Полный текст (1 459 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وَلِلتَّمَنِّي وَهِيَ الَّتِي يَصْلُحُ مَوْضِعَهَا لَيْتَ نَحْوَ: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ وَلِهَذَا نُصِبَ الْفِعْلُ فِي جَوَابِهَا.
وللتعليل، وَخُرِّجَ عَلَيْهِ: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ .
لَوْلَا
عَلَى أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ حَرْفَ امْتِنَاعٍ لِوُجُودٍ فَتَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَيَكُونُ جَوَابُهَا فِعْلًا مَقْرُونًا بِاللَّامِ إِنْ كَانَ مُثْبَتًا نَحْوَ: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ﴾ وَمُجَرَّدًا مِنْهَا إِنْ كَانَ مَنْفِيًّا نَحْوَ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ وَإِنْ وَلِيَهَا ضَمِيرٌ فَحَقُّهُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ رَفْعٍ نَحْوَ: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ .
الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى هَلَّا فَهِيَ لِلتَّحْضِيضِ وَالْعَرْضِ فِي الْمُضَارِعِ أَوْ مَا فِي تَأْوِيلِهِ نَحْوَ: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ ، ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وَلِلتَّوْبِيخِ وَالتَّنْدِيمِ فِي الْمُضَارِعِ نَحْوَ: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ، ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ ، ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ ،
стр. 667
﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ ، ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
الثالث: أن تكون للاستفهام ذكر الْهَرَوِيُّ وَجَعَلَ مِنْهُ: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي﴾ ، ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا فِيهِمَا بِمَعْنَى " هَلَّا ".
الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ لِلنَّفْيِ ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ أَيْضًا وَجَعَلَ مِنْهُ: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ أَيْ فَمَا آمَنَتْ قَرْيَةٌ أَيْ أَهْلُهَا عِنْدَ مَجِيءِ الْعَذَابِ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا وَالْجُمْهُورُ لَمْ يُثْبِتُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ التَّوْبِيخُ عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ قَبْلَ مَجِيءِ الْعَذَابِ وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ " فَهَلَّا " وَالِاسْتِثْنَاءُ حِينَئِذٍ مُنْقَطِعٌ.
فَائِدَةٌ
نُقِلَ عَنِ الْخَلِيلِ: أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ " لَوْلَا " فَهِيَ بِمَعْنَى " هَلَّا " إِلَّا ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ لَوْلَا فِيهِ امْتِنَاعِيَّةٌ وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ أَيْ لَهُمْ بِهَا أَوْ لِوَاقِعِهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أَيْ لَأَبْدَتْ بِهِ فِي آيَاتٍ أُخَرَ.
стр. 668
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَنْبَأَنَا مُوسَى الْخَطْمِيُّ أَنْبَأَنَا هَارُونُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ عَنْ أَسْبَاطٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ " فَلَوْلَا " فَهُوَ " فَهَلَّا " إِلَّا حَرْفَيْنِ: فِي يُونُسَ:
﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ ، يَقُولُ: فَمَا كَانَتْ قَرْيَةٌ وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ وَبِهَذَا يَتَّضِحُ مُرَادُ الْخَلِيلِ وَهُوَ أَنَّ مُرَادَهُ " لَوْلَا " الْمُقْتَرِنَةُ بِالْفَاءِ.
لَوْمَا
بِمَنْزِلَةِ " لَوْلَا " قَالَ تَعَالَى: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ﴾ وَقَالَ الْمَالِقِيُّ: لَمْ تَرِدْ إِلَّا لِلتَّحْضِيضِ.
لَيْتَ
حَرْفٌ يَنْصِبُ الِاسْمَ وَيَرْفَعُ الْخَبَرَ وَمَعْنَاهُ التَّمَنِّي وَقَالَ التَّنُوخِيُّ: إِنَّهَا تُفِيدُ تَأْكِيدَهُ.
لَيْسَ
فِعْلٌ جَامِدٌ وَمِنْ ثَمَّ ادَّعَى قَوْمٌ حَرْفِيَّتَهُ وَمَعْنَاهُ نَفْيُ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ فِي الْحَالِ وَنَفْيُ غَيْرِهِ بِالْقَرِينَةِ.
وَقِيلَ: هِيَ لِنَفْيِ الْحَالِ وَغَيْرِهِ وَقَوَّاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 669
﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ فَإِنَّهُ نَفْيٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ.
قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَتَرِدُ لِلنَّفْيِ الْعَامِّ الْمُسْتَغْرَقِ المراد به الجنس كلا التَّبْرِئَةِ وَهُوَ مِمَّا يُغْفَلُ عَنْهُ وَخُرِّجَ عَلَيْهِ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ .
مَا
اسْمِيَّةٌ وَحَرْفِيَّةٌ:
فَالِاسْمِيَّةُ تَرِدُ مَوْصُولَةً بِمَعْنَى الَّذِي نَحْوَ: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ وَيَسْتَوِي فِيهَا الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ وَالْمُفْرَدُ وَالْمُثَنَّى وَالْجَمْعُ وَالْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهَا فِيمَا لَا يُعْلَمُ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْعَالِمِ نَحْوَ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أَيِ اللَّهُ وَيَجُوزُ فِي ضَمِيرِهَا مُرَاعَاةُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَاجْتَمَعَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ وَهَذِهِ مُعَرَّفَةٌ بِخِلَافِ الْبَاقِي.
وَاسْتِفْهَامِيَّةٌ بِمَعْنَى أَيِّ شَيْءٍ وَيُسْأَلُ بِهَا عَنْ أَعْيَانِ مَا لَا يُعْقَلُ وَأَجْنَاسِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَجْنَاسِ الْعُقَلَاءِ وَأَنْوَاعِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ نحو: ﴿مَا هِيَ﴾ ﴿مَا لَوْنُهَا﴾ ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾
стр. 670
وَلَا يُسْأَلُ بِهَا عَنْ أَعْيَانِ أُولِي الْعِلْمِ خِلَافًا لِمَنْ أَجَازَهُ. وَأَمَّا قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فإن قَالَهُ جَهْلًا وَلِهَذَا أَجَابَهُ مُوسَى بِالصِّفَاتِ.
وَيَجِبُ حَذْفُ أَلِفِهَا إِذَا جُرَّتْ وَإِبْقَاءُ الْفَتْحَةِ دَلِيلًا عَلَيْهَا فَرْقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَوْصُولَةِ نَحْوَ: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ .
وَشُرْطِيَّةٌ نَحْوَ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ﴾ ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ وَهَذِهِ مَنْصُوبَةٌ بِالْفِعْلِ بَعْدَهَا.
تَعَجُّبِيَّةٌ نَحْوَ: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ ﴿قُتِلَ الْأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فِي قِرَاءَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿مَا أَغَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ وَمَحَلُّهَا رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَمَا بَعْدَهَا خَبَرٌ وَهِيَ نَكِرَةٌ تَامَّةٌ.
وَنَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ نَحْوَ: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ﴾ أَيْ نِعْمَ شَيْئًا يَعِظُكُمْ بِهِ.
وَغَيْرُ مَوْصُوفَةٍ نَحْوَ: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أَيْ نِعْمَ شَيْئًا هِيَ.
وَالْحَرْفِيَّةُ تَرِدُ مَصْدَرِيَّةً إِمَّا زَمَانِيَّةٌ نَحْوَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ،
стр. 671
أَيْ مُدَّةَ اسْتِطَاعَتِكُمْ أَوْ غَيْرُ زَمَانِيَّةٍ نَحْوَ: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ﴾ أَيْ بِنِسْيَانِكُمْ.
وَنَافِيَةٌ إِمَّا عَامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ نَحْوَ: ﴿مَا هَذَا بَشَراً﴾ ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ وَلَا رَابِعَ لَهَا فِي الْقُرْآنِ.
أَوْ غَيْرُ عَامِلَةٍ نَحْوَ: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ .
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَهِيَ لِنَفْيِ الْحَالِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ سِيبَوَيْهِ أَنَّ فِيهَا مَعْنَى التَّأْكِيدِ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا فِي النَّفْيِ جَوَابًا لِقَدْ فِي الْإِثْبَاتِ فَكَمَا أَنَّ " قَدْ " فِيهَا مَعْنَى التَّأْكِيدِ فَكَذَلِكَ مَا جُعِلَ جَوَابًا لَهَا.
وَزَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ إِمَّا كَافَّةٌ نَحْوَ: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
أَوْ غَيْرُ كَافَّةٍ نَحْوَ: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ ﴿أَيّاً مَا تَدْعُوا﴾ ﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ ﴿مَثَلاً مَا بَعُوضَةً﴾ .
стр. 672
قَالَ الْفَارِسِيُّ: جَمِيعُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الشَّرْطِ بَعْدَ " إِمَّا " مؤكد بالنون لمشابهة فِعْلَ الشَّرْطِ بِدُخُولِ مَا لِلتَّأْكِيدِ لِفِعْلِ الْقَسَمِ مِنْ جِهَةِ " أَنَّ " مَا كَاللَّامِ فِي الْقَسَمِ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّأْكِيدِ وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: زِيَادَةُ مَا مُؤْذِنَةٌ بِإِرَادَةِ شِدَّةِ التَّأْكِيدِ.
