مُداخلاتِهم، وعدمِ الطَّمع في أموالهم وغَلاَّتِهم، والإعراض عن أدناس دُنياهم، وتركِ الاعتراض عليهم في مُصابِهم وبلاياهم.
أَشرتُ مرَّةً على نائب السُّلطان بتوليته قضاء بيت المقدس فولاَّه، فباشر المنصب وزيَّنه بالعدل والعِفَّة والإحسان، وخّلاَّه، وولي قضاء المدينة الشَّريفة قبل ذلك بعد انفصال القاضي تاج الدِّين الكَرَكيِّ (١) بأيام، فقدِم المدينة وقام بالوظيفة أحسن قيام، وشهد له جماعةٌ من العلماء الأعلام، مِمَّن كان يخالط القُضاة والحكَّام، أنَّه لم يلِ أحدٌ هذه المناصبَ ألينَ منه عريكةً، ولا أحسن سيرةً، ولا أكثر تواضعاً، ولا أصحَّ منه سَريرةً، ولا أصفى قلباً للمجاورين، ولا أوفى إيفاءً حقوقَ الفقراء الزَّائرين.
غير أنَّه وجد عند الخُدَّام بقايا كرورٍ (٢) .... (٣) تركّمت من أيَّام الكَركيِّ، وحاول إزالتها بالشِّدة والسَّطوة، وقصد إحالتها بالحِدَّة والقوَّة، فما زادهم إلا عِناداً، ولم يملك لهم قِياداً.
وقصد إزالة الحفرة التي في المحراب، إمَّا بسدِّها بحصىً، أو تطبيقها بأخشاب، فعارضته الخُدَّام، فلم يكترث بِهم وصنع لها لوحاً يقف عليه الإمام، فوافق ذلك الحال /٥٢٢ قدومَ ابن جماعةَ (٤)، فاجتمع به في ذلك اجتماعه، وخاشنه في الكلام،
وشافهه بما هو أوجع من الكِلَام (٥).
فكتب فيه إلى وليِّ الأمر، وشبَّ عنده منه ما هو أَحرُّ من الجمر، فكان
стр. 1297
ذلك سببَ انفصاله، وعوده إلى خِيَسِ (١) أشباله، بأهله وعياله.
فرافَقَنا في الطَّريق إلى مصر وأَنِس، وتوَّلى بعد قليلٍ قضاء بيت المقدِس، ثمَّ انتقل إلى قضاء مدينة الخليل، واستقرَّ بِها مدَّةً سالكاً أحسن سبيل، ثمَّ انفصل.
وبعد شهورٍ تولى تدريس المدرسة اليلبغاوية بالرَّمْلة، ووجَّه من القاهرة إليها رحله وَزُمْله (٢)، واستقر بِها مفيداً، إلى أَن مات بالبيت المقدس بالبطن شهيداً، وذلك في عام أحدٍ وثمانين وسبعمائة.
٨٦ - محمدُ بن عثمانَ الكَرَكِيُّ (٣)، القاضي تاجُ الدِّين، أبو عبد الله، الشَّيخُ، الإمامُ، العالمُ، الأوحد.
كان علاَّمة زمانه، ومِقدامَ أقرانه، وفارسَ مَيْدانه، وغارسَ خَيْزُرَان الفضل وحارسَ أغصانه.
تفقَّه على الشّيخ برهانِ الدِّين ابن الفِرْكَاح (٤)، وعلى قاضي القضاة شرفِ الدِّين البارزيِّ (٥) القَرْميِّ (٦) الجَحْجَاح (٧).
وتخرَّج عليهما وبرع، وإلى ذُرى المعالي صعِدَ وفَرع، وصنَّف وأفاد،
стр. 1298
وألَّف وأجاد، ودرَّس وأعاد.
وفي سنة ستين وسبعمائة ولي قضاء المدينة الشَّريفة، والإمامة والخَطابة، وورد طيبة بأخلاقٍ مُطابة، ونفسٍ نَقِيَّة زكيَّة، وقريحةٍ أَلمعيَّة ذكية، وعلومٍ في أُفقِ المعالي صاعدة، وتخوم (١) عن شيم (٢) عن الأماجد الأعمال متباعدة، فوجد الأمور قد اكتنفت بالاختلال، والصُّدور قد اعتنقت بالاغتلال (٣)، فستر العيوب، وجبر القلوب، وطوى بساط الأذحال (٤) والأوتار (٥)، وبَتَر مِن قِسيِّ (٦) العصيان والخلاف الأوتار (٧).
وتجَّنب عن مخالفة المشاورين، وتحَّبب إلى طائفة المجاورين، واستمالَ خواطر الخُدَّام، واستماعَ (٨) الوُدِّ من قلوب الخاصِّ والعامِّ.
وحثَّ الطَّلَبة على الاشتغال، وتبتَّلَ للإفادة والتَّدريس في غالب الأحوال، فَعَلِقت القلوب على محبَّته، ووقفت النُّفوس مُتذلِّلة لهيئته وهيبته، واندلعت (٩) المفاصل (١٠) بجميل ذكره، وانطلقت
стр. 1299
المَقَاول (١) بجزيل شكره.
فلمَّا طالت بالمدينة إقامته، وطالت كلَّ مطاولٍ بالطُّول قامته، احتفَّت (٢) به طوائفُ أغمارٌ شباب، ممن لم تُحنِّكه اللَّيالي ولم يعضَّه الدَّهر بناب، وأظهروا له الخلوص في الوِدَادة والحِبَاب، ودخلوا على غفلةٍ من كلِّ باب، ولم يبرحوا متلاعبين بعقله، متجاذبين لِنَمِّ الكلام ونقله، إلى أن كدَّروا وِرْدَه /٥٢٣ النَّمير، وغيروا عليه الصَّغير والكبير، وأوقعوا بينه وبين الخُدَّام، وبدَّلوا إضاءة محبَّتهم واعتقادهم بالإظلام، وخلطوا أَضاة (٣) أُلفتهم بشوائب من قبيح الكلام، وتَحزَّبت النَّاسُ حينئذ أحزاباً، وفتحوا إلى إثارة الفتن أبواباً، وحصره الخُدَّام يوماً في داره، ومعهم جماعةٌ من مناحِيس البلد وأشراره.
واتَّفق له معهم شرور في ذلك النَّهار، ولولا صيانةُ الله تعالى إياه لَكَادت الجُرُف تنهار، ويُقدمون على إذهاب نفسه ونفيسه، وانتهاب طارفه وتالده (٤)، وتذكير النَّاس بِما جرى في الدَّار لِسَميِّ والده (٥).
وكان قد فوَّض أوَّل مرَّةٍ أحكام الحَرمِ والوظائفَ، والكلامَ في الرُّبُطِ والأوقاف إلى شيخ الخدام، وأراد بالآخرة أن يعيد ما يتعلَّق به إليه فما أعاد، ولا نفع الكلام فيه ولا أفاد، وتمكَّنَ الشَّرُّ واستحكم الفساد، فأعرض عن الفضول، ودارى بقيَّةَ السَّنَة شبه المعزول.
فلمَّا حضر الموسم توجَّه مع الركب المِصريِّ إلى الدّيار
стр. 1300
المصرية (١)، وأعرض عن المنصب إعراضاً كليَّة، ولم يزل مُقبلاً على شأنه إلى أن وافته المنية.
٨٧ - مُقْبِلُ بن عبد الله، زينُ الدِّين الرُّوميُّ، الشَّهيرُ بِمُقْبِلٍ الكبير (٢).
كان عند الملك النَّاصر حسنِ بنِ محمدٍ بن قلاوون (٣) من الخواصِّ المُقدَّمين،
والنُّجباء المُعظَّمين، وله في ذلك الوقت انتماءٌ إلى أهل العلم وخدمتهم، واعتزالٌ (٤) لاعتقادهم ومحبَّتهم، واشتهارٌ بتعظيمه وإقامة حرمتهم، واعتمادٌ في جُلِّ أموره على خاطرهم وهمَّتهم، فساقته تلك العادات والخلائق، إلى الانقطاع بالكلية عن جميع العلائق، وتَبَتَّل للقيام بخدمة الحرمين، بِهمَّةٍ في العلو تُشامخ الهَرَمين (٥).
