ممن حدها بيومين ولا اليومان بأولى من يوم فوجب أن لا يكون لها حد بل كل ما يسمى سفراً يشرع، وقد ثبت بالسنة القصر في مسافة بريد فعلم أن في الأسفار ما قد يكون بريداً وأدنى ما يسمى سفراً في كلام الشارع البريد، وأما ما دون البريد كالميل فقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه كان يأتي قباء كل سبت وكان يأتيه راكباً وماشياً ولا ريب أهل قباء وغيرهم من أهل العوالي كانوا يأتون إلى النبي ﷺ بالمدينة ولم يقصر الصلاة هو ولا هم. وقد كانوا يأتون الجمعة من نحو ميل وفرسخ ولا يقصرون الصلاة والجمعة على من سمع النداء والنداء قد يسمع من فرسخ وليس كل من وجبت عليه الجمعة أبيح له القصر والعوالي بعضها من المدينة وإن كان اسم المدينة يتناول جميع المساكن كما قال تعالى: " وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق " وقال: " ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ".
وأما ما نقل عن ابن عمر فينظر فيه هل هو ثابت أم لا فإن ثبت فالرواية عنه مختلفة وقد خالفه غيره من الصحابة ولعله أراد إذا قطعت من المسافة ميلاً ولا ريب أن قباء من المدينة أكثر من ميل وما كان ابن عمر ولا غيره يقصرون الصلاة إذا ذهبوا إلى قباء فقصر أهل مكة الصلاة بعرفة وعدم قصر أهل المدينة الصلاة إلى قباء ونحوها مما حول المدينة دليل على الفرق والله أعلم.
والصلاة على الراحلة إذا كانت مختصة بالسفر لا تفعل إلا فيما يسمى سفراً ولهذا لم يكن النبي ﷺ يصلي على راحلته
стр. 247
في خروجه إلى مسجد قباء مع أنه كان يذهب إليه راكباً وماشياً ولا كان المسلمون الداخلون من العوالي يفعلون ذلك وهذا لأن هذه المسافة قريبة كالمسافة في المصر واسم المدينة يتناول المساكن كلها فلم يكن هناك إلا أهل المدينة والأعراب كما دل عليه القرآن فمن لم يكن من الأعراب كان من أهل المدينة وحينئذ فيكون مسيره إلى قباء كأنه في المدينة فلو سوغ ذلك سوغت الصلاة في المصر على الراحلة وإلا فلا فرق بينهما.
والنبي ﷺ لما كان يصلي بأصحابه جمعاً وقصر ألم يكن يأمر أحداً منهم بنية الجمع والقصر بل خرج من المدينة إلى مكة يصلي ركعتين من غير جمع ثم صلى بهم الظهر بعرفة ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها ثم صلى بهم العصر ولم يكونوا نووا الجمع وهذا جمع تقديم وكذلك لما خرج من المدينة صلى بهم بذي الحليفة العصر ركعتين ولم يأمرهم بنية قصر وفي الصحيح أنه لما صلى إحدى صلاتي العشي وسلم من اثنتين قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: " لم أنس ولم تقصر " قال: بلى قد نسيت، قال: " أكما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: نعم، فأتم الصلاة ولو كان القصر لا يجوز إلا إذا نووه لبين ذلك ولكانوا يعلمون ذلك والإمام أحمد لم ينقل عنه فيما أعلم أنه اشترط النية في جمع ولا قصر ولكن ذكره طائفة من أصحابه كالخرقي والقاضي.
وأما أبو بكر عبد العزيز وغيره فقالوا إنما يوافق مطلق نصوصه، وقالوا: لا يشترط للجمع ولا للقصر نية وهو قول الجمهور من العلماء كمالك وأبي حنيفة وغيرهما بل قد نص أحمد على أن المسافر له أن يصلي العشاء قبل مغيب الشفق وعلل ذلك بأنه يجوز له الجمع كما نقله عنه
стр. 248
أبو طالب والمروزي وذكر ذلك القاضي في الجامع الكبير فعلم أنه لا يشترط في الجمع النية ولا تشترط أيضاً المقارنة فإنه لما أباح أن تصلى العشاء قبل مغيب الشفق وعلله بأنه يجوز له الجمع لم يجز إن زاد به الشفق الأبيض لأن مذهبه المتواتر عنه أن المسافر يصلي العشاء بعد مغيب الشفق الأحمر وهو أول وقتها عنده وحينئذ يخرج وقت المغرب عنده فلم يكن مصلياً لها في وقت المغرب بل في وقتها الخاص، وأما في الحضر فاستحب تأخيرها إلى أن يغيب الأبيض قال لأن الحمرة قد تسترها الحيطان فيظن أن الأحمر غاب ولم يغب فإذا غاب الأبيض تيقن مغيب الحمرة فالشفق عنده في الموضعين الحمرة لكن لما كان الشك في الحضر لاستتار الشفق بالحيطان احتاط بدخول الأبيض فهذا مذهبه المتواتر عن نصوصه الكثيرة.
وقد حكى بعضهم رواية أن الشفق في الحضر الأبيض وفي السفر الأحمر وهذه الرواية حقيقتها كما تقدم وإلا فلم يقل أحمد ولا غيره من علماء المسلمين أن الشفق في نفس الأمر يختلف بالحضر والسفر وأحمد قد علل الفرق فلو حكي عنه لفظ مجمل كان المفسر من كلامه يبينه.
وقد حكى بعضهم رواية عنه أن الشفق مطلق البياض وما أظن هذا إلا غلطاً عليه وإذا كان مذهبه أن أول الشفق إذا غاب في السفر خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء وهو يجوز للمسافر أن يصلي العشاء قبل مغيب الشفق وعلل ذلك بأنه يجوز له الجمع علم أنه صلاها قبل مغيبها لا بعد مغيب الأحمر فإنه حينئذ لا يجوز التعليل بجواز الجمع.
стр. 249
الثاني (١) أن ذلك من كلامه يدل على أن الجمع عنده هو الجمع في الوقت وإن لم يصلْ إحداهما بالأخرى كالجمع في وقت الثانية على المشهور من مذهبه ومذهب غيره وأنه إذا صلى المغرب في أول وقتها والعشاء في آخر وقت المغرب حيث يجوز له الجمع جاز ذلك، وقد نص أيضاً على نظير هذا فقال إذا صلى إحدى صلاتي الجمع في بيته والأخرى في المسجد فلا بأس وهذا نص منه على أن الجمع هو جمع في الوقت لا تشترط فيه المواصلة وقد تأول ذلك بعض أصحابه على قرب الفصل وهو خلاف النص ولأن النبي ﷺ لما صلى بهم بالمدينة ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً لم ينقل أنه أمرهم ابتداء بالنية ولا السلف بعده وهذا قول الجمهور كأبي حنيفة ومالك وغيرهما وهو في القصر مبني على فرض المسافر فصارت الأقوال للعلماء في اقتران الفعل ثلاثة: أحدها: أنه لا يجب الاقتران لا في وقت الأولى ولا الثانية كما قد نص عليه أحمد كما ذكرناه في السفر وجمع المطر.
والثاني: أنه يجب الاقتران في وقت الأولى دون الثانية وهذا هو المشهور عند أكثر أصحابه المتأخرين وهو ظاهر مذهب الشافعي فإن كان الجمع في وقت الأولى اشترط الجمع وإن كان في وقت الآخرة فإنه يصلي الأولى في وقت الثانية وأما الثانية فيصليها في وقتها فتصح صلاته
стр. 250
لها وإن أخرها ولا يأثم بالتأخير وعلى هذا تشترط الموالاة في وقت الأولى دون الثانية.
والثالث: تشترط الموالاة في الموضعين كما يشترط الترتيب وهذا وجه في مذهب الشافعي وأحمد ومعنى ذلك أنه إذا صلى الأولى وأخر الثانية أثم وإن كان وقعت صحيحة لأنه لم يكن له إذا أخر الأولى إلا أن يصلي الثانية معها فإذا لم يفعل ذلك كان بمنزلة من أخرها إلى وقت الضرورة ويكون قد صلاها في وقتها معه الإثم.
