← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1172

المغانم المطابة في معالم طابة

الفيروزآبادي

Полный текст (1 351 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وفي لفظٍ من عند ابن إسحاق (١): ولا صَخَّابٍ في الأسواقِ ولا مُنْبَرٍ (٢) بالفحشِ ولا قَوَّالٍ للخَنَا، أسدِّدُه بكلِّ جميلٍ، وأهَبُ له كلَّ خُلُقٍ كريمٍ، ثم أجعلُ السَّكِينَةَ لباسَه، والبِرَّ شعارَه، والتَّقوى ضميرَه، والحكمةَ معقولَه، والصِّدقَ والوفاءَ طبيعتَه، والعَفْوَ والمعروفَ خُلُقَه، والعدلَ سيرتَه، والحقَّ شريعتَه، والهدى إمامَه، والإسلامَ مِلَّتَه، /٦ وأحمدَ اسمَه، أَهْدِي به بعد الضلالةِ، وأُعَلِّمُ به بعد الجهالةِ، وأرفع به بعد الخمالةِ، وأُسَمِّي به بعد النُّكْرةِ، وأُكْثِرُ به بعد القِلَّةِ، وأُغْني به بعد العَيْلَةِ (٣)، وأجمع به بعد الفُرْقةِ، وأُؤلِّفُ به بين قلوب مختلفةٍ، وأهواء مشتَّتةٍ، وأُمَمٍ متفرقةٍ، وأجعلُ أُمَّتَهُ خير أُمَّةٍ أُخرجتْ للنَّاسِ. فانظر إلى هذه الآيات والأحاديث، وتفطَّنْ لما تتضمنُ من تعظيم خُلاصة الوجودِ، والتَّعريفِ بقَدْرِ نُخْبَةِ هذا العالم الموجودِ، ففيما تلوناه عليك نِهايةُ المدح والتعظيم والتَّبجيل، وإيِجابٌ لفعل ذلك مع جنابه الشريفِ الأسمى على كلِّ جيل، كما نَطَقَ به القرآن بعد التَّوراةِ والإنْجيلِ، وهذا النوع من الآيات والآثار الُمفْصِحَةِ بعظيم قَدْرِ مَنْ عَظَّمَ الله قدره لاسيما قدر المصطفىصلّى الله عليه وسلّم، ووجوبِ تعظيم مَحِلِّهِ الأثير أكثر من الكثير، وإنما أتينا من ذلك بقطرةٍ من غَمَامٍ (٤)، وذَرَّةٍ من شَمَامٍ (٥) ودُرَّةٍ من مَغَاصٍ (٦)

стр. 72

وخَصَّةٍ (١) من دِلاصٍ (٢). وأما تعظيمُ الأُمَّةِ له ﷺ ، وإجماعُ كلِّ قَرْنٍ قَرر على ذلك، فأمر جليٌّ، عن الإبانةِ غنيٌّ، وتَعْظيمُ كل أحدٍ بِحسب عرفانِهِ وإيقانه، ومقتضى رُسوخِ دينِه وثبُوت إيمانه، فكانت الصحابةُ ﵃ أعظمَ النَّاسِ في هذا البابِ، والفائزينَ بالقِدْح المُعَلَّى من تعظيمه من بين سائر ذوي الألبابِ. ورُوِّينا بسندٍ صحيحٍ: أن عروةَ بن مسعودٍ (٣) ﵁ لما رَجَعَ في عام القِصَّةِ (٤) إلى قريشٍ وقد رأى حالَ الصَّحابَةِ ﵃ في تعظيمهم رسولَ الله ﷺ قال: يا معشرَ قريشِ، إني جئتُ كِسْرَى في مُلْكِهِ، وقَيْصَرَ في مُلْكِه، والنجاشيَّ في مُلْكِه، وإني والله ما رأيتُ مَلِكاً قط يُعظِّمُه أصحابُه ما يُعَظِّمُ محمداً أصحابُه (٥).

стр. 73

وبسندٍ صحيحٍ، عن عَمرو بن العاص (١) رضي الله [عنه (٢)] من حديثٍ طويلٍ، أنه قال: ما كان أحدٌ أحبَّ إليّ من رسولِ الله ﷺ ولا أجَلَّ في عيْنَيَّ منه، وما كنت أُطيقُ أن أملأَ عَيْنَيَّ منه إجلالاً له، ولو سُئِلْتُ أن أصِفَهُ ما استطعتُ (٣)؛ لأني لم أكنْ أملأُ عَيْنَيَّ منه (٤). وكان الصحابةُ ﵃ يهابونَ رسول الله ﷺ إجلالاً وتعظيماً لشانِه، وتوقيراً وتكريماً لمكانِه، فلذلك كانوا يفرحونَ بقدوم الأعرابي كي يَسألَ مما تتضمَّنُه صُدورُهم من المسائلِ (٥)، ويسْتَوضحَ من غرائب الوقائعِ، ويسْتكْشفَ لهم عن الحُجَجِ عليها والدلائلِ، ولو أردتُ إيضاحَ ذلك بإيرادِ /٧ أحاديثَ تَدُلُّ على المبالغة والتأكيد من أكابرِ الصحابةِ وسائرهم في تعظيم شأنِ النبي ﷺ وتفخيمِ قدرهِ لملأتُ القَمَاطِرَ (٦)، وأتْعَبْتُ الشَّنَاتِرَ (٧) والمَحَابِرَ (٨).

стр. 74

ولَزِمَ من ذلك أن الإزراءَ والغَضَّ مما نوَّه اللهُ تعالى بذكرِهِ، و [التسريدَ (١)] على ما أمَرَ اللهُ تعالى بتعظيمِ قَدْرِهِ، وإهمالَ حَقِّ ما أبانَ اللهُ لنا تفخيمَ مَحَلِّهِ وتبجيلَ أمرِهِ، حرامٌ منهيٌّ عنه بالزَّجرِ الشديدِ، والمنعِ الأكيدِ، وأنَّ التعريضَ بسببٍ يُفْضِي إلى ذلك، والجنوحَ إلى أمرٍ يُؤدي إلى سلوكِ بعضِ تلك المسالكِ، والإلمامَ بشيء يؤولُ إلى تَحقيرِ شانهِ، والإيِماءَ إلى الجريانِ حول تصغيرِ مكانتهِ ومكانهِ، يُوجب معاندةَ أوامرِ اللهِ تعالى ومعارضةَ أحكامِه، ومناقضةَ ما نَطَقَ التنِّزِيلُ بإيثاقِه وإبرامِه. ثم إن ذلك التشديدَ يَختلفُ باختلافِ المراتبِ، وما يترتَّبُ عليه من المخالفاتِ وأنواع العصيان: ففي بعض الأحوال يؤدي إلى الكفر الصُّراحِ، والشِّركِ البَحْتِ، والانْخلاعِ من الدِّينِ، والانقطاعِ عن فئةِ المسلمينَ، والانسلالِ عن زُمرةِ المؤمنينَ، والمُرَاغَمَةِ (٢) لحكم ربِّ العالمينَ. وعِصْيَانٍ في بعضٍ يستوجِبُ دخولَ فاعلهِ في زُمْرةِ العاصينَ القاصِينَ (٣)، وفِسقٍ يرجعُ بصاحبه عن مناهجِ الفوزِ إلى دَرَكَاتِ الآخِرينَ، ويُوضح له الخسرانَ المبينَ، وذلك على حسب حال من يُعزى إليه ذلك الحالُ، من عُلُوِّ رُتْبَتِهِ في مراقي الكمالِ، وسُمُوِّ درجتِهِ في مصاعِدِ الجلالِ، ثم باعتبار المُتَلَبِّسِ بذلك من كيفياته في اعتقاده وارتياده، وقصده واعتماده، وجهله ونسيانه، وعلمه وإيقانه، وسهوه وعمده، وزَهْوِه (٤) وجَحْدِه، فاستبان بذلك أن كُلَّ ما أرشدَ ودَلَّ إلى وجوب تعظيمِ مُعَظَّمٍ ومدحِ معظِّمه وحُسْنِ جزائِهِ وثوابِهِ، دَلَّ على