جاور مدَّةً بحضرة البيت العتيق، وعطَّر مَنَاشقَ الخَلقِ من الخُلقِ المُنَافج (٦) للمِسك العتيق، فتارةً قام يرفع ما سقط من سقف الحرم، وتارةً وقف على إجراء الماء من مِنى إلى بِرْكَة السَّلَم، وتارةً تصدَّى لإصلاح ما دثر من آبار عرفات، وتجديد ما تشعَّث (٧) من الحرمين من معالم تلك الأرْفَات (٨).
فأوثق له بطريق الخير اعتلاقاً وارتباطاً، وبنى بمكَّة شرَّفها الله من خالص ماله رباطاً، فصادفت أعماله القبول، وبلَّغه الله بحسن نيَّته غاية المأمول،
стр. 1301
وساقته يد العناية إلى خدمة الرَّسول.
فانتقل إلى الحرم المدنيِّ مجاوراً، وأقبل على سلوك النَّهج السُّنيِّ باطناً وظاهراً، فاتَّفقت في أثناء جِواره وفاةُ ياقوت (١)، /٥٢٤ وأجمعت الهِمَم على ولاية شخصٍ محبوبٍ إلى القلوب غيرِ مَمقوت، فصادف مُقِبلٌ من الخواطر إقبالاً، وكتب له قلم التَّقدير من القَبول مَنالاً، فأتته المشيخة مُنقادة، لأنَّه جعل على الله اعتماده، وعلى عنايته تُكْلَانه واستناده.
فباشرها بسيرةٍ حميدة، وسريرةٍ سعيدة، وبصيرةٍ سديدة، وسجيَّةٍ عن العسير وشكاسةِ الأخلاق بعيدة، بلطفٍ عند الحق ألينَ من الوصال، وعنفٍ عند الباطل أحسنَ من النِّصال، والمأمولُ من الله الكريمُ إعانتُه على تمهيد الأمور، وتسديد مصالح الجمهور، وتجديد ما دَثَر من معالم الوقوف، وتشديد القول في صرف ما يتعين للفقراء من مصروف، وتأييد أهل العلم فيما يُشيرون إليه من نهي المنكر وأمر المعروف (٢).
٨٨ - مُهنَّا بنُ سِنان (٣)، الشِّيعيُّ، الإماميُّ، القاضي نجمُ الدِّين.
ذو الفضيلةِ الحفيلة، والآدابِ الجميلة، والمحاضرة الحلوة، والمحاورة التي لا يَعْتري مُحبُّها السَّلوة، قلَّ ما رُئِي شيعيٌّ على طريقته، أو إماميٌ جُبِل على خليقته.
كان في موالاة أهل السُّنة إلى الأمد الأقصى، ولا يدع في حُسن مَمَالأة المجاورين وحميد شيمته نقصاً، يتجاهر في محبَّتهم بِما يُنبئ عن حسن عقائده، ويتظاهر بذلك فيمدحهم بالمدائح البليغة من غُرر قصائده، ويُوافقهم
стр. 1302
في حضور مواعيدهم، وسلوك مناهجهم، ويتعرَّضُ دائماً لاستعراض خدمهم واستقضاء حوائجهم.
بِدَارُه (١) إلى الرَّوضة المقدسة لأداء الخمس دائمٌ حثيث، ولا يفوته حضور مجامع العلم ومجالس الحديث.
لا يدع التَّرضيَّ عن الشَّيخين في مقالته وكتابته، ويسلك مسلكاً يقطعُ الإنسانُ بخلوص مودَّته، لأهل السُّنَّة وحِبَابته (٢)، وكثيراً ما كان يُصرِّح بالذَّمِّ البليغ لجماعته وصحابته.
وفي الجملة كان غريباً في أسلوبه، عجيباً في يائيته (٣)، وكان هو القاضي حقيقةً من بين سائر ذوي قرابته.
يرأسهم في جميع الأمور ويسودهم، وينتظمُ شَمْلهم، ويلتئم شأنهم ويحضر عَوْدَهم (٤).
وبه يُناط الحَلَّ والعقد، وإليه ترجع محاكماتُ السَّلطنة، وأنكحتُهم وعقودُهم، وهو مع ذلك يتغالى في مُوالاة أهل السُّنَّة، ويتعالى بحبِّهم مِنْ ذُرى الممادح إلى أعلى قِنَّة (٥).
فإن كانت حقيقة فتلك سَجِيحةٌ (٦) تقية، وإنْ كانت تَقِيَّةً فما أبقى من التَّقية نَقِيَّة (٧).
وله مع الفضل الفائق، شعرٌ رائق، ونظمٌ لائق، ومنه قولُه في هجو الإمامية:
стр. 1303
/٥٢٥ أرى الدُّنيا تميلُ عن الكِرامِ … وترغبُ في مُصَاحبةِ اللِّئامِ
فيزدادُ اللَّئيمُ بذاك لُؤْماً … ويصبح سَاحِباً ذيلَ احتشامِ
ويَنْسُبُ نفسَه للعلمِ حُمْقاً … وعندَ الله فهو من الطَّغْامِ (١)
ويُفتي المسلمين بغيرِ علمٍ … ويَخْبُطُ خَبْطَ عشوا في الظَّلامِ
فكَمْ أفتى بتحريمٍ لحِلٍّ … وكمْ أفتى بتحليلِ الحرامِ
فمن حفظ الزَّيارةَ فهو مُفْتٍ … يُدرِّس في الفُروعِ وفي الكلامِ
كذاك من اشترى كرَّاً وصلى … عليه فإنَّه رأسُ السِّنامِ
تُشَدُّ إليه أكوارُ المطايا … ويُقْصَدُ في المهمَّات العِظامِ (٢)
ولو قد جاءهُ شخصٌ خبيرٌ … وباحثَهُ لكان من العَوَامِ
وما صلَّى وصام وَقامَ إلا … ليحويَ ما حواه من الحُطَام
ولو تَلِفَ الذي هو في يديه … إذاً تركَ الصَّلاةَ مع الصِّيامِ
فقد ترك الزَّكاةَ لأنَّ فيها … خروجَ المالِ وهو إليه ظامي
وأمَّا الخُمْسُ فهو به بخيلٌ … ويبخلُ بالبشَاشةِ والكلامِ
ألمْ تسمعْ كلامَ اللهِ حقَّاً … وقولُ اللهِ أحسنُ في النِّظامِ
بأنَّا لا نُمَهِّلُهم لخيرٍ، ولكنْ … كي يزيدوا في الإِثامِ (٣)
فمهلاً فسوف ترتجع اللَّيالي … عطاياها ويُجْدِبُ بالحُطَامِ
وتطلبُ أن يقال ولاتَ حينٍ … وقد خَلَصَ المخِفُّ من الزِّحامِ
توفي سنة أربعٍ وخمسين وسبعمائة.
* * *
стр. 1304
حرف النون
٨٩ - نَصرُ المُلقَّب عطاءُ الله، الشَّيخُ ناصرُ الدِّين (١).
وَلِي مشيخة الخُدَّام بالحرم الشَّريف النَّبويِّ، صلَّى الله على ساكنه وسلَّم، بعد وفاة ظهير الدِّين مُختارٍ الأشرفيِّ (٢).
وكان ظهيرُ الدِّين قد أسَّس القواعد وأحكم المباني، فكان ذلك نصيراً لنصر فيما يُعاني، كان في ولايته سعيداً، وجد الأمور مُمَّهدَةً فزادها تمهيداً، كان يُسَدِّدُ الأمر المُعضِل تسديداً، لا يُعالج فيه وعداً ولا وعيداً، ولا يمازج بطشاً ولا تشديداً، ولا يحاجج إلا بلطف لا يخلط به ضرراً ولا تهديداً.
وهو مع ذلك مُوقَّرٌ مُهاب، مُعظَّم الجانب مَحْميُّ الجناب، لا يرجع عن رأيه لكلامِ /٥٢٦ الأصحاب، يستعمل جهده في إتمام ما يقوم فيه، ولا يكترث بمخالفِه ومُنافيه، ويكمل صاحبَه حقَّ الصُّحبة ويُوفيه.
كان آيةً في حفظ آية المنصب وسُورته، غايةً في كمال معناه وحسن صورته، وبهي شُورته (٣).
آخى الشَّيخَ جمالَ الدِّين المطريَّ، فكان لا يخرج عن رأيه ومشورته، بل يعامل جميع شيوخ العلم معاملته، ويُنزِّلهم في ذلك المعنى منْزلته، لكن كان له مزيةُ خصوص، وطيرانٌ في هواءِ هواه إلى محلٍّ جناحُ الغيرِ دونَه مقصوص.
