الأدلة دالة على كون ذلك مخالفاً للسنة لا أنه محرم كالصلاة بدون رفع اليدين ومع الالتفات ونحو ذلك من المكروهات وسنتكلم إن شاء الله على تمام ذلك.
مذهب عثمان ﵁ في قصر الصلاة:
وأما إتمام عثمان فالذي ينبغي أن يحمل حاله على ما كان يقول لا على ما لم يثبت فقوله أنه بلغني أن قوماً يخرجون إما لتجارة وإما لجباية وإما لجريم يقصرون الصلاة وإنما يقصر الصلاة من كان شاخصاً أو بحضرة عدو، وقوله بين فيه مذهبه وهو أنه لا يقصر الصلاة من كان نازلاً في قرية أو مصر إلا إذا كان خائفاً بحضرة عدو وإنما يقصر من كان شاخصاً أي مسافراً وهو الحامل للزاد والمزاد أي للطعام والشراب، والمزاد وعاء الماء، يقول إذا كان نازلاً مكاناً فيه الطعام والشراب كان مترفهاً بمنزلة المقيم فلا يقصر لأن القصر إنما جعل للمشقة التي تلحق الإنسان وهذا لا تلحقه مشقة فالقصر عنده للمسافر الذي يحمل الزاد والمزاد وللخائف، ولما عمرت منى وصار بها زاد ومزاد لم ير القصر بها لا لنفسه ولا لمن معه من الحجاج، وقوله في تلك الرواية: ولكن حدث العام لم يذكر فيها ما حدث فقد يكون هذا هو الحادث، وإن كان قد جاءت الجهال من الأعراب وغيرهم يظنون أن الصلاة أربع فقد خاف عليهم أن يظنوا أنها تفعل في مكان فيه الزاد والمزاد أربعاً وهذا عنده لا يجوز، وإن كان قد تأهل بمكة فيكون هذا أيضاً موافقاً فإنه إنما تأهل بمكان فيه الزاد والمزاد وهو لا يرى القصر لمن كان نازلاً بأهله في مكان فيه الزاد والمزاد، وعلى هذا فجميع ما ثبت في هذا الباب من عذره يصدق بعضه بعضاً.
стр. 282
وأما ما اعتذر به الطحاوي من أن مكة كانت على عهد النبي ﷺ أعمر من منى في زمن عثمان فجواب عثمان له أن النبي ﷺ في عمرة القضية ثم في غزوة الفتح ثم في عمرة الجعرانة كان خائفاً من العدو وعثمان يجوز القصر لمن كان خائفاً وإن كان نازلاً في مكان فيه الزاد والمزاد فإنه يجوزه للمسافر ولمن كان بحضرة العدو، وإما حجة الوداع فقد كان النبي ﷺ آمناً لكنه لم يكن نازلاً بمكة وإنما كان نازلاً بالأبطح خارج مكة هو وأصحابه فلم يكونوا نازلين بدار إقامة ولا بمكان فيه الزاد والمزاد. وقد قال أسامة: أين ننزل غداً؟ هل ننزل بدارك بمكة؟ فقال: " وهل ترك لنا عقيل من دار ننزل بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر وهذا المنزل بالأبطح بين المقابر ومنى.
وكذلك عائشة ﵂ أخبرت عن نفسها أنها إنما تتم لأن القصر لأجل المشقة وأن الإتمام لا يشق عليها، والسلف والخلف تنازعوا في سفر القصر في جنسه وفي قدره فكان قول عثمان وعائشة أحد أقوالهم فيها، وللناس في جنس سفر القصر أقوال أخر مع أن عثمان قد خالفه علي وابن مسعود وعرمان بن الحصين وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس وغيرهم من علماء الصحابة فروى سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: اعتل عثمان وهو بمنى فأتى علي فقيل له: صل بالناس فقال: إن شئتم صليت بكم صلاة رسول الله ﷺ ركعتين، قاولوا: لا إلا صلاة أمير المؤمنين يعنون أربعاً، فأبى. وفي الصحيحين عن ابن مسعود (١) .
стр. 283
الخلاف في جواز إتمام الرباعية في السفر
وقد تنازع الناس في الأربع في السفر على أقوال: أحدها: أن ذلك بمنزلة صلاة الصبح أربعاً وهذا مذهب طائفة من السلف والخلف وهو مذهب أبي حنيفة وابن حزم وغيره من أهل الظاهر، ثم عند أبي حنيفة إذا جلس مقدار التشهد تمت صلاته والمفعول بعد ذلك كصلاة منفصلة قد تطوع بها، وإن لم يقعد مقدار التشهد بطلت صلاته، ومذهب ابن حزم وغيره أن صلاته باطلة كما لو صلى عندهم الفجر أربعاً.
وقد روى سعيد في سننه عن الضحاك بن مزاحم قال: قال ابن عباس من صلى في السفر أربعاً كمن صلى في الحضر ركعتين.
قال ابن حزم وروينا عن عمر بن عبد العزيز وقد ذكر الإتمام في السفر لمن شاء فقال: لا، الصلاة في السفر ركعتان حتمان لا يصح غيرهما، وحجة هؤلاء أنه قد ثبت أن الله إنما فرض في السفر ركعتين والزيادة على ذلك لم يأت بها كتاب ولا سنة، وكل ما روي عن النبي ﷺ من أنه صلى أربعاً أو أقر من صلى أربعاً فإنه كذب.
وأما فعل عثمان وعائشة فتأويل منهما أن القصر إنما يكون في بعض الأسفار دون بعض كما تأول غيرهما أنه لا يكون إلا في حج أو عمرة أو جهاد ثم قد خالفهما أئمة الصحابة وأنكروا ذلك. قالوا: لأن النبي ﷺ قال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " فأمر بقبولها والأمر يقتضي الوجوب، ومن قال يجوز الأمران فعمدتهم قوله تعالى: " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة
стр. 284
إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا " قالوا: وهذه العبارة إنما تستعمل في المباح لا في الواجب كقوله: " ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم " وقوله: " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة " ونحو ذلك، واحتجوا من السنة بما تقدم من أن النبي ﷺ حسن لعائشة إتمامها وبما روي من أنه فعل ذلك واحتجوا بأن عثمان أتم الصلاة بمنى بمحضر الصحابة فأتموا خلفه وهذه كلها حجج ضعيفة.
أما الآية فنقول قد علم بالتواتر أن النبي ﷺ إنما كان يصلي في السفر ركعتين وكذلك أبو بكر وعمر بعده وهذا يدل على أن الركعتين أفضل كما عليه جماهير العلماء، وإذا كان القصر طاعة لله ورسوله وهو أفضل من غيره لم يجز أن يحتج بنفي الجناح على أنه مباح لا فضيلة فيه، ثم ما كان عذرهم عن كونه مستحباً هو عذر لغيرهم عن كونه مأموراً به أمر إيجاب، وقد قال تعالى في السعي: " فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما " والطواف بين الصفا والمروة هو السعي المشروع باتفاق المسلمين وذلك إما ركن وإما واجب وإما سنة، وأيضاً فالقصر وإن كان رخصة استباحة المحظور فقد تكون واجبة كأكل الميت للمضطر والتيمم لمن عدم الماء ونحو ذلك، هذا إن سلم أن المراد به قصر العدد، فإن للناس في الآية ثلاثة أقوال: قيل المراد به قصر العدد فقط وعلى هذا فيكون التخصيص بالخوف غير مفيد، والثاني أن المراد به قصر الأعمال فإن صلاة الخوف تقصر عن صلاة الأمن والخوف يبيح ذلك، وهذا يرد عليه أن صلاة الخوف جائزة حضراً وسفراً والآية أفادت القصر في السفر.
стр. 285
والقول الثالث وهو الأصح أن الآية أفادت قصر العدد وقصر العمل جميعاً ولهذا علق ذلك بالسفر والخوف فإذا اجتمع الضرب في الأرض والخوف أبيح القصر الجامع لهذا ولهذا، وإذا انفرد السفر فإنما يبيح قصر العدد، وإذا انفرد الخوف فإنما يفيد قصر العمل.
ومن قال إن الفرض في الخوف والسفر ركعة كأحد القولين في مذهب أحمد وهو مذهب ابن حزم فمراده إذا كان خوف وسفر فيكون السفر والخوف قد أفادا القصر إلى ركعة كما روى أبو داود الطيالسي ثنا المسعودي هو عبد الرحمن هو عبد الرحمن بن عبد الله عن يزيد الفقير قال: سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما، قال جابر: لا، فإن الركعتين في السفر ليستا بقصر إنما القصر ركعة عند القتال.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. قال ابن حزم: ورويناه أيضاً من طريق حذيفة وجابر وزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عمر عن النبي ﷺ بأسانيد في غاية الصحة. قال ابن حزم: وبهذه الآية قلنا إن صلاة الخوف في السفر إن شاء ركعة وإن شاء ركعتين لأنه جاء في القرآن بلفظ " لا جناح " لا بلفظ الأمر والإيجاب وصلاها الناس مع النبي ﷺ مرة ركعة فقط ومرة ركعتين فكان ذلك على الاختيار كما قال جابر.
وأما صلاة عثمان فقد عرف إنكار أئمة الصحابة عليه ومع هذا فكانوا يصلون خلفه، بل كان ابن مسعود يصلي أربعاً وإن انفرد ويقول: الخلاف شر، وكان ابن عمر إذا انفر صلى ركعتين. وهذا دليل على أن صلاة السفر أربعاً مكروهة عندهم ومخالفة للسنة ومع ذلك فلا إعادة على
стр. 286
من فعلها وإذا فعلها الإمام اتبع فيها، وهذا لأن صلاة المسافر ليست كصلاة الفجر، بل هي من جنس الجمعة والعيدين، ولهذا قرن عمر بن الخطاب في السنة التي نقلها بين الأربع فقال: صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم وقد خاب من افترى. رواه أحمد والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال: قال عمر، ورواه يزيد بن زياد ابن أبي الجعد عن زبيد الأيامي (١) عن عبد الرحمن فهذه الأربعة ليست من جنس الفجر.
