ليس على تحريمِها دليل، والحرامُ من الذهب إنَّما هو استعمال الذكور له، والأكل والشرب، ونحوهما من الاستعمال من أوانيه، وليس في تَحلية المسجد بالقناديل الذهبية ونَحوها شيء من ذلك. انتهى.
وهذا فيه ما لا يَخفى من ترجيح [المرجوح] (١) وتقوية الضعيف بما هو أضعف، حيث جعل الدليل على إباحته عدم الدليل على حرمته، والحال أن الدليل على حرمته قائم.
ثم القول: بأن الحرام من الذهب استعمال الذكور له والأكل والشرب ونَحوهما من الاستعمال من أوانيه، ليت شعري ما أراد "بنحوهما" من الاستعمال؟ وهل استعمال القنديل إلا تعليقه في المكان تارة للتَّزين، وتارة للإيقاد، ولم يعهد قط أن القناديل يؤكل فيها ويشرب، بل استعمال كل شيء بِحَسَبِهِ.
وأعجب من ذلك استدلاله بِمَقَال الغزالي: الذي يتبين لي أنَّ مَنْ كَتَبَ القرآنَ بالذهب فقد أحسن، ولا زكاة عليه فيه.
فلم يثبت في الذهب إلا تحريمه على ذكورِ الأمةِ فيما يُنْسَبُ إلى الذكورِ، وهذا لا يُنْسَبُ إلى الذكور، فيبقى على أصلِ الحلِّ ما لم ينتهِ إلى الإسرافِ.
وهذا يصلحُ دليلاً عليه حيث قال بالتحريمِ إذا بلغ حَدَّ الإسرافِ، فهذا في القناديل المعلقة ونَحوها من باب الأَوْلى.
وليت شعري متى يبلغ الكاتب حَدَّ الإسرافِ، فإن القنديلَ الصغيرَ يَحْتَمِلُ أن يُكتب بمحلوله مائة مصحف.
ثم قال: هذا كُلُّهُ في الكعبةِ شرفها الله تعالى، أما غيرها من المساجد فلا
стр. 1332
ينتهي إليها، فلا يبعد جريان الخلاف فيه، والأرجح منه الجواز كما قاله القاضي حسين، ولا أقول إنه ينتهي إلى حَدِّ القُرْبَةِ، ولهذا استقرَ الناس على خلافه في الأكثر.
قال: وأما تعليل الرافعي بأن ذلك لم ينقل عن فعل السلف فعجيب، لأن هذه العلة لا تقتضي التحريم، وقُصَاراها (١) أن تقتضي أنه ليس بسُنَّة أو مكروه/٥٣٨ كراهة تَنْزيه، أما التحريم فلا، وليس لنا أن نَجزم بِمِثْلِ ذلك حتى يَرِدَ نَهْيٌّ من الشارعِ. انتهى كلامه؛ وفيه أمور:
أحدها: أن قول الشيخ: (تعليل الرافعي عجيب) أعجبُ وأعجبُ! إذ الرافعي لم يَجعل ذلك بِمُفردِهِ عِلَّةً، بل مضموماً إلى ما وَرَدَ عن السلف من إلبَاسِ الكعبةِ الحريرَ مع وُرُودِ النَّهيِ عن استعماله واستعمالِ الذهبِ أيضاً.
كذلك ورد النهي عن استعماله، ولم يستعمله السلف في الكعبة مع عنايتهم بشأنها وتعظيمها وتبجيلها فهذا المجموع يدل على المنع، إذ لو كان كذلك مُسَاغَاً لفعلوه كما فعلوا في الحرير.
الثاني: قوله: (حتى يَرِدَ نَهْيٌّ عن الشارع)، وكم من نَهْيٍ ورد عن الشارع في ذلك ! كما ذكر هو بعضه بعد ذلك من قوله ﷺ : «مَنْ شَرِبَ في إنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ فَإنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَاراً مِنْ جَهَنَّمَ» (٢)، وفي لفظ: «أو في إنَاءٍ فِيهِ شَيءٌ مِنْهَا» (٣).
وقوله ﷺ : «لاتَشْرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ولا تَأكُلُوا في صِحَافهَا،
стр. 1333
فَإنَّهَا لَهُم في الدُّنْيَا وَلَكُم في الآخِرَةِ» (١).
وقوله ﷺ في الذهب والحرير: «هذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أمَّتي، حِلٌّ لإنَاثِهَا» (٢).
وقاسَ جماهيرُ العلماءِ الأكلَ والشربَ عليها.