стр. 1305
وكان ﵀ حافظاً للقرآن، محافظاً للأقران، قليلَ الكلام، كثيرَ الصِّيام، غزيرَ الإنعام.
شرح اللهُ به صدر المجاورين، ولم يتمَّ لهم ذلك سوى أربع سنين، فتوفي ﵀ بعد السبعمائة في عام سبعٍ وعشرين.
* * *
стр. 1306
حرف الواو
٩٠ - وُدَيٌّ بنُ جمَّازِ بن شِيحةَ (١).
وتقدَّم نسبه في ترجمة أبيه وجدِّه، وهو بضمِّ الواو وفتح الدَّال المُهملة، تصغير وَدِيٍّ (٢) لصغار النَّخل التي تُعْرَش، أو تصغيرُ: وَدَىً كفَتَىً، وهو الهَلاك، كأنَّه هلاكٌ للأعداء، أو تصغير وَدْيٍ كَظَبْيٍ، وهو الماءُ القليل، والأوَّل أولى، لأنَّ كنيته أبو مزروع، وكان أميراً خيِّراً.
صعِد من الاحتشام أَعلى مرقى، وتمسَّكَ من سديد الرَّأي وحميد العقل بالعروة الوُثقى، واحتمى من المهابة العظيمة الزَّائدة بِها بالمِجَنِّ (٣) الأوقى، وتدرَّع من الشَّجاعة بِما خلَّدَ به ذكرَه على وجه الدَّهر وأبقى.
وَلِيَ إمارةَ المدينة في عام ستٍ وثلاثين وسبعمائة.
ورد في ذي القَعدة مثالٌ (٤) شريفٌ ناصريٌّ (٥) إلى القاضي شرفِ الدِّين (٦) مضمونُه: إنَّا قد فوَّضنا إمارة المدينة إلى الأمير أبي مزروع وُدَيِّ بنِ جَمَّاز، وقد كتبنا له بذلك تقليداً، فتمكَّن نُوَّابُه من المدينة، وتَمنَّع آل منصور أنْ يتعرَّضوا لأذية
الناس، وأن يمسكوا شيئاً من جِمال السَّواني (٧) للارتحال عليها.
стр. 1307
فخرج آلُ منصور من المدينة إلى البادية، ولم يتعرَّضوا لشيء من جِمال السَّانية، فجهَّز الوزير ما كان عندهم من الأحمال والأوْقار (١)، وحمل ذلك وسافر بأهله وأولاده على أبقار.
ثمَّ وصل وُدَيٌّ عقيب ذلك وقُرئ منشوره، واستقامت أُموره، إلى أن توفي الملك النَّاصر في ذي الحجِّة سنة إحدى وأربعين.
توجَّه إلى مصر لاختلاف الدولة وتكدُّر مائها المَعِين (٢)، فرسم بإكرامه ورعايته، وتقريره على /٥٢٧ إمارته وولايته، فتجهَّز للسفر مُعجِّلاً، وعاد إلى المدينة مُكْرَماً مُبَجَّلاً.
واستمرَّ حاكماً إلى سنة ثلاثٍ وأربعين، فهجم طفيلٌ على المدينة ودخلها، وقبض على نُوَّاب وُدَيِّ وتعرَّق (٣) أعظمهم وخلخلها، ورسم بحبس جُحَيْدِب (٤) وقلاوون، وبعد قليلٍ أُصيبا بداءٍ يقف دونَها المُداوون.
ومكث الأمير وُدَيٌّ في عَرَبهِ وأقاربِهِ، إلى [أن] حَملهُ زمان المَنون إلى ساحل البرزخ في قَارِبه.
وتقدَّم (٥) في طُفيلٍ شيءٌ من ترجمته، فلينظر مَنْ أراد النَّظر في كمال خبره وتتمته.
стр. 1308
حرف الهاء
٩١ - هِبةُ بنُ جمَّازِ بنِ منصورِ بنِ جمَّازِ بنِ شِيحة الحسينيُّ الشَّافعيُّ (١).
الأميرُ بدرُ الدِّين أبو سليمان، ذو المناقبِ الحميدة، والمآثرِ العديدة، والخلائقِ السَّديدة، والفضائل العتيدة، والمفاخر السَّنِيَةِ السَّعيدة.
كان سببُ ولايته انتقالَه إلى (٢) مذهب (٣) الإمام المُطَّلِبيِّ أبي عبد الله محمدِ بن إدريس الشافعيِّ ﵁، فلمَّا علمت الدَّولةُ المِصريةُ بذلك، سلكَتْ في تقديمه وتعظيمه أحسنَ المسالك، واختاروه للولاية والتَّأمير، واصطفوه على كلِّ شريفٍ وأمير، وأحمدوه في نقل مذهبه وَوُرُودِه المَنْهل العَذْب النَّمير (٤).
فخلع السُّلطانُ عليه خِلعةً مُنيفة، وقلَّده إمارةَ المدينة الشَّريفة، وجلَّله من عواطفه وعوارفه بكلِّ طريفة، فلمَّا باشر الولاية نشرَ أعلام السُّنَّة النبَّويَّةِ نَشْراً جميلاً، وبلَّغَ المجاورين أمانيَّهم فيما كانوا يُرومونه تأميلاً، وحسن ما مهَّده ابنُ عمِّه من المعدلة (٥) برفع قواعد السُّنَّة تتميماً وتكميلاً، وطمس تُرَّهَاتِ (٦) مسالِك المبتدعة وبُنيَّات طُرقهم (٧) مِيلاً فَمِيلاً. فأصبح بين الأشراف
стр. 1309
بازاً (١) أشهباً، وعلى مناكب المناقب ومراتب المناصب طِرازاً (٢) ذهباً، واهتزَّت أرجاءُ المدينة الشَّريفة لظهور السُّنَّة الغرَّاء فَرحاً وطَرَباً، وهَرب من عدله الحائِت (٣) حوتُ بِدعةِ المحائِت (٤) واتَّخذ سبيلَه في البحر سَرَباً.
ظَفِرت السُّنَّة من البدعة بالانتصار، وحَسُنُ الزمان به إلى أنْ صار كما في عصر الأنصار، فالسُّلطانُ (٥) شافعيٌّ، والقاضي (٦) شافعيٌّ، وشيخُ خدَّام (٧) الحرم شافعيٌّ، وهذا مِمَّا لم يُعهد في عصرٍ من الأعصار.
وهو سلَّمه الله كان قبل ذلك لمَّا استُشهِد والده سُئل أَنْ يقبل الولاية فامتنع وأبى، واتَّخذ لنفسه من الفراغ والانعزال أحسنَ جنىً (٨)، وقال: لا أتعرَّض للولاية وحملها، وإنَّما أجلسُ في القلعة لحفظ المدينة وأهلها،/٥٢٨ وأقومُ في هذه الأيام لحماية الحاجِّ، وأمَّا الولاية فانظروا لها غيري، فإنِّي لستُ إليها بمحتاج.
فَوُلِيَّ عمُّه عطيةُ كما ذكرناه في ترجمته، واستقرَّ بالأمر إلى أنْ ساقه الله إلى هِبَتِه من عطيَّته، فكانت ولايتُه كاسمه هِبةً من الله للمسلمين، وهيبةً في قلوب المخالفين.
стр. 1310
وقد أقرَّ الله عينه ببنين غُرٍّ أنجاب، كأنَّهم أسودٌ في أثوابٍ أُموثٍ (١) في رحاب غيوثٌ للبعداء والأصحاب.
وثارت فتنٌ بينهم وبين بني عمِّهم في عام تسعٍ وسبعين، وبلغ التَّحريش من السُّلطان اللعين البلَغَين (٢)، وكم مرَّةٍ أقامَ الحربَ بينهم على ساق، ودارت كؤوسها بين حَاسٍ (٣) وساق.
والتهب لظى القتال، في أيام الموسم وتَصادُمِ المحاملِ (٤)، واغتصاصِ المدينة وظاهرِها بالزَّوامل (٥) والبغال، فخاضوا في غمار الحرب للجِلاد (٦) مستقلِّين، واندفعوا في تيار الظَّفَر والضَّرب بالمنايا مُسْتَبْسِلين، واتَّصلت بينهم الحملات، وتوالت بينهم الضَّربات، وهبةُ وأولادُه لم يبلغوا العِشرين، وعطيةُ وأحفادُه مُنيفين على السِّتين.