ومعلوم أنه يوم الجمعة يصلى ركعتين تارة ويصلي أربعاً أخرى، ومن فاتته الجمعة إنما يصلي أربعاً لا يصلي ركعتين وكذلك من لم يدرك منها ركعة عند الصحابة وجمهور العلماء كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها " وإذا حصلت شروط الجمعة خطب خطبتين وصلى ركعتين فلو قدر أنه خطب وصلى الظهر أربعاً لكان تاركاً للسنة ومع هذا فليسوا كمن صلى الفجر أربعاً ولهذا يجوز للمريض والمسافر والمرأة وغيرهم ممن لا تجب عليهم الجمعة أن يصلي الظهر أربعاً أن يأتم به في الجمعة فيصلي ركعتين فكذلك المسافر له أن يصلي ركعتين وله أن يأتم بمقيم فيصلي خلفه أربعاً فإن قيل الجمعة يشترط لها الجماعة فلهذا كان حكم المنفرد فيها خلاف حكم المؤتم.
стр. 287
وهذا الفرق ذكره أصحاب الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد قيل لهم اشتراط الجماعة في الصلوات الخمس فيه نزاع في مذهب أحمد وغيره والأقوى أنه شرط مع القدرة وحينئذ المسافر لما ائتم بالمقيم دخل في الجماعة الواجبة فلزمه إتباع الإمام كما في الجمعة، وإن قيل فللمسافرين أن يصلوا جماعة قيل ولهم أن يصلوا يوم الجمعة جماعة ويصلوا أربعاً، وصلاة العيد قد ثبت عن علي أنه استخلف من صلى بالناس في المسجد أربعاً ركعتين للسنة وركعتين لكونهم لم يخرجوا إلى الصحراء، فصلاة الظهر يوم الجمعة وصلاة العيدين تفعل تارة ثنتين وتارة أربعاً كصلاة المسافر بخلاف صلاة الفجر، وعلى هذا تدل آثار الصحابة فإنهم كانوا يكرهون من الإمام أن يصلي أربعاً ويصلون خلفه كما في حديث سلمان وحديث ابن مسعود وغيره مع عثمان ولو كان ذلك عندهم كمن يصلي الفجر أربعاً لما استجازوا أن يصلوا أربعاً كما لا يستجيز مسلم أن يصلي الفجر أربعاً.
ومن قال إنهم لما قعدوا قدر التشهد أدوا الفرض والباقي تطوع قيل له: من المعلوم أنه لم ينقل عن أحدهم أنه قال: نوينا التطوع بالركعتين. وأيضاً فإن ذلك ليس بمشروع فليس لأحد أن يصلي بعد الفجر ركعتين بل قد أنكر النبي ﷺ على من صلى بعد الإقامة السنة وقال الصبح أربعاً.
وقد صلى الإمام فكيف إذا وصل الصلاة بصلاة وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ نهى أن توصل صلاة بصلاة حتى يفصل بينهما بكلام أو قيام.
وقد كان الصحابة ينكرون على من يصلي الجمعة وغيرها بصلاة تطوع فكيف يسوغون أن يصلي الركعتين في السفر إن كان لا يجوز
стр. 288
إلا ركعتان بصلاة تطوع، وأيضاً فلماذا وجب على المقيم خلف المسافر أن يصلي أربعاً كما ثبت ذلك عن الصحابة وقد وافق عليه أبو حنيفة وأيضاً فيجوز أن يصلي المقيم أربعاً خلف المسافر ركعتين كما كان النبي ﷺ وخلفاؤه يفعلون ذلك ويقولون أتموا صلاتكم فإنه قوم سفر.
وهذا مما يبين أن صلاة المسافر من جنس صلاة المقيم فإنه قد سلم جماهير العلماء أن يصلي هذا خلف هذا كما يصلي الظهر خلف من يصلي الجمعة وليس هذا كمن صلى الظهر قضاء خلف من يصلي الفجر.
وأما من قال أن المسافر فرضه أربع وله أن يسقط ركعتين بالقصر فقوله مخالف للنصوص وإجماع السلف والأصول وهو قول متناقض فإن هاتين الركعتين يملك المسافر إسقاطهما لا إلى بدل ولا إلى نظيره وهذا يناقض الوجوب فإنه يمتنع أن يكون الشيء واجباً على العبد ومع هذا لا يلزمه فعله ولا فعل بدله ولا نظيره - فعلم بذلك أن الفرض على المسافر الركعتان فقط، الذي يدل عليه كلام أحمد وقدماء الصحابة فإنه لم يشترط في القصر نية وقال: لا يعجبني الأربع وتوقف في إجزاء الأربع.
ولم ينقل أحد عن أحمد أنه قال لا يقصر إلا بنية وإنما هذا من قول الخرقي ومن اتبعه ونصوص أحمد وأجوبته كلها مطلقة في ذلك كما قاله جماهير العلماء وهو اختيار أبي بكر موافقة لقدماء الأصحاب كالخلال وغيره بل والأثرم وأبي داود وإبراهيم الحربي وغيرهم فإنهم لم يشترطوا النية لا في قصر ولا في جمع، وإذا كان فرضه ركعتين فإذا أتى بهما أجزأه ذلك سواء نوى القصر أو لم ينوه وهذا قول الجماهير كمالك وأبي حنيفة وعامة السلف وما علمت أحداً من الصحابة والتابعين لهم بإحسان اشترط نية لا في
стр. 289
قصر ولا في جمع ولو نوى المسافر الإتمام كانت السنة في حقه الركعتين، ولو صلى أربعاً كان ذلك مكروهاً كما لو ينوه.
ولم ينقل قط أحد عن النبي ﷺ أنه أمر أصحابه لا بنية القصر ولا نية جمع ولا كان خلفاؤه وأصحابه يأمرون بذلك من يصلي خلفهم مع أن المأمومين أو أكثرهم لا يعرفون ما يفعله الإمام فإن النبي ﷺ لما خرج في حجته صلى بهم الظهر بالمدينة أربعاً، وصلى بهم العصر بذي الحليفة ركعتين وخلفه أمم لا يحصي عددهم إلا الله كلهم خرجوا يحجون معه وكثير منهم لا يعرف صلاة السفر إما لحدوث عهده بالإسلام وإما لكونه لم يسافر بعد لا سيما النساء صلوا معه ولم يأمرهم بنية القصر وكذلك جمع بهم بعرفة ولم يقل لهم إني أريد أن أصلي العصر بعد الظهر حتى صلاها.
فصل: الخلاف في السفر الشرعي وحكمه: السفر في كتاب الله وسنة رسوله في القصر والفطر مطلق ثم قد تنازع الناس في جنس السفر وقدره، أما جنسه فاختلفوا في نوعين: أحدهما حكمه فمنهم من قال لا نقصر إلا في حج أو عمرة أو غزو وهذا قول داود وأصحابه إلا ابن حزم، قال ابن حزم وهو قول جماعة من السلف كما روينا من طريق ابن أبي عدي حدثنا جرير عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن الأسود عن ابن مسعود قال: لا يقصر الصلاة إلا حاج أو مجاهد. وعن طاوس أنه كان يسأل عن قصر الصلاة فيقول إذا خرجنا
стр. 290
حجاجاً أو عماراً صلينا ركعتين.
وعن إبراهيم التيمي أنه كان لا يرى القصر إلا في حج أو عمرة أو جهاد، وحجة هؤلاء أنه ليس معنا نص يوجب عموم القصر للمسافر إذا خاف أن يفتنه الذين كفروا وهذا سفر الجهاد، وأما السنة فإن النبي ﷺ قصر في حجه وعمره وغزواته فثبت جواز هذا والأصل في الصلاة الإتمام فلا تسقط إلا حيث أسقطتها السنة.
ومنهم من قال: لا يقصر إلا في سفر يكون طاعة فلا يقصر في مباح كسفر التجارة وهذا يذكر رواية عن أحمد، والجمهور يجوزون القصر في السفر الذي يجوز فيه الفطر وهو الصواب لأن النبي ﷺ قال: " إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة " رواه عنه أنس بن مالك الكعبي وقد رواه أحمد وغيره بإسناد جيد، وأيضا فقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن يعلى بن أمية أنه قال لعمر بن الخطاب " ليس عليكم جناح أن تقصورا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا " فقد أمن الناس، فقال عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " وهذا يبين أن سفر الأمن يجوز فيه قصر العدد وإن كان ذلك صدقة من الله علينا أمرنا بقبولها.
وقد قال طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد: إن شئنا قبلناها وإن شئنا لم نقبلها، فإن قبول الصدقة لا يجب، ليدفعوا بذلك الأمر بالركعتين وهذا غلط فإن النبي ﷺ أمرنا أن نقبل صدقة الله علينا والأمر للإيجاب وكل إحسانه إلينا صدقة علينا فإن لم نقبل ذلك هلكنا وأيضاً فقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قال: صلاة السفر ركعتان تمام
стр. 291
غير قصر على لسان نبيكم وقد خاب من افترى، كما قال: صلاة الجمعة ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان، وهذا نقل عن النبي ﷺ أنه سن للمسلمين الصلاة في جنس السفر ركعتين كما سن الجمعة والعيدين ولم يخص ذلك بسفر نسك أو جهاد، وأيضاً فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر، وهذا يبين أن المسافر لم يؤمر بأربع قط وحينئذ فما أوجب الله على المسافر أن يصلي أربعاً وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله لفظ يدل على أن المسافر فرض عليه أربع، وحينئذ فمن أوجب على مسافر أربعاً فقد أوجب ما لم يوجبه الله ورسوله.