قال الشيخ محي الدين النووي: أجْمَعَ العلماءُ على حرمةِ استعمالِ أواني الذهبِ والفضةِ (٣)، هكذا قال، ولم يَحْكِ خلافاً، ولم يستثن آنية عن آنية، والقناديل من الأواني بلا خلاف، ومن منع فمكابر، وسنبين ذلك بأوضح من هذا.
ثم قال: وتكلموا في العلَّةِ المقتضية لقياسِ غيرِ الأكلِ والشربِ عليهما، فمنهم من قال: التَّشَبُّه في الأعاجِمِ.
قال: وَرُدَّ بأن هذهِ العلة تقتضي الكراهيةَ لا التحريم.
وقال بعضهم: العِلَّةُ السرفُ والخُيَلاءُ، أو كسر قلوبِ الفقراءِ وتضييقِ
стр. 1334
النقدين، وجميعُ هذه العِلَلِ بالنسبةِ إلى ما يستعملهُ الشخصُ كالأكلِ والشربِ.
أما تَحلية المساجد تعظيماً لها فليس فيه شيء من هذه العلل، وهكذا القناديل من الذهبِ والفضةِ لأن الشخص إذا اتَّخذها للمسجد لم يقصد استعمالها ولا أن يتزين بِهَا هو ولا أحد من جهته، والذي حَرَّمَ اتِّخاذها على أصح الوجهين إنَّما حَرَّمَ ذلك لأن النفسَ تدعو إلى الاستعمال المحرم، وذلك إذا كانت له، وأما جعلها للمسجدِ فلا تدعو النفسُ إلى استعمال حرام أصلاً، فكيف تَحْرُمُ وهي لا تُسَمَّى أواني؟
ورأيت الحنابلة (١) قالوا بتحريمها للمسجدِ، وجعلوها من الأواني أو مَقِيسَةً عليها، وليس بصحيحٍ، لا هي أواني ولا في معنى الأواني. انتهى.
وهذا فصل يقضي منه العجب كل العجب، قوله: (تَحلية المساجد ليس فيه شيء من هذه العلل) قول/٥٣٩ ظاهر الخلل، إذ السرف فيه أظهر من نارٍ على علمٍ، وتضييق قلوب الفقراء أوضح وأظهر، لأن المسجد محلهم ومقامهم، وينظرون إلى شيء يضيع لا ينتفع به أحد من المسلمين، وهم مُحتاجون إلى صرف حبة منها، بِخلاف ما في أَجْوُفِ (٢) البيوت والمخادع فإنه قد لا تَحصل منه هذه المفسدة العظمى، والبَلِيَّة الكبرى.
وأما تضييقُ النقدين المؤدي إلى غلاء السعرِ، وتقليلِ أسبابِ المعاملاتِ، فهذا أحدُ أسبابهِ لا يضاهيها نوع آخر من أنواع استعمال النقدين، وذلك لأنه يَبْطُلُ حكمه بالكليةِ، ولا يَجوز لأحد صرفه، ولا كسره، ولا بيعه، بل يبقى كذلك إلى أن يأتي بِزَعْمِ الشيخِ إلى صاحبهِ يومَ القيامةِ بعينهِ، ويعلَّقُ
стр. 1335
عليه في الجنانِ، هذا مِمَّا لا يليقُ بكلامِ الوعَّاظِ والقُصَّاصِ.
وقوله: (لأن الشخص الذي اتَّخذها لم يقصد استعمالها، ولا أن يتزين بِهَا، ولا أحد من جهته). فيه أن اتِّخَاذ ذلك حرام، ولا اعتبار لقصد الاستعمال وعدمه.
ثُم إنا نَمْنع أنه لم يقصد التزين بِهَا، بل قَصَدَ ذلك وتَزَيَّنَ كما قاله الشيخُ بعد: إنه أراد به لسان صدق في الآخرين، وأي تزين أعظم من ذلك.
وقوله: (ولا أحد من جهته) وكالنائب له في ذلك، والمؤتَمِرِ لأمره، والقائم مقامه.
وقوله: (كيف تحرم ولا تسمى أواني، ولا هي في معنى الأواني)؟
هذا عدمُ اطلاعٍ على معنى كلامِ العربِ، وقلةُ فهم لموضوعِ لغتهم، وهذه كتبُ اللغةِ لمنْ لا يذوقُ بنفسهِ لغةَ العربِ تشهدُ بأنَّ الآنيةَ والوعاءَ والظرفَ أخواتٌ من وادٍ واحدٍ، تَسْتَعْمِلُ العربُ كلاً منها مقامَ الآخر، ولا تفرق البَتَّة.
ولا يَختلف اثنان في أن القنديل ظرف ووعاء، وإذا ثبت ذلك فهو إناء أيضاً. وقد صح عن علي بن أبي طالب ﵁ وهو فارس ميدان البلاغة أنه اغترف الماء بكفيه، ثم قال لمولاه أبي نِيْزَر (١): (هذه أنظف آنية المرء)، فجعل الكف من الأواني.
