المحتوى:
الموضوع الصفحة
مقدمة
١٣ الفصل الأول: أصول التربية الإسلامية
١٣ مقدمة
١٣ ١- نظرة عامة في التربية
١٤ ٢- التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة
١٥ ٣- دور التربية في تطوير وتنمية الفرد والمجتمع
١٧ مفهوم وأسس التربية الإسلامية
٢٠ خصائص التربية الإسلامية
٢٢ مصادر التربية الإسلامية
٢٨ وسائط التربية الإسلامية
٣١ وسائط التربية الإسلامية
٣٧ الفصل الثاني: منهج التربية الإسلامية
٣٧ طبيعة ومفهوم منهج التربية الإسلامية
٣٨ أسس منهج التربية الإسلامية
٤٤ خصائص المنهج الإسلامي
٤٨ أهداف وأقسام ومحتوى منهج التربية الإسلامية
٥٣ الفصل الثالث: أساليب التربية الإسلامية
٥٣ ١- التربية بالقدوة
٥٣ ٢- التربية بالعبرة والموعظة
٥٤ ٣- التربية بالترغيب والترهيب
٥٦ ٤- التربية بتكوين العادات الحسنة
٦٠ ٥- التربية باستغلال الأحداث
٦١ ٦- التربية بضرب الأمثال
стр. 2
الموضوع الصفحة
٦٣ ٧- التربية باستخدام القصة
٦٥ ٨- التربية عن طريق حل المشكلات
٦٦ ٩- التربية بتفريغ الطاقة وشغل أوقات الفراغ
٦٧ ١٠- التربية بالممارسة العملية
٦٩ الفصل الرابع: طرق تدريس التربية الإسلامية
٧٠ ١- طريقة الإلقاء والمحاضرة
٧١ ٢- الحوار والمناقشة والمناظرة
٧٤ ٣- طريقة التلقين
٧٥ ٤- الطريقة العملية
٧٦ ٥- التعليم الذاتي
٧٦ خصائص أساليب التربية الإسلامية وطرق التدريس
٨٠ طرق وخطوات تدريس أنواع التربية الإسلامية
٨١ ١- تدريس القرآن الكريم
٨٢ ٢- تدريس التفسير
٨٣ ٣- تدريس الحديث النبوي
٨٤ ٤- تدريس العقيدة
٨٥ ٥- تدريس العبادات
٨٦ ٦- تدريس المعاملات
٨٧ ٧- تدريس التهذيب
٨٨ ٨- تدريس السير
٨٩ ٩- تدريس البحوث
٩١ الفصل الخامس: الوسائل التعليمية
٩١ أنواع وخصائص الوسائل التعليمية
٩٢ فوائد الوسائل التعليمية
стр. 3
الموضوع الصفحة
٩٤ الوسائل التعليمية واستخدامها في تدريس التربية الإسلامية
٩٨ تطوير الوسائل التعليمية
١٠٠ استخدام الوسائل التعليمية في تدريس الأفرع الرئيسية للتربية الإسلامية
١٠٠ ١- تدريس القرآن الكريم والأحاديث النبوية
١٠٠ ٢- تدريس العبادات
١٠١ ٣- تدريس العقيدة
١٠١ ٤- تدريس السير
١٠٣ الفصل السادس: طرق أساليب التقويم والنشاطات التربوية
١٠٣ مفهوم وأساليب التقويم
١٠٦ أنواع التقويم
١٠٨ الاختبارات الشفوية
١٠٨ إعداد الاختبارات التحصيلية
١٠٩ ١- اختبار المقال
١١٠ ٢- اختبار الصواب والخطأ
١١١ ٣- اختبار الإجابة القصيرة
١١١ ٤- اختبار الاختيار من متعدد
١١٢ ٥- اختبار التتمة
١١٣ ٦- اختبار المزاوجة
١١٣ القيمة التربوية للتقويم
١١٤ التقويم ومنهج التربية الإسلامية
١١٦ متطلبات التقويم
١١٧ النشاطات التربوية
стр. 4
الموضوع الصفحة
١٢٧ الفصل السابع: إعداد معلم التربية الإسلامية
١٢٧ مقدمة
١٣٠ صفات معلم التربية الإسلامية ومقومات نجاحه
١٣٢ إعداد معلم التربية الإسلامية
١٣٤ الإعداد الروحي والخلقي لمعلم التربية الإسلامية
١٣٤ ١- التربية الروحية والخلقية لمعلم التربية الإسلامية
١٣٧ ٢- أثر التربية الروحية والخلقية في العملية التعليمية
١٣٩ ٣- وسائل وأساليب الإعداد الروحي لمعلم المستقبل
١٤٢ ٤- وسائل أساليب الإعداد الخلقي لمعلم المستقبل
١٤٦ الإعداد الثقافي والأكاديمي والتربوي لمعلم التربية الإسلامية
١٥٠ الكفايات التي يحتاج إليها معلم التربية الإسلامية
١٥٠ أبرز المهارات التي يحتاج إليها معلم التربية الإسلامية
١٥٤ بعض كفاءات التدريس اللازمة لمعلم التربية الإسلامية
١٦٠ دور معلم التربية الإسلامية في تحقيق أهداف التربية الإسلامية
١٦٩ خاتمة
стр. 5
مقدمة:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
التربية ضرورة بشرية لا بد منها من أجل بقاء الإنسان وبناء الأجيال وتطورها، وتأكيد القيم الأصلية وصلاح الأخلاق والنفوس, وللتربية منهجها الكامل وطريقتها المتميزة في بناء الإنسان الصالح روحيًا وخلقيًا ونفسيًا وعقليًا وجسميًا واجتماعيًا ليكون إنسانًا متوازنًا سويًا ومواطنًا قادرًا على النهوض بمجتمعه على أساس علمي وعمل مستقيم.
وقد برز اهتمام الأمم والشعوب في أنحاء العالم بجميع عناصر ومكونات العملية التربوية لحاجتها الملحة إلى التربية السليمة, وازداد هذا الاهتمام مع تطور العالم وتقدمه في شتى المجالات الصناعية والزراعية والتجارية وفي ميادين الاختراعات والابتكارات التقنية, وفي عالمنا المعاصر اطردت الحاجة إلى الدين كضرورة تربوية لتحقيق التوازن بين المادة والروح ولتنمية الجانب الروحي والخلقي، حيث لن تستقيم الحياة إلا إذا التزم الإنسان بالدين وطبق شريعة الله.
لقد وضع الإسلام للتربية منهجًا متكاملًا ومتوازنًا، كما منح الإنسان نظام حياة كاملًا مفصلًا في القرآن والسنة إذا اتبعه الإنسان بقلب سليم ونية صادقة استحق أن يكون خليفة الله في الأرض, ولكي يتبع الإنسان هذا النظام ويطبقه تطبيقًا صحيحًا فإنه يحتاج إلى تربية ينشأ عليها منذ طفولته، في البيت وفي المجتمع الذي يعيش فيه، وأن تكون هذه التربية شاملة لروحه وعقله وجميع حواسه.
أن التربية هي رعاية الإنسان في جوانبه الجسمية والعقلية والعلمية والوجدانية والاجتماعية وتوجيهها نحو الصلاح والخير والوصول بها إلى الكمال.
وغاية التربية الإسلامية تحقيق العبودية الخالصة لله على مستوى
стр. 6
الفرد والجماعة والإنسانية، وقيام الإنسان بمهامه المختلفة لعمارة الكون وفق منهج الله، ومفهوم العبادة في الإسلام مفهوم شامل جامع لا يقتصر على أداء الفرائض التعبدية فحسب, بل يشمل أيضًا نشاط الإنسان كله من فكر واعتقاد وتصور وعمل ما دام الإنسان يبتغي وجه الله بهذا النشاط, ويلتزم فيه شريعته ومنهجه.
إن مادة التربية الإسلامية هي صمام الأمن للأمة الإسلامية في حاضرها ومستقبلها، وقد عني بها القرآن الكريم والسنة الشريفة، وبالتالى فهي جزء لا يتجزأ من عموم الشريعة السمحة. وللتربية الإسلامية دور مهم يعود على الأسرة والمجتمع بالاستقرار والسعادة. لذا يجب أن تقوم سياسة التربية الإسلامية على أسس عقائدية مستعدة من الشريعة الإسلامية مع الأخذ في الاعتبار احترام الإسلام للعقل والفكر ووقوفه مع العلم النافع وتوجيه الإنسان لتسخير الكون لمصلحة البشر وتقدمه وفق منهج الله.