стр. 75

تَحريم تَحقيرِهِ وتنقيصِهِ لجميع أنواع ما ذُكِرَ وذَمِّ فاعلِهِ، وسوء عاقبتهِ، وعظيم عقابهِ؛ إذ المنعُ من النقيضِ مندرج في رسم الواجبِ، وفضلٌ ذَاتِيٌّ له، كما تقررَ في كُتُبِ الأصولِ (١)، فأعيانُ الأدلة السالفة بِجملتها مشتملة على أدلَّةِ هذه القاعدة. ثُمَّ لما نَحنُ في صدده أدلَّة خاصَّةٌ، فهما يتعاضدان، من ذلك قوله تعالى: ﴿وإذْ قُلْنَا للمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ، فَسَجَدُوا إلاّ إبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ للظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ (٢). وقال : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُم ثُمَّ صَوَّرْناكُم﴾. إلى قوله تعالى: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أجْمَعِينَ﴾ (٣). وقال جَلَّ وعَلا: ﴿وإذْ قُلْنَا للمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبَى واسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ﴾ (٤). /٨ فإن هذه الآيات تتضمَّنُ الذَّمَّ الأكيدَ، والوَعيدَ الشديدَ، والعذابَ والنَّكَالَ، والخِزْيَ واللَّعْنَ، والشَّقَاءَ والذُّلَّ والصَّغَارَ، والغَضَبَ والبَوَارَ، والقهرَ والزَّجْرَ الأقصى، وما يُجاوز حدَّ الحصرِ والإحصا، كلُّ ذلك بسبب تصغيرِ ما كبَّرَ الله تعالى، وتَحقيرِ ما عظَّمَ الله ، وذلك ثابت في حقِّ كلِّ معظَّمٍ عند الله ﵎ من مَلَكٍ ونبيٍّ ورسولٍ وغير ذلك، فكيف بِما يتعلق بشأن أشرفِهم وأكرمِهم على الله تعالى، وأفضلِهم وأفخمِهم، وأقربهم من الله

стр. 76

عزّ وجلَّ، سَيِّدِ المرسلين، وخاتم النبيين، وأعظم الخلق عند رب العالمين؟ قال ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ (١). وقال : ﴿إنَّ الَّذِينِ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (٢). وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ (٣). وقال جلَّ وعَلا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُم عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ (٤). وقال جلَّتْ عظَمَتُه: ﴿إنَّ ذَلِكُم كَانَ يُؤذِي النَّبِيَّ﴾ (٥). وقال جلَّ وعَلا: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُم كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أصْوَاتَكُم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ (٧). وهذهِ الآياتُ دلالتُهَا فيما ذكرناه أوضحُ (٨) من أن [تُكَابر] (٩) ولله الحمد.

стр. 77

وأما الأحاديث فكثيرة، منها: قولُه ﷺ : «مَنْ لِكَعْبِ بن الأشْرَفِ (١)، فإنه قد آذى اللهَ ورسولَهُ» (٢). ومنها: قولُه ﷺ : «من سبَّ نبياً فاقتلوه، ومن سبَّ أصحابي فاضربوه» (٣). وأما الإجماعُ (٤): فأيضاً أمْر جَلِيٌّ واضحٌ، لا يَشُكُّ فيه شاكٌّ، ولا يُخالفُ فيه أحدٌ، أنَّ المسلمينَ كافَّةً يُوجبونَ تعظيمَ رسولِ الله ﷺ التَّعظيمَ البالغ الذي لا مَرْمَى وراءه، ولا غايةَ بعده، وأنَّ كُلَّ من نَقَصَه وعَابَه، فهو كافرٌ حلالُ الدَّمِ. قال القاضي أبو الفضل عياض: اعلم أن جميع مَنْ سبَّ النبيَّ ﷺ أو عَابَهُ أو ألحقَ به نَقْصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو خَصْلَةٍ من خِصالِه، أو عَرَّضَ به، أو شَبَّهَهُ بشيء على طريق السَّبِّ له والإزْراء عليه والتصغير لشأنه أو الغضِّ منه أو

стр. 78

العيب له؛ فهو سابٌّ له، والحكمُ فيه حكمُ السَّابِّ، يُقْتَلُ. وكذلك: مَنْ لعنه، أو دعا عليه، أو تَمنَّى مَضَرَّةً له، أو نسَبَ إليه مالا يليق بِمنصبه على طريق الذَّمِ، أو عَبَثَ في جهته العزيزة بِسُخْفٍ من الكلام وهُجْرٍ، ومنكرٍ من القول وزُورٍ، أو عَيَّرَهُ بشيء مما جرى عليه من البلاء والمحنةِ، أو غَمَصَهُ (١) ببعضِ العوارضِ البشريةِ الجائزِة والمعهودة لديه. هذا كلُّه إجماعٌ من العلماء وأئمة الفتوى من لَدُنِ الصحابةِ ﵃ وهَلُّمَ جَرَّا (٢). قال ابن المُنْذِر (٣): أجمع عوامُّ أهلِ العلمِ (٤) على /٩ أنَّ من سَبَّ النبي ﷺ يُقْتَلُ، وممن قال بذلك: مالكٌ وأحمد وإسحاق (٥)، وهو مذهب الشَّافِعِيِّ (٦)، وهو مُقْتَضَى قولِ أبي بكرٍ الصِّديق ﵁ (٧)، ولا تُقْبَل توبتهُ عنْدَهُم.

стр. 79

وبِمثله قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوريُّ (١)، وأهلُ الكوفة، والأوزاعيُّ (٢)، لكنهم قالوا: هي رِدَّةٌ (٣). وعلى هذا وقع الخلافُ في استتابته وتكفيره، وهل قَتْلُه حدٌّ أو كفرٌ؟. ولا نعلم خلافاً في استباحة دمِه بين علماء الأمصار وسَلَفِ الأمَّةِ، وذَكَرَ غيرُ واحدٍ إجماعَ الأُمَّةِ على قتله وتكفيره (٤). وقال محمد بن سَحْنُون (٥): أجمع العلماء على أن شاتِمَ النَّبِيِّ ﷺ المُتَنَقِّصَ له كافرٌ، والوعيدُ جارٍ عليه بعذاب الله تعالى له، وحكمه عند الأئمة القَتْلُ، ومَنْ شَكَّ في كفره وعذابه كَفَرَ (٦). واحتجَّ إبراهيم بن حسين بن خالد (٧) في مثل هذا، بقتل خالد بن الوليد ﵁ مالكَ بنَ نُوَيْرَةَ (٨) بقوله عن النبي ﷺ :

стр. 80

صَاحِبُكُم (١). قال الخَطَّابي (٢): لا أعلم أحداً من المسلمين اختلف في وجوب قتله (٣). وعن مالك: يُقْتَلُ ولم يُسْتَتَبْ (٤). وعن عثمان بن [كِنَانَةَ] (٥): يُقْتَلُ أو يُصْلَبُ حياً ولم يُسْتَتَبْ (٦). قال بعض علماء المالكية: أجمع العلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء بالويلِ أو بشيء من المكروه أنه يُقْتَلُ بلا استِتَابَةٍ (٧). فإذا تقرَّرَ ذلك، فإن إيذاءَ النبي ﷺ بِنَحْوِ ما ذكرنا كُفرٌ صُراحٌ، وإنَّ إيذاءَه بالأحْقَرِ الأهونِ من الأمورِ حرامٌ غيرُ مُباحٍ، حتى قال جماعةٌ من العلماء (٨): مَنْ قال إن زِرَّ رسُول الله ﷺ وَسِخٌ -أراد به عيبه - قُتِلَ من غير استتابة.

стр. 81

وقد أفتى فقهاءُ الأندلسِ بقتل من سَمَّاه في أثناء مُناظرته يتيماً، وخَتَنَ حَيْدَرَة (١)، وقتلِ مَنْ زَعَمَ أن زُهده لم يكن عمداً، وإنَّمَا لم يَجد، ولو قَدَر على الطَّيِّبَاتِ لأكلها (٢). فلا يَسْتَهْوِكَ الشيطانُ (٣) في أمرِ الزِّيارةِ بشبهة يُوردُها لك، فيزيغَ بِكَ عن سواءِ الطَّريقِ، ويُضِلَّكَ عن منهجِ أَرَبِ التصديقِ، وإن عَرَضَ لك شيء من الهواجسِ، وعَرَضَ الشيْطانُ بِخَطَرَاتٍ من تلك الوساوسِ، فاذْكُرْ قدْرَ نبيِّكَ الكريم (٤)، وشأنَه العظيم، واستعذْ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿إنَّ الذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُم طَائِفٌ مِنَ الشَّيطَانِ تَذَكَّرُوا فَإذَا هُمْ مُبْصِرُونَ، وَإخْوَانُهُم يَمُدُّونَهُمْ في الغَيِّ ثُّمَ لا يُقْصِرُونَ﴾ (٥). واعلم أَنْ لو قال قائل: فلان لا تنبغي زيارتُه، كان ذلك بلا شكٍّ تنقيصاً وازدراءً بلا امْتراءٍ، لا سيما إذا كان ذلك /١٠ المذكور من أهل القَدْر والشرف (٦)، وكلما كان المذكور أنبلَ، كان القول فيه أهول.

