← Джавами‘

Джавами‘ · id 11730

مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية - رشيد رضا

ابن تيمية

Полный текст (867 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

لأجل تمام الجهاد وخرجوا منها إلى غزوة حنين وهذا بخلاف من لا يقدم إلا للنسك فإنه لا يحتاج إلى أكثر من ثلاث. فعلم أن هذا التحديد لا يتعلق بالقصر ولا بتحديد السفر والذين حدوا ذلك بأربعة منهم من احتج بإقامة المهاجر وجعل يوم الدخول والخروج غير محسوب ومنهم من بنى ذلك على أن الأصل في كل من قدم لمصر أن يكون مقيماً يتم الصلاة لكن ثبتت الأربعة بإقامة النبي ﷺ في حجته فإنه أقامها وقصر، وقالوا في غزوة الفتح وتبوك أنه لم يكن عزم على إقامة مدة لأنه كان يريد عام الفتح غزو حنين وهذا الدليل مبني على أنه من قدم لمصر فقد خرج عن حد السفر وهو ممنوع بل هو مخالف للنص والإجماع والعرف، فإن التاجر الذي يقدم ليشتري سلعة أو يبيعها ويذهب هو مسافر عند الناس وقد يشتري السلعة ويبيعها في عدة أيام ولا يحد الناس في ذلك حداً. والذين قالوا يقصر إلى خمسة عشر قالوا: هذا غاية ما قيل وما زاد على ذلك فهو مقيم بالإجماع، وليس الأمر كما قالوه وأحمد أمر بالإتمام فيما زاد على الأربعة احتياطاً واختلفت الرواية عنه إذا نوى إقامة إحدى وعشرين هل يتم أو يقصر لتردد الاجتهاد في صلاة النبي ﷺ يوم الرابع فإن كان صلى الفجر بمبيته وهو ذو طوى فإنما صلى بمكة عشرين صلاة وإن كان صلى الصبح بمكة فقد صلى بها إحدى وعشرين صلاة والصحيح أنه إنما صلى الصبح يومئذ بذي طوى ودخل مكة ضحى وكذلك جاء مصرحاً به في أحاديث، قال أحمد في رواية الأثرم إذا عزم على أن يقيم أكثر من ذلك إثم واحتج بأن النبي ﷺ قدم لصبح رابعة

стр. 317

قال فأقام اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي ﷺ قصر فلماذا جمع على أكثر من ذلك إثم قال الأثرم قلت له: فلم لم يقصر على ما زاد من ذلك؟ قال: لأنهم اختلفوا فيأخذ بالأحوط فيتم. قال قيل لأبي عبد الله يقول أخرج اليوم أخرج غداً ليقصر؟ فقال: هذا شيء آخر هذا لم يعزم. فأحمد لم يذكر دليلاً على وجوب الإتمام إنما أخذ بالاحتياط وهذا لا يقتضي الوجوب وأيضاً فإنه معارض يقول من يوجب القصر ويجعله عزيمة في الزيادة، وقد روى الأثرم: حدثنا الفضل ابن دكين حدثنا مسعر عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن المسور قال: أقمنا مع سعد بعمّان أو بعمان شهرين فكان يصلي ركعتين ونصلي أربعاً فذكرنا ذلك له فقال: نحن أعلم. قال الأثرم: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن أيوب عن نافع أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول قال بعضهم: والثلج الذي يتفق في هذه المدة يعلم أنه لا يذوب في أربعة أيام فقد أجمع إقامة أكثر من أربعة. قال الأثرم: حدثنا مسلم ابن إبراهيم حدثنا هشام حدثنا يحيى عن حفص بن عبيد الله أن أنس ابن مالك أقام بالشام سنتين يقصر الصلاة. قال الأثرم: حدثنا الفضل بن دكين حدثنا هشام حدثنا ابن شهاب عن سالم قال: كان ابن عمر إذا أقام بمكة قصر الصلاة إلا أن يصلي مع الإمام وإن أقام شهرين إلا أن يجمع الإقامة، وابن عمر كان يقدم قبل الموسم بمدة طويلة حتى إنه كان أحياناً يحرم بالحج من هلال ذي الحجة، وهو كان من المهاجرين فما كان يحل له المقام بعد قضاء نسكه أكثر من ثلاث ولهذا

стр. 318

أوصى لما مات أن يدفن بسرف لكونها من الحل حتى لا يدفن في الأرض التي هاجر منها. وقال الأثرم: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال: ما كان ابن عمر يصلي بمكة إلا ركعتين إلا أن يرفع المقام ولهذا أقام مرة ثنتي عشر يصلي ركعتين وهو يريد الخروج وهذا يبين أنه كان يصلي قبل الموسم ركعتين مع أنه نوى الإقامة إلى الموسم وكان ابن عمر كثير الحج وكان كثيراً ما يأتي مكة قبل الموسم بمدة طويلة. قال الأثرم: حدثنا ابن الطباع حدثنا القاسم بن موسى الفقير عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن ابن محيريز أن أبا أيوب الأنصاري وأبا صرمة الأنصاري وعقبة بن عامر شتوا بأرض الروم فصاموا رمضان وقاموه وأتموا الصلاة. قال الأثرم: حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن منصور عن أبي وائل قال خرج مسروق إلى السلسلة فقصر الصلاة فأقام سنين يقصر حتى رجع وهو يقصر قيل يا أبا عائشة ما يحملك على هذا؟ قال: إتباع السنة. فصل: والذين لم يكرهوا أن يصلي المسافر أربعاً ظنوا أن النبي ﷺ فعل ذلك أو فعله بعض أصحابه على عهده، فأقره عليه وظنوا أن صلاة المسافر ركعتين، وأربعاً بمنزلة الصوم والفطر في رمضان وقد استفاضت الأحاديث الصحيحة بأنهم كانوا يسافرون مع النبي ﷺ فمنهم الصائم ومنهم المفطر، وهذا مما اتفق أهل العلم على صحته وأما ما ذكروه من التربيع فحسبه بعض أهل العلم صحيحاً وبذلك استدل الشافعي وبعض أصحاب أحمد قال الشافعي لما ذكر قول النبي ﷺ : " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته "

стр. 319

فدل على أن القصر في السفر بلا خوف صدقة من الله والصدقة رخصة لا حتم من الله أن يقصر ودل على أن يقصر في السفر بلا خوف إن شاء المسافر أن عائشة قالت: كل ذلك فعل رسول الله ﷺ أتم في السفر وقصر، قلت: وهذا الحديث رواه الدارقطني وغيره من حديث أبي عاصم حدثنا عمر بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم، قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح، قال البيهقي: ولهذا شاهد من حديث دلهم بن صالح والمغيرة بن زياد وطلحة بن عمر وكلهم ضعيف، وروي حديث دلهم من حديث عبيد الله بن موسى حدثنا دلهم بن صالح الكندي عن عطاء عن عائشة قالت: كنا نصلي مع النبي ﷺ إذا خرجنا إلى مكة أربعاً حتى نرجع. وروى حديث المغيرة وهو أشهرها عن عطاء عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم، وروى حديث طلحة بن عمر عن عطاء عن عائشة قالت: كل ذلك قد فعل رسول الله ﷺ قد أتم وقصر وصام وأفطر. قال البيهقي وقد قال عمر بن ذر كوفي ثقة: أنا عطاء بن أبي رباح أن عائشة كانت تصلي في السفر المكتوبة أربعاً وروى ذلك بإسناده ثم قال وهو كالموافق لرواية دلهم بن صالح وإن كان في رواية دلهم زيادة سند. قلت: أما ما رواه الثقة عن عطاء عن عائشة من أنها كانت تصلي أربعاً فهذا ثابت عن عائشة معروف عنها من رواية عروة وغيره عن عائشة وإذا كان إنما أسنده هؤلاء الضعفاء والثقاة وثقوه على عائشة دل ذلك على ضعف المسند ولم يكن ذلك شاهداً للمسند قال ابن حزم في هذا الحديث انفرد به المغيرة بن زياد ولم يروه غيره، وقد قال فيه أحمد بن حنبل:

стр. 320

ضعيف كل حديث أسنده منكر. قلت: فقد روي من غير طريقه لكنه ضعيف أيضاً وقد ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل أن أباه سئل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر وهو كما قال الإمام أحمد وإن كان طائفة من أصحابه قد احتجوا به موافقة لمن احتج به كالشافعي ولا ريب أن هذا حديث مكذوب على النبي ﷺ مع أن من الناس من يقول لفظه كان يقصر في السفر وتتم ويفطر وتصوم بمعنى أنها هي التي كانت تتم وتصوم وهذا أشبه بما روي عنها من غير هذا الوجه من أنه كذب عليها أيضاً. قال البيهقي: وله شاهد قوي بإسناد صحيح وروي من طريق الدارقطني من طريق محمد بن يوسف حدثنا العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة في رمضان، فأفطر رسول الله ﷺ وصمت وقصر وأتممت، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت قال: " أحسنت يا عائشة " ورواه البيهقي من طريق آخر عن القاسم بن الحكم ثنا العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة لم يذكر إياه. قال الدارقطني: الأول متصل وهو إسناد حسن وعبد الرحمن قد أدرك عائشة فدخل عليها وهو مراهق ورواه البيهقي من وجه ثالث من حديث أبي بكر النيسابوري ثنا عباس الدوري ثنا أبو نعيم حدثنا العلاء بن زهير ثنا عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة أنها اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وأفطرت وصمت، فقال: " أحسنت يا عائشة " وما عاب علي. قال أبو بكر النيسابوري: هكذا قال أبو نعيم عن عبد الرحمن عن عائشة ومن قال عن أبيه