وفي حديث آخر مرفوع: «إن لله تعالى أواني أشرفُها وأفضلُها قلوب
стр. 1336
العارفين» (١)، أو كما قال، فجعل القلوب من الأواني.
وفي الجملة: وكل ظرف آنية، والإناء مشتق من أنِيَ يَأنَى (٢)، كَرضِي يَرْضَى (٣)، إذا ثبت واستقر، سُمِّيَ الإناء إناءً لأنه يستقر فيه الماء والطعام وغير ذلك، فإذا عرفت ذلك فكن الحاكم الفيصل هل يكون القنديل إناءً أم لا؟
وقوله: (والذي حرَّمَ اتخَاذها إنَّما حرَّمَ ذلك لأن النفس تدعو إلى الاستعمال المحرم). فيه أنه قد يقول المحرم: إن هذا إثباتٌ عَلَيَّ فيما لم أُرِدْ ولم أقْصِدْ، وإنَّمَا حرَّمتُ ذلك لتحريم الشارع استعمالَه سواء دعت النفس/٥٤٠ إلى استعماله أم لم تدع.
ثم قال: (وقد رأيتُ في القناديلِ شيئاً آخر، فإنه وَرَدَ في الحديثِ في أرواحِ الشهداءِ تأوي إلى قناديلَ معلَّقةٍ بالعرشِ (٤)، ولعل من هنا جعلت القناديل في
المساجد، وإلا فكان مِسْرَجَةٌ (٥) تكفي أو مسارجٌ).
وهذا من كلام المتصوفة، ولو كان لذلك أصلٌ وَوَجْهُ مُنَاسَبَةٍ لكان أولى الناس بفعله النبي ﷺ والخلفاء الراشدون والسلف، وإنما تعليق القناديل في
стр. 1337
المساجد بدعة حدثت بالآخر بعد فشو المنكرات، وظهور الأمارات.
ثم قال: (والأصح على ما اخترناه الجواز، وعلى ما قاله الرافعي التحريم، ولا دليل له لأنَّها لا أواني ولا مشبهة للأواني، ولم يرد فيها نَهْي ولا فيها معنى ما نُهِيَ عنه لا في المساجدِ ولا في الكعبةِ، فكان القول بتحرِيْمِهَا فيهِمِا بَاطِلاً). انتهى.
وقد تقدم ما ينقض ذلك كله، إذ هي أواني وإلا فلا أقل من أنَّها مشبهة بالأواني، وقد ورد النهي في استعمال الأواني الذهب والفضة، ولا يَحْتَاجُ عمومُ النهي إلى تَخصيصِ المساجدِ والكعبةِ بالذكرِ، ولا الرُّبُط (١) والزَّوايا والمدارسِ ومجامع الخيرِ ومجالس إقْرَاء العلم بالليل فإنَّها إلى القناديلِ أحوج من مواضعِ الصلواتِ.
ثم قال: (هذا ما يَتَعَلَّقُ بِمَذْهبنا في اتِّخاذها من غير وقف، فإن وُقِفَ المُتَّخَذُ من ذلك من القناديلِ أو الصفائحِ ونَحوها، فقد قطع القاضي حسين والرافعي أنه لا زكاة فيه.
فأما قطع القاضي حسين فلا يرد عليه شيء لأنه يقول بإباحتها، ومقتضاه صحة وقفها، وإذا صح وقفها فلا زكاة.
وأما الرافعي فقد رَجَّحَ تحريمها ومقتضاه أنه لا يَصِحُّ وقفها لهذا الغرضِ، وإذ لم يَصِحَّ وقفُها تكون باقية على ملكِ مالكها، وتكون زكاتُها مبنية على الوجهين فيما إذا لم تكن موقوفة، فلعل مراد الرافعي إذا وقفت على قصد صحيح، أو وقفت وفرعنا على صحة وقفها).
ونُقِلَ عن سحنون (٢) المالكي فيما حكى عنه
стр. 1338
القرافي (١) في الذخيرة (٢) أنَّ تَحْلِيةَ الكعبةِ والمساجدِ بالقناديلِ والعلائقِ والصفائحِ على الأبوابِ والجُدُرِ من الذهبِ والوَرِقِ يُزكِّيهِ الإمام كل عام كالعين المُحبَّسة.
ثم قال: (قواعد أبي حنيفة تقتضي أن تعليق قناديل الذهب والفضة في المساجد جائز).