إن التعليم من أفضل الأعمال التي يؤيدها الإنسان، ولا يوجد دين حث على طلب العلم ونشره بين الناس وجعله أمرًا واجبًا على كل مسلم ومسلمة كالدين الإسلامي. وقد جعل الإسلام للمعلم مكانة سامية ودعا إلى احترامه وتقديره، وقال رسول الله ﷺ : "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يفعل، وأن العالم ليستغفر له من السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء". رواه أبو داود والترمذي.
ويعد المعلم إحدى الركائز الأساسية في عملية التربية والتعليم، وذلك لأنه العامل الأساسي في إنجاح وتحقيق الأهداف التربوية والتعليمية. وانطلاقًا من ذلك الدور الذي يقع على عاتق المعلم فقد تزايد الاهتمام بإعداده وتطوير مستوى أدائه والارتقاء به أكاديميًا ومهنيًا. وأصبحت مهمة إعداده وتأهيبه مطلبًا أساسيًا وتعليميًا في شتى أنحاء العالم. إن الهدف الأساسي من عملية إعداد المعلم هو تمكينه من معرفة
стр. 7
حقيقة العملية التربوية بمدخلاتها الأساسية والضرورية ثم تحويل تلك المعرفة إلى مهارات فنية وتعليمية يستخدمها المعلم في مواقف التعليم التي تواجهه أثناء تأديته لمهنة التعليم.
إن صلاح المعلم يكمن في صلاح عقيدته وخلقه، وإن موضوع إعداد المعلم المسلم الكفء الصالح والقدوة لا بد أن يكون شاملًا ومتكاملًا في جميع الجوانب العلمية والأكاديمية والمهنية والنفسية والبدنية والاجتماعية.
إن تطبيق المنهج الإسلامي الشامل والمتكامل بواسطة المعلم المسلم الكفء والقدوة هو المدخل الحقيقي للإصلاح وتنشئة أفراد المجتمع على هدي الإسلام وتعاليمه وتأهيلهم لمواجهة تحديات العصر.
يتكون هذا الكتاب من ستة فصول. يتناول الفصل الأول أصول التربية الإسلامية، موضحًا مفهومها وأسسها وأهدافها وخصائصها ومصادرها، ومبينًا وسائط التربية الإسلامية المختلفة.
يبحث الفصل الثاني في منهج التربية الإسلامية مركزًا على طبيعة ومفهوم منهج التربية الإسلامية، وأسسه وخصائصه وأهدافه وأقسامه.
يقدم الفصل الثالث أساليب التربية الإسلامية مهتديًا بالقرآن الكريم والسنة المطهرة ذاكرًا أساليبهما المؤثرة الراقية. ويعالج الفصل الرابع أهم طرائق تدريس التربية الإسلامية بوجه عام مع التركيز على طرائق وخطوات تدريس أفرع التربية الإسلامية. ويعرض الفصل الخامس للوسائل التعليمية التي يمكن استخدامها في تدريس التربية الإسلامية وأفرعها. ويستعرض الفصل السادس طرائق وأساليب التقويم والنشاطات التربوية شارحًا أنواع التقويم وموضحًا مزاياها وعيوبها وانعكاساتها على منهج التربية الإسلامية ثم يقدم عرضًا مختصرًا للنشاطات التربوية.
ولما كان المعلم هو العنصر الأساسي في العملية التعليمية والتربوية فقد أفردنا الفصل السابع لبيان أساليب إعداده الروحي والخلقي
стр. 8
والأكاديمي والثقافي والتربوي مع التركيز على دوره في تحقيق أهداف التربية الإسلامية.
والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
د. عاطف السيد
стр. 9
الفصل الأول: أصول التربية الإسلامية
مدخل
...
الفصل الأول: أصول التربية الإسلامية
مقدمة:
١- نظرة عامة في التربية:
التربية عملية هادفة وفن مرن متطور تحكمه قواعد وقوانين، وهي ترمي إلى تكوين العادات الحسنة بالاستفادة من الغرائز والميول في تحقيق هذا الهدف عن طريق الإرشاد والتدريب.
وتعنى التربية بالمحافظة على فطرة الناشئ ورعايتها، وتنمية مواهبه واستعداداته، ثم توجيه هذه الفطرة وهذه المواهب جميعًا إلى ما يحقق صلاحها وكمالها اللائق بها.
وتتميز التربية الحديثة بأنها تربية عملية توفر للتلميذ نصيبًا كبيرًا من الحرية وتدفعه إلى الاعتماد على نفسه والمثابرة، فضلًا عن أنها تدعم ملكة تفكيره وتساعده في تحقيق تقدم مستمر ونشدان الأفضل، وبالإضافة إلى ذلك فإنها تولي اهتمامًا كبيرًا بالحياة الاجتماعية للأمة وتعمل على تحسين كل جوانب المجتمع١.
وللتربية أُسس جوهرية يبرز منها الأساس الفكري والأساس الاجتماعي والأساس النفسي. ولكل اتجاه تربوي أساس فكري خاص حيث إن الأفكار والعقائد تقود العملية التربوية. والتربية السليمة تنهض على عقائد صحيحة، ومن ثم يمكننا القول: إن التربية لها أساس ديني. وهناك أفكار عن الكون والوجود والحياة والإنسان تشكل أيضًا أساسًا فلسفيًا للتربية.
كذلك فإن للتربية أساسها الاجتماعي الذي يتناول الإنسان كفرد في المجتمع. ولما كانت التربية نتاج الحياة الاجتماعية, فقد نشأت علاقة وثيقة بين التربية والمجتمع. ويظهر الأساس الاجتماعي للتربية من خلال تطور ثقافة الأمة.
стр. 10
ويقوم الأساس النفسي للتربية على معرفتنا بطبيعة النفس البشرية التي نريد لها حياة كاملة في حدود إمكانات الإنسان وقدراته. ويتمثل الهدف الأسمي للتربية في خضوع الفرد والجماعة لله في الحياة الدنيا.
٢- التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة:
يلتمس التصور الكامل للإسلام في أصوله الصحيحة في القرآن والحديث وفي سيرة رسول الله ﷺ وسنته العملية. وقد عني الإسلام بطبيعة العلاقة بين الخالق والخلق، وطبيعة العلاقة بين الكون والحياة والإنسان. ويضمن هذا التصور للإنسان حياة هادئة مستقرة ويفتح أمامه طريقًا إلى الله واضح المعالم بعيدًا عن الباطل والضلال١.
ولا شك أن الكون بما يحويه من مخلوقات مجال فسيح للنظر والتدبر ومجال واسع للدراسة والبحث العميق. وقد شاءت حكمة الخالق أن يترك للإنسان مهمة البحث عن سنن الكون وقوانينه؛ لينتفع بها في تنمية الحياة وترقيتها وليقوم بوظيفة الخلافة في الأرض لتعميرها وتنميتها. والإنسان -خليفة الله في الأرض- مكلف بعمارتها ولا تقوم عمارة الأرض إلا على مبادئ سامية وأُسس تربوية سليمة وجليلة تمكن المسلم من أداء هذه المهمة في أكمل صورة مستمدًا هذه المبادئ من القرآن والسنة.
والإنسان مخلوق لله ، وقد ميزه عن غيره من المخلوقات الأخرى في تكوينه وفي منزلته الرفيعة وفي المسئولية التي يتحملها أمام الخالق، الذي خلقه على هيئة تجمع بين المادة والروح. قال :
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ٢.
стр. 11
والحياة كذلك مخلوقه. قال جل ثناؤه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ ١ والحياة في هذه الدنيا مقدمة للحياة الأخرى، والحياة فيها توازن بين الدنيا والآخرة، والمسلم الحق حريص على إقامة التوازن بين زينة الدنيا ونعيم الآخرة، والتصور الإسلامي بوجه عام "تصور رباني، جاء من عند الله بكل خصائصه وبكل مقوماته, وتلقاه الإنسان كاملًا بخصائصه هذه ومقوماته؛ ليتكيف هو به وليطبق مقتضياته في حياته"٢. ويمتاز التصور الإسلامي بالأفكار الواضحة التي بنى عليها نظام حياة المسلم وملاءمتها للفطرة العقلية والوجدانية والنفسية فاعتنقها؛ لأنها تضبط وتنظم كافة سلوكه وتصرفاته والمسلم مرتبط بالله وحده وبإخلاص العبادة له.
وفحوى القول أن الدين الإسلامي يمتاز بمبادئ سامية وقيم رفيعة تجعله ركيزة قوية لتربية الأفراد وتنظيم المجتمعات، والتربية هي وسيلة الإنسان لتحقيق أهداف الخالق.
