كانوا يشدون منهم أنهم مبطلون فرجعوا وتخاطب الحاج بهادر ونائب السلطان وغيرهما بصورة الحال وعرفوا حقيقة المحال وقمنا إلى داخل ودخلنا وقد طلبوا التوبة عما مضى وسألني الأمير عما يطلب منهم فقلت: متابعة الكتاب والسنة مثل أن يعتقد (١) أنه لا يجب عليه إتباعهما أو أنه يسوغ لأحد الخروج من حكمهما ونحو ذلك أو أنه يجوز إتباع طريقة تخالف بعض حكمها ونحو ذلك من وجوه الخروج عن الكتاب والسنة التي توجب الكفر وقد توجب القتل دون الكفر وقد توجب قتال الطائفة الممتنعة دون قتل الواحد المقدور عليه.
فقالوا: نحن ملتزمون الكتاب والسنة أتنكر علينا غير الأطواق، نحن نخلعها. فقلت: الأطواق وغير الأطواق ليس المقصود شيئاً معيناً وإنما المقصود أن يكون جميع المسلمين تحت طاعة الله ورسوله صلى تعالى الله عليه وسلم، فقال الأمير: فأي شيء الذي يلزمهم من الكتاب والسنة؟ فقلت: حكم الكتاب والسنة كثير لا يمكن ذكره في هذا المجلس لكن المقصود أن يلتزموا هذا التزاماً عاماً ومن خرج عنه ضربت عنقه - وكرر ذلك وأشار بيده إلى ناحية الميدان - وكان المقصود أن يكون هذا حكماً عاماً في حق جميع الناس فإن هذا مشهد عام مشهور وقد توفرت الهمم عليه فيتقرر عند المقاتلة وأهل الديوان والعلماء والعباد وهؤلاء وولاة الأمور أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه.
стр. 142
قلت: ومن ذلك الصلوات الخمس في مواقيتها كما أمر الله ورسوله فإن من هؤلاء من لا يصلي ومنهم من يتكلم في صلاته حتى إنهم بالأمس بعد أن اشتكوا علي في عصر الجمعة جعل أحدهم يقول في صلب الصلاة: يا سيدي أحمد شيء لله، وهذا مع أنه مبطل للصلاة فهو شرك بالله ودعاء لغيره في حال مناجاته التي أمرنا أن نقول فيها (إياك نعبد وإياك نستعين) وهذا قد فعل بالأمس بحضرة شيخهم فأمر قائل ذلك لما أنكر عليه المسلمون بالاستغفار على عادتهم في صغير الذنوب ولم يأمره بإعادة الصلاة وكذلك يصيحون في الصلاة صياحاً عظيماً وهذا منكر يبطل الصلاة.
(فقال) هذا يغلب على أحدهم كما يغلب العطاس (فقلت) العطاس من الله والله يحب العطاس ويكره التثاؤب ولا يملك أحدهم دفعه، وأما هذا الصياح فهو من الشيطان وهو باختيارهم وتكلفهم ويقدرون على دفعه، ولقد حدثني بعض الخبيرين بهم بعد المجلس أنهم يفعلون في الصلاة
ما لا تفعله اليهود والنصارى مثل قول أحدهم أنا على بطن امرأة الإمام وقول الآخر كذا وكذا من الإمام ونحو ذلك من الأقوال الخبيثة، وأنهم إذا أنكر عليهم المنكر ترك الصلاة يصلون بالتوبة وأنا أعلم أنهم متولين (١) شياطين ليسوا مغلوبين على ذلك كما يغلب الرجل في بعض الأوقات على صيحة أو بكاء في الصلاة أو غيرها.
فلما أظهروا التزام الكتاب والسنة وجموعهم بالميدان بأصواتهم وحركاتهم الشيطانية يظهرون أحوالهم
(قلت) له أهذا موافق للكتاب
стр. 143
والسنة؟
(فقال) هذا من الله حال يرد عليهم
(فقلت) هذا من الشيطان الرجيم لم يأمر الله به تعالى ولا رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا أحبه الله ولا رسوله
(فقال) ما في السموات والأرض حركة ولا كذا ولا كذا إلا بمشيئته وإرادته
(فقلت) له هذا من باب القضاء والقدر وهكذا كل ما في العالم من كفر وفسوق وعصيان هو بمشيئته وإرادته وليس ذلك بحجة لأحد في فعله بل ذلك مما زينه الشيطان وسخطه الرحمن.
(فقال) فبأي شيء تبطل هذه الأحوال
(فقلت) بهذه السياط الشرعية. فأعجب الأمير وضحك وقال أي والله بالسياط الشرعية، تبطل
هذه الأحوال الشيطانية، كما قد جرى مثل ذلك لغير واحد ومن لم يجب إلى الدين بالسياط الشرعية فبالسيوف المحمدية. وأمسكت سيف الأمير وقلت هذا نائب رسول الله ﷺ وغلامه وهذا السيف سيف رسول الله ﷺ فمن خرج عن كتاب الله وسنة
رسوله ضربناه بسيف الله وأعاد الأمير هذا الكلام وأخذ بعضهم يقول فاليهود والنصارى يقرون ولا نقر نحن؟
(فقلت) اليهود والنصارى يقرون بالجزية على دينهم المكتوم في دورهم والمبتدع لا يقر على بدعته فافحموا لذلك وحقيقة الأمر أن من أظهر منكراً في دار الإسلام لم يقر على ذلك فمن دعا إلى بدعة وأظهرها لم يقر ولا يقر من أظهر الفجور وكذلك أهل الذمة لا يقرون على إظهار منكرات دينهم، ومن سواهم فإن كان مسلماً أخذ بواجبات الإسلام وترك محرماته، وإن لم يكن مسلماً ولا ذميا فهو إما مرتد وإما مشرك وإما زنديق ظاهر الزندقة وذكرت ذم المبتدعة فقلت روى مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه أبي جعفر الباقر
стр. 144
عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان يقول في خطبته "إن أصدق الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها (١) وكل بدعة ضلالة" وفي السنن عن العرباض بن سارية قال خطبنا رسول الله ﷺ خطبة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل يا رسول الله كان هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال
"أوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيراً فعليكم نسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" وفي رواية (٢) " وكل ضلالة في النار" (فقال) لي البدعة مثل الزنا وروى حديثا في ذم الزنا (فقلت) هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم والزنا معصية والبدعة شر من المعصية كما قال سفيان الثوري البدعة أحب إلى إبليس من المعصية فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها. وكان قد (قال) بعضهم نحن نتوب الناس (فقلت) مماذا تتوبنهم؟ قال من قطع الطريق والسرقة ونحوذلك (فقلت) حالهم قبل تتويبكم خير من حالهم بعد تتويبكم فإنهم كانوا فساقا يعتقدون تحريم ماهم عليه ويرجون رحمة الله
ويتوبون إليه أو ينوون التوبة، فجعلتموهم بتتويبكم ضالين. مشركين خارجين عن شريعة الإسلام، يحبون ما يبغضه الله ويبغضون ما يحبه الله، ونثبت أن هذه الشريعة التي هم وغيرهم عليها شر من المعاصي
стр. 145
قلت مخاطباً للأمير والحاضرين: أما المعاصي فمثل ما روى البخاري في صحيحه عن عمر ابن الخطاب أن رجلاً كان يدعى حماراً وكان يشرب الخمر وكان يضحك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكان كلما أتي به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جلده الحد، فلعنه رجل مرة وقال: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله " قلت: فهذا رجل كثير الشرب للخمر ومع هذا فلما كان صحيح الاعتقاد يحب الله ورسوله شهد له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك ونهى عن لعنته.