стр. 321

في هذا الحديث فقد أخطأ. قلت: أبو بكر النيسابوري إمام في الفقه والحديث، وكان له عناية بالأحاديث الفقهية وما فيها من اختلاف الألفاظ وهو أقرب إلى طريقه أهل الحديث والعلم التي لا تعصب فيها لقول أحد من الفقهاء مثل أئمة الحديث المشهورين ولهذا رجح هذه الطريق وكذلك أهل السنن المشهورة لم يروه أحد منهم إلا النسائي ولفظه عن عائشة أنها اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وأفطرت وصمت، فقال: " أحسنت يا عائشة " وما عاب علي وهذا بخلاف من قد يقصد نصر قول شخص معين فتنطق له من الأدلة ما لو خلا عن ذلك القصد لم يتكلفه ولحكم ببطلانها. والصواب ما قاله أبو بكر وهو أن هذا الحديث ليس بمتصل وعبد الرحمن إنما دخل على عائشة وهو صبي ولم يضبط ما قالته وقال فيه أبو محمد بن حزم هذا الحديث تفرد به العلاء ابن زهير الأزدي لم يروه غيره وهو مجهول وهذا الحديث خطأ قطعاً فإنه قال فيه إنها خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة في رمضان ومعلوم باتفاق أهل العلم أن رسول الله ﷺ لم يعتمر في رمضان قط ولا خرج من المدينة في عمرة في رمضان بل ولا خرج إلى مكة في رمضان قط إلا عام الفتح فإنه كان حينئذ مسافراً في رمضان وفتح مكة في شهر رمضان سنة ثمان باتفاق أهل العلم وفي ذلك السفر كان أصحابه منهم الصائم ومنهم المفطر فلم يكن يصلي بهم إلا ركعتين ولا نقل أحد من أصحابه عنه أنه صلى في السفر أربعاً والحديث المتقدم خطأ كما سنبينه إن شاء الله تعالى، وعام فتح مكة لم يعتمر، بل ثبت بالنقول المستفيضة التي

стр. 322

اتفق عليها أهل العلم به إنما اعتمر بعد الهجرة أربع عمر منها ثلاث في ذي القعدة، والرابعة مع حجته: عمرة الحديبية لما صده المشركون فحل بالحديبية بالاحصار ولم يدخل مكة، وكانت في ذي القعدة، ثم اعتمر في العام القابل عمرة القضية، وكانت ذي القعدة أيضاً، ثم لما قسم غنائم حنين بالجعرانة اعتمر من الجعرانة، وكانت عمرته في ذي القعدة أيضاً، والرابعة مع حجته، ولم يعتمر بعد حجه لا هو ولا أحد ممن حج معه إلا عائشة لما كانت قد حاضت وأمرها أن تهل بالحج، ثم اعمرها مع أخيها عبد الرحمن من التنعيم، ولهذا قيل لما بني هناك من المساجد مساجد عائشة فإنه لم يعتمر أحد من الصحابة على عهد النبي ﷺ لا قبل الفتح ولا بعده عمرة من مكة إلا عائشة، فهذا كله تواترت به الأحاديث الصحيحة مثل ما في الصحيحين عن أنس أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجه: عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة في ذي القعدة حيث قسم غنائم حنين، وعمرة مع حجته. وهذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري اعتمر أربعاً عمرة الحديبية في ذي القعدة حيث صده المشركون، وعمرة في العام المقبل في ذي القعدة حيث صالحهم، وعمرة حنين من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين وعمرة مع حجته. وفي الصحيحين عن البرآء بن عازب قال: اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين. وهذا لفظ البخاري. وأراد بذلك العمرة التي أتمها وهي عمرة القضية والجعرانة، وأما الحديبية فلم يمكن إتمامها بل كان منحصراً لما صده المشركون وفيها أنزل الله آية الحصار

стр. 323

باتفاق أهل العلم وقد ثبت في الصحيح عن عائشة لما قيل لها إن ابن عمر قال: إن رسول الله ﷺ اعتمر في رجب فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا وهو معه وما اعتمر في رجب قط ما اعتمر إلا وهو معه. وفي رواية عن عائشة قالت: لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة وكذلك عن ابن عباس رواهما ابن ماجة. وقد روى أبو داود عنها قالت: اعتمر رسول الله ﷺ عمرتين عمرة في ذي القعدة وعمرة في شوال، وهذا إن كان ثابتاً عنها فلعله ابتداء سفره كان في شوال ولم تقل قط أنه اعتمر في رمضان فعلم أن ذلك خطأ محض. وإذا ثبت بالأحاديث الصحيحة أنه لم يعتمر إلا في ذي القعدة وثبت أيضاً أنه لم يسافر من المدينة إلى مكة ودخلها إلا ثلاث مرات عمرة القضية ثم غزوة الفتح ثم حجة الوداع وهذا مما لا يتنازع فيه أهل العلم بالحديث والسيرة وأحوال رسول الله ﷺ ولم يسافر في رمضان إلى مكة إلا غزوة الفتح كان كل من هذين دليلاً قاطعاً على أن هذا الحديث الذي فيه أنها اعتمرت معه في رمضان وقالت: أتممت وصمت فقال: أحسنت، خطأ محض. فعلم قطعاً أنه باطل لا يجوز لمن علم حاله أن يرويه عن النبي ﷺ لقوله: " من روى عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " ولكن من حدث من العلماء الذين لا يستحلون هذا فلم يعلموا أنه كذب. فإن قيل فيكون قوله في رمضان خطأ وسائر الحديث يمكن صدقه قيل بل جميع طرقه تدل على أن ذلك كان في رمضان لأنها قالت: قلت أفطرت وصمت وقصرت وأتممت فقال: أحسنت يا عائشة، وهذا إنما يقال في الصوم الواجب. وأما السفر في غير رمضان فلا يذكر فيه مثل

стр. 324

هذا لأنه معلوم أن الفطر فيه جائز، وأيضاً فقد روى البيهقي وغيره بالإسناد الثابت عن الشعبي عن عائشة أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين إلا المغرب ففرضت ثلاثاً فكان رسول الله ﷺ إذا سافر صلى الصلاة الأولى وإذا قام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب لأنها وتر والصبح لأنها تطول فيها القراءة فقد أخبرت عائشة أنه كان إذا سافر صلى الصلاة الأولى ركعتين ركعتين، فلو كان تارة يصلي أربعاً لأخبرت بذلك وهذا يناقض تلك الرواية المكذوبة على عائشة. وأيضاً فعائشة كانت حديثة السن على عهد النبي ﷺ فإن النبي ﷺ مات وعمرها أقل من عشرين سنة لما بنى بها بالمدينة كان لها تسع سنين وإنما أقام بالمدينة عشراً فإذا كان قد بنى بها في أول الهجرة كان عمرها قريباً من عشرين ولو قدر أنه بنى بها بعد ذلك لكان عمرها حينئذ أقل، وأيضاً فلو كانت كبيرة فهي إنما تتعلم الإسلام وشرائعه من النبي ﷺ فكيف يتصور أن تصوم وتصلي معه في السفر خلاف ما يفعله هو وسائر المسلمين وسائر أزواجه ولا تخبره بذلك حتى تصل إلى مكة؟ هل يظن مثل هذا بعائشة أم المؤمنين؟ وما بالها فعلت هذا في هذه السفرة دون سائر أسفارها معه؟ وكيف تطيب نفسها بخلافه من غير استئذانه وقد ثبت عنها في الصحيحين بالأسانيد الثابتة باتفاق أهل العلم أنها قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ثم أتمها في الحضر، وأقرت صلاة السفر على الفريضة. وهذا من رواية الزهري عن عروة عن عائشة ورواية أصحابه الثقات ومن رواية صالح بن كيسان عن عروة وعن عائشة يرويه مثل ربيعة ومن رواية الشعبي عن عائشة، وهذا مما اتفق أهل

стр. 325

العلم بالحديث على أنه صحيح ثابت عن عائشة فكيف تقدم مع رسول الله ﷺ على أن تصلي في السفر قبل أن تستأذنه وهي تراه والمسلمين معه لا يصلون إلا ركعتين، وأيضاً فهي لما أتمت الصلاة بعد موت النبي ﷺ لم يحتج بأنها فعلت ذلك على عهد النبي ﷺ ولا ذكر ذلك أخبر الناس بها عروة ابن أختها بل اعتذرت بعذر من جهة الاجتهاد كما رواه النيسابوري والبيهقي وغيرهما بالأسانيد الثابتة عن وهب بن جرير ثنا شعبة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كانت تصلي في السفر أربعاً فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: يا ابن أخي إنه لا يشق علي. وأيضاً فالحديث الثابت عن صالح بن كيسان أن عروة بن الزبير حدثه عن عائشة أن الصلاة حين فرضت كانت ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر على ركعتين وأتمت في الحضر أربعاً. قال صالح: فأخبر بها عمر بن عبد العزيز فقال: إن عروة أخبرني أن عائشة تصلي أربع ركعات في السفر قال: فوجدت عروة يوماً عنده فقلت: كيف أخبرتني عن عائشة فحدث مما حدثني به. فقال عمر: أليس حدثتني أنها كانت تصلي أربعاً في السفر قال: بلى. وفي الصحيحين عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر. قال الزهري: قلت فما شأن عائشة كانت تتم الصلاة؟ قال: أنها تأولت كما تأول عثمان، فهذا عروة يروي عنها أنها اعتذرت عن إتمامها بأنها قالت: لا يشق علي، وقال: إنها تأولت كما تأول عثمان، فدل ذلك على أن إتمامها كان بتأويل من اجتهادها ولو كان النبي ﷺ قد حسن لها