فإن قيل قوله وضع يقتضي أنه كان واجباً قبل هذا كما قال أنه وضع عنه الصوم ومعلوم أنه لم يجب على المسافر صوم رمضان قط لكن لما انعقد سبب الوجوب فأخرج المسافر من ذلك سمي وضعاً ولأنه كان واجباً في المقام فلما سافر وضع بالسفر كما يقال: من أسلم وضعت عنه الجزية مع أنها لا تجب على مسلم بحال، وأيضاً فقد قال صفوان بن محرز: قلت لابن عمر: حدثني عن صلاة السفر، قال: أتخشى أن يكذب علي؟ قلت: لا، قال: ركعتان من خالف السنة كفر، وهذا معروف رواه أبو التياح عن مورق العجل عنه وهو مشهور في كتب الآثار، وفي لفظ صلاة السفر ركعتان ومن خالف السنة كفر وبعضهم رفعه إلى النبي ﷺ ، فبين أن صلاة السفر ركعتان وأن ذلك من السنة التي خالفها فاعتقد خلافها فقد كفر، وهذه الأدلة دليل على أن من قال إنه لا يقصر إلا في سفر واجب فقوله ضعيف ومنهم من قال لا يقصر في السفر المكروه ولا المحرم ويقصر في
стр. 292
المباح وهذا أيضاً رواية عن أحمد وهل يقصر في سفر النزهة؟ فيه عن أحمد راويتان: وأما السفر المحرم فمذهب الثلاثة مالك والشافعي وأحمد لا يقصر فيه، وأما أبو حنيفة وطوائف من السلف والخلف فقالوا: يقصر في جنس الأسفار وهو قول ابن حزم وغيره، وأبو حنيفة وابن حزم وغيرهما يوجبون القصر في كل سفر وإن كان محرماً كما يوجب الجميع التيمم إذا عدم الماء في السفر المحرم، وابن عقيل رجح في بعض المواضع القصر والفطر في السفر المحرم.
والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعاً في جنس السفر ولم يخص سفراً من سفر وهذا القول هو الصحيح فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر، قال تعالى: " فمن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر " كما قال في آية التيمم: " وإن كنتم مرضى أو على سفر " الآية، وكما تقدمت النصوص الدالة على أن المسافر يصلي ركعتين، ولم ينقل قط أحد عن النبي ﷺ أنه خص سفراً من سفر مع علمه بأن السفر يكون حراماً ومباحاً ولو كان هذا مما يختص بنوع من السفر لكان بيان هذا من الواجبات ولو بين ذلك لنقلته الأمة وما علمت عن الصحابة في ذلك شيئاً، وقد علق الله ورسوله أحكاماً بالسفر كقوله تعالى في التيمم: " وإن كنتم مرضى أو على سفر " وقوله في الصوم: " فمن كان مريضاً أو على سفر " وقوله: " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ".
وقول النبي ﷺ : " يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن " وقوله: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم " وقوله: " إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر
стр. 293
الصلاة " ولم يذكر قط في شيء من نصوص الكتاب والسنة تقييد السفر بنوع دون نوع، فكيف يجوز أن يكون الحكم معلقاً بأحد نوعي السفر ولا يبين الله ورسوله ذلك؟ بل يكون بيان الله ورسوله متناولاً للنوعين، وهكذا في تقسيم السفر إلى طويل وقصير وتقسيم الطلاق بعد الدخول إلى بائن ورجعي، وتقسيم الإيمان إلى يمين مكفرة وغير مكفرة، وأمثال ذلك مما علق الله ورسوله الحكم فيه بالجنس المشترك العام فجعله بعض الناس نوعين نوعاً يتعلق به ذلك الحكم ونوعاً لا يتعلق من غير دلالة على ذلك من كتاب ولا سنة ولا نصاً ولا استنباطاً.
والذين قالوا: لا يثبت ذلك في السفر المحرم عمدتهم قوله تعالى في الميتة: " فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه " وقد ذهب طائفة من المفسرين إلى أن الباغي هو الباغي على الإمام الذي يجوز قتاله والعادي هو العادي على المسلمين وهم المحاربون قطاع الطريق، قالوا: فإذا ثبت أن الميتة لا تحل لهم فسائر الرخص أولى، وقالوا: إذا اضطر العاصي بسفره أمرناه أن يتوب ويأكل ولا نبيح له إتلاف نفسه، وهذا القول معروف عن أصحاب الشافعي وأحمد، وأما أحمد ومالك فجوزوا له أكل الميتة دون القصر والفطر، قالوا: ولأن السفر المحرم معصية والرخص للمسافر إعانة على ذلك فلا تجوز الإعانة على المعصية.
وهذه حجج ضعيفة أما الآية فأكثر المفسرين قالوا المراد بالباغي الذي يبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال والعادي الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه، وهذا التفسير هو الصواب دون الأول، لأن الله أنزل هذا في السور المكية الأنعام والنحل وفي المدنية، ليبين ما يحل وما يحرم من
стр. 294
الأكل والضرورة لا تختص بسفر، ولو كانت في سفر فليس السفر المحرم مختصاً يقطع الطريق، والخروج على الإمام، ولم يكن على عهد النبي ﷺ إمام يخرج عليه ولا من شرط الخارج أن يكون مسافراً والبغاة الذين أمر الله بقتالهم في القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين، ولا كان الذين نزلت الآية فيهم أولاً مسافرين بل كانوا من أهل العوالي مقيمين واقتتلوا بالنعال والجريد فكيف يجوز أن يفسر الآية بما لا تختص بالسفر وليس فيها كل سفر محرم؟ فالمذكور في الآية لو كان كما قيل لم يكن مطابقاً للسفر المحرم فإنه قد يكون بلا سفر، وقد يكون السفر المحرم بدونه، وأيضاً فقوله: " غير باغ " حال من " اضطر " فيجب أن يكون حال اضطراره وأكله الذي يأكل فيه غير باغ ولا عاد فإنه قال: " فلا إثم عليه " ومعلوم أن الإثم إنما ينفى عن الأكل الذي هو الفعل لا عن نفس الحاجة إليه فمعنى الآية فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد، وهذا يبين أن المقصود أنه لا يبغي في أكله ولا يتعدى، والله تعالى يقرن بين البغي والعدوان فالبغي ما جنسه ظلم والعدوان مجاوزة القدر المباح كما قرن بين الإثم والعداون في قوله: " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " فالإثم جنس الشر والعدوان مجاوزة القدر المباح، فالبغي من جنس الإثم، قال تعالى: " وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم بغياً بينهم " وقال تعالى: " فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه " فالإثم جنس لظلم الورثة إذا كان مع العمد، وأما الجنف فهو الجنف عليهم بعمد وبغير عمد لكن قال كثير من المفسرين الجنف الخطأ والإثم لأنه لما خص الإثم بالذكر وهو العمد بقي الداخل
стр. 295
في الجنف خطأ، ولفظ العدوان من باب تعدي الحدود كما قال تعالى: " تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه " ونحو ذلك، ومما يشبه هذا قوله: " ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا " والإسراف مجاوزة الحد في المباح، وأما الذنوب فما كان جنسه شر إثم وأما قولهم إن هذا إعانة على المعصية فغلط لأن المسافر مأمور بأن يصلي ركعتين كما هو مأمور أن يصلي بالتيمم وإذا عدم الماء في السفر المحرم كان عليه أن يتيمم ويصلي وما زاد على الركعتين ليست طاعة ولا مأموراً بها أحد من المسافرين، وإذا فعلها المسافر كان قد فعل منهياً عنه فصار صلاة الركعتين مثل أن يصلي المسافر الجمعة خلف مستوطن، فهل يصليها إلا ركعتين وإن كان عاصياً بسفره وإن كان إذا صلى وحده صلى أربعاً؟ وكذلك صومه في السفر ليس براً ولا مأموراً به فإن النبي ﷺ ثبت عنه أنه قال: " ليس من البر الصيام في السفر " وصومه إذا كان مقيماً أحب إلى الله من صيامه في سفر محرم، ولو أراد أن يتطوع على الراحلة في السفر المحرم لم يمنع من ذلك، وإذا اشتبهت عليه القبلة أما كان يتحرى ويصلي؟ ولو أخذت ثيابه أما كان يصلي عرياناً؟ فإن قيل هذا لا يمكنه إلا هذا قيل والمسافر لم يؤمر إلا بركعتين والمشروع في حقه أن لا يصوم، وقد اختلف الناس لو صام هل يسقط الفرض عنه؟ واتفقوا على أنه إذا صام بعد رمضان أجزأه، وهذه المسألة ليس فيها احتياط، فإن طائفة يقولون من صلى أربعاً أو صام رمضان في السفر المحرم لم يجزئه ذلك كما لو فعل ذلك في السفر المباح عندهم.
وطائفة يقولون لا يجزيه إلا صلاة أربع وصوم رمضان، وكذلك
стр. 296
أكل الميتة واجب على المضطر سواء كان في السفر أو الحضر وسواء كانت ضرورية بسبب مباح أو محرم فلو ألقي ماله في البحر واضطر إلى أكل الميتة كان عليه أن يأكلها، ولو سافر سفراً محرماً فأتعبه حتى عجز عن القيام صلى قاعداً، ولو قاتل قتالاً محرماً حتى أعجزته الجراح عن القيام صلى قاعداً، فإن قيل فلو قاتل قتالاً محرماً هل يصلي صلاة الخوف؟ قيل يجب عليه أن يصلي ولا يقاتل فإن كان لا يدع القتال المحرم فلا نبيح له ترك الصلاة بل إذا صلى صلاة خائف كان خيراً من ترك الصلاة بالكلية، ثم هل يعيد؟ هذا فيه نزاع، ثم إن أمكن فعلها بدون هذه الأفعال المبطلة في الوقت وجب ذلك عليه لأنه مأمور بها، وأما إن خرج ولم يفعل ذلك، ففي صحتها وقبولها بعد ذلك نزاع.