وأما المبتدع فمثل ما أخرجا في الصحيحين عن علي بن أبي طالب وعن أبي سعيد الخدري وغيرهما - دخل حديث بعضهم في بعض - أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقسم فجاءه رجل ناتئ الجبين كث اللحية محلوق الرأس بين عينيه أثر السجود وقال ما قال، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: " يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد " وفي رواية: " لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل " وفي رواية " شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه " قلت: فهؤلاء مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم وما هم عليه من العبادة والزهادة أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بقتلهم وقتلهم علي بن أبي طالب ومن معه من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وذلك لخروجهم عن سنة النبي وشريعته وأظن أني ذكرت قول الشافعي: لأن يبتلى العبد بكل ذنب
стр. 146
ما خلا الشرك بالله خير من أن يبتلى من هذه الأهواء، فلما ظهر قبح البدع في الإسلام وإنها أظلم من الزنا والسرقة وشرب الخمر وأنهم مبتدعون بدعاً منكرة فيكون حالهم أسوأ من حال الزاني والسارق وشارب الخمر.
أخذ شيخهم عبد الله يقول: يا مولانا لا تتعرض لهذا الجناب العزيز - يعني أتباع أحمد بن الرفاعي - فقلت منكراً بكلام غليظ: ويحك أي شيء هو الجناب العزيز وجناب من خالفه أولى بالعزبار والرزجنة (١) تريدون أن تبطلوا دين الله ورسوله، فقال: يا مولانا يحرقك الفقراء بقلوبهم، فقلت: مثل ما أحرقني الرافضة لما قصدت الصعود إليهم وصار جميع الناس يخوفوني منهم ومن شرهم ويقول أصحابهم: إن لهم سراً مع الله فنصر الله وأعان عليهم، وكان الأمراء الحاضرون قد عرفوا بركة ما يسره الله في أمر غزو الرافضة بالجبل. وقلت لهم: يا شبه الرافضة يا بيت الكذب - فإن فيهم من الغلو والشرك والمروق عن الشريعة ما شاركوا به الرافضة في بعض صفاتهم وفيهم من الكذب ما قد يقاربون به الرافضة في ذلك أو يساوونهم أو يزيدون عليهم فإنهم من أكذب الطوائف حتى قيل فيهم: لا تقولوا أكذب من اليهود على الله ولكن قولوا أكذب من الأحمدية على شيخهم، وقلت لهم: أنا كافر بكم وبأحوالكم " فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون ".
ولما رددت عليهم الأحاديث المكذوبة أخذوا يطلبون مني كتباً صحيحة ليهتدوا بها فبذلت لهم ذلك، وأعيد الكلام أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه، وأعاد الأمير هذا الكلام واستقر الكلام
стр. 147
على ذلك، والحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.
هذا آخر ما جرى مع البطائحية لشيخ الإسلام وإمام الأئمة الأعلام، الشيخ تقي الدين أحمد الشهير بابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه ورضي عنه.
стр. 148
لباس الفتوة والخرقة عند المتصوفة ومسائل أخرى فشت فيهم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مسألة: سئلها الشيخ الإمام العالم العلامة، إمام الوقت، فريد الدهر، جوهر العلم، لب الإيمان، قطب الزمان، مفتي الفرق، شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام شهاب الدين عبد الحليم ابن الشيخ الإمام العلامة مؤيد السنة مجد الدين عبد السلام ابن تيمية الحراني ﵁ ونفع به آمين: في جماعة يجتمعون في مجلس ويلبسون لشخص منهم لباس الفتوة ويديرون بينهم في مجلسهم شربة فيها ملح وماء يشربونها، ويزعمون أن هذا من الدين، ويذكرون في مجلسهم ألفاظاً لا تليق بالعقل والدين فمنها أنهم يقولون إن رسول الله ﷺ ألبس علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لباس الفتوة ثم أمره أن يلبس من شاء، ويقولون إن اللباس أنزل على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في صندوق ويستدلون عليه بقوله تعالى: " يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم " الآية - فهل كما زعموا أم كذب مختلق؟ وهل هو من الدين أم لا؟ وإذا لم يكن من الدين فما يجب على من يفعل ذلك أو يعين عليه؟ ومنهم من ينسب ذلك إلى الخليفة الناصر لدين الله إلى عبد الجبار ويزعم أن ذلك من الدين، فهل لذلك أصل أم لا؟ وهل الأسماء التي يسمون بها بعضهم بعضاً من اسم الفتوة ورؤوس الأحزاب والزعماء فهل لهذا أصل أم لا؟ ويسمون المجلس الذي يجتمعون فيه دسكرة، ويقوم للقوم
стр. 149
نقيب إلى الشخص الذي يلبسونه فينزعه اللباس الذي عليه بيده ويلبسه اللباس الذي يزعمون أنه لباس الفتوة بيده، فهل هذا جائز أم لا؟ وإذا قيل لا يجوز فعل ذلك ولا الإعانة عليه فهل يجب على ولي الأمر منعهم من ذلك؟ وهل للفتوة أصل في الشريعة أم لا؟ وإذا قيل: لا أصل لها في الشريعة فهل يجب على غير ولي الأمر أن ينكر عليهم ويمنعهم من ذلك أم لا؟ مع إمكانه من الإنكار (١) وهل أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنه أو من التابعين أو من بعدهم من أهل العلم فعل هذه الفتوة المذكورة أو أمر بها أم لا؟ وهل خلق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من النور أم خلق من الأربع عناصر أم من غير ذلك؟ وهل الحديث الذي يذكره بعض الناس لولاك ما خلق الله عرشاً ولا كرسياً ولا أرضاً ولا سماءً ولا شمساً ولا قمراً ولا غير ذلك صحيح هو أم لا؟ وهل الأخوة التي يؤاخيها المشايخ بين الفقراء في السماع وغيره يجوز فعلها في السماع ونحوه أم لا؟ وهل آخى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار أم بين كل مهاجري وأنصاري؟ وهل آخى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أم لا؟ بينوا لنا ذلك بالتعليل والحجة المبينة وابسطوا لنا الجواب في ذلك بسطاً شافياً مأجورين أثابكم الله تعالى.
لباس خرقة الفتوة مبتدع:
الجواب: الحمد لله أما ما ذكر من إلباس لباس الفتوة والسراويل أو غيره وإسقاء الملح والماء فهذا باطل لا أصل له ولم يفعل هذا رسول الله
стр. 150
صلى الله تعالى عليه وسلم ولا أحد من أصحابه لا علي بن أبي طالب ولا غيره ولا من التابعين لهم بإحسان، والإسناد الذي يذكرونه من طريق الخليفة الناصر إلى عبد الجبار إلى ثمامة فهو إسناد لا تقوم به حجة، وفيه من لا يعرف ولا يجوز لمسلم أن ينسب إلى النبي ﷺ بمثل هذا الإسناد المجهول الرجال أمراً من الأمور التي لا تعرف عنه فكيف إذا نسب إليه ما يعلم أنه كذب وافتراء عليه، فإن العالمين بسنته وأحواله متفقون على أن هذا من الكذب المختلق عليه وعلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وما ذكروه من نزول هذا اللباس في صندوق هو من أظهر الكذب باتفاق العارفين بسنته، واللباس الذي يواري السوءة هو كل ما ستر العورة من جميع أصناف اللباس المباح، أنزل الله تعالى هذه الآية لما كان المشركون يطوفون بالبيت عراة يقولون: ثياب عصينا الله فيها لا نطوف فيها؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية وأنزل قوله: " خذوا زينتكم عند كل مسجد " والكذب في هذا أظهر من الكذب فيما ذكر من لباس الخرقة، وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تواجد حتى سقطت البردة عن ردائه، وإنه فرق الخرق على أصحابه، وأن جبريل أتاه وقال له: إن ربك يطلب نصيبه من زيق الفقر، وأنه علق ذلك بالعرش، فهذا أيضاً كذب باتفاق أهل المعرفة فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يجتمع هو وأصحابه على سماع كف ولا سماع دفوف وشبابات ولا رقص، ولا سقط عنه ثوب من ثيابه في ذلك ولا قسمه على أصحابه وكل ما يروى من ذلك مختلق باتفاق أهل المعرفة بسنته.
