُّ فَالنَّفْيُ مُوَجَّهٌ إِلَى الشُّمُولِ خَاصَّةً وَيُفِيدُ بِمَفْهُومِهِ إِثْبَاتُ الْفِعْلِ لِبَعْضِ الْأَفْرَادِ.
وَإِنْ وَقَعَ النَّفْيُ فِي خَبَرِهَا فَهُوَ مُوَجَّهٌ إِلَى كُلِّ فَرْدٍ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَيَانِيُّونَ.
وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ إِذْ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ الْحُبِّ لِمَنْ فِيهِ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ
стр. 643
وَأُجِيبُ بِأَنَّ دَلَالَةَ الْمَفْهُومِ إِنَّمَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا عِنْدَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ وَهُوَ هُنَا مَوْجُودٌ إِذْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِ الِاخْتِيَالِ وَالْفَخْرِ مُطْلَقًا.
مَسْأَلَةٌ
تَتَّصِلُ " مَا " بِكُلٍّ، نَحْوَ: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً﴾ ، وَهِيَ مَصْدَرِيَّةٌ وَلَكِنَّهَا نَابَتْ بِصِلَتِهَا عَنْ ظَرْفِ زَمَانٍ كَمَا يَنُوبُ عَنْهُ الْمَصْدَرُ الصَّرِيحُ وَالْمَعْنَى: كُلَّ وَقْتٍ وَلِهَذَا تُسَمَّى " مَا " هَذِهِ الْمَصْدَرِيَّةَ الظَّرْفِيَّةَ أَيِ النَّائِبَةَ عَنِ الظَّرْفِ لَا أَنَّهَا ظَرْفٌ فِي نَفْسِهَا فَكُلٌّ مِنْ " كُلَّمَا " مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ لِإِضَافَتِهِ إِلَى شَيْءٍ هُوَ قَائِمٌ مَقَامَهُ وَنَاصِبُهُ الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ جَوَابٌ فِي الْمَعْنَى: وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ وَالْأُصُولِيُّونَ أَنَّ " كُلَّمَا " لِلتَّكْرَارِ.
قَالَ أَبُو حَيَّانَ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ مَا لِأَنَّ الظَّرْفِيَّةَ مُرَادٌ بِهَا الْعُمُومُ وكل أكدته.
كِلَا وَكِلْتَا
اسْمَانِ مُفْرَدَانِ لَفْظًا مُثَنَّيَانِ مَعْنًى، مُضَافَانِ أَبَدًا لَفْظًا وَمَعْنًى إِلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مُعَرَّفَةٍ دَالَّةٍ عَلَى اثْنَيْنِ. قَالَ الرَّاغِبُ: وَهُمَا فِي التَّثْنِيَةِ كَكُلٍّ فِي الْجَمْعِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ﴾ ، ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا﴾ .
كَلَّا
مُرَكَّبَةٌ عِنْدَ ثَعْلَبٍ مِنْ كَافِ التَّشْبِيهِ ولا الثانية شُدِّدَتْ لَامُهَا لِتَقْوِيَةِ الْمَعْنَى وَلِدَفْعِ تَوَهُّمِ بَقَاءِ مَعْنَى الْكَلِمَتَيْنِ.
стр. 644
وَقَالَ غَيْرُهُ: بَسِيطَةٌ فَقَالَ سِيبَوَيْهِ وَالْأَكْثَرُونَ: حَرْفٌ مَعْنَاهُ الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ لَا مَعْنَى لَهَا عِنْدَهُمْ إِلَّا ذَلِكَ حَتَّى إِنَّهُمْ يُجِيزُونَ أَبَدًا الْوَقْفَ عَلَيْهَا وَالِابْتِدَاءَ بِمَا بَعْدَهَا وَحَتَّى قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: مَتَى سَمِعْتَ كَلَّا فِي سُورَةٍ فَاحْكُمْ بِأَنَّهَا مَكِّيَّةٌ لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ وَأَكْثَرُ مَا نُزِّلَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْعُتُوِّ كَانَ بِهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ مَعْنَى الزَّجْرِ فِي نَحْوِ: ﴿مَا شَاءَ رَكَّبَكَ كَلَّا﴾ ، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ كَلَّا﴾ ، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ كَلَّا﴾ ، وَقَوْلُهُمْ: انْتَهِ عَنْ تَرْكِ الْإِيمَانِ بِالتَّصْوِيرِ فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ اللَّهُ وَبِالْبَعْثِ وَعَنِ الْعَجَلَةِ بِالْقُرْآنِ تَعَسُّفٌ إِذْ لَمْ تَتَقَدَّمْ فِي الأولين حِكَايَةُ نَفْيِ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ وَلِطُولِ الْفَصْلِ فِي الثَّالِثَةِ بَيْنَ كَلَّا وَذِكْرِ الْعَجَلَةِ وَأَيْضًا فَإِنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلْ خَمْسُ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْعَلَقِ ثُمَّ نَزَلَ: ﴿كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ فَجَاءَتْ فِي افْتِتَاحِ الْكَلَامِ.
وَرَأَى آخَرُونَ أَنَّ مَعْنَى الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ لَيْسَ مُسْتَمِرًّا فِيهَا فَزَادُوا مَعْنًى ثَانِيًا يَصِحُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوقَفَ دُونَهَا ويبتدأ بهاء.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ ذَلِكَ الْمَعْنَى. فَقَالَ الْكِسَائِيُّ: تَكُونُ بِمَعْنَى حَقًّا. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: بِمَعْنَى أَلَا الِاسْتِفْتَاحِيَّةِ، قَالَ أَبُو حَيَّانَ: وَلَمْ يَسْبِقْهُ إِلَى ذَلِكَ أَحَدٌ وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الزَّجَّاجُ. وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَرْفُ جَوَابٍ بِمَنْزِلَةِ أَيْ وَنَعَمْ وَحَمَلُوا عَلَيْهِ: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَابْنُ سَعْدَانَ: بِمَعْنَى سَوْفَ وَحَكَاهُ أَبُو حَيَّانَ فِي تَذْكِرَتِهِ.
стр. 645
قَالَ مَكِّيٌّ: وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى حَقًّا فَهِيَ اسْمٌ وَقُرِئَ: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ بِالتَّنْوِينِ وَوُجِّهَ بِأَنَّهُ مَصْدَرُ كَلَّ إِذَا أَعْيَا أَيْ كَلُّوا فِي دَعْوَاهُمْ وَانْقَطَعُوا أَوْ مِنَ الْكَلِّ وَهُوَ الثِّقَلُ أَيْ حَمَلُوا كَلًّا.
وَجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ حَرْفَ رَدْعٍ نُوِّنَ كَمَا فِي: ﴿سَلاسِلا﴾ .
