← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1172

المغانم المطابة في معالم طابة

الفيروزآبادي

Полный текст (1 351 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وحرص مع المشاهدة على السماع، وذلك بسؤال أهل العلم في المدينة (١)، أو العامة إن لزم الأمر، مع مكاتبة بعضهم لزيادة التوثيق (٢). أما أعلام المدينة فكان يحرص على وصفهم بدقة، ثم يتوسع في أخبارهم، فيصف أحياءهم ومساكنهم (٣). * * * _________ (١) انظر: ص ٦٦١،٦٨٢،٦٨٧، ٧٥٨. (٢) انظر: ص ٥٠٩، ٩٠٠. (٣) انظر: ص ١٣٧٦،١٣٨٦، ١٣٨٩.

стр. 37

منهج التحقيق أراد المركز أن يكون هذا الكتاب نتيجة جهود جماعية منهجية، فشكل فريق عمل من محققين متخصصين، ووضع - بالتعاون معهم - منهجاً موحداً للتحقيق، اعتمده المجلس العلمي للمركز، وقسّم المخطوط أقساماً متكاملة ووزعها عليهم ليحقق كل منهم القسم الذي عهد به إليه، وطبّق الأسلوب نفسه في المراجعة، فوزع التحقيق على مراجعين متخصصين، واستفاد من ملاحظاتهم في تدقيق العمل وتصويبه، وقام في بعض الحالات باستدراك مالم يجد المحقق فرصة لاستدراكه، وتولى التنسيق العام ومتابعة تطبيق المنهج، ليخرج الكتاب بروح واحدة، وأعد الفهارس اللازمة. وقد تضمن منهج التحقيق الأمور التالية: ١ - نسخ النص وضبطه: تم النسخ من النسخة الخطية الوحيدة للكتاب، ورجع المحققون إلى مصادر المؤلف، والكتب التي نقلت عنه، ووفقوا بحمد الله تعالى في الوصول إلى معظمها، وقابلوها مع النسخة الخطية، والتزموا بالنص الوارد في المخطوط، إلا ماثبت لهم تصحيفه وتحريفه، حيث أثبتوا الصواب في المتن، وأشاروا إلى التصحيف والتحريف في الحاشية، وقد تبين أن التصحيفات والتحريفات قليلة، وأن أكثرها في الباب الخامس. كما وثقوا النصوص المنقولة، وضبطوا الآيات والأحاديث والشعر والمفردات المشتبهة، واستفادوا من توثيق العلامة حمد الجاسر ﵀ للأماكن في القسم الذي حققه من الكتاب، وأشاروا لذلك في كل موضع أخذوا

стр. 38

منه، وبذلوا الجهد في فك الطمس المتناثر في أماكن متفرقة من المخطوط، ووفقوا في معظمه، وتداركوا مااستطاعوا تداركه من السقط والنقص، ووضعوه بين معقوفتين. ٢ - عزو الآيات القرآنية: وذلك بالإشارة إلى اسم السورة ورقم الآية فيها، مع مراعاة كتابتها بالرسم العثماني. فإن وجد تحريف أو تصحيف في رسم الآية، أو سقط، أُثبت النص صحيحاً دون الإشارة في الهامش إلى هذا الخطأ أو السقط. ٣ - تخريج الأحاديث والآثار: ضم كتاب المغانم عدداً كبيراً من الأحاديث والآثار، أكثرها مرفوع عن رسول الله ﷺ ، ورغبةً في عدم إثقال الحواشي فقد اعتمد في المنهج تخريج الأحاديث والآثار بإسلوب مختصر، فإن كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما فيكتفى بتخريجه من الصحيحين أو أحدهما، و إن لم يكن في الصحيحين أو في أحدهما، يُتوسع في دراسته للوقوف على أشهر طرقه، ثم يُحكم على السند من خلال أقوال الحفاظ في كتب التخريج، فإن لم يعثر على حكم هذا السند، يُدرس السند وتُبين علله باختصار. ٤ - ترجمة الأعلام: اعتمد في ترجمة العلم: ذكر اسمه كاملاً، وأبرز صفة اُشتهر بها، ثم العزو إلى مصادر الترجمة، مع الالتزام بعدم الإطالة، وعدم ترجمة الأعلام فائقي الشهرة. ٥ - التعريف بالمعالم: ضبطت المعالم ضبط شكل، أو ضبط حرف، وحددت أمكنتها، وذكر

стр. 39

اسمها الحديث إن كان هناك تغيير على اسمها، مع ذكر أسماء المصادر التي اعتمد عليها. ٦ - شرح الألفاظ الغريبة: اهتم المنهج ببيان معنى كل لفظ غريب، مع ضبطه، واعتمد في ذلك على القاموس المحيط للفيروزابادي، فإن لم يكن اللفظ في القاموس المحيط يُنظر في المصادر الأخرى، مثل: لسان العرب، وتاج العروس، والصحاح. أما غريب الحديث فكان على بيان معناه من كتب غريب الحديث، على هذا الترتيب: النهاية لابن الأثير، الفائق للزمخشري، غريب الحديث للهروي. ٧ - الشعر: إذا كان الشعر لشاعر له ديوان مطبوع، فيكون العزو إليه، وإلا كان العزو إلى كتب الأدب، وإن كان الشعر غير منسوب وعرف قائله فسوف يذكر اسمه في الهامش مع ذكر المصدر، وإذا ورد في النص صدر بيت الشعر أو عجزه أكمل البيت في الهامش. ويلاحظ أن المؤلف قد ذكر أبياتاً كثيرة في الشمائل والمديح، ولم يعزها لأحد، وقد بُذلت جهود كبيرة في البحث عنها دون جدوى، والظن - والله أعلم- أنها أو أكثرها- للمؤلف نفسه. ٨ - الفهارس: قام المركز بإعداد الفهارس العلمية التالية: فهرس الآيات القرآنية. فهرس الأحاديث والآثار. فهرس الأبيات الشعرية. فهرس الأماكن.

стр. 40

فهرس الأعلام. فهرس الكتب. فهرس الموضوعات. فهرس المصادر. وصف المخطوطة: اعتمد المحققون على نسخة وحيدة، أصلها محفوظ في خزانة فيض الله بإستانبول برقم:١٥٢٩، نسخها: أبو بكر أحمد بن محمد بن محمد بن فهد الهاشمي المكي، بخط نسخي معتاد، في يوم الاثنين، السابع من شوال، سنة ست وستين وثمانمائة، بمنزله في مكة المشرفة تجاه الكعبة المعظمة، يبلغ عدد أوراقها: ٢٧٣ ورقة ونصف، أي ٥٤٧ صفحة في كل ورقة ٢٥ سطراً، وقد تأثرت بعض أوراقها بالرطوبة، كما هو واضح في النموذج المرفق. في أولها تملكات لكل من: ١ - فيض الله المفتي في السلطنة العثمانية. ٢ - محمد بن أحمد بن إينال. ٣ - أحمد بن النجار الحنبلي. ٤ - عبدالكريم لولو. ٥ - عبدالرحمن الحنبلي. وعليها ختم خزانة شيخ الإسلام فيض الله أفندي بإستانبول. والملاحظ أن الناسخ توقف في بعض الكلمات، فأثبتها برسمها، ثم عَلّم عليها بحرف (ط)، وقد اجتهد المحققون في معرفة أصل هذه الألفاظ، فإن لم يتبين لهم أثبتوها على حالها مع الإشارة لذلك في الحاشية (١). _________ (١) انظر على سبيل المثال، الأوراق التالية: ق ٧ س ١، ق ١٣ س ٢، ق ٧١ س ٢٣، ق ٧٩ س ١١، ق ١٣٤ س ١٤، ٢٢.