النوع الثاني: من موارد النزاع أن عثمان كان لا يرى مسافراً إلا من حمل الزاد والمزاد دون من كان نازلاً لا يحتاج فيه إلى ذلك كالتاجر والتاني والجابي الذين يكونون في موضع لا يحتاجون فيه إلى ذلك ولم يقدر عثمان للسفر قدراً بل هذا الجنس عنده ليس بمسافر وكذلك قيل إنه لم ير نفسه والذين معه مسافرين بمنى لما صارت منى معمورة وذكر ابن أبي شبيبة عن ابن سيرين أنه قال: كانوا يقولون السفر الذي تقصر فيه الصلاة الذي يحمل فيه الزاد والمزاد ومأخذ هذا القول والله أعلم أن القصر إنما كان في السفر لا في المقام والرجل إذا كان مقيماً في مكان يجد فيه الطعام والشراب لم يكن مسافراً بل مقيماً بخلاف المسافر الذي يحتاج أن يحمل الطعام والشراب فإن هذا يلحقه من المشقة ما يلحق المسافر من مشقة السفر وصاحب هذا القول كأنه رأى الرخصة إنما تكون للمشقة
стр. 297
والمشقة إنما تكون لمن يحتاج إلى حمل الطعام والشراب، وقد نقل عن غيره كلام يفرق فيه بين جنس وجنس.
روى ابن أبي شيبة عن علي بن مسهر عن أبي إسحاق الشيباني عن قيس بن مسلم عن طارق ابن شهاب عن عبد الله ابن مسعود قال: لا يغرنكم سوادكم هذا من صلاتكم فإنه من مصركم، فقوله من مصركم يدل على أنه جعل السواد بمنزلة المصر لما كان تابعاً، وروى عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كنت مع حذيفة بالمدائن فاستأذنته أن آتي أهلي بالكوفة فأذن لي وشرط علي أن لا أفطر ولا أصلي ركعتين حتى أرجع إليه وبينهما نيف وستون ميلاً.
وعن حذيفة أن لا يقصر إلى السواد وبين الكوفة. والسواد تسعون ميلاً.
وعن معاذ بن جبل وعقبة بن عامر: لا يطأ أحدكم بماشية أحداب الجبال أو بطون الأودية وتزعمون أنكم سفر لا ولا كرامة إنما التقصير في السفر من الباءت (١) من الأفق إلى الأفق.
قلت: هؤلاء لم يذكروا مسافة محدودة للقصر لا بالزمان ولا بالمكان لكان جعلوا هذا الجنس من السير ليس سفراً كما جعل عثمان السفر ما كان فيه حمل زاد ومزاد فإن كانوا قصدوا ما قصده عثمان من أن هذا لا يزال يسير في مكان يحمل فيه الزاد والمزاد فهو كالمقيم فقد وافقوا عثمان لكن ابن مسعود خالف عثمان في إتمامه بمنى، وإن كان قصدهم أن أعمال البلد تبع له كالسواد مع الكوفة وإنما المسافر من خرج من عمل إلى عمل كما في حديث معاذ من أفق إلى أفق فهذا هو الظاهر ولهذا قال ابن مسعود عن السواد: فإنه من مصركم، وهذا كما أن
стр. 298
ما حول المصر من البساتين والمزارع تابعة له فهم يجعلون ذلك كذلك وإن طال ولا يجدون فيه مسافة وهذا كما أن المخاليف وهي الأمكنة التي يستخلف فيها من هو خليفة عن الأمير العام بالمصر الكبير، وفي حديث معاذ من خرج من مخلاف إلى مخلاف يدل على ذلك ما رواه محمد بن بشار: حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا شعبة سمعت قيس بن عمران بن عمير يحدث عن أبيه عن جده أنه خرج مع عبد الله بن مسعود وهو رديفه على بغلة له مسيرة أربعة فراسخ فصلى الظهر ركعتين، قال شعبة: أخبرني بهذا قيس بن عمران وأبوه عمران بن عمير شاهدوا عمير مولى ابن مسعود، فهذا يدل على أن ابن مسعود لم يحد السفر بمسافة طويلة ولكن اعتبر أمراً آخر كالأعمال وهذا أمر لا يحد بمسافة ولا زمان لكن بعموم الولايات وخصوصها مثل من كان بدمشق فإذا سافر إلى ما هو خارج عن أعمالها كان مسافراً. وأصحاب هذه الأقوال كأنهم رأوا ما رخص فيه للمسافر إنما رخص فيه للمشقة التي تلحقه في السفر، واحتياجه إلى الرخصة، وعلموا أن المنتقل في المصر الواحد من مكان إلى مكان ليس بمسافر، وكذلك الخارج إلى ما حول المصر كما كان النبي ﷺ يخرج إلى قبا كل سبت راكباً وماشياً، ولم يكن يقصر وكذلك المسلمون كانوا يتناوبون الجمعة من العوالي، ولم يكونوا يقصرون فكان المنتقل في العمل الواحد بهذه المثابة عندهم.
وهؤلاء يحتج عليهم بقصر أهل مكة مع النبي ﷺ بعرفة ومزدلفة ومنى، مع أن هذه تابعة لمكة ومضافة إليها وهي أكثر تبعاً لها من السواد للكوفة وأقرب إليها منها فإن بين باب شيبة وموقف الإمام بعرفة عند الصخرات التي في أسفل جبل الرحمة بريد بهذه المسافة وهذا السير وهم مسافرون وإذا
стр. 299
قيل المكان الذي يسافرون إليه ليس بموضع مقام قيل بل كان هناك قرية نمرة والنبي ﷺ لم يزل بها وكان بها أسواق وقريب منها عرنة التي تصل واديها بعرفة لأنه لا فرق بين السفر إلى بلد تقام فيه وبلد لا تقام فيه إذا لم يقصد الإقامة فإن النبي ﷺ والمسلمين سافروا إلى مكة وهي بلد يمكن الإقامة فيه وما زالوا مسافرين في غزوهم وحجهم وعمرتهم، وقد قصر النبي ﷺ الصلاة في جوف مكة عام الفتح وقال: " يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر " وكذلك عمر بعده فعل ذلك رواه مالك بإسناد صحيح ولم يفعل ذلك رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر بمنى (١) ، ومن نقل ذلك عنهم فقد غلط وهذا بخلاف خروج النبي ﷺ إلى قبا كل سبت راكباً وماشياً وخروجه إلى الصلاة على الشهداء فإنه قبل أن يموت بقليل صلى عليهم وبخلاف ذهابه إلى البقيع وبخلاف قصد أهل العوالي المدينة ليجمّعوا (٢) بها فإن هذا كله ليس بسفر فإن اسم المدينة متناول لهذا كله وإنما الناس قسمان الأعراب وأهل المدينة ولأن الواحد منهم يذهب ويرجع إلى أهله في يومه من غير أن يتأهب لذلك أهبة السفر فلا يحمل زاداً ولا مزاداً لا في طريقه ولا في المنزل الذي يصل إليه ولهذا لا يسمى من ذهب إلى ربض مدينته مسافراً ولهذا تجب الجمعة على من حول المصر عند أكثر العلماء وهو يقدر بسماع النداء وبفرسخ ولو كان ذلك سفراً لم تجب الجمعة على من ينشئ لها سفراً فإن الجمعة لا تجب فكيف يجب أن يسافر لها وعلى هذا فالمسافر لم يكن مسافراً لقطعه مسافة محدودة ولا
стр. 300
لقطعه أياماً محدودة بل كان مسافراً لجنس العمل الذي هو سفر وقد يكون مسافراً من مسافة قريبة ولا يكون مسافراً من أبعد منها مثل أن يركب فرساً سابقاً ويسير بريد ثم يرجع من ساعة إلى بلده فهذا ليس مسافراً وإن قطع هذه المسافة في يوم وليلة ويحتاج في ذلك إلى حمل زاد ومزاد فكان مسافراً كما كان سفر أهل مكة إلى عرفة ولو ركب رجل فرساً سابقاً إلى عرفة ثم رجع من يومه إلى مكة لم يكن مسافراً يدل على ذلك أن النبي ﷺ لما قال: " يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن - والمقيم يوماً وليلة " فلو قطع بريداً في ثلاثة أيام كان مسافراً ثلاثة أيام ولياليهن فيجب أن يمسح مسح سفر ولو قطع البريد في نصف يوم لم يكن مسافراً فالنبي ﷺ إنما اعتبر أن يسافر ثلاثة أيام سواء كان سفره حثيثاً أو بطيئاً سواء كانت الأيام طوالاً أو قصاراً ومن قدره ثلاثة أيام أو يومين جعلوا ذلك بسير الإبل والإقدام وجعلوا المسافة الواحدة حداً يشترك فيه جميع الناس حتى لو قطعها في يوم جعلوه مسافراً ولو قطع ما دونها في عشرة أيام لم يجعلوه مسافراً وهذا مخالف النبي ﷺ .