وَرَدَّهُ أَبُو حَيَّانَ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا صَحَّ في: ﴿سَلاسِلا﴾ لأن اسْمٌ أَصْلُهُ التَّنْوِينُ فَرَجَعَ بِهِ إِلَى أَصْلِهِ لِلتَّنَاسُبِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَيْسَ التَّوْجِيهُ مُنْحَصِرًا عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي ذَلِكَ بَلْ جَوَّزَ كَوْنَ التَّنْوِينِ بَدَلًا مِنْ حَرْفِ الْإِطْلَاقِ الْمَزِيدِ فِي رَأْسِ الْآيَةِ ثُمَّ أَنَّهُ وُصِلَ بِنِيَّةِ الْوَقْفِ.
كَمْ
اسْمٌ مَبْنِيٌّ لَازِمُ الصَّدْرِ مُبْهَمٌ مُفْتَقِرٌ إِلَى التَّمْيِيزِ وَتَرِدُ اسْتِفْهَامِيَّةً - وَلَمْ تَقَعْ فِي الْقُرْآنِ - وَخَبَرِيَّةً بِمَعْنَى كَثِيرٍ.
وَإِنَّمَا تَقَعُ غَالِبًا فِي مَقَامِ الِافْتِخَارِ وَالْمُبَاهَاةِ، نَحْوَ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ، ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ ، ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ .
وَعَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّ أَصْلَهَا " كَمَا " فَحُذِفَتِ الْأَلِفُ مِثْلَ بِمَ وَلِمَ وَحَكَاهُ الزَّجَّاجُ. وَرَدَّهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتْ مَفْتُوحَةَ الْمِيمِ.
стр. 646
كَيْ
حَرْفٌ لَهُ مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: التَّعْلِيلُ نَحْوَ: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ﴾ .
وَالثَّانِي: مَعْنَى أَنِ الْمَصْدَرِيَّةِ نَحْوَ: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ لِصِحَّةِ حُلُولِ أَنْ مَحَلَّهَا وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَرْفَ تَعْلِيلٍ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا حَرْفُ تَعْلِيلٍ.
كَيْفَ
اسْمٌ يَرِدُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
الشَّرْطُ، وَخُرِّجَ عَلَيْهِ: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ، ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ .
وَجَوَابُهَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهَا.
وَالِاسْتِفْهَامُ وَهُوَ الْغَالِبُ وَيُسْتَفْهَمُ بِهَا عَنْ حَالِ الشَّيْءِ لَا عَنْ ذَاتِهِ.
قَالَ الرَّاغِبُ: وَإِنَّمَا يُسْأَلُ بِهَا عَمَّا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيهِ شَبِيهٌ وَغَيْرُ شَبِيهٍ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي اللَّهِ: كَيْفَ. قَالَ: وَكُلَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِلَفْظِ " كَيْفَ " عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ اسْتِخْبَارٌ عَلَى طَرِيقِ التَّنْبِيهِ لِلْمُخَاطَبِ أَوِ التَّوْبِيخِ، نحو: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ ، ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً﴾ .
стр. 647
اللَّامُ
أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: جَارَّةٌ، وَنَاصِبَةٌ، وَجَازِمَةٌ، وَمُهْمَلَةٌ، غَيْرُ عَامِلَةٍ.
فَالْجَارَّةُ مَكْسُورَةٌ مَعَ الظَّاهِرِ: وَأَمَّا قِرَاءَةُ بَعْضِهِمْ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فَالضَّمَّةُ عَارِضَةٌ لِلْإِتْبَاعِ مفتوحة مع المضمر إِلَّا الْيَاءَ. وَلَهَا مَعَانٍ:
الِاسْتِحْقَاقُ: وَهِيَ الْوَاقِعَةُ بَيْنَ مَعْنًى وَذَاتٍ، نَحْوَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ، ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ﴾ ، ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ، ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ .
وَالِاخْتِصَاصُ: نَحْوَ: ﴿إِنَّ لَهُ أَباً﴾ ، ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ .
وَالْمِلْكُ: نَحْوَ: ﴿لَهُ ماَ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ .
وَالتَّعْلِيلُ: نَحْوَ: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ، أَيْ وَإِنَّهُ مِنْ أَجْلِ حُبِّ الْمَالِ لَبَخِيلٌ، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الْآيَةُ، فِي قِرَاءَةِ حَمْزَةَ أَيْ لِأَجْلِ إِيتَائِي إِيَّاكُمْ بَعْضَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ثُمَّ لِمَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ ، فما مَصْدَرِيَّةٌ وَاللَّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ وَقَوْلُهُ: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ وتعلقها بـ" يعبدوا ".
وقيل: بما قبلها أَيْ ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ وَرُجِّحَ بِأَنَّهُمَا فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ سُورَةٌ وَاحِدَةٌ
стр. 648
وَمُوَافَقَةُ " إِلَى " نَحْوَ: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ ، ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً﴾ .
وَ" عَلَى " نَحْوَ: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ ، ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ ، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ، ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ، ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أَيْ عَلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَ" فِي " نَحْوَ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ، ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ ، ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ ، أَيْ فِي حَيَاتِي. وَقِيلَ: هِيَ فِيهَا لِلتَّعْلِيلِ، أَيْ لِأَجْلِ حَيَاتِي فِي الْآخِرَةِ.
وَ" عِنْدَ " كَقِرَاءَةِ الْجَحْدَرِيِّ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ .
وَ" بَعْدَ " نَحْوَ: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ .
وَ" عَنْ " نَحْوَ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ أَيْ عَنْهُمْ وَفِي حَقِّهِمْ لَا أَنَّهُمْ خَاطَبُوا بِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِلَّا لَقِيلَ: "مَا سَبَقْتُمُونَا ".
وَالتَّبْلِيغُ: وَهِيَ الْجَارَّةُ لِاسْمِ السَّامِعِ لِقَوْلٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ كَالْإِذْنِ.
وَالصَّيْرُورَةُ: وَتُسَمَّى لَامَ الْعَاقِبَةِ، نَحْوَ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ
стр. 649
عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ ، فَهَذَا عَاقِبَةُ الْتِقَاطِهِمْ لَا عِلَّتُهُ إِذْ هِيَ التبني ومنع قول ذَلِكَ وَقَالُوا: هِيَ لِلتَّعْلِيلِ مَجَازًا لِأَنَّ كَوْنَهُ عَدُوًّا لَمَّا كَانَ نَاشِئًا عَنِ الِالْتِقَاطِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَرَضًا لَهُمْ - نُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْغَرَضِ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ.
وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: الَّذِي عِنْدِي أَنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ حَقِيقَةً وَأَنَّهُمُ الْتَقَطُوهُ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَذَلِكَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: "لِمَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أَيْ كَرَاهَةَ أَنْ تَضِلُّوا انْتَهَى.