стр. 41

ونشير هنا إلى أننا قد عثرنا في المكتبة السليمانية على جزء من نسخة أخرى من هذا الكتاب ضمن مجموع تبين لنا أنها منسوخة من نسخة فيض الله ذاتها، من الباب الأول فقط، ولايمكن الاعتماد عليها لأنها حديثة النسخ من جهة، ولكثرة مافيها من تصحيفات وتحريفات من جهة أخرى. * * *

стр. 42

تنبيه الحمد لله رب العالمين الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد: فقد اقتضى هذا التنبيه وجود بعض الحكايات والعبارات في الكتاب، غفل المؤلف ﵀ عن معارضتها لقواعد الشرع الأساسية، وهذه الحكايات والعبارات نشأت عن تجاوز الحدود الشرعية الذي وقع فيه المتأخرون من عوام الأمة، وبعض المنتسبين إلى العلم. ومجاوزة الحدود الشرعية بالزيادة يعبر عنه في نصوص القرآن والسنة بالغلوّ، والإسراف، والاعتداء. وقد توافرت النصوص على النهي عن الغلو وذمه والتحذير منه في مثل قوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل﴾ (٢). قال ابن كثير (٣) في تفسير هذه الآية: «أي: لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق ولا تطروا من أُمِرْتُم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلهاً من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديماً» انتهى. وتكرر في القرآن النهي عن الإسراف وما في معناه وذم المسرفين في أكثر من خمس وعشرين آية، كما تكرر النهي عن الاعتداء وذم المعتدين في زهاء ثلاثين آية. _________ (١) سورة النساء، آية رقم: ١٧١. (٢) سورة المائدة، آية رقم: ٧٧. (٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٨٣. ط: دار الفكر، بيروت ١٤٠١ هـ.

стр. 43

وفي النصوص الصحيحة من السنة النبوية ما يبلغ التواتر المعنوي في النهي عن مجاوزة الحدود الشرعية بالإفراط أو التفريط. وهذه العناية البالغة بهذا الأمر كانت - والله أعلم - لأمرين: الأول: إن الإنسان بطبيعته البشرية يميل إلى الغلو والإسراف، ويقع فيه ما لم يوجد لديه رادع ذاتي من الفقه بالشريعة، أو رادع خارجي ينبهه إلى تجاوزه الحد، ويحمله على الوقوف عنده. الثاني: الخطر العظيم للغلو على الشريعة عقيدة وعملاً، كما تثبت وقائع التاريخ. فالشرك إنما حدث في البشر بسبب الغلو، كما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وقالوا لا تذرنَّ آلهتكم ولا تذرنّ ودًّا ولا سواعًا ولا يغوثَ ويعوقَ ونسرًا﴾ (١) قال: «هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أنِ انصبوا إلى مجالسهم التي كان يجلسون أنصاباً وسمُّوها بأسمائهم (يعني لكي تتذكروهم فتقتدوا بهم) ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم عُبدت» (٢). وقال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوّروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. قال أحد العلماء في التعليق على هذا: «وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور ويلقي إليهم أن البناء والعكوف على القبور من محبة أهل القبور من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بها والإقسام على الله بها، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه أو يسأل بأحد من _________ (١) سورة نوح، آية رقم: ٢٣. (٢) أخرجه البخاري، في التفسير، باب: ودّاً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق، رقم: ٤٩٢٠، ٨/ ٥٣٥.

стр. 44

خلقه. فإذا تقرر ذلك عندهم دعاهم إلى دعاء المقبور وسؤاله الشفاعة من دون الله واتخاذ قبره وثناً تعلق عليه القناديل والستور، ويطاف به ويستلم ويقبل، ويحج إليه، ويذبح عنده، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيداً ومنسكاً، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم. وكل هذا مما قد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله ﷺ من تجريد التوحيد وأن لا يعبد إلا الله، فإذا تقرَّر ذلك عندهم نقلهم منه إلى أن مَن نهى عن ذلك فقد تنَقَّص أهل هذه الرتب العالية، وحطهم عن منزلتهم، وزعم أنه لا حرمة لهم ولا قدر، فغضب المشركون واشمأزت قلوبهم، كما قال تعالى ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ (١) وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادَوْا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم ونفروا الناس عنهم ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ذلك ﴿وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون﴾ (٢)» (٣) اهـ. وقال آخر عن الحجرة النبوية الشريفة: «وكانت الحجرة في زمن الصحابة يدخل إليها من الباب إذ كانت عائشة ﵂ فيها، وبعد ذلك إلى أن بنى الحائط الآخر، وكان الصحابة مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره ﷺ لا يدخلون عليه لا للسلام ولا للصلاة، ولا للدعاء لأنفسهم أو غيرهم، ولا لسؤال _________ (١) سورة الزمر، آية رقم: ٤٥. (٢) سورة الأنفال، آية رقم: ٣٤. (٣) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص: ١٧٣ - ١٧٥.

стр. 45

عن حديث أو علم، ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلاماً أو سلاماً فيظنون أنه هو ﷺ كلمهم وأفتاهم، وبيّن لهم الأحاديث، أو أنه ردّ ﵈ بصوت يسمع من خارج، كما طمع الشيطان في غيرهم فأضلهم عند قبره وقبر غيره، حتى ظنوا أن صاحب القبر يأمرهم وينهاهم ويفتيهم ويحدثهم في الظاهر، وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجاً منه، ويظنون أن نفس أبدان الموتى خرجت تكلمهم، وأن روح الميت تجسدت لهم فرأوها، كما رآها النبي ﷺ ليلة المعراج (١) اهـ. وكان أول انحراف نشأ في الإسلام ناشئاً عن الغلو في الدين حينما خرج الخوارج على الخليفة الراشد عثمان ﵁ فقتلوه، ثم خرجوا في عهد الخليفة الراشد علي ﵁ فقاتلهم، ثم قتلوه. ولما كان الغلو بهذه المثابة من الخطورة على التوحيد والإسلام وأن الطبيعة البشرية عادةً غالبةُ الميل إليه سريعة الاستجابة لدواعيه فقد كان من الطبيعي توقع أن تقع هذه الأمة في الغلو وتصيبها آثاره شأن الأمم السابقة، لذا فإن النبي ﷺ -وقد أرسله الله رحمة للعالمين وكان يعز عليه ما يعنت أمته ويحرص على وقايتها من الأخطار التي تهددها- رؤوف رحيم بالمؤمنين، لذلك كان ﷺ أشد ما يكون حرصاً على تحذير أمته من الغلو في شخصه الكريم، فبالإضافة إلى إبلاغه ما أمر بإبلاغه من القرآن من مثل قوله تعالى: ﴿قلْ إنَّما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إليَّ أنَّما إلهكم إلهٌ واحدٌ فمنْ كان يرجو لقاءَ ربه فليعملْ عملاً صالحاً ولا يشركْ بعبادة ربه أحداً﴾ (٢)، وقوله: ﴿قلْ لا أقولُ لكم عندي خزائنُ الله ولا أعلم الغيبَ ولا أقولُ لكم إنِّي ملكٌ﴾ (٣)، وقوله: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرّاً إلا ما شاءَ الله ولو كنتُ أعلم الغيبَ _________ (١) المصدر السابق ص: ١٩٣. (٢) سورة الكهف، آية رقم: ١١٠. (٣) سورة الأنعام، آية رقم: ٥٠.

