صلى الله تعالى عليه وسلم أنه جاء به وهو ما إذا فهم المسلم بالاضطرار (١) أن جميع الأنبياء والمرسلين وجميع الأولياء والصالحين بل جميع عوام أهل الملل من اليهود والنصارى والصابئين يبرؤون إلى الله تعالى من بعض هذا القول فكيف منه كله، ونعلم أن المشركين عباد الأوثان والكفار أهل الكتاب يعترفون بوجود الصانع الخالق البارئ المصور - الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور - ربهم ورب آبائهم الأولين - رب المشرق والمغرب. ولا يقول أحد منهم أنه عين المخلوقات، ولا نفس المصنوعات، كما يقوله هؤلاء، حتى أنهم يقولون لو زالت السموات والأرض زالت حقيقة الله، وهذا مركب من أصلين: أحدهما أن المعدوم شيء ثابت في العدم كما يقوله كثير من المعتزلة والرافضة وهو مذهب باطل بالعقل الموافق للكتاب والسنة والإجماع وكثير من متكلمة أهل الإثبات كالقاضي أبي بكر: كفر من يقول بهذا وإنما غلط هؤلاء من حيث لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء قبل كونها وإنها مثبتة عنده في أم الكتاب في اللوح المحفوظ وبين ثبوتها في الخارج عن ظلم الله تعالى فإن مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق قبل أن يخلقها فيفرقون بين الوجود العلمي وبين الوجود العيني الخارجي ولهذا كان أول ما نزل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سورة
стр. 177
" اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم " فذكر المراتب الأربع وهي الوجود العيني الذي خلقه، والوجود الرسمي المطابق للفظي الدال على العلمي، وبين أن الله تعالى علمه، ولهذا ذكر أن التعليم بالقلم، فإنه مستلزم للمراتب الثلاثة وهذا القول - أعني قول من يقول: إن المعدوم شيء ثابت في نفسه خارج عن علم الله تعالى - وإن كان باطلاً ودلالته واضحة لكنه قد ابتدع في الإسلام من نحو أربعمائة سنة، وابن العربي وافق أصحابه به وهو أحد أصلي مذهبه الذي في الفصوص.
والأصل الثاني: أن وجود المحدثات المخلوقات هو عين وجود الخالق ليس غيره ولا سواه، وهذا هو الذي ابتدعه وانفرد به عن جميع من تقدمه من المشايخ والعلماء، وهو قول بقية الاتحادية، لكن ابن العربي أقربهم إلى الإسلام وأحسن كلاماً في مواضع كثيرة، فإنه يفرق بين الظاهر والمظاهر فيقر الأمر والنهي والشرائع على ما هي عليه، ويأمر بالسلوك بكثير مما أمر به المشايخ من الأخلاق والعبادات، ولهذا كثير من العباد يأخذون من كلامه سلوكهم فينتفعون بذلك وإن كانوا لا يفقهون حقائقه، ومن فهمها منهم ووافقه فقد تبين قوله.
وأما صاحبه الصدر الرومي فإنه كان متفلسفاً فهو أبعد عن الشريعة والإسلام، ولهذا كان الفاجر التلمساني الملقب بالعفيف يقول: كان شيخي القديم متروحناً متفلسفاً والآخر يقول متفلسفاً متروحناً - يعني الصدر الرومي - فإنه كان قد أخذ عنه ولم يدرك ابن عربي في كتاب مفتاح غيب الجمع
стр. 178
والوجود (١) وغيره يقول: إن الله تعالى هو الوجود المطلق والمعين كما يفرق بين الحيوان المطلق والحيوان المعين والجسم المطلق والجسم المعين، والمطلق لا يوجد إلا في الخارج مطلقاً لا يوجد المطلق إلا في الأعيان الخارجة. فحقيقة قوله أنه ليس لله سبحانه وجود أصلاً ولا حقيقة ولا ثبوت إلا نفس الوجود القائم بالمخلوقات، ولهذا يقول هو وشيخه أن الله تعالى لا يرى أصلاً، وأنه ليس له في الحقيقة اسم ولا صفة، ويصرحون بأن ذات الكلب والخنزير والبول والعذرة عين وجوده - تعالى الله عما يقولون.
وأما الفاجر التلمساني فهو أخبث القوم وأعمقهم في الكفر فإنه لا يفرق بين الوجود والثبوت كما يفرق ابن عربي، ولا يفرق بين المطلق والمعين كما يفرق الرومي، ولكن عنده ما ثم غير ولا سوى بوجه من الوجوه، وإن العبد إنما يشهد السوى ما دام محجوباً فإذا انكشف حجابه رأى أنه ما ثم غير يبين له الأمر، ولهذا كان يستحل جميع المحرمات حتى حكى عنه الثقات أنه كان يقول البنت والأم والأجنبية شيء واحد ليس في ذلك حرام علينا وإنما هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم، وكان يقول القرآن كله شرك ليس فيه توحيد وإنما التوحيد في كلامنا، وكان يقول: أنا ما أمسك شريعة واحدة، وإذا أحسن القول يقول القرآن يوصل إلى الجنة، وكلامنا يوصل إلى الله تعالى، وشرح الأسماء الحسنى على هذا الأصل الذي له، وله ديوان شعر قد صنع فيه أشياء وشعره في صناعة الشعر جيد ولكنه
стр. 179
كما قيل: لحم خنزير في طبق صيني، وصنف للنصيرية عقيدة، وحقيقة أمرهم أن الحق بمنزلة البحر وأجزاء الموجودات بمنزلة أمواجه.
وأما ابن سبعين فإنه في البدو والإحاطة يقول أيضاً بوحدة الوجود وأنه ما ثم غير، وكذلك ابن الفارض في آخر نظم السلوك لكن لم يصرح هل يقول بمثل قول التلمساني أو قول الرومي أو قول ابن العربي وهو إلى كلام التلمساني أقرب، لكن ما رأيت فيهم من كفر هذا الكفر الذي ما كفره أحد قط مثل التلمساني وآخر يقال له البلباني من مشايخ شيراز ومن شعره:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه عينه
وأيضاً:
وما أنت غير الكون بل أنت عينه ... ويفهم هذا السر من هو ذائقه
وأيضاً:
وتلتذ إن مرت على جسدي يدي ... لأني في التحقيق لست سواكم
وأيضاً:
ما بال عيسك لا يقر قرارها ... وإلام ظلك لا يني متنقلا
فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن ... إلا إليك إذا بلغت المنزلا
وأيضاً:
ما الأمر إلا نسق واحد ... ما فيه من حمد ولا ذم
وإنما العادة قد خصصت ... والطبع والشارع في الحكم
وأيضاً:
يا عاذلي أنت تنهاني وتأمرني ... والوجد أصدق نهاء وأمار
فإن أطعك وأعص الوجد عدت عمي ... عن العيان إلى أوهام أخبار
стр. 180
فعين ما أنت تدعوني إليه إذا ... حققته تره المنهي يا جاري
وأيضاً:
وما البحر إلا الموج لا شيء غيره ... وإن فرقته كثرة المتعدد
إلى أمثال هذه الأشعار، وفي النثر ما لا يحصى، ويوهمون الجهال أنهم مشايخ الإسلام وأئمة الهدى الذين جعل الله تعالى لهم لسان صدق في الأمة مثل سعيد بن المسيب والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس والأوزاعي وإبراهيم بن أدهم وسفيان الثوري والفضيل ابن عياض ومعروف الكرخي والشافعي وأبي سليمان وأحمد بن حنبل وبشر الحافي وعبد الله ابن المبارك وشقيق البلخي ومن لا يحصى كثرة - إلى مثل المتأخرين مثل الجنيد بن محمد القواريري وسهل بن عبد الله التستري وعمر بن عثمان المكي ومن بعدهم - إلى أبي طالب المكي إلى مثل الشيخ عبد القادر الكيلاني والشيخ عدي والشيخ أبي البيان والشيخ أبي مدين والشيخ عقيل والشيخ أبي الوفاء والشيخ رسلان والشيخ عبد الرحيم والشيخ عبد الله اليونيني والشيخ القرشي وأمثال هؤلاء المشايخ الذين كانوا بالحجاز والشام والعراق ومصر والمغرب وخراسان من الأولين والآخرين.