حكم الموالاة بين صلاتي الجمع:
والصحيح أنه لا تشترط الموالاة بحال لا في وقت الأولى ولا في وقت الثانية فإنه ليس لذلك حد في الشرع، ولأن مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة، وهو شبيه بقول من حمل الجمع على الجمع بالفعل وهو أن يسلم من الأولى في آخر وقتها ويحرم بالثانية في أول وقتها كما تأول جمعه على ذلك طائفة من العلماء أصحاب أبي حنيفة وغيرهم، ومراعاة هذا من أصعب الأشياء وأشقها فإنه يريد أن يبتدئ فيها إذا بقي من الوقت مقدار أربع ركعات أو ثلاث في المغرب، ويريد مع ذلك أن لا يطيلها، وإن كان بنية الإطالة تشرع في الوقت الذي يحتمل ذلك، وإذا دخل في الصلاة ثم بدا له أن يطيلها أو أن ينتظر أحداً ليحصل الركوع والجماعة لم يشرع ذلك ويجتهد في أن يسلم قبل خروج الوقت، ومعلوم أن مراعاة هذا من أصعب الأشياء علماً وعملاً وهو يشغل قلب المصلي غير مقصود الصلاة والجمع شرع رخصة ودفعاً للحرج عن الأمة، فكيف لا يشرع إلا مع حرج شديد ومع ما ينقض مقصود الصلاة؟
стр. 251
فعلم أنه كان ﷺ إذا أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء يفعل ذلك على الوجه الذي يحصل به التيسير ورفع الحرج له ولأمته ولا يلتزم أنه لا يسلم من الأولى إلا قبل خروج وقتها الخاص وكيف يعلم ذلك المصلي في الصلاة وآخر وقت الظهر وأول وقت العصر إنما يعرف على سبيل التحديد بالظل والمصلي في الصلاة لا يمكنه معرفة الظل ولم يكن مع النبي ﷺ آلات حسابية يعرف بها الوقت، ولا موقّت يعرف ذلك بالآلات الحسابية، والمغرب إنما يعرف آخر وقتها بالشفق، فيحتاج إلى أن ينظر إلى جهة الغرب هل غرب الشفق الأحمر أو الأبيض؟ والمصلي في الصلاة منهي عن مثل ذلك وإذا كان يصلي في بيت أو فسطاط أو نحو ذلك مما يستره عن الغرب ويتعذر عليه في الصلاة النظر إلى المغرب فلا يمكنه في هذه الحال أن يتحرى السلام في آخر وقت المغرب بل لا بد أن يسلم قبل خروج الوقت بزمن يعلم أنه معه يسلم قبل خروج الوقت.
ثم الثانية لا يمكنه على قولهم أن يشرع فيها حتى يعلم دخول الوقت وذلك يحتاج إلى عمل وكلفة مما لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يراعيه بل ولا أصحابه، فهؤلاء لا يمكن الجمع على قولهم في غالب الأوقات لغالب الناس إلا مع تفريق الفعل، وأولئك لا يكون الجمع عندهم إلا مع اقتران الفعل، وهؤلاء فهموا من الجمع اقتران الفعلين في وقت واحد أو وقتين، وأولئك قالوا لا يكون الجمع إلا في وقتين، وذلك يحتاج إلى تفريق الفعل وكلا القولين ضعيف.
стр. 252
والسنة جاءت بأوسع من هذا وهذا ولم تكلف الناس لا هذا ولا هذا، والجمع جائز في الوقت المشترك فتارة يجمع في أول الوقت كما جمع بعرفة وتارة يجمع في وقت الثانية كما جمع بمزدلفة وفي بعض أسفاره وتارة يجمع فيما بينهما في وسط الوقتين وقد يقعان معاً في آخر وقت الأولى وقد يقعان معاً في أول وقت الثانية، وقد تقع هذه في هذا وهذه في هذا وكل هذا جائز لأن أصل هذه المسألة أن الوقت عند الحاجة مشترك والتقديم والتوسط بحسب الحاجة والمصلحة ففي عرفة ونحوها يكون التقديم هو السنة وكذلك جمع المطر، السنة أن يجمع للمطر في وقت المغرب حتى اختلف مذهب أحمد هل يجوز أن يجمع للمطر في وقت الثانية؟ على وجهين وقيل إن ظاهر كلامه أنه لا يجمع وفيه وجه ثالث أن الأفضل التأخير وهو غلط مخالف للسنة والإجماع القديم وصاحب هذا القول ظن أن التأخير في الجمع أفضل مطلقاً لأن الصلاة يجوز فعلها بعد الوقت عند النوم والنسيان، ولا يجوز فعلها قبل الوقت بحال، بل لو صلاها قبل الزوال وقبل الفجر أعادها، وهذا غلط فإن الجمع بمزدلفة إنما المشروع فيه تأخير المغرب إلى وقت العشاء بالسنة المتواترة واتفاق المسلمين وما علمت أحداً من العلماء سوغ له هناك أن يصلي العشاء في طريقه، وإنما اختلفوا في المغرب هل له أن يصليها في طريقه على قولين، وأما التأخير فهو كالتقديم، بل صاحبه أحق بالذم، ومن نام عن صلاة أو نسيها فإن وقتها في حقه حين يستيقظ ويذكرها، وحينئذ هو مأمور بها لا وقت لها إلا ذلك فلم يصلها إلا في وقتها.
وأما من صلى قبل الزوال وطلوع الفجر الذي يحصل به، فإن كان متعمداً فهذا فعل ما لم يؤمر به، وأما إن كان عاجزاً عن معرفة الوقت
стр. 253
كالمحبوس الذي لا يمكنه معرفة الوقت فهذا في أجزائه قولان للعلماء وكذلك في صيامه إذا صام حيث لا يمكنه معرفة شهور رمضان كالأسير إذا صام بالتحري ثم تبين له أنه قبل الوقت ففي أجزائه قولان للعلماء وأما من صلى في المصر قبل الوقت غلطاً فهذا لم يفعل ما أمر به وهل تنعقد صلاته نفلاً أو تقع باطلة؟ على وجهين في مذهب أحمد وغيره.
والمقصود أن الله لم يبح لأحد أن يؤخر الصلاة عن وقتها بحال كما لم يبح له أن يفعلها قبل وقتها فليس جمع التأخير بأولى من جمع التقديم، بل ذاك بحسب الحاجة والمصلحة فقد يكون هذا أفضل وقد يكون هذا أفضل، وهذا مذهب جمهور العلماء وهو ظاهر مذهب أحمد المنصوص عنه وغيره، ومن أطلق من أصحابه القول بتفضيل أحدهما مطلقاً فقد أخطأ على مذهبه.
الأحاديث في الجمع تقديماً وتأخيراً: وأحاديث الجمع الثابتة عن النبي ﷺ مأثورة من حديث ابن عمر وابن عباس وأنس ومعاذ وأبي هريرة وجابر، وقد تأول هذه الأحاديث من أنكر الجمع على تأخير الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الثانية إلى أول وقتها، وقد جاءت الروايات الصحيحة بأن الجمع كان يكون في وقت الثانية وفي وقت الأولى وجاء الجمع مطلقاً، والمفسر يبين المطلق ففي الصحيحين من حديث سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا عجل به السير جمع بين المغرب والعشاء. رواه مسلم.
وروى مسلم
стр. 254
من حديث يحيى بن سعيد: حدثنا عبيد الله أخبرنا عن ابن عمر أنه كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق ويذكر أن رسول الله ﷺ كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء.
حديث ابن عمر في جمع التأخير: قال الطحاوي: حديث ابن عمر إنما فيه الجمع بعد مغيب الشفق من فعله وذكر عن النبي ﷺ أنه جمع بين الصلاتين ولم يذكر كيف كان جمعه؛ هذا إنما فيه التأخير من فعل ابن عمر لا فيما رواه عن النبي ﷺ فذكر المثبتون ما رواه محمد ابن يحيى الذهلي حدثنا حماد بن مسعدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع: أن عبد الله بن عمر أسرع السير فجمع بين المغرب والعشاء فسألت نافعاً فقال: بعد ما غاب الشفق بساعة وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك إذا جد به السير، ورواه سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن ابن عمر استصرخ على صفية بنت أبي عبيد وهو بمكة وهي بالمدينة فأقبل فسار حتى غربت وبدت النجوم فقال رجل كان يصحبه: الصلاة الصلاة، فسار ابن عمر فقال له سالم: الصلاة، فقال: إن رسول الله ﷺ كان إذا عجل به أمر في سفر جمع بين هاتين الصلاتين. فسار حتى إذا غاب الشفق جمع بينهما وسار ما بين مكة والمدينة ثلاثاً.
وروى البيهقي هذين بإسناد صحيح مشهور، قال: ورواه معمر عن أيوب وموسى بن عقبة عن نافع، وقال في الحديث فأخر المغرب بعد ذهاب الشفق حتى ذهب هوي من الليل ثم نزل فصلى المغرب والعشاء قال: وكان رسول الله ﷺ يفعل ذلك إذا جد به السير أو
стр. 255
حزبه أمر قال: ورواه يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع فذكر أنه سار قريباً من ربع الليل ثم نزل فصلى ورواه من طريق الدارقطني حدثنا ابن صاعد والنيسابوري حدثنا العباس ابن الوليد بن يزيد أخبرني عمر بن محمد بن يزيد حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن ابن عمر أنه أقبل من مكة وجاءه خبر صفية بنت أبي عبيد فأسرع السير فلما غابت الشمس قال له إنسان من أصحابه: الصلاة، فسكت ثم سار ساعة فقال له صاحبه: الصلاة، فقال الذي قال له: الصلاة، إنه ليعلم من هذا علماً لا أعلمه فسار حتى إذا كان بعد ما غاب الشفق بساعة نزل فأقام الصلاة وكان لا ينادي لشيء من الصلاة في السفر فأقام فصلى المغرب والعشاء جميعاً جمع بينهما ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق بساعة، وكان يصلي على ظهر راحلته أين توجهت به السبحة (١) في السفر ويخبر أن رسول الله ﷺ كان يصنع ذلك.