стр. 46

لاستكثرتُ من الخير وما مسَّنيَ السوءُ﴾ (١)، وقوله: ﴿قلْ إنَّما أدعو ربي ولا أشرك به أحدًا. قلْ إنِّي لا أملكُ لكم ضرًا ولا رشدًا. قلْ إنِّي لن يجيرني من الله أحدٌ ولن أجدَ من دونه ملتحدًا إلا بلاغاً من الله ورسالاته﴾ (٢)، وقوله ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين. وإن يمسسك الله بضرٍّ فلا كاشفَ له إلا هو وإن يردْك بخيرٍ فلا رادّ لفضله﴾ (٣). فبالإضافة إلى هذا كان في أمره ونهيه وتأديبه لأصحابه أشد ما يكون حرصاً على حماية جانب التوحيد، وتنبيهاً إلى التحذير من الغلو الذي يقدح فيه، فمن ذلك: الحديث الصحيح عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (٤). وفي صحيح مسلم عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا (٥). قال الإمام النووي في شرحه: «المتنطعون أي: المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم» (٦) اهـ. وفي صحيح البخاري عن عمر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله _________ (١) سورة الأعراف، آية رقم: ١٨٨. (٢) سورة الجن، آية رقم: ٢٠، ٢١، ٢٢، ٢٣. (٣) سورة يونس، آية رقم: ١٠٦، ١٠٧. (٤) أخرجه النسائي في المناسك، باب التقاط الحصى، رقم: ٣٠٥٧، ٥/ ٢٦٨، وابن ماجه في المناسك، باب قدر حصى الرمي، رقم: ٣٠٢٩، ٢/ ١٠٠٨، والحاكم ١/ ٤٦٦، والبيهقي ٥/ ١٢٧، وغيرهم. … صححه النووي في المجموع ٨/ ١٧١. (٥) أخرجه مسلم في العلم، باب هلك المتنطعون، رقم: ٢٦٧٠، ٤/ ٢٠٥٥. (٦) صحيح مسلم بشرح النووي ١٦/ ٢٢.

стр. 47

ورسوله» (١). قال أبو السعادات: «الإطراء مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه». وأخرج أبو داود عن أبي هريرة ﵁: «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليّ فإنّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٢). وفي المختارة (٣) عن علي بن الحسين أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال: «ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ ؟ قال: لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً وصلوا عليّ فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» (٤). وفي الصحيحين عن عائشة وعبد الله بن عباس ﵄ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال: وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا (٥). ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً. _________ (١) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها﴾، رقم: ٣٤٤٥، ٦/ ٥٥١. (٢) أخرجه أبو داود في المناسك، باب في الصلاة على النبي ﷺ وزيارة قبره، رقم: ٢٠٣٥، ٢/ ٥٤٠. (٣) الأحاديث المختارة ٢/ ٤٩. (٤) أخرجه عبدالرزاق ٣/ ٥٧٧ (٦٧٢٦)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٥،٣/ ٣٤٥، وأحمد ٢/ ٣٦٧، وغيرهم. (٥) أخرجه البخاري في الصلاة، باب ٥٥، رقم: ٤٣٥، ٤٣٦، ١/ ٦٣٣. ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، واتخاذ الصور فيها، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، رقم: ٥٣١، ١/ ٣٧٧.

стр. 48

وروى مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبَد، اشتدَّ غضبُ الله على قومٍ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١). وعن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: قال أبي: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ ، فقلنا: أنت سيدنا، فقال: «السيد الله ﵎»، قلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً، فقال: «قولوا بقولكم» أو «بعض قولكم ولا يَسْتَجْريكم (٢) الشيطان» (٣). وعن ابن عباس ﵁ أن رجلاً قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، فقال له النبي ﷺ : «أجعلتني لله عَدْلاً، بل ما شاء الله وحده» (٤). وما زال السلف الصالح على منهج الرسول ﷺ من الحذر من الغلو وآثاره والتحذير منه. قال ابن وضاح (٥): «سمعت عيسى بن يونس يقول: أمر عمر بن الخطاب ﵁ بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ ، فقطعها؛ لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة». وقال المعرور بن سويد: «صليت مع عمر بن الخطاب ﵁ بطريق مكة صلاة الصبح، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهب هؤلاء، فقيل: يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فهم يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعاً، فمن أدركته الصلاة في المساجد فليصل ومن لا فليمض ولا يتعمدها» (٦). _________ (١) أخرجه مالك في قصر الصلاة في السفر، باب جامع الصلاة، رقم: ٨٥، ١/ ١٧٢. (٢) قال في النهاية ١/ ٢٦٤: أي لايستغلبنكم، فيتخذكم جَرياً: أي رسولاً ووكيلاً. (٣) أخرجه أبو داود في الأدب، باب كراهية التمادح، رقم: ٤٧٧٣، ٥/ ١٧٢. (٤) أخرجه ابن ماجه، في الكفارات، باب النهي أن يقال ماشاء الله وشئت، رقم:٢١١٧، وأحمد ١/ ٢١٤ - ٢٢٤، والبيهقي ٣/ ٢١٧. وغيرهم. … قال في الزوائد: في إسناده الأجلح بن عبدالله، مختلف فيه، وباقي رجال الإسناد ثقات. . (٥) في كتابه: البدع والنهي عنها، ص ٨٨. (٦) رواه ابن وضاح في كتاب البدع والنهي عنها، من عدة طرق عن المعرور بن سويد، بإسناد صحيح، ص ٨٧،٨٨.

стр. 49

وسبق حديث علي بن الحسين ﵁. وعن سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، قال: هلم إلى العشاء. قلت: لا أريده، قال: مالي رأيتك عند القبر. قلت: سلمت على النبي ﷺ قال: إذا دخلت المسجد فسلم ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: لا تتخذوا قبري عيداً ولا تتخذوا بيوتكم مقابر وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء» (١). وبالرغم من ذلك فإن قدر الله نافذ، وقد وقع متأخرو الأمة فيما خاف عليهم نبيهم ﷺ والسلف الصالح، فبالغوا في إطرائه ﷺ حتى نسبوا إليه ما هو من خصائص الإلهية بل ما هو من صفات الربوبية، وشابهوا النصارى فيما نسبوه للمسيح، فورد في بعض الصلوات المخترعة (الصلاة على محمد عين الذات) ونسبوا إليه إنه قال: أنا أحمد بدون ميم، وكثر ذلك لا سيما في أشعار المدائح واعتادوا طلب الشفاعة منه ﷺ ودعاءه والاستغاثة به عند الملمات، واستندوا في ذلك إلى حكايات ومنامات بل واعتقدوا مثل هذه الاعتقادات فيمن هو دون رسول الله ﷺ من الصالحين أو ممن يظنونهم صالحين، فنسبوا لهم علم الغيب والتصرف في الكون وأن أرواح المشايخ حاضرة تعلم. قال الشيخ صنع الله الحنفي ﵀: «قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفاً في حياتهم وبعد مماتهم، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات وهممهم تكشف الملمات فيأتون قبورهم وينادون في قضاء الحاجات، وجوزا لهم الذبائح والنذور. _________ (١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٥ و ٣/ ٣٤٥ وعنه أبو يعلى في مسنده، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ ، رقم:٣٠، ورواه الضياء المقدسي في المختارة ١/ ١٥٤.