كل هؤلاء متفقون على تكفير هؤلاء ومن هو أرجح منهم وإن الله سبحانه ليس هو خلقه ولا جزءاً من خلقه ولا صفة لخلقه بل هو مميز بنفسه المقدسة، بائن بذاته المعظمة عن مخلوقاته، وبذلك جاءت الكتب الأربعة الإلهية من التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وعليه فطر الله تعالى عباده وعلى ذلك دلت العقول.
وكثيراً ما كنت أظن أن ظهور مثل هؤلاء أكبر أسباب ظهور التتار
стр. 181
واندراس شريعة الإسلام وإن هؤلاء مقدمة الدجال الأعور الكذاب الذي يزعم أنه هو الله فإن هؤلاء عندهم كل شيء هو الله ولكن بعض الأشياء أكبر من بعض وأعظم، وأما على رأي صاحب الفصوص فإن بعض المظاهر والمستجليات يكون أعظم لعظم ذاته الثابتة في العدم، وأما على رأي الرومي فإن بعض المتعينات يكون أكبر، فإن بعض جزئيات الكلي أكبر من بعض، وأما على البقية فالكل أجزاء منه، وبعض الجزء أكبر من بعض، فالدجال عند هؤلاء مثل فرعون من كبار العارفين وأكبر الرسل بعد نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈ فموسى قاتل فرعون الذي يدعي الربوبية، ويسلط الله تعالى مسيح الهدى الذي قيل فيه إنه الله تعالى وهو برئ من ذلك على مسيح الضلالة الذي قال إنه الله.
ولهذا كان بعض الناس يعجب من كون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: " إنه أعور (١) " وكونه قال: " واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت " وابن الخطيب أنكر أن يكون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال هذا لأن ظهور دلائل الحدوث والنقص على الدجال أبين من أن يستدل عليه بأنه أعور فلما رأينا حقيقة قول هؤلاء الاتحادية وتدبرنا ما وقعت فيه النصارى والحلولية ظهر سبب دلالة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأمته بهذه العلامة فإنه بعث رحمة لعالمين فإذا كان كثير من الخلق يجوز ظهور
стр. 182
الرب في البشر أو يقول إنه هو البشر كان الاستدلال على ذلك بالعور دليلاً على انتفاء الإلهية عنه.
وقد خاطبني قديماً شخص من خيار أصحابنا كان يميل إلى الاتحاد ثم تاب منه وذكر هذا الحديث فبينت له وجهه وجاء إلينا شخص كان يقول إنه خاتم الأولياء فزعم أن الحلاج لما قال أنا الحق كان الله تعالى هو المتكلم على لسانه كما يتكلم الجني على لسان المصروع وأن الصحابة لما سمعوا كلام الله تعالى من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان من هذا الباب. فبينت له فساد هذا وإنه لو كان كذلك كان الصحابة بمنزلة موسى بن عمران وكان من خاطبه هؤلاء أعظم من موسى لأن موسى سمع الكلام الإلهي من الشجرة وهؤلاء يسمعون من الجن الناطق، وهذا يقوله قوم من الاتحادية لكن أكثرهم لا يفرقون بين الاتحاد العام المطلق الذي يذهب إليه الفاجر التلمساني وذووه وبين الاتحاد المعين الذي يذهب إليه النصارى والغالية، وقد كان سلف الأمة وسادات الأئمة يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود كما قال عبد الله ابن المبارك والبخاري وغيرهما وإنما كانوا يلوحون تلويحاً وقل إن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان.
وأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية ولكن السلف والأئمة أعلم بالإسلام وبحقائقه فإن كثيراً من الناس قد لا يفهم تغليظهم في ذم المقالة حتى يتدبرها ويرزق نور الهدى فلما اطلع السلف على سر القول نفروا منه، وهذا كما قال بعض الناس: متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئاً ومتعبدة الجهمية كل شيء، وذلك لأن متكلمهم ليس في قلبه
стр. 183
تأله ولا تعبد فهو يصف ربه بصفات العدم والموات.
وأما المتعبد ففي قلبه تأله وتعبد والقلب لا يقصد إلا موجوداً لا معدوماً فيحتاج أن يعبد المخلوقات إما الوجود المطلق وإما بعض المظاهر كالشمس والقمر والبشر والأوثان وغير ذلك، فإن قول الاتحادية يجمع كل شرك في العالم، وهم لا يوحدون الله وإنما يوحدون القدر المشترك بينه وبين المخلوقات، فهم بربهم يعدلون، ولهذا حدث الثقة أن ابن سبعين كان يريد الذهاب إلى الهند وقال إن أرض الإسلام لا تسعه، لأن الهند مشركون يعبدون كل شيء حتى النبات والحيوان.
وهذا حقيقة قول الاتحادية وأعرف ناساً لهم اشتغال بالفلسفة والكلام وقد تألهوا على طريق هؤلاء الاتحادية فإذا أخذوا يصفون الرب سبحانه بالكلام قالوا: ليس بكذا ليس بكذا ووصفوه بأنه ليس هو رب المخلوقات كما يقوله المسلمون، لكن يجحدون صفات الخالق التي جاءت بها الرسل ﵈ وإذا صار لأحدهم ذوق ووجد تأله وسلك طريق الاتحادية وقال إنه هو الموجودات كلها فإذا قيل له أين ذلك النفي من هذا الإثبات؟ قال: ذلك جدي، وهذا ذوقي فيقال لهذا الضال: كل ذوق ووجد لا يطابق لاعتقاد فأحدهما أو كلاهما باطل وإنما الأذواق والمواجيد نتائج المعارف والاعتقادات فإن علم القلب حاله متلازمان فعلى قدر العلم والمعرفة يكون الوجد والمحبة والحال، ولو سلك هؤلاء طريق الأنبياء والمرسلين ﵈ الذين أمروا بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له ووصفوه بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله، واتبعوا طريق السابقين الأولين، لسلكوا طريق الهدى ووجدوا برد اليقين وقرة العين فإن الأمر كما قال بعض الناس إن الرسل
стр. 184
جاؤوا بإثبات مفصل، ونفي مجمل، والصابئة المعطلة جاؤوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، فالقرآن مملوء من قوله تعالى في الإثبات: " إن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وإنه سميع بصير، وسع كل شيء رحمة وعلماً " وفي النفي " ليس كمثله شيء - ولم يكن له كفواً أحد - هل تعلم له سمياً سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين ".
وهذا الكتاب مع أني قد أطلت فيه الكلام على الشيخ أيده الله تعالى بالإسلام، ونفع المسلمين ببركة أنفاسه وحسن مقاصده ونور قلبه فإن ما فيه نكت مختصرة، فلا يمكن شرح هذه الأشياء في كتاب، ولكن ذكرت للشيخ أحسن الله تعالى إليه ما اقتضى الحال أن أذكره - وحامل الكتاب مستوفز عجلان، وأنا أسأل الله العظيم أن يصلح أمر المسلمين عامتهم وخاصتهم، ويهديهم إلى ما يقربهم، وأن يجعل الشيخ من دعاة الخير الذين قال الله سبحانه فيهم: " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ". انتهى.
стр. 185
مسألة صفات الله تعالى وعلوه على خلقه بين النفي والإثبات
стр. 186
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
السؤال: ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين، في رجلين تباحثا في مسألة الإثبات للصفات والجزم بإثبات العلو، فقال أحدهما يجب على أحد معرفة هذا، ولا البحث عنه، ويعتقد أن الله واحد في ملكه، وهو رب كل شيء وخالقه ومليكه، ومن تكلم في شيء من هذا فهو مجسم حشوي، فهل هذا القائل لهذا الكلام مصيب أم مخطئ؟ فإذا كان مخطئاً فما الدليل على أنه يجب على الناس أن يعتقدوا إثبات الصفات والعلو ويعرفوه؟ وما معنى التجسيم والحشو؟ أفتونا وابسطوا القول في هذا مأجورين إن شاء الله تعالى.