وهذه كُتُبُ الحنفية بأيدينا ونصوصُ الجميع تعطي أن ذلك غير جائزٍ، وإنَّما الجائز من ذلك هو تَمْويهٌ أو تزيينٌ (٣)، والأكثرون من الحنفية كرهوا ذلك أيضاً /٥٤١ وأن المسجد يُصَانُ عن الزَّخَارِفِ (٤).
ثم قال: (وأما الحَنَابِلَةُ ففي المغني من كتبهم لا يَجوز تَحلية المصحف ولا المحاريب ولا [اتخاذ] قناديل من الذهب والفضة لأنَّها بِمَنْزِلَةِ الآنية، وإنْ
стр. 1339
وقفها على مسجد ونَحوه لم يَصِح، ويكون بِمَنْزِلَةِ الصدقة، فَيُكْسَر ويُصرف في مصلحةِ المسجدِ) (١). ثم رد عليهم رداً ليس بذاك.
ثم قال: (هذا ما يَتَعَلَّقُ بِمَكَّة شرفها الله تعالى، فننتقل إلى المدينة الشريفة وقد ذكرنا حكم المساجدِ في التحليةِ وتعليقِ قناديلِ الذهبِ والفضةِ، وأن مسجد النبي ﷺ أَوْلى بذلك من سائر المساجدِ) انتهى.
وقد ذكرنا الجواب عن ذلك، ولو جَوَّزَ مُجَوِّزٌ ذلك وارتكبه مع كراهة في بعض المساجدِ لكان مسجدُ النبي ﷺ الذي شرفه الله تعالى بهذا النبي العظيم والنور العميم أولى بتنزيههِ وتطهيرهِ عن ذلك.
السِّرُّ أنه أمر وقع فيه الخلافُ بين الأئمةِ المجتهدين، وذهب جماهيرهم أو جمهورهم أو كثيرهم إلى حرمته وعدم جوازه، أليس صاحب هذا المحل الشريف ومشرفه ﷺ أبعَدَ الناس عن زخارف الدنيا وزينتها، وأكثرَ الخلق تَجَنُّباً عن النَّظَرِ إليها والالتفات إلى صفوها؟
أليس هو الذي شَقَّقَ قِرَامَ (٢) البيت وقال: «إنا لن نؤمرَ أن نستر الحجارة والطين» (٣)؟!
أليس هو الذي … (٤) خاتم ذهب ثم نزعه ورماه لأنه لا ينبغي للمتقين (٥)؟!
стр. 1340
ثم قال: (أما الحجرة الشريفة المعظمة فتعليق القناديل الذهب فيها أمر معتاد من زمان، ولا شك أنه أولى بذلك من غيرها) انتهى.
وليته قَيَّدَ الزمانَ، فإنه يَصْدُقُ على القليل والكثير من الأحيانِ، ولم ينكر ما قاله إنسانٌ، ولم يَختلف فيه اثنان، ولكن تيسَّرَ زمان سُوِّغَ فيه هذا الذي حرمه النبي ﷺ بصريح البيان.
ثم قال: (فهذا المكانُ له شَرَفٌ على جميع المساجدِ وعلى الكعبةِ، فلا يلزم من مَنْعِ تعليقِ قناديل الذهب في المساجد والكعبة المنعُ من تعليقها هنا، ولم نرَ أحداً قال بالمنع هنا، وكما أن العرش أفضل الأماكن العلوية وحوله قناديل، كذلك هذا المكان أفضل الأماكن الأرضية، فناسب أن يكون فيه قناديل، وينبغي أن يكون من أشرفِ الجواهرِ، كما أن مكانَهَا أشرف الأماكن، فقليل في حقها الذهب والياقوت) انتهى.
ويقول: (إنه لكون المكان أشرف من جميع الأماكن قلنا: يتعين تنزيهه عما فيه شُبْهَةُ حُرمةٍ، ولا يَختلف اثنان في أن/٥٤٢ (١) لا يصورون التماثيل غالباً إلا تَمْاثيل الخنازير، وقد صور أحد بناة النصارى تِمْثَال خنْزِير في هذا
стр. 1341
المسجد الشريف، فأمر عمر بن عبد العزيز ﵁ بضرب عنقه (١)، وأمر يتعين فيه ضرب الرقاب كيف يُمَكِّنُ من فِعْلِهِ عمرُ بن الخطاب ﵁، أو كيف يُجزم بأمره باستعمال الفضة المحرم، وارتكاب المنهي عنه في هذا الحرم المعظم؟! هذا ما لا يقبله ذو دين، ولا يُقْبِلُ عليه ذو لب متين.