стр. 326

الإتمام أو كان هو قد أتم لكانت قد فعلت ذلك إتباعاً لسنة رسول الله ﷺ وكذلك عثمان، ولم يكن ذلك مما يتأول بالاجتهاد. ثم إن هذا الحديث أقوى ما اعتمد عليه من الحديث من قال بالإتمام في السفر وقد عرف أنه باطل فكيف بما هو أبطل منه وهو كون النبي ﷺ كان يتم في السفر ويقصر، وهذا خلاف المعلوم بالتواتر من سنته التي اتفق عليها أصحابه نقلاً عنه وتبليغاً إلى أمته، لم ينقل عنه قط أحمد من أصحابه أنه صلى في السفر أربعاً بل تواترت الأحاديث عنهم أنه كان يصلي في السفر ركعتين هو وأصحابه. والحديث الذي يرويه زيد العمي عن أنس بن مالك قال: إنا معاشر أصحاب رسول الله ﷺ كنا نسافر فمنا الصائم ومنا المفطر، ومنا المتم ومنا المقصر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المتم على المقصر. هو كذب بلا ريب وزيد العمي ممن اتفق العلماء على أنه متروك والثابت عن أنس إنما هو في الصوم، ومما يبين ذلك أنهم في السفر مع النبي ﷺ لم يكونوا يصلون فرادى بل كانوا يصلون بصلاته بخلاف الصوم فإن الإنسان قد يصوم وقد يفطر فهذا الحديث من الكذب، وإن كان البيهقي روى هذا فهذا مما أنكر عليه ورآه أهل العلم لا يستوفي الآثار التي لمخالفيه كما يستوفي الآثار التي له، وأنه يحتج بآثار لو احتج بها مخالفوه لأظهر ضعفها وقدح فيها، وإنما أوقعه في هذا مع علمه ودينه ما أوقع أمثاله ممن يريد أن يجعل آثار النبي ﷺ موافقة لقول واحد من العلماء دون آخر فمن سلك هذه السبيل دحضت حججه وظهر عليه نوع من التعصب بغير الحق كما يفعل ذلك من يجمع الآثار ويتأولها في كثير من المواضع

стр. 327

بتأويلات يبين فسادها ليوافق القول الذي ينصره كما يفعله صاحب شرح الآثار أبو جعفر مع أنه يروي من الآثار أكثر مما يروي البيهقي لكن البيهقي ينقي الآثار ويميز بين صحيحها وسقيمها أكثر من الطحاوي. والحديث الذي فيه أنه ﷺ كان يقصر ويتم ويفطر ويصوم قد قيل أنه مصحف وإنما لفظه كان يقصر وتتم هي بالتاء ويفطر وتصوم هي ليكون معنى هذا الحديث معنى الحديث الآخر الذي إسناده أمثل منه فإنه معروف عن عبد الرحمن بن الأسود لكنه لم يحفظ عن عائشة. وأما نقل هذا الآخر عن عطاء فغلط على عطاء قطعاً وإنما الثابت عن عطاء أن عائشة كانت تصلي في السفر أربعاً كما رواه غيره، ولو كان عند عائشة عن النبي ﷺ في ذلك سنة لكانت تحتج بها، ولو كان ذلك معروفاً من فعله لم تكن عائشة أعلم بذلك من أصحابه الرجال الذين كانوا يصلون خلفه دائماً في السفر فإن هذا السفر مما تكون عائشة أعلم به من غيرها من الرجال كقيامه بالليل واغتساله من الإكسال فضلاً عن أن تكون مختصة بعلمه، بل أمور السفر أصحابه أعلم بحاله فيها من عائشة لأنها لم تكن تخرج معه في كل أسفاره فإنه قد ثبت في الصحيح عنها أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيهن خرج سهمها خرج بها معه، فإنما كان يسافر بها أحياناً وكانت تكون مخدرة في خدرها وقد ثبت عنها في الصحيح أنها لما سألها شريح بن هاني عن المسح على الخفين قالت: سل علياً فإنه كان يسافر مع النبي ﷺ هذا والمسح على الخفين أمر قد يفعله النبي ﷺ في منزله في السفر فتراه دون الرجال بخلاف الصلاة المكتوبة فإن النبي ﷺ لم يكن يصليها في الحضر ولا في

стр. 328

السفر إلا إماماً بأصحابه، إلا أن يكون له عذر من مرض أو غيبة لحاجة كما غاب يوم ذهب ليصلح بين أهل قباء وكما غاب في السفر للطهارة فقدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم الصبح، ولما حضر النبي ﷺ حسن ذلك وصوبه، وإذا كان الإتمام إنما كان والرجال يصلون خلفه فهذا مما يعلمه الرجال قطعاً وهو

стр. 329

مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله فإن ذلك مخالف لعادته في عامة أسفاره فلو فعله أحياناً لتوفرت هممهم ودواعيهم على نقله كما نقلوا عنه المسح على الخفين لما فعله، وإن كان الغالب عليه الوضوء وكما نقلوا عنه الجمع بين الصلاتين أحياناً، وإن كان الغالب عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها الخاص، مع أن مخالفة لسنته أظهر من مخالفة بعض الوقت لبعض فإن الناس لا يشعرون بمرور الأوقات كما يشعرون بما يشاهدونه من اختلاف العذر فإن هذا أمر يرى بالعين إلى تأمل واستدلال بخلاف خروج وقت الظهر وخروج وقت المغرب فإنه يحتاج إلى تأمل، ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى أن جمعه إنما كان في غير عرفة ومزدلفة بأن يقدم الثانية ويؤخر الأولى إلى آخر وقتها، وقد روي أنه كان يجمع كذلك فهذا مما يقع فيه شبهة بخلاف الصلاة أربعاً لو فعل ذلك في السفر فإن هذا لم يكن يقع فيه شبهة ولا نزاع، بل كان ينقله المسلمون ومن جوز عليه أن يصلي في السفر أربعاً - ولا ينقله أحد من الصحابة، ولا يعرف قط إلا من رواية واحد مضعف عن آخر عن عائشة، والروايات الثابتة عن عائشة لا توافقه بل تخالفه - فإنه لو روي له بإسناد من هذا الجنس أن النبي ﷺ صلى الفجر مرة أربعاً لصدق ذلك، ومثل هذا ينبغي أن يصدق بكل الأخبار التي من هذا الجنس التي ينفرد فيه الواحد، مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، ويعلم أنه لو كان حقاً لكان ينقل ويستفيض، وهذا في الضعف مثل أن ينقل عنه أنه قال لأهل مكة بعرفة ومزدلفة ومنى: " أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر " وينقل ذلك عن عمر ولا ينقل إلا من طريق ضعيف، مع العلم بأن ذلك لو كان حقاً لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، وذلك مما روى أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي نضرة، قال: سأل سائل عمران بن الحصين عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر فقال: إن هذا الفتى يسألني عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر، فاحفظوهن عني، ما سافرت مع رسول الله ﷺ سفراً قط، إلا صلى ركعتين حتى يرجع، وشهدت مع رسول الله ﷺ حنيناً والطائف فكان يصلي ركعتين، ثم حججت معه واعتمرت فصلى ركعتين ثم قال: " يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر " ثم حججت مع أبي بكر واعتمرت فصلى ركعتين ركعتين، ثم قال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، ثم حججت مع عمر واعتمرت فصلى ركعتين وقال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، ثم حججت مع عثمان واعتمرت فصلى ركعتين ركعتين، ثم إن عثمان أتم، فما ذكره في هذا الحديث من أن النبي ﷺ لم يصل في السفر قط إلا ركعتين، هو مما اتفقت عليه سائر الروايات، فإن جميع الصحابة إنما نقلوا عن النبي ﷺ أنه صلى في السفر ركعتين. تمرت فصلى ركعتين وقال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، ثم حججت مع عثمان واعتمرت فصلى ركعتين ركعتين، ثم إن عثمان أتم، فما ذكره في هذا الحديث من أن النبي ﷺ لم يصل في السفر قط إلا ركعتين، هو مما اتفقت عليه سائر الروايات، فإن جميع الصحابة إنما نقلوا عن النبي ﷺ أنه صلى في السفر ركعتين. وأما ما ذكره من قوله: " يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر " فهذا مما قاله بمكة عام الفتح، لم يقله في حجته، وإنما هذا غلط وقع في هذه

стр. 330

الرواية. وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن حميد عن حماد بإسناده، رواه البيهقي من طرقه ولفظه: ما سافر رسول الله ﷺ سفراً إلا صلى ركعتين، حتى يرجع ويقول: " يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر " وغزا الطائف وحنين، فصلى ركعتين وأتى الجعرانة فاعتمر منها، وحججت مع أبي بكر واعتمرت، فكان يصلي ركعتين، وحججت مع عمر بن الخطاب فكان يصلي ركعتين، فلم يذكر قوله إلا عام الفتح، قبل غزوة حنين والطائف، ولم يذكر ذلك عن أبي بكر وعمر، وقد رواه أبو داود في سننه صريحاً من حديث ابن علية: حدثنا علي بن زيد عن أبي نضرة عن عمران بن حصين قال: عرفت مع النبي ﷺ وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة يصلي ركعتين يقول: " يا أهل البلد صلوا أربعاً فإنا قوم سفر " وهذا إنما كان في غزوة الفتح في نفس مكة لم يكن بمنى، وكذلك الثابت عن عمر أنه صلى بأهل مكة في الحج ركعتين، ثم قال عمر بعد ما سلم: أتموا الصلاة يا أهل مكة فإنا قوم سفر. هذا ومما يبين ذلك أن هذا لم ينقله عن النبي ﷺ أحد من الصحابة، لا ممن نقل صلاته ولا ممن نقل نسكه وحجه مع توفر الهمم والدواعي على نقله، مع أن أئمة فقهاء الحرمين كانوا يقولون أن المكيين يقصرون الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى، أفيكون كان معروفاً عندهم عن النبي ﷺ خلاف ذلك؟ أم كانوا جهالاً بمثل هذا الأمر الذي يشيع ولا يجهله أحد ممن حج مع النبي ﷺ ؟. وفي الصحيحين عن حارثة بن خزاعة قال: صلينا مع النبي ﷺ بمنى أكثر ما كنا وآمنه ركعتين. حارثة هذا خزاعي وخزاعة منزلها حول مكة.