стр. 82

فإن اعتذر بشبهةٍ قد صَعُبَ عليه إزاحتُها، وشكوكٍ فَسَحَتْ له عن جواز تلك المقالة وإباحَتِها، كما يُعلِّلُ المُتعلِّلُ المذكورُ في تقبيح المقال، بِحديث: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ» (١) قيل له: قد تقرَّرَ في علم الأصول الذي هو مَثارُ الحجج، ومعيارُ البراهين، المَصُونُ عن الزَّيْغِ والعِوَج (٢)؛ أنه ليس لأحد استقباحُ حكم عن دليل حتى يُحْكِمَ نظرَه فيه، وأنه إذا أجمع أهلُ العصر الأول على فهْمِ حديثٍ أو آيةٍ، فليس لمنْ بعدهم مُخالفة ذلك (٣)، فكيف بإجماع الأعصار من لَدُنِ الصحابةِ ﵃ وهَلُمَّ جَرّاً (٤)؟. ثم إن الخواطرَ والهواجسَ، والأوهامَ والوساوسَ، من الفكرِ العقلي

стр. 83

والخيالِ النفسي، في كتاب الله تعالى وسُنَّةِ نبيه ﷺ وكلامِ العلماء، ليس كلُّها يُتَّبَعُ، ولا على جميعها يُعَرَّجُ، بل قد يكون بعضُها ضَلالاً وجَهْلاً، وبعضها يكون جُحوداً وكُفْراً، وبعضُها فِسْقاً وعِصْياناً، وبعضها لَغْواً وهذَياناً، فلا يَنبغي لمن وقعَ له أو من سَمِعَ منه أن يُقْبِلَ عليه بقول حتى تَشْهَد له القواعد الإيمانيةُ، ويُوافقَ على صِحَّته الشواهدُ القرآنيّة، وليست العصمةُ إلا للأنبياء والمرسلين، فيثبت على هذا المنهج القويم، والصراط المُسْتقيم، وكُلٌّ مأخوذٌ من قوله ومتروكٌ إلا صاحبَ هذا القبر الكريم (١). ثم نقول: إن الأنبياء والمرسلين، الذين هُمْ خَوَاصُّ عبادِ الله الأكرمين، وكُلُّ من اصْطفاه الله تعالى وأصْفاه، وقرَّبه وأدناه، وشرَّفه وزكَّاه، وأسماه (٢) في مراقي القُرْبِ وأعلاه، وأَثْواه في سُرادِقات (٣) الخُصوص وآواه، هم بَشَرٌ لا كالأبْشَارِ، كما أن الياقوتَ حجرٌ لا كالأحجارِ، أهلُ الشَّرَفِ الأسنى، والزُّلْفَةِ والحسنى، وكذلك تُبَّاعُهُم (٤) من الصديقين، والأولياء المتقين، والشهداءِ والصالحين، والأتقياءِ الأبرار من المؤمنين والمسلمين، فحالُ هؤلاء كلِّهم على حسب درجاتِهم عند ربِّهم بعد الموت، أشرفُ وأكملُ، وأعلى وأفضلُ، مما كان قبل ذلك. فأما النبيون فليسوا كغيرهم، وإنَّما هم ينتقلون من الكاملِ إلى الأكمل،

стр. 84

ويَرْتقون من الفاضلِ إلى الأفضل، ومن كشفٍ إلى كشفٍ أجلى، ومن نُورٍ إلى نُورٍ أعلى، ومما يَدُلُّ على ذلك صَريحاً: قولُ الله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ المُتَّقِينَ﴾ (١). وقولُ اللهِ : ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (٢). وقولُ اللهِ جلَّ وعَلا: ﴿وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ للَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٣). وقولُ اللهِ جلَّ وعَلا: ﴿ولَلآخِرَةُ خَيرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ (٤). وقولُ اللهِ ﵎: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأبْقَى﴾ (٥). في آيات كثيرة (٦) /١٢ بصريحها تَدُلُّ على ما أوردناه. ثم نقول: إن هؤلاء المذكورين من الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين، وسائرِ عباد الله المُخلصين، والأولياءِ والصدّيقين، وجملةِ صالح المؤمنين، ومن مات على الإسلام من سائرِ المسلمين، كلُّهم أحياءٌ عند ربِّهم يُرزقون ويَنعمون ويَسمعون، ويَنطِقُون (٧) ويُبصرون، في السُرور الدائمِ، والنعيمِ اللازمِ، وقد قَصُرَتْ أوهامُ البشر وإدراكُ عقُول الأنام، عن الدُّخولِ إلى معرفة كُنْهِ ذلك المقام.

стр. 85

أهلُ السَّعَادَةِ عندَ اللهِ أحياءُ … لهم مِنَ اللهِ في الجناتِ ما شَاءوا جاءوا إليه فأحياهم وبَوَّأهم … منه مقاعدَ صِدْقٍ عندما جاءوا لهم من اللهِ بعدَ الموتِ مَنْزِلَةٌ … في عالمِ القُدْسِ والأنوارِ عَلْياءُ وكذلك ينبغي أن يُعْتَقَدَ في كُلِّ من مات من الآدميين مؤمناً كان أو كافراً بأنه (١) إما مُنَعَّمٌ أو مُعذَّبٌ، وطريقُ العلمِ بذلك والاطِّلاعِ عليه والإيمان به والتسليمِ فيه، إنَّما يكون عن كَشْفٍ ومشاهدةٍ (٢) واطِّلاعٍ ببصائرِ الإيمانِ، وقلوبِ أهلِ العِرفانِ. بينَ القيامةِ والدُّنيا لِذِي نَظَرٍ … مَراتِبٌ، برزخيَّاتٌ لها سُوَرُ تحوي على حِكَمٍ قدْكان صَاحِبُهَا … قَبْلَ المماتِ عليه النوم فاعتبروا لها على الكل إقدامٌ و سلطنةٌ … تُبدي العجائبَ لا تبقي ولا تَذَرُ لها مَجالٌ رحيبٌ في الوجود بلا … تقيُّدٍ وهي لا عينٌ ولا أثَرُ يقول للحقِّ كُنْ و اللهُ خالقُهَا … فكيف يَخرج عن أحكامِهَا بَشَرُ؟ فيها العُلُومُ، وفيها كُلُّ قاصِمَةٍ … فيها الدلائلُ والإعجازُ والعِبَرُ لولا الخيالُ لكُنَّا اليومَ في عَدَمٍ … ولا انقضى غرضٌ فينا ولا وَطَرُ كأنَّ سُلطانَهَا إن كنتَ تَعْقِلُهَا … الشرعُ جاء به والعقلُ والنَّظَرُ من الحروفِ لها كاف (٣)) الصِّفَاتِ فما … تَنْفَكُّ عن صُوَرٍ إلا أتَت صُوَرُ ولما كان البَرْزَخُ أمراً فاصلاً بين معلومٍ وغير معلومٍ، وبين معدومٍ وموجودٍ، وبين منفيٍّ ومُثْبَتٍ، وبين معقولٍ وغير معقولٍ، سُمِّيَ برزخاً اصطلاحاً، لأن البرزخَ عبارةٌ عن أمرٍ فاصلٍ بين أمرين لا يكون متطرفاً أبداً، كالخطِّ الفاصل بين الظِّلِّ والشَّمس. قال الله تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ (٤).