стр. 151
فصل: شروط لباس خرقة الفتوة: والشروط التي تشترطها شيوخ الفتوة ما كان منها مما أمر الله به ورسوله كصدق الحديث وأداء الأمانة وأداء الفرائض واجتناب المحارم ونصر المظلوم وصلة الأرحام والوفاء بالعهد أو كانت مستحبة كالعفو عن الظالم واحتمال الأذى، وبذل المعروف الذي يحبه الله ورسوله وأن يجتمعوا على السنة ويفارق أحدهما الآخر إذا كان على بدعة ونحو ذلك فهذه يؤمن بها كل مسلم سواء شرطها شيوخ الفتوة أو لم يشرطوها، وما كان منها مما نهى الله عنه ورسوله مثل التحالف الذي يكون بين أهل الجاهلية إن كلاً منهما يصادق صديق الآخر في الحق والباطل، ويعادي عدوه في الحق والباطل، وينصره على كل من يعاديه سواء كان الحق معه أو كان مع خصمه، فهذه شروط تحلل الحرام وتحرم الحلال، وهي شروط ليست في كتاب الله (١) وفي الصحيح عنه أنه ﷺ قال: " ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق " رواه البخاري. وفي السنن عنه أنه قال: " المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً " وكل ما كان من الشروط التي بين القبائل والملوك والشيوخ والأحلاف وغير ذلك فإنها على هذا الحكم باتفاق علماء المسلمين، ما كان
стр. 152
من الأمر المشروط الذي قد أمر الله به ورسوله فإنه يؤمر به كما أمر الله به ورسوله، وإن كان مما نهى عنه ورسوله فإنه ينهى عنه كما نهى الله عنه ورسوله، وليس لبني آدم أن يتعاهدوا ولا يتعاقدوا ولا يتحالفوا ولا يتشارطوا على خلاف ما أمر الله به ورسوله، بل على كل منهم أن يوفوا بالعقود والعهود التي عهدها الله إلى بني آدم كما قال الله تعالى: " واوفوا بعهدي اوف بعهدكم " وكذلك ما يعقده المرء على نفسه كعقد النذر أو يعقده الاثنان كعقد البيع والإجارة والهبة وغيرهما أو ما يكون تارة من واحد وتارة من اثنين كعقد الوقف والوصية، فإنه في جميع هذه العقود متى اشترط العاقد شيئاً مما نهى الله عنه ورسوله كان شرطه باطلاً.
وفي الصحيح عن عائشة ﵂ عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " والعقود المخالفة لما أمر الله به ورسوله هي من جنس دين الجاهلية وهي شعبة من دين المشركين وأهل الكتاب الذين عقدوا عقوداً أمروا فيها بما نهى الله عنه ورسوله، ونهوا فيها عما أمر الله به ورسوله فهذا أصل عظيم يجب على كل مسلم أن يتجنبه.
فصل: الفتى والفتوة والزعيم والحزب والدسكرة وما قالوه فيها: وأما لفظ الفتى فمعناه في اللغة الحدث كقوله تعالى: " إنهم فتية آمنوا بربهم ".
وقوله تعالى: " قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ".
ومنه قوله تعالى: " وإذ قال موسى لفتاه " لكن لما كانت أخلاق الأحداث اللين صار
стр. 153
كثير من الشيوخ يعبرون بلفظ الفتوة عن مكارم الأخلاق كقول بعضهم: طريقنا نتفتى وليس بتقوى، وقول بعضهم: الفتوة أن تقرب من يقصيك وتكرم من يؤذيك، وتحسن إلى من يسيء إليك، سماحة لا كظماً، ومودة لا مضارة، قول بعضهم: الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى، وأمثال هذه الكلمات التي توصف فيها الفتوة بصفات محمودة محبوبة سواء سميت فتوة أو لم تسم، وهي لم تستحق المدح في الكتاب والسنة إلا لدخولها فيما حمده الله ورسوله من الأسماء كلفظ الإحسان والرحمة والعفو والصفح والحلم وكظم الغيظ والبر والصدقة والزكاة والخير ونحو ذلك من الأسماء الحسنة التي تتضمن هذه المعاني، فكل اسم علق الله به المدح والثواب في الكتاب والسنة كان أهله ممدوحين، وكل اسم علق به الذم والعقاب في الكتاب والسنة كان أهله مذمومين، كلفظ الكذب والخيانة والفجور والظلم والفاحشة ونحو ذلك.
وأما لفظ الزعيم فإنه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين قال تعالى: " ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " فمن تكفل بأمر طائفة فإنه يقال: هو زعيم فإن كان قد تكفل بخير كان محموداً على ذلك وإن كان شراً كان مذموماً على ذلك.
وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب أي تصير حزباً فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق والباطل، فهذا من التفرق
стр. 154
الذي ذمه الله تعالى ورسوله فإن الله ورسوله أمراً بالجماعة والائتلاف، ونهياً عن التفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمه وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ".
وفي الصحيحين عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً " وشبك بين أصابعه.
وفي الصحيح عنه أنه قال: " المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله ".
وفي الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " قيل: يا رسول الله أنصره مظلوماً فكيف أنصره ظالماً؟ قال: " تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه ".
وفي الصحيح عنه أنه قال: " خمس تجب للمسلم على المسلم: يسلم عليه إذا لقيه، ويعوده إذا مرض، ويشتمه إذا عطس، ويجيبه إذا دعاه ويشيعه إذا مات ".
وفي الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ".
فهذه الأحاديث وأمثالها فيها أمر الله ورسوله بما أمر به من حقوق المؤمنين بعضهم على بعض. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله أخواناً ".
وفي الصحيحين عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " إن الله يرضى لكم ثلاثاً أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وإن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وإن تناصحوا من ولاه الله أمركم ".
стр. 155
وفي السنن عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " صلاح ذات البين، هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين " فهذه الأمور مما نهى الله ورسوله عنها.
وأما لفظة الدسكرة فليست من الألفاظ التي لها أصل في الشريعة فيتعلق بها حمد أو ذم ولكن هي في عرف الناس يعبر عنها عن المجامع كما في حديث هرقل أنه جمع الروم في دسكرة، ويقال للمجتمعين على شرب الخمر أنهم في دسكرة، فلا يتعلق بهذا اللفظ حمد ولا ذم، وهو إلى الذم أقرب لأن الغالب في عرف الناس أنهم يسمون بذلك الاجتماع (١) على الفواحش والخمر والغناء.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على كل مسلم لكنه من فروض الكفايات فإن قام من يسقط به الفرض من ولاة الأمر أو غيرهم والأوجب على غيرهم أن يقوم من ذلك بما يقدر عليه.
فصل: مم خلق النبي ﷺ وبم تتفاضل المخلوقات: والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم خلق مما يخلق منه البشر ولم يخلق أحد من البشر من نور بل قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " إن الله خلق الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم " وليس تفضيل بعض المخلوقات على بعض
стр. 156
باعتبار ما خلقت منه فقط بل قد يخلق المؤمن من كافر والكافر من مؤمن كابن نوح منه وكإبراهيم من آزر، وآدم خلقه الله من طين فلما سواه ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة وفضله عليهم بتعليمه أسماء كل شيء، وبأن خلقه بيديه، وبغير ذلك، فهو وصالحوا ذريته أفضل من الملائكة وإن كان هؤلاء مخلوقين من طين وهؤلاء من نور، وهذه مسألة كبيرة مبسوطة في غير هذا الموضع فإن فضل بني آدم هو بأسباب يطول شرحها هنا وإنما يظهر فضلهم إذا دخلوا دار القرار " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " والآدمي خلق من نطفة ثم من مضغة ثم من علقة ثم انتقل من صغر إلى كبر، ثم من دار إلى دار، فلا يظهر فضله وهو في ابتداء أحواله وإنما يظهر فضله عند كمال أحواله، بخلاف الملك الذي تشابه أول أمره وآخره، ومن هنا غلط من فضل الملائكة على الأنبياء حيث نظر إلى أحوال الأنبياء وهم في أثناء الأحوال، قبل أن يصلوا إلى ما وعدوا به في الدار الآخرة من نهايات الكمال.