قال البيهقي: اتفقت رواية يحيى بن سعيد الأنصاري وموسى بن عقبة وعبيد الله بن عمر وأيوب السختياني وعمر بن محمد بن زيد على أن جمع عبد الله بن عمر بين الصلاتين بعد غيوبة الشفق وخالفهم من لا يدانيهم في حفظ أحاديث نافع، وذكر أن ابن جابر رواه عن نافع ولفظه: حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب ثم أقام الصلاة وقد توارى الشفق فصلى بنا ثم أقبل علينا فقال: كان رسول الله ﷺ إذا عجل به الأمر صنع هكذا، وقال: وبمعناه رواه فضيل بن غزوان وعطاف بن
стр. 256
خالد عن نافع، ورواية الحفاظ من أصحاب نافع أولى بالصواب فقد رواه سالم بن عبد الله وأسلم مولى عمر وعبد الله بن دينار وإسماعيل بن عبد الرحمن بن ذويب عن ابن عمر نحو روايتهم، أما حديث سالم فرواه عاصم ابن محمد عن أخيه عمر بن محمد عن سالم، وأما حديث ابن أبي مريم: أن محمد بن جعفر أخبرني زيد بن أسلم عن أبيه قال: كنت مع ابن عمر فبلغه عن صفية شدة وجع فأسرع حتى كان بعد غروب الشفق نزل فصلى المغرب والعتمة جمع بينهما وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ إذا جد به السير أخر المغرب وجمع بينهما، رواه البخاري في صحيحه عن ابن أبي مريم وأسند أيضاً من كتاب يعقوب بن سفيان أن أبو صالح وابن بكير قالا: حدثنا الليث قال: قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: حدثني عبد الله بن دينار وكان من صالحي المسلمين صدقاً وديناً قال: غابت الشمس ونحن مع عبد الله بن عمر فسرنا فلما رأيناه قد أمسى قلنا له الصلاة، فسكت حتى غاب الشفق وتصوبت النجوم فنزل فصلى الصلاتين جميعاً ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا جد به السير صلى صلاتي هذه، يقول جمع بينهما بعد ليل.
وأما حديث إسماعيل بن عبد الرحمن فأسند من طريق الشافعي وأبي نعيم عن ابن عيينة عن أبي نجيح عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذئيب قال: صحبت ابن عمر فلما غابت الشمس هبنا أن نقول له قم إلى الصلاة فلما ذهب بياض الأفق وفحمة العشاء نزل فصلى ثلاث ركعات وركعتين ثم التفت إلينا فقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل.
стр. 257
حديث أنس في جمع التقديم:
وأما حديث أنس ففي الصحيحين عن ابن شهاب عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب. هذا لفظ الفعل عن عقيل عنه، ورواه مسلم من حديث ابن وهب حدثني جابر بن إسماعيل عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا عجل به السير (١) يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق. ورواه مسلم من حديث شبابة: حدثنا الليث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يجمع بين الظهر والعصر في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما، ورواه من حديث الإسماعيلي (٢) : أنا الفرياني أنا إسحق بن راهويه أنا شبابة بن سوار عن ليث عن عقيل عن أنس كان رسول الله ﷺ إذا كان في السفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل. قلت: هكذا في هذه الرواية وهي مخالفة للمشهور من حديث أنس.
وأما حديث معاذ فمن إفراد مسلم رواه من حديث مالك وزهير بن معاوية وقرة بن خالد وهذا لفظ مالك عن أبي الزبير المكي عن أبي الطفيل عامر بن واثلة أن معاذ بن جبل أخبرهم أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ فجمع بين
стр. 258
الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأخر الصلاة يوماً ثم خرج فصلى الظهر والعصر ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء.
قلت: الجمع على ثلاث درجات: إما إذا كان سائراً في وقت الأولى فإنما ينزل في وقت الثانية فهذا هو الجمع الذي ثبت في الصحيحين من حديث أنس وابن عمر وهو نظير جمع مزدلفة.
وأما إذا كان وقت الثانية سائراً أو راكباً فجمع في وقت الأولى فهذا نظير الجمع بعرفة، وقد روي ذلك في السنن كما سنذكره إن شاء الله.
وأما إذا كان نازلاً في وقتهما جميعاً نزولاً مستمراً فهذا ما علمت روي ما يستدل به عليه الأحاديث معاذ هذا فإن ظاهره أنه كان نازلاً في خيمة في السفر وأنه أخر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً ثم دخل إلى بيته ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً فإن الدخول والخروج إنما يكون في المنزل وأما السائر فلا يقال دخل وخرج، بل نزل وركب، وتبوك هي آخر غزوات النبي ﷺ ولم يسافر بعدها إلا حجة الوداع، وما نقل أنه جمع فيها إلا بعرفة ومزدلفة وأما بمنى فلم ينقل أحد أنه جمع هناك بل نقلوا أنه كان يقصر الصلاة هناك، ولا نقلوا أنه كان يؤخر الأولى إلى آخر وقتها، ولا يقدم الثانية إلى أول وقتها وهذا دليل على أنه كان يجمع أحياناً في السفر وأحياناً لا يجمع وهو الأغلب على أسفاره أنه لم يكن يجمع بينهما وهذا يبين أن الجمع ليس من سنة السفر كالقصر بل يفعل للحاجة سواء كان في السفر أو في الحضر فإنه قد جمع أيضاً في الحضر لئلا يحرج أمته، فالمسافر إذا احتاج إلى الجمع جمع سواء كان ذلك لسيره وقت الثانية، أو وقت الأولى وشق
стр. 259
النزول عليه أو كان مع نزوله لحاجة أخرى مثل أن يحتاج إلى النوم والاستراحة وقت الظهر ووقت العشاء فينزل وقت الظهر وهو تعبان سهران جائع محتاج إلى راحة وأكل ونوم فيؤخر الظهر إلى وقت العصر ثم يحتاج أن يقدم العشاء مع المغرب وينام بعد ذلك ليستيقظ نصف الليل لسفره، فهذا ونحوه يباح له الجمع.
وأما النازل أياماً في قرية أو مصر وهو في ذلك كأهل المصر فهذا وإن كان يقصر لأنه مسافر فلا يجمع كما أنه لا يصلي على الراحلة ولا يصلي بالتيمم ولا يأكل الميتة، فهذه الأمور أبيحت للحاجة ولا حاجة به إلى ذلك بخلاف القصر فإنه سنة صلاة السفر.
والجمع في وقت الأولى كما فعله النبي ﷺ بعرفة فمأثور في السنن مثل الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث المفضل بن فضالة عن الليث بن سعد عن هاشم بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم نزل فجمع بينهما. قال الترمذي حديث معاذ حديث حسن غريب. قلت وقد رواه قتيبة عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل لكن أنكروه على قتيبة. قال البيهقي تفرد به قتيبة عن الليث وذكر عن البخاري، قال قلت لقتيبة مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل فقال: كتبته مع خالد
стр. 260
المدائني، قال البخاري: وكان خالد هذا يدخل الأحاديث على الشيوخ. قال البيهقي: وإنما أنكروا من هذا رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفل، فأما رواية أبي الزبير عن أبي الطفيل فهي محفوظة صحيحة، قلت: وهذا الجمع الذي فسره هشام بن سعد عن أبي الزبير، والذي ذكره مالك يدخل في الجمع الذي أطلقه الثوري وغيره فمن روى عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ أن رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء عام تبوك وهذا الجمع الأول ليس في المشهور من حديث أنس لأن المسافر إذا ارتحل بعد زيغ الشمس ولم ينزل وقت العصر فهذا مما لا يحتاج إلى الجمع بل يصلي العصر في وقتها وقد يتصل سيره إلى الغروب فهذا يحتاج إلى الجمع بمنزلة جمع عرفة لما كان الوقوف متصلاً إلى الغروب صلى العصر مع الظهر إذ كان الجمع بحسب الحاجة.
وبهذا تتفق أحاديث النبي ﷺ ، وإلا فالنبي ﷺ لا يفرق بين متماثلين، ولم ينقل أحد عنه أنه جمع بمنى ولا بمكة عام الفتح ولا في حجة الوداع مع أنه أقام بها بضعة عشر يوماً يقصر الصلاة، ولم يقل أحد إنه جمع في حجته إلا بعرفة ومزدلفة فعلم أنه لم يكن جمعه لقصره وقد روي الجمع في وقت الأولى في المصر من حديث ابن عباس أيضاً موافقة لحديث معاذ ذكره أبو داود فقال: وروى هشام بن عروة عن حسين بن عبد الله عن كريب عن ابن عباس عن النبي ﷺ نحو حديث الفضل، قلت: هذا الحديث معروف عن حسين وحسين هذا ممن يعتبر بحديثه ويستشهد به ولا يعتمد عليه وحده فقد تكلم فيه علي بن المديني والنسائي ورواه البيهقي من حديث عثمان بن عمر عن ابن
стр. 261
جريج عن حسين عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ كان إذا زالت الشمس وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر وإذا لم تزل حتى يرتحل سار حتى إذا دخل وقت العصر نزل فجمع الظهر والعصر وإذا غابت الشمس وهو في منزله جمع بين المغرب والعشاء وإذا لم تغب حتى يرتحل سار حتى أتت العتمة نزل فجمع بين المغرب والعشاء، قال البيهقي: ورواه حجاج بن محمد عن ابن جريج أخبرني حسين عن كريب وكان حسين سمعه منهما جميعاً واستشهد على ذلك برواية عبد الرزاق عن ابن جريج وهي معروفة وقد رواها الدارقطني وغيره وهي من كتب عبد الرزاق قال عبد الرزاق: عن ابن جريج حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة وعن كريب عن ابن عباس أن ابن عباس قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر؟ قلنا بلى، قال: كان إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، وإذا لم تزغ له في منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينهما وبين العشاء وإذا لم تحن في منزله ركب حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما قال الدارقطني: ورواه عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج عن هشام ابن عروة عن حسين عن كريب فاحتمل أن يكون ابن جريج سمعه ولا من هشام بن عروة عن حسين كقول عبد المجيد عنه ثم لقي ابن جريج حسيناً فسمعه منه كقول عبد الرزاق وحجاج عن ابن جريج، قال البيهقي: وروي عن محمد بن عجلان ويزيد بن الهادي وأبي أويس المدني عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس، وهو بما تقدم من
стр. 262
شواهده يقوى، وذكر ما ذكره البخاري تعليقاً: حديث إبراهيم بن طهمان عن الحسين عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ جمع بن الظهر والعصر في السفر إذا كان على ظهر مسيره، وجمع بين المغرب والعشاء. أخرجه البخاري في صحيحه فقال: وقال إبراهيم بن طهمان فذكره.