وأيضاً فالنبي ﷺ في ذهابه إلى قبا والعوالي واحد ومجيء أصحابه من تلك المواضع إلى المدينة إنما كانوا يسيرون في عمران بين الأبنية والحوائط التي هي النخيل وتلك مواضع الإقامة لا مواضع السفر، والمسافر لا بد أن يخرج إلى الصحراء فإن لفظ السفر يدل على ذلك يقال سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته فإذا لم يبرز إلى الصحراء التي ينكشف فيها بين المساكن لا يكون مسافراً قال تعالى: " وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا
стр. 301
على النفاق " وقال تعالى: " ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه " فجعل الناس قسمين: أهل المدينة والأعراب، والأعراب هم أهل العمود، وأهل المدينة هم أهل المدر، فجميع من كان ساكناً في مدر كان من أهل المدينة ولم يكن للمدينة سور ينهز به داخلها من خارجها بل كانت محال محال وتسمى المحلة داراً، والمحلة القرية الصغيرة فيها المساكن وحولها النخل والمقابر ليست أبنية متصلة، فبنو مالك بن النجار في قريتهم حوالي دورهم أموالهم ونخيلهم، وبنو عدي بن النجار دارهم كذلك، وبنو مازن بن النجار كذلك، وبنو سالم كذلك وبنو ساعدة كذلك، وبنو الحارث بن الخزرج كذلك، وبنو عمرو بن عوف كذلك وبنو عبد الأشهل كذلك، وسائر بطون الأنصار كذلك، كما قال النبي ﷺ : " خير دور الأنصار دار بني النجار ثم دار بني عبد الأشهل ثم دار بني الحارث ثم دار بني ساعدة وفي كل دور الأنصار خير " وكان النبي ﷺ قد نزل في بني مالك بن النجار وهناك بنى مسجده وكان حائطاً لبعض بني النجار فيه نخل وخرب وقبور فأمر بالنخل فقطعت وبالقبور فنبشت وبالخرب فسويت وبنى مسجده هناك وكانت سائر دور الأنصار حول ذلك قال ابن حزم ولم يكن هناك مصر قال: وهذا أمر لا يجهله أحد بل هو نقل الكوافي عن الكوافي وذلك كله مدينة واحدة كما جعل الله الناس نوعين أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب، فمن ليس من الأعراب فهو من أهل المدينة، لم يجعل للمدينة داخلاً وخارجاً وسوراً وربضاً كما يقال مثل ذلك في المدائن المسورة، وقد جعل النبي ﷺ حرم المدينة بريداً في بريد والمدينة بين
стр. 302
لابتين، واللابة الأرض التي ترابها حجارة سود وقال: " ما بين لابتيها حرم " فما بين لابتيها كله من المدينة وهو حرم فهذا بريد لا يكون الضارب فيه مسافراً، وإن كان المكي إذا خرج إلى عرفات مسافراً فعرفة ومزدلفة ومنى صحاري خارجة عن مكة ليست كالعوالي من المدينة وهذا أيضاً مما يبين أنه لا اعتبار بمسافة محدودة فإن المسافر في المصر الكبير لو سافر يومين أو ثلاثة لم يكن مسافراً والمسافر عن القرية الصغيرة إذا سافر مثل ذلك كان مسافراً فعلم أنه لا بد أن يقصد بقعة يسافر من مكان إلى مكان فإذا كان ما بين المكانين صحراء لا مساكن فيها يحمل فيها الزاد والمزاد فهو مسافر وإن وجد الزاد والمزاد بالمكان الذي يقصده.
وكان عثمان جعل حكم المكان الذي يقصده حكم طريقه فلا بد أن يعدم فيه الزاد والمزاد وخالفه أكثر علماء الصحابة وقولهم أرجح فإن النبي ﷺ قصر بمكة عام فتح مكة وفيها الزاد والمزاد وإذا كانت منى قرية فيها زاد ومزاد فبينها وبين مكة صحراء يكون مسافراً من يقطعها كما كان بين مكة وغيرها، ولكن عثمان قد تأول في قصر النبي ﷺ بمكة أنه كان خائفاً لأنه لما فتح مكة والكفار كثيرون وكان قد بلغه أن هوازن جمعت له، وعثمان يجوز القصر لمن كان بحضرة عدو كما يحكى عن عثمان أنه يعني النبي ﷺ إنما أمرهم بالمتعة لأنهم كانوا خائفين وخالفه علي وعمران بن حصين وابن عمر وابن عباس وغيرهم من الصحابة؛ وقولهم هو الراجح فإن النبي ﷺ في حجة الوداع كان آمناً لا يخاف إلا الله وقد أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة والقصر وقصر العدد إنما هو معلق بالسفر ولكن إذا اجتمع الخوف والسفر أبيح قصر العدد وقصر
стр. 303
الركعات وقد قال النبي ﷺ هو وعمر بعده لما صليا بمكة: " يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر " بين أن الواجب لصلاتهم ركعتين مجرد كونهم سفراً فلهذا الحكم تعلق بالسفر ولم يعلقه بالخوف. فعلم أن قصر العدد لا يشترط فيه خوف بحال وكلام الصحابة أو أكثرهم من هذا الباب يدل على أنهم لم يجعلوا السفر قطع مسافة محدودة أو زمان محدود يشترط فيه جميع الناس بل كانوا يجيبون بحسب حال السائل فمن رأوه أثبتوا له حكم السفر وإلا فلا. ولهذا اختلف كلامهم في مقدار الزمان والمكان فروى وكيع عن الثوري عن منصور بن المعتمر عن مجاهد عن ابن عباس قال: إذا سافرت يوماً إلى العشاء فإن زدت فقصر، ورواه الحجاج بن منهال ثنا أبو عوانة عن منصور بن المعتمر عن مجاهد عن ابن عباس قال: لا يقصر المسافر في مسيرة يوم إلى العتمة إلا في أكثر من ذلك.
وروى وكيع عن شعبة عن شبيل عن أبي جمرة الضبعي قال: قلت لابن عباس أقصر إلى الأيلة؟ قال: تذهب وتجيء في يوم؟ قلت: نعم، قال: لا، إلا يوم متاح. فهنا قد نهى أن يقصر إذا رجع إلى أهله في يوم هذه مسيرة بريد وأذن في يوم وفي الأول نهاه أن يقصر إلا في أكثر من يوم وقد روي نحو الأول عن عكرمة مولاه قال: إذا خرجت من عند أهلك فاقصر فإذا أتيت أهلك فأتمم.
وعن الأوزاعي: لا قصر إلا في يوم تام.
وروى وكيع عن هشام بن ربيعة بن الغاز الجرشي عن عطاء بن أبي رباح قلت لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى الطائف وعسفان فذلك ثمانية وأربعون ميلاً.
وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء قلت لابن عباس: أقصر إلى منى
стр. 304
أو عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى الطائف أو جدة أو عسفان فإذا وردت على ماشية لك أو أهل فأتم الصلاة، وهذا الأثر قد اعتمده أحمد والشافعي.
قال ابن حزم: من عسفان إلى مكة بسير الخلفاء الراشدين اثنان وثلاثون ميلاً؛ قال: وأخبرنا الثقاة أن من جدة إلى مكة أربعين ميلاً، قلت: نهيه عن القصر إلى منى وعرفة قد يكون لمن يقصد ذلك لحاجة ويرجع من يومه إلى مكة حتى يوافق ذلك ما تقدم من الروايات عنه ويؤيد ذلك أن ابن عباس لا يخفى عليه أن أهل مكة كانوا يقصرون خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر في الحج إذا خرجوا إلى عرفة ومزدلفة ومنى وابن عباس من أعلم الناس بالسنة فلا يخفى عليه مثل ذلك وأصحابه المكيون كانوا يقصرون في الحج إلى عرفة ومزدلفة كطاوس وغيره وابن عيينة نفسه الذي روى هذا الأثر عن ابن عباس كان يقصر إلى عرفة في الحج وكان أصحاب ابن عباس كطاوس يقول أحدهم: أترى الناس - يعني أهل مكة - صلوا في الموسم خلاف صلاة رسول الله ﷺ وهذه حجة قاطعة فإنه من المعلوم أن أهل مكة لما حجوا معه كانوا خلقاً كثيراً وقد خرجوا معه إلى منى يصلون خلفه وإنما صلى بمنى أيام منى قصراً والناس كلهم يصلون خلفه أهل مكة وسائر المسلمين لم يأمر أحداً منهم أن يتم صلاته ولم ينقل ذلك أحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ثم أبو بكر وعمر بعده كانا يصليان في الموسم بأهل مكة وغيرهم كذلك ولا يأمران أحداً بإتمام مع أنه قد صح عن عمر بن الخطاب أنه لما صلى بمكة قال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، وهذا أيضاً مروي عن النبي ﷺ في أهل مكة عام
стр. 305
الفتح لا في حجة الوداع فإنه في حجة الوداع لم يكن يصلي بمكة بل كان يصلي بمنزله وقد رواه أبو داود وغيره وفي إسناده مقال.
والمقصود أن من تدبر صلاة النبي ﷺ بعرفة ومزدلفة ومنى بأهل مكة وغيرهم وأنه لم ينقل مسلم قط عنه أنه أمرهم بإتمام علم قطعاً أنهم كانوا يقصرون خلفه وهذا من العلم العام الذي لا يخفى على ابن عباس ولا غيره ولهذا لم يعلم أحداً من الصحابة أمر أهل مكة أن يتموا خلف الإمام إذا صلى ركعتين فدل هذا لم يعلم واحد من الصحابة أمر أهل مكة أن يتموا خلف الإمام إذا صلى ركعتين فدل هذا على أن ابن عباس إنما أجاب به من سأله إذا سافر إلى منى أو عرفة سفراً لا ينزل فيه بمنى وعرفة بل يرجع من يومه فهذا لا يقصر عنده لأنه قد بين أن من ذهب ورجع من يومه لا يقصر وإنما يقصر من سافر يوماً ولم يقل مسيرة يوم بل اعتبر أن يكون السفر يوماً وقد استفاض عنه جواز القصر إلى عسفان وقد ذكر ابن حزم أنها اثنان وثلاثون ميلاً وغيره يقول أربعة برد ثمانية وأربعون ميلاً، والذين حدوها ثمانية وأربعين ميلاً عمدتهم قول ابن عباس وابن عمر وأكثر الروايات عنهم تخالف ذلك فلو لم يكن إلا قولهما لم يجز أن يأخذ ببعض أقوالهما دون بعض بل إما أن يجمع بينهما وإما أن يطلب دليل آخر فكيف والآثار عن الصحابة أنواع أخر ولهذا كان المحددون بستة عشر فرسخاً من أصحاب مالك والشافعي وأحمد إنما لهم طريقان بعضهم يقول لم أجد أحداً قال بأقل من القصر فيما دون هذا فيكون هذا إجماعاً وهذه طريقة الشافعي وهذا أيضاً منقول عن الليث ابن سعد فهذان الإمامان بينا عذرهما أنهما لم يعلما من قال بأقل من ذلك وغيرهما قد علم من قال بأقل من ذلك.