стр. 86

أي: لا يَختلط أحدهما بالآخر، وهنا عجَزَ الحِسُّ عن الفصل بينهما، والعقل يقتضي أن بينهما حاجزاً يَفصل بينهما، فذلك الحاجز المعقولُ /١٣ هو البرزخُ. وعالَمُ البرزخِ معقولٌ في نفسه وليس إلا الخيالُ، فإنك إذا أدركتَه وكنتَ عاقلاً تعلم أنك أدركت شيئاً [وجودياً] (١) بأنك وَقَعَ بصرك عليه، وتعلمُ قطعاً بدليلٍ أنه ما ثَمَّ شيء أصلاً، فما هو هذا الذي أثبتَّ له وجوديةً ونفيتَها عنه في حال إثباتك إياها؟ فالخيال لا موجود ولا معدوم، ولا معلوم ولا مَجهول، ولا منفي ولا مثبت. كما أن الإنسان يُدْرِكُ صورتَه في المرآة، ويعلمُ قطعاً أنه أدرك صورتَه بوجهٍ، ويعلم قطعاً أنه ما أدرك صورتَه بوجهٍ؛ لِمَا يرى فيها من الدِّقَّةِ إذا كان جِرْم المرآة صغيراً، ويعلم أن صورتَه أكبرُ مما رأى، وكذلك (٢) إذا كان جِرْم المرآة كبيراً يرى صورته في غاية الكِبَرِ، ويقطعُ أن صورته أصغر، ولا يَقْدِرُ أن يُنكرَ أنه رأى صورتُه، ويعلم أنه ليس في المرآة صورته، ولا هي بينه وبين المرآة، ولا هو انعكاسُ شُعاعِ البصرِ إلى الصورة المرئية فيها من خارج؛ إذ لو كان كذلك لأدرك الصورة على قَدْرِها، فليس الرائي بصادقٍ ولا كاذب في قوله: إنه رأى صورته، ما رأى صورته، فما تلك الصورة المرئية، وأين مَحَلُّها، وما شأنُها؟ فهي منفية ثابتة، موجودة معدومة، معلومة مجهولة. أظهر الله تعالى هذه الحقيقةَ لعبده ضربَ مثالٍ؛ ليعلم ويتحقَّقَ أنه إذا عَجِزَ في دَرْكِ حقيقةِ هذا وهو في العالَم، فهو بِحقيقةِ خالقهِ أعجزُ وأجهل، وأشدُّ حَيْرة، ونَبَّهَ بذلك أن تَجلِّياتِ الحقِّ تعالى للعبد أرقُّ وألطفُ معنى من

стр. 87

هذا الذي قد حارت العقول بأسرها فيه، وعجزَتْ عن إدراكِ حقيقته حتى بلغ في العجز إلى حدٍّ يقول: هل لهذا ماهِيَّةٌ؟ ولا ماهِيَّةَ له. وإلى مثل هذه الحقيقة بصر الإنسان في نومه وبعد موته، فترى الأعراضَ صوراً قائمةً بنفسها تُخاطبه ويُخاطبها لا يَشُكُّ فيها، فالأنبياء صلوات الله عليهم في عالم البرزخِ أكملُ وأتَمُّ شأناً في جميع أحوالهم مما كانوا عليه في الدنيا (١). ولما كان نبيُّنا محمدٌ ﷺ خاتَمهم الذي ظهرَ بدايةً جسماً وروحاً عند انتقال حكم الزمان في جريانه إلى الاسم الظاهر، لكن كان الحكم له باطناً أولاً في جميع ما ظهر من الشرائع على أيدي الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ثم صار الحكْمُ له ظاهراً، فنسخَ كلَّ شيء أبرزَهُ الاسمُ الباطنُ بِحكمِ الاسم الظَّاهِرِ؛ لبيان اختلافِ حكمِ الاسْمَيْنِ. وإن كان الْمُشروعُ واحداً وهو صاحِبُ الشرعِ، فإنه قال: «كُنْتُ نبياً /١٤ وآدمُ بين الماء والطين» (٢) وما قال: كنتُ إنساناً، ولا كُنْتُ مخلوقاً، ولا موجوداً، ولَيستِ النُّبوَّةُ إلا بالشرع المقرَّرِ عليه مِنْ عند الله تعالى، فإنه صاحِبُ النُّبوةِ قبل وُجُودِ الأنْبِيَاءِ (٣) الذين هم

стр. 88

نُوابُه (١) في هذه الدُّنْيَا، وكان انتِهَاءُ دَوْرَةِ الزَّمَانِ المحمَّدِيِّ بِالاسْمِ البَاطِنِ ابتداءَ دَوْرَةٍ أُخْرَى بالاسمِ الظَّاهِرِ، فأظْهَرَ مُحَمداً ﷺ جسماً وروحاً بالاسم الظاهر، ونسَخَ مِنْ شَرْعِهِ المتقَدِّمِ ما أرادَ الله تعالى أن يَنْسَخَ منه، وَأَبْقَى ما أراد الله أنْ يُبْقِيَ منه، وذلك من الأحْكَامِ خَاصةً لا من الأصُولِ (٢). ولما كانَ ظهوره بالمِيزانِ، وهو العَدْلُ في الكوْنِ، وهو مُعْتَدِلٌ؛ لأن طبعه الحرَارَةُ والرُّطُوبةُ، كان من حكمِ الآخِرَةِ، فإنَّ حركة المِيزانِ متصلةٌ بالآخرة إلى دُخول الجنَّةِ، فلهذا كان العلم في هذه الأُمَّةِ أكثرَ مِمَّا كان في الأوَائِلِ، فأعطى الله تعالى محمداً ﷺ علم الأولينَ والآخرينَ (٣)، لأن حقيقةَ الميزان تُعطي ذلك، وكان الكَشْفُ في هذه الأُمَّةِ أسرعَ مِما كان في غيرها؛ لغلبة البَرْدِ والْيُبْسِ على سائر الأمَمِ قبلنا، وإن كانوا أذكِيَاءَ عُلَمَاءَ، فأجاد منهم مُعيَّنونَ، بِخِلافِ ما النَّاس عليه اليومَ. ألا ترى هذه الأُمَّةَ قَدْ ترجَمَتْ جميعَ عُلومِ الأُمَمِ (٤)، ولو لم يكنِ

стр. 89

المترجِمُ عالماً بالمعنى الذي دَلَّ عليه لَفْظُ المتكلِّمِ به، لمَا صَحَّ أن يكونَ هذا مُتَرْجِماً، فقد علِمَتْ هذه الأُمَّةُ عِلْمَ من تَقَدَّمَ، واختصَّتْ بعلومٍ لم تكن (١) للْمُتَقَدِّمينَ. فقد ثبتَ له ﷺ السِّيادَةُ في العلم في الدُّنْيَا، وثبتَ له أيضاً السِّيادةُ في الحُكْمِ حيثُ قال: «لو كان مُوسَى وعيسَى حيَّيْنِ ما وَسِعَهُمَا إلا اتِّبَاعِي» (٢) ويتبيَّنُ ذلك عند نُزولِ عيسى ﵇، وحُكْمِه فينا بالقرآن، والاقْتداء بِهذه الشَّريعةِ (٣)، فصحَّتْ له السِّيادَةُ في الدُّنْيا بِكُلِّ وجْهٍ ومعنىً، ثم أَثْبَتَ له السِّيادَةَ على الخَلْقِ كُلِّهِمْ يومَ القيامة بِفَتْحِه بابَ الشفاعة (٤)، ولا يكونُ

стр. 90

ذلك لِنَبيٍّ يوم القيامة إلا لَهُ ﷺ (١)، فقد يَشْفَعُ ﷺ في الرُّسُلِ والأنْبِيَاءِ، نَعَمْ وفي الملائكة، فيأْذَنُ الله تعالى (٢) عند شَفَاعَتِهِ له في ذلك لِجميع مَنْ له شفاعةٌ من مَلَكٍ ورسولٍ ونبيٍّ ومؤمنٍ أنْ يَشْفَعَ، فهو ﷺ أَوَّلُ شَافِعٍ بإِذْنِ الله تعالى (٣)، وَأَرْحَمُ الراحمينَ: آخِرُ شافعٍ يوم القيامة، فيشفعُ الرَّحيمُ عند المُنْتَقِمِ أنْ يُخْرِجَ من النار مَنْ أَسَاءَ إليه، وَيُتْبِعُهمْ تعالى مَن لم يَعْمَلْ خيراً قطُّ (٤). ١٥/ فأَيُّ شرفٍ أَعْظَمُ وأعلَى، وأَيُّ عِزٍّ أَشْمَخُ وأَسْمَى، من دائرةٍ يكون أولُها سيدَ المرسلين، وآخِرُها أرحمَ الراحمين؟ وآخِرُ الدائرة متصلٌ بأولها، فأَيُّ شَرَفٍ أعظمُ من شرف محمد ﷺ حيث كان ابتداءَ هذه الدائرة؟.