قلت: قوله على ظهر سيره قد يراد به على ظهر سيره في وقت الأولى وهذا مما لا ريب ويدخل فيه ما إذا كان على ظهر سيره في وقت الثانية كما جاء صريحاً عن ابن عباس، قال البيهقي: وقد روى أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس لا نعلمه إلا مرفوعاً بمعنى رواية الحسين وذكر ما رواه إسماعيل بن إسحاق ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس ولا أعلمه إلا مرفوعاً وإلا فهو عن ابن عباس أنه كان إذا نزل منزلاً في السفر فأعجبه المنزل أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر، قال إسماعيل: حدثنا عارم حدثنا حماد فذكره، قال عارم هكذا حدث به حماد قال: كان إذا سافر فنزل منزلاً فأعجبه المنزل فأقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر، ورواه حماد بن سلمة عن أيوب من قول ابن عباس قال إسماعيل ثنا الحجاج عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس قال: إذا كنتم سائرين فنبا بكم المنزل فسيروا حتى تصيبوا تجمعون بينهما، وإن كنتم نزولاً فعجل بكم أمر فاجمعوا بينهما ثم ارتحلوا. قلت فحديث ابن عباس في الجمع بالمدينة صحيح من مشاهير الصحاح كما سيأتي إن شاء الله.
وأما حديث جابر ففي سنن أبي داود وغيره من حديث عبد العزيز
стр. 263
ابن محمد عن مالك عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ غابت له الشمس بمكة فجمع بينهما بسرف. قال البيهقي: ورواه من حديث الحماني عن عبد العزيز، ورواه الأجلح عن أبي الزبير كذلك قال أبو داود: حدثنا محمد بن هشام جار أحمد بن حنبل حدثنا جعفر بن عون عن هشام ابن سعيد قال بينهما عشرة أميال يعني بين مكة وسرف، قلت عشرة أميال ثلاثة فراسخ وثلث، والبريد أربعة فراسخ، وهذه المسافة لا تقطع في السير الحثيث حتى يغيب الشفق، فإن الناس يسيرون من عرفة عقب المغرب ولا يصلون إلى جمع إلا وقد غاب الشفق، ومن عرفة إلى مكة بريد، فجمع دون هذه المسافة وهم لا يصلون إليها إلا بعد غروب الشفق فكيف بسرف، وهذا يوافق حديث ابن عمر وأنس وابن عباس أنه إذا كان سائراً أخر المغرب إلى أن يغرب الشفق ثم يصليهما جميعاً.
قال البيهقي: والجمع بين الصلاتين بعذر السفر من الأمور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين مع الثابت عن رسول الله ﷺ ، ثم عن أصحابه، ثم ما أجمع عليه المسلمون من جمع الناس بعرفة ثم بالمزدلفة، وذكر ما رواه البخاري من حديث سعيد عن الزهري أخبرني سالم عن عبد الله بن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا أعجله السير في السفر يؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء.
قال سالم وكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك إذا أعجله السير في السفر يقيم صلاة المغرب فيصليها ثلاثاً ثم يسلم، ثم قلما يلبث حتى يقيم صلاة العشاء ويصليها ركعتين ثم يسلم ولا يسبح بينهما بركعة ولا يسبح بعد العشاء بسجدة حتى يقوم من جوف الليل.
стр. 264
وروى مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال لسالم بن عبد الله بن عمر ما أشد ما رأيت أباك عبد الله بن عمر أخر المغرب في السفر؟ قال: غربت له الشمس بذات الجيش فصلاها بالعقيق، قال البيهقي رواه عن الثوري عن يحيى بن سعيد وزاد فيه: ثمانية أميال.
ورواه ابن جريج عن يحيى بن سعيد وزاد فيه قال: قلت أي ساعة تلك؟ قال: قد ذهب ثلث الليل أو ربعه، قال ورواه يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن نافع قال: فسار أميالاً ثم نزل فصلى، قال يحيى: وذكر لي نافع هذا الحديث مرة أخرى فقال: سار قريباً من ربع الليل ثم نزل فصلى.
وروى من مصنف سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أنه كان يجمع بين الصلاتين في السفر ويقول هي سنة.
ومن حديث علي بن عاصم أخبرني الجريري وسلمان التيمي عن أبي عثمان النهدي قال: كان سعيد بن زيد وأسامة بن زيد إذا عجل بهما السير جمعا بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.
وروينا في ذلك عن سعيد بن أبي وقاص وأنس بن مالك، وروي عن عمر وعثمان، وذكر ما ذكره مالك في الموطأ عن ابن شهاب أنه قال: سألت سالم بن عبد الله هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر؟ فقال: نعم لا بأس بذلك ألا ترى صلاة الناس بعرفة، وذكر في كتاب يعقوب بن سفيان ثنا عبد الملك بن أبي سلمة ثنا الداروردي عن زيد بن أسلم وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومحمد بن المنكدر وأبي الزناد في أمثال لهم خرجوا إلى الوليد وكان أرسل إليهم يستفتيهم في شيء فكانوا يجمعون بين الظهر والعصر إذ زالت الشمس.
قلت فهذا استدلال من السلف بجمع عرفة على نظيره وأن الحكم ليس مختصاً وهو جمع تقديم للحاجة في السفر.
стр. 265
وأما الجمع بالمدينة لأجل المطر أو غيره فقد روى مسلم وغيره من حديث أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولا سفر.
وممن رواه عن أبي الزبير مالك في موطأه وقال: أظن ذلك كان في مطر. قال البيهقي: وكذلك رواه زهير بن معاوية وحماد بن سلمة عن أبي الزبير: في غير خوف ولا سفر، إلا إنهما لم يذكرا المغرب والعشاء وقالا: بالمدينة، ورواه أيضاً ابن عيينة وهشام بن سعد عن أبي الزبير بمعنى رواية مالك وساق البيهقي طرقها وحديث زهير رواه مسلم في صحيحه ثنا أبو الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعاً بالمدينة في غير خوف ولا سفر.
قال أبو الزبير فسألت سعيداً لم فعل ذلك؟ قال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أمته. قال وقد خالفهم قرة في الحديث فقال: في سفرة سافرها إلى تبوك. وقد رواه مسلم من حديث قرة عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جمع رسول الله ﷺ في سفرة سافرها في غزوة تبوك فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال أراد أن لا يحرج أمته.
قال البيهقي: وكان قرة أراد حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ فهذا لفظ حديثه، وروى سعيد بن جبير الحديثين جميعاً فسمع قرة أحدهما ومن تقدم ذكره الآخر، قال: وهذا أشبه فقد روى قرة حديث أبي الطفيل أيضاً، قلت: وكذا رواه مسلم فروي هذا المتن من حديث معاذ ومن حديث ابن عباس فإن قرة ثقة حافظ وقد روى الطحاوي حديث قرة
стр. 266
عن أبي الزبير فجعله مثل حديث مالك عن أبي الزبير، حديث أبي الطفيل وحديثه هذا عن سعيد، فدل ذلك على أن أبا الزبير حدث بهذا وبهذا، قال البيهقي: ورواه حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير فخالف أبا الزبير في متنه، وذكره من حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قيل له: فما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.
وفي رواية وكيع قال سعيد: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك رسول الله ﷺ ؟ قال: كيلا يحرج أمته. ورواه مسلم في صحيحه.