ثم قال كالمعتذر: (وقال الفقهاء إنَّها إذا احتوى عليها حرام، ويقتضي اشتراطهم الاحتواء أن هذا الصنيع غير حرام، لكن العرفَ دَلَّ أن ذلك استعمال، فإما أن يكون الحديث ضعيفاً، وإما أن يكون احتمل ذلك لأجل المسجد تعظيماً له، فتكون القناديل بطريق الأولى إذ لا استعمال فيها) انتهى.
وقوله: (ويقتضي اشتراطهم الاحتواء أن هذا الصنيع غير حرام) غير جيد، ولا مقتض لما ذكره، بل مقتضٍ أنه قد توجد مَجْمَرَةٌ وفيها بَخُورٌ إما بفعل جاهل، أو صبي، أو ذمي، أو فاسق، ويَمُر عليها مارٌّ فيشتم منها بَخُوراً فإنه لا يأثم بذلك، وإن قصد الاشتمام.
وليس المراد بالاحتواء أن يَجعله تَحت ثيابه، أو يسبل عليه ذيله أو كمه كما يظنه جهلة المتفقهة، وإنَّما المراد بالاحتواء أن تَحوزه وتضمَّه إما بما ذكرنا، أو بالقعود بقربه بِحيث يُعَدُّ مُتَبَخَّراً به، أو بوضعه في منزله ليبخِّرَ به منزله؛ كل ذلك احتواء، هذا إذا ذهبنا مذهب من يشترط الاحتواء، وحينئذٍ حرام استعماله، وإذا ثبت ذلك فاستعماله من الكبائر في مذهب الشيخ، لأنه يقول بالذنوب والمعاصي كلها كبائر (٢).
стр. 1342
وتبع في ذلك جماعة من السلف (١).
ومن الكبائر أيضاً في مذهب من حَدَّ الكبيرة بِمَا وَرَدَ فيه وعيد.
وعلى المذهب الشَّاذِّ القائل بأنه من الصغائر قالا على استعماله من الكبائر.
ويَجب على ولي الأمر منع من يُحْضِرُهَا بين يدي الإمام في مِحراب رسول الله ﷺ ، ولا يَجوز للإمام أن يقف مُحتوياً عليها، ويصلي بالمسلمين، وأي دعاء يَصْعَدُ إلى مَحَلِّ القَبُولِ مع ملابسة الكبيرةِ بِحضرة الرسول؟! أعاذنا الله من أمثال ذلك، ووقانا وأحبابنا سلوك مظلمات المسالكِ.
وقال في بعض مباحثه: (وكم من عالم وصالح من أقطار الأرض قد أتاها للزيارة ولم يَحصل من أحدٍ إنكارٌ للقناديلِ الذهبِ التي هناك، فهذا وَحْدَهُ كافٍ للعلمِ بالجوازِ) انتهى.
وهو كلام عجيبٌ، لأن هذه القناديل لم تكن في زمن الصحابة والتابعين وأتباعِ التابعين/٥٤٣ الذين كانوا أئمة الدين وهداة المتقين، ومن الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكر بِمَكان مكين.
وإنَّما حَدَثَ ذلك بعدهم، ومع ذلك فَحُسْنُ الظن بالعلماءِ أنه ما من عالم
стр. 1343
حَضَرَ واطَّلَعَ على ذلك إلا وقد أَنْكَرَ غايةَ الإنكارِ، وأصرَّ المخالفون على ضلالهم غاية الإصرار.
وكم من بدعة شنيعة كانت يُتَظَاهر بِهَا هنالك غايةِ الإظهارِ، ومع ذلك لم يبلغنا عن أحد من العلماء أنه تَصَدَّى للإنكار، فعدم بلوغ خبره إلينا لا يدل على عدم وقوعِ الإنكار منهم.
* * *
стр. 1344
[الكلام على بيع القناديل الذهب التي بالحجرة] (١)
ثم قال: (سبب كلامي في ذلك أني سُئِلْتُ عن بيع القناديل الذهب التي بالحجرة المعظمة الشريفة، وأن بعض الناس قصد بيعها لعمارة الحرم الشريف النبوي على ساكنه أفضل الصلاة والسلام، فأنكرته واستقبحته.
أما إنكاره فمن جهة الفقه، لأن هذه القناديل إن كانت وقفاً صحيحاً فلا يصح بيعها، ومن يقول من الحنابلة والحنفية (٢) ببيع الأوقاف عند خرابِهَا فإنَّمَا يقول بذلك إذا كان يَحصل به غرض الواقف بقدر الإمكان، وأما هنا فقصد الواقف إبقاؤها لمنفعة خاصة وهي التزيين، فبيعها للعمارة مُفَوِّتٌ لهذا الغرض، وإن كانت مُلْكَاً للحُجْرَة كالمُلْكِ للمسجد، فكذلك لما قدمناه إن قصد الآتي بِهَا إدخالها لهذه الجهة.