стр. 306
والطريقة الثانية: أن يقولوا هذا قول ابن عمر وابن عباس ولا مخالف لهما من الصحابة فصار إجماعاً، وهذا باطل فإنه نقل عنهما هذا وغيره وقد ثبت عن غيرهما من الصحابة ما يخالف ذلك.
وثم طريقة ثالثة سلكها بعض أصحاب الشافعي وأحمد وهي أن هذا التحديد مأثور عن النبي ﷺ كما رواه ابن خزيمة في مختصر المختصر عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: " يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان " وهذا ما يعلم أهل المعرفة بالحديث أنه كذب على النبي ﷺ ولكن هو من كلام ابن عباس، أفترى رسول الله ﷺ إنما حد مسافة القصر لأهل مكة دون أهل المدينة التي هي دار السنة والهجرة والنصرة ودون سائر المسلمين؟ وكيف يقول هذا وقد تواتر عنه أن أهل مكة صلوا خلفه بعرفة ومزدلفة ومنى؟ ولم يحد النبي ﷺ قط السفر بمسافة لا بريد ولا غير بريد ولا حدهما بزمان، ومالك قد نقل عنه أربعة برد كقول الليث والشافعي وأحمد وهو المشهور عنه، قال: فإن كانت أرض لا أميال فيها فلا يقصرون في أقل من يوم وليلة للثقل قال: وهذا أحب ما تقصر فيه الصلاة إلي، وقد ذكر عنه لا قصر إلا في خمسة وأربعين ميلاً فصاعداً. وروي عنه: لا قصر إلا في اثنين وأربعين ميلاً فصاعداً، وروي عنه: لا قصر إلا في أربعين ميلاً فصاعداً، وروى عنه إسماعيل ابن أبي أويس: لا قصر إلا في ستة وأربعين ميلاً قصداً. ذكر هذه الروايات القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتابه المبسوط ورأى لأهل مكة خاصة أن يقصروا الصلاة في الحج خاصة إلى منى فما فوقها وهي أربعة أميال. وروى عنه ابن القاسم أنه قال فيمن خرج ثلاثة أميال كالرعاء وغيرهم
стр. 307
فتأول فأفطر في رمضان: لا شيء عليه إلا القضاء فقط، وروي عن الشافعي أنه لا قصر في أقل من ستة وأربعين ميلاً بالهاشمي.
والآثار عن ابن عمر أنواع فروى محمد بن المثنى: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان الثوري سمعت جبلة بن سحيم يقول سمعت ابن عمر يقول: لو خرجت ميلاً لقصرت الصلاة.
وروى ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع حدثنا مسعر عن محارب بن زياد سمعت ابن عمر يقول: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر - يعني الصلاة -. محارب قاضي الكوفة من خيار التابعين أحد الأئمة ومسعر أحد الأئمة.
وروى ابن أبي شيبة: حدثنا علي بن مسهر عن أبي إسحاق الشيباني عن محمد بن زيد بن خليدة عن ابن عمر قال: تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال. قال ابن حزم: محمد بن زيد هو طائي ولاه محمد بن أبي طالب القضاء بالكوفة مشهور من كبار التابعين.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قصر إلى ذات النصب قال: وكنت أسافر مع ابن عمر البريد فلا يقصر.
قال عبد الرزاق: ذات النصب من المدينة على ثمانية عشر ميلاً فهذا نافع يخبر عنه أنه قصر في ستة فراسخ وأنه كان يسافر بريداً وهو أربعة فراسخ فلا يقصر. وكذلك روى عنه ما ذكره غندر: حدثنا شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب قال: خرجت مع عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى ذات النصب وهي من المدينة على ثمانية عشر ميلاً فلما أتاها قصر الصلاة، وروى معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقصر الصلاة في مسيرة أربعة برد.
وما تقدم من الروايات يدل على أنه كان يقصر في هذا وفي ما هو أقل
стр. 308
منه.
وروى وكيع عن سعيد بن عبيد الطائي عن علي بن ربيعة الوالبي الأسدي قال: سألت ابن عمر عن تقصير الصلاة قال: حاج أو معتمر أو غاز؟ فقلت: لا ولكن أحدنا يكون له الضيعة في السواد، فقال: تعرف السويداء؟ فقلت: سمعت بها ولم أرها، قال: فإنها ثلاث وليلتان وليلة للمسرع إذا خرجنا إليها قصرنا، قال ابن حزم من المدينة إلى السويداء اثنان وسبعون ميلاً أربعة وعشرون فرسخاً.
قلت: فهذا مع ما تقدم يبين أن ابن عمر لم يذكر ذلك تحديداً لكن بين بهذا جواز القصر في مثل هذا لأنه كان قد بلغه أن أهل الكوفة لا يقصرون في السواد فأجابه ابن عمر بجواز القصر.
وأما ما روي (١) من طريق ابن جريج أخبرني نافع أن ابن عمر كان أدنى ما يقصر الصلاة إليه مال له بخيبر وهي مسيرة ثلاث قواصد لم يقصر فيما دونه، وكذلك ما رواه حماد بن سلمة عن أيوب بن حميد كلاهما عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقصر الصلاة فيما بين المدينة وخيبر وهي بقدر الأهواز من البصرة لا يقصر فيما دون ذلك - قال ابن حزم بين المدينة وخيبر كما بين البصرة والأهواز وهي مائة ميل غير أربعة أميال قال: وهذا مما اختلف فيه على ابن عمر ثم على نافع أيضاً عن ابن عمر.
قلت: هذا النفي وهو أنه لم يقصر فيما دون ذلك غلط قطعاً ليس هذا حكاية عن قوله حتى يقال أنه اختلف اجتهاده بل نفي لقصره فيما دون ذلك وقد ثبت عنه بالرواية الصحيحة من طريق نافع وغيره أنه قصر فيما دون ذلك فهذا قد يكون غلطاً فمن روى عن أيوب إن قدر أن نافعاً روى
стр. 309
هذا فيكون حين حدث بهذا قد نسي أن ابن عمر قصر فيما دون ذلك فإنه قد ثبت عن نافع عنه أنه قصر فيما دون ذلك.
وروى حماد بن زيد حدثنا أنس بن سيرين قال: خرجت مع أنس بن مالك إلى أرضه وهي على رأس خمسة فراسخ فصلى بنا العصر في سفينة وهي تجري بنا في دجلة قاعداً على بساط ركعتين ثم سلم ثم صلى بنا ركعتين ثم سلم. وهذا فيه أنه إنما خرج إلى أرضه المذكورة ولم يكن سفره إلى غيرها حتى يقال كانت من طريقه فقصر في خمسة فراسخ وهي بريد وربع وفي صحيح مسلم حدثنا ابن أبي شيبة وابن بشار كلاهما عن غندر عن شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائي سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ - شعبة شك - صلى ركعتين ولم ير أنس أن يقطع من المسافة الطويلة هذا لأن السائل سأله عن قصر الصلاة وهو سؤال عما يقصر فيه ليس سؤالاً عن أول صلاة يقصرها ثم إنه لم يقل أحد إن أول صلاة لا يقصرها إلا في ثلاثة أميال أو أكثر من ذلك فليس في هذا جواب لو كان المراد ذلك ولم يقل لك أحد فدل على أن أنساً أراد أنه من سافر هذه المسافة قصر، ثم ما أخبر به عن النبي ﷺ فعل من النبي ﷺ لم يبين هل كان ذلك الخروج هو السفر أو كان ذلك هو الذي قطعه من السفر فإن كان أراد به أن ذلك كان سفره فهو نص، وإن كان ذلك الذي قطعه من السفر فأنس بن مالك استدل بذلك على أنه يقصر إليه إذا كان هو السفر يقول أنه لا يقصر إلا في السفر فلولا أن قطع هذه المسافة سفر لما قصر.
стр. 310
وهذا يوافق قول من يقول لا يقصر حتى يقطع مسافة تكون سفراً لا يكتفي مجرد قصده المسافة التي هي سفر وهذا قول ابن حزم وداود وأصحابه، وابن حزم يحد مسافة القصر بميل لكن داود وأصحابه يقولون: لا يقصر إلا في حج أو عمرة أو غزو، وابن حزم يقول إنه يقصر في كل سفر، وابن حزم عنده أنه لا يفطر إلا في هذه المسافة وأصحابه يقولون إنه يفطر في كل سفر بخلاف القصر لأن القصر ليس عندهم فيه نص عام عن الشارع وإنما فيه فعله أنه قصر في السفر ولم يجدوا أحداً قصر فيما دون ميل، ووجدوا الميل منقولاً عن ابن عمر.
وابن حزم يقول السفر هو البروز عن محلة الإقامة، لكن قد علم أن النبي ﷺ خرج إلى البقيع لدفن الموتى وخرج إلى الفضاء للغائط والناس معه فلم يقصروا ولم يفطروا فخرج هذا عن أن يكون سفراً ولم يحدوا أقل من ميل يسمى سفراً؛ فإن ابن عمر قال لو خرجت ميلاً لقصرت الصلاة فلما ثبت أن هذه المسافة جعلها سفراً ولم نجد أعلى منها يسمى سفراً جعلنا هذا هو الحد، قال: وما دون الميل من آخر بيوت قريته له حكم الحضر فلا يقصر فيه ولا يفطر، وإذا بلغ الميل فحينئذ صار له سفر يقصر فيه الصلاة ويفطر فيه فيمن حينئذ يقصر ويفطر وكذلك إذا رجع فكان على أقل من ميل فإنه يتم ليس في سفر يقصر فيه.