قال البيهقي: ولم يخرجه البخاري مع كون حبيب بن أبي ثابت من شرطه، ولعله إنما أعرض عنه - والله أعلم - لما فيه من الاختلاف على سعيد بن جبير قال: ورواية الجماعة عن أبي الزبير أولى أن تكون محفوظة، فقد رواه عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس بقريب من معنى رواية مالك عن أبي الزبير، قلت: تقديم رواية أبي الزبير على رواية حبيب ابن أبي ثابت لا وجه له، فإن حبيب بن أبي ثابت من رجال الصحيحين، فهو أحق بالتقديم من أبي الزبير، وأبو الزبير من إفراد مسلم، وأيضاً فأبو الزبير اختلف عنه عن سعيد بن جبير في المتن، تارة يجعل ذلك في السفر كما رواه عنه قرة موافقة لحديث أبي الزبير عن أبي الطفيل، وتارة يجعل ذلك في المدينة كما رواه الأكثرون عنه عن سعيد، فهذا أبو الزبير قد روي عنه ثلاثة أحاديث: حديث أبي الطفيل عن معاذ في جمع السفر، وحديث سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله، وحديث سعيد بن جبير عن ابن عباس الذي فيه جمع المدينة، ثم قد جعلوا هذا
стр. 267
كله صحيحاً لأن أبا الزبير حافظ فلم لا يكون حديث حبيب بن أبي ثابت أيضاً ثابتاً عن سعيد بن جبير وحبيب أوثق من أبي الزبير؟ وسائر أحاديث ابن عباس الصحيحة تدل على ما رواه حبيب، فإن الجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن لأجل المطر، وأيضاً فقوله بالمدينة يدل على أنه لم يكن في السفر، فقوله: جمع بالمدينة في غير خوف ولا مطر، أولى بأن يقال من غير خوف ولا سفر، ومن قال أظنه في المطر، فظن ظنه ليس هو في الحديث، بل مع حفظ الرواة، فالجمع صحيح، قال من غير خوف ولا مطر، وقال ولا سفر، والجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن بهذا ولا بهذا، وبهذا استدل أحمد به على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى، فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى، وهذا من باب التنبيه بالفعل، فإنه إذا جمع ليرفع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر، فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يرفع، والجمع لها أولى من الجمع لغيرها.
ومما يبين أن ابن عباس لم يرد الجمع للمطر - وإن كان الجمع للمطر أولى بالجواز - بما رواه مسلم من حديث حماد بن زيد عن الزبير بن الخريت عن عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، فجعل الناس يقولون الصلاة الصلاة، قال فجاء رجل من بني تيم لا يفتر: الصلاة - الصلاة - فقال: أتعلمني بالسنة لا أم لك؟ ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته.
стр. 268
ورواه مسلم أيضاً من حديث عمران بن حدير عن ابن شقيق قال: قال رجل لابن عباس: الصلاة، فسكت ثم قال: الصلاة، فسكت ثم قال: لا أم لك أتعلمنا بالصلاة وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله ﷺ .
فهذا ابن عباس لم يكن في سفر ولا في مطر، وقد استدل بما رواه على ما فعله فعلم أن الجمع الذي رواه لم يكن في مطر، ولكن كان ابن عباس في أمر مبهم من أمور المسلمين يخطبهم فيما يحتاجون إلى معرفته، ورأى أنه إن قطعه فأتت مصلحته، فكان ذلك عنده من الحاجات التي يجوز فيها الجمع، فإن النبي ﷺ كان يجمع بالمدينة لغير خوف ولا مطر، بل للحاجة تعرض له كما قال: أراد أن لا يحرج أمته، ومعلوم أن جمع النبي ﷺ بعرفة ومزدلفة لم يكن لخوف ولا مطر ولا لسفر أيضاً، فإنه لو جمعه للسفر، لجمع في الطريق ولجمع بمكة، كما كان يقصر بها، ولجمع لما خرج من مكة إلى منى وصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ولم يجمع بمنى قبل التعريف ولا جمع بها بعد التعريف أيام منى، بل يصلي كل صلاة ركعتين غير المغرب، ويصليها في وقتها، ولا جمعه أيضاً كان للنسك، فإنه لو كان كذلك لجمع من حين أحرم فإنه من حينئذ صار محرماً فعلم أن جمعه المتواتر بعرفة ومزدلفة لم يكن لمطر ولا خوف، ولا لخصوص النسك ولا لمجرد السفر، فهكذا جمعه بالمدينة الذي رواه ابن عباس، وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن أمته، فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا.
قال البيهقي: ليس في رواية ابن شقيق عن ابن عباس من هذين الوجهين الثابتين عنه نفي المطر، ولا نفي السفر، فهو محمول على أحدهما
стр. 269
أو على ما أوله عمرو بن دينار، وليس في روايتهما ما يمنع ذلك التأويل فيقال يا سبحان الله! ابن عباس كان يخطب بهم بالبصرة، فلم يكن مسافراً ولم يكن هناك مطر، وهو ذكر جمعاً يحتج به على مثل ما فعله، فلو كان ذلك لسفر أو مطر كان ابن عباس أجل قدراً من أن يحتج على جمعه بجمع المطر أو السفر، وأيضاً فقد ثبت في الصحيحين عنه أن هذا الجمع كان بالمدينة، فكيف يقال لم ينف السفر؟ وحبيب ابن أبي ثابت من أوثق الناس وقد روى عن سعيد أنه قال: من غير خوف ولا مطر، وأما قوله أن البخاري لم يخرجه، فيقال هذا من أضعف الحجج فهو لم يخرج أحاديث أبي الزبير وليس كل من كان من شرطه يخرجه.
وأما قوله: ورواية عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء، قريب من رواية أبي الزبير، فإنه ذكر ما أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وفي رواية البخاري عن حماد بن زيد فقال لأيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ فقال: عسى، فيقال هذا الظن من أيوب وعمرو، فالظن ليس من مالك وسبب ذلك أن اللفظ الذي سمعوه لا ينفي المطر، فجوزوا أن يكون هو المراد، ولو سمعوا رواية حبيب بن أبي ثابت الثقة الثبت لم يظنوا هذا الظن، ثم رواية ابن عباس هذه حكاية فعل مطلق، لم يذكر فيها نفي خوف ولا مطر، فهذا يدلك على أن ابن عباس كان قصده بيان جواز الجمع بالمدينة في الجملة، ليس مقصوده تعيين سبب واحد، فمن قال إنما أراد جمع المطر وحده فقد غلط عليه، ثم عمرو بن دينار تارة يجوز أن يكون للمطر
стр. 270
موافقة لأيوب، وتارة يقول هو وأبو الشعثاء أنه كان جمعاً في الوقتين كما في الصحيحين عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار: سمعت جابر ابن زيد يقول سمعت ابن عباس يقول صليت مع رسول الله ﷺ ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، قال: قلت يا أبا الشعثاء أراه أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك، فيقال ليس الأمر كذلك. لأن ابن عباس كان أفقه وأعلم من أن يحتاج إذا كان قد صلى كل صلاة في وقتها الذي تعرف العامة والخاصة جوازه أن يذكر هذا الفعل المطلق دليلاً على ذلك، وأن يقول: أراد بذلك أن لا يخرج أمته.
وقد علم أن الصلاة في الوقتين قد شرعت بأحدايث المواقيت، وابن عباس هو ممن روى أحاديث المواقيت، وإمامة جبريل له عند البيت، وقد صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، فإن كان النبي ﷺ إنما جمع على هذا الوجه فأي غرابة في هذا المعنى؟ ومعلوم أنه كان قد صلى في اليوم الثاني كلا الصلاتين في آخر الوقت وقال: " الوقت ما بين هذين " فصلاته للأولى وحدها في آخر الوقت أولى بالجواز، وكيف يليق بابن عباس أن يقول فعل ذلك كيلا يحرج أمته، والوقت المشهور هو أوسع وأرفع للحرج من هذا الجمع الذي ذكروه، وكيف يحتج على من أنكر عليه التأخير لو كان النبي ﷺ إنما صلى في الوقت المختص بهذا الفعل وكان له في تأخيره المغرب حين صلاها قبل مغيب الشفق وحدها، وتأخير العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه ما يغنيه عن هذا؟ وإنما قصد ابن عباس بيان جواز تأخير المغرب إلى وقت العشاء ليبين أن الأمر في حال الجمع أوسع منه في غيره. وبذلك
стр. 271
يرتفع الحرج عن الأمة، ثم ابن عباس قد ثبت عنه في الصحيح أنه ذكر الجمع في السفر. وأن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر في السفر إذا كان على ظهر سيره. وقد تقدم ذلك مفصلاً، فعلم أن لفظ الجمع في عرفة وعادته إنما هو الجمع في وقت إحداهما.