стр. 50

قال: «وهذا كلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز، ومخالفة لعقائد الأمة، وما اجتمعت عليه الأمة. فأما قولهم: إن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات فيرده قوله تعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ (١) و ﴿ولله ملك السموات والأرض﴾ (٢) ونحوها من الآيات الدالة على أنه المتفرد بالخلق والتدبير والتصرف والتقدير، ولا شيء لغيره في شيء ما بوجه من الوجوه، فالكل تحت ملكه وقهره تصرفا وملكا وإحياء وإماتة …» إلى أن قال: وأما القول بالتصرف بعد الممات فهو أشنع من القول بالتصرف في الحياة، قال جل ذكره: ﴿إنك ميّت وإنهم ميّتون﴾ (٣) و ﴿كلّ نفس ذائقة الموت﴾ (٤)، وفي الحديث: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء … » (٥). جميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت وإن أرواحهم ممسكة وإن _________ (١) سورة الأعراف، آية رقم: ٥٤. (٢) سورة آل عمران، آية رقم: ١٨٩. (٣) سورة الزمر، آية رقم: ٣٠. (٤) سورة آل عمران، آية رقم: ١٨٥. (٥) من حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعاً: … أخرجه مسلم، في الوصية، باب مايلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، رقم:١٦٣١. وأبوداود، في الوصايا، باب في الصدقة عن الميت، رقم:٢٨٧٢،٣/ ٤٠١، والترمذي، في الأحكام، باب في الوقف، رقم:١٣٧٦.

стр. 51

أعمالهم منقطعة فدل ذلك على أنه ليس للميت تصرف في ذاته فضلاً عن غيره فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره، فالله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون إن الأرواح مطلقة متصرفة ﴿قل أأنتم أعلم أم الله﴾ (١). وأما قولهم: يستغاث بهم في الشدائد فهذا أقبح مما قبله؛ لمصادمته لقوله جل ذكره: ﴿أمّن يجيب المضطرّ إذا دعاه ويكشف السّوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإلهٌ مع الله﴾ (٢)» اهـ باختصار. ومع الأسف الشديد أن مثل هذه الأوهام والمعتقدات الخاطئة تسربت إلى عقول كثير من عوام المسلمين، حتى كادت تكون اتجاها عاماً، فلم يسلم منها حتى عدد من المنتسبين للعلم الشرعي، شأن كل الاتجاهات الفكرية العامة، التي يهرم عليها الكبير وينشأ عليها الصغير. وقد تأثر الفيروزابادي مؤلف هذا الكتاب بعض التأثر بما يشاع في عصره من ذلك، وتعرض لقضية كانت مثار جدل كبير هي قضية حياته ﷺ في قبره التي يعتقدها المسلم من حيث طبيعة هذه الحياة أهي حياة برزخية، الله أعلم بكيفيتها وآثارها، أم هي حياة عادية كالتي كان يحياها قبل موته. ومع أن هذه القضية خارجة عن موضوع كتاب «المغانم المطابة» فإنه حشرها حشراً في فقرة كاملة من فقرات الفصل الأول، وحشد لها شواهد عجيبة لا تتفق مع أي منهج علمي. هذه الشواهد حكايات منقولة عن بعض المجاورين والأعراب في عصره، معظمها منامات تتضمن في الغالب أن الشخص لجأ إلى قبره _________ (١) سورة البقرة، آية رقم: ١٤٠. (٢) سورة النمل، آية رقم: ٦٢.

стр. 52

صلى الله عليه وسلم وشكا إليه حاجته واستغاثه، فجاءه بعد ذلك رجل من أهل البيت يلبي طلبه. وفي إحدى الروايات، وهي أغربها، ينام السائل عند قبره ﷺ بعد أن يستغيث به فيرى في منامه الرسول ﷺ يعطيه النقود فيستيقظ ويجدها في يده. وكل هذه الحكايات من الشائعات التي تدور عادة في أوساط العامة ولا سند لها، ولم تخضع للمراجعة أو التحقيق، ولكنها تحظى بتصديق العامة عادتهم في تصديق الغرائب، والغرام بروايتها كما لو كانت حقائق. وقد غفل المؤلف ﵀ عن أن مثل هذه الحكايات التي لو صحت نسبتها عن من رويت عنه، فإن المنامات كما قرر علماء الأصول لا تصلح دليلاً في الأحكام الشرعية، فضلاً عن أنها حتى لو اعتبرت دليلاً فلا يمكن أن تعارض بها الأدلة من النصوص الشرعية، فضلاً عن أن يعارض بها القواعد الشرعية الأساسية، التي يقوم عليها بناء التوحيد وما يجب لله من حقوق. ويتضح لك معارضة هذه الحكايات لعقيدة التوحيد إذا تصورت أنه لا يتم التصديق بهذه الحكايات إلا باعتقاد أن النبي ﷺ حاضر ناظر يجيب المضطر إذا دعاه ويسمع دعاء المحتاج وشكواه، وما اتخذ الناس مريم إلها من دون الله إلا بمثل هذا الاعتقاد. وبالإضافة إلى عنايته بهذه الحكايات فقد وردت في الكتاب عبارات قليلة متناثرة، ظاهر ألفاظها الغلو في شخص الرسول ﷺ ، وقد تأثر فيها بما شاع في عصره. ولعل عذره ﵀ أنه كان عالم لغة، أما باعه في الحديث والفقه فهو كما وصفه تقي الدين محمد بن أحمد الحسني الفاسي بقوله: «وكانت له بالحديث عناية

стр. 53

غير قوية، وكذا بالفقه» (١). ويؤيد ما ذكره الفاسي وجود الأحاديث الضعيفة والموضوعة في كتابه كما سيلاحظ القارئ. وقد وقع التردد في نشر الكتاب بسبب هذه الحكايات والعبارات المنكرة لأمرين: ١ - ما تدل عليه النصوص من كراهية النبي ﷺ الشديدة لصيغ من الإطراء هي أقل مما يدل عليه ظاهر العبارات التي أشرنا إليها، فينبغي لكل مسلم صادق المحبة لرسول أن يكره ما يكرهه. وما تضمنته الحكايات التي أشرنا إليها من نسبة أقوال أو أفعال يقطع بكذبها إلى النبي ﷺ ، وقد علم ما ورد في ذلك من الوعيد الشديد. ٢ - خشية اغترار بعض القراء الذين ينقصهم الفقه في الدين والاطلاع على النصوص بتلك العبارات والحكايات. إلا أنه بعد الاستخارة رأينا من المصلحة أن لا نحجب هذا السفر الضخم الهام من تراث المدينة المنورة، وأن لا نحرم الدارسين ومحبي المدينة المنورة من الاطلاع عليه، وفي الوقت نفسه أن ننبه إلى خطأ إيراد تلك العبارات والحكايات، ووجه معارضتها لقواعد الشرع الحنيف ونصوص القرآن والسنة، موقنين بأن من قصده الحق، سيكون له في ما ذكرنا عاصم من الاغترار بتلك الحكايات والعبارات. ونسأل الله أن يسدد خطانا ويلهمنا الصواب في القول والعمل. وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم،،، _________ (١) العقد الثمين: ٢/ ٣٦٤.

стр. 54

* لزيادة الإيضاح في موضوع هذا التنبيه يمكن القارئ الرجوع إلى: -رسالة الإمام الشوكاني بعنوان «الدرّ النضيد في إخلاص كلمة التوحيد»، القاهرة، إدارة الطباعة المنيرية ١٣٤٣ هـ. -رسالة الإمام الصنعاني بعنوان: «تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد»، تعليق إسماعيل الأنصاري ط ٢، الرياض، مؤسسة النور، ١٣٨٩ هـ. -رسالة المقريزي بعنوان: «تجريد التوحيد المفيد»، تحقيق: محمد بن عبد الرحمن أبو سيف، المدينة المنورة، ١٤١٨ هـ. -رسالة الإمام محيي الدين البركوي الحنفي بعنوان: «زيارة القبور الشرعية والشركية». -ترجمة الشيخ أبي الحسن الندوي لكتاب «تقوية الإيمان» للإمام الشهيد إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي بعنوان: «رسالة التوحيد».