قلت: جعل هؤلاء السفر محدوداً في اللغة قالوا: وأقل ما سمعنا أنه يسمى سفراً هو الميل وأولئك جعلوه محدوداً بالشرع وكلا القولين ضعيف، أما الشارع فلم يحده، وكذلك أهل اللغة لم ينقل أحد عنهم أنهم قالوا: الفرق بين ما يسمى سفراً وما لا يسمى سفراً هو مسافة محدودة،
стр. 311
بل نفس تحديد السفر بالمسافة باطل في الشرع واللغة، ثم لو كان محدوداً بمسافة ميل، فإن أريد أن الميل يكون من حدود القرية المختصة به فقد كان النبي ﷺ يخرج أكثر من ميل من محله في الحجاز ولا يقصر ولا يفطر، وإن أراد من المكان المجتمع الذي يشتمله اسم مدينة ميلاً قيل له فلا حجة لك في خروجه إلى المقابر والغائط لأن تلك لم تكن خارجاً عن آخر حد المدينة، ففي الجملة كان يخرج إلى العوالي وإلى أحد كما كان يخرج إلى المقابر والغائط وفي ذلك ما هو أبعد من ميل، وكان النبي ﷺ وأصحابه يخرجون من المدينة إلى أكثر من ميل ويأتون إليها أبعد من ميل ولا يقصرون كخروجهم إلى قباء والعوالي وأحد، ودخولهم للجمعة وغيرها من هذه الأماكن.
وكان كثير من مساكن المدينة عن مسجده أبعد من ميل فإن حرم المدينة بريد في بريد حتى كان الرجلان من أصحابه لبعد المكان يتناوبان الدخول يدخل هذا يوماً وهذا يوماً كما كان عمر بن الخطاب وصاحبه الأنصاري يدخل هذا يوماً وهذا يوماً، وقول ابن عمر: لو خرجت ميلاً قصرت الصلاة هو كقوله أني لأسافر الساعة من النهار فأقصر، وهذا إما أن يريد به ما يقطعه من المسافة التي يقصدها فيكون قصده أني لا أؤخر القصر إلى أن أقطع مسافة طويلة وهذا قول جماهير العلماء إلا من يقول إذا سافر نهاراً لم يقصر إلى الليل.
وقد احتج العلماء على هؤلاء بأن النبي صلى الله عليه صلى الظهر بالمدينة أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين، وقد يحمل حديث أنس على هذا لكن فعله يدل على المعنى الأول، أو يكون مراد ابن عمر من سافر
стр. 312
قصر، ولو كان قصده هذه المسافة إذا كان في صحراء بحيث يكون مسافراً لا يكون متنقلاً بين المساكن فإن هذا ليس بمسافر باتفاق الناس، وإذا قدر أن هذا مسافر فلو قدر أنه مسافر أقل من الميل بعشرة أذرع فهو أيضاً مسافر، فالتحديد بالمسافة لا أصل له في الشرع ولا لغة، ولا عرف ولا عقل، ولا يعرف عموم الناس مساحة الأرض فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقاً بشيء لا يعرفونه، ولم يمسح أحد الأرض على عهد النبي ﷺ ولا قدر النبي ﷺ الأرض لا بأميال ولا فراسخ والرجل قد يخرج من القرية إلى صحراء لحطب يأتي به فيغيب اليومين والثلاثة فيكون مسافراً وإن كانت المسافة أقل من ميل، بخلاف من يذهب ويرجع من يومه فإنه لا يكون في ذلك مسافراً فإن الأول يأخذ الزاد والمزاد بخلاف الثاني فالمسافة القريبة في المدة الطويلة تكون سفراً، والمسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفراً فالسفر يكون بالعمل الذي سمي سفراً لأجله، والعمل لا يكون إلا في زمان فإذا طال العمل وزمانه فاحتاج إلى ما يحتاج إليه المسافر من الزاد والمزاد سمي مسافراً وإن لم تكن المسافة بعيدة، وإذا قصر العمل والزمان بحيث لا يحتاج إلى زاد ومزاد ولم يسم سفراً، وإن بعدت المسافة فالأصل هو العمل الذي يسمى سفراً، ولا يكون العمل إلا في زمان فيعتبر العمل الذي هو سفر ولا يكون ذلك إلا في مكان يسفر عن الأماكن وهذا مما يعرفه الناس بعاداتهم ليس له حد في الشرع ولا اللغة، بل سموه سفراً فهو سفر.
стр. 313
فصل: وأما الإقامة فهي خلاف السفر فالناس رجلان مقيم ومسافر، ولهذا كانت أحكام الناس في الكتاب والسنة أحد هذين الحكمين إما حكم مقيم وإما حكم مسافر، وقد قال تعالى: " يوم ظعنكم ويوم إقامتكم " فجعل للناس يوم ظعن ويوم إقامة، والله تعالى أوجب الصوم وقال: " فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر " فمن ليس مريضاً ولا على سفر فهو صحيح المقيم، ولذلك قال النبي ﷺ : " إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة " فمن لم يوضع عنه الصوم وشطر الصلاة فهو المقيم.
وقد أقام النبي ﷺ في حجته بمكة أربعة أيام ثم ستة أيام بمنى ومزدلفة وعرفة يقصر الصلاة هو وأصحابه فدل على أنهم كانوا مسافرين، وأقام في غزوة الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة، ومعلوم بالعادة أن ما كان يفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضي في ثلاثة أيام ولا أربعة حتى يقال إنه كان يقول اليوم أسافر غداً أسافر، بل فتح مكة، وأهلها وما حولها كفار محاربون له وهي أعظم مدينة فتحها وبفتحها ذلت الأعداء، وأسلمت العرب، وسرى السرايا إلى النواحي ينتظر قدومهم، ومثل هذه الأمور مما يعلم أنها لا تنقضي في أربعة أيام، فعلم أنه أقام لأمور يعلم أنها لا تنقضي في أربعة وكذلك في تبوك.
стр. 314
وأيضاً فمن جعل للمقام حداً من الأيام إما ثلاثة وإما أربعة، وإما عشرة وإما اثني عشر، وإما خمسة عشر، فإن قال قولاً لا دليل عليه من جهة الشرع وهي تقديرات متقابلة، فقد تضمنت هذه الأقوال تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام: إلى مسافر وإلى مقيم مستوطن وهو الذي ينوي المقام في المكان، وهذا هو الذي تنعقد به الجمعة وتجب عليه، وهذا يجب عليه إتمام الصلاة بلا نزاع فإنه المقيم المقابل للمسافر، والثالث مقيم غير مستوطن أوجبوا عليه إتمام الصلاة والصيام، وأوجبوا عليه الجمعة وقالوا لا تنعقد به الجمعة، وقالوا إنما تنعقد الجمعة بمستوطن.
وهذا التقسيم وهو تقسيم المقيم إلى مستوطن وغير مستوطن تقسيم لا دليل عليه من جهة الشرع، ولا دليل على أنه تجب على من لا تنعقد به، بل من وجبت عليه انعقدت به، وهذا إنما قالوه لما أثبتوا مقيماً يجب عليه الإتمام والصيام ووجدوه غير مستوطن فلم يمكن أن يقولوا تنعقد به الجمعة فإن الجمعة إنما تنعقد بالمستوطن، لكن إيجاب الجمعة على هذا، وإيجاب الصيام والإتمام على هذا هو الذي يقال إنه لا دليل عليه؛ بل هو مخالف للشرع، فإن هذه حال النبي ﷺ بمكة في غزوة الفتح وفي حجة الوداع وحاله بتبوك، بل وهذه حال جميع الحجيج الذين يقدمون مكة ليقضوا مناسكهم ثم يرجعوا، وقد يقدم الرجل بمكة رابع ذي الحجة وقد يقدم قبل ذلك بيوم أو أيام، وقد يقدم بعد ذلك، وهم كلهم مسافرون لا تجب عليهم جمعة ولا إتمام، والنبي ﷺ قدم رابعة من ذي الحجة وكان يصلي ركعتين لكن من أين لهم أنه لو قدم صبح ثالثة وثانية كان يتم ويأمر أصحابه بالإتمام؟ ليس في قوله وعمله ما يدل على ذلك ولو كان
стр. 315
هذا حداً فاصلاً بين المقيم والمسافر لبينه للمسلمين كما قال تعالى: " وما كان الله ليضل قوماً بعد إذا هداهم حتى يبين لهم ما يتقون " والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ليس هو أمراً معلوماً لا بشرع ولا لغة ولا عرف وقد رخص النبي ﷺ للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً والقصر في هذا جائز عند الجماعة وقد سماه إقامة ورخص للمهاجر أن يقيمها فلو أراد المهاجر أن يقيم أكثر من ذلك بعد قضاء النسك لم يكن له ذلك وليس في هذا ما يدل على أن هذه المدة فرق بين المسافر والمقيم بل المهاجر ممنوع أن يقيم بمكة أكثر من ثلاث بعد قضاء المناسك أن الثلاث مقدار يرخص فيه فيما كان محظور الجنس قال ﷺ : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج " وقال: " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " وجعل ما تحرم المرأة بعده من الطلاق ثلاثاً فإذا طلقها ثلاث مرات حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره لأن الطلاق في الأصل مكروه فأبيح منه للحاجة ما تدعو إليه الحاجة وحرمت عليه بعد ذلك إلى الغاية المذكورة، ثم المهاجر لو قدم مكة قبل الموسم بشهر أقام إلى الموسم فإن كان لم يبح له إلا فيما يكون سفراً كانت إقامته إلى الموسم سفراً فتقصر فيه الصلاة وأيضاً فالنبي ﷺ وأصحابه قدموا صبح رابعة من ذي الحجة فلو أقاموا بمكة بعد قضاء النسك ثلاثاً كان لهم ذلك ولو أقاموا أكثر من ثلاث لم يجز لهم ذلك وجاز لغيرهم أن يقيم أكثر من ذلك، وقد أقام المهاجرون مع النبي ﷺ عام الفتح قريباً من عشرين يوماً بمكة ولم يكونوا بذلك مقيمين إقامة خرجوا بها عن السفر ولا كانوا ممنوعين لأنهم كانوا مقيمين
стр. 316
لأجل تمام الجهاد وخرجوا منها إلى غزوة حنين وهذا بخلاف من لا يقدم إلا للنسك فإنه لا يحتاج إلى أكثر من ثلاث.