وقد ظهر فضل نبينا على الملائكة ليلة المعراج لما صار بمستوى يسمع فيه صريف الأقلام، وعلا على مقامات الملائكة والله تعالى أظهر من عظيم قدرته وعجيب حكمته من صالحي الآدميين من الأنبياء والأولياء ما لم يظهر مثله من الملائكة حيث جمع فيهم ما تفرق في المخلوقات، فخلق بدنه من الأرض وروحه من الملأ الأعلى، ولهذا يقال هو العالم الصغير وهو نسخة العالم الكبير ومحمد سيد ولد آدم وأفضل الخلق وأكرمهم عليه ومن هنا قال من قال إن الله من أجله العالم، أو إنه لولا هو لما خلق عرشاً ولا كرسياً ولا سماءً ولا أرضاً ولا شمساً ولا قمراً، لكن ليس هذا حديثاً عن النبي صلى الله
стр. 157
تعالى عليه وسلم لا صحيحاً ولا ضعيفاً ولم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بل ولا يعرف عن الصحابة بل هو كلام لا يدرى قائله، ويمكن أن يفسر بوجه صحيح كقوله: " سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة " وقوله (١) : " الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار، وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا الله لا تحصوها " وأمثال ذلك من الآيات التي يبين فيها أنه خلق المخلوقات لبني آدم ومعلوم أن لله فيها حكماً عظيمة غير ذلك وأعظم من ذلك، لكن يبين لبني آدم ما فيها من المنفع وما أسبغ عليهم من النعمة، فإذا قيل فعل كذا لكذا لم يقتض أن لا يكون فيه حكمة أخرى وكذلك قول القائل لولا كذا ما خلق كذا، لا يقتضي أن لا يكون فيه حكم أخرى عظيمة، بل يقتضي إذا كان أفضل صالحي بني آدم وأفضلهم محمد، وكانت خلقته غاية مطلوبة، وحكمة بالغة مقصودة من غيره، وصار تمام الخلق، ونهاية الكمال به حصل لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم (٢) والله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وكان آخر الخلق يوم الجمعة وفيه خلق آدم وهو آخر ما خلق، خلق يوم الجمعة بعد العصر في آخر يوم الجمعة. وسيد ولد آدم هو محمد صلى الله تعالى عليه وسلم آدم فمن دونه تحت لوائه قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين وإن آدم
стр. 158
لمنجدل في طينته " أي كتبت نبوتي وأظهرت لما خلق آدم قبل نفخ الروح فيه كما يكتب الله رزق العبد وأجله وعمله وشقي أو سعيد إذا خلق الجنين قبل نفخ الروح فيه، فإذا كان الإنسان هو خاتم المخلوقات وآخرها هو الجامع لما فيها، وفاضله هو فاضل المخلوقات مطلقاً، ومحمد إنسان هذا العين، وقطب هذه الرحى، وأقسام هذا الجمع كان كأنها غاية الغايات في المخلوقات، فما ينكر أن يقال أنه لأجله حلقت جميعها، وإنه لولاه لما خلقت، فإذا فسر هذا الكلام ونحوه بما يدل عليه الكتاب والسنة قبل ذلك.
وأما إذا حصل في ذلك غلو من جنس غلو النصارى بإشراك بعض المخلوقات في شيء من الربوبية كان ذلك مردوداً غير مقبول فقد صح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله " وقد قال تعالى: " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم، إنما الله إله واحد " والله قد جعل له حقاً لا يشركه فيه مخلوق فلا تصلح العبادة إلا له، ولا الدعاء إلا له، ولا التوكل إلا عليه، ولا الرغبة إلا إليه، ولا الرهبة إلا منه، ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب السيئات إلا هو، ولا حول ولا قوة إلا به " ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، إن كل من في السموات والأرض
стр. 159
إلا آتي الرحمن عبداً، لقد أحصاهم وعدهم عداً، وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ".
وقال تعالى: " ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون " فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده، وكذلك في قوله: " ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا: حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون " فالإيتاء لله والرسول، وأما التوكل فعلى الله وحده، والرغبة إلى الله وحده.
فصل: وأما المؤاخاة فإن النبي ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار لما قدم المدينة كما آخى بين سلمان الفارسي وبين أبي الدرداء، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة حتى أنزل الله تعالى: " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " فصاروا يتوارثون بالقرابة وفي ذلك أنزل الله تعالى: " والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " وهذا هو المحالفة واختلف العلماء عل التوارث بمثل ذلك عند عدم القرابة والولاء محكم أو منسوخ؟ على قولين: أحدهما أن ذلك منسوخ وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه ولما ثبت في صحيح مسلم عنه أنه قال: " لا حلف في الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلى شدة ".
والثاني: أن ذلك محكم وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى عنه.
وأما المؤاخاة بين المهاجرين كما يقال أنه آخى بين أبي بكر وعمر وأنه آخى علياً ونحو ذلك فهذا كله باطل وإن كان بعض الناس ذكر أنه فعل
стр. 160
بمكة وبعضهم ذكر أنه فعل بالمدينة وذلك نقل ضعيف إما منقطع وإما بإسناد ضعيف والذي في الصحيح هو ما تقدم ومن تدبر الأحاديث الصحيحة والسيرة النبوية الثابتة تيقن أن ذلك كذب.
وأما عقد الأخوة بين الناس في زماننا فإن كان المقصود منها التزام الأخوة الإيمانية التي أثبتها الله بين المؤمنين بقوله: " إنما المؤمنين أخوة " وقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: " المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه " وقوله: " لا يبيع أحدكم على بيع أخيه، ولا يستام على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه " وقوله: " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه " ونحو ذلك من الحقوق الإيمانية التي تجب للمؤمن على المؤمن، فهذه الحقوق واجبة بنفس الإيمان، والتزامها بمنزلة الصلاة والزكاة والصيام والحج، والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله، وهذه ثابتة لكل مؤمن على كل مؤمن، وإن لم يحصل بينهما عقد مؤاخاة، وإن كان المقصود منها إثبات حكم خاص كما كان بين المهاجرين والأنصار، فهذه فيها للعلماء قولان بناءً على أن ذلك منسوخ أم لا، فمن قال: إنه منسوخ - كمالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه - قال: إن ذلك غير مشروع. ومن قال إنه لم ينسخ - كما قال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى - قال: إنه مشروع.
وأما الشروط التي يلتزمها كثير من الناس في السماع وغيره مثل أن يقول: على المشاركة في الحسنات، وأينا خلص يوم القيامة خلص صاحبه ونحو ذلك، فهذه كلها شروط باطلة فإن الأمر يومئذ لله، هو " يوم لا تملك
стр. 161
نفس لنفس شيئاً " وكما قال تعالى: " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم، وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء، لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ".
وكذلك يشترطون شروطاً من الأمور الدنيوية ولا يوفون بها وما أعلم أحداً ممن دخل في هذه الشروط الزائدة على ما شرطه الله ورسوله وفى بها بل هو كلام يقولونه عند غلبة الحال، لا حقيقة له في المال وأسعد الناس من قام بما أوجبه الله ورسوله فضلاً عن أن يوجب على نفسه زيادات على ذلك - وهذه المسائل قد بسطت في غير هذا الموضع والله أعلم.