وأما الجمع في الوقتين فلم يعرف أنه تكلم به، فكيف يعدل عن عادته التي يتكلم بها ما ليس كذلك؟ وأيضاً فابن شقيق يقول: حاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته. أتراه حاك في صدره أن الظهر لا يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت؟ وأن العصر لا يجوز تقديمها إلى أول الوقت؟ وهل هذا مما يخفى على أقل الناس علماً حتى يحيك في صدره منه؟ وهل هذا مما يحتاج أن ينقله إلى أبي هريرة أو غيره حتى يسأله عنه؟ إن هذا مما تواتر عند المسلمين وعلموا جوازه، وإنما وقعت شبهة لبعضهم في المغرب خاصة، وهؤلاء يجوزون تأخيرها إلى آخر وقتها، فالحديث حجة عليهم كيفما كان، وجواز تأخيرها ليس معلقاً بالجمع، بل يجوز تأخيرها مطلقاً إلى آخر الوقت حين يؤخر العشاء أيضاً، وهكذا فعل النبي ﷺ حين بين أحاديث المواقيت، وهكذا في الحديث الصحيح " وقت المغرب ما لم يغب نور الشفق ووقت العشاء إلى نصف الليل " كما قال: " وقت الظهر ما لم يصر ظل كل شيء مثله ووقت العصر ما لم تصفر الشمس " فهذا الوقت المختص الذي بينه بقوله وفعله وقال: " الوقت ما بين هذين " ليس له اختصاص بالجمع ولا تعلق به. ولو قال قائل: قوله جمع بينهما بالمدينة من غير خوف ولا سفر، المراد به الجمع في الوقتين كما يقول ذلك من يقوله من
стр. 272
الكوفيين، لم يكن بينه وبينهم فرق. فلماذا يكون الإنسان من المطففين لا يحتج لغيره كما يحتج لنفسه؟ ولا يقبل لنفسه ما يقبله لغيره؟ وأيضاً فقد ثبت هذا من غير حديث ابن عباس ورواه الطحاوي حدثنا ابن خزيمة وإبراهيم بن أبي داود وعمران بن موسى قال أنا الربيع بن يحيى الأشناني حدثنا سفيان الثوري عن محمد ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة للرخصة من غير خوف ولا علة، لكن ينظر حال هذا الإشناني.
وجمع المطر عن الصحابة، فما ذكره مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء ليلة المطر جمع معهم في ليلة المطر، قال البيهقي: ورواه العمري عن نافع فقال: قبل الشفق وروى الشافعي في القديم، أنبأنا بعض أصحابنا عن أسامة بن زيد عن معاذ بن عبد الله بن حبيب أن ابن عباس جمع بينهما في المطر قبل الشفق، وذكرنا ما رواه أبو شيخ الأصبهاني بالإسناد الثابت عن هشام بن عروة وسعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة إذا جمعوا بين الصلاتين ولا ينكر ذلك، وبإسناده عن موسى بن عقبة أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إذا كان المطر، وأن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبا بكر ابن عبد الرحمن ومشيخة ذلك الزمان كانوا يصلون معهم ولا ينكرون ذلك، فهذه الآثار تدل على أن الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول به بالمدينة زمن الصحابة والتابعين، مع أنه لم ينقل أن أحداً من الصحابة والتابعين أنكر ذلك فعلم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك، لكن لا يدل على أن النبي
стр. 273
صلى الله عليه وسلم لم يجمع إلا للمطر، بل إذا جمع لسبب هو دون المطر مع جمعه أيضاً للمطر كان قد جمع من غير خوف ولا مطر، كما أنه إذا جمع في السفر وجمع في المدينة كان قد جمع في المدينة من غير خوف ولا سفر، فقول ابن عباس جمع من غير كذا ولا كذا ليس نفياً منه للجمع بتلك الأسباب بل إثبات منه لأنه جمع بدونها وإن كان قد جمع بها أيضاً.
ولو لم ينقل أنه جمع بها فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق الأولى، فيدل ذلك على الجمع للخوف والمطر، وقد جمع بعرفة ومزدلفة من غير خوف ولا مطر.
فالأحاديث كلها تدل على أنه جمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمته فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج قد رفعه الله عن الأمة، وذلك يدل على الجمع للمرض الذي يحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى، ويجمع من لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقتين إلا بحرج كالمستحاضة وأمثال ذلك من الصور (١) .
وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر، وروى الثوري في جامعه عن سعيد عن قتادة عن أبي العالية عن عمر ورواه يحيى بن سعد عن يحيى بن صبح حدثني حميد بن
стр. 274
هلال عن أبي قتادة يعني العدوي أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل له ثلاث من الكبائر: الجمع بين الصلاتين إلا من عذر، والفرار من الزحف والنهب. قال البيهقي: أبو قتادة أدرك عمر فإن كان شهده كتب فهو موصول وإلا فهو إذا انضم إلى الأول صار قوياً. وهذا اللفظ يدل على إباحة الجمع للعذر ولم يخص عمر عذراً من عذر. قال البيهقي: وقد روي فيه حديث موصول عن النبي ﷺ في إسناده من لا يحتج به وهو من رواية سلمان التيمي عن حنش الصنعائي عن عكرمة عن ابن عباس.
فصل: في تمام الكلام في القصر وسبب إتمام عثمان الصلاة بمنى وقد تقدم فيها بعض أقوال الناس، والقولان الأولان مرويان عن الزهري وقد ذكرهما أحمد، روى عبد الرزاق: أنا معمر عن الزهري قال إنما صلى عثمان بمنى أربعاً لأنه قد عزم على المقام بعد الحج، ورجح الطحاوي هذا الوجه مع أنه ذكر الوجهين الآخرين فذكر ما رواه حماد بن سلمة عن أيوب عن الزهري قال: إنما صلى عثمان بمنى أربعاً لأن الأعراب كانوا كثروا في ذلك العام فأحب أن يخبرهم أن الصلاة أربع قال الطحاوي فهذا يخبر أنه فعل ما فعل ليعلم الأعراب به أن الصلاة أربع. فقد يحتمل أن يكون لما أراد أن يريهم ذلك نوى الإقامة فصار مقيماً فرضه أربع فصلى بهم أربعاً فالسبب الذي حكاه معمر عن الزهري (١) ويحتمل أن يكون فعل ذلك وهو مسافر لتلك العلة قال: والتأويل الأول أشبه عندنا لأن الأعراب كانوا بالصلاة وأحكامها
стр. 275
في زمن رسول الله ﷺ أجهل منهم بها وبحكمها في زمن عثمان وهم بأمر الجاهلية حينئذ أحدث عهداً إذ كانوا في زمن رسول الله ﷺ إلى العلم بفرض الصلوات أحوج منهم إلى ذلك في زمن عثمان، فلما كان رسول الله ﷺ لم يتم الصلاة لتلك العلة، ولكنه قصرها ليصلوا معه صلاة السفر على حكمها ويعلمهم صلاة الإقامة على حكمها كان عثمان أحرى أن لا يتم بهم الصلاة لتلك العلة قال الطحاوي وقد قال آخرون: إنما إتمام الصلاة لأنه كان يذهب إلى أنه لا يقصرها إلا من حل وارتحل واحتجوا بما رواه عن حماد ابن سلمة عن قتادة قال: قال عثمان بن عفان: إنما يقصر الصلاة من حمل الزاد والمزاد وحل وارتحل. وروى بإسناده المعروف عن سعيد بن أبي عروبة وقد رواه غيره بإسناد صحيح عن عثمان بن سعد عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عباس بن عبد الله بن أبي ربيعة أن عثمان بن عفان كتب إلى عماله: ألا لا يصلين الركعتين جاب ولا تأن ولا تاجر إنما يصلي الركعتين من كان معه الزاد والمزاد. وروي أيضاً من طريق حماد بن سلمة أن أيوب السختياني أخبرهم عن أبي قلابة الجرفي عن عمه أبي المهلب قال: كتب عثمان أنه قال بلغني أن قوماً يخرجون إما لتجارة وإما لجباية وإما لجريم ثم يقصرون الصلاة وإنما يقصر الصلاة من كان شاخصاً أو بحضرة عدو. قال ابن حزم: وهذان الإسنادان في غاية الصحة. قال الطحاوي قالوا وكان مذهب عثمان أن لا يقصر الصلاة إلا من يحتاج إلى حمل الزاد والمزاد ومن كان شاخصاً فأما من كان في مصر يستغني به عن حمل الزاد والمزاد فإنه يتم الصلاة قالوا: ولهذا أتم عثمان بمنى لأن أهلها في ذلك الوقت كثروا حتى صارت مصراً يستغني من حل به عن حمل الزاد والمزاد. قال الطحاوي: وهذا المذهب عندنا فاسد، لأن منى لم تصر في زمن عثمان أعمر من مكة في
стр. 276
زمن رسول الله ﷺ ، وقد كان رسول الله ﷺ يصلي بها ركعتين، ثم صلى بها أبو بكر بعده كذلك، ثم صلى بها عمر بعد أبي بكر كذلك فإذا كانت مع عدم احتياج من حل بها إلى حمل الزاد والمزاد، تقصر فيها الصلاة فما دونها من المواطن أحرى أن يكون كذلك قال: فقد انتفت هذه المذاهب كلها لفسادها عن عثمان أن يكون من أجل شيء منها قصر الصلاة، غير المذهب الأول، الذي حكاه معمر عن الزهري، فإنه يحتمل أن يكون من أجلها أتمها، وفي الحديث أن إتمامه كان لنيته الإقامة على ما روينا فيه، وعلى ما كشفنا من معناه. قلت: الطحاوي مقصوده أن يجعل ما فعله عثمان موافقاً لأصله، وهذا غير ممكن فإن عثمان من المهاجرين والمهاجرون كان يحرم عليهم المقام بمكة ولم يرخص النبي ﷺ لهم، إذا قدموا مكة للعمرة أن يقيموا بها أكثر من ثلاث بعد قضاء العمرة كما قال في الصحيحين عن العلاء بن الحضرمي أن النبي ﷺ رخص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثاً، ولهذا لما توفي ابن عمر بها أمر أن يدفن بالحل ولا يدفن بها. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ لما عاد سعد بن أبي وقاص، وقد كان مرض في حجة الوداع، خاف سعد أن يموت بمكة فقال: يا رسول الله أخلف عن هجرتي، فبشره النبي ﷺ بأنه لا يموت بها. وقال: " إنك لن تموت حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون "، لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة.