فازدحموا عليهم إلى أَنْ كادوا يأخذوهم من فوق ومن قُدَّام، والرِّماح تنفذهم ما بين لحومٍ وعظام، فودَّعوا الرَّاحات، واستودعوا الجراحات، ويَبِست على مقابض السِّلاح الرَّاحات (٧)، وأنزل الله إذْ ذاك نصره، وشيَّدت مواهب الله بتأييد هِبةَ في صَرْمِه (٨)، وحمل عليهم بعزمته
стр. 1311
المبيرة (١)، وهمَّته الأثيرة، وأسمعهم منادي النُّصرة: ﴿كمْ مِنْ فئةٍ قليلةٍ غلَبْت فِئةً كثيرة﴾ (٢)، وكم مرَّةٍ حشدوا العرب وجمَّعوا الجموع، ونزلوا على المدينة واستغزروا العيون بالدُّموع، وأكلوا الزُّروع، وجدُّوا (٣) النَّخيل، وأحزنوا السَّخيَّ وأبكوا البخيل.
وهم: جَمَّاز، وهيازع، وجعفر، وعتبة، وبيشة، وسليمان، وزُبالة، ومنصور، ومحمد وإخوانه.
ذُكِرَ في ترجمة والده.
* * *
стр. 1312
حرف الياء
٩٢ - ياقوتُ بنُ عبد الله، الخزندار، الرسوليُّ (١)، الشَّيخُ افتخارُ الدِّين، شيخ الخُدَّام بالحرم الشَّريف النَّبويِّ.
ولي المشيخةَ في سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، بحكم انقطاع عزِّ الدِّين دينار (٢) إلى العُزلة والعبادة، وضعفه عن المباشرة ومُراعاة الأُمور المعتادة، فقام بحرمةِ المنصب بأحسن قيام، وأَقعد بهيبته عن الحِراك طوائف اللِّئام، واستغرق في حفظ الحرم وخِفارته (٣) اللَّيالي والأيام، ويرجع إلى عِفَّةٍ ودين وورعٍ /٥٢٩ وصلاةٍ وصيام، لم يترك صوم الاثنين والخميس أعوام، وخدم الملوك خمسةً وعشرين سنة فلم يتناول في جامكيته (٤) ما فيه شبهةُ حرام، وإنَّما يتناولها من جِزْيةٍ (٥) لا يشكُّ في حِلِّها إمام، وكان مُعدَّلاً مقبول الشَّهادة عند القضاة والحُكَّام.
فلمَّا وَلي المشيخَة بالغ في بسط الهيبة، وأفرط في ضبط الغَيْبَة، حتى ذكر كلُّ أحدٍ عَيْبَه، وشانوا شأنه بالاستبداد والاستقلال، وترك مراجعة الأصحاب في أكثر الأحوال، ولم يكترث بجماعته ولا يخطرون منه ببال، بل
стр. 1313
يركب الأمور بقدميه بلا معاوذة أحدٍ ولا سؤال، فاستفتح من ذلك الاعتلال والاختلال، ونفر منه بعض الخواطرِ وعنه مال، وتكرر في ذلك من النَّاس المقال، فَعُزل وَوُلي مكانَه السَّاقي إقبال (١)، فلم يُقابَلْ بقَبولٍ يُمكِّنه من الاقتبال (٢) في الاقتبال (٣)، فلم يكن إلا كلا ولا (٤) وقد جاء عزلُه وإعادة ياقوت إلى ما كان عليه من الحال، واستمرَّ إلى أن جاءه أمُر الله بالارتحال، فتوفي في عام أحدٍ وثمانين وسبعمائة، في ليلة السَّابع والعشرين من شهر رمضان ولم يُفطر.
٩٣ - يحيى التُّونسيُّ (٥) من الصَّالحين الأخيار، فاز بلُقيِّ جماعةٍ من السَّادات الكبار، كالشَّيخ (٦) أبي العباسِ المُرسي (٧) ومَنْ في طبقته من المشايخ الشَّاذلية.
واجتمع عنده الشَّيخ أبو العبَّاس في الإسكندرية بالشَّيخ نجم الدِّين الأصفهانيِّ (٨)، ورافقه إلى مكَّة مع رفيقه عبد الحميد المُوغاني (٩)، ثمَّ أقاما عنده بِمكَّة مدَّةً طويلة، واكتسبا منه مآثر جليلة، وانتقلا إلى المدينة.
وكان الشَّيخُ يحيى ذا محاضرةٍ كأنَّها حلاوة، ومُحاورةٍ عليها من اللُّطف
стр. 1314
طَلاوة (١). وحكاياتٍ غريبة، ورواياتٍ لحسنها إلى القلوب حبيبة، لا يَمَلُّه السَّامع إذا قال، ولا يستثقله أهل المَجامع ولو أطال، وكان على جانبٍ صالح من السَّذاجة وقلَّةِ الاهتبال (٢) ولي نيابة القاضي شرف الدِّين في الإمامة والخَطابة، فيأتي في خُطبته بكلِّ مُلَفَّقة مُبدَّدة لكنَّها مُستطابة، فَخُطبته عن التَّصنُّع بَرِيَّة، وعن تكلُّف الفِقَر (٣) فقيرة عَرِيَّة.
أخبرنا جماعةٌ عن يحيى بن موسى القُسَنْطيني (٤) عنه قال: لمَّا خرجنا مع الشَّيخ نجم الدِّين الأصفهانيِّ من الإسكندرية سلكنا طريق الصَّعيد نُقيم النَّفْلَ والفَرض، وليس لنا قوتٌ إلا من نبات الأرض، فلمَّا قَرُبنا من مدفن الشَّيخ أبي الحسن الشَّاذليِّ، قال الشيخ نجمُ الدِّين: إذا كان غداً إنْ شاء الله ستزورون قبر الشَّيخِ أبي الحسن، وضيافتكم عندُه زبيب /٥٣٠ ولوز، فكان كذلك.
فلمَّا وصلنا عيذاب (٥) تلقَّانا النَّاس بالضِّيافات الكثيرة الحافلة، فجعل الشَّيخُ يبعث إلى كلِّ واحدٍ واحدٍ من القافلة، فندموا على تفريطهم في حقِّ الشيخ وأصحابه، وتقصيرهم فيما كان ينبغي من إرحاب رحابه.
ثمَّ قال لنا الشَّيخُ: يا يحيى وعبدَ الحميد، لنْ تجوعا بعد هذه الجوعة التي حصلت لكما إلى أن تلقيا الله تعالى، فكان كذلك.
وحُكي لنا أنَّه كان في ابتداء أمره مشتغلاً بالعلم، وكانت له أملاكٌ كثيرةٌ
стр. 1315
وأموالٌ فتركها، وصحب كبيراً من مشايخ عصره، وسأله أن يدلَّه على طريق السُّلوك، فقال له: نعم، اكشف لي عن مسألة كذا وكذا وأخبرني بما قيل فيها، فذهب وكشف ثمَّ رجع وأخبره بِما رأى، فقال له: يا ولدي، أَقبلْ على الاشتغال بالعلم، فراجعه في السُّؤال عن طريق السُّلوك، فلمَّا ألحَّ عليه في بعض المِرَار قال له: اكشف لي عن مسألة كذا وكذا، وأعلمني، فذهب وفتح مَظِنَّة المسألة فوجد جميع أوراق الكتاب أبيضَ ليس فيه حرفٌ، ثمَّ فتح كتاباً آخر فوجده كذلك، حتى نظر في كتبه كلِّها فوجدها صحائف بيضاء.
فرجع إلى الشَّيخ وهو مرعوبٌ ممَّا رأى، فأخبره خبره، فقال الشيخ: الآن صفا قلبُك وصحَّ توجُّهك، وصدق طلبُك، ادخل الخلوة.
فدخل الخلوة فأقام أربعين يوماً (١)، ثمَّ خرج وهو جوهرةٌ لمَّاعة أضاءت أنوارُ الهداية أَبصارَهُ وأسماعه، فكان منه ما كان، وتيسَّر له من المراتب العليَّة ما يقف دون شرحها الإمكان.
وعاش الشيخ يحيى حتى تَتَعْتَعَتْ (٢) سِنُّه وتَقَعْقَعَتْ شَنُّه (٣).