٣- دور التربية في تطوير وتنمية الفرد والمجتمع:
تعقد الدول المتقدمة الآمال على التربية والتعليم في تحقيق التقدم وتطوير وتنمية الفرد والمجتمع. والتربية ضرورة دينية لتقوية الإيمان بالخالق، وهي أيضًا ضرورة دنيوية تساعد الإنسان في تعمير الكون وتسخير قوى الطبيعة من أجل خير البشر. ولا بد للمسلم من أن يتسلح بالعلم ويسعي إلى الاستزادة منه في مختلف المجالات حتى يستطيع أن ينهض بمسئولياته نحو نفسه ونحو مجتمعه الذي يعيش فيه.
وفي هذا العصر الذي يزخر بالمعرفة وتتلاحق فيه التغييرات السريعة في شتى المجالات تبرز أهمية التربية. وتزداد أهميتها نظرًا للانفجار السكاني الهائل والإقبال المتزايد على التعليم والصراع بين الأيديولوجيات.
стр. 12
وقد انبثقت أدوار جديدة للأفراد والجماعات في العالم المعاصر نتيجة التغييرات السياسية المتتالية. ويقتضى دور المواطن المتغير أن يتلقى أساليب تربية راقية تسمو به إلى آفاق المسئولية المتغيرة والمتزايدة. إن التطور الكبير والمتنامي في وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري قد أتاح قنوات اتصال مستمرة وانفتاحا دائما على الثقافات الأخرى. وقد أصبح من واجب التربية إعداد الفرد لتمحيص هذه الثقافات ونقدها بفكر واع ومبدع لاختيار ما يناسبه منها.
ولا شك أن استمرارية التربية ضرورة تمليها ظروف العصر المتغيرة، فالتربية المستمرة تنفذ إلى وجدان وعقل وكيان المسلم كله من أجل أن يحقق إنسانيته ويؤدي واجبه على الوجه الأكمل.
وتحتاج التغييرات والتحولات الاقتصادية الكبيرة إلى تعليم أطول وأكثر عمومية. كما أدى تغير المسئوليات والمهارات إلى إحساس الدول بحاجتها الملحة إلى تربية تمكنها من التوافق مع التطور ومن الإسهام فيه ودعمه. كما أن الانفجار المعرفي الكبير قد أناط بالتربية مهمة مساعدة الأفراد على مواجهة هذا الانفجار المعرفي عن طريق تزويدهم بالمعلومات والوسائل التي تيسر لهم فهم وتفسير واستخدام الحقائق الجديدة والتكيف مع أحداث الحياة المتغيرة.
وقد أدى التطور السريع في وسائل الإعلام والاتصال إلى إسقاط الحواجز بين الدول وانتقال الأفكار من مكان إلى آخر بسرعة ويسر مما نجم عنه تأثر الجماعات بعضها ببعض. وأصبحت التربية مطالبة بإعداد الفرد والمجتمع لفحص وتمحيص الأفكار والثقافات الوافدة ونقدها واختيار المناسب منها.
والفرد في المجتمع له حقوق وعليه واجبات. وتغرس التربية في الفرد حب القيام بواجباته نحو جماعته قبل أن يطالب بحقوقه كفرد، كما تنمي الإحساس بمسئوليته عن الجماعة والتزامه بواجباته نحوها. وتقوى
стр. 13
التربية التزام الفرد بالقيم الأخلاقية مثل التعاون والتزاحم والتعاطف التي تعمق التآلف الاجتماعي وتدعم علائق الفرد ببيئته الاجتماعية. وتسهم التربية في "تحليل المشكلات الاجتماعية المعاصرة وتبلور لأجيال الشباب الحلول الفكرية السليمة بأساليب علمية رصينة؛ لتكون انطلاقات الشباب في المجتمع أصلية غير مستوردة, ولا عرضية بل نابعة من التراث, ومتكيفة مع الأحداث على نسق يرضي طموح الشباب, ويضمن لهم هويتهم ولأمتهم شخصيتها، فيكون التغيير الاجتماعي دائمًا نحو الأفضل"١.
وصفوة القول: إن التربية عملية اجتماعية هدفها تحقيق تقدم المجتمع وتغييره إلى الأفضل، كما أنها تسهم إسهامًا فعالًا في بناء المجتمع والمحافظة عليه. ويجب أن تكون التربية ملائمة لروح العصر والمجتمع ومعبرة عن حاجات الأفراد، ومتكيفة مع واقع المجتمع وأسلوب الحياة فيه.
стр. 14
مفهوم وأسس التربية الإسلامية:
يرى العلماء المسلمون أن التربية الإسلامية فلسفة واضحة مستمدة من القرآن الكريم والسنة الشريفة، وهي تتعهد الإنسان بدنيًا وعقليًا وروحيًا. وقد كثر الكلام في تعريف التربية الإسلامية، وصال العلماء وجالوا حول مفهومها من منظور الإسلام. فقد عرفها بعضهم بأنها "إعداد الفرد أو الكائن الإنساني لحياته في الدنيا والآخرة"١. وبأنها "تلك المفاهيم التي يرتبط بعضها ببعض في إطار فكري واحد يستند إلى المبادئ والقيم التي أتي بها الإسلام, والتي ترسم عددًا من الإجراءات والطرائق العملية يؤدي تنفيذها إلى أن يسلك سالكها سلوكًا يتفق وعقيدة الإسلام"٢. وعرفها البعض الآخر بأنها "الأسلوب الأمثل في التعامل مع الفطرة البشرية توجيهًا مباشرًا بالكلمة، وغير مباشر بالقدوة، وفق منهج خاص
стр. 15
ووسائل خاصة لإحداث تغيير في الإنسان نحو الأفضل والأحسن"١, وبأنها "عملية يؤخذ فيها الناشئون من أبناء الأمة الإسلامية بألوان من الأنشطة الموجهة في ظل القيم والمثاليات والمبادئ الإسلامية؛ لتعديل سلوكهم, وبناء شخصياتهم على النحو الذي يجعل منهم أفرادًا صالحين نافعين لدينهم, وأنفسهم, ووطنهم, وأمتهم الإسلامية, والبشرية كلها"٢. وتدور بعض التعاريف الأخرى حول أنها نظام تربوي متكامل, يقوم كل جانب فيه على تعاليم الدين الإسلامي, ومفاهيمه, ومبادئه, ومقاصده.
ويرى مقداد يالجين أن التربية الإسلامية تعني تربية, ورعاية الطفل بطريقة متكاملة، أي بدنيًا وعقليًا وروحيًا في ضوء المبادئ, والطرائق, والنظريات الإسلامية.
ونخلص مما سبق إلى أن التربية الإسلامية منهج كامل للحياة, ونظام متكامل لتربية, ورعاية النشء, وتحرص على الفرد, والمجتمع, وعلى الأخلاق الفاضلة, والقيم المادية والروحية الرفيعة, وتوازن بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة.
وتقوم التربية الإسلامية على أُسس تعبدية وأسس تشريعية. وتتضمن الأُسس الفكرية نظرة الإسلام إلى الإنسان والكون والحياة. والإنسان في نظر الإسلام مخلوق كرمه الله وفضله على سائر مخلوقاته, ووهبه عقلًا يمكنه من السيطرة على ما يحيط به من الكائنات التي سخرها الله لمصلحته ومنعه من أن يذل نفسه لشيء منها. وفي مقابل ذلك حمل الإسلام الإنسان مسئولية كبرى هي تطبيق شريعة الله وتحقيق عبادته، على أن يلقى جزاءه يوم القيامة على ما اختار من خير أو شر.
والكون من مخلوقات الله، خلقه لهدف وغاية. ويطالب الإسلام
стр. 16
الإنسان بتأمل وتدبر المخلوقات التي يضمها الكون كي يقبل على عبادة الله وتوحيده. وتتعدد الآثار التربوية لهذه النظرة الإسلامية إلى الكون, ومنها "ارتباط المسلم بخالق الكون, وبالهدف الأسمى من الحياة وهو عبادة الله وتربية الإنسان على الجدية, فالكون كله أقيم على أساس الحق, ووجد لهدف معين وإلى أجل مسمى عند الله"١.
وقد نظر الإسلام إلى الحياة على أنها دار اختبار وامتحان وشعور بالمسئولية. والدنيا ليست غاية الإنسان؛ لأنها متاع مؤقت, ولأنها دار الفناء والملذات. ويحق للمسلم أن يستمتع بالحياة الدنيا وزينتها في حدود الشرع مستهدفًا من وراء كل متعة إرضاء الله، وعليه أن يصبر على بلواء الحياة وبأسائها.