стр. 331

وفي الصحيحين عن عبد الله بن زيد قال: صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع وقال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين. وإتمام عثمان ﵁ قد قيل أنه كان لأنه تأهل بمكة، فصار مقيماً، وفي المسند عن عبد الرحمن بن أبي ذآب، أن عثمان صلى بمنى أربع ركعات، فأنكر الناس عليه فقال: يا أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من تأهل في بلد فليصل صلاة مقيم بمكة ثلاثة أيام ويقصر الرابعة " فإنه يقصر كما فعل النبي ﷺ وهو لا يمكنه أن يقيم بها أكثر من ذاك، فإن عثمان كان من المهاجرين، وكان المقام بمكة حراماً عليهم. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ رخص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً، وكان عثمان إذا اعتمر يأمر براحلته، فتهيأ له فيركب عليها عقب العمرة، لئلا يقيم بمكة فكيف يتصور أنه يعتقد أنه صار مستوطناً بمكة إلا أن يقال أنه جعل التأهل إقامة لا إستيطاناً، فيقال معلوم أن من أقام بمكة ثلاثة أيام، فإنه يقصر كما فعل النبي ﷺ وهو لا يمكنه أن يقيم بها أكثر من ذلك، لكن قد يكون نفس التأهل مانعاً من القصر، وهذا أيضاً بعيد فإن أهل مكة كانوا يقصرون خلف النبي ﷺ وخلفائه بمنى، وأيضاً فالأمراء بعد عثمان من بني أمية كانوا يتمون إقتداءً به، ولو كان عذره مختصاً به لم يفعلوا ذلك، وقيل إنه خشي أن الأعراب يظنون أن الصلاة أربع وهذا أيضاً ضعيف، فإن الأعراب كانوا في زمن النبي ﷺ أجهل

стр. 332

منهم في زمن عثمان، ولم يتمم الصلاة وأيضاً فهم يرون صلاة المسلمين في المقام أربع ركعات، وأيضاً فظنهم أن السنة في صلاة المسافر أربع خطأ منهم، فلا يسوغ مخالفة السنة ليحصل بالمخالفة ما هو بمثل ذلك، وعروة قد قال أن عائشة تأولت كما تأول عثمان، وعائشة أخبرت أن الإتمام لا يشق عليها (١) ، أن يكون ذلك كما رآه من رآه لأجل شقة السفر، ورأوا أن الدنيا لما اتسعت عليهم لم يحصل لهم من المشقة ما كان يحصل على من كان صلى أربعاً، كما قد جاء عن عثمان من نهيه عن المتعة التي هي الفسخ، أن ذلك كان لأجل حاجتهم، إذ ذاك إلى هذه المتعة فتلك الحاجة قد زالت. تمت. جاء في آخر النسخة التي طبعنا عنها هذه الرسالة ما نصه: هذا آخر ما وجدته من هذه القاعدة الجليلة، للشيخ تقي الدين بن تيمية، وكان المنقول عنها يقول كاتبها أنه نقلها من نسخة بخط ابن المقيم ﵏ وقد وقع الفراغ غداة يوم الجمعة ٨ صفر سنة ١٣٤١ في المدرسة الداودية من بغداد المحمية، وأنا الفقير عبد الكريم بن السيد عباس الأزجي والحمد لله رب العالمين.

стр. 333

الجزء الثالث كتاب مذهب السلف القويم في تحقيق مسألة كلام الله الكريم مجموع من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله سره وما حققه في مواضع من كتبه ومؤلفاته علق عليه: السيد محمد رشيد رضا

стр. 334

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الإمام أبو الحسن بن عروة رحمه الله تعالى في الكواكب (١) : نقل من سؤال قدم من بلاد كيلان في مسألة القرآن إلى دمشق في سنة أربع وسبعمائة من جهة سلطان تلك البلاد على يد قاضيها، لأجل معرفة الحق من الباطل عندما كثر عندهم الاختلاف والاضطراب، ورغب كل من الفريقين في قبول كلام شيخ الإسلام أبي العباس أحمد ابن تيمية في هذا الباب، فأملاه شيخ الإسلام في المجلس، وكتبه أحمد بن محمد بن مري الشافعي بخط جيد قوي، ثم إن كاتب هذه الأوراق اطلع على هذه الفتوى يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وثمانمائة فاخترت لنفسي منها مواضع نقلتها في هذه الأوراق إذا الجواب طويل جداً. صورة السؤال: ما تقول السادة أئمة الدين ﵃ في قوم يقولون: إن كلام الناس وغيرهم قديم، سواء كان الكلام (٢) صدقاً أو كذباً، فحشاً أو غير فحش، نظماً أو نثراً ولا فرق بين كلام الله وكلامهم في القدم إلا من جهة الثواب. وقال قوم منهم بل أكثرهم: أصوات الحمير والكلاب كذلك (٣) لما قرئ عليهم ما نقل عن الإمام أحمد رداً على قولهم تأولوا ذلك القول وقالوا إن أحمد إنما قال ذلك خوفاً من الناس، فهل هم مصيبون أو مخطئون؟ فإذا كانوا مخطئين فهل على ولي الأمر

стр. 335

وفقه الله ردعهم وزجرهم عن ذلك أم لا؟ وإذا وجب زجرهم فهل يكفرون إن أصروا أم لا؟ وهل الذي نقل عن الإمام أحمد حق، أو هو كما يزعمون؟ أفتونا مأجورين. أجاب الإمام العلامة شيخ الإسلام قامع البدع ومظهر الحق للخلق أبو العباس أحمد بن تيمية: الحمد لله بل هؤلاء مخطئون في ذلك خطأً محرماً فاحشاً بإجماع المسلمين، وقد قالوا منكراً من القول وزوراً، بل كفراً وضلالاً ومحالاً، ويجب نهيهم عن هذا القول الفاحش، ويجب على ولاة الأمور عقوبة من لم ينته منهم عن ذلك جزاءً بما كسب نكالاً من الله، فإن هذا القول مخالف للعقل والنقل والدين، مناقض للكتاب والسنة وإجماع المؤمنين، وهي بدعة شنيعة لم يقلها قط أحد من علماء المسلمين، لا من علماء السنة ولا من علماء البدعة، ولا يقولها عاقل يفهم ما يقول، ولا يحتاج في مثل هذا الكلام الذي فساده معلوم ببداهة العقل أن يحتج له بنقل عن إمام من الأئمة، إلا من جهة أن رده وإنكاره منقول عن الأئمة، وإن قائله مخالف للأمة مبتدع في الدين، ولتزول بذلك شبهة من يتوهم أن قولهم من لوازم قول أحد من السلف، وليعلم أنهم مخالفون لمذاهب الأئمة المقتدى بهم، بل قول الأئمة مناقض لقولهم، فإن الأئمة كلهم نصوا على أن كلام الآدميين مخلوق، بل نص أحمد على أن فعال العباد مخلوقة عموماً وعلى كلام الآدميين خصوصاً، لم يمتنعوا عن هذا الإطلاق لأجل الشبهة التي عرضت لمثل هؤلاء المبتدعة. ثم ساق الشيخ كلاماً طويلاً إلى أن قال: ومن المشهورفي كتاب صريح السنة لمحمد بن جرير الطبري - وهو متواتر عنه - لما ذكر الكلام في أبواب السنة قال: وأما القول في ألفاظ العباد بالقرآن فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي مضى، ولا عن تابعي قفا، إلا عمن في قوله الشفا والغنى، وفي إتباعه الرشد والهوى، ومن قام مقام الأئمة الأول: أبي عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل، فإن أبا إسماعيل الترمذي