وكان في أوائله كلما سمع بحكايةٍ عن الصَّالحين وكرامة ممَّا دُوِّنت في الكتب يقول: هذه بعينها أو قريباً منها اتَّفق لي.
وكان من كثرة سياحاته لم يسمع بغريبةٍ إلا ويُخبر أنَّه رآها، وتوفي سنة ثلاثٍ وأربعين وسبعمائة.
стр. 1316
٩٤ - يعقوبُ بنُ جمالٍ، القاضي عَلَمُ الدِّين القُرَشيُّ المِصريُّ (١).
كان فقيهاً فاضلاً ذا رئاسةٍ، وحاكماً عادلاً وافرَ السِّياسة، وكان نائباً للقاضي سراج الدِّين (٢) في الأحكام، فلمَّا تُوفِّي سراجُ الدِّين سعى له بعض أصحابه من الأماجد الكرام، فاستقلَّ بالمنصب ولم يكنْ له بالمرام.
وولي وظيفتي الخَطابة والإِمامة، شخصٌ يسمَّى بَهاء الدِّين ابنَ سلامة (٣). كان فاضلاً أديباً، وكاتباً أريباً، ومُتَرَسِّلاً لبيباً، يحوك الكلام نثراً ونظماً، ويفوق الأنام بفك الخطَّ المُعمَّى.
واستمرَّ عامين في الإِمامة والخطابة /٥٣١ وما استمرأ المعلوم ولا استهناه ولا استطابه، وذلك لأنَّه اطَّلعَ على شرط الواقف، فوجد من جملتها معرفةَ علوم القراءات، ومعرفَة الأصلين (٤) ومعرفة الفرائض، وغيرَ ذلك من الدِّرايات، فخاف على دينه واستقال، وطلب من الله الرِّزق الحلال، فأُعطي معلوماً بدمشق مضافاً إلى ما كان بيده من معلوم الكِتابة، وفضَّل ذلك على معلوم الإمامة والخطابة.
ولمَّا عُزل وُلِّي القاضي شرفُ الدِّين الأُميوطي (٥) الوظيفتين واستجلى على منصبه المقصود من الوصيفتين (٦).
стр. 1317
وعُزل القاضي علمُ الدِّين فلم يتأسَّف لذلك، بل كان مُتمنَّاهُ أنْ يتخلَّص قبل الموت من حِنْدِس (١) الحكم الحالك.
وكان ﵀ أُسلوبُه غريباً، وطريقه في التَّشديد على الخُدَّام عجيباً، حتى منعهم من الشَّمع والدَّراهم، وجميعِ ما يجمعونه في صندوق النُّذور أيام المواسم.
وقال: هذا يجري في مصالح الحرم لا في الحرام، ولا يجوز لكم قَسْمُه بينكم في مذهب أحدٍ الأئمة من الأعلام.
فعزَّ ذلك عليهم، ولم يُبال وغلبهم، وانتزعه من يديهم، ولم يصرف عليهم منه نقيراً (٢)، وطردهم عنه بأسرهم غنياً كان أو فقيراً.
وكان ﵀ يقول: واللهِ ما فرحتُ بِهذا المنصب، وإنِّي لأرجو أن يُقيلَني الله تعالى منه، وقد رأيتُ في منامي كأني على سطحِ مسجدٍ، وأني قد تدلَّيتُ على طرف الحائط ولم يبق إلا السُّقوطُ و الهلاك.
فكان من الخوف لذلك على شَفا، حتى صرف الله عنه شرَّ الحكم وكفى، وبدَّل الكَدَر من أوقاته بالصَّفا.
توفي سنة … (٣) وسبعمائةٍ.
٩٥ - يوسفُ بُن الحسنِ بنِ محمدِ بنِ محمودٍ، الشَّيخُ عِزُّ الدِّين الزَّرنديُّ (٤)، المدنيُّ، الأنصاريُّ، المُحدِّث، الجامعُ بين العلم والعمل،
стр. 1318
والسَّيِّد الذي تمَّ في جميع الفضائل وكَمَل.
سادَ السَّادة، وأرغم أعداءه وحُسَّاده، وتوسَّدَ من المفاخر السَّنِيةِ أفخرَ وِسَادةَ، وساقَ إلى سوق العلم باجتهادٍ بَدَّل بالنَّفاق كَسَادَه، وإذا حَضَرَ قلب القصراء ذلك بِمرْغَاتِه (١) أشاده.
قدم المدينة الشَّريفة فأقام برباط الأصفهانيِّ، فوجده من الخراب في مآتم، فلاقاهُ من العمارة بالتَّهاني، صلح ببركته حاله، واتَّخذه خِيْساً (٢) إلى أَنْ كَثُرَ فيه أشباله.
وكان من هِجِّيره (٣) أَنْ يُواظب على قراءة (صحيح البخاريِّ) في الرَّوضة الشَّريفة على طريقة طريفة، لا يقصد فيه رياءً ولا سمُعة، ويختم الكتاب من الجمعة إلى الجمعة، إلى أن صار الكتاب في سِطةِ (٤) قلبه، وعلى طرف لسانه، وخدمة
أَلْسُنِهِ (٥) والقيام بنشرِهِ/٥٣٢ أشرف آسانِهِ (٦).
انطلق على القراءة مُفصَّلةَ الصَّمصام (٧)، بحيث كان يختم البخاريَّ في أربعة أيام، هذا مع العلوم العديدة، والمناقب العتيدة، والمفاخر السعيدة، و المقامات الحميدة، والإقبال على العبادة، وإسبال أذيال الفضائل المرتادة، وعدم العناية بشيءٍ من الأُمور الدُّنيوية الدَّنيةَّ، وصرف الهِمَّة إلى صعود قِنَّة (٨)
стр. 1319
القِمَّة من المعالي الباقية السَّنِيَّة.
وأكرمه الله بعقبٍ أحيا به ذكره، ورزقه أولاداً سادة أوجب لهم عليه شكره.
وتوفي ﵀ في عام اثنتي عشرة وسبعمائة بطريق العراق ذاهباً.
رآه في المنام الشَّيَخ أبو عبد الله العُصيَّاتي (١) فقال له: أخبر ذوي قرابتي وإخواني، بأنَّ الملائكة قد نقلوا إلى البقيع جثماني، فمْن أراد زيارتي من أولئك الأُناس، فليقصد حوالي قُبًّة سيِّدنا العباس (٢).
وفضائله في الجملة كثيرة، وكرامته ومناقبه شهيرة، والله تعالى يتغمَّده برحمته إنَّه لا إله سواه.
стр. 1320
مسألة (١) [حكم الحُجَر الشريفة]
إن قيل ما حكم أماكن الحُجَرِ الشريفةِ الثمان؟ هل حكمها حكم مسجد النبي ﷺ ، وأن الصلاة فيها تُضَاعَفُ على قول من يقول: إن المضاعفة مختصة بِمِقْدَارِ المسجدِ الذي بناه ﷺ دون ما أُضِيفَ إليه وزِيدَ فيه بعدُ كالنووي وغيره (٢) مِمَّنْ صرَّح بالاختصاص (٣). وما وجه إدخالها في المسجد؟ وهل كانت ملكاً لأمهات المؤمنين ﵅ أو ملكاً للنبي ﷺ ؟
قلت: لم أجد في ذلك نقلاً شافياً، غير أن المسجد وإن فُضِّلت الصلاةُ فيه وقلنا بالاختصاص، فالحُجْرَةُ لها فضل آخر مختص بِهَا، يزيدُ شرفُها به، فحكم أحدهما غيرُ حكم الآخر.
والحُجْرَةُ الشريفةُ هي مكان المدفنِ الشريفِ في بيت عائشةَ ﵂، وما حوله.
ومسجد النبي ﷺ لما وسِّعَ دخلت الحُجَرُ كُلُّها في المسجد، فأما ما كان غير بيت عائشة ﵂ فكانت للنسوة الثمان به اختصاص، ولَهُنَّ في
стр. 1321
تلك البيوت حق السُكنى، ولم يَظْهَر لَهُنَّ حق مُلْكٍ فيها.
غير أن الله سبحانه أضاف البيوت إليهنَّ تارة، وأضافها إلى النبي ﷺ أخرى فقال تعالى:/٥٣٣ ﴿واذْكُرْنَ مَا يُتْلَى في بُيُوتِكُنَّ﴾ (١) وقال : ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ (٢)، ولا يظهر في أحدهما أنه إضافة ملك دون الآخر.