فَائِدَةٌ
حَيْثُ وَقَعَتْ " مَا " قَبْلَ لَيْسَ أَوْ لَمْ أَوْ لَا أَوْ بَعْدَ إِلَّا فَهِيَ مَوْصُولَةٌ نَحْوَ: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ .
وَحَيْثُ وَقَعَتْ بَعْدَ كَافِ التَّشْبِيهِ فَهِيَ مَصْدَرِيَّةٌ وَحَيْثُ وَقَعَتْ بَعْدَ الْبَاءِ فَإِنَّهَا تَحْتَمِلُهُمَا نَحْوَ: ﴿بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وَحَيْثُ وَقَعَتْ بَيْنَ فِعْلَيْنِ سَابِقُهُمَا عِلْمٌ أَوْ دِرَايَةٌ أَوْ نَظَرٌ احْتَمَلَتِ الْمَوْصُولَةَ وَالِاسْتِفْهَامِيَّةَ نَحْوَ: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ .
وَحَيْثُ وَقَعَتْ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ إِلَّا فَهِيَ نَافِيَةٌ إِلَّا فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا:
﴿مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ .
﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ .
стр. 673
﴿بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ﴾ .
﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ .
﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ .
﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا﴾ .
﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا﴾ .
﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا﴾ . فِي مَوْضِعَيْ هُودٍ.
﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ، ﴿مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا﴾ .
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ .
﴿وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ، حيث كان.
مَاذَا
تَرِدُ عَلَى أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ ما استفهاما وذا مَوْصُولَةً وَهُوَ أَرْجَحُ الْوَجْهَيْنِ فِي
стр. 674
﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُ﴾ فِي قِرَاءَةِ الرَّفْعِ أَيِ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ الْعَفْوُ إِذِ الْأَصْلُ أَنْ تُجَابَ الِاسْمِيَّةُ بِالِاسْمِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةُ بِالْفِعْلِيَّةِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَا اسْتِفْهَامًا وذا إِشَارَةً.
الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مَاذَا كُلُّهَا اسْتِفْهَامًا عَلَى التَّرْكِيبِ وَهُوَ أَرْجَحُ الْوَجْهَيْنِ فِي ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ فِي قِرَاءَةِ النَّصْبِ أَيْ ينفقون العفوز
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مَاذَا كُلُّهُ اسْمَ جِنْسٍ بِمَعْنَى شَيْءٍ أَوْ مَوْصُولًا بِمَعْنَى الَّذِي.
الْخَامِسُ: أَنْ تكون ما زائدة وذا لِلْإِشَارَةِ.
السَّادِسُ: أَنْ تَكُونَ مَا استفهاما وذا زائدة ويجوز أن يخرج عليه.
مَتَى
تَرِدُ اسْتِفْهَامًا عَنِ الزَّمَانِ نَحْوَ: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ وشرطا.
مع
اسم بدليل جرها بمن فِي قِرَاءَةِ بَعْضِهِمْ: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ وَهِيَ بِمَعْنَى عِنْدَ وَأَصْلُهَا لِمَكَانِ الِاجْتِمَاعِ أَوْ وَقْتِهِ نَحْوَ: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا﴾ ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ﴾
стр. 675
وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ الِاجْتِمَاعِ وَالِاشْتِرَاكِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحِظَةِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ نَحْوَ: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ، وأما نحو: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ الْعِلْمُ وَالْحِفْظُ وَالْمَعُونَةُ مَجَازًا.
قَالَ الرَّاغِبُ: وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ لَفْظُ مَعَ هُوَ الْمَقْصُودُ كَالْآيَاتِ المذكورة.
مِنْ
حَرْفُ جَرٍّ لَهُ مَعَانٍ أَشْهَرُهَا:
ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ مَكَانًا وَزَمَانًا وَغَيْرَهُمَا نَحْوَ: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ، ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ ، ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ .
وَالتَّبْعِيضُ بِأَنْ يَسُدَّ بَعْضُ مَسَدَّهَا نَحْوَ: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بَعْضَ مَا تُحِبُّونَ " وَالتَّبْيِينُ وَكَثِيرًا مَا تَقَعُ بعد " ما ومهما " نَحْوَ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ .
стр. 676
وَمِنْ وُقُوعِهَا بَعْدَ غَيْرِهِمَا: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ .
وَالتَّعْلِيلُ نَحْوَ: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ .
وَالْفَصْلُ بِالْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى ثَانِي الْمُتَضَادَّيْنِ نَحْوَ: ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ .
وَالْبَدَلُ نَحْوَ: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أَيْ بَدَلَهَا ﴿لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ﴾ أي بدلكم.
وَتَنْصِيصُ الْعُمُومِ نَحْوَ: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ قَالَ فِي الْكَشَّافِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ عَلَى الْفَتْحِ فِي: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فِي إِفَادَةِ مَعْنَى الِاسْتِغْرَاقِ.
وَمَعْنَى " الْبَاءِ " نَحْوَ: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أي به.
و" على " نحو: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ أي عليهم.
و" في " نَحْوِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ أَيْ فِيهِ.
стр. 677
وَفِي الشَّامِلِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مِنْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ بِمَعْنَى فِي بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وَعَنْ نَحْوَ: ﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ أي عنه.
و" عند " نَحْوَ: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ عِنْدَ.
وَالتَّأْكِيدُ وَهِيَ الزَّائِدَةُ فِي النَّفْيِ أَوِ النَّهْيِ أَوِ الِاسْتِفْهَامِ نَحْوَ: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ .
وَأَجَازَهَا قَوْمٌ فِي الْإِيجَابِ وَخَرَّجُوا عَلَيْهِ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ .
فَائِدَةٌ
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حِينَ دَعَا قَالَ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ لَازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَلَكِنَّهُ خَصَّ حِينَ قَالَ: "أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ " فَجُعِلَ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَوْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: "فَاجْعَلْ أَفْئِدَةَ النَّاسِ تَهْوِي
стр. 678
إِلَيْهِمْ لَزَاحَمَتْكُمْ عَلَيْهِ الرُّومُ وَفَارِسُ " وَهَذَا صَرِيحٌ فِي فَهْمِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ التَّبْعِيضُ مِنْ " مِنْ ".
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَيْثُ وَقَعَتْ: "يَغْفِرْ لَكُمْ " فِي خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ تُذْكَرْ مَعَهَا مِنْ كَقَوْلِهِ فِي الْأَحْزَابِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وفي الصف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدلكم على جارة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ .
وَقَالَ فِي خِطَابِ الْكُفَّارِ فِي سُورَةِ نُوحٍ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ وَكَذَا فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ وَفِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْخِطَابَيْنِ لِئَلَّا يُسَوَّى بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي الْوَعْدِ ذَكَرَهُ فِي الكشاف.
مَنْ
لَا تَقَعُ إِلَّا اسْمًا فَتَرِدُ مَوْصُولَةً نَحْوَ: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ .
وَشَرْطِيَّةً نَحْوَ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ .
وَاسْتِفْهَامِيَّةً نَحْوَ: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ .
وَنَكِرَةً مَوْصُوفَةً: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ أَيْ فَرِيقٌ يَقُولُ
стр. 679
وَهِيَ كَـ" مَا " فِي اسْتِوَائِهَا فِي الْمُذَكَّرِ وَالْمُفْرَدِ وَغَيْرِهِمَا وَالْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْعَالَمِ عَكْسَ مَا ونكتته مَا أَكْثَرُ وُقُوعًا فِي الْكَلَامِ مِنْهَا وَمَا لَا يَعْقِلُ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَعْقِلُ فَأَعْطُوا مَا كَثُرَتْ مواضعه الكثير وَمَا قَلَّتْ لِلْقَلِيلِ لِلْمُشَاكَلَةِ.
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَاخْتِصَاصُ مَنْ بِالْعَالَمِ وما بِغَيْرِهِ فِي الْمَوْصُولَتَيْنِ دُونَ الشَّرْطِيَّتَيْنِ لِأَنَّ الشَّرْطَ يَسْتَدْعِي الْفِعْلَ وَلَا يَدْخُلُ عَلَى الْأَسْمَاءِ.
مَهْمَا
اسْمٌ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَيْهَا فِي ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَادَ عَلَيْهَا ضَمِيرُ بِهِ وَضَمِيرُ بِهَا حَمْلًا عَلَى اللَّفْظِ وَعَلَى الْمَعْنَى وَهِيَ شَرْطٌ لِمَا لَا يَعْقِلُ غَيْرَ الزَّمَانِ كَالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَفِيهَا تَأْكِيدٌ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ أَصْلَهَا ما الشرطية وما الزَّائِدَةُ أُبْدِلَتْ أَلِفُ الْأُولَى هَاءً دَفْعًا لِلتَّكْرَارِ.
النُّونُ
عَلَى أَوْجُهٍ:
اسْمٌ وَهِيَ ضَمِيرُ النِّسْوَةِ نَحْوَ: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ﴾ وَحَرْفٌ. وَهِيَ نَوْعَانِ: نُونُ التَّوْكِيدِ وَهِيَ خَفِيفَةٌ وَثَقِيلَةٌ نَحْوَ:
стр. 680
﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُوناً﴾ ﴿لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ﴾ وَلَمْ تَقَعِ الْخَفِيفَةُ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ.
قُلْتُ: وَثَالِثٌ فِي قِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ وَهِيَ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ .
وَرَابِعٌ: فِي قِرَاءَةِ الْحَسَنِ ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّي فِي الْمُحْتَسَبِ.
وَنُونُ الْوِقَايَةِ وَتَلْحَقُ يَاءَ الْمُتَكَلِّمِ الْمَنْصُوبَةَ بِفِعْلٍ نَحْوَ: ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ ﴿لَيَحْزُنُنِي﴾ أو حرف نحو: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ وَالْمَجْرُورَةَ بِلَدُنْ نَحْوَ: ﴿مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ أَوْ مِنْ أَوْ عَنْ نَحْوَ: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ ، ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ .
التَّنْوِينُ
نُونٌ تُثْبَتُ لَفْظًا لَا خَطًّا وَأَقْسَامُهُ كَثِيرَةٌ:
تَنْوِينُ التَّمْكِينِ، وَهُوَ اللَّاحِقُ لِلْأَسْمَاءِ الْمُعْرَبَةِ نَحْوَ: ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً﴾ .
стр. 681
وَتَنْوِينُ التَّنْكِيرِ، وَهُوَ اللَّاحِقُ لِأَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ فَرْقًا بَيْنَ مَعْرِفَتِهَا وَنَكِرَتِهَا نَحْوَ التَّنْوِينِ اللَّاحِقِ لِأُفٍّ فِي قراءة من نونه ولهيهات فِي قِرَاءَةِ مَنْ نَوَّنَهَا.
وَتَنْوِينُ الْمُقَابَلَةِ وَهُوَ اللَّاحِقُ لِجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ السَّالِمِ نَحْوَ: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ﴾ .
وَتَنْوِينُ الْعِوَضِ إِمَّا عَنْ حَرْفِ آخِرِ مَفَاعِلِ الْمُعْتَلِّ نَحْوَ: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ﴾ ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ أَوْ عَنِ اسْمٍ مُضَافٍ إِلَيْهِ فِي كُلٍّ وَبَعْضٍ وَأَيٍّ نَحْوَ: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ﴿أَيّاً مَا تَدْعُوا﴾ .
وَعَنِ الْجُمْلَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهَا إِذْ نَحْوَ: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أَيْ حِينَ إِذْ بَلَغَتِ الرُّوحُ الْحُلْقُومَ، أَوْ إِذَا - عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ شَيْخِنَا وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُ – نَحْوَ: ﴿وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أَيْ إِذَا غَلَبْتُمْ.
وَتَنْوِينُ الْفَوَاصِلِ الَّذِي يُسَمَّى فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ التَّرَنُّمَ بَدَلًا مِنْ حَرْفِ الْإِطْلَاقِ وَيَكُونُ فِي الِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرْفِ وَخَرَّجَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ: ﴿قَوَارِيرَا﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ﴾ بتنوين الثلاثة.
стр. 682
نَعَمْ
حَرْفُ جَوَابٍ فَيَكُونُ تَصْدِيقًا لِلْمُخْبِرِ وَوَعْدًا لِلطَّالِبِ وَإِعْلَامًا لِلْمُسْتَخْبِرِ وَإِبْدَالُ عَيْنِهَا حَاءً وَكَسْرُهَا وَإِتْبَاعُ النُّونِ لَهَا فِي الْكَسْرِ لُغَاتٌ قُرِئَ بِهَا " نِعْمَ "
نِعْمَ
فِعْلٌ لِإِنْشَاءِ الْمَدْحِ لَا يَتَصَرَّفُ.
الْهَاءُ
اسْمٌ ضَمِيرٌ غَائِبٌ يُسْتَعْمَلُ فِي الْجَرِّ وَالنَّصْبِ نَحْوَ: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ وَحَرْفٌ لِلْغَيْبَةِ وَهُوَ اللَّاحِقُ لِإِيَّا وَلِلسَّكْتِ نَحْوَ: ﴿مَا هِيَهْ﴾ ﴿كِتَابِيَهْ﴾ ﴿حِسَابِيَهْ﴾ ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾ ﴿مَالِيَهْ﴾ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ وَقُرِئَ بِهَا فِي أَوَاخِرِ آيِ الْجَمْعِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقْفًا.
هَا
تَرِدُ اسْمَ فِعْلٍ بِمَعْنَى خُذْ وَيَجُوزُ مَدُّ أَلِفِهِ فَيَتَصَرَّفُ حِينَئِذٍ لِلْمُثَنَّى وَالْجَمْعِ نَحْوَ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ .
стр. 683
وَاسْمًا ضَمِيرًا لِلْمُؤَنَّثِ نَحْوَ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ وَحَرْفَ تَنْبِيهٍ فَتَدْخُلُ عَلَى الْإِشَارَةِ نَحْوَ: ﴿هَؤُلاءِ هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ وَهَاهُنَا وَعَلَى ضَمِيرِ الرَّفْعِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ بِإِشَارَةٍ نَحْوَ هَا أَنْتُمْ أولاء وَعَلَى نَعْتِ " أَيٍّ " فِي النِّدَاءِ نَحْوَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وَيَجُوزُ فِي لُغَةِ أَسَدٍ حَذْفُ أَلِفِ هَذِهِ وَضَمِّهَا إِتْبَاعًا وَعَلَيْهِ قِرَاءَةُ أَيُّهُ الثقلان.
هَاتِ
فِعْلُ أَمْرٍ لَا يَتَصَرَّفُ وَمِنْ ثَمَّ ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ اسم فعل.
هَلْ
حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ يُطْلَبُ بِهِ التَّصْدِيقُ دُونَ التَّصَوُّرِ وَلَا يَدْخُلُ عَلَى مَنْفِيٍّ وَلَا شَرْطٍ وَلَا أَنْ وَلَا اسْمٍ بَعْدَهُ فِعْلٌ غَالِبًا وَلَا عَاطِفٍ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَا يَكُونُ الْفِعْلُ مَعَهَا إِلَّا مُسْتَقْبَلًا وَرُدَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً﴾ .
وَتَرِدُ بِمَعْنَى قَدْ وَبِهِ فُسِّرَ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ﴾ .
وَبِمَعْنَى النَّفْيِ نَحْوَ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ﴾ وَمَعَانٍ أُخَرَ سَتَأْتِي فِي مَبْحَثِ الِاسْتِفْهَامِ.
стр. 684
هَلُمَّ
دُعَاءٌ إِلَى الشَّيْءِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَصْلَهُ " هَا ولم " مِنْ قَوْلِكَ: لَمَمْتُ الشَّيْءَ أَيْ أَصْلَحْتُهُ فَحُذِفَتِ الْأَلِفُ وَرُكِّبَ.
وَقِيلَ: أَصْلُهُ " هَلْ أُمَّ " كَأَنَّهُ قِيلَ: هَلْ لَكَ فِي كَذَا أُمَّهُ أَيْ اقْصُدْهُ فَرُكِّبَا وَلُغَةُ الْحِجَازِ تَرْكُهُ عَلَى حَالِهِ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ وَبِهَا وَرَدَ الْقُرْآنُ وَلُغَةُ تميم إلحاقه العلامات.
هُنَا
اسْمٌ يُشَارُ بِهِ لِلْمَكَانِ الْقَرِيبِ نَحْوَ: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَتَدْخُلُ عَلَيْهِ اللَّامُ وَالْكَافُ فَيَكُونُ لِلْبَعِيدِ نَحْوَ: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
وَقَدْ يُشَارُ بِهِ لِلزَّمَانِ اتِّسَاعًا وَخُرِّجَ عَلَيْهِ: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ .
هِيتَ
اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَسْرَعَ وَبَادَرَ قَالَ فِي الْمُحْتَسَبِ وَفِيهَا لُغَاتٌ قُرِئَ بِبَعْضِهَا: "هَيَّتْ " بفتح الهاء والتاء وهيت بكسر الهاء وفتح التاء وهيت بفتح الهاء
стр. 685
وكسر التاء وهيت بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّ التَّاءِ وَقُرِئَ: "هِئْتُ " بِوَزْنِ جِئْتُ وَهُوَ فِعْلٌ بِمَعْنَى تَهَيَّأْتُ وَقُرِئَ هُيِّئْتُ وَهُوَ فعل بمعنى أصلحت.
هَيْهَاتَ
اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى بَعُدَ قَالَ تَعَالَى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ قَالَ الزَّجَّاجُ: الْبُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ قِيلَ: وَهَذَا غَلَطٌ أَوْقَعَهُ فِيهِ اللَّامُ فَإِنَّ تَقْدِيرَهُ بَعُدَ الْأَمْرُ لِمَا تُوعَدُونَ أَيْ لِأَجْلِهِ.
وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنَّ اللَّامَ لِتَبْيِينِ الْفَاعِلِ وَفِيهَا لُغَاتٌ قُرِئَ مِنْهَا بِالْفَتْحِ وَبِالضَّمِّ وَبِالْخَفْضِ مَعَ التَّنْوِينِ فِي الثلاثة وعدمه.
الْوَاوُ
جَارَّةٌ وَنَاصِبَةٌ وَغَيْرُ عَامِلَةٍ فَالْجَارَّةُ وَاوُ الْقَسَمِ نَحْوَ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ .
وَالنَّاصِبَةُ وَاوُ مَعَ فَتَنْصِبُ الْمَفْعُولَ مَعَهُ فِي رَأْيِ قَوْمٍ نَحْوَ: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ وَلَا ثَانِيَ لَهُ فِي الْقُرْآنِ وَالْمُضَارِعَ فِي جَوَابِ النَّفْيِ أَوِ الطَّلَبِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ نَحْوَ: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ
стр. 686
الصَّابِرِينَ﴾ ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ﴾ .