وإن جُهِلَ حالها فَيُحْمَلُ على إحدى هاتين الجهتين فيمتنع البيع أيضاً، وإن عرف لها مالك معين فأمره إليه) انتهى.
وقوله: (إن غرض الواقف أمر خاص وهو التزيين فبيعها مفوت لهذا الغرض) غير جيد، لأن غرض الواقف ليس إلا التقرب إلى النبي ﷺ ليس غير، ولا غرض له في التزيين به البتة، ولا في الإبقاء، وهذا أمر مشاهد يَجده … (٣) كل مسلم من نفسه، لا سبيل لأحد إلى إنكاره.
وذلك أن كل من عَلَّقَ هنا قنديل ذهب، ثم عَرَضَ للحجرة الشريفة
стр. 1345
عِمَارة، لكان منتهى أُمْنِيَّة ذلك الإنسان أن يُصْرَفَ قنديله في عِمَارته دون مال غيره، ليفوز هو بذلك، ولو تَحقق أن كل من يبذل المال في العمارة المذكورة فإنه يود أن لا يصرف في عمارة الحجرة إلا قنديله أولاً، فكيف يَجزم الإنسان بأنه يفوت به مقصود الواقف وهو التزيين.
وقوله: (يَحصل بسبب إزالتها تنقيص، فتجب إدامتها) قول ساقط جداً لا يساوي مداده، وذلك أن أمر القناديل وتعليقها وإزالتها أحقر وأصغر وأذل وأدْحر من أن يُنْسَبَ بسببه تنقيصٌ إلى تراب مزابل المدينة المقدسة، لا سيما إلى المسجد الشريف، خصوصاً إلى حُجْرَةِ من خلق الله تعالى له/٥٤٤ الكونين وشَرَّفَ به الثقلين.
ثم قال: (أما الاستقباحُ فلما يَبْلُغ الملوكَ في أقطار الأرض أنَّا بِعْنَا قناديل نبينا لعِمَارَةِ حَرَمِهِ، ونَحن نفديه بأنفسنا فضلاً عن أموالنا) انتهى.
وهذا الكلام لو صدر عن غير شيخنا ﵀ لَصِحْتُ (١) لله العجب مَنْ ملوك الأرض، وما مَحلهم حتى يُسْتَقْبَح جائز أو واجب بسبب إنكارهم أو تَهْوينهم لنا واحتقارهم؟!.
أذلك أهون وأيسر على النفس؛ أم إحاطة علوم علماء العالم الذين هم ملوك الوجود حقيقة بارتكابنا المنكرات بِحَضَرِ نبينا الأعظم، واستدلالنا لها بالواهيات على إباحة المحرم، وترجيح الأقوال المرجوحة الضعيفة، والاستدلال لها بأقاويل وَعْظِيَّةٍ يُسميها النكت اللطيفة.
وهذا الذي استقبحه الشيخ وخافه واقع فيه لا مَخرج له عنه البتة، وهو أن العادة جارية من قديم الأعصار وإلى يومنا في ضريح سيدنا أبي الأنبياء إبراهيم
стр. 1346
الخليل صلوات الله وسلامه عليه أن تُجْمَع قناديل الذهب والفضة التي وُقِفَتْ هنالك في كل سنة أو أكثر أو أقل، وتُكسر وتُباع وتُصرف في مصالح المكان وعِمَارته وجوامك (١) المباشرين وغير ذلك.
وهذا الخبر أيضاً يبلغ ملوك الأرض وسلاطين الأقطار، فكيف لم يُنْكِرْ عليهم ذلك ولا منعهم، ولا نطق فيه ببنتِ شفةٍ، مع أنه حاكم بلد الخليل وبيت المقدس والناظر فيهما، فكان [عمله] (٢) هذا أعْوَدَ عليه من أمر المدينة التي ليست مَحل ولايته، فما وجه تَخصيص المدينة باهتمامه وعنايته؟!
ثم يُنْظَرُ فيما ذكره من التاريخ أن وزير ابن زنكي عمل للحُجْرَةِ الشريفةِ شُباكاً من خشب الصندل والأبنوس، وأن صاحب اليمن أرسل منبراً من صندل، وكذلك إلى آخر فصل التاريخ فيه أشياء لا تليق بِجلالة قدره، وليس ذلك من قصدي، وإنَّما المراد بيان أن الصحيح عند العلماء خلاف ما ذهب إليه شيخنا ﵀ من جواز اتِّخَاذ قناديل الذهب والفضة وتزيين المساجد بِهَا.