стр. 55

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلَّى الله على سيدِنا محمدٍ وآله وصحبه وسلَّم، ربِّ يَسّر وأعنْ يا كَريمُ. الحمدُ للهِ الذِي شَرَّفَ بَلَدَ حبيبه وأَطَابَهُ، وأَنَافَ على سائر البُلْدانِ نِطَابَهُ (١)، ورفع فيه مِنبرَه ونَصَبَ فِيهِ مِحْرَابَه، وَأَوْجَهَ بِهِ مِنَ الْبَيْتِ العَتِيقِ حِجْرَهُ ومِيَزابَه، وأمطر على نَالَتِهِ (٢) من جزيل نَالِهِ (٣) أدرَّ سَحَابَه، وضاعف لمن ثَوَى فيه من عظيم فضله ثَوَابَه، وجعل [دواءَ (٤)] الآلام طِينَه وشِفَاءَ الأسقامِ تُرابَه (٥)، وأترع من جَوْد (٦) جُودِ سِرِّ الوجود (٧) عِرَاصَه (٨) ورِحَابَه، وأمْرَعَ (٩)

стр. 56

به كُؤُوسَه وأكْوَابَه، وكسى أَهْلَه أَرْدِيَةَ الفَضْلِ وَأَثْوَابَه، ودَرَّعَهم (١) سوابغَ الشَّرَفِ وجِلْبَابَه، وفتح لهم من جزيل الخيِر أبْوابَه، وذلَّلَ لهم مِنْ جَمِيلِ الْبِرِّ صِعَابَه. والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَاكِنِهِ محمّدٍ الذي تَوَّجَه اللهُ حُلَّتَه وجِلبابَه، أرسلَه والخلقُ تَعْبدُ من دون الله أنْصَابَه (٢)، فلم يزلْ يَقتحِمُ من النُّصْح في الله عِقابَه (٣)، ويُنذِرُ الناسَ بَأْسَ اللهِ وعِقابَه (٤)، حتى قطع ظُفُر الكفرِ ونابَه، ونطق من جوامع الكلمِ بِما أفحمَ به فرسانَ الخطابة، فجلا (٥) بِبيانِه خواطرَ الخلقِ وأَلْبابَه (٦)، وجرى في مَيْدان السِّباق فلم يُلْحق شَأْوُه (٧) حتى جابَه (٨)، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحابته أشرفِ آل وأكرمِ صحابَة، من كل غضَنْفرٍ في الوَغَى (٩) إلى ما ينزل من الوثَّابَةِ (١٠)

стр. 57

وثَابَه (١). وبعد، يقول المُلتْجِئُ إلى حرَمِ الله تعالى محمدُ بنُ يعقوبَ بنِ محمدٍ الفيروزاباديُّ-منَّ الله تعالى عليه بالإنابة، ولا قَوَّضَ (٢) له من ساحة الحرمينِ أقْتَابَهُ (٣)، ووطَّدَ به أوتادَ سُكْناه وأطْنابَه (٤)، فالنفع ضُرٌّ إلا لمن قصد بابَه، والعيشُ مُرٌّ إلا لمن حلَّ أعتابَه (٥) -: إِنِّي لَمَّا شَرُفْتُ في عام اثنين (٦) وثَمانين (٧) بِجوارِ من شَرَّفَ الله جَنَابَه، تجدَّدَ نَظَري فيما وُضِعَ على ذِكْرِ معالمِ المدينةِ من تعليقٍ وكتابة، فلم أرَ كتاباً حاوياً يَجمع من تاريخِ البلدِ الكريمِ صُيَابَه (٨)، فذهبتُ إلى وَضْعِ كتابٍ جامعٍ لما ذَهَبَ في كُتبِ المتقدمين بَدَداً (٩) مُتجنِّباً إطنابَ القولِ وإسهابَه، وإنَّما

стр. 58

أُثْبِتُ من كُلِّ فَصْلٍ لُبَابَه، وَأَذْكُرُ البلدَ الكريمَ وفضلَهُ وتَطْيابَه (١)، وأُتْبِعهُ المسجدَ المقدَّسَ ومنبرَهُ ومِحرابَه، وعُمُدَه وأبوابَه، وحَصْباءه وعَدَابه (٢)، وغَرْسه وعَراءه (٣)، وعِرَاصَ الحرَم وأعْرَاضَهُ (٤)، وحِرارَه (٥) ولابَه (٦)، وآطامَه (٧) وآكامَه (٨) وأعلامَه (٩) وأوداءَه (١٠) وشِعَابَه (١١)، وأُوفِي كُلاًّ من تَحرير اللفظِ وتبيينِ المعنى حِسَابَه، وأُصَحِّحُ بالبيان الصَّحيحِ أنْسَابَه، حتى أجْلُوَ (١٢) من حنادس (١٣) التحريف/٢ والتَّصحيفِ ضَبَابَه (١٤)، وأَدُلُّ على لاحِبِ (١٥)

стр. 59

التَّحقيقِ حائرَه ومُرْتابَه، وأُمَيِّزُ بتوفيق الله الكريم خَطَاءهُ (١) وصوابَه، وأَمْلأُ من الفرائدِ الأنيقةِ والفوائدِ الرشيقةِ وِطَابَه (٢)، وأُعْلِي من الكَلِمِ الطَّيِّبِ خِطَابَه، وأُطَيِّبُ بعبِير حُسن التعبير ذَيْلَه (٣) وقِطَابَه (٤)، وأُسَمِّيهِ: «المغانِمَ المُطابَةِ، في مَعَالِمِ طَابَة» بِجاه نبيهِ (٥) العظيمِ الذي ما سَأله إلا أجابَه، أنْ يَجعله خالصاً لوجهِهِ جالباً أسباب السَّعادَةِ والنَّجَابَة، وأن ينفعَ به رُوَّامَ (٦) العلمِ وطُلاّبَه، وهو سبحانَهُ وليُّ القَبُولِ وَوَليُّ الإجَابَة. البابُ الأولُ: في فضلِ الزيارةِ الشَّريفةِ، وآدابِها، وبيان وجوبِها (٧)،

стр. 60

وتأكُّدِ استحبابِها، وذكر شيء من لطائِفها وأسرارها، والحضِّ على صَبْر الزائرين على لأْوائِها أيامَ جوارِها. البابُ الثاني: في تاريخِ البلدِ المقدَّسِ، وذِكْرِ مَنْ سَكَنَهُ أوَّلاً مِن التَّتَابِعَةِ والعماليقِ، وهَلُمَّ جَرّاً، إلى أن فتحَ اللهُ تعالى بالقرآنِ لنبيهِ الكريمِ ما كانَ فيها من المغاليقِ. الباب الثالث: في ذِكْرِ أسماء المدينةِ المُقدَّسةِ ومعانِيها، وبيان اشتقاقِ ألفاظِها مِنْ مصادِرِها ومبانِيها. الباب الرابع: في الفضائل المأثورة، وذِكرِ ما رُوِّينا من الأحاديث والآثار في فَضْلِ كّلِّ واحدٍ واحدٍ من الأماكنِ المذكورةِ. البابُ الخامس: في ذكر أماكنِ المدينةِ، ومساكنِها، ونُزُلِها (١)، وذُرَاها (٢)، ومساجِدِها، ومشاهِدِها، ودورِها، وقصورِها، ومناظرِها، ومقابرِها، ومزارعِها، ومواضعِها، وجبالِها، وتلالِها، وسِبَاخِها (٣)، ورمالِها، وطَسَاسِيجِها (٤)، وأعمالِها، وعِرَاصِها، وأخْصَاصِها (٥)،