وَاوُ الصَّرْفِ عِنْدَهُمْ وَمَعْنَاهَا أَنَّ الْفِعْلَ كَانَ يَقْتَضِي إِعْرَابًا فَصَرَفَتْهُ عَنْهُ إِلَى النَّصْبِ نَحْوَ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ فِي قِرَاءَةِ النَّصْبِ.
وَغَيْرُ الْعَامِلَةِ أَنْوَاعٌ:
أَحَدُهَا: وَاوُ الْعَطْفِ وَهِيَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ فَتَعْطِفُ الشَّيْءَ عَلَى مُصَاحِبِهِ نَحْوَ: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ .
وعلى سابقه نحو: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ﴾ .
وَلَاحِقِهِ نَحْوَ: ﴿يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ .
وَتُفَارِقُ سَائِرَ حُرُوفِ الْعَطْفِ فِي اقْتِرَانِهَا بِإِمَّا نَحْوَ: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ .
وَبِـ" لَا " بَعْدَ نَفْيٍ نَحْوَ: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ﴾ .
وَبِـ" لَكِنْ " نَحْوَ: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ وَتَعْطِفُ الْعِقْدَ عَلَى النَّيِّفِ وَالْعَامَّ عَلَى الْخَاصِّ وَعَكْسَهُ نَحْوَ: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ ورسله وجبريل وميكال﴾ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾
стр. 687
وَالشَّيْءَ عَلَى مُرَادِفِهِ نَحْوَ: ﴿صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ والمجرور على الجوار نحو: ﴿بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وَقِيلَ: تَرِدُ بِمَعْنَى أَوْ وَحَمَلَ عَلَيْهِ مَالِكٌ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الْآيَةَ.
وَلِلتَّعْلِيلِ وَحَمَلَ عَلَيْهِ الْخَارَزَنْجِيُّ الْوَاوَ الدَّاخِلَةَ عَلَى الْأَفْعَالِ الْمَنْصُوبَةِ.
ثَانِيهَا: وَاوُ الِاسْتِئْنَافِ نَحْوَ: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ﴾ ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ بِالرَّفْعِ إِذْ لَوْ كَانَتْ عَاطِفَةً لنصب نقر وَانْجَزَمَ مَا بَعْدَهُ وَنُصِبَ أَجَلٌ.
ثَالِثُهَا: وَاوُ الْحَالِ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ نَحْوَ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ .
وَزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْوَاقِعَةِ صِفَةً لِتَأْكِيدِ ثُبُوتِ الصفة للموصوف ولصوقها بها كَمَا تَدْخُلُ عَلَى الْحَالِيَّةِ وَجَعَلَ مِنْ ذَلِكَ: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ .
رَابِعُهَا: وَاوُ الثَّمَانِيَةِ ذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ كَالْحَرِيرِيِّ وَابْنِ خَالَوَيْهِ وَالثَّعْلَبِيِّ
стр. 688
وَزَعَمُوا أَنَّ الْعَرَبَ إِذَا عَدُّوا يُدْخِلُونَ الْوَاوَ بَعْدَ السَّبْعَةِ إِيذَانًا بِأَنَّهَا عَدَدٌ تَامٌّ وَأَنَّ مَا بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ وَجَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ .
وَقَوْلَهُ: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ لِأَنَّهُ الْوَصْفُ الثَّامِنُ.
وَقَوْلَهُ: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَبْكَاراً﴾ وَالصَّوَابُ عَدَمُ ثُبُوتِهَا وَأَنَّهَا فِي الْجَمِيعِ لِلْعَطْفِ.
خَامِسُهَا: الزَّائِدَةُ وَخُرِّجَ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَتَلَّهُ للجبين وناديناه﴾ .
سَادِسُهَا: وَاوُ ضَمِيرِ الذُّكُورِ فِي اسْمٍ أَوْ فِعْلٍ نَحْوَ: ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا﴾ .
سَابِعُهَا: وَاوُ عَلَامَةِ الْمُذَكَّرِينَ فِي لُغَةِ طَيِّءٍ وَخُرِّجَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ .
ثَامِنُهَا: الْوَاوُ الْمُبْدَلَةُ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الْمَضْمُومُ مَا قَبْلَهَا كَقِرَاءَةِ قنبل: ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ وَأَمِنْتُمْ﴾ ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾
стр. 689
وي كأن
قَالَ الْكِسَائِيُّ: كَلِمَةُ تَنَدُّمٍ وَتَعَجُّبٍ وَأَصْلُهُ " وَيْلَكَ " وَالْكَافُ ضَمِيرٌ مَجْرُورٌ.
وَقَالَ الْأَخْفَشُ: وَيِ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَعْجَبُ وَالْكَافُ حَرْفُ خِطَابٍ وَأَنَّ عَلَى إِضْمَارِ اللَّامِ وَالْمَعْنَى: أَعْجَبُ لِأَنَّ اللَّهَ.
وَقَالَ الْخَلِيلُ: وَيْ وَحْدَهَا وَكَأَنَّ كَلِمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِلتَّحْقِيقِ لَا لِلتَّشْبِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: يَحْتَمِلُ وَيْ كَأَنَّهُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: أَنْ يَكُونَ وَيْكَ حَرْفًا وأنه حرف وَالْمَعْنَى " أَلَمْ " تَرَ وَأَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ وَالْمَعْنَى " وَيْلَكَ " وَأَنْ تَكُونَ وَيْ حَرْفًا لِلتَّعَجُّبِ وَكَأَنَّهُ حَرْفٌ وَوُصِلَا خَطًّا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا وُصِلَ " يبنؤم ".
وَيْلٌ
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: وَيْلٌ تَقْبِيحٌ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ .
وَقَدْ يُوضَعُ مَوْضِعَ التَّحَسُّرِ وَالتَّفَجُّعِ نَحْوَ: ﴿يَا وَيْلَتَنَا﴾ ﴿يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ﴾ .
أَخْرَجَ الْحَرْبِيُّ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
стр. 690
" وَيْحَكِ! "فَجَزِعْتُ مِنْهَا فَقَالَ لِي: يَا حُمَيْرَاءُ إِنَّ " وَيْحَكِ " أَوْ " وَيْسَكِ " رَحْمَةٌ فَلَا تَجْزَعِي مِنْهَا وَلَكِنِ اجْزَعِي مِنَ الْوَيْلِ ".
يَا
حَرْفٌ لِنِدَاءِ الْبَعِيدِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَهِيَ أَكْثَرُ أَحْرُفِهِ اسْتِعْمَالًا وَلِهَذَا لَا يُقَدَّرُ عِنْدَ الْحَذْفِ سِوَاهَا نَحْوَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ﴾ وَلَا يُنَادَى اسْمُ اللَّهِ وَأَيُّهَا وَأَيَّتُهَا إِلَّا بِهَا.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَتُفِيدُ التَّأْكِيدَ الْمُؤْذِنَ بِأَنَّ الْخِطَابَ الَّذِي يَتْلُوهُ مُعْتَنًى بِهِ جِدًّا.
أوترد لِلتَّنْبِيهِ فَتَدْخُلُ عَلَى الْفِعْلِ وَالْحَرْفِ نَحْوَ: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ .
تَنْبِيهٌ
هَا قَدْ أَتَيْتُ عَلَى شَرْحِ مَعَانِي الْأَدَوَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى وَجْهٍ مُوجَزٍ مُفِيدٍ مُحَصِّلٍ لِلْمَقْصُودِ مِنْهُ وَلَمْ أَبْسُطْهُ لِأَنَّ مَحَلَّ الْبَسْطِ وَالْإِطْنَابِ إِنَّمَا هُوَ تَصَانِيفُنَا فِي فَنِّ الْعَرَبِيَّةِ وَكُتُبُنَا النَّحْوِيَّةُ وَالْمَقْصُودُ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ هَذَا الْكِتَابِ إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُ الْقَوَاعِدِ وَالْأُصُولِ لَا اسْتِيعَابُ الْفُرُوعِ وَالْجُزْئِيَّاتِ.
стр. 691
النَّوْعُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: فِي مَعْرِفَةِ إِعْرَابِهِ
أَفْرَدَهُ بِالتَّصْنِيفِ خَلَائِقُ مِنْهُمْ مَكِّيٌّ وَكِتَابُهُ فِي الْمُشْكِلِ خَاصَّةً وَالْحَوْفِيُّ وَهُوَ أَوْضَحُهَا وَأَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ وَهُوَ أَشْهَرُهَا وَالسَّمِينُ وَهُوَ أَجَلُّهَا عَلَى مَا فِيهِ مِنْ حَشْوٍ وَتَطْوِيلٍ وَلَخَّصَهُ السَّفَاقِسِيُّ فَحَرَّرَهُ وَتَفْسِيرُ أَبِي حَيَّانَ مَشْحُونٌ بِذَلِكَ.
وَمِنْ فَوَائِدِ هَذَا النَّوْعِ مَعْرِفَةُ الْمَعْنَى لِأَنَّ الْإِعْرَابَ يُمَيِّزُ الْمَعَانِيَ وَيُوقِفُ عَلَى أَغْرَاضِ الْمُتَكَلِّمِينَ.
أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: "تَعَلَّمُوا اللَّحْنَ وَالْفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ كَمَا تَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ ".
وَأَخْرَجَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ الرَّجُلُ يَتَعَلَّمُ الْعَرَبِيَّةَ يلتمس بها حسن المنطق ويقيم بِهَا قِرَاءَتَهُ قَالَ: حَسَنٌ يَا بن أَخِي فَتَعَلَّمْهَا فَإِنَّ الرَّجُلَ يَقْرَأُ الْآيَةَ فَيَعْيَا بِوَجْهِهَا فَيَهْلِكُ فِيهَا.
وَعَلَى النَّاظِرِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْكَاشِفِ عَنْ أَسْرَارِهِ النَّظَرُ فِي الْكَلِمَةِ وَصِيغَتِهَا وَمَحَلِّهَا كَكَوْنِهَا مُبْتَدَأً أَوْ خَبَرًا أَوْ فَاعِلًا أَوْ مَفْعُولًا أَوْ فِي مَبَادِئِ الْكَلَامِ أَوْ فِي جَوَابٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَيَجِبُ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ. أَنْ يَفْهَمَ مَعْنَى مَا يُرِيدُ أَنْ يُعْرِبَهُ مُفْرَدًا أَوْ مُرَكَّبًا قَبْلَ الْإِعْرَابِ فَإِنَّهُ فَرْعُ الْمَعْنَى وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ إِعْرَابُ فَوَاتِحِ السُّوَرِ إِذَا قُلْنَا بِأَنَّهَا مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.
стр. 692
وَقَالُوا فِي تَوْجِيهِ نَصْبِ " كَلَالَةٍ " فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ : إِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمُرَادِ بِهَا فَإِنْ كَانَ اسْمًا لِلْمَيِّتِ فَهُوَ حال و" يورث " خبر " كان " أو صفة وكان تامة أو ناقصة وكلالة خَبَرٌ أَوْ لِلْوَرَثَةِ فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ ذَا كَلَالَةٍ وَهُوَ أَيْضًا حَالٌ أَوْ خَبَرٌ كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ لِلْقَرَابَةِ فَهُوَ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي﴾ : إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمَثَانِي الْقُرْآنَ – فَـ" مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ، - أَوِ الْفَاتِحَةَ فَلِبَيَانِ الْجِنْسِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ فَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الِاتِّقَاءِ فَهِيَ مَصْدَرٌ أَوْ بِمَعْنَى مُتَّقًى أَيْ أَمْرًا يَجِبُ اتِّقَاؤُهُ فَمَفْعُولٌ بِهِ أَوْ جَمْعًا كَرُمَاةٍ فَحَالٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾ إِنْ أُرِيدَ بِهِ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَفَافِ وَالْيُبْسِ فَهُوَ صِفَةٌ لِغُثَاءٍ أَوْ مِنْ شِدَّةِ الْخُضْرَةِ فَحَالٌ مِنَ الْمَرْعَى.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدْ زَلَّتْ أَقْدَامُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُعْرِبِينَ رَاعَوْا فِي الْإِعْرَابِ ظَاهِرَ اللَّفْظِ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مُوجِبِ الْمَعْنَى مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ فَإِنَّهُ يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ عَطْفُ " أَنْ نَفْعَلَ " عَلَى " أَنْ نَتْرُكَ "، وَذَلِكَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا فِي أَمْوَالِهِمْ مَا يشاؤون وَإِنَّمَا هُوَ عَطْفٌ عَلَى " مَا " فَهُوَ مَعْمُولٌ لِلتَّرْكِ وَالْمَعْنَى: أَنْ نَتْرُكَ أَنْ نَفْعَلَ وَمُوجِبُ الْوَهْمِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْمُعْرِبَ يَرَى أَنْ وَالْفِعْلَ مَرَّتَيْنِ وَبَيْنَهُمَا حَرْفُ الْعَطْفِ.
стр. 693
الثَّانِي: أَنْ يُرَاعِيَ مَا تَقْتَضِيهِ الصِّنَاعَةُ فَرُبَّمَا رَاعَى الْمُعْرِبُ وَجْهًا صَحِيحًا وَلَا يَنْظُرُ فِي صِحَّتِهِ فِي الصِّنَاعَةِ فَيُخْطِئُ.
مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ : إن ثمودا مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ لِأَنَّ لِـ" مَا " النَّافِيَةِ الصَّدْرُ فَلَا يَعْمَلُ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا بَلْ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى " عَادًا " أَوْ على تقدير: "وأهلك ثمودا ".
وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ فِي: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ، ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ إِنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بَاسِمِ لَا وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ اسْمَ " لَا " حِينَئِذٍ مُطَوَّلٌ فَيَجِبُ نَصْبُهُ وَتَنْوِينُهُ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ.
وَقَوْلُ الْحَوْفِيِّ: إِنَّ الْبَاءَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ" نَاظِرَةٌ " وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَهُ الصَّدْرُ بَلْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ.
وَكَذَا قَوْلُ غَيْرِهِ فِي: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ إِنَّهُ حَالٌ مِنْ مَعْمُولِ " ثُقِفُوا " أَوْ " أُخِذُوا " بَاطِلٌ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَهُ الصَّدْرُ بَلْ هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الذَّمِّ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مليا بالعربية لئلا يخرج عل مَا لَمْ يَثْبُتْ كَقَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ : إِنَّ الْكَافَ قَسَمٌ حَكَاهُ مَكِّيٌّ وَسَكَتَ عَلَيْهِ فَشَنَّعَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ عَلَيْهِ فِي سُكُوتِهِ وَيُبْطِلُهُ أَنَّ الْكَافَ لَمْ تَجِئْ
стр. 694
بِمَعْنَى وَاوِ الْقَسَمِ وَإِطْلَاقَ مَا الْمَوْصُولَةِ عَلَى اللَّهِ وَرَبْطَ الْمَوْصُولِ بِالظَّاهِرِ وَهُوَ فَاعِلُ " أَخْرَجَكَ " وَبَابُ ذَلِكَ الشِّعْرُ.
وَأَقْرَبُ مَا قِيلَ فِي الآية إنها مع مجر ورها خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أَيْ هَذِهِ الْحَالُ مِنْ تَنْفِيلِكَ الْغُزَاةَ عَلَى مَا رَأَيْتَ فِي كَرَاهَتِهِمْ لَهَا كَحَالِ إِخْرَاجِكَ لِلْحَرْبِ فِي كَرَاهِيَتِهِمْ لَهَا. وَكَقَوْلِ ابْنِ مِهْرَانَ فِي قِرَاءَةِ: "إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَتْ " بِتَشْدِيدِ التَّاءِ: إِنَّهُ مِنْ زِيَادَةِ التَّاءِ فِي أَوَّلِ الْمَاضِي وَلَا حَقِيقَةَ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَإِنَّمَا أَصْلُ الْقِرَاءَةِ: "إِنَّ الْبَقَرَةَ تَشَابَهَتْ " بِتَاءِ الْوَحْدَةِ ثُمَّ أُدْغِمَتْ فِي تَاءِ " تَشَابَهَتْ " فَهُوَ إِدْغَامٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَتَجَنَّبَ الْأُمُورَ الْبَعِيدَةَ وَالْأَوْجُهَ الضَّعِيفَةَ وَاللُّغَاتِ الشَّاذَّةَ.
وَيُخَرِّجُ عَلَى الْقَرِيبِ وَالْقَوِيِّ وَالْفَصِيحِ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ إِلَّا الْوَجْهُ الْبَعِيدُ فَلَهُ عُذْرٌ وَإِنْ ذَكَرَ الْجَمِيعَ لِقَصْدِ الْإِغْرَابِ وَالتَّكْثِيرِ فَصَعْبٌ شَدِيدٌ أَوْ لِبَيَانِ الْمُحْتَمَلِ وَتَدْرِيبِ الطَّالِبِ فَحَسَنٌ فِي غَيْرِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ أَمَّا التَّنْزِيلُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَرَّجَ إِلَّا عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ إِرَادَتُهُ فَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ شَيْءٌ فَلْيَذْكُرِ الْأَوْجُهَ الْمُحْتَمَلَةَ مِنْ غَيْرِ تَعَسُّفٍ وَمِنْ ثَمَّ خُطِّئَ مَنْ قال في: ﴿وَقِيلِهِ﴾ ، بِالْجَرِّ أَوِ النَّصْبِ: إِنَّهُ عُطِفَ عَلَى لَفْظِ " السَّاعَةِ " أَوْ مَحَلِّهَا لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّبَاعُدِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ قَسَمٌ أَوْ مَصْدَرُ " قَالَ " مقدرا.
وَمَنْ قَالَ فِي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ : إِنَّ خَبَرَهُ ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَحْذُوفٌ.
وَمَنْ قَالَ فِي: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ : إِنَّ جَوَابَهُ ﴿إِنَّ ذَلِكَ
стр. 695
لَحَقٌّ﴾ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَحْذُوفٌ أَيْ مَا الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا أَوْ إِنَّهُ لَمُعْجِزٌ أَوْ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ.