وَالتَّأْكِيدُ: وَهِيَ الزَّائِدَةُ أَوِ الْمُقَوِّيَةُ لِلْعَامِلِ الضَّعِيفِ لِفَرْعِيَّةٍ أَوْ تَأْخِيرٍ نحو: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ ، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ، ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾ ، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ، ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ .
وَالتَّبْيِينُ لِلْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ، نَحْوَ: ﴿فَتَعْساً لَهُمْ﴾ ، ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ ، ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ .
وَالنَّاصِبَةُ هِيَ لَامُ التَّعْلِيلِ، وَادَّعَى الكوفيون نصبها وَقَالَ غَيْرُهُمْ بِأَنْ مَقْدَّرَةٍ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِاللَّامِ.
وَالْجَازِمَةُ وَهِيَ لَامُ الطَّلَبِ وَحَرَكَتُهَا الْكَسْرُ وَسُلَيْمٌ تَفْتَحُهَا وَإِسْكَانُهَا بَعْدَ الْوَاوِ وَالْفَاءِ أَكْثَرُ مِنْ تَحْرِيكِهَا، نَحْوَ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ .
стр. 650
وَقَدْ تُسَكَّنُ بَعْدَ ثُمَّ نَحْوَ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الطَّلَبُ أَمْرًا نَحْوَ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ أَوْ دُعَاءً نَحْوَ: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ .
وَكَذَا لَوْ خَرَجَتْ إِلَى الْخَبَرِ نَحْوَ: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ ، ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ .
أَوِ التَّهْدِيدِ نَحْوَ: ﴿وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ .
وَجَزْمُهَا فِعْلَ الْغَائِبِ كَثِيرٌ، نَحْوَ: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ وَفِعْلَ الْمُخَاطَبِ قَلِيلٌ وَمِنْهُ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا﴾ فِي قِرَاءَةِ التَّاءِ وَفِعْلَ الْمُتَكَلِّمِ أَقَلُّ وَمِنْهُ: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ وَغَيْرُ الْعَامِلَةِ: أَرْبَعٌ:
لَامُ الِابْتِدَاءِ وَفَائِدَتُهَا أَمْرَانِ تَوْكِيدُ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ وَلِهَذَا زَحْلَقُوهَا فِي بَابِ إِنَّ عَنْ صَدْرِ الْجُمْلَةِ كَرَاهَةَ تَوَالِي مُؤَكِّدَيْنِ وَتَخْلِيصَ الْمُضَارِعِ لِلْحَالِ وَتَدْخُلُ فِي الْمُبْتَدَإِ نَحْوَ: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ .
وَفِي خَبَرِ إِنَّ نَحْوَ: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ ، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وَاسْمِهَا الْمُؤَخَّرِ نَحْوَ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالأُولَى﴾
стр. 651
وَاللَّامُ الزَّائِدَةُ فِي خَبَرِ " أَنَّ " الْمَفْتُوحَةِ كَقِرَاءَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ والمفعول كَقَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ وَلَامُ الْجَوَابِ لِلْقَسَمِ أَوْ " لَوْ " أَوْ " لَوْلَا " نَحْوَ: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ﴾ ، ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ ، ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا﴾ ، ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ وَاللَّامُ الْمُوَطِّئَةُ وَتُسَمَّى الْمُؤْذِنَةُ وَهِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى أَدَاةِ شَرْطٍ لِلْإِيذَانِ بأن الجواب بعدها مَبْنِيٌّ عَلَى قَسَمٍ مُقَدَّرٍ نَحْوَ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ﴾ وَخُرِّجَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ .
لَا
عَلَى أَوْجُهٍ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ نَافِيَةً وَهِيَ أَنْوَاعٌ:
أَحَدُهَا أَنْ تَعْمَلَ عَمَلَ " إِنَّ " وذلك إذا أريد بها نفس الْجِنْسِ عَلَى سَبِيلِ التَّنْصِيصِ وَتُسَمَّى حِينَئِذٍ تَبْرِئَةً وَإِنَّمَا يَظْهَرُ نَصْبُهَا إِذَا كَانَ اسْمُهَا مُضَافًا أَوْ شِبْهَهُ وَإِلَّا فَيُرَكَّبُ مَعَهَا نَحْوَ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ، ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ .
стр. 652
فَإِنْ تَكَرَّرَتْ جَازَ التَّرْكِيبُ وَالرَّفْعُ نَحْوَ: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ ولا جدال﴾ ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ .
ثَانِيهَا: أَنْ تَعْمَلَ عَمَلَ لَيْسَ نَحْوَ: ﴿وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ .
ثَالِثُهَا وَرَابِعُهَا: أَنْ تَكُونَ عَاطِفَةً أَوْ جَوَابِيَّةً وَلَمْ يَقَعَا فِي الْقُرْآنِ.
خَامِسُهَا: أَنْ تَكُونَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مَا بَعْدَهَا جُمْلَةً اسْمِيَّةً صَدْرُهَا مَعْرِفَةٌ أَوْ نَكِرَةٌ وَلَمْ تَعْمَلْ فِيهَا أَوْ فِعْلًا مَاضِيًا لَفْظًا أَوْ تَقْدِيرًا وَجَبَ تَكْرَارُهَا نَحْوَ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ .
أَوْ مُضَارِعًا لَمْ يَجِبْ نَحْوَ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ﴾ ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ وَتَعْتَرِضُ لَا هَذِهِ بَيْنَ النَّاصِبِ وَالْمَنْصُوبِ نَحْوَ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ وَالْجَازِمِ وَالْمَجْزُومِ نَحْوَ: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ .
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ لِطَلَبِ التَّرْكِ فَتَخْتَصُّ بِالْمُضَارِعِ وَتَقْتَضِي جَزْمَهُ وَاسْتِقْبَالَهُ سَوَاءٌ كَانَ نَهْيًا نَحْوَ: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي﴾ ،
стр. 653
﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إ﴾ أَوْ دُعَاءً نَحْوَ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: التَّأْكِيدُ وَهِيَ الزَّائِدَةُ نَحْوَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ أَيْ لِيَعْلَمُوا. قَالَ ابْنُ جِنِّي: لَا هُنَا مُؤَكِّدَةٌ قَائِمَةٌ مَقَامَ إِعَادَةِ الْجُمْلَةِ مَرَّةً أُخْرَى، وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فَقِيلَ: زَائِدَةٌ وَفَائِدَتُهَا مَعَ التَّوْكِيدِ التَّمْهِيدُ لِنَفْيِ الْجَوَابِ وَالتَّقْدِيرُ: "لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يُتْرَكُونَ سُدًى " وَمِثْلُهُ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ لَأُقْسِمُ وَقِيلَ: نَافِيَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِنْكَارِ الْبَعْثِ فَقِيلَ: لَهُمْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الْقَسَمُ قَالُوا: وَإِنَّمَا صَحَّ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ كَالسُّورَةِ الْوَاحِدَةِ وَلِهَذَا يُذْكَرُ الشَّيْءُ فِي سُورَةٍ وَجَوَابُهُ فِي سورة نحو: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ، ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ .
وقيل: منفيتها أُقْسِمُ عَلَى أَنَّهُ إِخْبَارٌ لَا إِنْشَاءٌ وَاخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قَالَ: وَالْمَعْنَى نَفْيُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقْسِمُ بِالشَّيْءِ إِلَّا إِعْظَامًا لَهُ بِدَلِيلِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ
стр. 654
النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ إِعْظَامَهُ بِالْإِقْسَامِ بِهِ كَلَا إِعْظَامٍ أَيْ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ إِعْظَامًا فَوْقَ ذَلِكَ.
وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ فَقِيلَ: لَا نَافِيَةٌ وَقِيلَ: نَاهِيَةٌ وَقِيلَ: زَائِدَةٌ. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ فَقِيلَ: زَائِدَةٌ وَقِيلَ: نَافِيَةٌ وَالْمَعْنَى يَمْتَنِعُ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ إِلَى الْآخِرَةِ.
تَنْبِيهٌ
تَرِدُ " لَا " اسْمًا بِمَعْنَى غَيْرٍ فَيَظْهَرُ إِعْرَابُهَا فِيمَا بَعْدَهَا نَحْوَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ، ﴿لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ ، ﴿لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ .
فَائِدَةٌ
قَدْ تُحْذَفُ أَلِفُهَا وَخَرَّجَ عَلَيْهِ ابْنُ جِنِّي: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ .
لَاتَ
اخْتُلِفَ فِيهَا فَقَالَ قَوْمٌ: فِعْلٌ مَاضٍ بِمَعْنَى نَقْصٍ. وَقِيلَ: أَصْلُهَا لَيْسَ تَحَرَّكَتِ الْيَاءُ فَقُلِبَتْ أَلِفًا لِانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا وَأُبْدِلَتِ السِّينُ تَاءً وَقِيلَ هِيَ كَلِمَتَانِ لَا النَّافِيَةُ زِيدَتْ عَلَيْهَا التَّاءُ لِتَأْنِيثِ الْكَلِمَةِ وَحُرِّكَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ،
стр. 655
وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: هِيَ لَا النَّافِيَةُ وَالتَّاءُ زَائِدَةٌ فِي أَوَّلِ الْحِينِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَنَّهُ وَجَدَهَا فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ مُخْتَلِطَةً بِحِينٍ فِي الْخَطِّ.
وَاخْتُلِفَ فِي عَمَلِهَا، فَقَالَ الْأَخْفَشُ: لَا تَعْمَلُ شَيْئًا فَإِنْ تَلَاهَا مَرْفُوعٌ فَمُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَوْ مَنْصُوبٌ فَبِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ بِالرَّفْعِ أَيْ كَائِنٌ لَهُمْ وَبِالنَّصْبِ أَيْ لَا أَرَى حِينَ مَنَاصٍ. وَقِيلَ: تَعْمَلُ عَمَلَ إِنَّ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: تَعْمَلُ عَمَلَ لَيْسَ وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ لَا يُذْكَرُ بَعْدَهَا إِلَّا أَحَدُ الْمَعْمُولَيْنِ وَلَا تَعْمَلُ إِلَّا فِي لَفْظِ الْحِينِ قِيلَ: أَوْ مَا رَادَفَهُ قَالَ الْفَرَّاءُ: وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ حَرْفَ جَرٍّ لِأَسْمَاءِ الزَّمَانِ خَاصَّةً وَخَرَّجَ عَلَيْهَا قَوْلَهُ: ﴿وَلاتَ حِينِ﴾ بِالْجَرِّ.
لَا جَرَمَ
وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ مَتْلُوَّةٍ بِأَنْ وَاسْمِهَا، وَلَمْ يجيء بَعْدَهَا فِعْلٌ وَاخْتُلِفَ فِيهَا فَقِيلَ: لَا نَافِيَةٌ لما تقدم وجرم فعل معناه حق وأن مَعَ مَا فِي حَيِّزِهِ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.
وَقِيلَ: زَائِدَةٌ وَجَرَمَ مَعْنَاهُ كَسَبَ أَيْ كَسَبَ لَهُمْ عَمَلُهُمُ النَّدَامَةَ وَمَا فِي حَيِّزِهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ.
стр. 656
وَقِيلَ: هُمَا كَلِمَتَانِ رُكِّبَتَا وَصَارَ مَعْنَاهُمَا حَقًّا.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُمَا لَا بُدَّ وَمَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ.
لَكِنَّ
مُشَدَّدَةُ النُّونِ: حَرْفٌ يَنْصِبُ الِاسْمَ وَيَرْفَعُ الْخَبَرَ وَمَعْنَاهُ الِاسْتِدْرَاكُ وَفُسِّرَ بِأَنْ تَنْسُبَ لِمَا بَعْدَهَا حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ مَا قَبْلَهَا وَلِذَلِكَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا كَلَامٌ مُخَالِفٌ لِمَا بَعْدَهَا أَوْ مُنَاقِضٌ لَهُ، نَحْوَ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ .
وَقَدْ تَرِدُ لِلتَّوْكِيدِ مُجَرَّدًا عَنِ الِاسْتِدْرَاكِ قَالَهُ صَاحِبُ الْبَسِيطِ، وَفُسِّرَ الِاسْتِدْرَاكُ بِرَفْعِ مَا تُوُهِّمَ ثُبُوتُهُ نَحْوَ مَا زَيْدٌ شُجَاعًا لَكِنَّهُ كَرِيمٌ لِأَنَّ الشَّجَاعَةَ وَالْكَرَمَ لَا يَكَادَانِ يَفْتَرِقَانِ فَنَفْيُ أَحَدِهِمَا يُوهِمُ نَفْيَ الْآخَرِ.
وَمِثْلُ التَّوْكِيدِ بِنَحْوِ: لَوْ جَاءَنِي أَكْرَمْتُهُ لَكِنَّهُ لَمْ يجيء فَأَكَّدَتْ مَا أَفَادَتْهُ " لَوْ " مِنَ الِامْتِنَاعِ.
وَاخْتَارَ ابْنُ عُصْفُورٍ أَنَّهَا لَهُمَا مَعًا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، كَمَا أن كأن للتشبيه لمؤكد وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ " لَكِنْ أَنَّ " فَطُرِحَتِ الْهَمْزَةُ لِلتَّخْفِيفِ وَنُوِّنَ " لَكِنْ " لِلسَّاكِنَيْنِ.
стр. 657
لَكِنْ
مُخَفَّفَةٌ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَهِيَ حَرْفُ ابْتِدَاءٍ لَا يَعْمَلُ بَلْ لِمُجَرَّدِ إِفَادَةِ الِاسْتِدْرَاكِ وَلَيْسَتْ عَاطِفَةً لِاقْتِرَانِهَا بِالْعَاطِفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ .
وَالثَّانِي: عَاطِفَةٌ إِذَا تَلَاهَا مُفْرَدٌ وَهِيَ أَيْضًا لِلِاسْتِدْرَاكِ نَحْوَ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ ، ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ﴾ ، ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ .
لَدَى وَلَدُنْ
تَقَدَّمَتَا فِي عِنْدَ.
لَعَلَّ
حَرْفٌ يَنْصِبُ الِاسْمَ وَيَرْفَعُ الْخَبَرَ وَلَهُ مَعَانٍ:
أَشْهَرُهَا: التَّوَقُّعُ وَهُوَ التَّرَجِّي فِي الْمَحْبُوبِ، نَحْوَ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
وَالْإِشْفَاقُ فِي الْمَكْرُوهِ، نَحْوَ: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ، وَذَكَرَ التَّنُوخِيُّ أَنَّهَا تُفِيدُ تَأْكِيدَ ذَلِكَ.
الثَّانِي: التَّعْلِيلُ، وَخُرِّجَ عَلَيْهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ .
стр. 658
الثَّالِثُ: الِاسْتِفْهَامُ، وَخُرِّجَ عَلَيْهِ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ ، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ ، وَلِذَا عَلَّقَ " تَدْرِي ".
قَالَ فِي الْبُرْهَانِ: وَحَكَى الْبَغَوَيُّ عَنِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ " لَعَلَّ " فَإِنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ إِلَّا قَوْلَهُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ فَإِنَّهَا لِلتَّشْبِيهِ، قَالَ: وَكَوْنُهَا لِلتَّشْبِيهِ غَرِيبٌ لَمْ يَذْكُرْهُ النُّحَاةُ، وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أَنَّ لَعَلَّ لِلتَّشْبِيهِ وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُ لِلرَّجَاءِ الْمَحْضِ وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ. انْتَهَى.
قُلْتُ: أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: "لَعَلَّكُمْ " فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى " كَيْ " غَيْرَ آيَةٍ فِي الشُّعَرَاءِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ يَعْنِي كَأَنَّكُمْ تَخْلُدُونَ.
وَأَخْرَجَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ: ﴿وتَتَخِّذُونَ مَصَانِعَ كَأَنَّكُمْ خَالِدُونَ﴾ .
لَمْ
حَرْفُ جَزْمٍ لِنَفْيِ الْمُضَارِعِ وَقَلْبِهِ مَاضِيًا نَحْوَ: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وَالنَّصْبُ بِهَا لُغَةٌ حَكَاهَا اللِّحْيَانِيُّ وَخَرَّجَ عَلَيْهَا قِرَاءَةَ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ .
стр. 659
لَمَّا
عَلَى أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ حَرْفَ جَزْمٍ فَتَخْتَصُّ بِالْمُضَارِعِ وَتَنْفِيهِ وَتَقْلِبُهُ مَاضِيًا كَـ" لَمْ " لَكِنْ يَفْتَرِقَانِ مِنْ أَوْجُهٍ أَنَّهَا لَا تَقْتَرِنُ بِأَدَاةِ شَرْطٍ وَنَفْيُهَا مُسْتَمِرٌّ إِلَى الْحَالِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ وَمُتَوَقَّعٌ ثُبُوتُهُ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ في: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ الْمَعْنَى لَمْ يَذُوقُوهُ وَذَوْقُهُ لَهُمْ مُتَوَقَّعٌ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ : مَا فِي لَمَّا مِنْ مَعْنَى التَّوَقُّعِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ آمَنُوا فِيمَا بَعْدُ وَأَنَّ نَفْيَهَا آكَدُ مِنْ نَفْيِ لَمْ فَهِيَ لِنَفْيِ قَدْ فَعَلَ وَلَمْ لِنَفْيِ فَعَلَ وَلِهَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ تَبَعًا لِابْنِ جِنِّي: إنها مركبة من لم وما وَإِنَّهُمْ لَمَّا زَادُوا فِي الْإِثْبَاتِ " قَدْ " زَادُوا فِي النَّفْيِ " مَا " وَأَنَّ مَنْفِيَ " لَمَّا " جَائِزُ الْحَذْفِ اخْتِيَارًا بِخِلَافِ " لَمْ " وَهِيَ أَحْسَنُ مَا يُخَرَّجُ عَلَيْهِ: ﴿وَإِنَّ كُلّاً لَمَّا﴾ أَيْ لَمَّا يُهْمَلُوا أَوْ يُتْرَكُوا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَا أَعْرِفُ وَجْهًا فِي الْآيَةِ أَشْبَهَ مِنْ هَذَا وَإِنْ كَانَتِ النُّفُوسُ تَسْتَبْعِدُهُ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَمْ يَقَعْ فِي التَّنْزِيلِ، قَالَ: وَالْحَقُّ أَلَّا يُسْتَبْعَدَ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى أن يقدر " لما يوفوا أعمالها "، أَيْ إِنَّهُمْ إِلَى الْآنِ لَمْ يُوَفَّوْهَا وَسَيُوَفَّوْنَهَا.
الثَّانِي: أَنْ تَدْخُلَ على الماضي فتقضي جُمْلَتَيْنِ وُجِدَتِ الثَّانِيَةُ عِنْدَ وُجُودِ الْأُولَى نَحْوَ: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ وَيُقَالُ: فِيهَا حَرْفُ وُجُودٍ لِوُجُودٍ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا حِينَئِذٍ ظَرْفٌ بِمَعْنَى حِينٍ.
وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: بِمَعْنَى إِذْ لِأَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْمَاضِي وَبِالْإِضَافَةِ إِلَى الْجُمْلَةِ.
стр. 660
وَجَوَابُ هَذِهِ يَكُونُ مَاضِيًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَجُمْلَةً اسْمِيَّةً بِالْفَاءِ أَوْ بِإِذَا الْفُجَائِيَّةِ، نَحْوَ: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ ، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ .
وَجَوَّزَ ابْنُ عُصْفُورٍ كَوْنَهُ مُضَارِعًا نَحْوَ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا﴾ وَأَوَّلَهُ غَيْرُهُ بِـ"جَادَلَنَا".
الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ حَرْفَ اسْتِثْنَاءٍ فَتَدْخُلُ عَلَى الِاسْمِيَّةِ وَالْمَاضِيَّةِ نَحْوَ: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ "إِلَّا" ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ .
لَنْ
حَرْفُ نَفْيٍ وَنَصْبٍ وَاسْتِقْبَالٍ وَالنَّفْيُ بِهَا أَبْلَغُ مِنَ النَّفْيِ بِلَا فَهِيَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ الْخَبَّازِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِنْ مَنَعَهُ مُكَابَرَةً فَهِيَ لِنَفْيِ إِنِّي أفعل ولا لِنَفْيِ أَفْعَلُ كَمَا فِي " لَمْ " " ولما ".
قَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَرَبُ تَنْفِي الْمَظْنُونَ بِلَنْ وَالْمَشْكُوكَ بِلَا ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ فِي التِّبْيَانِ.
وَادَّعَى الزَّمَخْشَرِيُّ أيضا أنها لتأييد النَّفْيِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً﴾ ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ .
стр. 661
وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ اعْتِقَادُهُ فِي ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ، أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى.
وَرَدَّ غَيْرُهُ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلتَّأْبِيدِ لَمْ يُقَيَّدْ مَنْفِيُّهَا بِالْيَوْمِ فِي ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ ، وَلَمْ يَصِحَّ التَّوْقِيتُ فِي ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ وَلَكَانَ ذِكْرُ " الْأَبَدِ " فِي ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ تَكْرَارًا وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَاسْتِفَادَةُ التَّأْبِيدِ فِي ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً﴾ وَنَحْوِهِ مِنْ خَارِجٍ.
وَوَافَقَهُ عَلَى إِفَادَةِ التَّأْبِيدِ ابْنُ عَطِيَّةَ وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ لَوْ بَقِينَا عَلَى هَذَا النَّفْيِ لَتَضَمَّنَ أَنَّ مُوسَى لَا يَرَاهُ أَبَدًا وَلَا فِي الْآخِرَةِ لَكِنْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَرَوْنَهُ.
وَعَكَسَ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ مَقَالَةَ الزَّمَخْشَرِيِّ فَقَالَ: إِنَّ لَنْ لِنَفْيِ مَا قَرُبَ وَعَدَمِ امْتِدَادِ النَّفْيِ وَلَا يَمْتَدُّ مَعْنَى النَّفْيِ، قَالَ: وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّ الألفاظ مشاكلة للمعاني ولا آخِرُهَا الْأَلِفُ وَالْأَلِفُ يُمْكِنُ امْتِدَادُ الصَّوْتِ بِهَا بِخِلَافِ النُّونِ فَطَابَقَ كُلُّ لَفْظٍ مَعْنَاهُ. قَالَ: وَلِذَلِكَ أَتَى بِـ"لَنْ" حَيْثُ لَمْ يَرِدْ بِهِ النَّفْيُ مُطْلَقًا بَلْ فِي الدُّنْيَا حَيْثُ قَالَ: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ وَبِـ" لَا " فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ حَيْثُ أُرِيدَ نَفْيُ الْإِدْرَاكِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ مُغَايِرٌ لِلرُّؤْيَةِ انْتَهَى.
стр. 662
قِيلَ: وَتَرِدُ لَنْ لِلدُّعَاءِ وَخُرِّجَ عَلَيْهِ: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ﴾ الآية.
لَوْ
حَرْفُ شَرْطٍ فِي الْمُضِيِّ يُصْرَفُ الْمُضَارِعُ إِلَيْهِ بِعَكْسِ إِنْ الشَّرْطِيَّةِ، وَاخْتُلِفَ فِي إِفَادَتِهَا الِامْتِنَاعَ وَكَيْفِيَّةِ إِفَادَتِهَا إِيَّاهُ عَلَى أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا لَا تُفِيدُهُ بِوَجْهٍ وَلَا تَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ الشَّرْطِ وَلَا امْتِنَاعِ الْجَوَابِ بَلْ هِيَ لِمُجَرَّدِ رَبْطِ الْجَوَابِ بِالشَّرْطِ دَالَّةٌ عَلَى التَّعْلِيقِ فِي الْمَاضِي كَمَا دَلَّتْ " إِنْ " عَلَى التَّعْلِيقِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَمْ تَدُلَّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى امْتِنَاعٍ وَلَا ثُبُوتٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ كَإِنْكَارِ الضَّرُورِيَّاتِ إِذْ فَهْمُ الِامْتِنَاعِ مِنْهَا كَالْبَدِيهِيِّ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ سَمِعَ لَوْ فَعَلَ فَهِمَ عَدَمَ وُقُوعِ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ وَلِهَذَا جَازَ اسْتِدْرَاكُهُ فَتَقُولُ لَوْ جَاءَ زَيْدٌ أَكْرَمْتُهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَجِئْ.
الثَّانِي: وَهُوَ لِسِيبَوَيْهِ: قَالَ: إِنَّهَا حَرْفٌ لِمَا كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، أَيْ أَنَّهَا تَقْتَضِي فِعْلًا مَاضِيًا كَانَ يُتَوَقَّعُ ثُبُوتُهُ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ وَالْمُتَوَقَّعُ غَيْرُ وَاقِعٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَرْفٌ يَقْتَضِي فِعْلًا امْتَنَعَ لِامْتِنَاعِ مَا كَانَ يَثْبُتُ لِثُبُوتِهِ.
الثَّالِثُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَلَى أَلْسِنَةِ النُّحَاةِ وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُعْرِبُونَ: أَنَّهَا حَرْفُ امْتِنَاعٍ لِامْتِنَاعٍ أَيْ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ الْجَوَابِ لِامْتِنَاعِ الشَّرْطِ فَقَوْلُكَ: لَوْ جِئْتَ لَأَكْرَمْتُكَ دَالٌّ عَلَى امْتِنَاعِ الْإِكْرَامِ لِامْتِنَاعِ الْمَجِيءِ وَاعْتُرِضَ
стр. 663
بِعَدَمِ امْتِنَاعِ الْجَوَابِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا﴾ فَإِنَّ عَدَمَ النَّفَادِ عِنْدَ فَقْدِ مَا ذُكِرَ وَالتَّوَلِّي عِنْدَ عَدَمِ الْإِسْمَاعِ أَوْلَى.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ لِابْنِ مَالِكٍ: أَنَّهَا حَرْفٌ يَقْتَضِي امْتِنَاعَ مَا يَلِيهِ وَاسْتِلْزَامَهُ لِتَالِيهِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ التَّالِي قَالَ: فَقِيَامُ زِيدٍ مِنْ قَوْلِكَ: لَوْ قَامَ زَيْدٌ قَامَ عَمْرٌو مَحْكُومٌ بِانْتِفَائِهِ وَبِكَوْنِهِ مُسْتَلْزِمًا ثُبُوتُهُ لِثُبُوتِ قِيَامٍ مِنْ عَمْرٍو وَهَلْ وَقَعَ لِعَمْرٍو قِيَامٌ آخَرُ غَيْرُ اللَّازِمِ عَنْ قِيَامِ زَيْدٍ أَوْ لَيْسَ لَهُ؟ لَا تَعَرُّضَ لِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ أَجْوَدُ الْعِبَارَاتِ.
فَائِدَةٌ
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ " لَوْ " فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ أَبَدًا.