نعم إضافة المُلْكِ إلى النبي ﷺ أولى، وإذا قلنا بذلك فيكون بعده صدقة (٣)، ويكون لهنَّ فيها حق السُكنى، وبعد أن أُدْخِلَتْ في المسجد فهي باقية على حكم صدقته ﷺ ، ومن جُمْلَةِ صدقتهِ انتفاع المسلمين بالصلاة والجلوس فيها.
وإن قلنا بالآخر؛ فيحتمل أنَّهَا كانت لهنَّ ودخلت في المسجد بالشراء أو الوقف كغيرها من البيوت والأماكن، هذا كله في غير المدفن الشريف.
وأما المدفن الشريف فلا يشمله حكم المسجد، بل هو أشرف من المسجد، وأشرف من مسجد مكة، وأشرف من الكعبة، ومن جميع البقاع كما حكيناه عن القاضي عياض (٤)، وذلك ظاهر إن شاء الله باعتبارين؛
أحدهما: ما جاء في بعض الآثار أن كلَّ أحدٍ مخلوقٌ من تراب
стр. 1322
مدفنه (١).
والثاني: باعتبار ما يَتَنَزَّلُ عليه من الرحمة والرضوان والملائكة المقربين، فحينئذٍ يظهر شرفه على الكعبة وعلى جميع الأماكن شرفاً ظاهراً، ويعلو قَدْرُهُ بهما على جميع بقاع العالم علواً باهراً (٢).
لا يقال: فلِمَ لا يُحْكَمُ بِمُضَاعَفَةِ الأعمال فيه؟ لأنا نقول: ذلك مُختص بأماكن أعمالنا، ومدفنه ﷺ ليس مَحل عمل لنا، لأنه ليس مسجداً، ولا له حكم المساجد، بل هو مُسْتَحَقُّ النبي ﷺ ، وقد تكون الأعمال مُضَاعَفَةٌ فيه باعتبار أن النبي ﷺ حي، وأعماله فيه مضاعفة.
وإذا ظهر أنه أفضل وأشرف من الكعبة ومن جميع الأماكن والبقاع، فيجب حينئذٍ من مراعاة الأدب، وملازمة الحضور ما لا يَجِبُ في غيره من الأماكن، ولذلك كان عمر بن الخطاب ﵁ يَمْنَعُ من رفع الصوت فيه (٣)، ولم يكن يفعل ذلك في مسجد مكة، وما ذلك إلا للأدب مع رسول الله ﷺ ، ووجوب معاملته الآن كما كان يَجب أن يُعَامَلَ به لمَّا كان بين أظهرنا.
стр. 1323
وكانت عائشة ﵂ تسمع الوتدَ يُوْتدُ، والمسمارَ يُضرَبُ في البيوت المُطِيفَةِ به فتقول: لا تؤذوا رسولَ الله ﷺ (١).
فمن هذا الوجه يستحق من التعظيم والتوقير ما لا يستحقه غيره، فافهم ذلك تَرْشُدْ إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 1324
/٥٣٤ فصل [حكم قناديل المدينة المصوغة من الذهب والفضة]
في ما ذُكِرَ في قناديل المدينة المصوغة من الذهب والفضة وحكمها، وهل تعليقها والتزين بِهَا جائز أم لا؟ وإن كان جائزاً، فهل يَجوز كسرها أو بيعها لعمارة المكان ومصالحها أم لا؟
صنَّفَ شيخُنا أبو الحسن علي بن عبد الكافي السُّبكي (١) في المسألة مصنفاً (٢)، أبدع في تصنيفه، ولم يأل جهداً في تَهْذيبه وترصيفه، ونَحن نذكر من
ذلك زُبَدَهُ، وما جعل عليه استناده وعمدته، ثم نَختار منه ما كان صَوابُهُ واضحاً كالصبح الأبْلَج، ولا يتبلبل مِفْصَلٌ (٣) مُحِقٌّ لتزييفه ولا يتلجلج.
стр. 1325
ذكر ﵀ أولاً ما رواه البخاري عن أبي وائل (١) ﵁ قال: جلست مع شَيْبَةَ (٢) على الكرسي في الكعبة فقال: لقد جلس هذا المجلسَ عُمَرُ ﵁ فقال: «لقد هَمَمْتُ أن لا أدعَ فيها صفراءَ ولا بيضاءَ إلا قَسمتها، قلت: إن صاحبيكَ لم يفعلا، قال: هما المرآنِ أقتدي بِهِمَا» (٣).
وفي لفظ في باب الاقتداء بِسُنَنِ رسول الله ﷺ فقلت: ما أنتَ بفاعلٍ، قال: لِمَ؟ قلت: لم يَفْعَلهُ صاحباك. قال: قال هما المرآن يُقْتَدَى بِهِمَا (٤).
ولفظه عن أبي داود قلت: لأن رسول الله ﷺ قد رأى مكانه، وأبو بكر ﵁، وهما أحوج منك إلى المال ولم يُحرِّكَاهُ، فقام فخرج (٥).
وخَرَّجَهُ ابن ماجه، وزاد في أوله عن شقيق (٦) قال: بعث رجلٌ معي بدراهمَ هديةً إلى البيت، قال: فدخلت البيتَ وشيبةُ جالسٌ على كرسيٍّ، فناولته إياها، فقال: أَلَكَ هذه؟ قلت: لا، ولو كانت لي لم آتك بِهَا، قال: أمَّا
стр. 1326
لَئِنْ قلت ذاك، لقد جلس عمر بن الخطاب ﵁ .. (١) وساق بنحو سياق أبي داود، ثم قال: وهذا عمدةٌ في مال الكعبة، وهو ما يُهْدَى إليها أو يُنْذَرُ لها، [وإياك أن تغلط فتعتقد] (٢) أنَّ ذلك يُصرفُ إلى فقراءِ الحرمِ أو إلى مكةَ، أما إذا كان إلى الكعبةِ نفسها فلا يُصْرَفُ إلا إليها.
ثم نَقَلَ عن الشيخ أبي إسحق (٣): وإن كان قد نَذَرَ الهَدْيَ لِرِتَاجِ (٤) الكعبةِ وعمارةِ مسجدٍ، لَزِمَ صرفُهُ فيما نَذَرَهُ.
وقال الرافعي (٥): إن نَذَرَ أن يَجعل ما يهديه لرتاج الكعبةِ وتطييبها. قال إبراهيم المرورُّوذِي (٦): ينقله إليها، ويُسلمهُ إلى القَيِّمِ ليصرفه إلى الجهةِ المنذورة.
قال: وإذا وجدنا مالاً في الكعبة واحتُمِلَ أن يكون من هذه الجِهَةِ حَمَلْنَاهُ عليها عملاً باليدِ، كما تبقى أيدي أرباب الأملاك على ما بأيديهم، فكذلك
стр. 1327
/٥٣٥ يبقى ما في الكعبةِ من المال على ما هو عليه، لا يُحرِّكه كما فعل رسول الله ﷺ .
فإن قلت: ما مُستنَدُ عمر ﵁ فيما هَمَّ به؟
قلت: هو إمام هُدَىً، ومَنْ تَقَدَّمَهُ أعظمُ منهُ، ولا يلزمنا النظر في سبب هَمِّهِ وقد رَجَعَ عنه بِمُجرد ما سَمِعَ.
قال ابن بطاَّل (١): أراد عمر ﵁ أن يصرفه في منافع المسلمين نظراً لهم، فلما أخبره شيبةُ صَوَّبَ فِعلهمَا، وإنَّما تَرَكَاهُ لأنَّ ما جُعِلَ للكعبةِ وسُبِّلَ لها يَجري مَجرى الأوقافِ، ولا يَجوزُ تغييرُ الأوقافِ، وفي ذلك أيضاً تعظيم الإسلام وحُرُمَاتِهِ وترهيبُ العَدُوِّ.
وقال أيضاً: رأى عُمَر ﵁ أن ما فيها من الذهبِ والفضةِ لا يُحْتَاجُ إليه لكثرتهِ.
وقال مرةً: أراد أن يَقْسِمَ المالَ الذي تَجَمَّعَ، وفَضُلَ عن نفقتها ومُؤْنَتِها ويضعه في مصالحِ المسلمين، فلما ذَكَّرَهُ شيبة أن النبي ﷺ وأبا بكر ﵁ بعده لم يَتَعَرَّضَا له لم يَسَعْهُ خِلافهما، ورأى أن الاقتداءَ بِهمَا واجبٌ.