وتمثل العبادات إحدى الركائز الأساسية للتربية الإسلامية. وترتبط العبادات بمعنى واحد هو العبودية لله وحده وتلقي التعاليم من الله وحده في أمر الدنيا والآخرة. فالعبادات تذكير بصلة الإنسان الدائمة بالله، وهي تنظم حياة المسلم من كل جوانبها. والعبادات ذات فوائد تربوية جليلة، فهى تعلمنا الوعي الفكري الدائم الذي يعتمد على إخلاص النية والطاعة لله طبقًا للشريعة الإسلامية.
والعبادات التي يؤديها المسلم مع الجماعة المسلمة تربي المسلم على الارتباط بالجماعة المسلمة ارتباطًا مبنيًا على عاطفة صادقة ووعي مستنير. كما أنها تربي المسلم على المساواة والتعاون والعمل، فالمسلمون متساوون أمام الله، والعبادة تربيهم على العدالة في المعاملة، وتربي عند المسلم قدرًا من الفضائل الثابتة المطلقة٢.
وتعني الأسس التشريعية الشريعة الإسلامية -الأساس الثالث
стр. 17
للتربية الإسلامية- وهي تتسع لبيان العقيدة والعبادة وتنظيم الحياة وتحديد وتنظيم العلائق الإنسانية, فالشريعة الإسلامية لها أساس فكري يشمل كل التصورات الفكرية عن الكون والحياة والإنسان, وهي تنظم علاقة المسلم بالكون, وتربى المسلم على اتباع التفكير المنطقي عن طريق استنباط الأحكام وحسن الاستدلال, والشريعة الإسلامية توسع الآفاق الفكرية وتثقف العقل البشري وتحض على طلب العلم.
وبفضل الخصائص الفكرية للشريعة الإسلامية يتربى عقل المسلم على النظرة الكلية الشاملة للكون ولجميع جوانب الدنيا والآخرة.
وبالإضافة إلى الجانب التربوي للشريعة الإسلامية, فإنها تتميز بجانب تطبيقي يشمل جميع جوانب الحياة, فالشريعة تمثل ضابطًا خلقيًا للفرد إذا تمكنت من نفسه ووجدانه، "والضابط الخلقي هنا غير الوازع التربوي الديني، فالوازع يبعدك عن موضوع المحرمات بالكلية، ولكن الضابط هو الذي يقول لك بدقة: هذه حدود المحرمات في البيوع، فلا تقترب منها"١.
ويبرز الضابط الاجتماعي للشريعة الإسلامية، حيث يدافع المجتمع المسلم عن كيانه الديني, ويقف موقفًا صلبًا من المجاهرة باقتراف المحرمات، إذ نظمت الشريعة الإسلامية الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر. وتتبع الشريعة الإسلامية ثلاثة أساليب في تربية المسلمين: أسلوب تربوي نفسي مصدره النفس وضابطه الخوف من الله ومحبته وتطبيق شريعته، وأسلوب ثانٍ يقوم على التناصح الاجتماعي والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وأسلوب ثالث يتمثل في وازع الدولة المسلمة التي تنفذ أحكام الشريعة فينعم الناس بالعدل والأمن٢.
стр. 18
أهداف التربية الإسلامية:
التربية في نظر الإسلام تعني تنشئة الطفل تنشئة سليمة, وتكوينه كي يصبح إنسانًا متكاملًا من النواحي البدنية والروحية والأخلاقية في ضوء المبادئ والقيم التي جاء بها الإسلام, وطبقًا لأساليبه وطرائقه التربوية. ويهتم القرآن الكريم والحديث الشريف بتربية ذات فلسفة واضحة تهدف إلى أن يصير كل إنسان عابدًا لله، إذ تتحقق تزكية النفس وإصلاحها بالعبادة الصحيحة. والعبادة بمفهومها الواسع تشمل جميع أشكال النشاط الإنساني الروحي والخلقي والعلمي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي, وهذا هو الهدف الكلي للتربية في الإسلام.
كذلك تهدف التربية الإسلامية إلى تنمية قدرة الفرد على التأمل والتفكير بالنظر في الكون وتدبره وتأمل النفس واستبطانها, وتهتم التربية الإسلامية بالدين والدنيا معًا، فالغرض الديني من التربية الإسلامية ذو أهمية فائقة في بناء شخصية الفرد باعتباره عضوًا نافعًا في المجتمع، أما الغرض الدنيوي فيتمثل في الغرض العلمي النفعي أو الإعداد للحياة. وبذلك يتضح لنا أن التربية الإسلامية تهتم بالحياة الدنيا والحياة الآخرة, وتسهم بقدر كبير في تنمية الإيمان وتقوية مواهب الإنسان مما يؤدي إلى تكوين المسلم الصالح. يقرر إسحاق فرحان أن الهدف الأسمى للتربية الإسلامية هو "إيجاد الفرد المؤمن الذي يخشى الله ويتقيه ويحسن عبادته؛ ليفوز في الآخرة ويسعد في الدنيا"١. أما الأهداف الفرعية للتربية الإسلامية فيمكن إيجازها في تربية الفرد الصالح في ذاته، وتربية المواطن الصالح في الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم وتربية الإنسان الصالح للمجتمع الإنساني الكبير, أي أن التربية الإسلامية تعني ببناء الشخصية المسلمة المتكاملة.
ويحصر عبد الغني النوري أهداف التربية الإسلامية في عشر نقاط هي٢:
بلوغ الكمال الإنساني وتحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة،
стр. 19
تنشئة الإنسان الذي يعبد الله ويخشاه، تقوية الروابط الإسلامية بين المسلمين ودعم تضامنهم الإسلامي وخدمة قضاياهم، تربية الإنسان لبلوغ الفضيلة وكمال النفس عن طريق العلم بالله ، تربية فطرة المسلم على الإيمان الصحيح وخشية الله وعبادته، إيجاد الفرد المسلم السليم العقيدة المؤمن بربه، الممارس لعبادته، تربية المواطن الصالح المتفاعل مع بيئته الاجتماعية الذي يقدر المسئولية، تنمية الفرد من جميع جوانبه جسميًا وروحيًا وانفعاليًا واجتماعيًا، وغرس القيم الإنسانية التي يربيها الإسلام في نفوس أبنائه لاحترام الإنسان كإنسان, والتعامل معه كبشر بغض النظر عن لون أو جنس أو دين.
ويجمل محمد عطية الإبراشي أهداف التربية الإسلامية في خمسة أهداف كبرى هي: تحقيق الحياة الكاملة، والإعداد للحياة الدنيا والحياة الآخرة، وتنمية الروح العلمية في المتعلم، وإعداد الإنسان لكسب معيشته، والإعداد المهني للإنسان.
نخلص مما سبق إلى أن الهدف الأساسي للتربية الإسلامية هو تربية وتعليم المسلم ليكون مواطنا صالحا وإعداده روحيًا للحياة الآخرة. والتربية الإسلامية مسئولية الفرد والمجتمع.
стр. 20
خصائص التربية الإسلامية
الخصائص المتصلة بفلسفة التربية الإسلامية
...
خصائص التربية الإسلامية:
للتربية الإسلامية خصائص متميزة تشكل ملامحها وتعبر عن مفهومها الحضاري. ويتصل بعض هذه الخصائص بفلسفة التربية الإسلامية ويتعلق بعضها الآخر بمحتوى التربية الإسلامية.
١- الخصائص المتصلة بفلسفة التربية الإسلامية ١:
١- الخلق الهادف:
يعتبر الإسلام التربية صورة من أسمى صور العبادة، فالمعلم يعبد الله إذا علم الناس الخير, والمتعلم الذي يسعى وراء الحقيقة يعبد الله أيضًا.
стр. 21
وهذه العبادة ميدانها الكون بما فيها من مخلوقات الله، والإنسان محور التربية؛ لأنه أفضل المخلوقات, ولأنه مناط التكليف, والتربية الإسلامية تؤكد على استمرارية التعليم مدى الحياة.
٢- الوحدة والشمول:
خلق الله الناس جميعًا للتعاون على البر والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وهذا ما تعبر عنه وحدة الإنسانية. والإسلام يحث على طلب العلم والاهتمام بجميع مجالات وحقول المعرفة التي تفيد الفرد والمجتمع, وتنظر إليها نظرة واحدة. ويطالب الإسلام الإنسان بالنظر في مختلف المعارف والعلوم التي تقوي الإيمان بالله, وتحقق الفوائد للناس في حياتهم, وفي تطوير مجتمعاتهم.