قاله أحمد بن تيمية الحراني.
стр. 162
كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى العارف بالله الشيخ نصر المنبجي
قال الراوي: كتاب كتبه الشيخ الإمام وحيد دهره، وفريد عصره، علامة زمانه ناصر السنة مؤيد الشريعة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني فسح الله تعالى في مدته وأعاد علينا من بركته إلى الشيخ القدوة أبي الفتح نصر المنبجي سنة أربع وسبعمائة.
بسم الله الرحمن الرحيم: من أحمد بن تيمية إلى الشيخ العارف القدوة السالك الناسك أبي الفتح نصر، فتح الله على باطنه وظاهره ما فتح به على قلوب أوليائه، ونصره على شياطين الإنس والجن في جهره وإخفائه، ونهج به الطريقة المحمدية الموافقة لشرعته، وكشف به الحقيقة الدينية المميزة بين خلقه وطاعته، وإرادته ومحبته، حتى يظهر للناس الفرق بين الكلمات الكونية والكلمات الدينية، وبين المؤمنين الصادقين الصالحين، ومن تشبه بهم من المنافقين، كما فرق الله بينهما في كتابه وسنته.
أما بعد فإن الله تعالى قد أنعم على الشيخ وأنعم به نعمة باطنة وظاهرة في الدين والدنيا، وجعل له عند خاصة المسلمين الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً منزلة عليه، ومودة إليه لما منحه الله تعالى به من حسن المعرفة والقصد، فإن العلم والإرادة، أصل لطريق الهدى
стр. 163
والعبادة وقد بعث الله محمداً صلى الله تعالى عليه وسلم بأكمل محبة في أكمل معرفة، فأخرج بمحبة الله ورسوله هي أصل الأعمال، المحبة التي فيها إشراك وإجمال، كما قال تعالى: " ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حباً لله " وقال تعالى: " قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال افترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ".
ولهذا كانت المحبة الإيمانية هي الموجبة للذوق الإيماني والوجد الديني كما في الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان في قلبه، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار " فجعل صلى الله تعالى عليه وسلم وجود حلاوة الإيمان معلقاً بمحبة الله ورسوله الفاضلة وبالمحبة فيه في الله وبكراهة ضد الإيمان.
وفي صحيح مسلم عن العباس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً " فجعل ذوق طعم الإيمان معلقاً بالرضى بهذه الأصول كما جعل الوجد معلقاً بالمحبة ليفرق صلى الله تعالى عليه وسلم بين الذوق والوجد الذي هو أصل الأعمال الظاهرة وثمرة الأعمال الباطنة، وبين ما أمر الله به ورسوله وبين غيره كما قال سهل بن عبد الله التستري: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل، إذ كان كل من أحب شيئاً فله ذوق بحسب محبته
стр. 164
ولهذا طالب الله تعالى مدعي محبته بقوله: " إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ".
قال الحسن البصري: ادعى قوم على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنهم يحبون الله فطالبهم بهذه الآية فجعل محبة العبد لله موجبة لمتابعة رسوله، وجعل متابعة رسوله موجبة لمحبة الرب عبده، وقد ذكرت نعت المحبين في قوله: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم " فنعت المحبين المحبوبين بوصف الكمال الذي نعت لله به رسوله الجامع بين معنى الجلال والجمال المفرق في الملتين، قلنا وهو الشدة والعزة على أعداء الله، والذلة والرحمة لأولياء الله ورسوله ولهذا يوجد كثير ممن له وجد وحب مجمل مطلق كما قال فيه كبير من كبرائهم: مشرد عن الوطن، مبعد عن السكن، يبكي الطلول والدمن، يهوى ولا يدري لمن.
فالشيخ أحسن الله إليه قد جعل فيه من النور والمعرفة الذي هو أصل المحبة والإرادة ما تتميز به المحبة الإيمانية المحمدية المفصلة، عن المجملة المشتركة، وكما يقع هذا الإجمال في المحبة يقع أيضاً في التوحيد، قال الله تعالى في أم الكتاب التي هي مفروضة على العبد وواجبة في كل صلاة أن يقول: " إياك
стр. 165
نعبد وإياك نستعين " وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد " الحمد لله رب العالمين " قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: " الرحمن الرحمين " قال الله: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: " مالك يوم الدين " قال: مجدني عبدي، أو قال فوض إلي عبدي، وإذا قال: " إياك نعبد وإياك نستعين " قال: فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: " اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " قال: فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل ".
ولهذا روي أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب جمع معانيها في القرآن ومعاني القرآن في المفصل في أم الكتاب، ومعاني أم الكتاب في هاتين الكلمتين " إياك نعبد وإياك نستعين " وهذا المعنى قد ثناه الله في مثل قوله: " فاعبده وتوكل عليه " وفي مثل قوله: " عليه توكلت وإليه أنيب " وقوله: " عليه توكلت وإليه متاب ".
وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول في نسكه: " اللهم هذا منك وإليك " فهو سبحانه مستحق التوحيد الذي هو دعاؤه وإخلاص الدين له دعاء العباد بالمحبة والإنابة والطاعة والإجلال والإكرام والخشية والرجاء ونحو ذلك من معاني تألهه وعبادته ودعاء المسألة والاستعانة بالتوكل عليه، والالتجاء إليه، والسؤال له، ونحو ذلك مما يفعل سبحانه بمقتضى ربوبيته، وهو سبحانه الأول والآخر والباطن والظاهر.
ولهذا جاءت الشريعة الكاملة في العبادة باسم الله وفي السؤال باسم الرب فيقول المصلي والذاكر الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله، وكلمات الآذان: الله أكبر الله أكبر إلى آخرها ونحو ذلك.
وفي السؤال: " ربنا ظلمنا أنفسنا - رب اغفر لي ولوالدي - رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين - رب ظلمت نفسي فاغفر لي "، " ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا، رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين " ونحو ذلك، وكثير من المتوجهين السالكين يشهد
стр. 166
في سلوكه الربوبية والقيومية الكاملة الشاملة لكل مخلوق من الأعيان والصفات، وهذه الأمور قائمة بكلمات الله الكونية التي كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يستعيذ بها فيقول: " أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن " فيغيب ويفنى بهذا التوحيد الرباني عما هو مأمور به أيضاً ومطلوبه وهو محبوب الحق ومرضيه من التوحيد الإلهي الذي هو عبادته وحده لا شريك له، وطاعته وطاعة رسوله، والأمر بما أمر به، والنهي عما نهى عنه، والحب فيه، والبغض فيه، ومن أعرض عن هذا التوحيد وأخذ بالأول فهو يشبه القدرية المشركية الذين قالوا " لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا " ومن أخذ بالثاني دون الأول فهو من القدرية المجوسية الذين يزعمون أن الله لم يخلق أفعال العباد ولا شاء جميع الكائنات كما تقول المعتزلة والرافضة ويقع في كلام كثير من المتكلمة والمتفقهة، والأول ذهب إليه طوائف من الإباحية المنحلين عن الأوامر والنواهي، وإنما يستعملون ذلك عند أهوائهم وإلا فهو لا يستمر، وهو كثير في المتألهة الخارجين عن الشريعة خفو العدو وغيرهم فإن لهم زهادات وعبادات فيها ما هو غير مأمور به فيفيدهم أحوالاً فيها ما هو فاسد يشبهون من بعض الوجوه الرهبان وعباد البدود (١) .