стр. 61

وغِيَاضِها (١)، وأعراضِها، وآطامِها، وآكامِها، وأوديتِها، وأنديتِهَا، وعُيونِها، وضُبُونِها (٢)، وقَنَواتِها (٣)، وصَنَواتِها (٤)، وآبارِها، وأنْهارِها، ومساحاتِها، ومسافاتِها، ومراحِلِها، ومناهلِها (٥)، وتِلاعِها (٦)، وقِلاعِها. الباب السادس: في ذِكْرِ جماعةٍ ممن أدركناهم بالمدينةِ، أو ذَكَرَ لنا أشياخُنا المدنيون وغيرُهُم أنَّهُم أدركوهم بها، على اختلاف طبقاتِهم، وتبايُنِ درجاتِهم، من السَّاداتِ الأولياء، والأئمةِ العلماء، والأكابر الفضلاء، والحُكَّامِ الكُبراء، والفقهاءِ القُرَّاء، والأشرافِ الأمراء، والعُبَّادِ الصُّلحاء، والخُدَّامِ النُجَبَاء، والمؤذِّنينَ الأُمَناءِ، مسْتوفياً على ترتيب حروفِ الهجاءِ. وقد ذكرتُ في هذا الباب جماعةً ممن لهم بالمدينةِ آثارٌ صالحةٌ وإِنْ /٣ لم يساكنوا أهلها، ولهم بِها مَبرَّاتٌ جاريةٌ وإن لم يَطَؤوا حَزْنَهَا (٧) وسَهْلَها، كذِكْري (٨) للملكِ المطاع، والسُّلطانِ الرُّواَعِ (٩)، وخاقانِ (١٠) خواقينِ البسيطةِ

стр. 62

بلسانِ الإجماع، جلال الدين والدنيا أبي الفوارسِ شَاه شُجاع (١)، وكذِكْري (٢) للجوادِ الرَّباني، جمالِ الدِّين الأصبَهاني (٣)، والسلطانِ السَّعيدِ تقيِّ الدِّينِ الشَّهيدِ (٤)، وأضرابِهِم ممن شَغُفَ بإسداءِ الإحسانِ إلى قاطني تُربتِها، وأولعَ بإسبالِ أذيالِ الامتنانِ إلى واطني رحبتِها، فشمل كتابي بذلك الخصوصَ والعمومَ، وأصبح بحمد الله تعالى كالبدرِ في التَّمامِ والبحرِ في الطُّموم (٥)، واللهُ يقول الحقَّ وهو يهدي السبيلَ. * * *

стр. 63

الباب الأول: في فضل الزيارة الشريفة وآدابِها، وبيان وجوبِها (١) وتأكُّدِ اسْتحبابِها، وذكر شيء من لطائفِهَا وأسرارِهَا والحضِّ على صبرِ الزائرينَ على لأوائها أيام جوارِهَا. اعلم أن زيارة سيد الأولين والآخِرين ﷺ ، والسَّلامَ عليه عند قبرِهِ من القُرُبَاتِ (٢) التي لا يرتابُ فيها مَن منحه اللهُ تعالى فِطرةً سليمةً وقريِحةً مُستقيمةً من المسلمين.

стр. 64

ونَحنُ قد كُنّا في غِنَىً عن إقامةِ حُجَّةٍ وإتيانِ برهانٍ، وتقييدِ دليلٍ على هذا الأمر البيِّنِ الوَضَّاحِ، المتَبلِّجِ غُرَّةَ شأْنِه تبلُّجَ (١) أساريرِ الصباحِ، لولا شبهةٌ مَحَنَ اللهُ تعالى بِها بعضَ المتأخرينَ، من الفضلاءِ المُبرِّزينَ (٢) حتى صرَّحَ بعدمِ جوازِ شَدِّ الرَّحْلِ للزيارة الشريفة، وصَنَّفَ في ذلك مصنَّفاً، لكن جعل لِرَشْقِ الصَّواب من كنائِنِ (٣) الضَّغَائِنِ هدفاً؛ فلأجل ذلك لوَّحنا إلى نُبَذٍ من واضحاتِ دلائِلِ الزِّيارةِ، واكتفينا عن مبسوطِ الكَلِمِ ومنشورِ الحِكَم في كل فصل بإشارة، فنقول: تَعظيمُ مَنْ عظَّمَ اللهُ قَدْرَه وَاجِبٌ بدليلِ القرآنِ، والسُّنَّةِ، والإجماعِ، والقياسِ: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيرٌ له﴾ (٤). وقال : ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ (٥). وقال جل وعلا: ﴿إنَّه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ (٦). وقال ﵎: ﴿فإذَا سَوَّيتُه وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (٧).

стр. 65

وقال جَلَّتْ عَظَمَتُهُ: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإنَّهِا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ﴾ (١)، والنبيُّ ﷺ أعظمُ شعائر الله تعالى. وقال عزَّ مِنْ قائل: ﴿يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ باِلقَولِ﴾ (٢). وقال : /٤ ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُم كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضَاً﴾ (٣). وقال جلَّتْ عظمتُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيينَ﴾ الآية (٤)، تفسيره في حديث علي ﵁: «لم يَبعثِ اللهُ تعالى نبياً، آدمَ فَمَنْ بَعْدَهُ، إلا أخَذَ العهدَ في محمد ﷺ ، لئِن بُعِثَ وهو حي ليؤمِنَنَّ به ولينصرَنَّهُ» (٥). وقد صرَّحت الآياتُ بإلزامِ الأنبياء قاطبة التعظيمَ له جُملةً وتفصيلاً. وفي حديثٍ رجالُه على شرطِ الشيخينِ، عن ابن عباس ﵄: «أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇: يا عيسى، آمِنْ بِمحمدٍ، وَمُرْ مَنْ أدركَهُ من أُمَّتِكَ أن يؤمنوا به، فلولا محمدٌ ما خَلَقْتُ آدَمَ، ولولا محمدٌ ما

стр. 66

خلقتُ الجنَّةَ والنَّارَ، ولقد خلقتُ العرشَ على الماءِ، فاضطربَ، فكتبتُ عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فَسَكَنَ بِهِ» (١). ورُوِّينا بسند صحيح، من حديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لما اقترفَ آدمُ ﵇ الخطيئَةَ قال: يا رب، أسألُكَ بِحقِّ محمدٍ لَمَا غَفرتَ لي. فقال اللهُ تعالى: يا آدمُ، كيفَ عرفتَ مُحمداً ولم أخلُقْه؟ قال: يارَبِّ، لأنَّكَ لما خَلَقْتَنِي بيدكَ، ونفخْتَ فِيَّ من روحِكَ، رفعتُ رأسي، فرأيتُ على قوائمِ العرشِ مكتوباً: لا إله إلا الله، محمدٌ رسولُ اللهِ، فعلمتُ أنَّكَ لم تُضِفْ إلى اسمكَ إلا أحبَّ الخلقِ إليكَ، فقال اللهُ تعالى: صدقتَ يا آدمُ، إنه لأحبُّ الخلقِ إليَّ، إذ سألتني بِحَقِّهِ فقد غفرتُ لك، ولولا محمدٌ ما خَلَقْتُكَ». إسناده (٢) وجاء في حديثٍ آخَر: «أما تَرْضَونَ أن يكونَ إبراهيمُ وعيسى فيكم يومَ