ويوجه القرآن النظر إلى الآيات الكونية التي تتدبر العلوم الفلكية, والطبيعة وما فيها من عبر بالغة تهدي الناس إلى الإيمان بالله وحده.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ١.
وتتطابق التربية الإسلامية مع شمول نظرة الإسلام إلى الإنسان، كذلك تهتم بالتربية الدينية والخلقية والعلمية والبدنية اهتمامًا متوازنًا دون إفراط أو تفريط، فهي تعنى بتربية النفس والعقل, وبتربية الجسم أيضًا.
٣- التوازن الدقيق:
تحقق التربية الإسلامية التوازن في النظرية والتطبيق, والتوازن في تنظيم المعرفة الإنسانية التي تفيد الفرد والمجتمع, وتعنى التربية الإسلامية بالتطبيق العملي الذي يعود بالفائدة على البشر. ويلوم الله -جل وعلا- الذين يقولون ما لا يفعلون بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ ٢.
стр. 22
والتربية الإسلامية حريصة أشد الحرص على إيجاد التوازن بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة. قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ .
وتوازن التربية الإسلامية بين تنمية روحانية الفرد وتلبية حاجاته المادية والاجتماعية، فهي مزيج متوازن بين الدنيا والآخرة بين الفرد والمجتمع، وبين عالم الواقع وعالم المثل.
٤- المرونة:
تتجلى مرونة التربية في الإسلام في أن القرآن، "لم يحدد منهجا سياسيا, ولم يرسم دستورا محددا, فقد أراد الله أن يفتح سبيل الاجتهاد والأخذ بالعلم, واستنباط المناهج والأحكام من الظروف المتغيرة دون تكبيل بمنهج سماوي جامد محدد"١, وقد تأثرت مناهج الدراسة بهذه المرونة، فمنهج التربية الإسلامية المتميز والأصيل يتسع للتطور والتغيير كلما دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأنه مرتبط بواقع المجتمع وبتغيرات الحياة وبحاجاته ومشكلاته المتطورة.
стр. 23
٢- الخصائص المتصلة بمحتوى التربية الإسلامية:
يجب أن يخضع اختيار محتوى التربية الإسلامية لمعايير تتصف بالخصائص التالية: الإيمان، العلم، العمل، الخلق، والاجتماع. فالتربية الإسلامية تربية إيمانية، علمية، عملية، خلقية, اجتماعية؛ لأنها تهدف إلى إعداد المسلم العارف بدينه، العامل بهدي القرآن الكريم، وهو في نفس الوقت واعٍ, ومدرك لأمور الحياة وتطوراتها، مشارك في بناء مجتمعه وتطويره حسب قدراته ومواهبه.
والتربية الإسلامية تربية ربانية تنعقد بها الصلة الدائمة بين الخالق والمخلوق الذي تزداد دوافعه للتعلم والعلم, ويصبح مؤهلا لخلافة الله في الأرض, وإذا كانت التربية الإسلامية تعنى بتربية الفرد تربية روحية
стр. 24
ممتازة, فهي تعنى أيضا بالجانب المادي حيث تهتم بتفاعل الإنسان مع ظواهر الكون ومجالات الحياة في جوانبها الاجتماعية والطبيعية، إن نظر المؤمن في ملكوت الله ومخلوقاته يزيده إيمانا وتقوى. إن العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج, تعزز الإيمان, وتنشره في ميادين الحياة, وتؤدي إلى تحقيق الهدف الأكبر للتربية الإسلامية, وهو غرس التقوى في النفوس.
والتربية الإسلامية تتميز بأنها تربية سلوكية عملية، فهي توازن بين الجانبين النظري والعملي في تربية الفرد والمجتمع، وقد وجهت التربية الإسلامية جلَّ اهتمامها إلى الناحية العملية لما تضفيه على الفرد والمجتمع من خير وسعادة. قال رسول الله صلى الله عليه سلم: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع" , ويتأكد ثوابها في الآخرة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ١. وتركز التربية الإسلامية على الناحية العملية؛ لأنها تحرص على تغيير سلوك الفرد, وتنميته نحو الأفضل. إن تكوين العادات السلوكية الحسنة عند الفرد منذ نشأته أحد المقاصد الكبيرة للتربية الإسلامية، فلهذه العادات أطيب الأثر في اكتساب الفضائل, والبعد عن الرذائل.
والتربية المهنية التي تمثل قيمة العمل النافع في الحياة أحد عناصر التربية العملية، ويشتمل العمل النافع على اكتساب المعرفة اللازمة لتسخير ظواهر الكون, وتصنيع موارد الأرض وثرواتها وخاماتها بما يعود بالنفع على الفرد والمجتمع والناس أجمعين.
ويركز القرآن الكريم, والأحاديث النبوية على جوانب التربية العملية. فالإسلام يؤكد على تربية الاتجاهات الخيرة في الفرد, ويعتبر العمل الصالح عنوانا لاتجاه جديد في الفرد يجعله جديرا بأن يبدل الله سيئاته حسنات. قال : ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٢, ويربط الإسلام بين صدق
стр. 25
الإيمان والعمل الصالح, وبين العلم الحقيقي والعمل الصالح ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ ١.
والتربية العملية التي يريدها الإسلام تناسب طاقة الفرد وإمكاناته. قال : ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٢, وهي تحض على إتقان العمل إتقانا تاما. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ ٣, وقال ﷺ : "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".
والتربية الإسلامية تربية عملية, فالإسلام يحث على تعليم كل علم نافع للإنسان ولمجتمعه وللإنسانية جمعاء. فالمعلومات والمعارف من أهم محتويات التربية الإسلامية، ونظرة الإسلام المثلى والعميقة إلى اكتساب المعارف والعلوم ترفع عملية التربية والتعليم إلى درجة العبادة والقداسة، ويربط الإسلام مضمون المعارف والعلوم بالهدف الأكبر للتربية الإسلامية, وهو تقوى الله وخشيته ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٤.
ويحفل القرآن الكريم بآيات كثيرة تحث على استعمال الملاحظة والنظر كخطوة أساسية في المعرفة العلمية, ثم استخدام التسلسل المنطقي والمناقشة العقلية العلمية للوصول إلى النتائج.
وتشكل التربية الخلقية جزأ كبيرا من محتويات التربية الإسلامية, وتشمل التربية الخلقية في الإسلام التمسك بالخير والمعروف, والبعد عن الفحشاء والمنكر والشر وصولا إلى تقوى الله, وحسن عبادته، فالأخلاق تمثل الضوابط النفسية والاجتماعية للفرد والمجتمع الإنساني. وقد جعل الله من الرسول الكريم مثلا يحتذى في الأخلاق الفاضلة
стр. 26
والخصال الحميدة. قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ﴾ ١.
وفي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية إشارات إلى الأخلاق الحميدة, التي يجب أن يتحلى بها المسلم مثل: الصبر، والأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر، والعدل, والأمانة, والصدق, والإخلاص. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٢.
وقد نهى الإسلام عن التمسك بالأخلاق السيئة: كالنفاق والظلم والكذب. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ٣.
والتربية الخلقية في الإسلام تأخذ في اعتبارها استعداد الفرد وقدراته وتركيبه النفسي. ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ٤.
والتربية الإسلامية تربية فردية اجتماعية معا, فهي تهتم أولا بتربية الفرد على الفضيلة والأخلاق الكريمة, وتنمي فيه روح المبادأة والمسئولية الفردية؛ ليكون مصدر خير للجماعة، والفرد مسئول مسئولية كاملة عن أعماله وتصرفاته, حتى لا تضيع المسئولية بين فرد وآخر. ﴿وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ ٥, و ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ٦. ورسالة الإسلام ذات طبيعة اجتماعية، لذلك يركز الإسلام على تنمية العادات الاجتماعية السليمة في الفرد, وعلى أن يغرس فيه أنه فرد في مجتمع, وأنه إنسان في عالم البشرية الكبير.