ومن المعروف عن عثمان أنه كان إذا اعتمر ينيخ راحلته، فيعتمر ثم يركب عليها راجعاً فكيف يقال إنه نوى المقام بمكة؟ ثم هذا
стр. 277
من الكذب الظاهر، فإن عثمان ما أقام بمكة قط، بل كان إذا حج يرجع إلى المدينة.
وقد حمل الشافعي وأصحابه وطائفة من متأخري أصحاب أحمد، كالقاضي وأبي الخطاب وابن عقيل وغيرهم فعل عثمان على قولهم، فقالوا: لما كان المسافر مخيراً بين الإتمام والقصر، كان كل منهما جائزاً، وفعل عثمان هذا، لأن القصر جائز والإتمام جائز، وكذلك حملوا فعل عائشة واستدلوا بما رووه من جهتها، وذكر البيهقي قول من قال أتمها لأجل الأعراب، ورواه من سنن أبي داود، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد عن أيوب عن الزهري، أن عثمان بن عفان أتم الصلاة بمنى من أجل الأعراب، لأنهم كثروا عامين فصلى بالناس أربعاً، ليعلمهم أن الصلاة أربع. وروى البيهقي من حديث إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا يعقوب عن حميد ثنا سليمان بن سالم مولى عبد الرحمن بن حميد عن عبد الرحمن بن حميد عن أبيه عن عثمان بن عفان أنه أتم الصلاة بمنى ثم خطب الناس فقال: أيها الناس إن السنة سنة رسول الله ﷺ وسنة صاحبيه، ولكنه حدث العام من الناس فخفت أن تعيبوا، قال البيهقي وقد قيل غير هذا والأشبه أن يكون رآه رخصة فرأى الإتمام جائزاً كما رأته عائشة، قلت: وهذا بعيد فإن عدول عثمان عما داوم عليه رسول الله ﷺ وخليفتاه بعده مع أنه أهون عليه، وعلى المسلمين ومع ما علم من حلم عثمان واختياره له ولرعيته، أسهل الأمور وبعده عن التشديد والتغليظ لا يناسب أن يفعل الأمر الأثقل الأشد مع ترك ما داوم عليه رسول الله ﷺ وخليفتاه بعده، ومع رغبة عثمان
стр. 278
في الإقتداء بالنبي ﷺ وخليفته بعده لمجرد كون هذا المفضول جائزاً، إن لم ير أن في فعل ذلك مصلحة راجحة بعثته على أن يفعله، وهب أن له أن يصلي أربعاً فكيف يلزم بذلك من يصلي خلفه، فإنهم إذا ائتموا به صلوا بصلاته فيلزم المسلمين بالفعل الأثقل مع خلاف السنة لمجرد كون ذلك جائزاً، وكذلك عائشة وقد وافق عثمان على ذلك غيره من السلف أمراؤهم وغير أمرائهم، وكانوا يتمون وأئمة الصحابة لا يختارون ذلك، كما روى مالك عن الزهري أن رجلاً أخبره عن عبد الرحمن بن المسور مخرمة وعبد الرحمن بن عبد يغوث كانا جميعاً في سفر وكان سعد بن أبي وقاص يقصر الصلاة ويفطر وكانا يتمان الصلاة ويصومان فقيل لسعد نراك تقصر من الصلاة وتفطر ويتمان فقال سعد: نحن أعلم، وروى شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن المسور قال كنا مع سعد بن أبي وقاص في قرية من قرى الشام فكان يصلي ركعتين فنصلي نحن أربعاً فنسأله عن ذلك فيقول سعد: نحن أعلم.
وروى مالك عن ابن شهاب عن صوان بن عبد الله بن صفوان قال: جاء عبد الله بن عمر يعود عبد الله بن صفوان فصلى بنا ركعتين ثم انصرف فأتممنا لأنفسنا، قلت: عبد الله بن صفوان كان مقيماً بمكة فلهذا أتموا خلف ابن عمر.
وروى مالك عن نافع أن ابن عمر كان يصلي وراء الإمام بمنى أربعاً وإذا صلى لنفسه ركعتين، قال البيهقي والأشبه أن يكون عثمان رأى القصر رخصة فرأى الإتمام جائزاً كما رأته عائشة قال: وقد روي ذلك عن غير واحد من الصحابة مع اختيارهم القصر ثم روى الحديث المعروف من رواية عبد الرزاق عن إسرائيل عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي ليلى قال
стр. 279
أقبل سلمان في إثني عشر راكباً من أصحاب النبي ﷺ فحضرت الصلاة فقالوا تقدم يا أبا عبد الله فقال: إنا لا نؤمكم ولا ننكح نساءكم إن الله هدانا بكم، قال فتقدم رجل من القوم فصلى بهم أربعاً، قال: فقال سلمان ما لنا ولا لمربعة إنما كان يكفينا نصف المربعة ونحن إلى الرخصة أحوج قال: فبين سلمان بمشهد هؤلاء الصحابة أن القصر رخصة. قلت: هذه القضية كانت في خلافة (١) .
وسلمان قد أنكر التربيع وذلك أنه كان خلاف السنة المعروفة عندهم فإنه لم تكن الأئمة يربعون في السفر وقوله ونحن إلى الرخصة أحوج؛ يبين أنها رخصة وهي رخصة مأمور بها كما أن أكل الميتة في المخمصة رخصة وهي مأمور بها وفطر المريض رخصة وهو مأمور به والصلاة بالتيمم رخصة مأمور بها والطواف بالصفا والمروة قد قال الله فيه: " فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما " وهو مأمور به إما ركن وإما واجب وإما سنة والذي صلى سلمان أربعاً يحتمل أنه لا يرى القصر لمثله إما لأن سفره كان قصراً عنده وإما لأن سفره لم يكن عنده مما يقصر فيه الصلاة فإن من الصحابة من لا يرى القصر إلا في حج أو عمرة أو غزو وكان لكثير من السلف والخلف نزاع في جنس سفر القصر وفي قدره فهذه القضية المعينة لم يتبين فيها حال الإمام ومتابعة سلمان له تدل على أن الإمام إذا فعل شيئاً متأولاً اتبع عليه كما إذا قنت متأولاً أو كبر خمساً أو سبعاً متأولاً والنبي ﷺ صلى خمساً واتبعه أصحابه ظانين أن الصلاة زيد فيها فلما سلم ذكروا ذلك فقال: " إنما أنا بشر أنسى كما تنسون
стр. 280
فإن نسيت ذكروني " وقد تنازع العلماء في الإمام إذا قام إلى خامسة هل يتابعه المأموم أو يفارقه ويسلم أو يفارقه وينتظره أو يخير بين هذا وهذا على أقوال معروفة وهي روايات عن أحمد أو رأى أن التربيع مكروه وتابع الإمام عليه فإن المتابعة واجبة ويجوز فعل المكروه لمصلحة راجحة ولا ريب أن تربيع المسافر ليس كصلاة الفجر أربعاً فإن المسافر لو اقتدى بمقيم لصلى خلفه أربعاً لأجل متابعة إمامه فهذه الصلاة تفعل في حال ركعتين وفي حال أربعاً بخلاف الفجر فجاز أن تكون متابعة الإمام المسافر كمتابعة المسافر للمقيم لأن كلاهما اتبع إمامه وهذا القول وهو القول بكراهة التربيع أعدل الأقوال وهو الذي نص عليه أحمد في رواية الأثرم وقد سأله هل للمسافر أن يصلي أربعاً فقال: لا يعجبني ولكن السفر ركعتان، وقد نقل عنه المروذي أنه قال: إن شاء صلى أربعاً وإن شاء صلى ركعتين. ولا يختلف قول أحمد أن الأفضل هو القصر بل نقل عنه إذا صلى أربعاً أنه توقف في الأجزاء ومذهب مالك كراهية التربيع وأنه يعيد في الوقت ولهذا يذكر في مذهبه هل تصح الصلاة أربعاً؟ على قولين.
ومذهب الشافعي جواز الأمرين وأيهما أفضل فيه، قولان: أصحهما أن القصر أفضل كإحدى الروايتين عن أحمد، وهو اختيار كثير من أصحابه وتوقف أحمد عن القول بالأجزاء يقتضي أنه يخرج على قوله في مذهبه، وذلك أن غايته أنه زاد زيادة مكروهة وهذا لا يبطل الصلاة فإنه أتى بالواجب وزيادة والزيادة إذا كانت سهواً لا تبطل الصلاة باتفاق المسلمين، وكذلك الزيادة خطأ إذا اعتقد جوازها وهذه الزيادة لا يفعلها من يعتقد تحريمها وإنما يفعلها من يعتقدها جائزة ولا نص بتحريمها بل
стр. 281
الأدلة دالة على كون ذلك مخالفاً للسنة لا أنه محرم كالصلاة بدون رفع اليدين ومع الالتفات ونحو ذلك من المكروهات وسنتكلم إن شاء الله على تمام ذلك.