стр. 67

القيامةِ؟ أما إبراهيمُ فيقول: أنت دعوتي، فاجعلني في أُمَّتِكَ» الحديث (١). وفي حديثٍ آخَر: «أنَّ موسى ﵇ نَاجَى رَبَّهُ، قال: اللهم اجعلني مِنْ أُمَّةِ محمدٍ» (٢). وفي الصحيحِ: «لو كان موسى حيَّاً ما وَسِعَهُ إلا اتِّباعِي» (٣). وفي لفظ: «لو كان موسى وعيسى حَيَّيْنِ». وحديثِ ابن عباس ﵄، يَرْفَعُه: «أنا أكرم الأوَّلِينَ والآخِرينَ ولا فَخْر» (٤). وحديثِ أنس ﵁: «أنه أُتِيَ بالبُرَاقِ ليلةَ الإسراءِ، فاسْتصْعَبَ عليه، فقال له جبريل ﵊: أبِمُحَمَّدٍ تفْعلُ هذا! فما رَكِبَكَ أحدٌ

стр. 68

أكرمُ على الله تعالى منه، فَارْفَضَّ عَرَقَاً» (١). وحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: «أنَّ الله تعالى فضَّلَ محمداً على أهل السَّماءِ وعلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قالوا: فما فضله على أهل السَّماءِ؟ قال: إن الله تعالى قال لأهل السَّماءِ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُم إِنِّي إلهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية (٢). وقال لمحمد ﷺ : ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ (٣) الآية. قالوا: فما فضلُهُ على الأنبياء؟ قال: إن الله تعالى قال: ﴿وَمَا أرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَومِهِ﴾ (٤). وقال لمحمد ﷺ : /٥ ﴿وَمَا أرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً للنَّاسِ﴾ (٥). وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: على باب الجنَّةِ مكتوبٌ: «إني أنا الله، لا إله إلا أنا، محمد رسول الله، لا أعُذِّبُ من قالها» (٦). ووجد على الحجارة القديمة مكتوب: محمدٌ تقيٌّ مُصلحٌ سيِّدٌ أمينٌ (٧).

стр. 69

وحكى القاضي عياض (١)، عن السِّمِنطاري -بكسر السين المهملة- نسبةً إلى قرية بِجزيرة صِقِلِّية (٢)، وقيل هو الذَّهبي بلسان أهل المغرب (٣)، وهذا السِّمِنطاري: أبو بكر عتيق بن علي بن داود السِّمِنطاري (٤)، أَحَدُ عُبَّادِ الجزيرة المجتهدين، وزُهَّادِها العاملين، له كتاب في الرَّقَائِقِ في نِهاية الملاحة، عشر مجلدات كبار، لم يُسبق إلى مثله، ذَكَرَ فيه أنه شاهد بِخُرَاسَانَ مَولوداً وُلِدَ وعلى أحد جنبيه مكتوبٌ: لا إله إلا الله، وعلى الآخر: محمد رسول الله (٥). وذكر الأخباريون أن ببلاد الهندِ ورداً أحمرَ مكتوب عليه بالأبيض: لا إله إلا الله، محمد رسول الله (٦). وحكى النَّقَّاشُ (٧): أن النبي ﷺ لما نَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ لَكُم أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أنْ تَنْكِحُوا أزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبَدَاً﴾

стр. 70

الآية (١). قام خطيباً، فقال: «يا معشرَ أهلِ الإيمانِ، إن الله تعالى فضَّلَنِي عليكم تفضيلاً، وفضَّلَ نسائي على نسائكم تفضيلاً» (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «إن الله تعالى نظر إلى قلُوب العباد، فاختار منها قلبَ محمدٍ ﷺ ، فاصطفاهُ لنفسِهِ، فبعثَهُ برسالتِهِ» (٣). وَرَوَيْنَا فيما حدَّثَنِي به جماعةٌ بِثَغْرِ الإسكندريَّةِ قراءةً منِّي عليهم بسنَدٍ صحيحٍ عن عطاءِ بن يسارٍ (٤) قال: لقيتُ عبدَ الله بنَ عمرو بنِ العاص (٥) ﵃ (٦)، فقلت: أخْبِرْنِي عن صِفَةِ رسولِ الله ﷺ . فقال: أجل، والله إنه لموصوفٌ في التَّوراةِ ببعض صفته في القرآنِ: «يَا أيُّهَا النَّبِي إنا أرسلناك شاهداً ومبشِّراً ونذيراً، وحِرْزاً للأُمِّيينَ، أنتَ عبْدي ورسولي، سمّيتُك المتوكِّل، ليس بفَظٍّ ولا غليظٍ ولا سَخَّابٍ في الأسواقِ، ولا يدفَعُ بالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولكنْ يعفو ويغفر، ولن يَقْبِضَه الله تعالى حتَّى يُقيمَ به الملَّةَ العوجاءَ، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعيناً عُمْياً، وآذاناً صُمّاً، وقُلُوباً غُلْفاً» (٧).

стр. 71

وفي لفظٍ من عند ابن إسحاق (١): ولا صَخَّابٍ في الأسواقِ ولا مُنْبَرٍ (٢) بالفحشِ ولا قَوَّالٍ للخَنَا، أسدِّدُه بكلِّ جميلٍ، وأهَبُ له كلَّ خُلُقٍ كريمٍ، ثم أجعلُ السَّكِينَةَ لباسَه، والبِرَّ شعارَه، والتَّقوى ضميرَه، والحكمةَ معقولَه، والصِّدقَ والوفاءَ طبيعتَه، والعَفْوَ والمعروفَ خُلُقَه، والعدلَ سيرتَه، والحقَّ شريعتَه، والهدى إمامَه، والإسلامَ مِلَّتَه، /٦ وأحمدَ اسمَه، أَهْدِي به بعد الضلالةِ، وأُعَلِّمُ به بعد الجهالةِ، وأرفع به بعد الخمالةِ، وأُسَمِّي به بعد النُّكْرةِ، وأُكْثِرُ به بعد القِلَّةِ، وأُغْني به بعد العَيْلَةِ (٣)، وأجمع به بعد الفُرْقةِ، وأُؤلِّفُ به بين قلوب مختلفةٍ، وأهواء مشتَّتةٍ، وأُمَمٍ متفرقةٍ، وأجعلُ أُمَّتَهُ خير أُمَّةٍ أُخرجتْ للنَّاسِ. فانظر إلى هذه الآيات والأحاديث، وتفطَّنْ لما تتضمنُ من تعظيم خُلاصة الوجودِ، والتَّعريفِ بقَدْرِ نُخْبَةِ هذا العالم الموجودِ، ففيما تلوناه عليك نِهايةُ المدح والتعظيم والتَّبجيل، وإيِجابٌ لفعل ذلك مع جنابه الشريفِ الأسمى على كلِّ جيل، كما نَطَقَ به القرآن بعد التَّوراةِ والإنْجيلِ، وهذا النوع من الآيات والآثار الُمفْصِحَةِ بعظيم قَدْرِ مَنْ عَظَّمَ الله قدره لاسيما قدر المصطفىصلّى الله عليه وسلّم، ووجوبِ تعظيم مَحِلِّهِ الأثير أكثر من الكثير، وإنما أتينا من ذلك بقطرةٍ من غَمَامٍ (٤)، وذَرَّةٍ من شَمَامٍ (٥) ودُرَّةٍ من مَغَاصٍ (٦)