стр. 91

ولما اتَّضحَ ما ذكرناه أنه أَشْرَفُ الخلقِ وأَكْمَلُهُمْ على الله سبحانه، وأنَّ كَمَالاتِه في جميع حالاته أَكْمَلُ وأَتَمُّ، وأَجْمَلُ وأَفْضَلُ من جميع كمالاتِ الكاملين في حالاتهم، وحياةُ الأنبياء في القبور ثابتةٌ معلومةٌ (١) بدلائلَ تقدَّمَتْ، وقد صنَّفَ النَّاسُ فيها مُصَنَّفاتٍ (٢)، فينبغي أن تكون حياتُه ﷺ أكملَ وَأتَمَّ من حياة سائرهم. فإن تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ ولم يتَّضِحْ له معنى قولِه ﷺ : «ما مِنْ مُسَلِّمٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلا رَدَّ الله تعالى عَلَيَّ رُوحِي حتى أَرُدَّ عليه» (٣)، وقال: لوكان الحياةُ مستمرَّةً ثابتةً لمَا كان لِرَدِّ الروح مَعْنَى. فالجواب عنه واضح إن شاء الله تعالى (٤)، وهو أن يقال: إنَّ هذا خِطابٌ

стр. 92

على مقدارِ فَهْمِ المُخاطَبينَ من أهل الدُّنْيَا، على ما يفهمونَ من شَأْنِ الخارج من الدُّنْيَا، أنه لابد من عَوْد روُحِه إليه حتى يَسْمَعَ ويُجِيبَ، كأنه قال: أنا أُجِيبُ ذلك بِتَمَامِ الإجابةِ، وأَسْمَعُ ذلك تمام السَّمَاعِ، فلا تَرْتَابُوا فيه. أو يُقالُ -كما قال الشَّيخُ أبو سليمان (١) ﵀: إن هذا إِعْلامٌ بثبوت وَصْفِ الحياة دائِماً؛ لِثُبوتِ رَدِّ السَّلامِ دائِماً؛ لثبوت السَّلامِ دائماً، فَوَصْفُ الحياةِ لازمٌ لرَدِّ السَّلامِ اللازمِ، واللازِمُ يَجِبُ وجودُه عند وجودِ مَلْزُومِه أو ملزومِ مَلْزُومِه، فوَصْفُ الحياةِ ثَابِتٌ دائماً؛ لأن مَلْزُومَ مَلْزُومِه ثَابِتٌ دَائماً، وهذا من نُفاثاتِ السحر البياني في إثبات المقصود بِأَكْمَلِ أَنْوَاعِ البَلاغةِ، وأَجْمَلِ فنونِ البراعَةِ، التي هي قَطْرَةٌ من بِحَارِ بلاغَتِهِ العُظْمَىصلّى الله عليه وسلّم (٢). أو يقالُ: إن ذلك عبارةٌ عن إقْبَالٍ خَاصٍّ والْتِفَاتٍ روحَانيٍّ، يَحْصُلُ من الحَضْرَةِ النَّبَويةِ ﷺ إلى عالمِ الدُّنْيَا وقوالبِ الأجْسَادِ البَرّانية، وتَنْزِلُ إلى دَوَائرِ البشريةِ، حتى يَحْصُلَ عند ذلك رَدُّ السَّلامِ، وشُهُودُ عَرْضِ أعمالِ الأُمَّةِ (٣)، وغيرُ ذلكَ، ويكون رَدُّ السَّلامِ كما كان ﷺ في حال كونِهِ في الدُّنْيَا. وإن صَعُبَ عليه فَهْمُ ذلك، فاذكر سَلامَ جِبريلَ ﵇ على عَائِشَةَ ﵂ حيثُ سَلَّمَ عليها ولم تره ولم تَسْمَعْ سَلامَهُ، فبلَّغَهَا ﷺ بقوله:

стр. 93

«إن هذا جبريل يُقْرِئُك السَّلامَ» فرَدَّت ﵇ وقالت: يا رسول الله، إنك تَرَى مَالا أَرَى (١). وهذا الإِقْبَالُ يكونُ عامّاً شاملاً، حتى لو كان /١٦ المُسَلِّمون في كل لمحة أكثرَ من ألفِ ألفِ ألفٍ لَوَسِعَهُمْ ذلك الإقْبَالُ النَّبَوِيُّ والالْتفَاتُ الروحانيُّ؛ لأن حالَ النبي ﷺ في عَالَمِ البَرْزَخِ أَفْضَلُ وأَعْلَى وأَكْمَلُ مِنْ حَالِ الْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبينَ (٢)، أَمَا إِنَّ عِزْرَائِيلَ (٣) يَقْبِضُ مائَةَ ألفِ رُوحٍ في وقتٍ واحدٍ من غير مُزَاحَمَةٍ، ولا يَشْغَلُه قبضٌ عن قبضٍ، وهُوَ مع ذلك كُلِّهِ مُشْتَغِلٌ بعبادة الله تعالى مُتَوجِّهٌ على التَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ (٤)، فافهم ذلك. أو يقالُ: ليس في الحديث ما يُوهِمُ أنَّهُ ثَمَّ مَوْتٌ حاصِلٌ؛ لأن قوله ﷺ : «رَدَّ الله عليَّ رُوحِي» (٥) بِحرفِ الاسْتِعْلاءِ، فيه بيانٌ ظاهِرٌ، وتبيان حاضِرٌ؛ لأن

стр. 94

الأبْنِيَةَ ثابتة والروُحُ يُرَدُّ عَلَيْها، فكأنه عبارة عن تحديدِ وَصْفٍ مع ثبوتِ أَصْلِ الوُجُودِ والحياةِ، وإِنَّما هذا الوهْمُ كانَ يَتَأَتَّى لو قال: رَدَّ روحِي فيَّ، أو في جَسَدِي، أو: في الجسَدِ، وَإِذْ لم يقل، فارْتَفَعَ أَصْلُ السُّؤالِ، وبالله التوفيق. ومن المؤكِّدِ لهذا المعنى قولهُ ﷺ : «إن عيسى ابن مريم-﵉ مَارٌّ بالمدينة حاجاً أو مُعْتَمِراً، وإِن سَلَّمَ عَلَيَّ لأَرُدَّنَّ عليهِ» (١). ومما يُؤكِّدُ ذلك قَوْلُ النَّاطِقِ بالصَّوابِ -المقولِ في حَقِّه: إنَّ الحقَّ لَيَنْطِقُ على لسانِ عمر بن الخطَّابِ (٢) ﵁: إِنَّ رسولَ الله ﷺ ما مَاتَ (٣)، وإِنَّما نفى ما يَعْلَمُ، وأَثْبَتَ ما يَعْلَمُ (٤). فإن قيل: كيف الجَمْعُ بينه، وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وإِنَّهُمْ

стр. 95

مَيِّتُون﴾ (١)، وأمثالِ ذلك من قول أبي بكر ﵁: مَاتَ رسول الله ﷺ ؟ فالجَوَابُ من وجوهٍ: الأول: أن الحَيَاةَ والمَوْتَ يُطْلَقَانِ في لِسَانِ العَرَبِ حَقِيقَةً ومَجَازاً، ولَفْظُ الحَقِيقَةِ يَخْتَلِفُ بِاعْتِبَارِ مَوَادِّهَا، وأَنْواعِ ما اسْتُعْمِلَتْ فيه، فَحَيَاةُ كلِّ ذي حَيَاةٍ على حسبِ اقتضاء ذاته، وما يَصِحُّ فيه إِطْلاقُ حَيَاتهِ، وكذلكَ مَوْتُه باعْتِبَارِ ما يَصْلُحُ فيه مَحَلاًّ وذاتاً وحالاً، فيحْتَاجُ الناظِرُ في ذلك إلى اسْتِعْمَالِ التَّحْقيقِ في لُغةِ العَرَبِ والنَّحْوِ والبَيَانِ والمَعَاني؛ لِيَتَلَخَّصَ له تَحْقِيقُ ما تُحْمَلُ عليه أَدِلَّةُ الأحْكَامِ. قال الله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ (٢). وقال : ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (٣). وقال الشاعر (٤): الجَاهِلُونَ فَمَوْتَى قَبْلَ مَوْتِهِمُ … والعَالِمُونَ وإِنْ مَاتُوا فَأَحْيَاءُ وقال آخر (٥): لا تحسبن المَوْتَ مَوْتَ البِلَى … وإِنَّمَا المَوْتُ سُؤَالُ الرِجَالْ كِلَاهُمَا مَوْتٌ، ولَكِنَّ ذَا … أشدُّ من ذَاكَ عَلَى كُلِّ حَالْ