مذهب عثمان ﵁ في قصر الصلاة:
وأما إتمام عثمان فالذي ينبغي أن يحمل حاله على ما كان يقول لا على ما لم يثبت فقوله أنه بلغني أن قوماً يخرجون إما لتجارة وإما لجباية وإما لجريم يقصرون الصلاة وإنما يقصر الصلاة من كان شاخصاً أو بحضرة عدو، وقوله بين فيه مذهبه وهو أنه لا يقصر الصلاة من كان نازلاً في قرية أو مصر إلا إذا كان خائفاً بحضرة عدو وإنما يقصر من كان شاخصاً أي مسافراً وهو الحامل للزاد والمزاد أي للطعام والشراب، والمزاد وعاء الماء، يقول إذا كان نازلاً مكاناً فيه الطعام والشراب كان مترفهاً بمنزلة المقيم فلا يقصر لأن القصر إنما جعل للمشقة التي تلحق الإنسان وهذا لا تلحقه مشقة فالقصر عنده للمسافر الذي يحمل الزاد والمزاد وللخائف، ولما عمرت منى وصار بها زاد ومزاد لم ير القصر بها لا لنفسه ولا لمن معه من الحجاج، وقوله في تلك الرواية: ولكن حدث العام لم يذكر فيها ما حدث فقد يكون هذا هو الحادث، وإن كان قد جاءت الجهال من الأعراب وغيرهم يظنون أن الصلاة أربع فقد خاف عليهم أن يظنوا أنها تفعل في مكان فيه الزاد والمزاد أربعاً وهذا عنده لا يجوز، وإن كان قد تأهل بمكة فيكون هذا أيضاً موافقاً فإنه إنما تأهل بمكان فيه الزاد والمزاد وهو لا يرى القصر لمن كان نازلاً بأهله في مكان فيه الزاد والمزاد، وعلى هذا فجميع ما ثبت في هذا الباب من عذره يصدق بعضه بعضاً.
стр. 282
وأما ما اعتذر به الطحاوي من أن مكة كانت على عهد النبي ﷺ أعمر من منى في زمن عثمان فجواب عثمان له أن النبي ﷺ في عمرة القضية ثم في غزوة الفتح ثم في عمرة الجعرانة كان خائفاً من العدو وعثمان يجوز القصر لمن كان خائفاً وإن كان نازلاً في مكان فيه الزاد والمزاد فإنه يجوزه للمسافر ولمن كان بحضرة العدو، وإما حجة الوداع فقد كان النبي ﷺ آمناً لكنه لم يكن نازلاً بمكة وإنما كان نازلاً بالأبطح خارج مكة هو وأصحابه فلم يكونوا نازلين بدار إقامة ولا بمكان فيه الزاد والمزاد. وقد قال أسامة: أين ننزل غداً؟ هل ننزل بدارك بمكة؟ فقال: " وهل ترك لنا عقيل من دار ننزل بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر وهذا المنزل بالأبطح بين المقابر ومنى.
وكذلك عائشة ﵂ أخبرت عن نفسها أنها إنما تتم لأن القصر لأجل المشقة وأن الإتمام لا يشق عليها، والسلف والخلف تنازعوا في سفر القصر في جنسه وفي قدره فكان قول عثمان وعائشة أحد أقوالهم فيها، وللناس في جنس سفر القصر أقوال أخر مع أن عثمان قد خالفه علي وابن مسعود وعرمان بن الحصين وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس وغيرهم من علماء الصحابة فروى سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: اعتل عثمان وهو بمنى فأتى علي فقيل له: صل بالناس فقال: إن شئتم صليت بكم صلاة رسول الله ﷺ ركعتين، قاولوا: لا إلا صلاة أمير المؤمنين يعنون أربعاً، فأبى. وفي الصحيحين عن ابن مسعود (١) .
стр. 283
الخلاف في جواز إتمام الرباعية في السفر
وقد تنازع الناس في الأربع في السفر على أقوال: أحدها: أن ذلك بمنزلة صلاة الصبح أربعاً وهذا مذهب طائفة من السلف والخلف وهو مذهب أبي حنيفة وابن حزم وغيره من أهل الظاهر، ثم عند أبي حنيفة إذا جلس مقدار التشهد تمت صلاته والمفعول بعد ذلك كصلاة منفصلة قد تطوع بها، وإن لم يقعد مقدار التشهد بطلت صلاته، ومذهب ابن حزم وغيره أن صلاته باطلة كما لو صلى عندهم الفجر أربعاً.
وقد روى سعيد في سننه عن الضحاك بن مزاحم قال: قال ابن عباس من صلى في السفر أربعاً كمن صلى في الحضر ركعتين.
قال ابن حزم وروينا عن عمر بن عبد العزيز وقد ذكر الإتمام في السفر لمن شاء فقال: لا، الصلاة في السفر ركعتان حتمان لا يصح غيرهما، وحجة هؤلاء أنه قد ثبت أن الله إنما فرض في السفر ركعتين والزيادة على ذلك لم يأت بها كتاب ولا سنة، وكل ما روي عن النبي ﷺ من أنه صلى أربعاً أو أقر من صلى أربعاً فإنه كذب.
وأما فعل عثمان وعائشة فتأويل منهما أن القصر إنما يكون في بعض الأسفار دون بعض كما تأول غيرهما أنه لا يكون إلا في حج أو عمرة أو جهاد ثم قد خالفهما أئمة الصحابة وأنكروا ذلك. قالوا: لأن النبي ﷺ قال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " فأمر بقبولها والأمر يقتضي الوجوب، ومن قال يجوز الأمران فعمدتهم قوله تعالى: " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة
стр. 284
إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا " قالوا: وهذه العبارة إنما تستعمل في المباح لا في الواجب كقوله: " ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم " وقوله: " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة " ونحو ذلك، واحتجوا من السنة بما تقدم من أن النبي ﷺ حسن لعائشة إتمامها وبما روي من أنه فعل ذلك واحتجوا بأن عثمان أتم الصلاة بمنى بمحضر الصحابة فأتموا خلفه وهذه كلها حجج ضعيفة.
أما الآية فنقول قد علم بالتواتر أن النبي ﷺ إنما كان يصلي في السفر ركعتين وكذلك أبو بكر وعمر بعده وهذا يدل على أن الركعتين أفضل كما عليه جماهير العلماء، وإذا كان القصر طاعة لله ورسوله وهو أفضل من غيره لم يجز أن يحتج بنفي الجناح على أنه مباح لا فضيلة فيه، ثم ما كان عذرهم عن كونه مستحباً هو عذر لغيرهم عن كونه مأموراً به أمر إيجاب، وقد قال تعالى في السعي: " فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما " والطواف بين الصفا والمروة هو السعي المشروع باتفاق المسلمين وذلك إما ركن وإما واجب وإما سنة، وأيضاً فالقصر وإن كان رخصة استباحة المحظور فقد تكون واجبة كأكل الميت للمضطر والتيمم لمن عدم الماء ونحو ذلك، هذا إن سلم أن المراد به قصر العدد، فإن للناس في الآية ثلاثة أقوال: قيل المراد به قصر العدد فقط وعلى هذا فيكون التخصيص بالخوف غير مفيد، والثاني أن المراد به قصر الأعمال فإن صلاة الخوف تقصر عن صلاة الأمن والخوف يبيح ذلك، وهذا يرد عليه أن صلاة الخوف جائزة حضراً وسفراً والآية أفادت القصر في السفر.
стр. 285
والقول الثالث وهو الأصح أن الآية أفادت قصر العدد وقصر العمل جميعاً ولهذا علق ذلك بالسفر والخوف فإذا اجتمع الضرب في الأرض والخوف أبيح القصر الجامع لهذا ولهذا، وإذا انفرد السفر فإنما يبيح قصر العدد، وإذا انفرد الخوف فإنما يفيد قصر العمل.
ومن قال إن الفرض في الخوف والسفر ركعة كأحد القولين في مذهب أحمد وهو مذهب ابن حزم فمراده إذا كان خوف وسفر فيكون السفر والخوف قد أفادا القصر إلى ركعة كما روى أبو داود الطيالسي ثنا المسعودي هو عبد الرحمن هو عبد الرحمن بن عبد الله عن يزيد الفقير قال: سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما، قال جابر: لا، فإن الركعتين في السفر ليستا بقصر إنما القصر ركعة عند القتال.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. قال ابن حزم: ورويناه أيضاً من طريق حذيفة وجابر وزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عمر عن النبي ﷺ بأسانيد في غاية الصحة. قال ابن حزم: وبهذه الآية قلنا إن صلاة الخوف في السفر إن شاء ركعة وإن شاء ركعتين لأنه جاء في القرآن بلفظ " لا جناح " لا بلفظ الأمر والإيجاب وصلاها الناس مع النبي ﷺ مرة ركعة فقط ومرة ركعتين فكان ذلك على الاختيار كما قال جابر.
وأما صلاة عثمان فقد عرف إنكار أئمة الصحابة عليه ومع هذا فكانوا يصلون خلفه، بل كان ابن مسعود يصلي أربعاً وإن انفرد ويقول: الخلاف شر، وكان ابن عمر إذا انفر صلى ركعتين. وهذا دليل على أن صلاة السفر أربعاً مكروهة عندهم ومخالفة للسنة ومع ذلك فلا إعادة على