الجواب: الحمد لله رب العالمين يجب على الخلق الإقرار بما جاء به النبي ﷺ ، فما جاء به القرآن أو السنة المعلومة وجب على الخلق الإقرار به جملة، وتفصيلاً عند العلم بالتفصيل، فلا يكون الرجل مؤمناً حتى يقر بما جاء به النبي ﷺ ، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فمن شهد أنه رسول الله شهد أنه صادق فيما يخبر
стр. 187
به عن الله، فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة، إذ الكاذب ليس برسول فيما يكذبه، وقد قال الله تعالى: " ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين ".
وفي الجملة فهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام لا يحتاج إلى تقريره هنا وهو الإقرار بما جاء النبي ﷺ وهو ما جاء به من القرآن والسنة كما قال تعالى: " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ".
وقال تعالى: " كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة " وقال تعالى: " واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ".
وقال تعالى: " وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ".
وقال تعالى: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ".
وقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ".
ومما جاء به الرسول رضاه عن السابقين الأولين، وعن من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، كما قال: " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ".
وما جاء به الرسول إخباره بأنه تعالى قد أكمل الدين بقوله: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً " ومما جاء به الرسول أمر الله له بالبلاغ المبين كما قال تعالى: " وما على الرسول إلا البلاغ المبين ".
وقال تعالى: " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ".
وقال
стр. 188
تعالى: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ".
ومعلوم أنه قد بلغ الرسالة كما أمر ولم يكتم منها شيئاً، فإن كتمان ما أنزله الله إليه يناقض موجب الرسالة كما أن الكذب يناقض موجب الرسالة، ومن المعلوم في دين المسلمين أنه معصوم من الكتمان لشيء من الرسالة كما أنه معصوم من الكذب فيها، والأمة تشهد له بأنه بلغ الرسالة كما أمره الله، وبين ما أنزل إليه من ربه، وقد أخبر الله بأنه قد أكمل الدين، وإنما كمل بما بلغه إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه فعلم أنه بلغ جميع الدين الذي شرعه الله لعباده كما قال ﷺ : " تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك " وقال: " ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، وما من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به ".
وقال أبو ذر: لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علماً.
فإذا تبين هذا فقد صح ووجب على كل مسلم تصديقه فيما أخبر به عن الله تعالى من أسماء وصفاته مما جاء في القرآن وفي السنة الثابتة عنه كما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان الذي رضي الله عنهم ورضوا عنه فإن هؤلاء الذين تلقوا عنه القرآن والسنة وكانوا يتلقون عنه ما في ذلك من العلم والعمل كما قال أبو عبد الرحمن السلمي لقد حدثنا الذين كانوا يقرؤننا القرآن كعثمان بن عفان وغيره أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل
стр. 189
جميعاً، وقد قام عبد الله بن عمر وهو من أصاغر الصحابة في تعلم البقرة ثماني سنين وإنما ذلك لأجل الفهم والمعرفة وهذا معلوم من وجوه: أحدها: أن العادة المطردة التي جبل الله عليها بني آدم توجب اعتناءهم بالقرآن المنزل عليهم لفظاً ومعنى، بل أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد، فإنه قد علم أنه من قرأ في الطب أو الحساب أو النحو أو الفقه أو غير ذلك فإنه لا بد أن يكون راغباً في فهمه وتصور معانيه، فكيف من قرأ كتاب الله تعالى المنزل إليهم الذي به هداهم الله وبه عرفهم الحق والباطل والخير والشر والهدى والضلال والرشاد والغي؟ فمن المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات بل إذا سمع المتعلم من العالم حديثاً فإنه يرغب في فهمه فكيف بمن يسمعون كلام الله من المبلغ عنه، بل ومن المعلوم أن رغبة الرسول ﷺ في تعرفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعرفهم حروفه، فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود إذا اللفظ إنما يراد للمعنى.
الوجه الثاني: أن الله قد حضهم على تدبره وتعقله وإتباعه في غير موضع كما قال تعالى: " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ".
وقال تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ".
وقال تعالى: " أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ".
وقال تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً " فإذا كان قد حض الكفار والمنافقين على تدبره علم أن معانيه مما يمكن الكفار والمنافقين على تدبره (١) وعلم أن معانيه مما يمكن فهمها ومعرفتها
стр. 190
فكيف لا يكون ذلك للمؤمنين، وهذا يتبين أن معانيه كانت معروفة بينة لهم.
الوجه الثالث: أنه قال تعالى: " إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون ". وقال تعالى: " إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون " فبين أنه أنزله عربياً لأن يعقلوا، والعقل لا يكون إلا مع العلم بمعانيه.
الوجه الرابع: أنه ذم من لا يفقهه فقال تعالى: " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً، وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ". وقال تعالى: " فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً " فلو كان المؤمنون لا يفقهونه أيضاً لكانوا مشاركين للكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى به.
الوجه الخامس: أنه ذم من لم يكن حظه من السماع إلا سماع الصوت دون فهم المعنى وإتباعه فقال تعالى: " ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون ".
وقال تعالى: " أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون؟ إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً " وقال تعالى: " ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً؟ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم " وأمثال ذلك. وهؤلاء المنافقون سمعوا صوت الرسول ﷺ ولم يفهموا وقالوا: ماذا قالوا آنفاً؟ أي الساعة، وهذا كلام من لم يفقه.
قال تعالى: " أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم " فمن جعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان غير عالمين بمعاني القرآن جعلهم بمنزلة الكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى عليه.
стр. 191
الوجه السادس: أن الصحابة ﵃ قرؤوا للتابعين القرآن كما قال مجاهد عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره أقف عند كل آية منه وأسأله عنها، ولهذا قال سفيان الثوري وإذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، وكان ابن مسعود وابن عباس نقلوا عنه (١) من التفسير ما لا يحصيه إلا الله، والتقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل العلم بها.
أسباب الاختلاف في التفسير المأثور: فإن قال قائل قد اختلفوا في تفسير القرآن اختلافاً كثيراً ولو كان ذلك معلوماً عندهم عن الرسول ﷺ ولم يختلفوا فيقال الاختلاف الثابت عن الصحابة بل وعن أئمة التابعين في القرآن أكثره لا يخرج عن وجوه: أحدها: أن يعبر كل منهم عن معنى الاسم بعبارة غير عبارة صاحبه فالمسمى واحد وكل اسم يدل على معنى لا يدل عليه الاسم الأخر مع أن كلاهما حق بمنزلة تسمية الله تعالى بأسمائه الحسنى وتسمية الرسول ﷺ بأسمائه وتسمية القرآن العزيز بأسمائه فقال تعالى: " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى " فإذا قيل الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام فهي كلها أسماء لمسمى واحد وإن كل اسم يدل على نعت لله لا يدل عليه الاسم الآخر ومثال هذا من التفسير كلام العلماء في تفسير الصراط المستقيم، فهذا يقول هو الإسلام
стр. 192
وهذا يقول هو القرآن أي إتباع القرآن، وهذا يقول السنة والجماعة وهذا يقول طريق العبودية، وهذا يقول طاعة الله ورسوله، ومعلوم أن الصراط يوصف بهذه الصفات كلها ويسمى بهذه الأسماء كلها، ولكن كل واحد منهم دل المخاطب على النعت الذي به يعرف الصراط وينتفع بمعرفة ذلك النعت.
الوجه الثاني: أن يذكر كل منهم من تفسير الاسم بعض أنواعه أو أعيانه على سبيل التمثيل للمخاطب لا على الحصر والإحاطة كما لو سأل أعجمي عن معنى لفظ الخبز فأري رغيفاً وقيل هذا هو فذاك مثال للخبز وإشارة إلى جنسه لا إلى ذلك الرغيف خاصة، ومن هذا ما جاء عنهم في قوله تعالى: " فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات " فالقول الجامع أن الظالم لنفسه: المفرط بترك مأمور أو فعل محظور، والمقتصد: القائم بأداء الواجبات وترك المحرمات، والسابق بالخيرات بمنزلة المقرب الذي يتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض حتى يحبه الحق، ثم إن كلاً منهم يذكر نوعاً من هذا فإن قال قائل الظالم المؤخر للصلاة عن وقتها، والمقتصد المصلي لها في وقتها، والسابق المصلي لها في أول وقتها حيث يكون التقديم أفضل، وقال آخر الظالم لنفسه هو البخيل الذي لا يصل رحمه ولا تمام (١) زكاته، والمقتصد القائم بما يجب عليه من الزكاة وصلة الرحم وقرى الضيف والإعطاء في النائبة، والسابق الفاعل المستحب بعد الواجب كما فعل الصديق الأكبر حين جاء بماله كله، ولم يكن مع هذا يأخذ من أحد شيئاً وقال آخر الظالم لنفسه الذي يصوم عن الطعام لا عن
стр. 193
الآثام، والمقتصد الذي يصوم عن الطعام والآثام، والسابق الذي يصوم عن كل ما لا يقربه إلى الله تعالى وأمثال ذلك، لم تكن الأقوال (١) متنافية بل كل ذكر نوعاً مما تناولته الآية.