وَمَنْ قَالَ فِي: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ : إن الوقف على " جناح " و" عليه " إِغْرَاءٌ لِأَنَّ إِغْرَاءَ الْغَائِبِ ضَعِيفٌ بِخِلَافِ الْقَوْلِ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي ﴿عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ فَإِنَّهُ حَسَنٌ لِأَنَّ إِغْرَاءَ الْمُخَاطَبِ فَصِيحٌ.
وَمَنْ قَالَ فِي: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ إِنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ لِضَعْفِهِ بَعْدَ ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مُنَادَى.
وَمَنْ قَالَ فِي: ﴿تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ بِالرَّفْعِ: إِنَّ " أَصْلَهُ " أَحْسَنُوا فَحُذِفَتِ الْوَاوُ اجْتِزَاءً عَنْهَا بِالضَّمَّةِ لِأَنَّ بَابَ ذَلِكَ الشِّعْرُ وَالصَّوَابُ تَقْدِيرُ مُبْتَدَإٍ أَيْ هُوَ أَحْسَنُ.
وَمَنْ قَالَ فِي: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ﴾ بِضَمِّ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ إِنَّهُ مِنْ بَابِ:
إِنَّكَ إِنْ يُصْرَعْ أَخُوكَ تُصْرَعِ
لِأَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالشِّعْرِ وَالصَّوَابُ أَنَّهَا ضَمَّةُ إِتْبَاعٍ وَهُوَ مَجْزُومٌ.
وَمَنْ قَالَ فِي: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ إِنَّهُ مَجْرُورٌ عَلَى الْجِوَارِ لِأَنَّ الْجَرَّ عَلَى الْجِوَارِ فِي نَفْسِهِ ضَعِيفٌ شَاذٌّ لَمْ يَرِدْ مِنْهُ إِلَّا أَحْرُفٌ يَسِيرَةٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ على ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَسْحُ الْخُفِّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَقَدْ يَكُونُ الْمَوْضِعُ لَا يَتَخَرَّجُ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ مَرْجُوحٍ،
стр. 696
فَلَا حَرَجَ عَلَى مُخْرِجِهِ كَقِرَاءَةِ: ﴿نُجِي المُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: الْفِعْلُ مَاضٍ وَيُضَعِّفُهُ إِسْكَانُ آخِرِهِ وَإِنَابَةُ ضَمِيرِ الْمَصْدَرِ عَنِ الْفَاعِلِ مَعَ وُجُودِ الْمَفْعُولِ بِهِ.
وَقِيلَ: مُضَارِعٌ أَصْلُهُ " نُنْجِي " بِسُكُونِ ثَانِيهٍ وَيُضَعِّفُهُ أَنَّ النُّونَ لَا تُدْغَمُ فِي الْجِيمِ وَقِيلَ: أَصْلُهُ " نُنَجِّي " بِفَتْحِ ثَانِيهِ وَتَشْدِيدِ ثَالِثِهِ فَحُذِفَتِ النُّونُ وَيُضَعِّفُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي التَّاءِ.
الْخَامِسُ: أَنْ يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ مِنَ الْأَوْجُهِ الظَّاهِرَةِ فَتَقُولُ فِي نَحْوِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ يَجُوزُ كَوْنُ الْأَعْلَى صِفَةً لِلرَّبِّ وَصِفَةً لِلِاسْمِ وَفِي نَحْوِ: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ﴾ يَجُوزُ كَوْنُ " الَّذِينَ " تَابِعًا وَمَقْطُوعًا إِلَى النَّصْبِ بِإِضْمَارِ " أَعْنِي " أَوْ " أَمْدَحُ " وَإِلَى الرَّفْعِ بِإِضْمَارِ " هُمْ ".
السَّادِسُ: أَنْ يُرَاعِيَ الشُّرُوطَ الْمُخْتَلِفَةَ بِحَسَبِ الْأَبْوَابِ وَمَتَى لَمْ يَتَأَمَّلْهَا اخْتَلَطَتْ عَلَيْهِ الْأَبْوَابُ وَالشَّرَائِطُ وَمِنْ ثَمَّ خُطِّئَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ إِنَّهُمَا عَطْفُ بَيَانٍ وَالصَّوَابُ أَنَّهُمَا نَعْتَانِ لِاشْتِرَاطِ الِاشْتِقَاقِ فِي النَّعْتِ وَالْجُمُودِ فِي عَطْفِ الْبَيَانِ.
وَفِي قَوْلِهِ فِي: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ بِنَصْبِ " تَخَاصُمِ ": إِنَّهُ صِفَةٌ لِلْإِشَارَةِ لِأَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ إِنَّمَا يُنْعَتُ بِذِي اللَّامِ الْجِنْسِيَّةِ وَالصَّوَابُ كَوْنُهُ بَدَلًا.
стр. 697
وَفِي قَوْلِهِ فِي: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ وفي ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا﴾ إِنَّ الْمَنْصُوبَ فِيهِمَا ظَرْفٌ لِأَنَّ ظَرْفَ الْمَكَانِ شَرْطُهُ الْإِبْهَامُ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ عَلَى إِسْقَاطِ الْجَارِّ تَوَسُّعًا وَهُوَ فِيهِمَا " إِلَى ".
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ : إِنَّ " أَنْ " مَصْدَرِيَّةٌ وَهِيَ وَصِلَتُهَا عَطْفُ بَيَانٍ عَلَى الْهَاءِ لِامْتِنَاعِ عَطْفِ الْبَيَانِ عَلَى الضَّمِيرِ كَنَعْتِهِ. وَهَذَا الْأَمْرُ السَّادِسُ عَدَّهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي الْمُغْنِي وَيَحْتَمِلُ دُخُولُهُ فِي الْأَمْرِ الثَّانِي.
السَّابِعُ: أَنْ يُرَاعِيَ فِي كُلِّ تَرْكِيبٍ مَا يُشَاكِلُهُ فَرُبَّمَا خَرَّجَ كَلَامًا عَلَى شَيْءٍ وَيَشْهَدُ اسْتِعْمَالٌ آخَرُ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِخِلَافِهِ وَمِنْ ثَمَّ خُطِّئَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ فِي: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ إِنَّهُ عُطِفَ عَلَى ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ وَلَمْ يَجْعَلْهُ مَعْطُوفًا عَلَى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ لِأَنَّ عَطْفَ الِاسْمِ عَلَى الِاسْمِ أَوْلَى وَلَكِنَّ مَجِيءَ قَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ بِالْفِعْلِ فِيهِمَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ خُطِّئَ مَنْ قَالَ فِي: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ إِنَّ الْوَقْفَ عَلَى " رَيْبَ " وَ" فِيهِ " خَبَرُ " هُدًى " وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
стр. 698
وَمَنْ قَالَ فِي: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ : إِنَّ الرَّابِطَ الْإِشَارَةُ وَإِنَّ الصَّابِرَ وَالْغَافِرَ جُعِلَا مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ مُبَالَغَةً وَالصَّوَابُ أَنَّ الْإِشَارَةَ لِلصَّبْرِ وَالْغُفْرَانِ بِدَلِيلِ: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ " إِنَّكُمْ ".
وَمَنْ قَالَ فِي نَحْوِ: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ﴾ إِنَّ الْمَجْرُورَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ وَالصَّوَابُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأَنَّ الخبر لم يجيء فِي التَّنْزِيلِ مُجَرَّدًا مِنَ الْبَاءِ إِلَّا وَهُوَ مَنْصُوبٌ.
وَمَنْ قَالَ فِي: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ إِنَّ الِاسْمَ الْكَرِيمَ مُبْتَدَأٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ فَاعِلٌ بِدَلِيلِ: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ .
تَنْبِيهٌ
وَكَذَا إِذَا جَاءَتْ قِرَاءَةٌ أُخْرَى فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِعَيْنِهِ تساعد أحد الإعرابيين فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَرَجَّحَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ ، قِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَلَكِنَّ ذَا الْبِرِّ وَقِيلَ: وَلَكِنَّ البر بر مَنْ آمَنَ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّهُ قُرِئَ: "وَلَكِنَّ الْبَارَّ ".
تَنْبِيهٌ
وَقَدْ يُوجَدُ مَا يُرَجِّحُ كُلًّا مِنَ الْمُحْتَمَلَاتِ فَيُنْظَرُ فِي أَوْلَاهَا نَحْوَ: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً﴾ ، فَـ" مَوْعِدًا " مُحْتَمِلٌ لِلْمَصْدَرِ وَيَشْهَدُ لَهُ: ﴿لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ﴾ وَلِلزَّمَانِ وَيَشْهَدُ لَهُ: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ وَلِلْمَكَانِ وَيَشْهَدُ لَهُ: ﴿مَكَاناً سُوَىً﴾ وَإِذَا أَعْرَبَ " مَكَانًا " بَدَلًا مِنْهُ لَا ظَرْفًا لِـ" نُخْلِفُهُ " تَعَيَّنَ ذَلِكَ.
стр. 699
الثامن: أن يراعي الاسم وَمِنْ ثَمَّ خُطِّئَ مَنْ قَالَ فِي: ﴿سَلْسَبِيلاً﴾ إِنَّهَا جُمْلَةٌ أَمْرِيَّةٌ أَيْ سَلْ طَرِيقًا مُوَصِّلَةً إِلَيْهَا لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَكُتِبَتْ مَفْصُولَةً.