стр. 167
ولهذا قال الشيخ عبد القادر قدس الله روحه كثير من الرجال إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا وأنا انفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والولي من يكون منازعاً للقدر لا من يكون موافقاً له. وهذا الذي قاله الشيخ تكلم به على لسان المحمدية (١) ، أي أن المسلم مأمور أن يفعل ما أمر الله به، ويدفع ما نهى الله عنه، وإن كانت أسبابه قد قدرت، فيدفع الله بقدر الله كما جاء في الحديث الذي رواه الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: " إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض " وفي الترمذي قيل: يا رسول الله؟ أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقي نسترقي بها وتقى نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال: " هن من قدر الله " (٢) وإلى هذين المعنيين أشار الحديث الذي رواه الطبراني أيضاً عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " يقول الله يا ابن آدم إنما هي أربع: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين خلقي. فأما التي لي: فتعبدني لا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك فعملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه، وأما التي هي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين خلقي فأت الناس بما تحب أن يؤتوه إليك ".
ثم إن التوحيد الجامع لتوحيد الألوهية والربوبية أو توحيد أحدهما للعبد فيه ثلاث مقامات: أحدها مقاما الفرق والكثرة بإنعامه من كثرة المخلوقات والمأمورات.
والثاني مقام الجمع والفناء بحيث يغيب بمشهوده
стр. 168
عن شهوده، وبمعبوده عن عبادته، وبموحده عن توحيده، وبمذكوره عن ذكره، وبمحبوبه عن حبه، فهذا فناء عن إدراك السوى وهو فناء القاصرين.
وأما الفناء الكامل المحمدي فهو الفناء عن عبادة السوى والاستعانة بالسوى وإرادة وجه السوى، وهذا في الدرجة الثالثة وهو شهود التفرقة في الجمع، والكثرة في الوحدة، فيشهد قيام الكائنات مع تفرقها بإقامة الله تعالى وحده وربوبيته، ويرى أنه ما من دابة إلا ربي آخذ بناصيتها، وأنه على كل شيء وكيل، وأنه رب العالمين، وأن قلوب العباد ونواصيهم بيده، لا خالق غيره ونافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع ولا حافظ ولا معز ولا مذل سواه، ويشهد أيضاً فعل المأمورات مع كثرتها وترك الشبهات (١) مع كثرتها لله وحده لا شريك له.
وهذا هو الدين الجامع العام الذي اشترك فيه جميع الأنبياء والإسلام العام والإيمان العام، وبه أنزلت السور المكية وإليه الإشارة بقوله تعالى: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه " وبقوله: " واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا: أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟ " وبقوله تعالى: " ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت " ولهذا ترجم البخاري عليه: " باب ما جاء أن دين الأنبياء واحد ".
وقد قال تعالى: " إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " فجمع في الملل الأربع: " من آمن بالله واليوم
стр. 169
الآخر وعمل صالحاً " وذلك قبل النسخ والتبديل وخص في أول الآية المؤمنين وهو الإيمان الخاص الشرعي الذي قال فيه: " لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً " والشرعة هي الشريعة، والمنهاج هو الطريقة، والدين الجامع هو الحقيقة الدينية، وتوحيد الربوبية، هو الحقيقة الكونية، فالحقيقة المقصودة الدينية الموجودة الكونية متفق عليها بين الأنبياء والمرسلين.
فأما الشرعة والمنهاج الإسلاميان فهو لأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم " خير أمة أخرجت للناس " وبها أنزلت السور المدنية إذ في المدينة النبوية شرعت الشرائع وسنت السنن ونزلت الأحكام والفرائض والحدود فهذا التوحيد هو الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وإليه تشير مشايخ الطريقة وعلماء الدين، لكن بعض ذوي الأحوال قد يحصل له في حال الفناء القاصر سكر وغيبة عن السوى، والسكر وجد بلا تمييز فقد يقول في تلك الحال سبحاني، أو ما في الجبة إلا الله، أو نحو ذلك من الكلمات التي تؤثر عن أبي يزيد البسطامي أو غيره من الأصحاء، وكلمات السكر أن تطوى ولا تروى ولا تؤدى إذا لم يكن سكره بسبب محظور من عبادة أو وجه منهي عنه.
فأما إذا كان السبب محظوراً لم يكن السكران معذوراً، لا فرق في ذاك بين السكر الجسماني والروحاني فسكر الأجسام بالطعام والشراب، وسكر النفوس بالصور، وسكر الأرواح بالأصوات، وفي مثل هذا الحال غلط من غلط بدعوى الاتحاد والحلول العيني في مثل دعوى النصارى في المسيح، ودعوى الغالية في علي وأهل البيت، ودعوى قوم من الجهال
стр. 170
الغالية في مثل الحلاج أو الحاكم بمصر أو غيرهما، وربما اشتبه عليهم الاتحاد النوعي الحكمي بالاتحاد العيني الذاتي.
فالأول كما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: " يقول الله: عبدي! مرضت فلم تعدني فيقول: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أنه مرض عبدي فلان فلو عدته لوجدتني عنده، عبدي! جعت فلم تطعمني، فيقول: ربي كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي " ففسر ما تكلم به في هذا الحديث أن جوع عبده ومحبوبه لقوله: " لوجدت ذلك عندي " ولم يقل لوجدتني قد أكلته ولقوله: " لوجدتني عنده " ولم يقل لوجدتني إياه وذلك لأن المحب يتفق هو ومحبوبه بحيث يرضى أحدهما بما يرضاه الآخر ويأمر بما يأمر به ويبغض ما يبغضه ويكره ما يكرهه وينهى عما ينهى عنه.
وهؤلاء هم الذين يرضى الحق لرضاهم ويغضب لغضبهم، والكامل المطلق في هؤلاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ولهذا قال تعالى فيه: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " وقال: " والله ورسوله أحق أن يرضوه " وقال: " من يطع الرسول فقد أطاع الله ".
وقد جاء في الإنجيل الذي بأيدي النصارى كلمات مجملة إن صح أن المسيح قالها فهذا معناها كقوله: أنا وأبي واحد، من رآني فقد رأى أبي. ونحو ذلك وبها ضلت النصارى حيث اتبعوا المتشابه كما ذكر الله عنهم في القرآن لما قدم وفد نجران على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وناظروه في المسيح.
وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة
стр. 171
قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: " من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي " فأخبر في هذا الحديث أن الحق سبحانه إذا تقرب إليه العبد بالنوافل المستحبة التي يحبها الله بعد الفرائض أحبه الحق على هذا الوجه. وقد غلط من زعم أن هذا قرب النوافل وإن قرب الفرائض أن يكون هو إياه فإن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة فهذا القرب يجمع الفرائض والنوافل، فهذه المعاني وما يشبهها هي أصول مذهب أهل الطريقة الإسلامية أتباع الأنبياء والمرسلين.
وقد بلغني أن بعض الناس ذكر عند خدمتكم الكلام في مذهب الاتحادية وكنت قد كتبت إلى خدمتكم كتاباً اقتضى الحال من غير قصد أن أشرت فيه إشارة لطيفة إلى حال هؤلاء ولم يكن القصد به والله واحداً بعينه وإنما الشيخ هو مجمع المؤمنين فعلينا أن نعينه في الدين والدنيا بما هو اللائق به، وأما هؤلاء الاتحادية فقد أرسل إلى الداعي من طلب كشف حقيقة أمرهم وقد كتبت في ذلك كتاباً ربما يرسل إلى الشيخ وقد كتب سيدنا الشيخ عماد الدين في ذلك رسائل والله تعالى يعلم وكفى به عليماً لولا أني أرى دفع ضرر هؤلاء عن أهل طريق الله تعالى السالكين إليه من أعظم الواجبات - وهو شبيه بدفع التتار عن المؤمنين - لم يكن للمؤمنين بالله ورسوله حاجة إلى أن تكشف أسرار الطريق وتهتك أستارها ولكن
стр. 172
الشيخ أحسن الله تعالى إليه يعلم أن المقصود الدعوة النبوية بل المقصود بخلق الخلق وإنزال الكتب وإرسال الرسل أن يكون الدين كله لله هو دعوة الخلائق إلى خالقهم بما قال تعالى: " إنا أرسلنا شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً " وقال سبحانه: " قل هذه سبلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ".