стр. 96

/١٧ وقال آخر: وَفِي الجَهْلِ قَبْلَ المَوْتِ مَوْتٌ لأَهْلِهِ الثاني: لَا خِلَافَ أنه ﷺ قُبِضَ عن الدُّنْيَا بِظَاهِرِ بَشَريَّته، وأَنَّهُ خُيّرَ ﷺ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ ما عِندَ الله تعالى، فاخْتَار ما عند الله (١)، وصَارَ إلى الرَّفِيقِ الأَعْلَى وَجَنَّتِه، وذلك يُسَمَّى مَوْتاً وانْتِقالاً إلى الآخِرَةِ، مع ثُبُوتِ وَصْفِ الحَيَاةِ الحقيقية (٢)، والأَوْصَافِ الكَرِيِمَةِ السَّنِيَّةِ، من العِلْمِ، والإِدْرَاكِ، والاطِلاعِ، والتَّصَرُّفِ في العَوَالِمِ، والنِّعَمِ (٣) بِعَوَالِمِ القُدْسِ، والوصُولِ إلى الجنات، والإِشْرَافِ على أُمُورِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ (٤)، وذلك لا يُنَاقِضُ ما ذُكِرَ. الثالث: قَوْلُنَا: زيد حَيٌّ مَيِّتٌ، من غير تَعْيينِ جِهَتَي القَضِيَّةِ، لا يَلْزَمُ منه تَنَاقُضُهُما؛ لأنه لا يتَحَقَّقُ تَناقُضُ قَضِيَّتَيْنِ حتى تُسْتَوْفَى فيهما شُرُوطُ التَّنَاقُضِ، فلا يلزم وُرودُ السُّؤالِ حتى يُثْبِتَ السَّائِلُ تَنَاقُضَهُما بذِكْرِ تَمامِ شُروطِ النَّقِيض، وهذا في حكم المُناظَرَةِ جَوابٌ فيما ذكر، وحاصل ذلك أنه لا يَرِدُ حتى تتبيَّن المناقضةُ، وعند ذلك يُسَلَّمُ أو يُمْنَعُ. الرابع: أنَّ الموتَ المنسوبَ إلى الرُّسُلِ والنبيين، أمرٌ لا يُسَاويهم فيه غَيْرُهم، لاسِيَّما سَيِّدُهم وإِمَامُهم ﷺ ، وهو قد قال ﷺ : «إني لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ،

стр. 97

إِني أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي» (١). فزالتِ التَّسْويةُ، فَتَعَيَّن الوُقوفُ على اعْتِبارِ الآدابِ، في كُلِّ مَا يُعْزَى لذلك الجَنابِ، وكذلك في جَميعِ الأَنْبِيَاءِ وأَهْلِ الدَّرَجَاتِ العُلَى، فإنه إن يَكُنْ لَهُمْ وَفَاةٌ، فإنما هِي وفاةٌ لائِقَةٌ بِدَرَجاتِهِمْ السَّنِيَّةِ، مُوَافِقةٌ لِمَقَامَاتِهِمُ العَلِيَّةِ، لا الوَفَاةُ المعْهُودَةُ لِسَائِرِ الخَلائِقِ، فإنَّ عَزْوَ ذلك إلى شريفِ مناصبهِمْ غيرُ لائِقٍ. ومما يُوضِّحُ هذا الَّلبْسَ قولُ الله تعالى: ﴿إِذْ قاَلَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (٢). أي: قابضُكَ من الأَرْضِ وَافياً تاماً من غير أنْ ينالَ مِنْكَ اليهودُ شيئاً، هكذا فَسَّرَه الحسنُ بنُ أَبي الحسنِ البصريُّ (٣)، وابنُ جُرَيجِ (٤)، والكَلْبيُّ (٥)، وغيرهُمُ، فانظُرْ كيف أثبتَ الوفاةَ لعيسى صلواتُ الله عليه وسلامهُ و [هو] (٦) حَيٌّ في السَّماءِ. وكذلك قولُه تعالى عن عيسى ﵇ أيضاً:

стр. 98

﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً [مَّادُمْتُ فِيهِمْ] (١) فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ﴾ (٢). فإن قلتَ: قولهُ تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ﴾ (٣) يقتضي العمومَ، فما الجوابِ عنهُ؟ قلنا: عامٌّ يحتملُ التخصيصَ، أو المرادُ مَوْتُ الأجسادِ، أو المرادُ موتُ الأنفُسِ لا الأرواحِ، ولأجلِ ذلك جاء: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ﴾ (٤)، ولم يقلْ: كُلَّ رُوحٍ. وأيضاً: تقدم في الجواب عن السؤال الأول ما يَصْلُحُ جواباً لهذا السؤال الثاني، وبالله التوفيق. وإذاً، ثبت له ﷺ الحياةُ الهنِيَّةُ السنيَّةُ في عَالَمِ/١٨ البرزخِ على الوجه الأَتَمِّ الأكملِ، اللائقِ بِجنابهِ الأشرفِ الأنْبَلِ. ومشروعيةُ زيارةِ الأحياءِ للأحياء ثابتةٌ بنص القرآن في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبَاً﴾ (٥). وفيه دليلٌ بَيِّنٌ، وبرهانٌ جَلِيٌّ، على ثبوتِ مشروعيةِ السيرِ، وطَيِّ المسافاتِ القاصيةِ (٦)، ووطء البلاد النائية؛ لزيارةِ الأخيارِ والأبرارِ، ومشروعيةِ زيارةِ

стр. 99

الأعلى للعالي، فكيف بزيارةِ الأدنى للأعلى؟. فإن قيل: إنما جاء لطلب العلم. قلنا: الجوابُ عنه ظاهرٌ لأرباب العرفانِ والعلومِ، وإن كان فيه غموضٌ على أذهان العميانِ من العموم، ورويَ عن بعض العلماء أنه قال: ما عِلْمُ الخَضِرِ في عِلْمِ موسى إلا كعِلْمِ الهُدْهُدِ في علمِ سليمان، إذ قال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ (١). لا يقالُ: رُبَّما كان مشروعاً في المِلَّةِ المُوسَويَّةِ ليس غير؛ لأنا نقول: شَرْعُ مَنْ قَبْلنَا شرعٌ لنا حتى يَدُلَّ دليلٌ على خلافه (٢)، قال تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٣). فهذه الآياتُ من أجَلِّ البراهينِ وأوضحِ الحُجَجِ، على إثبات ما نحن بصددهِ من استحبابِ قطعِ المسافاتِ إلى زيارةِ العلماءِ، والصلحاءِ، وأهلِ الخيرِ من الكُمَّلِ الكُبَراءِ (٤). وقد جاء في التفسير أن الخَضِر ﵇ كان ببلادِ الأندلسِ، وموسى ﵇ بِمصْرَ، (٥) فانظر إلى هذه المسافةِ العظيمةِ التي سلكها في طلب لُقِيِّ عَبْدٍ صَالِحٍ!.