فعلم أن هذا التحديد لا يتعلق بالقصر ولا بتحديد السفر والذين حدوا ذلك بأربعة منهم من احتج بإقامة المهاجر وجعل يوم الدخول والخروج غير محسوب ومنهم من بنى ذلك على أن الأصل في كل من قدم لمصر أن يكون مقيماً يتم الصلاة لكن ثبتت الأربعة بإقامة النبي ﷺ في حجته فإنه أقامها وقصر، وقالوا في غزوة الفتح وتبوك أنه لم يكن عزم على إقامة مدة لأنه كان يريد عام الفتح غزو حنين وهذا الدليل مبني على أنه من قدم لمصر فقد خرج عن حد السفر وهو ممنوع بل هو مخالف للنص والإجماع والعرف، فإن التاجر الذي يقدم ليشتري سلعة أو يبيعها ويذهب هو مسافر عند الناس وقد يشتري السلعة ويبيعها في عدة أيام ولا يحد الناس في ذلك حداً.
والذين قالوا يقصر إلى خمسة عشر قالوا: هذا غاية ما قيل وما زاد على ذلك فهو مقيم بالإجماع، وليس الأمر كما قالوه وأحمد أمر بالإتمام فيما زاد على الأربعة احتياطاً واختلفت الرواية عنه إذا نوى إقامة إحدى وعشرين هل يتم أو يقصر لتردد الاجتهاد في صلاة النبي ﷺ يوم الرابع فإن كان صلى الفجر بمبيته وهو ذو طوى فإنما صلى بمكة عشرين صلاة وإن كان صلى الصبح بمكة فقد صلى بها إحدى وعشرين صلاة والصحيح أنه إنما صلى الصبح يومئذ بذي طوى ودخل مكة ضحى وكذلك جاء مصرحاً به في أحاديث، قال أحمد في رواية الأثرم إذا عزم على أن يقيم أكثر من ذلك إثم واحتج بأن النبي ﷺ قدم لصبح رابعة
стр. 317
قال فأقام اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي ﷺ قصر فلماذا جمع على أكثر من ذلك إثم قال الأثرم قلت له: فلم لم يقصر على ما زاد من ذلك؟ قال: لأنهم اختلفوا فيأخذ بالأحوط فيتم. قال قيل لأبي عبد الله يقول أخرج اليوم أخرج غداً ليقصر؟ فقال: هذا شيء آخر هذا لم يعزم. فأحمد لم يذكر دليلاً على وجوب الإتمام إنما أخذ بالاحتياط وهذا لا يقتضي الوجوب وأيضاً فإنه معارض يقول من يوجب القصر ويجعله عزيمة في الزيادة، وقد روى الأثرم: حدثنا الفضل ابن دكين حدثنا مسعر عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن المسور قال: أقمنا مع سعد بعمّان أو بعمان شهرين فكان يصلي ركعتين ونصلي أربعاً فذكرنا ذلك له فقال: نحن أعلم.
قال الأثرم: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن أيوب عن نافع أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول قال بعضهم: والثلج الذي يتفق في هذه المدة يعلم أنه لا يذوب في أربعة أيام فقد أجمع إقامة أكثر من أربعة.
قال الأثرم: حدثنا مسلم ابن إبراهيم حدثنا هشام حدثنا يحيى عن حفص بن عبيد الله أن أنس ابن مالك أقام بالشام سنتين يقصر الصلاة.
قال الأثرم: حدثنا الفضل بن دكين حدثنا هشام حدثنا ابن شهاب عن سالم قال: كان ابن عمر إذا أقام بمكة قصر الصلاة إلا أن يصلي مع الإمام وإن أقام شهرين إلا أن يجمع الإقامة، وابن عمر كان يقدم قبل الموسم بمدة طويلة حتى إنه كان أحياناً يحرم بالحج من هلال ذي الحجة، وهو كان من المهاجرين فما كان يحل له المقام بعد قضاء نسكه أكثر من ثلاث ولهذا
стр. 318
أوصى لما مات أن يدفن بسرف لكونها من الحل حتى لا يدفن في الأرض التي هاجر منها.
وقال الأثرم: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال: ما كان ابن عمر يصلي بمكة إلا ركعتين إلا أن يرفع المقام ولهذا أقام مرة ثنتي عشر يصلي ركعتين وهو يريد الخروج وهذا يبين أنه كان يصلي قبل الموسم ركعتين مع أنه نوى الإقامة إلى الموسم وكان ابن عمر كثير الحج وكان كثيراً ما يأتي مكة قبل الموسم بمدة طويلة.
قال الأثرم: حدثنا ابن الطباع حدثنا القاسم بن موسى الفقير عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن ابن محيريز أن أبا أيوب الأنصاري وأبا صرمة الأنصاري وعقبة بن عامر شتوا بأرض الروم فصاموا رمضان وقاموه وأتموا الصلاة.
قال الأثرم: حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن منصور عن أبي وائل قال خرج مسروق إلى السلسلة فقصر الصلاة فأقام سنين يقصر حتى رجع وهو يقصر قيل يا أبا عائشة ما يحملك على هذا؟ قال: إتباع السنة.
فصل:
والذين لم يكرهوا أن يصلي المسافر أربعاً ظنوا أن النبي ﷺ فعل ذلك أو فعله بعض أصحابه على عهده، فأقره عليه وظنوا أن صلاة المسافر ركعتين، وأربعاً بمنزلة الصوم والفطر في رمضان وقد استفاضت الأحاديث الصحيحة بأنهم كانوا يسافرون مع النبي ﷺ فمنهم الصائم ومنهم المفطر، وهذا مما اتفق أهل العلم على صحته وأما ما ذكروه من التربيع فحسبه بعض أهل العلم صحيحاً وبذلك استدل الشافعي وبعض أصحاب أحمد قال الشافعي لما ذكر قول النبي ﷺ : " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته "
стр. 319
فدل على أن القصر في السفر بلا خوف صدقة من الله والصدقة رخصة لا حتم من الله أن يقصر ودل على أن يقصر في السفر بلا خوف إن شاء المسافر أن عائشة قالت: كل ذلك فعل رسول الله ﷺ أتم في السفر وقصر، قلت: وهذا الحديث رواه الدارقطني وغيره من حديث أبي عاصم حدثنا عمر بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم، قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح، قال البيهقي: ولهذا شاهد من حديث دلهم بن صالح والمغيرة بن زياد وطلحة بن عمر وكلهم ضعيف، وروي حديث دلهم من حديث عبيد الله بن موسى حدثنا دلهم بن صالح الكندي عن عطاء عن عائشة قالت: كنا نصلي مع النبي ﷺ إذا خرجنا إلى مكة أربعاً حتى نرجع.
وروى حديث المغيرة وهو أشهرها عن عطاء عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم، وروى حديث طلحة بن عمر عن عطاء عن عائشة قالت: كل ذلك قد فعل رسول الله ﷺ قد أتم وقصر وصام وأفطر.
قال البيهقي وقد قال عمر بن ذر كوفي ثقة: أنا عطاء بن أبي رباح أن عائشة كانت تصلي في السفر المكتوبة أربعاً وروى ذلك بإسناده ثم قال وهو كالموافق لرواية دلهم بن صالح وإن كان في رواية دلهم زيادة سند. قلت: أما ما رواه الثقة عن عطاء عن عائشة من أنها كانت تصلي أربعاً فهذا ثابت عن عائشة معروف عنها من رواية عروة وغيره عن عائشة وإذا كان إنما أسنده هؤلاء الضعفاء والثقاة وثقوه على عائشة دل ذلك على ضعف المسند ولم يكن ذلك شاهداً للمسند قال ابن حزم في هذا الحديث انفرد به المغيرة بن زياد ولم يروه غيره، وقد قال فيه أحمد بن حنبل:
стр. 320
ضعيف كل حديث أسنده منكر. قلت: فقد روي من غير طريقه لكنه ضعيف أيضاً وقد ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل أن أباه سئل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر وهو كما قال الإمام أحمد وإن كان طائفة من أصحابه قد احتجوا به موافقة لمن احتج به كالشافعي ولا ريب أن هذا حديث مكذوب على النبي ﷺ مع أن من الناس من يقول لفظه كان يقصر في السفر وتتم ويفطر وتصوم بمعنى أنها هي التي كانت تتم وتصوم وهذا أشبه بما روي عنها من غير هذا الوجه من أنه كذب عليها أيضاً. قال البيهقي: وله شاهد قوي بإسناد صحيح وروي من طريق الدارقطني من طريق محمد بن يوسف حدثنا العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة في رمضان، فأفطر رسول الله ﷺ وصمت وقصر وأتممت، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت قال: " أحسنت يا عائشة " ورواه البيهقي من طريق آخر عن القاسم بن الحكم ثنا العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة لم يذكر إياه. قال الدارقطني: الأول متصل وهو إسناد حسن وعبد الرحمن قد أدرك عائشة فدخل عليها وهو مراهق ورواه البيهقي من وجه ثالث من حديث أبي بكر النيسابوري ثنا عباس الدوري ثنا أبو نعيم حدثنا العلاء بن زهير ثنا عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة أنها اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وأفطرت وصمت، فقال: " أحسنت يا عائشة " وما عاب علي. قال أبو بكر النيسابوري: هكذا قال أبو نعيم عن عبد الرحمن عن عائشة ومن قال عن أبيه