стр. 336

حدثني قال: سمعت أبا عبد الله يقول: اللفظية جهمية. قال ابن جرير: سمعت من أصحابنا لا أحفظ أسماءهم يحكون عنه أنه كان يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. قال ابن جرير: القول في ذلك عندنا لا يجوز أن يقول أحد غير قوله، إذ لم يكن إمام قائم به سواه، وفيه كفاية لكل متبع، وقناعة لكل مقتنع، وهو الإمام المتبع. وقال صالح بن الإمام أحمد: بلغ أبي أن أبا طالب يحكي عن أبي أنه يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فقال: ابعث إلى أبي طالب، فوجهت إليه فجاء فقال له أبي: أنا قلت لك لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ وغضب أبي وجعل يرتعد، فقال له: قرأت عليك: " قل هو الله أحد " فقلت لي: هذا ليس بمخلوق، فقال له: فلم حكيت عني أني قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ وبلغني أنك وضعت ذلك في كتابك وكتبت به إلى قوم، فإن كان في كتابك فامحه أشد المحو، واكتب إلى القوم الذين كتبت إليهم أني لم أقل هذا، وغضب وقال له: تحكي عني ما ألم أقل؟ فجعل فوزان يعتذر إليه (١) . وانصرف من عنده وهو مرعوب، فعاد أبو طالب فذكر أنه حكى ذلك من كتابه وكتب إلى أولئك القوم يخبرانه وهم علي أبي عبد الله في الحكاية عنه، قال أبو عبد الله: القرآن حيث تصرف غير مخلوق. وقال عبد الوهاب الوراق: من قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فإنه يهجر ولا يكلم ويحذر منه، وذكر الخلال في كتاب القراءة عن إسحاق بن إبراهيم قال: قال أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - وكنت سألته عن قوله (٢) : من لم يتغن بالقرآن، قال: هو الرجل يرفع صوته به فهذا معناه إذا رفع صوته فقد تغنى به، وعن منصور وصالح أنه قال لأبيه يرفع صوته بالقرآن بالليل؟ قال: نعم إن شاء رفع، ثم ذكر

стр. 337

حديث أم هانئ: كنت أسمع قراءة النبي ﷺ وأنا على عريشي من الليل. وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن القراءة بالألحان فقال: كل شيء محدث فإنه لا يعجبني إلا أن يكون صوت رجل لا يتكلفه. قال: وأما قول القائل أن أحمد قال ذلك خوفاً من الناس فبطلان هذا القول يعلمه كل عاقل بلغه شيء من أخبار أحمد، وقائل هذا هو إلى العقوبة البليغة أحوج منه إلى جوابه لافترائه على الأئمة، فإن الإمام أحمد صار مثلاً سائراً يضرب به المثل في المحنة، والصبر على الحق، فإنه لم يكن يأخذه في الله لومة لائم، حتى صارت الإمامة مقرونة باسمه في لسان كل أحد فيقال قال الإمام أحمد وهذا مذهب الإمام أحمد لقوله تعالى: " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون " فإنه أعطي من الصبر واليقين، وينال به الإمامة في الدين، وقد تداوله ثلاثة خلفاء يسلطون عليه من شرق الأرض إلى غربها ومعهم من العلماء المتكلمين والقضاة والوزراء والسعاة والأمراء والولاة ما لا يحصيه إلا الله، فبعضهم تسلط عليه بالحبس، وبعضهم بالتهديد الشديد، وبعضهم يعده بالقتل، وبغيره من الرعب، وبعضهم بالترغيب في الرياسة والمال، وبعضهم بالنفي والتشريد من وطنه، وقد خذله في ذلك أهل الأرض حتى أصحابه العلماء والصالحون، وهو مع ذلك لا يجيبهم إلى كلمة واحدة مما طلبوا منه، وما رجع عما جاء به الكتاب والسنة ولا كتم العلم، ولا استعمل التقية، بل قد أظهر من سنة رسول الله ﷺ وآثاره ما دفع به البدع المخالفة لذلك مما لم يتأت مثله لعالم من نظرائه، ولهذا قال بعض علماء الشام لم يظهر أحد ما جاء به الرسول كما أظهره أحمد بن حنبل، فكيف يظن به أنه كان يخاف هذه الكلمة التي لا قدر لها، وأيضاً فمن أصوله أنه لا يقول في الدين قولاً مبتدعاً، فكيف بكلمة ما قالها أحد قبله. قال: فالمنتسبون إلى السنة والحديث وإن كانوا أصلح من غيرهم وفيهم من الخير

стр. 338

ما لا يوجد في غيرهم، فإن السنة في الإسلام كالإسلام في الملل، فكما أنه يوجد في المنتسبين إلى الإسلام ما يوجد في غيرهم من الخير فهو في المسلمين أكثر وكل شر في المسلمين فهو في غيرهم أكثر، فكذلك المنتسبون إلى السنة قد يوجد فيهم من الخير ما لا يوجد في غيرهم، وإن كان في غيرهم خير فهو فيهم أكثر، وكل شر فيهم فهو في غيرهم أكثر. قال: ويجب القطع بأن كلام الآدميين مخلوق ويطلق القول بذلك إطلاقاً ولا يحتاج إلى تفصيل بأن يقال نظمه أو تأليفه أو غير ذلك، وذلك لأن كلام المتكلم هو عبارة عن ألفاظه ومعانيه، وعامة ما يوجد في كتاب الله وسنة رسوله وكلام السلف وسائر الأمم عربهم وعجمهم فإنه عند إطلاقه يتناول اللفظ والمعنى جميعاً لشموله لهما فيقال عن كلام الله وهو القرآن هذا كلام الله وهذا كلام فلان. قال: وأما الأمة الوسط الباقون على الفطرة فيقولون لما بلغه المبلغ عن غيره وأداه: هذا كلام ذاك لا كلامك وإنما بلغته بقولك، كما قال أبو بكر الصديق لما خرج على قريش فقرأ " ألم، غلبت الروم في أدنى الأرض " الآية. فقالوا هذا كلامك أو كلام صاحبك؟ فقال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي ولكنه كلام الله. وفي سنن أبي داود من حديث جابر أن رسول الله ﷺ كان يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: " ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي " فبين أن ما يبلغه ويتلوه هو كلام الله لا كلامه وإن كان يبلغه بأفعاله وصوته، والأمم متفقون على هذا إذا سمعوا من يروي قصيدة أو كلاماً أو قرآناً، أو مسألة قالوا هذا كلام فلان وقوله فإنه هو الذي اتصف به وألفه وأنشأه. قال: وكذلك من تبع آباءه الذين سلفوا من غير اعتصام منه بالكتاب والسنة والإجماع فإنه ممن ذمه الله في كتابه في مثل قوله: " وإذا قيل لهم تعالوا إلى

стр. 339

ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا " وفي قوله: " يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا، وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا " الآية. وكذلك من اتبع الظنون والأهواء معتقداً أنها عقليات وذوقيات فهو ممن قال الله فيه: " إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى " وإنما يفصل بين الناس فيما تنازعوا فيه الكتاب المنزل من السماء والرسول المؤيد بالمعجزات كما قال تعالى: " فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه " وقال: " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً " وقال: " بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه " الآية. وقال: " إن الذين آمنوا والذين هادوا " الآية. فأخبر سبحانه عمن مضى ممن كان متمسكاً بدين حق من اليهود والنصارى والصابئين وعن المؤمنين بعد مبعث محمد من جميع الأمم إن من تلبس بهذه الخصال من سائر الأمم وهي جماع الصلاح وهي الإيمان بالله والبعث والمعاد والإيمان بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً وهو أداء المأمورات وترك المحظورات فإن له أجره عند ربه ولا خوف عليه مما أمامه ولا يحزن على ما وراءه، وإسلام الوجه هو إخلاص الدين لله وهو عبادته وحده لا شريك له وهو حقيقة قول: " إياك نعبد وإياك نستعين " وهو محسن، فالأول وهو إسلام الوجه وهو النية وهذا الثاني وهو الإحسان هو العمل الصالح. وهذا الذي ذكره في هاتين الآيتين هو الإيمان العام والإسلام العام الذي أوجبه على جميع عباده من الأولين والآخرين، وهو دين الله العام الذي بعث به جميع الرسل وأنزل به جميع الكتب. فكان أول بدعة حدثت في هذه الأمة بدعة الخوارج المكفرة بالذنوب فإنهم يكفرون الفاسق الملي، فزعمت الخوارج والمعتزلة أن الذنوب الكبيرة - ومنهم

стр. 340

من قال والصغيرة - لا تجامع الإيمان أبداً بل تنافيه وتفسده كما يفسد الأكل والشرب الصيام، قالوا: والإيمان هو فعل المأمور وترك المحظور فمتى بطل بعضه بطل كله كسائر المركبات فيكون العاصي كافراً لأنه ليس إلا مؤمن أو كافر، وقالت المعتزلة: ننزله منزلة بين المنزلتين: نخرجه من الإيمان ولا ندخله في الكفر، وقابلتهم المرجئة والجهمية ومن اتبعهم من الأشعرية والكرامية فقالوا: ليس من الإيمان فعل الأعمال الواجبة ولا ترك المحظورات البدنية فإن الإيمان لا يقبل الزيادة ولا النقصان، بل هو شيء واحد يستوي فيه جميع المؤمنين من الملائكة والمقتصدين والمقربين والظالمين. وأما السلف والأئمة فاتفقوا على أن الإيمان قول وعمل، فيدخل في القول قول القلب واللسان، وفي العمل عمل القلب والأركان، وقال المنتصرون لمذهبهم (١) أن للإيمان أصولاً وفروعاً وهو مشتمل على أركان وواجبات ومستحبات بمنزلة اسم الحج والصلاة وغيرها من العبادات، فإن اسم الحج يتناول كل ما يشرع فيه من فعل أو ترك مثل الإحرام ومثل ترك محظوراته والوقوف بعرفة ومزدلفة ومنى والطواف بالبيت وبين الجبلين المكتنفين له وهما الصفا والمروة. ثم الحج مع هذا اشتمل على أركان متى تركت لم يصح الحج كالوقوف بعرفة، وعلى ترك محظور متى فعله فسد حجه وهي الوطء، ومشتمل على واجبات من فعل وترك يأثم بتركها عمداً، ويجب مع تركها لعذر أو غيره الجبران بدم، كالإحرام من المواقيت المكانية، والجمع بين الليل والنهار بعرفة، وكرمي الجمار ونحو ذلك، ومشتمل على مستحبات من فعل وترك يكمل الحج بها ولا يأثم بتركها ولا توجب دماً، مثل رفع الصوت بالإهلال والإكثار منه وسوق الهدي وذكر الله ودعائه في تلك المواضع، وقلة الكلام إلا في أمر أو نهي أو ذكر: من فعل الواجب