وتهتم التربية الإسلامية بالأسرة؛ لأنها من أهم المؤسسات التربوية في الإسلام، فكل فرد في الأسرة له دائرته الاجتماعية التي يعمل من
стр. 27
خلالها، وتعنى كذلك بتربية الفرد تربية اجتماعية باعتباره لبنة في صرح المجتمع الكبير، حتى يكون المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. قال رسول الله ﷺ : "ومثل المسلمين في توادهم وتراحمهم, كمثل الجسد الواحد, إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر أعضاء الجسد بالسهر والحمى". والتربية الاجتماعية في الإسلام تؤدي إلى سعادة الفرد, وتماسك الأسرة, وتكافل المجتمع، إذ إنها تتضمن بناء الاتجاهات الإيجابية والعادات الاجتماعية السليمة, ومن هذه العادات والاتجاهات الاجتماعية تنمية الوحدة الاجتماعية والتعاون والتكافل والعدالة الاجتماعية. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ١.
وبالإضافة إلى ما سبق, فإن الإسلام يدعو إلى التعليم المستمر، فعلى المسلم أن يسعى بدأب إلى طلب العلم طول حياته, وألا يتوانى في اكتساب العلم. ويقول على بن أبي طالب كرم لله وجهه: "كل يوم لا أزداد فيه علما فلا بورك في طلوع شمس ذلك اليوم". ومن مآثر التربية الإسلامية, أنها تنظر إلى المعرفة على أنها عملية نامية متراكمة على مر التاريخ، وهي لا تحدها حدود, ولا يتوصل إلى نهايتها إنسان.
ويكفل الإسلام مبدأ تكافؤ الفرص في التعليم، فكل فرد له حق مقدس في التعليم على الدولة والمجتمع. والإسلام يميز الذين يحصلون على درجات من العلم أكثر من غيرهم بعد تهيئة الفرص المتكافئة أمام الجميع. قال : ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
ويؤكد الإسلام على استخدام العلم النافع؛ لخدمة الفرد والمجتمع، وقد حث النبي ﷺ على ذلك حيث قال: "خير الناس أنفعهم للناس" , وقال: "اللهم علمني ما ينفعني وانفعني بما علمتني".
стр. 28
مصادر التربية الإسلامية:
القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة, هما المصدران الأساسيان للتربية الإسلامية, حيث يحتويان على فلسفة تربوية واضحة متكاملة الأسس والأهداف, ثم يأتي الإجماع والقياس.
والقرآن الكريم هو الأصل الأول الذي تستمد منه التربية الإسلامية مبادئها وأسسها، ونوجز منهج القرآن الكريم في التربية فيما يلي:
١- يرى القرآن أن العلم نعمة يمن الله بها على عباده, كما قال في حق الرسول ﷺ : ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ ١, ويبين القرآن أيضا فضل العلماء ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ٢.
٢- وقد أشار القرآن إلى آداب رفيعة؛ ليتأدب بها طلاب العلم منها الدعاء والرجاء أن يزيدهم علما, وأن يلهمهم ذكرا إذا ما نسوا شيئا ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ ٣، ومنها التركيز على القدوة الحسنة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ٤.
والقرآن يربي العقل والعاطفة متمشيا مع فطرة الإنسان في البساطة وطرق باب العقل مع القلب مباشرة، وقد اتبع القرآن عدة أساليب في التربية من أهمها أسلوب الحوار, وأسلوب الممارسة العملية, وأسلوب ضرب الأمثال.
يربي أسلوب الحوار نفوس النشء تربية صالحة تساير مقتضيات العصر وخصائص التربية الإسلامية، ينبغي على المعلم أن يدعم أسلوب الحوار مع طلابه, حتى يساعدهم على حسن الاستجابة إزاء المواقف التي يتعرضون لها.
أما أسلوب الممارسة العلمية فقد استخدمه القرآن في تربية
стр. 29
المسلمين، ويتضمن هذا الأسلوب القواعد العملية في تناوله لأحوال الناس في الحياة وجميع أنواع النشاط, حتى يستطيع الفرد أن يحقق أهدافه بالطرق السليمة. إن اقتران الجانب النظري بالجانب العملي له أهمية قصوى في تكوين الشخصية المتكاملة والمتوازنة، إن التعليم عن طريق العمل والممارسة يجعل حياة الفرد أكثر استقامة وأكثر رقيا, وينعكس هذا بدوره على المجتمع فيجعله أشد تماسكا وأكثر إنتاجا. قال عز من قائل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
ويذكر الإمام الغزالي في رسالته "أيها الولد": "أن العلم المجرد لا يفيد إلا إذا اقترن بالعمل", وقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ ٢.
ويهدف القرآن من أسلوب ضرب الأمثال إلى تحقيق غايات نفسية تربوية من خلال سمو الغرض وجلال ونبل المعنى بالإضافة إلى الإعجاز البلاغي وتأثير الأداء, وتتصف الأمثال في القرآن الكريم بالتنوع والشمول بغية دفع الإنسان إلى قمة الكمال, وتحدد الأمثال القرآنية للناس خصائص منهج التعامل بين الإنسان والكون, والإنسان والإنسان, والإنسان والله، والإنسان وسنن الحياة, وهذا من شأنه أن يؤدي إلى أن يعيش الإنسان على صلة دائمة بخالقه, فلا يتبلد حسه, ولا يذبل رجاؤه، ويتضمن أسلوب ضرب الأمثال التربية الخلقية، والتربية الاجتماعية، والتربية الروحية، والتربية العقلية، والتربية العملية، لذا فإنه يعتبر من أهم الأساليب في عملية التربية.
إن الأمثال القرآنية تسهم في تربية الإنسان على السلوك السليم الخير وتهذيب أخلاقه وطباعه, فتستقيم حياة الأفراد والمجتمعات ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ ٣.
стр. 30
والسنة النبوية هي المصدر الثاني للتربية الإسلامية، وقد جاءت بأمور موافقة لما جاء في القرآن، فهي تفسر القرآن وتبينه وتفصل ما أجمل فيه وتوضح معناه وتقيد المطلق منه وتخصص العام، وتمس السنة جوهر العملية التربوية وما يجب أن يراعيه المعلم في تدريسه, وهو مبدأ الفروق الفردية بين التلاميذ، فقد نبه الرسول إلى هذا المبدأ حين قال: "أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم" , ويشير النحلاوي إلى فائدتين كبيرتين للسنة في المجال التربوي هما:
"إيضاح المنهج التربوي الإسلامي المتكامل الوارد في القرآن الكريم, وبيان التفاصيل التي لم ترد في القرآن الكريم, واستنباط أسلوب تربوي من حياة الرسول مع أصحابه ومعاملته الأولاد وغرسه الإيمان في النفوس"١.
أما المصدران الثانويان: فهما الإجماع والقياس، ويعرف الإجماع بأنه اتفاق المجتهدين من المسلمين -بعد وفاة الرسول- في أي عصر من العصور على حكم شرعي ديني, ويجب العمل بالإجماع؛ لأنه حجة شرعية، ويفهم ذلك من قوله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٢, ويفهم ذلك أيضا من قول الرسول: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ٣.
أما القياس فيعرف بأنه "إلحاق فرع بأصل لعلة تجمع بينهما", وهو حجة عند فقهاء المسلمين, وقد يضاف الاستحسان والمصالح المرسلة إلى الإجماع والقياس.
стр. 31
وسائط التربية الإسلامية:
تعني وسائط التربية الإسلامية الوسط الذي يعيش فيه المسلم, حيث يتأثر بعوامل تواجه تفكيره وميوله, وتشكل عاداته وتقاليده التي يمارسها تلقائيا، وهذه العوامل ترسم الملامح الأساسية لتربية الفرد، وأهم هذه الوسائط ما يلي:
١- البيت:
يعتبر البيت الوسط الأول الذي يتلقف الإنسانَ منذ مولده, فإذا كان هذا البيت صحيا, وخصبا, ومطبقا لشريعة الله, ومهتما بالتغذية الصحية والتغذية الإسلامية للناشئ, ومسيطرا على المصادر الصحيحة التي تتم عن طريقها هذه التغذية, نبت الفرد نباتًا حسنا, واستعد استعدادا طيبا لمواجهة ظروف الحياة المتغيرة صحيا وروحيا, وتمكن من التغلب على مشكلات ومصاعب الحياة. وهنا يبرز دور الأب والأم, فإذا كانا صالحين, وقدوة حسنة, وتعهداه بالرعاية والتوجيه السليم, وغرسا في نفسه المثل العليا والمبادئ الرفيعة والخصال الحميدة وعمل الخير والابتعاد عن الشر واتباع منهج الله, حذا الابن حذوهما, واقتدى بهما, وسلك سلوكا طيبا, وتأصلت في نفسه نوازع الخير.