الوجه الثالث: أن يذكر أحدهم لنزول الآية سبباً ويذكر الآخر سبباً آخر لا ينافي الأول، ومن الممكن نزولها لأجل السببين جميعاً أو نزولها مرتين مرة لهذا ومرة لهذا، وأما ما صح عن السلف أنهم اختلفوا فيه اختلاف تناقض، فهذا قليل بالنسبة إلى ما لم يختلفوا فيه كما أن تنازعهم في بعض مسائل السنة كبعض مسائل الصلاة والزكاة والصيام والحج والفرائض والطلاق ونحو ذلك لا يمنع أن يكون أن يكون أصل هذه السنن مأخوذاً عن النبي ﷺ ، وجملها منقولة عنه بالتواتر.
وقد تبين أن الله تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة، وأمر أزواج نبيه ﷺ أن يذكرن ما يتلى في بيوتكهن من آيات الله والحكمة، وقد قال غير واحد من السلف أن الحكمة هي السنة وقد قال ﷺ : ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه " فما ثبت عنه من السنة فعلينا إتباعه سواء قيل إنه من القرآن ولم نفهمه نحن، أو قيل ليس في القرآن، كما أن ما اتفق عليه السابقون الأولون والذين اتبعوهم بإحسان فعلينا أن نتبعهم فيه سواء قيل إنه كان منصوصاً في السنة ولم يبلغنا ذلك أو قيل إنه مما استنبطوه واستخرجوه باجتهادهم من الكتاب والسنة.
انتهت المقدمة.
стр. 194
فصل: فإذا تبين ذلك فوجوب إثبات العلو لله تعالى ونحوه يتبين من وجوه: أحدها أن يقال إن القرآن والسنن المستفيضة المتواترة وكلام السابقين والتابعين بل وسائر القرون الثلاثة بما فيه إثبات العلو لله على عرشه بأنواع من الدلالات، ووجوه من الصفات، وأصناف من العبارات، تارة يخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، وقد ذكر الاستواء على العرش في سبعة مواضع، وتارة يخبر بعروج الأشياء وصعودها وارتفاعها إليه كقوله تعالى: " بل رفعه الله إليه، إني متوفيك ورافعك إلي، تعرج الملائكة والروح إليه " وقوله: " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " وتارة يخبر بنزولها منه أو من عنده كقوله تعالى: " والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق، قل نزله روح القدس من ربك بالحق - حم، تنزيل الكتاب من الرحمن الرحيم - حم، تنزيل من الله العزيز الحكيم " وتارة يخبر بأنه الأعلى والعلي كقوله تعالى: " سبح اسم ربك الأعلى " وقوله " وهو العلي العظيم ".
وتارة يخبر بأنه في السماء كقوله تعالى: " أأمنتم من السماء أن يخسف بكم الأرض؟ أأمنتم من في السماء يرسل عليكم حاصباً " فذكر السماء دون الأرض ولم يعلق بذلك ألوهية أو غيرها كما ذكر في قوله تعالى: " وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ".
وقال تعالى: " وهو الله في السموات وفي الأرض ".
وكذلك قال النبي ﷺ : " ألا
стр. 195
تأمنونني وأنا أمين من في السماء؟ " وقال للجارية: " أين الله؟ قالت: في السماء، قال: " اعتقها فإنها مؤمنة ".
وتارة يجعل بعض الخلق عنده دون بعض ويخبر عمن عنده بالطاعة كقوله: " إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون " فلو كان موجب العناية معنى عاماً كدخولهم تحت قدرته ومشيئته وأمثال ذلك لكان كل مخلوق عنده، ولم يكن أحد مستكبراً عن عبادته، بل مسبحاً له ساجداً وقد قال تعالى: " إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون داخرين " وهو سبحانه وصف الملائكة بذلك رداً على الكفار والمستكبرين عن عبادته، وأمثال هذا في القرآن لا يحصى إلا بكلفة وأما الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين فلا يحصيها إلا الله تعالى فلا يخلو إما أن يكون ما اشتركت فيه هذه النصوص من إثبات علو الله نفسه وعلى خلقه هو الحق أو الحق نقيضه إذ الحق لا يخرج عن النقيضين وإما أن يكون نفسه فوق الخلق أو لا يكون فوق الخلق كما تقول الجهمية، ثم تارة يقولون لا فرقهم ولا فيهم، ولا داخل ولا خارج ولا مباين ولا محايث، وتارة يقولون هو بذاته في كل مكان وفي المقالتين كلتيهما يدفعون أن يكون هو نفسه فوق خلقه.
فإما أن يكون الحق إثبات ذلك أو نفيه، فإن كان نفي ذلك هو الحق، فمعلوم أن القرآن لم يبين هذا قط لا نصاً ولا ظاهراً، ولا الرسول ولا أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، لا أئمة المذاهب الأربعة ولا غيرهم ولا يمكن أحداً أن ينقل عن واحد من هؤلاء إنه نفي ذلك أو أخبر به، وأما ما نقل من الإثبات عن هؤلاء فأكثر من أن يحصى أو يحصر،
стр. 196
فإن كان الحق النفي دون الإثبات - والكتاب والسنة والإجماع إنما دل على الإثبات ولم يذكر النفي أصلاً - لزم أن يكون للرسول والمؤمنون لم ينطقوا بالحق في هذا الباب، بل نطقوا بما يدل إما نصاً وإما ظاهراً على الضلال والخطأ المناقض للهدى والصواب.
ومعلوم أن من اعتقد هذا في الرسول والمؤمنين فله أوفر حظ من قوله تعالى " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً ".
فإن القائل إذا قال هذه النصوص أريد بها خلاف ما يفهم منها، أو خلاف ما دلت عليه، أو إنه لم يرد إثبات علو الله نفسه على خلقه، وإنما أريد بها علو المكانة، ونحو ذلك كما قد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع، فيقال له فكان يجب أن يبين للناس الحق الذي يجب التصديق به باطناً وظاهراً بل ويبين لهم ما يدلهم على أن هذا الكلام لم يرد به مفهومه ومقتضاه، فإن غاية ما يقدر إنه تكلم بالمجاز المخالف للحقيقة، والباطن المخالف للظاهر، ومعلوم باتفاق العقلاء أن المخاطب المبين إذا تكلم بمجاز فلا بد أن يقرن بخطابه ما يدل على إرادة المعنى المجازي، فإذا كان الرسول المبلغ المبين الذي بين للناس ما نزل إليهم يعلم أن المراد بالكلام خلاف مفهومه ومقتضاه، كان عليه أن يقرن بخطابه ما يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يرد لا سيما إذا كان باطلاً لا يجوز اعتقاده في الله، فإن عليه أن ينهاهم عن أن يعتقدوا في الله ما لا يجوز اعتقاده إذا كان ذلك مخوفاً عليهم، ولو لم يخاطبهم بما يدل على ذلك، فكيف إذا كان خطابه هو الذي يدلهم على ذلك الاعتقاد الذي تقول النفاة هو اعتقاد باطل، فإذا لم يكن في الكتاب ولا السنة ولا
стр. 197
كلام أحد من السلف والأئمة ما يوافق قول النفاة أصلاً، بل هم دائماً لا يتكلمون إلا بالإثبات، امتنع حينئذ أن لا يكون مرادهم الإثبات، وأن يكون النفي هو الذي يعتقدونه ويعتمدونه، وهم لم يتكلموا به قط ولم يظهروه، وإنما أظهروا ما يخالفه وينافيه، وهذا كلام مبين لا مخلص لأحد عنه لكن للجهمية المتكلمة هنا كلام وللجهمية المتفلسفة كلام.