وقال تعالى: " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، ألا إلى الله تصير الأمور " وهؤلاء موهوا على السالكين التوحيد الذي أنزل الله تعالى به الكتب، وبعث به الرسل بالاتحاد الذي سموه توحيداً وحقيقته تعطيل الصانع وجحود الخالق، وإنما كنت قديماً ممن يحسن الظن بابن عربي ويعظمه لما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من الفتوحات والكنة والمحكم المربوط والدرة الفاخرة ومطالع النجوم ونحو ذلك ولم نكن بعد اطلعنا على حقيقة مقصوده ولم نطالع الفصوص ونحوه وكنا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحق ونتبعه ونكشف حقيقة الطريق فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية والدين الإسلامي وحقيقة حال هؤلاء وجب البيان، وكذلك كتب إلينا من أطراف الشام رجال سالكون أهل صدق وطلب أن أذكر النكت الجامعة لحقيقة مقصودهم والشيخ أيده الله تعالى بنور قلبه وذكاء نفسه وحق قصده من نصحه للإسلام وأهله ولإخوانه السالكين يفعل في ذلك ما يرجو به رضوان الله سبحانه ومغفرته في الدنيا والآخرة. هؤلاء الذين تكلموا في هذا الأمر لم يعرف لهم خبر من حين ظهرت
стр. 173
دولة التتار وإلا فكان الاتحاد القديم هو الاتحاد المعين وذلك أن القسمة رباعية فإن كل واحد من الاتحاد والحلول إما معين في شخص وإما مطلق، أما الاتحاد والحلول المعين كقول النصارى والغالية في الأئمة من الرافضة وفي المشايخ من جهال الفقراء والصوفية فإنهم يقولون به في معنى إما بالاتحاد كاتحاد الماء واللبن وهو قول اليعقوبية وهم السودان ومن الحبشة والقبط، وإما بالحلول وهو قول النسطورية، وإما بالاتحاد من وجه دون وجه وهو قول الملكانية.
وأما الحلول المطلق: وهو أن الله تعالى بذاته حال في كل شيء فهذا تحكيه أهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية وكانوا يكفرون بذلك.
وأما ما جاء به هؤلاء من الاتحاد العام فما علمت أحداً سبقهم إليه إلا من أنكر وجود الصانع مثل فرعون والقرامطة، وذلك أن حقيقة أمرهم أنهم يرون أن عين وجود الحق هو عين وجود الخلق، وإن وجود ذات الله خالق السموات والأرض هي نفس وجود المخلوقات فلا يتصور عندهم أن يكون الله تعالى خلق غيره ولا أنه رب العالمين ولا أنه غني وما سواه فقير، لكن تفرقوا على ثلاثة طرق وأكثر من ينظر في كلامهم لا يفهم حقيقة أمرهم لأنه أمر مبهم: الأول أن يقولوا إن الذوات بأسرها كانت ثابتة في العدم ذاتها أبدية أزلية حتى ذوات الحيوان والنبات والمعادن والحركات والسكنات وأن وجود الحق فاض على تلك الذوات فوجودها وجود الحق وذواتها ليست ذوات الحق، ويفرقون بين الوجود والثبوت فما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك، ويقولون إن الله سبحانه لم يعط أحداً شيئاً ولا
стр. 174
أغنى أحداً ولا أسعده ولا أشقاه وإنما وجوده فاض على الذوات فلا تحمد إلا نفسك ولا تذم إلا نفسك، ويقولون إن هذا هو سر القدر وإن الله تعالى إنما علم الأشياء من جهة رؤيته لها ثابتة في العدم خارجاً عن نفسه المقدسة، ويقولون إن الله تعالى لا يقدر أن يغير ذرة من العالم، وإنهم قد يعلمون الأشياء من حيث علمها سبحانه فيكون علمهم وعلم الله تعالى من معدن واحد، وإنهم يكونون أفضل من خاتم الرسل من بعض الوجوه لأنهم يأخذون من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحى به الرسل، ويقولون إنهم لم يعبدوا غير الله ولا يتصور أن يعبدوا غير الله تعالى، وإن عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله سبحانه، وإن قوله تعالى: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " معنى حكم لا معنى أمر فما عبد غير الله في كل معبود فإن الله تعالى ما قضى بشيء إلا وقع، ويقولون إن الدعوة إلى الله تعالى المكر بالمدعو فإنه ما عدم من البداية، فيدعى إلى الغاية، وإن قوم نوح قالوا: " لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً " لأنهم لو تركوهم لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منهم، لأن الحق في كل معبود وجهاً يعرفه من عرفه وينكره من أنكره وإن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، كالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، وإن العارف منهم يعرف من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد، فإن الجاهل يقول هذا حجر وشجر، والعارف يقول هذا محل إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر، فإن النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا، وإن عباد الأصنام ما أخطأوا إلا من حيث اقتصارهم على عبادة بعض المظاهر، والعارف يعبد كل شيء، والله يعبد أيضاً كل شيء لأن الأشياء غذاؤه بالأسماء والأحكام وهو غذاؤها بالوجود، وهو فقير إليها وهي فقيرة إليه،
стр. 175
وهو خليل كل شيء بهذا المعنى ويجعلون أسماء الله الحسنى وهي مجرد نسبة وإضافة بين الوجود والثبوت وليست أموراً عدمية، ويقولون: من أسمائه الحسنى العلي عن ماذا وما ثم إلا هو؟ وعلى ماذا وما ثم غيره؟ فالمسمى محدثات وهي العلية لذاتها وليست إلا هو، وما نكح سوى نفسه، وما ذبح سوى نفسه، والمتكلم هو عين المستمع. وإن موسى إنما عتب على هارون حيث نهاهم عن عبادة العجل لضيقه وعدم اتساعه، وإن موسى كان أوسع في العلم فعلم أنهم لم يعبدوا إلا الله، وإن أعلى ما عبد الهوى، وإن كل من اتخذ إلهه هواه فما عبد إلا الله، وفرعون كان عندهم من أعظم العارفين وقد صدقه السحرة في قوله أنا ربكم الأعلى، وفي قوله: ما علمت لكم من إله غيري، وكنت أخاطب بكشف أمرهم لبعض الفضلاء الضالين وأقول إن حقيقة أمرهم هو حقيقة قول فرعون المنكر لوجود الخالق الصانع حتى حدثني بعض عن كثير من كبرائهم أنهم يعترفون ويقولون نحن على قول فرعون (١) ، وهذه المعاني كلها هي قول صاحب الفصوص والله تعالى أعلم بما مات الرجل عليه، والله يغفر لجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات " ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ".