وإذا أحسن تربية الأخوة والأخوات كانوا مكملين لدور الأب والأم, وواصلوا القيم والآداب التي غرسها الآباء فيهم, وأسهموا إسهاما فعالا في التربية، وكانوا مثالا يحتذى في المروءة والصدق والأمانة وسائر الخلال الطيبة والصفات الكريمة، كل هذا ينعكس على نفس الصغير, وينطبع في ذهنه, فيتأسى بهم ويتحلى بخصالهم الطيبة وأخلاقهم الحميدة.
٢- المدرسة:
في الحياة المعاصرة تعد المدرسة وسطا أكبر من البيت, بعد أن تخفف البيت من وظيفة التربية؛ لانشغال الآباء وبعض الأمهات بالعمل، فألقوا بمعظم المسئولية على المدرسة, وركنوا إليها في إدارة العملية التربوية، فتحملت العبء الأكبر، والتلميذ يقضي سحابة نهاره في المدرسة وسط جمع من الأقران من مختلف البيئات والطبقات، يتباينون في السلوك ويفترقون في الأفكار والآراء, ويختلفون في الطباع والأخلاق، ويخضع
стр. 32
التلميذ في المدرسة لعدد من المؤثرات, لعل أهمها المدرس, ثم إدارة المدرسة، ثم الطلاب والمناهج الدراسية والنشاطات المدرسية، ومما لا شك فيه أن الاختيار السليم للعناصر البشرية التي يتعامل معها طالب من الأهمية بمكان, وعلى قدر صلاحهم وحسن سلوكهم يكون صلاح الطلاب وتميزهم بالخلق القويم.
ويلي المنهج الدراسي اختيار المدرس في الأهمية، حيث إن المنهج أساس العملية التعليمية، ومن ثم يتوقف نجاح العملية التعليمية على مدى كفاءة المنهج وحسن تطبيقه، ولما كانت المدرسة تولي العملية التعليمية اهتماما أكبر من العملية التربوية, حيث يقاس مستوى المدرسة بمقياس التحصيل العلمي للتلاميذ, فلا مناص من الاعتماد الأساسي على البيت كمصدر للتربية الأصلية بالإضافة إلى الوسائط الأخرى.
٣- المسجد:
يتمتع المسجد بمنزلة كبرى في تاريخ الإسلام, وفي الحياة الإسلامية بوجه عام, فمهمة المسجد تحقيق رسالة الإسلام الكبرى, وهي عبادة الله بمعناها الشامل، فالمسجد يعد المدرسة الأولى في الإسلام.
وقد ازدهر دور المسجد في مهد الدعوة الإسلامية, وفي عهد الخلفاء الراشدين، ثم أخذ دوره يتضاءل تدريجيا, حتى أصبح الآن مكانا للعبادة فقط، وعلى الرغم من ذلك فطالما يجد المسلم فيه فرصة تربية النفس, والتأسي بالأخلاق الفاضلة والآداب وحسن السلوك التي يجدها في بعض من يؤمون المسجد، وفي بيت الله يختلط المسلم بفئات مختلفة من البشر, وربما يأنس بهم, ويلتمس عندهم النصح والإرشاد والمشورة وسبيل الهداية.
وفي المسجد يتحاور المسلمون ويتناقشون ويطرحون المشكلات الدينية التي تواجه المسلمين، وهم في كل ذلك يعملون الفكر, ويشحذون القريحة, ويبحثون عن الحلول, فتثرى خبراتهم وتزكو ثقافتهم وتتسع مداركهم، وقد يجدون فيما يسمعون سبيلا إلى تعديل سلوكهم وتغيير نظرتهم إلى الأمور واتباع جادة الصواب.
стр. 33
ويمكن للمسجد أن يعيد سيرته الأولى, وأن يسهم في التربية إسهاما كبيرا إذا ما ارتبط به الطفل في وقت مبكر من سني حياته، وإذا ما كان إمام المسجد ذا ثقافة دينية متميزة وثقافة عامة واسعة, وكان ذا سمعة طيبة وحجة قوية وقدرة كبيرة على الإقناع، حاضر البديهة, رحب الصدر، وإذا ما زود المسجد بمكتبة إسلامية مناسبة تجذب الناس إلى القراءة والاطلاع، وإذا ما أدى المسجد بعض الخدمات المحببة إلى المسلمين, والتي تعود عليهم بالنفع والفائدة، وإذا ما رأى المسلم فيمن يؤمون بالمسجد نماذج طيبة وقدوة حسنة، وإذا ما أعد المسجد إعدادا حسنا من الناحية الإدارية كأن يكون نظيفا, سليم الجدران, ذا سعة مناسبة.
٤- الرفاق والأصدقاء:
يعد الرفاق والأصدقاء وسطا تربويا ذا تأثير قوي وفعال على النشء, فالطفل يؤثر في نظيره، والأنداد يميل بعضهم إلى بعض، وقد تؤثر جماعة في جماعة أخرى, فتتألف الجماعتان وترتبطان ارتباطا وثيقا, وقد يتوافق الأقران في الميول والاتجاهات والرغبات, فيتألفون، وفي الحديث الشريف: "الأرواح جنود مجندة ما توافق منها ائتلف وما تنافر منها اختلف".
وكثيرا ما يختلط الفرد بأكثر من جماعة، فله في المدرسة أصدقاء وفي الحي الذي يقطنه له أصدقاء، وفي النادي له أصدقاء، وقد يكون له أصدقاء من أقاربه ومعارف أسرته، وقد يكون الفرد زاهدا في الأصداقاء ومنطويا على نفسه, فلا يجد إلا أسرته وبعض من يثق بهم، وحتى تكون التربية سليمة والصداقة مفيدة وجب على الأسرة أن تنتقي الصديق الطيب الذي يصاحب ابنها، وأن تلاحظ سلوك أقرانه وتصرفاتهم, حتى تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح, وتصحح المسار إذا ما بدا انحرافهم عن الطريق السوي، وأن تكون الشريعة الإسلامية الغراء هي الفيصل في كل الموضوعات والمشكلات التي تواجه الأقران، وأن يكون أحد أفراد الأسرة مرشدا وناصحا لهم فيما يصادفهم من مشكلات يتعذر عليهم حلها
стр. 34
بمفردهم، وأن تتاح أمام الأقران فرصة الحوار والمناقشة, وأن تتوافر لمن يتصدى لهما قوة الحجة والقدرة على الإقناع, حتى تكون له الغلبة عليهم بالحجة والدليل.
٥- نادي المسلم الصغير:
يضم النادي المسلمين الصغار ذوي السن المتقارب، هو ينشئهم تنشئة إسلامية تعتمد على حفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة والمحاضرات التي تناسب عقول الصغار ومداركهم، بالإضافة إلى إقامة الندوات, وإجراء المسابقات الدينية, والقيام ببعض الرحلات والزيارات للمنشآت الدينية والثقافية.
ويوجه النادي اهتمامه الأكبر إلى إعداد النشء إعدادا دينيا ودنيويا وتوجيه الأفراد إلى ما فيه سعادتهم وخيرهم في الدنيا والأخرة.
ولا شك أن نادي المسلم الصغير وسط مهم ينمي في الطفل الإحساس بقيمة الدين الكبيرة وأهميته الفائقة في حياته, ويربي فيه الغيرة على الدين, واتباع السنن القويم والسلوك السليم.
٦- وسائل الإعلام:
لا ريب أن للإعلام دورًا كبيرًا في تشكيل خلق الإنسان منذ أن وجد على الأرض واختلف تأثيره باختلاف وسائله وطرائقه, وفي الزمن الحاضر ازداد تأثير الإعلام لتعدد وسائله، وللإعلام دور فعال في تربية الأفراد بوجه عام والصغار بوجه خاص. والعلاقة بين الإعلام والتربية علاقة قوية متبادلة؛ لذا يجب حسن استغلال وسائل الإعلام في غرس السلوك السوي والأخلاق الفاضلة، ويزداد تأثير وسائل الإعلام على النشء بصفة خاصة؛ لأنها حين تركز على أحد الجوانب ينطبع ويترسخ هذا الجانب في عقول الصغار بحيث يصعب انتزاعه من أذهانهم في المستقبل, وتتنوع وسائل الإعلام لتشمل الإعلام المكتوب كالصحف والمجلات, والإعلام المسموع كالإذاعة, والإعلام المرئي مثل التلفاز والسينما.