مذاهب متفلسفة القرامطة في الصفات:
أما المتفلسفة القرامطة فيقولون: إن الرسل كلموا الخلق بخلاف ما هو الحق وأظهروا لهم خلاف ما يبطنون، وربما يقولون أنهم كذبوا لأجل مصلحة العامة فإن مصلحة العامة لا تقوم إلا بإظهار الإثبات، وإن كان في نفس الأمر باطلاً، وهذا مع ما فيه من الزندقة البينة والكفر الواضح قول متناقض في نفسه، فإنه يقال لو كان الأمر كما تقولون والرسل من جنس رؤسائكم، لكان خواص الرسل يطلعون على ذلك، ولكانوا يطلعون خواصهم على هذا الأمر، فكان يكون النفي مذهب خاصة الأمة وأكملها عقلاً وعلماً ومعرفة، والأمر بالعكس، فإن من تأمل كلام السلف والأئمة وجد أعلم الأمة عند الأمة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأبي بن كعب وأبي الدرداء وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وأمثالهم هم أعظم الخلق إثباتاً، وكذلك أفضل التابعين مثل سعيد بن المسيب وأمثاله والحسن البصري وأمثاله وعلي بن الحسين وأمثاله وأصحاب ابن مسعود وأصحاب ابن عباس وهم من أجل التابعين، بل النقول
стр. 198
عن هؤلاء في الإثبات يجبن عن إظهاره كثير من الناس، وعلى ذلك تأول يحيى بن عمار وصاحبه شيخ الإسلام أو إسماعيل الأنصاري ما يروى أن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا أهل العلم بالله، فإذا ذكروه لم ينكره إلا أهل الغرة بالله، تأولوا ذلك على ما جاء من الإثبات، لأن ذلك ثابت، عن رسول الله ﷺ والسابقين والتابعين لهم بإحسان، بخلاف النفي فإنه لا يؤخذ عنهم، ولا يمكن حمله عليه.
وقد جمع علماء الحديث من النقول عن السلف في الإثبات ما لا يحصي عدده إلا رب السموات ولم يقدر أحد أن يأتي عنهم في النفي بحرف واحد إلا أن يكون من الأحاديث المختلفة التي ينقلها من هو أبعد الناس عن معرفة كلامهم.
ومن هؤلاء من يتمسك بمجملات سمعها، بعضها كذب وبعضها صدق، مثل ما ينقلونه عن عمر أنه قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر يتحدثان وكنت كالزنجي بينهما، فهذا كذب باتفاق أهل العلم بالأثر، وبتقدير صدقه فهو مجمل، فإذا قال أهل الإثبات كان ما يتكلمان فيه من هذا الباب لموافقته ما نقل عنهما كان أولى من قول النفاة أنهما يتكلمان بالنفي، وكذلك حديث جراب أبي هريرة لما قال: حفظت عن رسول الله ﷺ جرابين أما أحدهما فبثثته فيكم وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم هذا البلعوم - فإذن هذا حديث صحيح لكنه مجمل قد جاء مفسراً أن الجراب الآخر كان فيه حديث الملاحم والفتن، ولو قدر أن فيه ما يتعلق بالصفات فليس فيه ما يدل على النفي بل الثابت المحفوظ من أحاديث
стр. 199
أبي هريرة كحديث إتيانه يوم القيامة وحديث النزول والضحك وأمثال ذلك كلها على الإثبات، ولم ينقل عن أبي هريرة حرف واحد في النفي من جنس قول النفاة.
مذهب الجهمية في الصفات: وأما الجهمية المتكلمة فيقولون أن القرينة الصارفة لهم عما دل عليه الخطاب هو العقل، فاكتفى بالدلالة العقلية الموافقة لمذهب النفاة: فيقال لهم أولاً: فحينئذ إذا كان ما تكلم به إنما يفيدهم مجرد الضلال وإنما يستفيدون الهدى من عقولهم، كان الرسول قد نصب لهم أسباب الضلال، ولم ينصب لهم أسباب الهدى، وأحالهم في الهدى على نفوسهم، فيلزم على قولهم إن تركهم في الجاهلية خير لهم من هذه الرسالة التي لم تنفعهم بل ضرتهم.
ويقال لهم ثانياً: فالرسول ﷺ قد بين الإثبات الذي هو أظهر في العقل من قول النفاة، مثل ذكره لخلق الله وقدرته ومشيئته وعلمه ونحو ذلك من الأمور التي تعلم بالعقل أعظم مما يعلم نفي الجهمية، وهو لم يتكلم بما يناقض هذا الإثبات، فكيف يحيلهم على مجرد العقل في النفي الذي هو أخفى وأدق، وكلامه لم يدل عليه بل دل على نقيضه وضده ومن نسب هذا إلى الرسول ﷺ فالله حسيبه على ما يقول.
والمراتب ثلاث، إما أن يتكلم بالهدى أو بالضلال أو يسكت عنهما، ومعلوم أن السكوت عنهما خير من التكلم بما يضل، وهنا يعرف بالعقل أن الإثبات لم يسكت عنه بل بينه، وكان ما جاء به السمع موافقاً للعقل، فكان الواجب فيما ينفيه العقل، أن يتكلم فيه بالنفي كما فعل فيما يثبته العقل، وإذا لم يفعل ذلك كان السكون عنه أسلم للأمة.
стр. 200
أما إذا تكلم فيه بما يدل على الإثبات، وأراد منهم أن لا يعتقدوا إلا النفي، لكون مجرد عقولهم تعرفهم به فإضافة هذا إلى الرسول ﷺ من أعظم أبواب الزندقة والنفاق.
ويقال لهم ثالثاً: من الذي سلم لكم أن العقل يوافق مذهب النفاة بل العقل الصريح إنما يوافق ما أثبته الرسول، وليس بين المعقول الصريح والمنقول الصحيح تناقض أصلاً، وقد بسطنا هذا في مواضع بينا فيها أم ما يذكرون من المعقول المخالف لما جاء به الرسول ﷺ وإنما جهل وضلال تقلده متأخروهم عن متقدميهم، وسموا ذلك عقليات، إنما هي جهليات، ومن طلب من تحقيق ما قاله أئمة الضلال بالمعقول لم يرجع إلا إلى مجرد تقليدهم، فهم يكفرون بالشرع ويخالفون العقل تقليداً لمن توهموا إنه عالم بالعقليات، وهم مع أئمتهم الضلال كقوم فرعون معه، حيث قال: " فاستخف قومه فأطاعوه " قال تعالى عنه: " فاستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون، فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين، وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون، واتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين " وفرعون هو إمام النفاة ولهذا صرح محققوا النفاة بأنهم على قوله، كما يصرح به الاتحادية من الجهمية من النفاة، إذ هو الذي أنكر العلو وكذب موسى فيه وأنكر تكليم الله لموسى قال تعالى: " وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السموات والأرض فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً " والله تعالى قد أخبر عن فرعون أنه أنكر الصانع وقال " وما رب العالمين " وطلب أن يصعد ليطلع إلى إله موسى، فلو لم يكن
стр. 201
موسى أخبره أن إلهه فوق لم يقصد ذلك، فإنه هو لم يكن مقراً به، فإذا لم يخبره موسى به لم يكن إثبات العلو لا منه ولا من موسى ﵊، فلا يقصد الإطلاع ولا يحصل به ما قصده من التلبيس على قومه، بأنه صعد إلى إله موسى، ولكان صعوده إليه كنزوله إلى الآبار والأنهار، وكان ذلك أهون عليه، فلا يحتاج إلى تكليف الصرح.
وأما نبينا ﷺ فإنه عرج به ليلة الإسراء ووجد في السماء الأولى آدم ﵇ وفي الثانية يحيى وعيسى ثم في الثالثة يوسف ثم في الرابعة إدريس ثم في الخامسة هارون ثم وجد موسى (١) ثم عرج إلى ربه وفرض عليه خمسين صلاة ثم رجع إلى موسى فقال له: ارجع إلى ربك فاسأل التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: " فرجعت إلى ربي فسألته التخفيف لأمتي " وذكر أنه رجع إلى موسى ثم رجع إلى ربه مراراً فصدق موسى في أن ربه فوق السموات وفرعون كذب موسى في ذلك والجهمية النفاة موافقون لآل فرعون أئمة الضلال، وأهل السنة والإثبات موافقون لآل إبراهيم أئمة الهدى وقال تعالى: " ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة وكلاً جعلنا صالحين، وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا خاشعين " وموسى ومحمد من آل إبراهيم بل هم سادات آل إبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين.