стр. 341

وترك المحظور فقد تم حجه وعمرته لله وهو مقتصد من أصحاب اليمين في هذا العمل، لكن من أتى بالمستحب فهو أكمل منه وأتم حجاً وعملاً وهو سابق مقرب، ومن ترك المأمور وفعل المحظور لكنه أتى بأركانه وترك مفسداته فهو حج ناقص يثاب على ما فعله من الحج ويعاقب على ما تركه، وقد سقط عنه أصل الفرض بذلك مع عقوبته على ما ترك، ومن أخل بركن أو فعل مفسداً فحجه فاسد لا يسقط به فرضه بل عليه إعادته، مع أنه قد تنازعوا في إثباته على ما فعله وإن لم يسقط به الفرض، والأشبه أنه يثاب عليه، فصار الحج ثلاثة أقسام كاملاً بالمستحبات، وتاماً بالواجبات فقط، وناقصاً عن الواجب، والفقهاء يقسمون الوضوء إلى كامل فقط ومجزئ، ويريدون بالكامل ما أتى بمفروضه ومسنونه بالمجزئ ما اقتصر على واجبه، فهذا في الأعمال المشروعة وكذلك في الأعيان المشهودة فإن الشجرة مثلاً اسم لمجموع الجذع والأغصان وهي بعد ذهاب الورق شجرة كاملة وبعد ذهاب الأغصان شجرة ناقصة، فليكن مثل ذلك في مسمى الإيمان. والذين قالوا (١) الإيمان ثلاث درجات: إيمان السابقين المقربين، وهو ما أتي فيه بالواجبات والمستحبات من فعل وترك، وإيمان المقتصدين أصحاب اليمين وهو ما ترك صاحبه فيه بعض الواجبات، أو فعل فيه بعض المحظورات، ولهذا قال علماء السنة: لا يكفر أحد بذنب، إشارة إلى بدعة الخوارج الذين يكفرون بالذنب، وإيمان الظالمين لأنفسهم وهو من أقر بأصل الإيمان وهو الإقرار بما جاءت به الرسل عن الله وهو شهادة أن لا إله إلا الله ولم يفعل المأمورات ويجتنب المحظورات، فإن أصل الإيمان التصديق والانقياد فهذا أصل الإيمان الذي من لم يأت به فليس بمؤمن وقد تواتر في الأحاديث: " أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان - مثقال حبة من خير - مثقال ذرة من خير " و " الإيمان بضع وستون أو بضع

стр. 342

وسبعون (١) شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان " فعلم أن الإيمان يقبل التبعيض والتجزئة، وإن قليله يخرج به صاحبه من النار إن دخلها، وليس كما يقوله الخارجون عن مقالة أهل السنة أنه لا يقبل التبعيض والتجزئة بل هو شيء واحد إما أن يحصل كله وإما أن لا يحصل منه شيء. واعلم أن عامة السور المكية التي أنزلها الله بمكة هي في هذا الإيمان العام المشترك بين الأنبياء جميعهم، وهذا القدر المشترك هو في بعض الملل أعظم قدراً ووصفاً، فإن ما جاء به محمد من صفات الله وأسمائه وذكر اليوم الآخر أكمل مما جاء به سائر الأنبياء ومنه ما تختلف الشرائع والمناهج كالقبلة والنسك ومقادير العبادات وأوقاتها وصفاتها والسنن والأحكام وغير ذلك، فمسمى الإيمان والدين في أول الإسلام ليس هو مسماه في آخر زمان النبوة، بل مسماه في الآخر أكمل من مسماه في أول البعثة وأوسطها، كما قال تعالى في آخر الأمر: " اليوم أكملت لكم دينكم " وقال بعدها: " ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله " ولهذا قال الإمام أحمد: كان الإيمان في أول الإسلام ناقصاً فجعل يتم، وهكذا مسمى الإيمان والدين قد يتنوع بحسب الأشخاص، وبحسب أمر الله كلاً منهم، وبحسب ما يفعله مما أمر به، وبحسب إقباله وحضوره وإخلاصه، فإن المؤمنين من الأولين والآخرين مشتركون في الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح ولكن بينهم تفاوت ما في القلوب إذا ذكر الله وما في اليوم الآخر ما تفاوت به الإيمان، فعند ذكر الجنة والنجاة من النار وذم من ترك بعضه ونحو ذلك يزداد الإيمان الواجب لقوله: " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا " الآية. وقوله: " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً " الآيات.

стр. 343

وقوله: " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع " الآية. وقوله في الجنة: " أعدت للذين آمنوا بالله ورسوله ". وقوله ﷺ : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " الحديث نفى الإيمان الواجب عنه الذي يستحق به الجنة ولا يستلزم ذلك نفي أصل الإيمان وسائر أجزائه وشعبه هذا معنى قولهم نفي كمال الإيمان، وحقيقة ذلك أن الكمال الواجب ليس هو الكمال المستحب المذكور في قول الفقهاء: الغسل كامل ومجزئ، ومنه قوله ﵇: " من غشنا فليس منا " ليس المراد به أنه كافر كما تأولته الخوارج ولا أنه ليس من خيارنا كما تأولته المرجئة، ولكن المضمر يطابق المظهر، والمظهر هو المؤمنون المستحقون للثواب، السالمون من العذاب، والغاش ليس منا (١) لأنه متعرض لعذاب الله وسخطه. إذا تبين هذا فمن ترك بعض الإيمان الواجب في الجملة لعجزه عنه إما لعدم تمكنه من العلم أو لعدم تمكنه من العمل لم يكن مأموراً بما يعجز عنه، ولم يكن ذلك من الإيمان والدين الواجب في حقه، وإن كان من الدين والإيمان الواجب في الأصل، بمنزلة صلاة المريض والخائف وسائر أهل الأعذار الذين يعجزون عن إتمام الصلاة فإن صلاتهم صحيحة بحسب ما قدروا عليه وبه أمروا، وإن كانت صلاة القادر على الإتمام أفضل، وأكمل كما قال النبي ﷺ : " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير " رواه مسلم من حديث أبي هريرة وفي حديث حسن السياق: " إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس " ولو أمكنه العلم به دون العمل لوجب الإيمان به علماً واعتقاداً وإن لم يعمل به. قال فإن الله قد بين بنصوص معروفة أن الحسنات يذهبن بالسيئات، وأنه من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، وإن مصائب الدنيا تكفر الذنوب، وأنه يقبل شفاعة النبي ﷺ في أهل الكبائر،

стр. 344

وأنه يغفر الذنوب جميعاً، ويغفر ما دون الشرك، وأن الصدقة يبطلها المن والأذى، وأن الرياء يبطل العمل، ونحو ذلك، فجعل للسيئات ما يوجب رفع عقابها، كما قد جعل للحسنات ما قد يبطل ثوابها، لكن ليس شيء يبطل جميع السيئات إلا التوبة، كما أنه ليس شيء يبطل جميع الحسنات إلا الردة، وبهذا يتبين أنا نشهد بأن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً على الإطلاق والعموم، ولا نشهد لمعين أنه في النار لأنا لا نعلم لحوق الوعيد له بعينه، لأن لحوق الوعيد بالمعين مشروط بشروط وانتفاء موانع، ونحن لا نعلم ثبوت الشروط وانتفاء الموانع في حقه. وفائدة هذا الوعيد أن هذا الذنب سبب مقتضٍ لهذا العذاب، والسبب قد يقف تأثيره على وجود شرطه وانتفاء مانعه. يبين هذا أنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها، وثبت عنه في الصحيح أن رجلاً كان يكثر شرب الخمر فلعنه رجل فقال النبي ﷺ : " لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله " فنهى عن لعن هذا المعين وهو مدمن الخمر لأنه يحب الله ورسوله، وقد لعن أولاً شاربها على العموم. قال فمسألة تكفير أهل البدع والأهواء متفرعة على هذا الأصل فنبدأ بمذاهب الأئمة في ذلك قبل التنبيه على الحجة فنقول: المشهور من مذهب أحمد وعامة أئمة السنة تكفير الجهمية وهم المعطلة لصفات الرحمن، فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل من الكتاب، وحقيقة قولهم جحود الصانع وجحود ما أخبر به عن نفسه على لسان رسوله، بل وجميع الرسل، ولهذا قال عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. وقال غير واحد من الأئمة: أنهم أكفر من اليهود والنصارى، وبهذا كفروا من يقول أن القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة، وأن الله ليس على العرش، وأنه ليس له علم ولا قدرة ولا رحمة ولا غضب