стр. 35
وخلاصة القول: إن البيت هو الأساس في عملية التربية، وإن البيت هو المصدر الأساسي لإمداد الطفل بالقيم وتزويده بالصفات الحميدة, كما أن المدرسة ذات دور مؤثر وفعال في التربية, حيث إن التلميذ يعايش مدرسيه وأقرانه فترة طويلة، كذلك يجب مراجعة المناهج الدراسية بين الحين والحين, والسيطرة على النشاطات المدرسية بالقدر الذي يحقق الهدف من التربية، وتعويد الطفل على الارتباط بالمسجد، وتشجيع الأفراد على حفظ القرآن أو ما يتيسر منه, كما لا يغيب عنا أهمية التزام وسائل الإعلام بالإطار العام الذي حدده الإسلام, والحفاظ على القيم والمبادئ الإسلامية١.
стр. 36
الفصل الثاني: منهج التربية الإسلامية
طبيعة ومفهوم منهج التربية الإسلامية:
الإسلام يشجع كل تطور نافع, ويساند كل تغير في شتى مجالات الحياة. وقد أخذ المسلمون من الثقافات الأجنبية التي دخلت المحيط الإسلامي في القرن الرابع الهجري ما يتفق وطابعهم، وظل طابع الإسلام قويا واضحا في مختلف المجالات. ويمكننا القول: إن مناهج التربية الإسلامية ليست مناهج "مفصلة, وإنما هي أطر عامة ومفاهيم شاملة لأمر الحياة الدنيا والحياة الآخرة, وهي مناهج تستهدف بناء مفاهيم الإنسان عن هاتين الحياتين بمنهج عقلاني تماما يدفع هذا الإنسان إلى النقاش والاستفهام والاجتهاد في كل أمور الحياة الدنيا، كما يدفعه إلى ملاحظة الكون الطبيعي وانسجامه ودقة صنعه"١.
وقد وضع الإسلام للتربية منهجا فكريا مغايرا لمناهج الأمم الأخرى وعقائدها، كما أنه أقام "منهج المعرفة الإسلامي على أساس عقلي وروحي معا, فجعل للعقل منطلقه في مجال العلوم والمحسوسات، وجعل للروح منطلقها في مجال الغيبيات وما وراء الطبيعة"٢. وفي ظل هذا الأساس العقلي والروحي سار العالم في ظلال العقيدة دون فصل بين الدين والعلم كما هو حادث في العالم الغربي.
فالمنهج الإسلامي هو الطريق البيِّن السوي, الذي رسمه القرآن الكريم للمسلم؛ كي يتبع مبادئ وتعاليم الإسلام, ويتمسك بأحكامه من أجل سعادته في الدنيا والآخرة. إن هذا المنهج الرباني يشمل كل أمور الحياة, ووظيفته إعداد الإنسان لحياة أفضل، وهذا الإعداد لا يقتصر على العبادات الدينية، بل إن كل عمل يتوجه به الفرد إلى الله عبادة, ويمكن
стр. 37
تعريف منهج التربية الإسلامية بأنه "مجموع الخبرات والمعارف والمهارات التي تقدمها مؤسسة تربوية إسلامية إلى المتعلمين فيها, بقصد تنميتهم تنمية شاملة متكاملة: جسميا وعقليا ووجدانيا، وتعديل سلوكهم في الاتجاه الذي يمكنهم من عمارة الأرض وترقيتها وفق منهج الله وشريعته"١. ويهتدي المنهج الإسلامي بكل ما جاء في القرآن الكريم والحديث الشريف في تربية وتكوين الإنسان المؤمن, وهو يقوم على فلسفة واقعية متكاملة ومتوازنة وشاملة لكل جوانب الحياة، تدعو إلى المشاركة بالرأي وجدال الآخرين بالحكمة والموعظة الحسنة، وتعمل على تنمية طاقات وقدرات الإنسان مع مراعاة استعداد وقابلية وميول الفرد المتعلم.
стр. 38
أسس منهج التربية الإسلامية:
يقوم منهج التربية الإسلامية على أربعة أسس جوهرية هي: الأساس النفسي، والأساس الاجتماعي، والأساس الفلسفي، والأساس المعرفي.
ويعتبر الأساس النفسي ركيزة أساسية في بناء المنهج الإسلامي, ومنهج التربية الإسلامية يربي النفس البشرية؛ ليكون الإنسان عبدا صالحا قادرا على بناء المجتمع الإسلامي المتكامل, ويتناول الأساس النفسي لمنهج التربية الإسلامية الإنسانَ، واستعدادت المتعلمين, والفروق الفردية بينهم, وميولهم.
الإنسان هو أفضل مخلوقات الله في الوجود، والنفس في القرآن هي محرك الإنسان نحو تحقيق أهدافه. وقد فطر الإنسان على الإيمان بوحدانية الله وألوهيته, ولا يفسد فطرته الإنسانية إلا عامل خارجي عنها، وأن طبيعته الإنسانية طبيعة مزدوجة، فقد خلق الإنسان من مادة وروح باستعدادات متساوية للخير والشر، وأودع الله فيه قدرات يمكنها
стр. 39
توجيهه إلى الخير وإلى الشر، كما أودع سبحانه فيه كل وسائل التمييز والتدبر ووهبه قوى واعية مدركة وموجهة, وهي التي يناط بها التبعة، وبالتالي فإن تبعة أعمال الإنسان ومسئولياته تقع عليه وحده, كذلك فقد خلق الله الإنسان بقدرة واعية كامنة فيه، قادرة على الاختيار الحر, فحرية الاختيار الممنوحة من الله في إطار مشيئته تجعل الإنسان مسئولا عن نتيجة أعماله.
ويولي المنهج القرآني اهتماما كبيرا بالنفس البشرية حيث يقول المولى جل شأنه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ١, ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ٢.
وقد اهتم الحديث الشريف أيضا بالنفس البشرية، ويتضح ذلك في كثير من المواقف الإصلاحية والتربوية للرسول الكريم في معالجة الطبائع البشرية، وعلى سبيل المثال نذكر هذا الحديث الذي رواه البخاري عن أنس ﵁: جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" ٣.
ويحتفل المنهج الإسلامي باستعدادات المتعلمين, ويراعي الفروق الفردية بينهم حتى لا يرهق المتعلم بأشياء يصعب عليه فهمها وأداؤها؛ لأنها فوق إدراكه ولا تتفق مع استعداده، والرسول ﷺ يحثنا على أن نكلم الناس على قدر عقولهم, وتتجلى مراعاة المنهج الإسلامي للفروق الفردية
стр. 40
بين الأفراد في وضعه حدا أدنى من الفروض الإسلامية والواجبات التي يجب أن يتبعها كل الناس، ثم وضع بعد ذلك سلما من التدرج لمن يريد علو المنزلة، ومن مآثر المنهج الإسلامي مراعاته لقدرات الفرد المتعلم حتى يفهم ويستوعب ما يلقى عليه من معلومات ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ١.
ومن نافلة القول: إن طلاب العلم ليسوا على مستوى واحد من القدرات العقلية, كما إنهم يختلفون في الصفات النفسية, ويتباينون في الصفات الجسمية, وأهمها السمع والبصر, وقد خلق الله كل إنسان مختلفا عن غيره في كل تلك الصفات؛ لذلك فقد حرص المربون المسلمون على مراعاة استعداد المتعلم عند وضع المناهج الإسلامية، فيقدم المعلم للطالب ما يتناسب مع استعداده.
ومراعاة الفروق الفردية بين الطلاب يمكن أن تكون في مجالات الكتب المدرسية, وفي طرائق التدريس, وفي النشاطات والتقويم، فيجب أن تتميز الكتب المدرسية بتنويع المعلومات وتدرجها والاهتمام بطرائق عرضها والإكثار من وسائل الإيضاح وبتنويع الأسئلة والتمارين بشكل متدرج يراعي المستويات المختلفة.
كذلك يجب تنويع طرائق التدريس باستخدام المحاضرة والإلقاء والحوار والمناقشة والقصة والممارسة العملية وحل المشكلات, كما يجب أن تتنوع النشاطات؛ لكي تتناسب مع القدرات والاهتمامات المختلفة, حتى يتاح للطالب أكبر قدر من الخبرات لاكتساب المعلومات والمهارات. أما التقويم فيجب أن يتسع ليشمل التقويم التحريري، والشفوي, والعملي، كما يجب أن تتنوع الأسئلة لتحوي الأسئلة المقالية والأسئلة الموضوعية بأشكالها المتعددة.
ومن ميزات المنهج الإسلامي الجيد مراعاة ميول المتعلمين، إذ يجب أن يتيح المنهج للمتعلم فرصة التطبيق العملي كأن يتوضأ ويصلي