فربَّما تَهَدَّمَ البيت أو خَلَقَ (٢) بعض آلاته، فَصَرَفَ ذلك المال فيه، ولو صَرَفَ ذلك في منافعَ، لكان كأنه قد أُخْرِجَ عن وجهِهِ الذي سُبِّلَ فيه.
ثم قال: فإن قلت: قد ذكر الفقهاء وجهين في صحة الهِبَةِ للمسجدِ، وأنه
стр. 1328
هل يَملك أو لا يَملك؟ قلت: أصحهما الجوازُ، وأنه يصح الهبة له، ويقبلها قيمةً ويَمْلِكُ.
وقد اختلف العلماءُ في الوقفِ على المسجدِ، هل هو وقفٌ على المسلمين أو على مصالحِ المسجدِ (١)؟ والأصح الثاني.
فظهر بِهَا القطع بثبوت اختصاص الكعبة بِمَا يُهْدَى إليها، وما يُنْذَرُ لها، وما يُوجدُ فيها من الأموالِ، وامتناع صَرْفِها في غيرِها لا للفقراءِ ولا للخارجِ عنها المحيطِ بها إلا أن يَعْرِضَ لنفس الكعبة عمارةٌ أو نَحوها فحينئذٍ يُنْظَرُ، فإن كانت تلك الأموالُ قد أُرْصِدَتْ لذلك، صُرِفَتْ فيه، وإلا فَيَختص بِهَا الوجه الذي أُرْصِدَتْ له، فالمُرصَدُ للبخورِ مثلاً لا يُصْرَفُ للسترة.
وقال: ويَحِلُّ الصرفُ المذكور إذا عُلِمَ من حالهِ ذلك، أو كانت عليه قرينةٌ بذلك، مثل كونِهِ دراهمَ أو دنانير، أما القناديل التي فيها والصفائح التي عليها فلا يُصْرَفُ منها شيء بل تَبْقَى على حَالِهَا.
ثم نَقَلَ عن الرافعي أنه قال: لا تَجوز تَحلية الكعبة بالذهب والفضة، وتعليق قناديلها.
وقال أيضاً: وفي تَحلية الكعبةِ والمساجدِ بالذهَبِ والفضةِ/٥٣٦ وتعليقِ قناديلها، فيها وجهان مرويان في الحاوي (٢) وغيره.
أحدهما: الجواز تعظيماً كما في المصحفِ، وكما يَجوزُ سترُ الكعبة بالديباجِ.
وأظهرهما: المنع إذ لم يُنقل ذلك عن فعل السلف.
стр. 1329
ثم استَشْكل كلامَ الرافعي فقال: أما التسويةُ بين الكعبةِ والمساجدِ فلا تنبغي، لأن للكعبة من التعظيمِ ما ليس للمساجد، ألا ترى أن سَتْرَهَا بالحريرِ مُجْمَعٌ عليه، وفي سترِ المساجدِ خلافٌ، فحينئذٍ الخلافُ في الكعبةِ مُشْكِلٌ، وترجيحُ المنعِ فيها أشكل، وهذا الكلام لا يَخفى على الفقيه ضَعْفُهُ.
ووجه الإشكال والإشكالية غير ظاهر، وفي التمسكِ بِجوازِ سَترِ الكعبةِ بالحريرِ تكلفٌ ظاهرٌ وتعسُّفٌ بَيِّنٌ، والحريرُ إنَّمَا جَوَّزُوهُ للإجماعِ وفِعْلِ السلفِ، ولم يُنقل تَحليته بالذهب عنهم.
وما وقع في أيام الوليد من تذهيبِ سقوفِ مسجدِ النبي ﷺ لا يصلحُ دليلاً ولا استئناساً، فإن الوليدَ كان له غرضٌ في ذلك، ولأجل ذلك لم يراجعه عمر بن عبد العزيز ﵁، على أن المقدار الذي وقع هنالك لم يكن إلا تمويهاً غير مَحظور دون تَحليةٍ بصفائحَ أو تعليقٍ لقناديل.
ثم قال: قد وليَ عمرُ بن عبد العزيز ﵁ الخلافة، وأراد أن يُزيلَ ما في جامع بني أمية من الذهب، فقيل له: إنه لا يتحصل منه شيء كثير. فلو كان فعلها حراماً لأزالها في خلافته، لأنه إمام هُدَىً، فلما سَكَتَ عنها وتركها وَجَبَ القطعُ بِجوازها. انتهى، وفيه أمران:
أحدهما: أن أمر عمر بن عبد العزيز ﵁ بِحَكِّ المموهِ دليلٌ على عَدمِ جوازِ تَحليةِ المساجدِ بالذهبِ قليلهِ وكثيرهِ، والأمر في الصفائح والقناديل أَطَمُّ وأعظم (١).
الثاني: أن في أيامِ عمرَ بن عبد العزيز ﵁ لم يثبتْ أنه كانت على الكعبةِ صفائح الذهب والفضة ولا قناديل منهما فيها، وإنَّما صارت بعده
стр. 1330
في خلافة بني العباس، وعلى تقدير أنَّها كانت موجودة، وصح أن الوليدَ أوَّلُ من عمل ذلك، وكانت باقية إلى خلافة عمر بن عبد العزيز ﵁، فسكوته عنها، وتركه الأمر بإزالتها يَحتمل وجوهاً:
منها: أنه غفل عنها لاشتغاله بما هو أعظم وأهم، وهذه جزئية غير واقعة في النظر ولا في القرب، فتحتمل الإغفال.
ومنها: أن مدة خلافته كانت سنتين فلم يُذَكَّرْ به، ولو ذُكِّرَ به لفعل.
ومنها: أن الصفائح ليس حُكمُها حُكمَ القناديلِ حتَّى يُنْظَمَا في سِلْكٍ واحدٍ.
ولا خلافَ أن الوليدَ لم يُعَلِّقْ في الكعبةِ قناديل، وإنَّما الكلامُ /٥٣٧ في الصفائحِ، فإن صَحَّ أنه ارتكب ذلك، وأبقاه عمر بن عبد العزيز ﵁ مع التذكرِ والتيقُّظِ له فإنَّما فعل ذلك لأنه صار في حُكمِ المال الموقوف الموضوع في خزانة، ولأنه أحفظ له من قلعهِ ووضعهِ في جوفِ الكعبةِ أو خزانةٍ.
بل ربَّما كان يتعينُ إبقاؤها لهذا المعنى، لأن قَلْعَه ربَّما يؤدي إلى تَلَفِ مالِ الكعبة، فلأجل هذا المحذور يُحتمل أنه تساهل في إبقائه.
ولا يَمتنع أن يكونَ ابتداءُ الشيء حَرَاماً، ثم تكونُ استدامته جائزة، ولها نظائر.
وقال: إن القاضي حسيناً (١) جَزَمَ بتحليةِ المسجدِ بالقناديلِ من الذهبِ ونَحوها، وأن حكمها حكم الحلي المباح، وهذا أرجحُ مِمَّا قاله الرافعي لأنه
стр. 1331
ليس على تحريمِها دليل، والحرامُ من الذهب إنَّما هو استعمال الذكور له، والأكل والشرب، ونحوهما من الاستعمال من أوانيه، وليس في تَحلية المسجد بالقناديل الذهبية ونَحوها شيء من ذلك. انتهى.
وهذا فيه ما لا يَخفى من ترجيح [المرجوح] (١) وتقوية الضعيف بما هو أضعف، حيث جعل الدليل على إباحته عدم الدليل على حرمته، والحال أن الدليل على حرمته قائم.
ثم القول: بأن الحرام من الذهب استعمال الذكور له والأكل والشرب ونَحوهما من الاستعمال من أوانيه، ليت شعري ما أراد "بنحوهما" من الاستعمال؟ وهل استعمال القنديل إلا تعليقه في المكان تارة للتَّزين، وتارة للإيقاد، ولم يعهد قط أن القناديل يؤكل فيها ويشرب، بل استعمال كل شيء بِحَسَبِهِ.
وأعجب من ذلك استدلاله بِمَقَال الغزالي: الذي يتبين لي أنَّ مَنْ كَتَبَ القرآنَ بالذهب فقد أحسن، ولا زكاة عليه فيه.