стр. 345

ونحو ذلك من صفاته، وأما المرجئة فلا تختلف نصوصه أنه يكفرهم فإن بدعهم من جنس اختلاف الفقهاء في الفروع، وكذلك الذين يفضلون علياً على أبي بكر لا يختلف قوله أنه لا يكفرهم، وذلك قول طائفة من الفقهاء ولكن يبدعون. قال: وعنه في تكفير من لم يكفر الجهمية روايتان أصحهما ما لا يكفر، والجهمية عند كثير من السلف مثل ابن المبارك ويوسف بن أسباط وطائفة من أصحاب أحمد ليسوا من الثلاث والسبعين فرقة التي افترقت عليها هذه الأمة، بل أصول هذه الفرق هم الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية. قال: فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها (١) وإثابة قائلها، وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها. قال: وفي الإدلالة الشرعية ما يوجب أن الله لا يعذب من هذه الأمة مخطئاً على خطأه وإن عذب المخطيء من غير هذه الأمة، فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا مات فحرقوه ثم ذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا به كما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر له " وهذا الحديث متواتر عن النبي ﷺ رواه أصحاب الصحيح والمساند من حديث أبي سعيد وحذيفة وعقبة بن عامر وغيرهم عن النبي ﷺ من وجوه متعددة يعلم أهل الحديث أنها تفيد العلم اليقيني وإن لم يحصل ذلك لغيرهم، فهذا الرجل قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة من يصل إلى الحالة التي أمر أهله أن يفعلوها به، وإن من أحرق وذري لا يقدر الله أن يعيده ويحشره إذا فعل به ذلك، وأنه ظن ذلك ظناً ولم يجزم به.

стр. 346

وهذا أصلان عظيمان: أحدهما متعلق بالله وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير، والثاني متعلق باليوم الآخر وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت ولو صار إلى ما يقدر صيرورته إليه مهما كان فلا بد أن الله يحييه ويجزيه بأعماله، فهذا الرجل مع هذا لما كان مؤمناً بالله في الجملة ومؤمناً باليوم الآخر في الجملة وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت فهذا عمل صالح وهو خوفه من الله أن يعاقبه على تفريط غفر له بما كان معه من الإيمان بالله واليوم الآخر، وإنما أخطأ من شدة خوفه، كما أن الذي وجد راحلته بعد إياسه منها أخطأ من شدة فرحه. وقد وقع الخطأ كثيراً لخلق من هذه الأمة واتفقوا على عدم تكفير من أخطأ، مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي، وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة، ولبعضهم في الخلافة والتفضيل كلام، وكذلك لبعضهم في قتال بعض وتكفير بعض أقوال معروفة، وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ " بل عجبتُ " ويقول أن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي فقال: إنما شريح شاعر يعجبه علمه، كان عبد الله أفقه منه وكان يقرأ " بل عجبت " فهذا قد أنكر قراءة ثابتة، وأنكر صفة لله دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على أن شريحاً إمام من الأئمة، وكذلك بعض العلماء أنكر حروفاً من القرآن كما أنكر بعضهم: " أولم ييأس الذين آمنوا " فقال: إنما هي " أولم يتبين الذين آمنوا " وآخر أنكر " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه " فقال: إنما هي " ووصى ربك " وبعضهم كان حذف المعوذتين، وآخر يكتب سورتي القنوت، وهذا الخطأ معفو عنه بالإجماع، وكذلك الخطأ في الفروع العلمية فإن المخطئ فيها لا يكفر ولا يفسق بل ولا يأثم، وإن كان بعض المتكلمة والمتفقهة يجعل المخطئ فيها آثماً، وبعض المتفقهة يعتقد أن كل مجتهد فيها مصيب، فهذا القولان شاذان ولم يقل أحد بتكفير المخطئ فيها، فقد أخطأ بعض السلف فيها مثل خطأ بعضهم في بعض

стр. 347

أنواع الربا واستحلال آخرين القتال في الفتنة، وقد قال تعالى: " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث - إلى قوله - ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكماً وعلماً " وفي الصحيح: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ". والسنة والإجماع منعقد على أن من بلغته دعوة النبي ﷺ فلم يؤمن فهو كافر لا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد لظهور أدلة الرسالة وأعلام النبوة، والنصوص إنما وجبت رفع المؤاخذة بالخطأ لهذه الأمة، وإذا كان كذلك فالمخطئ في بعض هذه المسائل إما أن يلحق بالكفار من المشركين وأهل الكتاب مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، وإما أن يلحق بالمخطئين في مسائل الإيجاب والتحريم مع أنها أيضاً من أصول الإيمان، فإن الإيمان الذي يوجب الواجبات الظاهرة المتواترة وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة هو أعظم أصول الإيمان وقواعد الدين، والجاحد لها كافر بالاتفاق، مع أن المجتهد في بعضها إذا أخطأ ليس بكافر بالاتفاق، وإذا كان لا بد من إلحاقه بأحد الصنفين فإلحاقه بالمؤمنين المخطئين أشد شبهاً من إلحاقه بالمشركين وأهل الكتاب، مع العلم بأن كثيراً من أهل البدع منافقون النفاق الأكبر، فما أكثر ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم زنادقة منافقون (١) وأولئك في الدرك الأسفل من النار. بل أصل هذه البدع من المنافقين الزنادقة ممن يكون أصل زندقته مأخوذاً عن الصابئين والمشركين وأصل هؤلاء هو الإعراض عما جاء به الرسول من الكتاب والحكمة وابتغاء الهدى في غير ذلك ممن كان هذا أصله، فهو يعد الرسالة إنما هي للعامة دون الخاصة، كما يقوله قوم من المتفلسفة والمتكلمة والمتصوفة، فنفي الصفات كفر، والتكذيب بأن الله لا يرى في الآخرة

стр. 348

كفر، وإنكار أن يكون الله على العرش كفر، وكذلك ما كان في معنى ذلك كإنكار تكليم الله لموسى واتخاذ الله إبراهيم خليلاً. قال: فإن الجزاء في الحقيقة إنما هو في الدار الآخرة التي هي دار الثواب والعقاب، وأما الدنيا فإنما يشرع فيها ما شرع من العقوبات دفعاً للظلم والعداون وكسراً للنفوس العاتية الباغية ودفعاً لشر الجبار الطاغي، وإذا كان الأمر كذلك فعقوبة الدنيا غير ملتزمة لعقوبة الآخرة ولا بالعكس ولهذا أكثر السلف على قتل الداعي إلى البدعة لما يجري على يديه من الفساد في الدين سواء قالوا هو كافر أو ليس بكافر. وإذا عرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يحكم عليه بأنه مع الكفار لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة بالرسالة التي يبين بها لهم أنهم مخالفون للرسول، وإن كانت مقالتهم هذه لا ريب أنها كفر، وهكذا الكلام في جميع تكفير المعينين، مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان والعمل الصالح ما ليس في بعض، والله أعلم.

стр. 349

فصل: في مسألة القرآن العزيز وذكر دلالة الكتاب والسنة على ما اتفق عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ومن بعدهم من أئمة المسلمين: الأئمة الأربعة وغيرهم والتنبيه على الأقوال التي حدثت بعد السلف الصالح كقول السلف أن القرآن كلام الله. قال تعالى: " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله " وهو منزل من الله، كما قال تعالى: " أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً والذين آتيناهم يعلمون أنه منزل من ربك بالحق " فأخبر سبحانه أنهم يعلمون ذلك والعلم لا يكون إلا حقاً. وقال تعالى: " تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم - حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم - حم تنزيل من الرحمن الرحيم ". وقال تعالى: " ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ". وقال تعالى: " ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً وأجل مسمى " ونحو ذلك. وقال تعالى: " قل نزله روح القدس من ربك بالحق " فأخبر سبحانه أنه منزل من الله ولم يخبر عن شيء وأنه منزل من الله إلا كلامه بخلاف نزول الملائكة والمطر والحديد وغير ذلك، لذا كان القول المشهور عن السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فإن من قال إنه مخلوق يقول أنه خلق في بعض المخلوقات القائمة بنفسها؛ والمخلوق أنزل وبدأ لم ينزل من الله، فإخبار الله تعالى أنه مخلوق

стр. 350

من الإرادة والمحبة والمشيئة والرضى والغضب والمقت وغير ذلك من الأمور، لو كان مخلوقاً في غيره لم يكن الرب تعالى متصفاً به، بل كان يكون صفة لذلك المحل، فإن المعنى إذا قام بمحل كان صفة لذلك المحل ولم يكن صفة لغيره فيمتنع أن يكون المخلوق أو الخالق موصوفاً بصفة موجودة قائمة بغيره لأنه فطر ذلك (١) ، ما وصف به نفسه من الأفعال اللازمة يمتنع أن يوصف الموصوف بأمر لم يقم به، وهذا مبسوط في مواضع أخر. ومن قول السلف أن الناس من الله تعالى كما يقول ذلك بعض المتأخرين، قال الله تعالى: " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ". وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال لي النبي ﷺ : " اقرأ علي القرآن " قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: " إني أحب أن أسمعه من غيري " فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت إلى هذه الآية: " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً " قال: " حسبك " فنظرت فإذا عيناه تذرفان من البكاء. والنبي ﷺ سمعه من جبريل وهو الذي نزل عليه به، وجبريل سمعه من الله تعالى، كما نص على ذلك أحمد وغيره من الأئمة، قال تعالى: " قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ". وقال تعالى: " نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين ". وقال تعالى: " وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون، قل نزله روح القدس من ربك بالحق " فأخبر سبحانه أنه نزله روح القدس - وهو الروح الأمين وهو جبريل - من الله بالحق، ولم يقل أحد من السلف أن النبي ﷺ سمعه من الله وإنما قال ذلك بعض المتأخرين، وقوله تعالى: " إن