стр. 72

وخَصَّةٍ (١) من دِلاصٍ (٢). وأما تعظيمُ الأُمَّةِ له ﷺ ، وإجماعُ كلِّ قَرْنٍ قَرر على ذلك، فأمر جليٌّ، عن الإبانةِ غنيٌّ، وتَعْظيمُ كل أحدٍ بِحسب عرفانِهِ وإيقانه، ومقتضى رُسوخِ دينِه وثبُوت إيمانه، فكانت الصحابةُ ﵃ أعظمَ النَّاسِ في هذا البابِ، والفائزينَ بالقِدْح المُعَلَّى من تعظيمه من بين سائر ذوي الألبابِ. ورُوِّينا بسندٍ صحيحٍ: أن عروةَ بن مسعودٍ (٣) ﵁ لما رَجَعَ في عام القِصَّةِ (٤) إلى قريشٍ وقد رأى حالَ الصَّحابَةِ ﵃ في تعظيمهم رسولَ الله ﷺ قال: يا معشرَ قريشِ، إني جئتُ كِسْرَى في مُلْكِهِ، وقَيْصَرَ في مُلْكِه، والنجاشيَّ في مُلْكِه، وإني والله ما رأيتُ مَلِكاً قط يُعظِّمُه أصحابُه ما يُعَظِّمُ محمداً أصحابُه (٥).

стр. 73

وبسندٍ صحيحٍ، عن عَمرو بن العاص (١) رضي الله [عنه (٢)] من حديثٍ طويلٍ، أنه قال: ما كان أحدٌ أحبَّ إليّ من رسولِ الله ﷺ ولا أجَلَّ في عيْنَيَّ منه، وما كنت أُطيقُ أن أملأَ عَيْنَيَّ منه إجلالاً له، ولو سُئِلْتُ أن أصِفَهُ ما استطعتُ (٣)؛ لأني لم أكنْ أملأُ عَيْنَيَّ منه (٤). وكان الصحابةُ ﵃ يهابونَ رسول الله ﷺ إجلالاً وتعظيماً لشانِه، وتوقيراً وتكريماً لمكانِه، فلذلك كانوا يفرحونَ بقدوم الأعرابي كي يَسألَ مما تتضمَّنُه صُدورُهم من المسائلِ (٥)، ويسْتَوضحَ من غرائب الوقائعِ، ويسْتكْشفَ لهم عن الحُجَجِ عليها والدلائلِ، ولو أردتُ إيضاحَ ذلك بإيرادِ /٧ أحاديثَ تَدُلُّ على المبالغة والتأكيد من أكابرِ الصحابةِ وسائرهم في تعظيم شأنِ النبي ﷺ وتفخيمِ قدرهِ لملأتُ القَمَاطِرَ (٦)، وأتْعَبْتُ الشَّنَاتِرَ (٧) والمَحَابِرَ (٨).

стр. 74

ولَزِمَ من ذلك أن الإزراءَ والغَضَّ مما نوَّه اللهُ تعالى بذكرِهِ، و [التسريدَ (١)] على ما أمَرَ اللهُ تعالى بتعظيمِ قَدْرِهِ، وإهمالَ حَقِّ ما أبانَ اللهُ لنا تفخيمَ مَحَلِّهِ وتبجيلَ أمرِهِ، حرامٌ منهيٌّ عنه بالزَّجرِ الشديدِ، والمنعِ الأكيدِ، وأنَّ التعريضَ بسببٍ يُفْضِي إلى ذلك، والجنوحَ إلى أمرٍ يُؤدي إلى سلوكِ بعضِ تلك المسالكِ، والإلمامَ بشيء يؤولُ إلى تَحقيرِ شانهِ، والإيِماءَ إلى الجريانِ حول تصغيرِ مكانتهِ ومكانهِ، يُوجب معاندةَ أوامرِ اللهِ تعالى ومعارضةَ أحكامِه، ومناقضةَ ما نَطَقَ التنِّزِيلُ بإيثاقِه وإبرامِه. ثم إن ذلك التشديدَ يَختلفُ باختلافِ المراتبِ، وما يترتَّبُ عليه من المخالفاتِ وأنواع العصيان: ففي بعض الأحوال يؤدي إلى الكفر الصُّراحِ، والشِّركِ البَحْتِ، والانْخلاعِ من الدِّينِ، والانقطاعِ عن فئةِ المسلمينَ، والانسلالِ عن زُمرةِ المؤمنينَ، والمُرَاغَمَةِ (٢) لحكم ربِّ العالمينَ. وعِصْيَانٍ في بعضٍ يستوجِبُ دخولَ فاعلهِ في زُمْرةِ العاصينَ القاصِينَ (٣)، وفِسقٍ يرجعُ بصاحبه عن مناهجِ الفوزِ إلى دَرَكَاتِ الآخِرينَ، ويُوضح له الخسرانَ المبينَ، وذلك على حسب حال من يُعزى إليه ذلك الحالُ، من عُلُوِّ رُتْبَتِهِ في مراقي الكمالِ، وسُمُوِّ درجتِهِ في مصاعِدِ الجلالِ، ثم باعتبار المُتَلَبِّسِ بذلك من كيفياته في اعتقاده وارتياده، وقصده واعتماده، وجهله ونسيانه، وعلمه وإيقانه، وسهوه وعمده، وزَهْوِه (٤) وجَحْدِه، فاستبان بذلك أن كُلَّ ما أرشدَ ودَلَّ إلى وجوب تعظيمِ مُعَظَّمٍ ومدحِ معظِّمه وحُسْنِ جزائِهِ وثوابِهِ، دَلَّ على

стр. 75

تَحريم تَحقيرِهِ وتنقيصِهِ لجميع أنواع ما ذُكِرَ وذَمِّ فاعلِهِ، وسوء عاقبتهِ، وعظيم عقابهِ؛ إذ المنعُ من النقيضِ مندرج في رسم الواجبِ، وفضلٌ ذَاتِيٌّ له، كما تقررَ في كُتُبِ الأصولِ (١)، فأعيانُ الأدلة السالفة بِجملتها مشتملة على أدلَّةِ هذه القاعدة. ثُمَّ لما نَحنُ في صدده أدلَّة خاصَّةٌ، فهما يتعاضدان، من ذلك قوله تعالى: ﴿وإذْ قُلْنَا للمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ، فَسَجَدُوا إلاّ إبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ للظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ (٢). وقال : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُم ثُمَّ صَوَّرْناكُم﴾. إلى قوله تعالى: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أجْمَعِينَ﴾ (٣). وقال جَلَّ وعَلا: ﴿وإذْ قُلْنَا للمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبَى واسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ﴾ (٤). /٨ فإن هذه الآيات تتضمَّنُ الذَّمَّ الأكيدَ، والوَعيدَ الشديدَ، والعذابَ والنَّكَالَ، والخِزْيَ واللَّعْنَ، والشَّقَاءَ والذُّلَّ والصَّغَارَ، والغَضَبَ والبَوَارَ، والقهرَ والزَّجْرَ الأقصى، وما يُجاوز حدَّ الحصرِ والإحصا، كلُّ ذلك بسبب تصغيرِ ما كبَّرَ الله تعالى، وتَحقيرِ ما عظَّمَ الله ، وذلك ثابت في حقِّ كلِّ معظَّمٍ عند الله ﵎ من مَلَكٍ ونبيٍّ ورسولٍ وغير ذلك، فكيف بِما يتعلق بشأن أشرفِهم وأكرمِهم على الله تعالى، وأفضلِهم وأفخمِهم، وأقربهم من الله
следующие страницы →