стр. 202
الوجه الثاني: في تبيين وجوب الإقرار بالإثبات، وعلو الله على السموات أن يقال: من المعلوم أن الله تعالى أكمل الدين وأتم النعمة وأن الله أنزل الكتاب تبياناً لكل شيء وأن معرفة ما يستحقه الله وما تنزه عنه هو من أجل أمور الدين وأعظم أصوله وأن بيان هذا وتفصيله أولى من كل شيء فكيف يجوز أن يكون هذا الباب لم يبينه الرسول ﷺ ولم يفصله ولم يعلم أمته ما يقولون في هذا الباب؟ وكيف يكون الدين قد كمل وقد تركوا على البيضاء ولا يدرون بماذا يعرفون ربهم أبما تقوله النفاة، أو بأقوال أهل الإثبات؟.
الثالث: أن يقال كل من فيه أدنى محبة للعلم أو أدنى محبة للعبادة لا بد أن يخطر بقلبه هذا الباب ويقصد فيه الحق ومعرفة الخطأ من الصواب، فلا يتصور أن يكون الصحابة والتابعون كلهم كانوا معرضين عن هذا لا يسألون عنه، ولا يشتاقون إلى معرفته، ولا تطلب قلوبهم الحق منه، وهم ليلاً ونهاراً يتوجهون بقلوبهم إليه ويدعونه تضرعاً وخيفة ورغباً ورهباً، والقلوب مجبولة مفطورة على طلب العلم، فهذا ومعرفة الحق فيه، وهي مشتاقة إليه أكثر من شوقها إلى كثير من الأمور ومع الإرادة الجازمة والقدرة يجب حصول المراد وهم قادرون على سؤال الرسول ﷺ وسؤال بعضهم بعضاً، وقد سألوه عما هو دون هذا سألوه: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فأجابهم، وسأله أبو رزين: أيضحك ربنا؟ فقال: " نعم "، فقال: لن نعدم من رب يضحك خيراً. ثم إنهم لما سألوه عن الرؤية قال: " إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر " فشبه الرؤية بالرؤية، والنفاة لا يقولون: يرى كما ترى الشمس والقمر بل قولهم الحقيقي أنه لا يرى بحال
стр. 203
ومن قال يرى موافقة لأهل الإثبات ومنافقة لهم فسر الرؤية بمزيد علم فلا تكون كرؤية الشمس والقمر.
والمقصود هنا أنهم لا بد أن يسألوا عن ربهم الذي يعبدونه - إن كان ما تقوله الجهمية حقاً - وإذا سألوه فلا بد أن يجيبهم، ومن المعلوم بالاضطرار أن تقوله الجهمية النفاة لم ينقله عنه أحد من أهل التبليغ عنه وإنما نقلوا عنه ما يوافق قول أهل الإثبات.
الوجه الرابع: أن يقال إما أن يكون الله يحب منا أن نعتقد قول النفاة أو نعتقد قول أهل الإثبات أو لا نعتقد واحداً منهما، فإن كان مطلوبه منا اعتقاد قول النفاة وهو أنه لا داخل العالم ولا خارجه وإنه ليس فوق السموات رب ولا على العرش إله، وأن محمداً لم يعرج به إلى الله وإنما عرج به إلى السموات فقط لا إلى الله، فإن الملائكة لا تعرج إلى الله بل إلى ملكوته، وإن الله لا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء، وأمثال ذلك وإن كانوا يعبرون عن ذلك بعبارات مبتدعة فيها أجمال وإبهام وإيهام كقولهم ليس بمتحيز ولا جسم ولا جوهر ولا هو في جهة ولا مكان وأمثال هذه العبارات التي تفهم منها العامة تنزيه الرب تعالى عن النقائص، ومقصدهم هم أنه ليس فوق السموات رب ولا على العرش إله يعبد، ولا عرج بالرسول إلى الله، وإنما المقصود أنه إن كان الذي يحبه الله لنا أن نعتقد هذا النفي فالصحابة والتابعون أفضل منا فقد كانوا يعتقدون هذا النفي والرسول ﷺ كان يعتقده، وإذا كان الله ورسوله يرضاه لنا وهو إما واجب علينا أو مستحب لنا فلا بد أن يأمرنا الرسول ﷺ بما هو واجب علينا، ويدنينا إلى ما هو مستحب لنا،
стр. 204
ولا بد أن يظهر عنه وعن المؤمنين ما فيه إثبات لمحبوب الله ومرضاته وما يقرب إليه لا سيما مع قوله " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي " لا سيما والجهمية تجعل هذا أصل الدين وهو عندهم التوحيد الذي لا يخالفه إلا شقي فكيف لا يعلم الرسول ﷺ أمته التوحيد؟ وكيف لا يكون التوحيد معروفاً عند الصحابة والتابعين؟ والفلاسفة والمعتزلة ومن اتبعهم يسمون مذهب النفاة التوحيد وقد سمى صاحب المرشدة أصحابه الموحدين إذ عندهم مذهب النفاة هو التوحيد، وإذا كان كذلك كان من المعلوم أنه لا بد أن يبينه الرسول ﷺ وقد علم بالاضطرار أن الرسول ﷺ وأصحابه لم يتكلموا بمذهب النفاة، فعلم أنه ليس بواجب ولا مستحب بل علم أنه ليس من التوحيد الذي شرعه الله تعالى لعباده.
وإن كان يحب منا مذهب الإثبات وهو الذي أمرنا به فلا بد أيضاً أن يبين ذلك لنا ومعلوم أن في الكتاب والسنة من إثبات العلو والصفات أعظم مما فيهما من إثبات الوضوء والتيمم والصيام وتحريم ذوات المحارم وخبيث المطاعم ونحو ذلك من الشرائع، فعلى قول أهل الإثبات يكون الدين كاملاً، والرسول ﷺ مبلغاً مبيناً والتوحيد عند السلف مشهوراً معروفاً، والكتاب والسنة يصدق بعضه بعضاً والسلف خير هذه الأمة، وطريقهم أفضل الطرق، والقرآن كله حق ليس فيه إضلال، ولا دل على كفر بل هو الشفاء والهدى والنور، وهذه كلها لوازم ملتزمة ونتائج مقبولة فقولهم مؤتلف غير مختلف ومقبول غير مردود وإن كان الذي يحبه الله ألا نثبت ولا ننفي بل نبقى في الجهل
стр. 205
البسيط وفي ظلمات بعضها فوق بعض لا نفرق الحق من الباطل ولا الهدى من الضلال ولا الصدق من الكذب بل نقف بين المثبتة والنفاة موقف الشاكين الحيارى " مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء " لا مصدقين ولا مكذبين - لزم من ذلك أن يكون الله يحب منا عدم العلم بما جاء به الرسول ﷺ وعدم العلم بما يستحقه الله من الصفات التامات، وعدم العلم بالحق من الباطل، ويحب منا الحيرة والشك، ومن المعلوم أن الله لا يحب الجهل ولا الشك ولا الحيرة ولا الضلال وإنما يحب الدين والعلم واليقين، وقد ذم الحيرة بقوله تعالى " قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا، قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين، وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون " وقد أمرنا الله تعالى أن نقول: " اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ".