وهذا القول _ وإن قال به بعض العلماء وفرد من أفراد الأئمة الكبراءِ فلا ينبغي أن نعضده ونقويه ونؤيده ونُمَشِّيه، فإن مقالات العلماء كثيرة بِحسب اجتهاداتِهِم واستنباطاتِهِم، لكن الذي يليق بِحضرة رسول الله ﷺ ما كان أوضح دليلاً وأَلْوَح منهجاً وسبيلاً، وأبعد عن شتات طرق الأنام، وأقرب من اتفاق جماعات فرق الإسلام، وأنسب لخدمة … (٣) وخليقته، وأوفق لفطرته الطاهرة وطريقته، ولما أجَلَّهُ الله تعالى من قُرْبِ جنابِهِ بالمنْزلة /٥٤٥ العُلْيَا، وخصه من بين سائر المرسلين والمقربين من الرُّتب بالغاية
стр. 1347
القُصْيَا (١)، وجعله سيد الكونين وإمام الثقلين، ومصطفى الفريقين بلا ثُنيا (٢).
خاطبه بقوله الكريم: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجَاً مِنْهُم زَهْرَةَ الحيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٣). وأنشد ﵀ لنفسه:
نَفْسُ النَّبِيِّ لَدَيَّ أغْلَى الأنفسِ … فاتْبَعْهُ في كُلِّ النَوَائِبِ واتَّسِي
واتْرُكْ حُظُوظَ النَّفْسِ عَنْكَ وقُلْ لها … لا تَرْغَبِي عَنْ نَفْسِ هذا الأنْفَسِ
فَرُدِي الرَّدَى، واحميهِ كل مُلِمَّةٍ … فلقد سعدت إذا خُصِصْتِ بأبؤسِ
إن تُقْتَلي يُصْعَد بِروحِكِ في العلا … بيدِ الكرامِ على ثِيابِ السندسِ
وتَرَيْنَ ما تَرْضَيْنَ مِنْ كُلِّ المُنَا … في مَقْعَدٍ عِنْدَ المليكِ مُقَدَّسِ
أو تَرْجِعي بغنيمةٍ يُحظى بِهَا … وبذُخْرِ أجْرٍ تَرْتَجيهِ وترأسِ
ما أنتِ حتى لا تكوني فديةً … لمحمدٍ في كل هَوْلٍ مُبْلِسِ (٤)
ما في حياتك بعده خيرٌ ولا … إن ماتَ تَخلفه جميعُ الأنفسِ
فمحمدٌ بِحَياته تُهْدَى الأنامُ … وتَنْمَحِي سُدَفُ (٥) الظَّلامِ الحِنْدِسِ (٦)
ويقومُ دينُ الله أبيضَ طاهراً … في غيظِ إبليسَ اللعينِ الأنْجَسِ
أعظم بنفسِ محمدٍ أنْ يُقْتَدَى … أهون بنفسك يا أُخَيَّ وأخْنِسِ
ثم قال: نظمتها في سنة سبع وثلاثين في كلام في تفسير قوله تعالى: ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِنَ الأعْرَابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ولا يَرْغَبُوا
стр. 1348
بأنْفُسِهِم عَنْ نَفْسِهِ﴾ (١) وَرَدتْ عند تصنيفي للتبرك.
ولَقَبْرُهُ أغْلى البقاعِ وخَيْرُها … فبِطَيبةٍ طَابَ الثوى (٢) ونزيلها
أفدي عمارتَها ومسجدَها بِمْا … إني يهونُ عَلَيَّ بيعُ حَشَاشَتي
لَوْ جَازَ بَيعُ النَّفْسِ بَعتُ وَكَانَ لي … صَلَّى عليهِ اللهُ كُلَّ دقِيقَةٍ
ذَاكَ على التَّقْوى أجَلُّ مؤسَّسِ … أزكى قِرَىً في كُلِّ وادٍ أقدسِ
أحوي، وبي (٣) كُلُّ البريَّةِ تَأتَسِي … في ذاك بالثمن الأقلِ الأبْخَسِ
فَخْرٌ بِذَاكَ الرِّقِ أشَرفُ مَلْبَسِ … عَدَدَ الخَلائِقِ نَاطِقٍ أو أخرسِ
قال مؤلفه الملتجئ إلى حرم الله تعالى محمد بن يعقوب الفيروزآبادي: فقلت على القافية والوزن ارتِجالاً:
/٥٤٦ ياعينُ بالدمع الصبيب تَبَجَّسِي (٤) … من مدنفٍ عاصٍ كثيرِ تَهَوُّسِ (٥)
وتأملي يانفس .... (٦) نحيفة … من عظم أثْقَالِ الخطايا أوجسي
كم من عدو لين مِستَجْلِسِ … تسعون تدخل عاجلاً في بولس (٧)
وسهامُهُم مسمومةٌ فتحفَّظي … بإنابة ومتابة وتَحرُّسِ