وَمَنْ قَالَ فِي: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ،: إِنَّهَا إِنَّ وَاسْمُهَا أَيْ إِنَّ الْقِصَّةَ وَذَانِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لَسَاحِرَانِ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ وَهُوَ بَاطِلٌ برسم " أن " منفصلة وهذان مُتَّصِلَةً.
وَمَنْ قَالَ فِي: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ إِنَّ اللَّامَ لِلِابْتِدَاءِ وَالَّذِينَ مُبْتَدَأٌ وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ وَهُوَ بَاطِلٌ فَإِنَّ الرَّسْمَ " وَلَا ".
وَمَنْ قَالَ في: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ إِنَّ " هُمْ أَشَدُّ " مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَأَيُّ مَقْطُوعَةٌ عَنِ الْإِضَافَةِ وَهُوَ بَاطِلٌ بِرَسْمِ " أَيُّهُمْ " مُتَّصِلَةً.
وَمَنْ قَالَ فِي: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ إِنَّ " هُمْ " ضَمِيرُ رَفْعٍ مُؤَكِّدٌ لِلْوَاوِ وَهُوَ بَاطِلٌ بِرَسْمِ الْوَاوِ فِيهِمَا بِلَا أَلِفٍ بَعْدَهَا وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَفْعُولٌ.
التَّاسِعُ: أَنْ يَتَأَمَّلَ عِنْدَ وُرُودِ الْمُشْتَبِهَاتِ وَمِنْ ثَمَّ خُطِّئَ مَنْ قَالَ فِي: ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً﴾ إنه فعل تَفْضِيلٍ وَالْمَنْصُوبُ تَمْيِيزٌ وَهُوَ بَاطِلٌ فَإِنَّ " الْأَمَدَ " لَيْسَ مُحْصِيًا بَلْ مُحْصًى وَشَرْطُ التَّمْيِيزِ الْمَنْصُوبِ بَعْدَ
стр. 700
" أَفْعَلَ " كَوْنُهُ فَاعِلًا فِي الْمَعْنَى فَالصَّوَابُ أَنَّهُ فِعْلٌ وَأَمَدًا مَفْعُولٌ مِثْلَ: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ .
الْعَاشِرُ: أَلَّا يُخَرِّجَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ أَوْ خِلَافِ الظَّاهِرِ لِغَيْرِ مُقْتَضٍ وَمِنْ ثَمَّ خُطِّئَ مَكِّيٌّ فِي قَوْلِهِ فِي: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي﴾ إِنَّ الْكَافَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ أَيْ إِبْطَالًا كَإِبْطَالِ الَّذِي. وَالْوَجْهُ كَوْنُهُ حَالًا مِنَ الْوَاوِ أَيْ لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ مُشْبِهِينَ الَّذِي فَهَذَا لَا حَذْفَ فِيهِ.
الْحَادِي عَشَرَ: أَنْ يَبْحَثَ عَنِ الْأَصْلِيِّ وَالزَّائِدِ نَحْوَ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فَإِنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْوَاوَ فِي ﴿يَعْفُونَ﴾ ضَمِيرُ الْجَمْعِ فَيُشْكِلُ إِثْبَاتُ النُّونِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ فِيهِ لَامُ الْكَلِمَةِ فَهِيَ أَصْلِيَّةٌ وَالنُّونُ ضَمِيرُ النِّسْوَةِ وَالْفِعْلُ مَعَهَا مَبْنِيٌّ وَوَزْنُهُ: "يَفْعُلْنَ " بِخِلَافِ ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ﴾ فَالْوَاوُ فِيهِ ضَمِيرُ الْجَمْعِ وَلَيْسَتْ مِنْ أَصْلِ الْكَلِمَةِ.
الثَّانِي عَشَرَ: أَنْ يَجْتَنِبَ إِطْلَاقَ لَفْظِ الزَّائِدِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ الزَّائِدَ قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ وَكِتَابُ اللَّهِ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وَلِذَا فَرَّ بَعْضُهُمْ إِلَى التَّعْبِيرِ بَدَلَهُ بِالتَّأْكِيدِ وَالصِّلَةِ وَالْمُقْحَمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْخَشَّابِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ إِطْلَاقِ لَفْظِ الزَّائِدِ فِي الْقُرْآنِ،
стр. 701
فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى جَوَازِهِ نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ نَزَلَ بِلِسَانِ الْقَوْمِ وَمُتَعَارَفِهِمْ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ بِإِزَاءِ الْحَذْفِ هَذَا لِلِاخْتِصَارِ وَالتَّخْفِيفِ وَهَذَا لِلتَّوْكِيدِ وَالتَّوْطِئَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَى ذَلِكَ وَقَالَ: هَذِهِ الْأَلْفَاظُ الْمَحْمُولَةُ عَلَى الزِّيَادَةِ جَاءَتْ لِفَوَائِدَ وَمَعَانٍ تَخُصُّهَا فَلَا أَقْضِي عَلَيْهَا بِالزِّيَادَةِ.
قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِالزِّيَادَةِ إِثْبَاتُ مَعْنًى لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فَبَاطِلٌ لِأَنَّهُ عَبَثٌ فَتَعَيَّنَ أَنَّ إِلَيْنَا بِهِ حَاجَةً لَكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الْأَشْيَاءِ قَدْ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْمَقَاصِدِ فَلَيْسَتِ الْحَاجَةُ إِلَى اللَّفْظِ الَّذِي عَدَّهُ هَؤُلَاءِ زِيَادَةً كَالْحَاجَةِ إِلَى اللَّفْظِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ. انْتَهَى.
وَأَقُولُ: بَلِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ كَالْحَاجَةِ إِلَيْهِ سَوَاءٌ بِالنَّظَرِ إِلَى مُقْتَضَى الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ وَأَنَّهُ لَوْ تُرِكَ كَانَ الْكَلَامُ دُونَهُ مَعَ إِفَادَتِهِ أَصْلَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ أَبْتَرَ خَالِيًا عَنِ الرَّوْنَقِ الْبَلِيغِيِّ لَا شُبْهَةَ فِي ذَلِكَ وَمِثْلُ هَذَا يُسْتَشْهَدُ عَلَيْهِ بِالْإِسْنَادِ الْبَيَانِيِّ الَّذِي خَالَطَ كَلَامَ الْفُصَحَاءِ وَعَرَفَ مَوَاقِعَ اسْتِعْمَالِهَا وَذَاقَ حَلَاوَةَ أَلْفَاظِهِمْ وَأَمَّا النَّحْوِيُّ الْجَافِي فَعَنْ ذَلِكَ بِمُنْقَطَعِ الثَّرَى.
تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ: قَدْ يَتَجَاذَبُ الْمَعْنَى وَالْإِعْرَابُ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ بِأَنْ يُوجَدَ فِي الْكَلَامِ أَنَّ الْمَعْنَى يَدْعُو إِلَى أَمْرٍ وَالْإِعْرَابَ يَمْنَعُ مِنْهُ وَالْمُتَمَسَّكُ به صحة المعنى ويؤول لِصِحَّةِ الْمَعْنَى الْإِعْرَابُ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ فَالظَّرْفُ الَّذِي هُوَ " يَوْمٌ " يَقْتَضِي الْمَعْنَى أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ " رَجْعٌ " أَيْ أَنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَقَادِرٌ لَكِنَّ الْإِعْرَابَ يَمْنَعُ مِنْهُ لِعَدَمِ جَوَازِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمَصْدَرِ وَمَعْمُولِهِ فَيُجْعَلُ الْعَامِلُ فِيهِ فِعْلًا مُقَدَّرًا دَلَّ عَلَيْهِ الْمَصْدَرُ
стр. 702
وَكَذَا: ﴿أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ فالمعنى يقتضي تعلق " إذ " بِالْمَقْتِ وَالْإِعْرَابُ يَمْنَعُهُ لِلْفَصْلِ الْمَذْكُورِ فَيُقَدَّرُ لَهُ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: قَدْ يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ هَذَا تَفْسِيرُ مَعْنًى وَهَذَا تَفْسِيرُ إِعْرَابٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ تَفْسِيرَ الْإِعْرَابِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُلَاحَظَةِ الصِّنَاعَةِ النَّحْوِيَّةِ وَتَفْسِيرَ الْمَعْنَى لَا تَضُرُّهُ مُخَالَفَةُ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ لَحْنِ الْقُرْآنِ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ فقالت: يا بن أَخِي هَذَا عَمَلُ الْكُتَّابِ أَخْطَئُوا فِي الْكِتَابِ " هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
وَقَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُوسَى أَخْبَرَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا كُتِبَتِ الْمَصَاحِفُ عُرِضَتْ عَلَى عُثْمَانَ فَوَجَدَ فِيهَا حُرُوفًا مِنَ اللَّحْنِ فَقَالَ: لَا تُغَيِّرُوهَا فَإِنَّ الْعَرَبَ سَتُغَيِّرُهَا - أَوْ قَالَ: سَتُعْرِبُهَا بِأَلْسِنَتِهَا لَوْ كَانَ الْكَاتِبُ مِنْ ثَقِيفٍ وَالْمُمْلِي مِنْ هُذَيْلٍ لَمْ تُوجَدْ فِيهِ هَذِهِ الْحُرُوفُ. أَخْرَجَهُ ابْنُ الأنبا ري فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ مُصْحَفَ عُثْمَانَ وَابْنُ أُشْتَةَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ.