فلم يثبت في الذهب إلا تحريمه على ذكورِ الأمةِ فيما يُنْسَبُ إلى الذكورِ، وهذا لا يُنْسَبُ إلى الذكور، فيبقى على أصلِ الحلِّ ما لم ينتهِ إلى الإسرافِ.
وهذا يصلحُ دليلاً عليه حيث قال بالتحريمِ إذا بلغ حَدَّ الإسرافِ، فهذا في القناديل المعلقة ونَحوها من باب الأَوْلى.
وليت شعري متى يبلغ الكاتب حَدَّ الإسرافِ، فإن القنديلَ الصغيرَ يَحْتَمِلُ أن يُكتب بمحلوله مائة مصحف.
ثم قال: هذا كُلُّهُ في الكعبةِ شرفها الله تعالى، أما غيرها من المساجد فلا
стр. 1332
ينتهي إليها، فلا يبعد جريان الخلاف فيه، والأرجح منه الجواز كما قاله القاضي حسين، ولا أقول إنه ينتهي إلى حَدِّ القُرْبَةِ، ولهذا استقرَ الناس على خلافه في الأكثر.
قال: وأما تعليل الرافعي بأن ذلك لم ينقل عن فعل السلف فعجيب، لأن هذه العلة لا تقتضي التحريم، وقُصَاراها (١) أن تقتضي أنه ليس بسُنَّة أو مكروه/٥٣٨ كراهة تَنْزيه، أما التحريم فلا، وليس لنا أن نَجزم بِمِثْلِ ذلك حتى يَرِدَ نَهْيٌّ من الشارعِ. انتهى كلامه؛ وفيه أمور:
أحدها: أن قول الشيخ: (تعليل الرافعي عجيب) أعجبُ وأعجبُ! إذ الرافعي لم يَجعل ذلك بِمُفردِهِ عِلَّةً، بل مضموماً إلى ما وَرَدَ عن السلف من إلبَاسِ الكعبةِ الحريرَ مع وُرُودِ النَّهيِ عن استعماله واستعمالِ الذهبِ أيضاً.
كذلك ورد النهي عن استعماله، ولم يستعمله السلف في الكعبة مع عنايتهم بشأنها وتعظيمها وتبجيلها فهذا المجموع يدل على المنع، إذ لو كان كذلك مُسَاغَاً لفعلوه كما فعلوا في الحرير.
الثاني: قوله: (حتى يَرِدَ نَهْيٌّ عن الشارع)، وكم من نَهْيٍ ورد عن الشارع في ذلك ! كما ذكر هو بعضه بعد ذلك من قوله ﷺ : «مَنْ شَرِبَ في إنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ فَإنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَاراً مِنْ جَهَنَّمَ» (٢)، وفي لفظ: «أو في إنَاءٍ فِيهِ شَيءٌ مِنْهَا» (٣).
وقوله ﷺ : «لاتَشْرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ولا تَأكُلُوا في صِحَافهَا،
стр. 1333
فَإنَّهَا لَهُم في الدُّنْيَا وَلَكُم في الآخِرَةِ» (١).
وقوله ﷺ في الذهب والحرير: «هذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أمَّتي، حِلٌّ لإنَاثِهَا» (٢).
وقاسَ جماهيرُ العلماءِ الأكلَ والشربَ عليها.
قال الشيخ محي الدين النووي: أجْمَعَ العلماءُ على حرمةِ استعمالِ أواني الذهبِ والفضةِ (٣)، هكذا قال، ولم يَحْكِ خلافاً، ولم يستثن آنية عن آنية، والقناديل من الأواني بلا خلاف، ومن منع فمكابر، وسنبين ذلك بأوضح من هذا.
ثم قال: وتكلموا في العلَّةِ المقتضية لقياسِ غيرِ الأكلِ والشربِ عليهما، فمنهم من قال: التَّشَبُّه في الأعاجِمِ.
قال: وَرُدَّ بأن هذهِ العلة تقتضي الكراهيةَ لا التحريم.
وقال بعضهم: العِلَّةُ السرفُ والخُيَلاءُ، أو كسر قلوبِ الفقراءِ وتضييقِ
стр. 1334
النقدين، وجميعُ هذه العِلَلِ بالنسبةِ إلى ما يستعملهُ الشخصُ كالأكلِ والشربِ.
أما تَحلية المساجد تعظيماً لها فليس فيه شيء من هذه العلل، وهكذا القناديل من الذهبِ والفضةِ لأن الشخص إذا اتَّخذها للمسجد لم يقصد استعمالها ولا أن يتزين بِهَا هو ولا أحد من جهته، والذي حَرَّمَ اتِّخاذها على أصح الوجهين إنَّما حَرَّمَ ذلك لأن النفسَ تدعو إلى الاستعمال المحرم، وذلك إذا كانت له، وأما جعلها للمسجدِ فلا تدعو النفسُ إلى استعمال حرام أصلاً، فكيف تَحْرُمُ وهي لا تُسَمَّى أواني؟
ورأيت الحنابلة (١) قالوا بتحريمها للمسجدِ، وجعلوها من الأواني أو مَقِيسَةً عليها، وليس بصحيحٍ، لا هي أواني ولا في معنى الأواني. انتهى.
وهذا فصل يقضي منه العجب كل العجب، قوله: (تَحلية المساجد ليس فيه شيء من هذه العلل) قول/٥٣٩ ظاهر الخلل، إذ السرف فيه أظهر من نارٍ على علمٍ، وتضييق قلوب الفقراء أوضح وأظهر، لأن المسجد محلهم ومقامهم، وينظرون إلى شيء يضيع لا ينتفع به أحد من المسلمين، وهم مُحتاجون إلى صرف حبة منها، بِخلاف ما في أَجْوُفِ (٢) البيوت والمخادع فإنه قد لا تَحصل منه هذه المفسدة العظمى، والبَلِيَّة الكبرى.
وأما تضييقُ النقدين المؤدي إلى غلاء السعرِ، وتقليلِ أسبابِ المعاملاتِ، فهذا أحدُ أسبابهِ لا يضاهيها نوع آخر من أنواع استعمال النقدين، وذلك لأنه يَبْطُلُ حكمه بالكليةِ، ولا يَجوز لأحد صرفه، ولا كسره، ولا بيعه، بل يبقى كذلك إلى أن يأتي بِزَعْمِ الشيخِ إلى صاحبهِ يومَ القيامةِ بعينهِ، ويعلَّقُ
стр. 1335
عليه في الجنانِ، هذا مِمَّا لا يليقُ بكلامِ الوعَّاظِ والقُصَّاصِ.
وقوله: (لأن الشخص الذي اتَّخذها لم يقصد استعمالها، ولا أن يتزين بِهَا، ولا أحد من جهته). فيه أن اتِّخَاذ ذلك حرام، ولا اعتبار لقصد الاستعمال وعدمه.
ثُم إنا نَمْنع أنه لم يقصد التزين بِهَا، بل قَصَدَ ذلك وتَزَيَّنَ كما قاله الشيخُ بعد: إنه أراد به لسان صدق في الآخرين، وأي تزين أعظم من ذلك.
وقوله: (ولا أحد من جهته) وكالنائب له في ذلك، والمؤتَمِرِ لأمره، والقائم مقامه.
وقوله: (كيف تحرم ولا تسمى أواني، ولا هي في معنى الأواني)؟
هذا عدمُ اطلاعٍ على معنى كلامِ العربِ، وقلةُ فهم لموضوعِ لغتهم، وهذه كتبُ اللغةِ لمنْ لا يذوقُ بنفسهِ لغةَ العربِ تشهدُ بأنَّ الآنيةَ والوعاءَ والظرفَ أخواتٌ من وادٍ واحدٍ، تَسْتَعْمِلُ العربُ كلاً منها مقامَ الآخر، ولا تفرق البَتَّة.
ولا يَختلف اثنان في أن القنديل ظرف ووعاء، وإذا ثبت ذلك فهو إناء أيضاً. وقد صح عن علي بن أبي طالب ﵁ وهو فارس ميدان البلاغة أنه اغترف الماء بكفيه، ثم قال لمولاه أبي نِيْزَر (١): (هذه أنظف آنية المرء)، فجعل الكف من الأواني.
وفي حديث آخر مرفوع: «إن لله تعالى أواني أشرفُها وأفضلُها قلوب