وبِجاه خَيْرِ المرسلين تَوسَّلي (٨) … وتستَّرِي وتدرَّعي وتَتَرَّسِي
صدر الأنامِ ومن رقى السَّبع العلى … في ساعة من جوف ليل حِنْدِسِ
السيد الماحي الرفيع الحاشر … الطود العظيم الألمعي الأرأسِ
وقفي على باب التمسكن خاضعاً … شبه الذليل الخاشع المُلتمِسِ
وأدم بكاءك للحضور ببابه … من حاكم أو خادم أو مُرئسِ
стр. 1349
حَرَمُ النبي مُقَدَّسٌ فتجنَّبُوا من … أن تُهينوه بغير تقدسِ
وتزينوه بِمَا أُجِيِدَ مصاغه … من ذهب أو فضة أو أنْحسِ
إلا بشيء قد أباح نبيكم … كزجاجِ سَبك كالنجوم الخنسِ
ما للتزين بالحرام وأمةٌ … منحت من الآزال طُهْرَ الأنفسِ
إن التزين بالحرام مُخصص … بِقُوَيْصِر وهُرَيْقِل ومُقَوْقِسِ
وبِهُرْمِزٍ وببطرك وبدقمن … وبآل خاقانَ وبالبطليمسِ
ظأما الجناب العالي من خير الورى … فمن المعالي في مَحل أقدسِ
ومن المفاخرِ في مقامٍ أرفع … ومن المناصب في أعالي الكُنَّسِ (١)
لو كان يقبل زينة وزخارفاً … كَسِوَاهُ في دار الدنا أو مرمسِ (٢)
لرأيت أجبال الحِجَازِ وتُربَهَا … من خالص التِّبْرِ النقاء الأنْفَسِ
ونظرتَ جُدْرَانَ المدينة كُلِّها … قد أُلبِسَتْ من سندس أو أطلسِ (٣)
لكأنما الحلي المعود زينة … لنقيصةٍ تَبْدُو وفعل مدلِّسِ
أما الجمال إذا تكمل [سحره] … فَسَنَاهُ غان عن حلي المفلسِ
هذا الكلام على مباح فعله … ومُسَوَّغٍ في الشرعِ غير ملبسِ
أما إذا ما شانه في حِلِّهِ … شُبَهٌ فذاك مَجْدَعٌ للمعطسِ
وَضَعِ الأُلُوَّة (٤) في مجامرِ فِضَّةٍ … في الروضةِ الغراءِ ليس بكيسِ
стр. 1350
وبِحُرمةٍ قال الأئمة كلهم … حاشا شذوذاً بالغرابة يكتسي
فتأملوا نصحي و قولي فاسمعوا … بقبول نفس كاللبيبِ الأكيِسِ
وإلى الحبيب تقربوا ....... … ............................ (١).
صلى عليه الله .................. … ................... (٢) … بالنرجس
/٥٤٧ قال مؤلفه ﵀:
هذا آخر ما يسر الله تعالى من تقييد المغانم المطابة في معالم طابة. وهو إن شاء الله تعالى أوحد في بابه، مؤمر على جميع أضرابه.
وإني وإن كنت مستصغرَ هذهِ الغايةِ فهي كبيرة، وإن كنت مستقلاً فهي نعمة والله كثيرة.
وأما الاستيعاب فلا يفي به طول الأعمار، والاستيعاب أمر شهي دونه الأزمان والأعصار. ولو تَوَثَّقْتُ من الهمم بأنَّها من … (٣) إسرافها لضاعفت فرائدها أضعاف ضعافها، ولكن تَعَيَّنَ … (٤) هاهنا ارتباطها وخير الأمور أوساطها.
واللهَ نسأل أن لا يَحرمنا ثوابه، وأن يفتح لنا ببركة هذا السيد الكريم والنبي العظيم إلى كل خير بابه. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وأرأف النبيين محمد شفيع المؤمنين، وعلى آله وصحبه الأكرمين، وحسبي الله ونعم الوكيل.
وكان الفراغ من هذه النسخة المباركة في ظهر يوم الاثنين، السابع من
стр. 1351
شوال أحد شهور سنة ستٍ وستين وثَمانِمائة، بِمَنْزِلِنَا بِمَكة المشرفة تِجاه الكعبة المعظمة على يد أفقر عباد الله تعالى وأحوجهم إلى عفوه وغفرانه أبو بكر أحمد بن محمد بن محمد أبي الخير محمد بن فهد الهاشمي المكي الشافعي. ختم الله له بالحسنى.
والحمد لله و. . . . . . (١) صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. حسبنا الله ونعم الوكيل.
* * *