ثُمَّ أَخْرَجَ ابن الأنبا ري نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ وَابْنِ أُشْتَةَ نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ.
стр. 703
وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ وَيَقُولُ: هُوَ لَحْنٌ مِنَ الْكَاتِبِ.
وَهَذِهِ الْآثَارُ مُشْكِلَةٌ جِدًّا وَكَيْفَ يُظَنُّ بِالصَّحَابَةِ أَوَّلًا أَنَّهُمْ يَلْحَنُونَ فِي الْكَلَامِ فَضْلًا عَنِ الْقُرْآنِ وَهُمُ الْفُصَحَاءُ اللُّدُّ ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ ثَانِيًا فِي الْقُرْآنِ الَّذِي تَلَقَّوْهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا أُنْزِلَ وَحَفِظُوهُ وَضَبَطُوهُ واتقوه ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ ثَالِثًا اجْتِمَاعُهُمْ كُلُّهُمْ عَلَى الْخَطَإِ وَكِتَابَتِهِ! ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ رَابِعًا عَدَمُ تَنَبُّهِهِمْ وَرُجُوعِهِمْ عَنْهُ ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ بِعُثْمَانَ أَنَّهُ يَنْهَى عَنْ تَغْيِيرِهِ! ثُمَّ كَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ الْقِرَاءَةَ اسْتَمَرَّتْ عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ الْخَطَإِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ بِالتَّوَاتُرِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ! هَذَا مِمَّا يَسْتَحِيلُ عَقْلًا وَشَرْعًا وَعَادَةً. وَقَدْ أَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنْ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ عَنْ عُثْمَانَ فَإِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ مُضْطَرِبٌ مُنْقَطِعٌ وَلِأَنَّ عُثْمَانَ جُعِلَ لِلنَّاسِ إِمَامًا يَقْتَدُونَ بِهِ فَكَيْفَ يَرَى فِيهِ لَحْنًا وَيَتْرُكُهُ لِتُقِيمَهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا! فَإِذَا كَانَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا جَمْعَهُ وَكِتَابَتَهُ لَمْ يُقِيمُوا ذَلِكَ وَهُمُ الْخِيَارُ فَكَيْفَ يُقِيمُهُ غَيْرُهُمْ! وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ مُصْحَفًا وَاحِدًا بَلْ كَتَبَ عِدَّةَ مَصَاحِفَ فَإِنْ قِيلَ: إنَّ اللَّحْنَ وَقَعَ فِي جَمِيعِهَا فَبَعِيدٌ اتِّفَاقُهَا عَلَى ذَلِكَ أَوْ فِي بَعْضِهَا فَهُوَ اعْتِرَافٌ بِصِحَّةِ الْبَعْضِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ اللَّحْنَ كَانَ فِي مُصْحَفٍ دُونَ مُصْحَفٍ وَلَمْ تَأْتِ الْمَصَاحِفُ قَطُّ مُخْتَلِفَةً إِلَّا فِيمَا هُوَ مِنْ وُجُوهِ الْقِرَاءَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بلحن.
الوجه الثَّانِي: عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ إِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الرَّمْزِ وَالْإِشَارَةِ وَمَوَاضِعِ الْحَذْفِ نَحْوَ: "الكتب "، " وَالصَّابِرِينَ " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: أنه مؤول عَلَى أَشْيَاءَ خَالَفَ لَفْظُهَا رَسْمَهَا كَمَا كَتَبُوا
стр. 704
﴿وَلَا أَوْضَعُوا﴾ وَ ﴿لَا أَذْبَحَنَّهُ﴾ بألف بعد لا و ﴿جزاؤا الظالمين﴾ بواو وألف و " بأييد " بِيَاءَيْنِ فَلَوْ قُرِئَ بِظَاهِرِ الْخَطِّ لَكَانَ لَحْنًا وَبِهَذَا الْجَوَابِ وَمَا قَبْلَهُ جَزَمَ ابْنُ أُشْتَةَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي كِتَابِ: "الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ مُصْحَفَ عُثْمَانَ "فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ: لَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ لِأَنَّهَا مُنْقَطِعَةٌ غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ وَمَا يَشْهَدُ عَقْلٌ بِأَنَّ عُثْمَانَ وَهُوَ إِمَامُ الْأُمَّةِ الَّذِي هُوَ إِمَامُ النَّاسِ فِي وَقْتِهِ وَقُدْوَتُهُمْ يَجْمَعُهُمْ عَلَى الْمُصْحَفِ الَّذِي هُوَ الْإِمَامُ فَيَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلَلًا وَيُشَاهِدُ فِي خَطِّهِ زَلَلًا فَلَا يُصْلِحُهُ! كَلَّا وَاللَّهِ مَا يَتَوَهَّمُ عَلَيْهِ هَذَا ذُو إِنْصَافٍ وَتَمْيِيزٍ وَلَا يُعْتَقَدُ أَنَّهُ أَخَّرَ الْخَطَأَ فِي الْكِتَابِ لِيُصْلِحَهُ مَنْ بَعْدَهُ. وَسَبِيلُ الْجَائِينَ مِنْ بَعْدِهِ الْبِنَاءُ عَلَى رَسْمِهِ وَالْوُقُوفُ عِنْدَ حُكْمِهِ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ عُثْمَانَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: "أَرَى فِيهِ لَحْنًا "، أَرَى فِي خَطِّهِ لَحْنًا إِذَا أَقَمْنَاهُ بِأَلْسِنَتِنَا كَانَ لَحْنُ الْخَطِّ غَيْرَ مُفْسِدٍ وَلَا مُحَرِّفٍ مِنْ جِهَةِ تَحْرِيفِ الْأَلْفَاظِ وَإِفْسَادِ الْإِعْرَابِ فَقَدْ أَبْطَلَ وَلَمْ يُصِبْ لِأَنَّ الْخَطَّ مُنْبِئٌ عَنِ النُّطْقِ فَمَنْ لَحَنَ فِي كَتْبِهِ فَهُوَ لَاحِنٌ فِي نُطْقِهِ وَلَمْ يَكُنْ عُثْمَانُ لِيُؤَخِّرَ فَسَادًا فِي هِجَاءِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ مِنْ جِهَةِ كَتْبٍ وَلَا نُطْقٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ مُوَاصِلًا لِدَرْسِ الْقُرْآنِ مُتْقِنًا لِأَلْفَاظِهِ مُوَافِقًا عَلَى مَا رُسِمَ فِي المصاحف المنقذة إِلَى الْأَمْصَارِ وَالنَّوَاحِي. ثُمَّ أَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُبَارَكٍ حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ - شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ - عَنْ هَانِئٍ الْبَرْبَرِيِّ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُثْمَانَ وَهُمْ يَعْرِضُونَ الْمَصَاحِفَ فَأَرْسَلَنِي بِكَتِفِ شَاةٍ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِيهَا ﴿لَمْ
стр. 705
يَتَسَن﴾ وفيها ﴿لا تَبْدِيل للخَلْق﴾ وفيها ﴿فَأَمْهِل الكافِرين﴾ قَالَ: فَدَعَا بِالدَّوَاةِ فَمَحَا أَحَدَ اللَّامَيْنِ فَكَتَبَ: ﴿لَخَلْقِ اللَّهِ﴾ وَمَحَى ﴿فَأَمْهِل﴾ وَكَتَبَ ﴿فَمَهِّلِ﴾ وَكَتَبَ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أَلْحَقَ فِيهَا الْهَاءَ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: فَكَيْفَ يُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ رَأَى فَسَادًا فَأَمْضَاهُ وَهُوَ يُوقَفُ عَلَى مَا كُتِبَ وَيُرْفَعُ الْخِلَافُ إِلَيْهِ الْوَاقِعُ مِنَ النَّاسِخِينَ لِيَحْكُمَ بِالْحَقِّ وَيُلْزِمَهُمْ إِثْبَاتُ الصَّوَابِ وَتَخْلِيدُهُ؟!! انْتَهَى.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أُشْتَةَ فِي الْمَصَاحِفِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ أَنْبَأَنَا الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ عَنْ سَوَّارِ بْنِ شَبِيبٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَنِ الْمَصَاحِفِ فَقَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ النَّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْقُرْآنِ فَكَانَ عُمَرُ قَدْ هَمَّ أَنْ يَجْمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى قِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ فَطُعِنَ طَعْنَتَهُ الَّتِي مَاتَ بِهَا فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ قَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَذَكَرَ لَهُ فَجَمَعَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ ثُمَّ بَعَثَنِي إِلَى عَائِشَةَ فَجِئْتُ بِالصُّحُفِ فَعَرَضْنَاهَا عَلَيْهَا حَتَّى قَوَّمْنَاهَا ثُمَّ أَمَرَ بِسَائِرِهَا فَشُقِّقَتْ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ ضَبَطُوهَا وَأَتْقَنُوهَا وَلَمْ يَتْرُكُوا فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَى إِصْلَاحٍ وَلَا تَقْوِيمٍ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ أُشْتَةَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ أَنْبَأَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَسْعَدَةَ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الأعلى ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: لَمَّا فُرِغَ مِنَ الْمُصْحَفِ أُتِيَ بِهِ عُثْمَانَ فَنَظَرَ فِيهِ فَقَالَ: أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ! أَرَى شَيْئًا سَنُقِيمُهُ
следующие страницы →