стр. 100

وقال أيضاً: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ (١). أي: ولو أني أَسِيرُ سنينَ كثيرةً، والحُقْبُ: سبعون سنة، أو: ثمانون، وقيل: أكثر (٢). فمِثْلُ هذا النبيِّ الكريمِ الحليمِ يقول: إني أسيرُ إلى لقاءِ هذا العبدِ الصالحِ، ولو أني أسيرُ هذهِ المدَّةَ المتطاولةَ والسنينَ الكثيرةَ حتى أَظْفَرَ بِلُقْيَاهُ، فكيف بزيارة العبدِ المؤمنِ المذنبِ الخطَّاءِ المُقصِّرِ المُفرِّطِ لملجئه ومَلاذِه عند المكارهِ والمخاوفِ، ومَفْزَعِهِ (٣) ومناصه عند المهالكِ والمتالفِ، وشفيعهِ إذا زلَّتْ به القَدَمُ، ومُنْجِيه إذا حَلَّ (٤) عليه النَّدَم، بسعي يسير، وبذلٍ حقير، بالنسبة إلى ما ذكر من تلك المسافاتِ، لا تخفى على من نوَّر الله قلبه، وصفَّى فهمه ولُبَّه، إنَّها مُتوجِّهة مُتعيِّنة، ومشروعيتها من كتاب الله الكريم واضحة مُتبيِّنة، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٥). وأما دلائلُ السُّنَّةِ الغَرَّاءِ، فكثيرةٌ جداً (٦)، ونشيرُ إلى زبدتها: الأول منها: ما رُوِّيناه من عند الإمام مُسلمِ بن الحَجَّاجِ، وأبي عيسى التِّرْمِذيِّ مُصَحَّحاً مُحَسَّناً، أن رسول الله ﷺ قال: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيارَةِ

стр. 101

القُبورِ، فَزوروها» (١). /١٩ ولفظه من الترمذي: «قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فَقَدْ أُذِنَ لِمُحَمدٍ ﷺ في زِيارَةِ قَبْرِ أُمِّه، فَزُوروها؛ فَإِنَّها تُذَكِّرُ الآخِرَةَ» (٢). ثم قال: والعملُ على هذا عِنْدَ أَهْلِ العلمِ، لا يَروْنَ بزيارةِ القبورِ بَأساً، وهو قولُ ابنِ المباركِ (٣)، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ (٤). وقال: في الباب عن أبي سعيد، (٥) وابن مسعود (٦)، وأنسٍ، (٧) وأبي هريرة (٨) ﵃. وهذا الحديثُ قويٌّ في الباب جداً حتى قيلَ: إِنَّهُ لا يوجدُ نسخٌ هو بهذه الصِّفةِ؛ لأنَّه ذُكِر معه منسوخُه، ولأنَّه لا يصحُ الجمعُ بينهما بوجهٍ، ولا على صفةٍ، ولا باعتبارِ سببٍ، ولأن النسخَ في غيرِ هذه الصورةِ نظريٌّ واجتهاديٌّ

стр. 102

يتَطرَّقُ إليه ما يتَطرَّقُ إلى النَّظَرِ والاجْتهادِ، [وهذه (١)] الصورةُ نصَّ صاحبُ الشرعِ على ثبوتِ حقيقةِ النسخِ فيها. ثم إنه أمرَ فيه بزيارة القبورِ بصيغةِ: افعلْ، التي هي للوجوبِ عند محققي الأصوليين، ما لم تَدُلَّ قرينةٌ على محملٍ آخر من محامله (٢). فظاهرُ الأمرِ بالزيارةِ للوجوبِ حتى يثبتَ المخالفُ دليلاً على خلافِ ذلكَ، وَوُرودُه بعد الحظر لا يمنعُ دلالتَه على الوجوب، على ما ذهبَ إليهِ حُذَّاقُ الأصوليين (٣) واستدلالُ القائلِ بالإباحةِ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٤) ونحوِه، لادليلَ فيهِ (٥)؛ إذ الاصطيادُ مباحٌ بدليلٍ خارجيٍّ وقرينةٍ دالَّةٍ على حملهِ على الإباحةِ.

стр. 103

ثم مُتعلَّقُ الأمرِ عامٌّ، وهو: الزائرونَ، والمزورُونَ، والزيارةُ، وزمنُ ذلكَ، ومكانُه، وإذا تقرَّرَ ذلكَ في كلِّ قبرٍ، كان في حق قبرِ سيِّدِ المرسلين (١)، وخيرِ الخلائقِ أجمعين، وخاتم النبيين أجْدَرُ وأَوْلى، وأخلقُ وأَحْرى، بل من بابِ ألزمَ وأوجبَ (٢). الثاني: ما رُوِّيناهُ من عندهما (٣) أيضاً، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: زارَ رسولُ الله ﷺ قبرَ أُمِهِ، فبكى وأبكى مَنْ حولَه، فقال: «اسْتَأْذَنْتُ ربي أن أَسْتَغْفِرَ لها، فلم يُؤْذَنْ لي، واسْتَأْذَنْتُه في أَنْ أَزُورَ قَبْرَها، فأَذِنَ لي، فَزُوروا القُبُورَ؛ فإنَّها تُذَكِّرُ المَوْتَ» (٤). وفي هذا ثبوتُ فعله ﷺ بقول الصحابي ﵁، وحصولُ الإذنِ الربانيِّ بالوحيِ الصادقِ. وفيه: النصُّ على عِلَّةِ الحُكْمِ بوصفٍ مناسبٍ، ومتى ذكرَ الشارعُ حكماً ونصَّ على تعليلهِ بوصفٍ مناسبٍ، كان ذلك الوصفُ دليلاً شرعياً في ثبوتِ /٢٠ ذلكَ الحكمِ، وفي ذلك المحل، وفي غيره: شخصاً، ونوعاً، وجنساً.

стр. 104

وفيه: دليلٌ بيِّنٌ (١) على جوازِ السفرِ لزيارة القبور، ولو كان بِمسافةٍ؛ لأن القبرَ المذكورَ كان بالأبواءِ (٢)، وهي على خمسةِ أيام من المدينة، ولا يَرُدُّ ذلك كونُ السفر في عمرةِ الحديبية؛ فإن الحديث دالٌ على ما ذُكِرَ ولو قدَّرْنا صحةَ ذلكَ، والله أعلم. الثالث: ما رُوِّيناهُ من عند البخاري ومسلم وأبي داودَ والتِّرْمِذيِّ، من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلاَّ إلى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، ومَسْجِدِ الرسول، ومَسْجِدِ الأَقْصَى» (٣). وفي لفظٍ من عند الإمام أحمد: «خَيْرُ مَا رُكِبَتْ إليه الرَّوَاحِلُ مَسْجِدِي والبَيْتُ العَتِيقُ» (٤). وفي لفظٍ: «أنا خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، ومَسْجِدِي خَاتَمُ مَسَاجِدِ الأَنْبِيَاءِ وهو أَحَقُّ المَسَاجِدِ أَنْ يُزَارَ وأَنْ يُرْكَبَ إليهِ على الرَّوَاحِلِ، بعد المَسْجِدِ الحَرَامِ» (٥).

стр. 105

وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الشَّرفَ إنَّما كان له ﷺ ومنْ أَجْلِهِ، فهو أَحَقُّ بالزيارةِ، وشدِّ الرحالِ إليها (١). ويمكنُ أن يقالَ: إن المسجدَ الحرامَ يصحُّ إطلاقُه على الحرمِ كلِّهِ، وعلى مكةَ كلِّهَا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ﴾ (٢). المرادُ به جميعُ الحرمِ اتفاقاً (٣)، وقال : ﴿والمسْجِدِ الحَرَامِ الذِي جَعَلْنَاهُ للنَّاسِ سَوَاءً﴾ (٤). ومعنى الحرمِ أخصُّ من معنى المسجِدِ، فيفهمُ من هذا الحديث مشروعيةُ شدِّ الرَّحْلِ إلى الحرمِ كلِّهِ، وإلى كل جزءٍ منه، وحرمُ المدينةِ كحرمِ مكةَ، بدليل الأحاديث الآتيةِ إن شاء الله تعالى في ترجمة الحرمِ، من أسماء المدينة، وكلُّ محلٍّ من الحرمينِ محرَّمٌ، معظَّمٌ، مبجَّلٌ، مكرَّمٌ، مشرَّفٌ، مفخَّمٌ، مخصوصٌ بالتبجيلِ والإقبالِ، والتعظيمِ والإجلالِ، والتوجُّهِ إليه بِشَدِّ الرحالِ، فكيف إذا ثَوَى في العظيم عظيمٌ؟ أو أَوَى إلى الكريمِ كريمٌ؟، فإن هناكَ تتضاعفُ البواعثُ، وتتوفرُ الدواعي، وتتأكدُ الوسائلُ، وتتعاظمُ الرغباتُ والمقاصدُ؛ لشيئينِ: شرفِ السكنِ، وشرفِ الساكنِ، وقدْ لا