وفي صحيح مسلم وغيره عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " فهو يسأل ربه أن يهديه لما اختلف فيه من الحق، فكيف يكون محبوب الله عدم الهدى في مسائل الخلاف؟ وقد قال الله له: " وقل رب زدني علماً " وما يذكره بعض الناس عنه أنه قال: " زدني فيك تحيراً " كذب باتفاق أهل العلم بحديثه، بل هذا سؤال من هو حائر وقد سأل المزيد من الحيرة ولا
стр. 206
يجوز لأحد أن يسأل ويدعو بمزيد الحيرة إذا كان حائراً بل يسأل الهدى والعلم، فكيف بمن هو هادي الخلق من الضلال، وإنما ينقل هذا عن بعض الشيوخ الذين لا يقتدى بهم في مثل هذا إن صح النقل عنه فهذا يلزم عليه أمور: أحدها: أن من قال هذا فعليه أن ينكر على النفاة فإنهم ابتدعوا ألفاظاً ومعاني لا أصل لها في الكتاب ولا في السنة، وأما المثبتة إذا اقتصروا على النصوص فليس له الإنكار عليهم - وهؤلاء الواقفة هم في الباطن يوافقون النفاة أو يقرونهم، وإنما يعارضون المثبتة فعلم أنهم أقروا أهل البدعة، وعادوا أهل السنة.
الثاني: أن يقال عدم العلم بمعاني القرآن والحديث ليس مما يحب الله ورسوله فهذا القول باطل.
الثالث: أن يقال الشك والحيرة ليست محمودة في نفسها باتفاق المسلمين غاية ما في الباب أن من لم يكن عنده علم بالنفي ولا الإثبات يسكت فأما من علم الحق بدليله الموافق لبيان رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فليس للواقف الشاك الحائر أن ينكر على العالم الجازم المستبصر المتبع للرسول العالم بالمنقول والمنقول.
الرابع: أن يقال السلف كلهم أنكروا على الجهمية النفاة وقالوا بالإثبات وأفصحوا به، وكلامهم في الإثبات والإنكار على النفاة أكثر من أن يمكن إثباته في هذا المكان وكلام الأئمة المشاهير مثل مالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع بن الجراح والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيدة وأئمة أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد موجود كثير لا يحصيه أحد.
стр. 207
وجواب مالك في ذلك في الإثبات فإن السائل قال له: يا أبا عبد الله " الرحمن على العرش استوى " كيف استوى؟ فقال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، وفي لفظ: استواؤه معلوم أو معقول، والكيف غير معقول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فقد أخبر ﵁ بأن نفس الاستواء معلوم وأن كيفية الاستواء مجهولة وهذا بعينه قول أهل الإثبات، وأما النفاة فما يثبتون استواء حتى تجهل كيفيته بل عند هذا القائل الشاك وأمثاله أن الاستواء مجهول غير معلوم وإن كان الاستواء مجهولاً لم يحتج أن يقال الكيف مجهول لا سيما إذا كان الاستواء منفياً فالمنفي المعدوم لا كيفية له حتى يقال هي مجهولة أو معلومة وكلام مالك صريح في إثبات الاستواء وإنه معلوم وإن له كيفية لكن تلك الكيفية مجهولة لنا لا نعلمها نحن، ولهذا بدع السائل الذي سأله عن هذه الكيفية، فإن السؤال إنما يكون عن أمر معلوم لنا ونحن لا نعلم كيفية استوائه وليس كل ما كان معلوماً وله كيفية تلك الكيفية معلومة لنا يبين ذلك أن المالكية وغير المالكية نقلوا عن مالك أنه قال: الله في السماء وعلمه في كل مكان حتى ذكر مكي في كتاب التفسير الذي جمعه من كلام مالك ونقله أبو عمر والطلمنكي وأبو عمر بن عبد البر وابن أبي زيد في المختصر وغير واحد ولو كان مالك من الواقفة أو النفاة لم ينقل هذا الإثبات، والقول الذي قاله مالك قاله قبله ربيعة بن عبد الرحمن شيخه كما رواه عنه سفيان بن عيينة وقال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشوني، كلاماً طويلاً يقرر مذهب الإثبات ويرد على النفاة وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.
وكلام المالكية في ذم الجهمية النفاة مشهور في كتبهم وكلام أئمة
стр. 208
المالكية وقدمائهم في الإثبات كثير مشهور لأن علماءهم حكوا إجماع أهل السنة والجماعة على أن الله بذاته فوق عرشه، وابن أبي زيد إنما ذكر ما ذكره سائر أهل أئمة السنة ولم يكن من أئمة المالكية من خالف ابن أبي زيد في هذا وهو إنما ذكر هذا في مقدمة الرسالة لتلقن لجميع المسلمين لأنه عند أئمة السنة من الاعتقادات التي يلقنها كل أحد، ولم يرد على ابن أبي زيد في هذا إلا من كان من أتباع الجهمية النفاة لم يعتمد من خالفه على أنه بدعة ولا أنه مخالف للكتاب والسنة، ولكن زعم من خالف ابن أبي زيد وأمثاله إنما خالفه مخالف للعقل (١) ، وقالوا إن ابن أبي زيد لم يكن يحسن الكلام الذي يعرف فيه ما يجوز على الله وما لا يجوز، والذين أنكروا على ابن أبي زيد وأمثاله من المتأخرين تلقوا هذا الإنكار عن متأخري الأشعرية كأبي المعالي وأتباعه وهؤلاء تلقوا هذا الإنكار عن الأصول التي شركوا فيها المعتزلة ونحوهم من الجهمية، فالجهمية من المعتزلة وغيرهم هم أصل هذا الإنكار.
وسلف الأمة وأئمتها متفقون على الإثبات، رادون على الواقفة والنفاة، مثل ما رواه البيهقي وغيره عن الأوزاعي قال: كنا - والتابعون متوافرون - نقول: إن الله فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته.
وقال أبو مطيع البلخي في كتاب الفقه الأكبر: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض، قال: كفر، لأن الله يقول " الرحمن على العرش استوى " وعرشه فوق سبع سمواته، فقلت: إنه يقول على العرش ولكن لا أدري العرش في السماء أو في الأرض، فقال: إنه إذا أنكر أنه في السماء كفر، لأنه تعالى في أعلى عليين، وإنه يدعى من أعلى لا من
стр. 209
أسفل.
قال عبد الله بن نافع: كان مالك بن أنس يقول: الله في السماء وعلمه كل مكان.
وقال معدان: سألت سفيان الثوري عن قوله تعالى: " وهو معكم أيضاً " قال علمه.
وقال حماد بن زيد فيما ثبت عنه من غير وجه رواه ابن أبي حاتم والبخاري وعبد الله بن أحمد وغيرهم: إنما يدور كلام الجهمية على أن يقولوا ليس في السماء شيء.
وقال علي بن الحسن بن شقيق: قلت لعبد الله بن المبارك بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه. قلت بحد؟ قال: بحد لا يعلمه غيره، وهذا مشهور عن ابن المبارك ثابت عنه من غير وجه، وهو نظر صحيح ثابت عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغير واحد من الأئمة.
وقال رجل لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن قد خفت الله من كثرة ما أدعو على الجهمية، قال: لا تخف فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء.
وقال جرير بن عبد الحميد: كلام الجهمية أوله شهد وآخره سم، وإنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء إله. رواه ابن أبي حاتم ورواه هو وغيره بأسانيد ثابتة عن عبد الرحمن بن مهدي قال: إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الله كلم موسى بن عمران، وأن يكون على العرش، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم.
وقال يزيد بن هارون: من زعم أن الله على العرش استوى بخلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي.
وقال سعيد بن عامر الضبعي - وذكر عنده الجهمية فقال - هم شر قول من اليهود والنصارى، قد أجمع أهل الأديان مع المسلمين أن الله على العرش وقالوا هم: ليس عليه شيء.
وقال عباد بن العوام الواسطي: كلمت بشر المريسي وأصحابه فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء، أرى أن لا يناكحوا ولا يوارثوا، وهذا كثير من كلامهم
стр. 210
وهكذا ذكر أهل الكلام الذين ينقلون مقالات الناس مقالة أهل السنة وأهل الحديث، كما ذكره أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي صنفه في اختلاف المصلين، ومقالات الإسلاميين، فذكر فيه أقوال الخوارج والرافضة والمعتزلة والمرجئة وغيرهم، ثم قال: ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث وجملة قولهم: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاء من عند الله، وبما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا يردون من ذلك شيئاً - إلى أن قال - وأن الله على عرشه كما قال " الرحمن على العرش استوى " وأن له يدين بلا كيف كما قال تعالى: " لما خلقت بيدي " وأقروا أن لله علماً كما قال: " أنزله بعلمه وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه " وأثبتوا السمع والبصر؛ ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة، وقالوا: إنه لا يكون في الأرض خير ولا شر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله، كما قال: " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله " إلى أن قال: ويقولون إن القرآن كلام الله غير مخلوق، ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ مثل: " إن الله ينزل إلى سماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر فأغفر له " كما جاء في الحديث. ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال: " وجاء ربك والملك صفاً صفا " وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال: " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " وذكر أشياء كثيرة، إلى أن قال: فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب.