فَائِدَةٌ ثَانِيَةٌ
تَخْتَصُّ لَوِ الْمَذْكُورَةُ بِالْفِعْلِ وَأَمَّا نَحْوُ: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ فَعَلَى تَقْدِيرِهِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَإِذَا وَقَعَتْ أَنَّ بَعْدَهَا وَجَبَ كَوْنُ خَبَرِهَا فِعْلًا لِيَكُونَ عِوَضًا عَنِ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ وَرَدَّهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِآيَةِ ولو أن ما في الأرض وَقَالَ إِنَّمَا ذَاكَ إِذَا كَانَ مُشْتَقًّا لَا جَامِدًا وَرَدَّهُ ابْنُ مَالِكٍ بِقَوْلِهِ:
стр. 664
لَوْ أَنَّ حَيًّا مُدْرِكُ الْفَلَاحِ
أَدْرَكَهُ مُلَاعِبُ الرِّمَاحِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدْ وُجِدَتْ آيَةٌ فِي التَّنْزِيلِ وَقَعَ فِيهَا الْخَبَرُ اسْمًا مُشْتَقًّا وَلَمْ يَتَنَبَّهْ لَهَا الزَّمَخْشَرِيُّ كَمَا لَمْ يَتَنَبَّهْ لِآيَةِ لُقْمَانَ وَلَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَإِلَّا لَمَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا ابْنُ مَالِكٍ وَإِلَّا لَمَا اسْتَدَلَّ بِالشِّعْرِ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ﴾ وَوُجِدَتْ آيَةُ الْخَبَرِ فِيهَا ظَرْفٌ: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْراً مِنَ الأَوَّلِينَ﴾ .
وَرَدَّ ذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْبُرْهَانِ وَابْنُ الدَّمَامِينِيِّ: بِأَنَّ لَوْ فِي الْآيَةِ الْأُولَى لِلتَّمَنِّي وَالْكَلَامُ فِي الْامْتِنَاعِيَّةِ وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَقَالَةَ الزَّمَخْشَرِيِّ سَبَقَهُ إِلَيْهَا السِّيرَافِيُّ وَهَذَا الِاسْتِدْرَاكُ وَمَا اسْتُدْرِكَ بِهِ مَنْقُولٌ قَدِيمًا فِي شَرْحِ الْإِيضَاحِ لِابْنِ الْخَبَّازِ لَكِنْ فِي غَيْرِ مَظِنَّتِهِ فَقَالَ فِي بَابِ إِنَّ وَأَخَوَاتِهَا: قَالَ السِّيرَافِيُّ: لَوْ أَنَّ زَيْدًا أَقَامَ لَأَكْرَمْتُهُ لَا يَجُوزُ لَوْ أَنَّ زَيْدًا حَاضِرًا لَأَكْرَمْتُهُ لِأَنَّكَ لَمْ تَلْفَظْ بِفِعْلٍ يَسُدُّ مَسَدَّ ذَلِكَ الْفِعْلِ هَذَا كَلَامُهُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ﴾ فَأُوقِعَ خَبَرُهَا صِفَةً وَلَهُمْ أَنَّ يُفَرِّقُوا بِأَنَّ هَذِهِ لِلتَّمَنِّي فَأُجْرِيَتْ مجرى ليت كما نقول لَيْتَهُمْ بَادُونَ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَجَوَابُ " لَوْ " إِمَّا مُضَارِعٌ مَنْفِيٌّ بِـ" لَمْ " أَوْ مَاضٍ مُثْبَتٌ أَوْ مَنْفِيٌّ بِـ" مَا " وَالْغَالِبُ عَلَى الْمُثْبَتِ دُخُولُ اللَّامِ عَلَيْهِ نَحْوَ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ وَمِنْ تَجَرُّدِهِ، ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ وَالْغَالِبُ عَلَى الْمَنْفِيِّ تَجَرُّدُهُ، نَحْوَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ .
стр. 665
فائدة ثانية
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ: لَوْ جَاءَنِي زِيدٌ لَكَسَوْتُهُ وَلَوْ زَيْدٌ جَاءَنِي لَكَسَوْتُهُ وَلَوْ أَنَّ زَيْدًا جَاءَنِي لَكَسَوْتُهُ أَنَّ الْقَصْدَ فِي الْأَوَّلِ مُجَرَّدُ رَبْطِ الْفِعْلَيْنِ وَتَعْلِيقُ أَحَدِهِمَا بِصَاحِبِهِ لَا غَيْرَ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمَعْنًى زَائِدٍ عَلَى التَّعَلُّقِ السَّاذَجِ وَفِي الثَّانِي انْضَمَّ إِلَى التَّعْلِيقِ أَحَدُ مَعْنَيَيْنِ إِمَّا نَفْيُ الشَّكِّ وَالشُّبْهَةِ وَأَنَّ الْمَذْكُورَ مَكْسُوٌّ لَا مَحَالَةَ وَإِمَّا بَيَانُ أَنَّهُ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ وَتُخَرَّجَ عَلَيْهِ آيَةُ: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ وَفِي الثَّالِثِ مَعَ مَا فِي الثَّانِي زِيَادَةُ التَّأْكِيدِ الَّذِي تُعْطِيهِ " أَنَّ " وَإِشْعَارٌ بِأَنَّ زَيْدًا كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَجِيءَ وَأَنَّهُ بِتَرْكِهِ الْمَجِيءَ قَدْ أَغْفَلَ حَظَّهُ وَيُخَرَّجُ عَلَيْهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ وَنَحْوُهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَخَرِّجْ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ.
تَنْبِيهٌ
تَرِدُ " لَوْ " شَرْطِيَّةً فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهِيَ الَّتِي يَصْلُحُ مَوْضِعَهَا " إِنْ " نَحْوَ: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ، ﴿لَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ وَمَصْدَرِيَّةً وَهِيَ الَّتِي يَصْلُحُ مَوْضِعَهَا أَنْ الْمَفْتُوحَةُ وَأَكْثَرُ وُقُوعِهَا بَعْدَ وَدَّ وَنَحْوِهِ نَحْوَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ ، ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ ، ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي﴾ أَيِ الرَّدُّ وَالتَّعْمِيرُ وَالِافْتِدَاءُ.
стр. 666
وَلِلتَّمَنِّي وَهِيَ الَّتِي يَصْلُحُ مَوْضِعَهَا لَيْتَ نَحْوَ: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ وَلِهَذَا نُصِبَ الْفِعْلُ فِي جَوَابِهَا.
وللتعليل، وَخُرِّجَ عَلَيْهِ: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ .
لَوْلَا
عَلَى أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ حَرْفَ امْتِنَاعٍ لِوُجُودٍ فَتَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَيَكُونُ جَوَابُهَا فِعْلًا مَقْرُونًا بِاللَّامِ إِنْ كَانَ مُثْبَتًا نَحْوَ: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ﴾ وَمُجَرَّدًا مِنْهَا إِنْ كَانَ مَنْفِيًّا نَحْوَ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ وَإِنْ وَلِيَهَا ضَمِيرٌ فَحَقُّهُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ رَفْعٍ نَحْوَ: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ .
الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى هَلَّا فَهِيَ لِلتَّحْضِيضِ وَالْعَرْضِ فِي الْمُضَارِعِ أَوْ مَا فِي تَأْوِيلِهِ نَحْوَ: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ ، ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وَلِلتَّوْبِيخِ وَالتَّنْدِيمِ فِي الْمُضَارِعِ نَحْوَ: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ، ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ ، ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ ،
стр. 667
﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ ، ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
الثالث: أن تكون للاستفهام ذكر الْهَرَوِيُّ وَجَعَلَ مِنْهُ: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي﴾ ، ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا فِيهِمَا بِمَعْنَى " هَلَّا ".
الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ لِلنَّفْيِ ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ أَيْضًا وَجَعَلَ مِنْهُ: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ أَيْ فَمَا آمَنَتْ قَرْيَةٌ أَيْ أَهْلُهَا عِنْدَ مَجِيءِ الْعَذَابِ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا وَالْجُمْهُورُ لَمْ يُثْبِتُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ التَّوْبِيخُ عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ قَبْلَ مَجِيءِ الْعَذَابِ وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ " فَهَلَّا " وَالِاسْتِثْنَاءُ حِينَئِذٍ مُنْقَطِعٌ.
فَائِدَةٌ
نُقِلَ عَنِ الْخَلِيلِ: أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ " لَوْلَا " فَهِيَ بِمَعْنَى " هَلَّا " إِلَّا ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ لَوْلَا فِيهِ امْتِنَاعِيَّةٌ وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ أَيْ لَهُمْ بِهَا أَوْ لِوَاقِعِهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أَيْ لَأَبْدَتْ بِهِ فِي آيَاتٍ أُخَرَ.
стр. 668
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَنْبَأَنَا مُوسَى الْخَطْمِيُّ أَنْبَأَنَا هَارُونُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ عَنْ أَسْبَاطٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ " فَلَوْلَا " فَهُوَ " فَهَلَّا " إِلَّا حَرْفَيْنِ: فِي يُونُسَ:
﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ ، يَقُولُ: فَمَا كَانَتْ قَرْيَةٌ وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ وَبِهَذَا يَتَّضِحُ مُرَادُ الْخَلِيلِ وَهُوَ أَنَّ مُرَادَهُ " لَوْلَا " الْمُقْتَرِنَةُ بِالْفَاءِ.
لَوْمَا
بِمَنْزِلَةِ " لَوْلَا " قَالَ تَعَالَى: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ﴾ وَقَالَ الْمَالِقِيُّ: لَمْ تَرِدْ إِلَّا لِلتَّحْضِيضِ.
لَيْتَ
حَرْفٌ يَنْصِبُ الِاسْمَ وَيَرْفَعُ الْخَبَرَ وَمَعْنَاهُ التَّمَنِّي وَقَالَ التَّنُوخِيُّ: إِنَّهَا تُفِيدُ تَأْكِيدَهُ.
لَيْسَ
فِعْلٌ جَامِدٌ وَمِنْ ثَمَّ ادَّعَى قَوْمٌ حَرْفِيَّتَهُ وَمَعْنَاهُ نَفْيُ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ فِي الْحَالِ وَنَفْيُ غَيْرِهِ بِالْقَرِينَةِ.
وَقِيلَ: هِيَ لِنَفْيِ الْحَالِ وَغَيْرِهِ وَقَوَّاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 669
﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ فَإِنَّهُ نَفْيٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ.
قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَتَرِدُ لِلنَّفْيِ الْعَامِّ الْمُسْتَغْرَقِ المراد به الجنس كلا التَّبْرِئَةِ وَهُوَ مِمَّا يُغْفَلُ عَنْهُ وَخُرِّجَ عَلَيْهِ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ .
مَا
اسْمِيَّةٌ وَحَرْفِيَّةٌ:
فَالِاسْمِيَّةُ تَرِدُ مَوْصُولَةً بِمَعْنَى الَّذِي نَحْوَ: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ وَيَسْتَوِي فِيهَا الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ وَالْمُفْرَدُ وَالْمُثَنَّى وَالْجَمْعُ وَالْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهَا فِيمَا لَا يُعْلَمُ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْعَالِمِ نَحْوَ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أَيِ اللَّهُ وَيَجُوزُ فِي ضَمِيرِهَا مُرَاعَاةُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَاجْتَمَعَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ وَهَذِهِ مُعَرَّفَةٌ بِخِلَافِ الْبَاقِي.
وَاسْتِفْهَامِيَّةٌ بِمَعْنَى أَيِّ شَيْءٍ وَيُسْأَلُ بِهَا عَنْ أَعْيَانِ مَا لَا يُعْقَلُ وَأَجْنَاسِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَجْنَاسِ الْعُقَلَاءِ وَأَنْوَاعِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ نحو: ﴿مَا هِيَ﴾ ﴿مَا لَوْنُهَا﴾ ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾
стр. 670
وَلَا يُسْأَلُ بِهَا عَنْ أَعْيَانِ أُولِي الْعِلْمِ خِلَافًا لِمَنْ أَجَازَهُ. وَأَمَّا قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فإن قَالَهُ جَهْلًا وَلِهَذَا أَجَابَهُ مُوسَى بِالصِّفَاتِ.
وَيَجِبُ حَذْفُ أَلِفِهَا إِذَا جُرَّتْ وَإِبْقَاءُ الْفَتْحَةِ دَلِيلًا عَلَيْهَا فَرْقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَوْصُولَةِ نَحْوَ: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ .
وَشُرْطِيَّةٌ نَحْوَ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ﴾ ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ وَهَذِهِ مَنْصُوبَةٌ بِالْفِعْلِ بَعْدَهَا.
تَعَجُّبِيَّةٌ نَحْوَ: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ ﴿قُتِلَ الْأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فِي قِرَاءَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿مَا أَغَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ وَمَحَلُّهَا رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَمَا بَعْدَهَا خَبَرٌ وَهِيَ نَكِرَةٌ تَامَّةٌ.
وَنَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ نَحْوَ: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ﴾ أَيْ نِعْمَ شَيْئًا يَعِظُكُمْ بِهِ.
وَغَيْرُ مَوْصُوفَةٍ نَحْوَ: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أَيْ نِعْمَ شَيْئًا هِيَ.
وَالْحَرْفِيَّةُ تَرِدُ مَصْدَرِيَّةً إِمَّا زَمَانِيَّةٌ نَحْوَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ،
следующие страницы →