стр. 106

يكونُ إلا بالساكنينَ شرفُ الأماكنِ، كيفَ وقدْ حكى عياض أن البقعةَ المحتويةَ على الجسدِ المُقدَّسِ أفضلُ بقاعِ الأرضِ على الإطلاق، ونقلَ في ذلك عن العلماء الإجماعَ و الاتفاقَ (١)، فثبتَ حينئذٍ مشروعيةُ التوجُّهِ والإقبالِ، بشدِّ الرحالِ، إلى جنابهِ الذي خصَّهُ اللهُ تعالى بأجلِّ أقسامِ الإجلالِ،/٢١ وارتفعتْ عن المسألة حجة الإشكالِ. وأيضاً: لا خلافَ في أنَّ مَنْ قصدَ مُعظَّماً في الحرمِ كتقبيلِ الحجرِ الأسود، أو الطوافِ بالكعبةِ، أو الشُّربِ من زمزمَ، ونحوهِ، بقطعِ المسافاتِ، وطَيِّ المَهَامِه (٢) لكانَ ذلكَ مشروعاً مندوباً، وإذا ثبتَ أنَّ قصدَ الكعبة بطيِّ المراحل، ووطءِ الرواحلِ، مشروعٌ بلا خلافِ، فمن باب الأجدرِ الأحرى، أنْ يكون قصدُ زيارةِ سيدِ المرسلين بنحو ذلكَ مشروعاً. وقد رُوِّينا من عند الترمذي، من حديثِ ابنِ عمر ﵄ أنَّهُ نظرَ يوماً إلى الكعبة، فقال: ما أعظمَكِ وأعظمَ حُرْمَتَكِ، والمؤمنُ أعظمُ حرمةً عندَ الله تعالى منكِ (٣). هذا حالُ عامةِ المؤمنين، فكيف بالأنبياء والمرسلين؟ بل كيف بأشرفِ النبيين وإِمَامِ المتقين؟. الرابع: ما رُوِّيناه من عند مسلم، عن أبي هريرة ﵁، يرفعه:

стр. 107

«أن رجلاً زارَ أخاً لهُ في قريةٍ، فأرصدَ الله تعالى على مَدْرَجَتِهِ (١) ملَكاً .. » الحديثَ (٢). فإذا كان هذا في حقِّ مَنْ أثبتَ وصفُ الإيمانِ أُخُوَّتَه، فكيف (٣) في حقِّ من رفعَ الله تعالى على نُبوَّةِ كلِّ نبيٍّ نبوَّتَه، وأَعْلَى عَلَى كلِّ درجةٍ درجتَه، وأسمى فوقَ كلِّ مَصْعَدةِ مَرْقى علوٍّ منْزلَتَهُ ورفعتَه، سيدِ الخلقِ، وسيدِ الإخوانِ، ومَنْ يَفْضُلُ على أمته من عظم قوته بإثبات أخوته، مع جمالِ شأنهِ وكمالِ رتبتهِ، فقال: «واشَوْقاً إلى لِقَاءِ إِخْوَانِي» فقال الصحابة ﵃: أَلسنَا إخوانَكَ يا رسولَ اللهِ؟ فقال ﷺ : «أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وإِنَّما إِخواني الذينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي .. » الحديث (٤). وقال ﷺ لعمرَ ﵁ لمَّا أرادَ أن يعتمرَ: «اذْكُرْنِي في دُعَائِكَ يا أخي». (٥)

стр. 108

أو نقولُ: حكمُ الزيارةِ صفةٌ مرتبطةٌ بثبوتِ وصفِ الإيمانِ، ثمَّ مَنْ ثبتَ لهُ الإيمانُ ثبتَ لهُ وصفُ الأخوةِ، ومنْ ثبتَ لهُ وصفُ الأخوةِ صحَّ فعلُ الزيارةِ لهُ على كلِّ حالٍ، وفي كلِّ زمانٍ، دنيا وآخرةٍ، لاسيَّمَا مع ثبوتِ حياةِ المؤمنينَ (١). وفي قوله ﷺ : «مَنْ عَادَ مَريضاً أَوْ زَارَ أَخاً لَهُ في الله تعالى .. » (٢) الحديث، وقولِه حكايةً عن الله تعالى: «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فيَّ» إلى قوله: «والمُتَزَاورِين فيَّ» (٣) ما يُؤيِّدُ ما ذكرناهُ، وبالله التوفيقُ. الخامس: ما رُوِّيناهُ من عندِ البخاريِّ، عن عمرو بن ميمونِ (٤) [الأَوْدي] (٥) قال: رأيتُ عمرَ بن الخطابِ ﵁ قالَ: يا عبدَ اللهِ بن

стр. 109

عمرَ، اذهبْ إلى أمِّ المؤمنينَ عائشةَ ﵂ وقلْ: يقرأُ عمرُ بن الخطابِ /٢٢ عليكِ السَّلامَ، ثم سَلْهَا أن أُدْفَنَ مع صاحبيَّ (١). والاستدلالُ به من وجوهِ: الأولُ: فِعْلُ عمرَ الفاروقِ ﵁، لاسيَّمَا في وقتِ قدومهِ على الله تعالى، فإذا كان مثلهُ في مثلِ ذلك الحالِ يحرصُ ويجتهدُ، ويسألُ ويغتبطُ ويتمنىَّ، ويوصي بنقلِ جسدهِ بعد وفاتهِ، وطَيِّ صُحُفِ أعمالهِ، إلى قُرْبِ ذلك الجسدِ الكريم، وأن يُسارَ بهِ إلى جوارِ مثوى أعْظُمِ ذلكَ النبيِّ العظيمِ؛ ليفوزَ بالقربِ بعد فراقِ الدُّنْيَا من طيبِ مثواهُ، فكيفَ لا يكونُ الحيُّ العبدُ المذنبُ المبتلى في الدُّنْيَا بالمصائبِ، والْمَرْمِيُّ من قِسِيِّ الشيطان والنفسِ والهوى بالصوائبِ، المحتاجُ إلى زيادةِ الحسناتِ، ولو قدَرَ فبسطَ (٢) الساعي في تحصيلِ العملِ الصالحِ على هذا البسيطِ طالباً حريصاً مُوْلَعاً لتقريبِ ذاتهِ ووجودهِ من نورِ الأنوارِ، وسيدِ الأخيارِ، وذُخْرهِ وشافِعه ومَلاذِه (٣) في تلكَ الدارِ، بل ذلك في حقِّهِ آكَدُ وألزمُ، واستحبابُهُ في حقِّهِ أقوى وأعظمُ. السادس: ما رُوِّيناهُ من عند مسلم، من حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ كُلَّمَا كانَ ليلتها يخرجُ من آخر الليلِ إلى البقيعِ (٤).

стр. 110

والدليلُ فيه واضحٌ لثبوتِ فعلهِ ﷺ متكرراً، وفعلهُ ﷺ مجرَّداً يَدلُّ على المشروعيةِ إجماعاً (١)، نعم على الندب عند الأكثرين، وعلى الوجوب عند المحققينَ (٢)، لاسيَّما مع الدوامِ والاستمرار، ودعاؤهُ لهم يؤكدُ مشروعيةَ زيارتِهِمْ. السابع: ما رُوِّيناهُ من عند أبي داود، من حديث أبي هريرةَ ﵁، يرفعُه: «ما مِنْ أحدٍ يسلِّمُ عليَّ إلا رَدَّ الله عليَّ روحي حتى أرُدَّ ﵇» (٣). وهذا حديثٌ ذكره الإمامُ الجليلُ أبو عبد الرحمنِ [ .... (٤)] وبيَّنَ أنَّهُ أجمعَ أهلُ العلمِ على قَبوله وتصحيحه، وهذا عامٌّ في كلِّ مسلِّمٍ، قريباً كان أو بعيداً، والمُسَلِّمُ زَائِراً فَرْدٌ منْ أفراد هذا العامِّ، والعامُّ ممدوحٌ فاعلُهُ، موعودٌ بحسنِ الجزاءِ، فالخاصُّ كذلك (٥). الثامن: ما رُوِّيناه في سننِ الدارقطني (٦) وفي الثامن من «الخِلَعيَّات» (٧) عن عبدِالله بنِ عمرَ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ جاءني زائراً
следующие страницы →