قال الأشعري أيضاً في مسألة الاستواء: قال أهل السنة وأصحاب الحديث ليس بجسم، ولا يشبه الأشياء، وأنه على عرشه كما قال " الرحمن
стр. 211
على العرش استوى " ولا نتقدم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا كيف، وأنه له يدين بلا كيف كما قال تعالى " لما خلقت بيدي " وأن الله ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث. قال: وقالت المعتزلة استوى على عرشه بمعنى استولى. وقال الأشعري أيضاً في كتاب الإبانة في أصول الديانة في باب الاستواء إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل: نقول له إن الله مستوٍ على عرشه كما قال " الرحمن على العرش استوى " وقال: إليه يصعد الكلم الطيب، وقال بل رفعه الله إليه، وقال حكاية عن فرعون " يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً " كذب فرعون موسى في قوله إن الله فوق السموات، وقال الله تعالى: " أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور " فالسموات فوقها العرش، وكل ما علا فهو سماء وليس إذا قال " أأمنتم من في السماء " يعني جميع السموات وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات ألا ترى أنه ذكر السموات فقال وجعل القمر فيهن نوراً ولم يردانه يملأ السموات جميعاً ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله مستوٍ على العرش الذي هو فوق السموات فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية أن معنى استوى استولى وملك وقهر وأن الله في كل مكان وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة فلو كان كما قالوا كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة لأن الله قادر على كل شيء والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش والأخلية فلو كان مستوياً على العرش بمعنى
стр. 212
الاستيلاء لجاز أن يقال هو مستوٍ على الأشياء كلها وعلى الحشوش والأخلية فبطل أن يكون معنى الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، وقد نقل هذا عن الأشعري غير واحد من أئمة أصحابه كابن فورك والحافظ بن عساكر في كتابه الذي جمعه في تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري، وذكر اعتقاده الذي ذكره في الإبانة وقوله فيه فإن قال قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحلولية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون قيل له قولنا الذي به نقول، وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، وما روي عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه قائلون، ولما خالف فيه مجانبون لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال وأوضح المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين ورحمة الله عليه من إمام مقدم وكبير مفهم على جميع أئمة المسلمين.
وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، وذكر ما تقدم وغيره جمل كبيرة أوردت في غير هذا الموضع، وقال أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة الذي يذهب إليه أهل العلم: أن الله تعالى على عرشه فوق سمواته وعلمه محيط بكل شيء قد أحاط بكل شيء قد أحاط بجميع ما خلق في السموات العلى وجميع ما في سبع أرضين يرفع إليه أفعال العباد، فإن قال قائل: أي شيء معنى قوله " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم " الآية،
стр. 213
قيل له علمه، والله على عرشه وعلمه محيط بهم كذا فسره أهل العلم والآية يدل أولها على آخرها أنه العلم وهو على عرشه هذا قول المسلمين.
والقول الذي قاله الشيخ محمد بن أبي زيد وأنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو في كل مكان بعلمه قد تأوله بعض المبطلين بأن رفع المجيد ومراده أن الله هو المجيد بذاته وهذا مع أنه جهل واضح فإنه بمنزلة أن يقال الرحمن بذاته والرحيم بذاته والعزيز بذاته.
وقد صرح ابن أبي زيد في المختصر بأن الله في سمائه دون أرضه هذا لفظه والذي قاله ابن أبي زيد ما زالت تقوله أئمة أهل السنة في جميع الطوائف وقد ذكر أبو عمرو الطلمنكي الإمام في كتابه الذي سماه الوصول إلى معرفة الأصول: أن أهل السنة والجماعة متفقون على أن الله استوى بذاته على عرشه وكذلك ذكره عثمان بن أبي شيبة حافظ الكوفة في طبقة البخاري ونحوه ذكر ذلك عن أهل السنة والجماعة وكذلك ذكره يحيى بن عمار السجستاني الإمام في رسالته المشهورة في السنة التي كتبها إلى ملك بلاده. . . وكذلك ذكر أبو نصر السجزي الحافظ في كتاب الإبانة له قال: وأئمتنا كالثوري ومالك وابن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وابن المبارك وفضيل بن عياض وأحمد وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته وأن علمه بكل مكان وكذلك ذكر شيخ الإسلام الأنصاري وأبو العباس الطرقي والشيخ عبد القادر ومن لا يحصي عدده إلا الله من أئمة الإسلام وشيوخه.
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني صاحب حلية الأولياء وغير ذلك من الصفات المشهورة في الاعتقاد الذي جمعه: طريقنا طريق السلف
стр. 214
المتبعين الكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال: وما اعتقدوه أن الله لم يزل كاملاً بجميع صفاته القديمة لا يزول ولا يحول لم يزل عالماً بعلم بصير أيبصر سميعاً يسمع متكلماً بكلام أحدث الأشياء من غير شيء وأن القرآن كلام الله وسائر كتبه المنزلة كلامه غير مخلوق وأن القرآن من جميع الجهات مقروءاً ومتلواً ومحفوظاً ومسموعاً وملفوظاً كلام الله حقيقة لا حكاية ولا ترجمة وأنه بألفاظنا كلام الله غير مخلوق وأن الواقفة من اللفظية من الجهمية، وإن من قصد القرآن بوجه من الوجوه يريد خلق كلام الله فهو عندهم من الجهمية، وأن الجهمي عندهم كافر - وذكر أشياء إلى أن قال: وإن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستوٍ على عرشه في سمائه من دون أرضه وذكر سائر اعتقادات السلف وإجماعهم على ذلك وقال يحيى بن عثمان في رسالته: لا نقول كما قالت الجهمية إنه مداخل الأمكنة وممازج كل شيء ولا نعلم أين هو بل نقول هو بذاته على عرشه وعلمه محيط بكل شيء وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء وهو معنى قوله: " وهو معكم أينما كنتم ".
وقال الشيخ العارف معمر بن أحمد شيخ الصوفية في هذا العصر أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة وأجمع ما كان عليه أهل الحديث وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين فذكر أشياء من الوصية إلى أن قال فيها: وإن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تأويل والاستواء معقول والكيف مجهول وأنه مستو على عرشه بائن من خلقه والخلق بائنون منه بلا حلول ولا ممازجة ولا ملاصقة وأنه عز
стр. 215
وجل بصير سميع عليم خبير يتكلم، ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكاً وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء بلا كيف ولا تأويل ومن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال.
وقال الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني النيسابوري في كتاب الرسالة في السنة: ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سمواته على عرشه كما نطق به كتاب وعلماء الأمة وأعيان سلف الأمة لم يختلفوا أن الله تعالى على عرشه فوق سمواته قال: وأما إمامنا أبو عبد الله الشافعي احتج في كتابه المبسوط في مسألة اعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة وأن الرقبة الكافرة لا يصح التكفير بها بخبر معاوية بن الحكم وأنه أراد أن يعتق الجارية السوداء عن الكفارة، وسأل النبي ﷺ عن اعتاقه إياها فامتحنها ليعرف أنها مؤمنة أم لا! فقال لها: " أين ربك؟ " فأشارت إلى السماء، فقال: " اعتقها فإنها مؤمنة " فحكم بإيمانها لما أقرت أن ربها في السماء وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي باب القول في الاستواء.
قال الله تعالى: " الرحمن على العرش استوى " ثم استوى على العرش، وهو القاهر فوق عباده يخافون ربهم من فوقهم، إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " أأمنتم من في السماء " وأراد من فوق السماء كما قال " ولأصلبنكم في جذوع النخل " بمعنى على جذوع النخل وقال " فسيحوا في الأرض " أي على الأرض، وكل ما علا فهو سماء والعرش أعلى السموات فمعنى الآية: أأمنتم من على العرش كما صرح به في سائر الآيات قال: وفيما