стр. 351

علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه " هو كقوله تعالى: " نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق " وقوله: " نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن " ونحو ذلك مما يكون الرب فعله بملائكته، فإن لفظ نحن هو للواحد المطاع الذي له أعوان يطيعونه، فالرب تعالى خلق الملائكة وغيرها تطيعه الملائكة أعظم مما يطيع المخلوق أعوانه، فهو سبحانه أحق باسم نحن، وفعلنا ونحو ذلك من كل ما يستعمل. وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: أنا أحركهما لك كما كان رسول الله ﷺ يحركهما. وقال سعيد بن جبير: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه فأنزل الله " لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه " قال: جمعه لك في صدرك وتقرأه " فإذا قرأناه فاتبع قرآنه " فإذا قرأه رسولنا، وفي لفظ: فإذا قرأه جبريل فاستمع له وأنصت " ثم إن علينا بيانه " أي نقرؤه. فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما قرأه. وقد بين الله تعالى أنواع تكليمه لعباده في قوله: " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء " فبين سبحانه أن التكليم تارة يكون وحياً، وتارة من وراء حجاب كما كلم موسى، وتارة يرسل رسولاً فيوحي الرسول بإذن الله ما يشاء، وقال تعالى: " الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس " فإذا أرسل الله تعالى رسولاً كان ذلك مما يكلم به عباده فيتلوه عليهم وينبئهم به كما قال تعالى: " قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم " وإنما نبأهم بوساطة الرسول، والرسول مبلغ به، كما قال تعالى: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ". وقال تعالى: " ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ". وقال تعالى: " وما على

стр. 352

الرسول إلا البلاغ المبين " والرسول أمر أمته بالتبليغ عنه، ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: " بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ". وقال ﷺ لما خطب المسلمين: " ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع ". وقال ﷺ : " نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه إلى من لم يسمعه، فرب حامل فقه إلى غير فقه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ". وفي السنن عن جابر قال: كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس فيقول: " ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشاً منعوني أن أبلغ كلام ربي " وكما لم يقل أحد من السلف أنه مخلوق فلم يقل أحد منهم أنه قديم، لم يقل واحداً من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا من بعدهم من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، بل الآثار متواترة عنهم بأنهم كانوا يقولون القرآن كلام الله، ولما ظهر من قال أنه مخلوق قالوا رداً لكلامه أنه غير مخلوق، ولم يريدوا بذلك أنه مفترى كما ظنه بعض الناس فإن أحداً من المسلمين لم يقل أنه مفترى بل هذا كفر ظاهر يعلمه كل مسلم، وإنما قالوا أنه مخلوق خلقة الله في غيره فرد السلف هذا القول، كما تواترت الآثار عنهم بذلك وصنف في ذلك مصنفات متعددة وقالوا: منه بدأ وإليه يعود. وأول من عرف أنه قال مخلوق الجعد بن درهم وصاحبه الجهم بن صفوان، وأول من عرف أنه قال هو قديم عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم افترق الذين شاركوه في هذا القول فمنهم من قال الكلام معنى واحد قائم بذات الرب ومعنى القرآن كله والتوراة والإنجيل وسائر كتب الله وكلامه وهو ذلك المعنى الواحد الذي لا يتعدد ولا يتبعض، والقرآن العربي لم يتكلم الله به بل هو مخلوق خلقه في غيره. وقال جمهور العقلاء: هذا القول معلوم الفساد بالاضطرار فإنه من المعلوم بصريح العقل أن معنى آية الكرسي ليس معنى آية الدين، ولا معنى قل هو الله أحد معنى تبت يدا

стр. 353

أبي لهب، فكيف بمعاني كلام الله في الكتب المنزلة وخطابه لملائكته وحسابه لعباده يوم القيامة وغير ذلك من كلامه، ومنهم من قال: هو حروف أو حروف وأصوات قديمة أزلية لازمة لذاته لم يزل ولا يزال موصوفاً بها، وكلا الحزبين يقول: إن الله تعالى لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وإنه لم يزل ولا يزال يقول: يا نوح، يا إبراهيم، يا أيها المزمل، أيها المدثر، كما قد بسطت أقوالهم في غير هذا الموضع، ولم يقل أحد من السلف بواحد من القولين ولم يقل أحد من السلف أن هذا القرآن عبارة عن كلام الله ولا حكاية له، ولا قال أحد منهم أن لفظي بالقرآن قديم أو غير مخلوق، فضلاً عن أن يقول أن صوتي به قديم أو غير مخلوق بل كانوا يقولون بما دل عليه الكتاب والسنة من أن هذا القرآن كلام الله والناس يقرؤونه بأصواتهم ويكتبونه بمدادهم وما بين اللوحين كلام الله وكلام الله غير مخلوق. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو ". وقال تعالى: " بل هو قرآن مجيد، في لوح محفوظ " والمداد الذي يكتب به القرآن مخلوق والصوت الذي يقرأ به صوت العبد والعبد وصوته وحركاته وسائر صفاته مخلوقة، فالقرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام البارئ، والصوت الذي يقرأ به العبد صوت القارئ، كما قال تعالى: " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ". وقال النبي ﷺ : " زينوا القرآن بأصواتكم " فبين أن الأصوات التي يقرأ بها القرآن أصواتنا والقرآن كلام الله، ولهذا قال أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة: يحسنه الإنسان بصوته كما قال أبو موسى الأشعري للنبي ﷺ : لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيراً، فكان ما قاله أحمد وغيره من أئمة السنة من أن الصوت صوت العبد موافقاً للكتاب والسنة، وقد قال تعالى: " واقصد في مشيك واغضض من صوتك ". وقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ". وقال تعالى: " إن

стр. 354

الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ". وقال تعالى: " قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً " ففرق سبحانه بين المداد الذي تكتب به كلماته وبين كلماته، فالبحر وغيره من المداد الذي يكتب به الكلمات مخلوق، وكلمات الله غير مخلوقة. وقال تعالى: " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله " فالأبحر إذا قدرت مداداً تنفد وكلمات الله لا تنفد. ولهذا قال أئمة السنة: لم يزل الله متكلماً كيف شاء وبما شاء كما ذكرت الآثار بهذه المعاني عن ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما. هذا وقد أخبر الله سبحانه عن نفسه بالنداء في أكثر من عشرة مواضع، فقال تعالى: " فلما ذاقا الشجرة بدت سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكم إن الشيطان لكما عدو مبين ". وقال تعالى: " ويوم يناديهم أين شركائي الذين كنتم تزعمون " " ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين " وذكر سبحانه نداءه لموسى ﵇ في سورة طه ومريم والطس الثلاث وفي سورة والنازعات، وأخبر أنه ناداه في وقت بعينه فقال تعالى: " فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين ". وقال تعالى: " هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ". وقال تعالى: " وما كنت بجانب الطور إذ نادينا " واستفاضت الآثار عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة السنة أنه سبحانه ينادي بصوت، نادى موسى وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه قال أن الله يتكلم بلا صوت أو بلا حرف، ولا أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت أو بحرف، كما لم يقل أحد منهم أن الصوت الذي سمعه قديم، ولا أن ذلك النداء قديم، ولا قال أحد منهم أن هذه

стр. 355

الأصوات المسموعة من القراء هي الصوت الذي تكلم الله به، بل الآثار مستفيضة عنهم بالفرق بين الصوت الذي يتكلم وبين أصوات العباد. وكان أئمة السنة يعدون من أنكر تكلمه بصوت من الجهمية كما قال الإمام أحمد لما سئل عمن قال أن الله لا يتكلم بصوت، فقال: هؤلاء جهمية، إنما يدورون على التعطيل، وذكر بعض الآثار المروية في أنه سبحانه يتكلم بصوت، وقد ذكر من صنف في السنة من ذلك قطعة كما (١) من ذلك قطعة وعلى ذلك ترجم عليه البخاري في صحيحه قوله تعالى: " حتى إذا فزع عن قلوبهم " وقد ذكر البخاري في كتاب خلق الأفعال مما يبين به الفرق بين الصوتين آثاراً متعددة، وكانت محنة البخاري مع أصحابه محمد بن يحيى الذهلي وغيره بعد موت أحمد بسنين ولم يتكلم أحمد في البخاري إلا بالثناء عليه، ومن نقل عن أحمد أنه تكلم في البخاري بسوء فقد افترى عليه. وقد ذكر الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي في كتابه الذي سماه: الفصول في الأصول، قال: سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت أبا حامد الاسفراييني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعاً من الله والنبي ﷺ سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من رسول الله ﷺ وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا وفيما بين الدفتين وما في صدورنا مسموعاً ومكتوباً ومحفوظاً وكل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، عليه لعائن الله والناس أجمعين. وقد كان طائفة من أهل الحديث والمنتسبين إلى السنة فتنازعوا في اللفظ بالقرآن هل يقال إنه مخلوق، ولما حدث الكلام في ذلك أنكرت أئمة السنة كأحمد
следующие страницы →