والمقصود أن حقيقة ما تضمنه كتاب الفصوص المضاف إلى النبي
стр. 176
صلى الله تعالى عليه وسلم أنه جاء به وهو ما إذا فهم المسلم بالاضطرار (١) أن جميع الأنبياء والمرسلين وجميع الأولياء والصالحين بل جميع عوام أهل الملل من اليهود والنصارى والصابئين يبرؤون إلى الله تعالى من بعض هذا القول فكيف منه كله، ونعلم أن المشركين عباد الأوثان والكفار أهل الكتاب يعترفون بوجود الصانع الخالق البارئ المصور - الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور - ربهم ورب آبائهم الأولين - رب المشرق والمغرب. ولا يقول أحد منهم أنه عين المخلوقات، ولا نفس المصنوعات، كما يقوله هؤلاء، حتى أنهم يقولون لو زالت السموات والأرض زالت حقيقة الله، وهذا مركب من أصلين: أحدهما أن المعدوم شيء ثابت في العدم كما يقوله كثير من المعتزلة والرافضة وهو مذهب باطل بالعقل الموافق للكتاب والسنة والإجماع وكثير من متكلمة أهل الإثبات كالقاضي أبي بكر: كفر من يقول بهذا وإنما غلط هؤلاء من حيث لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء قبل كونها وإنها مثبتة عنده في أم الكتاب في اللوح المحفوظ وبين ثبوتها في الخارج عن ظلم الله تعالى فإن مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق قبل أن يخلقها فيفرقون بين الوجود العلمي وبين الوجود العيني الخارجي ولهذا كان أول ما نزل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سورة
стр. 177
" اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم " فذكر المراتب الأربع وهي الوجود العيني الذي خلقه، والوجود الرسمي المطابق للفظي الدال على العلمي، وبين أن الله تعالى علمه، ولهذا ذكر أن التعليم بالقلم، فإنه مستلزم للمراتب الثلاثة وهذا القول - أعني قول من يقول: إن المعدوم شيء ثابت في نفسه خارج عن علم الله تعالى - وإن كان باطلاً ودلالته واضحة لكنه قد ابتدع في الإسلام من نحو أربعمائة سنة، وابن العربي وافق أصحابه به وهو أحد أصلي مذهبه الذي في الفصوص.
والأصل الثاني: أن وجود المحدثات المخلوقات هو عين وجود الخالق ليس غيره ولا سواه، وهذا هو الذي ابتدعه وانفرد به عن جميع من تقدمه من المشايخ والعلماء، وهو قول بقية الاتحادية، لكن ابن العربي أقربهم إلى الإسلام وأحسن كلاماً في مواضع كثيرة، فإنه يفرق بين الظاهر والمظاهر فيقر الأمر والنهي والشرائع على ما هي عليه، ويأمر بالسلوك بكثير مما أمر به المشايخ من الأخلاق والعبادات، ولهذا كثير من العباد يأخذون من كلامه سلوكهم فينتفعون بذلك وإن كانوا لا يفقهون حقائقه، ومن فهمها منهم ووافقه فقد تبين قوله.
وأما صاحبه الصدر الرومي فإنه كان متفلسفاً فهو أبعد عن الشريعة والإسلام، ولهذا كان الفاجر التلمساني الملقب بالعفيف يقول: كان شيخي القديم متروحناً متفلسفاً والآخر يقول متفلسفاً متروحناً - يعني الصدر الرومي - فإنه كان قد أخذ عنه ولم يدرك ابن عربي في كتاب مفتاح غيب الجمع
стр. 178
والوجود (١) وغيره يقول: إن الله تعالى هو الوجود المطلق والمعين كما يفرق بين الحيوان المطلق والحيوان المعين والجسم المطلق والجسم المعين، والمطلق لا يوجد إلا في الخارج مطلقاً لا يوجد المطلق إلا في الأعيان الخارجة. فحقيقة قوله أنه ليس لله سبحانه وجود أصلاً ولا حقيقة ولا ثبوت إلا نفس الوجود القائم بالمخلوقات، ولهذا يقول هو وشيخه أن الله تعالى لا يرى أصلاً، وأنه ليس له في الحقيقة اسم ولا صفة، ويصرحون بأن ذات الكلب والخنزير والبول والعذرة عين وجوده - تعالى الله عما يقولون.
وأما الفاجر التلمساني فهو أخبث القوم وأعمقهم في الكفر فإنه لا يفرق بين الوجود والثبوت كما يفرق ابن عربي، ولا يفرق بين المطلق والمعين كما يفرق الرومي، ولكن عنده ما ثم غير ولا سوى بوجه من الوجوه، وإن العبد إنما يشهد السوى ما دام محجوباً فإذا انكشف حجابه رأى أنه ما ثم غير يبين له الأمر، ولهذا كان يستحل جميع المحرمات حتى حكى عنه الثقات أنه كان يقول البنت والأم والأجنبية شيء واحد ليس في ذلك حرام علينا وإنما هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم، وكان يقول القرآن كله شرك ليس فيه توحيد وإنما التوحيد في كلامنا، وكان يقول: أنا ما أمسك شريعة واحدة، وإذا أحسن القول يقول القرآن يوصل إلى الجنة، وكلامنا يوصل إلى الله تعالى، وشرح الأسماء الحسنى على هذا الأصل الذي له، وله ديوان شعر قد صنع فيه أشياء وشعره في صناعة الشعر جيد ولكنه
стр. 179
كما قيل: لحم خنزير في طبق صيني، وصنف للنصيرية عقيدة، وحقيقة أمرهم أن الحق بمنزلة البحر وأجزاء الموجودات بمنزلة أمواجه.
وأما ابن سبعين فإنه في البدو والإحاطة يقول أيضاً بوحدة الوجود وأنه ما ثم غير، وكذلك ابن الفارض في آخر نظم السلوك لكن لم يصرح هل يقول بمثل قول التلمساني أو قول الرومي أو قول ابن العربي وهو إلى كلام التلمساني أقرب، لكن ما رأيت فيهم من كفر هذا الكفر الذي ما كفره أحد قط مثل التلمساني وآخر يقال له البلباني من مشايخ شيراز ومن شعره:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه عينه
وأيضاً:
وما أنت غير الكون بل أنت عينه ... ويفهم هذا السر من هو ذائقه
وأيضاً:
وتلتذ إن مرت على جسدي يدي ... لأني في التحقيق لست سواكم
وأيضاً:
ما بال عيسك لا يقر قرارها ... وإلام ظلك لا يني متنقلا
فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن ... إلا إليك إذا بلغت المنزلا
وأيضاً:
ما الأمر إلا نسق واحد ... ما فيه من حمد ولا ذم
وإنما العادة قد خصصت ... والطبع والشارع في الحكم
وأيضاً:
يا عاذلي أنت تنهاني وتأمرني ... والوجد أصدق نهاء وأمار
فإن أطعك وأعص الوجد عدت عمي ... عن العيان إلى أوهام أخبار
стр. 180
فعين ما أنت تدعوني إليه إذا ... حققته تره المنهي يا جاري
وأيضاً:
وما البحر إلا الموج لا شيء غيره ... وإن فرقته كثرة المتعدد
إلى أمثال هذه الأشعار، وفي النثر ما لا يحصى، ويوهمون الجهال أنهم مشايخ الإسلام وأئمة الهدى الذين جعل الله تعالى لهم لسان صدق في الأمة مثل سعيد بن المسيب والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس والأوزاعي وإبراهيم بن أدهم وسفيان الثوري والفضيل ابن عياض ومعروف الكرخي والشافعي وأبي سليمان وأحمد بن حنبل وبشر الحافي وعبد الله ابن المبارك وشقيق البلخي ومن لا يحصى كثرة - إلى مثل المتأخرين مثل الجنيد بن محمد القواريري وسهل بن عبد الله التستري وعمر بن عثمان المكي ومن بعدهم - إلى أبي طالب المكي إلى مثل الشيخ عبد القادر الكيلاني والشيخ عدي والشيخ أبي البيان والشيخ أبي مدين والشيخ عقيل والشيخ أبي الوفاء والشيخ رسلان والشيخ عبد الرحيم والشيخ عبد الله اليونيني والشيخ القرشي وأمثال هؤلاء المشايخ الذين كانوا بالحجاز والشام والعراق ومصر والمغرب وخراسان من الأولين والآخرين.
كل هؤلاء متفقون على تكفير هؤلاء ومن هو أرجح منهم وإن الله سبحانه ليس هو خلقه ولا جزءاً من خلقه ولا صفة لخلقه بل هو مميز بنفسه المقدسة، بائن بذاته المعظمة عن مخلوقاته، وبذلك جاءت الكتب الأربعة الإلهية من التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وعليه فطر الله تعالى عباده وعلى ذلك دلت العقول.
وكثيراً ما كنت أظن أن ظهور مثل هؤلاء أكبر أسباب ظهور التتار