الفصل الثاني: منهج التربية الإسلامية
طبيعة ومفهوم منهج التربية الإسلامية:
الإسلام يشجع كل تطور نافع, ويساند كل تغير في شتى مجالات الحياة. وقد أخذ المسلمون من الثقافات الأجنبية التي دخلت المحيط الإسلامي في القرن الرابع الهجري ما يتفق وطابعهم، وظل طابع الإسلام قويا واضحا في مختلف المجالات. ويمكننا القول: إن مناهج التربية الإسلامية ليست مناهج "مفصلة, وإنما هي أطر عامة ومفاهيم شاملة لأمر الحياة الدنيا والحياة الآخرة, وهي مناهج تستهدف بناء مفاهيم الإنسان عن هاتين الحياتين بمنهج عقلاني تماما يدفع هذا الإنسان إلى النقاش والاستفهام والاجتهاد في كل أمور الحياة الدنيا، كما يدفعه إلى ملاحظة الكون الطبيعي وانسجامه ودقة صنعه"١.
وقد وضع الإسلام للتربية منهجا فكريا مغايرا لمناهج الأمم الأخرى وعقائدها، كما أنه أقام "منهج المعرفة الإسلامي على أساس عقلي وروحي معا, فجعل للعقل منطلقه في مجال العلوم والمحسوسات، وجعل للروح منطلقها في مجال الغيبيات وما وراء الطبيعة"٢. وفي ظل هذا الأساس العقلي والروحي سار العالم في ظلال العقيدة دون فصل بين الدين والعلم كما هو حادث في العالم الغربي.
فالمنهج الإسلامي هو الطريق البيِّن السوي, الذي رسمه القرآن الكريم للمسلم؛ كي يتبع مبادئ وتعاليم الإسلام, ويتمسك بأحكامه من أجل سعادته في الدنيا والآخرة. إن هذا المنهج الرباني يشمل كل أمور الحياة, ووظيفته إعداد الإنسان لحياة أفضل، وهذا الإعداد لا يقتصر على العبادات الدينية، بل إن كل عمل يتوجه به الفرد إلى الله عبادة, ويمكن
стр. 37
تعريف منهج التربية الإسلامية بأنه "مجموع الخبرات والمعارف والمهارات التي تقدمها مؤسسة تربوية إسلامية إلى المتعلمين فيها, بقصد تنميتهم تنمية شاملة متكاملة: جسميا وعقليا ووجدانيا، وتعديل سلوكهم في الاتجاه الذي يمكنهم من عمارة الأرض وترقيتها وفق منهج الله وشريعته"١. ويهتدي المنهج الإسلامي بكل ما جاء في القرآن الكريم والحديث الشريف في تربية وتكوين الإنسان المؤمن, وهو يقوم على فلسفة واقعية متكاملة ومتوازنة وشاملة لكل جوانب الحياة، تدعو إلى المشاركة بالرأي وجدال الآخرين بالحكمة والموعظة الحسنة، وتعمل على تنمية طاقات وقدرات الإنسان مع مراعاة استعداد وقابلية وميول الفرد المتعلم.
стр. 38
أسس منهج التربية الإسلامية:
يقوم منهج التربية الإسلامية على أربعة أسس جوهرية هي: الأساس النفسي، والأساس الاجتماعي، والأساس الفلسفي، والأساس المعرفي.
ويعتبر الأساس النفسي ركيزة أساسية في بناء المنهج الإسلامي, ومنهج التربية الإسلامية يربي النفس البشرية؛ ليكون الإنسان عبدا صالحا قادرا على بناء المجتمع الإسلامي المتكامل, ويتناول الأساس النفسي لمنهج التربية الإسلامية الإنسانَ، واستعدادت المتعلمين, والفروق الفردية بينهم, وميولهم.
الإنسان هو أفضل مخلوقات الله في الوجود، والنفس في القرآن هي محرك الإنسان نحو تحقيق أهدافه. وقد فطر الإنسان على الإيمان بوحدانية الله وألوهيته, ولا يفسد فطرته الإنسانية إلا عامل خارجي عنها، وأن طبيعته الإنسانية طبيعة مزدوجة، فقد خلق الإنسان من مادة وروح باستعدادات متساوية للخير والشر، وأودع الله فيه قدرات يمكنها
стр. 39
توجيهه إلى الخير وإلى الشر، كما أودع سبحانه فيه كل وسائل التمييز والتدبر ووهبه قوى واعية مدركة وموجهة, وهي التي يناط بها التبعة، وبالتالي فإن تبعة أعمال الإنسان ومسئولياته تقع عليه وحده, كذلك فقد خلق الله الإنسان بقدرة واعية كامنة فيه، قادرة على الاختيار الحر, فحرية الاختيار الممنوحة من الله في إطار مشيئته تجعل الإنسان مسئولا عن نتيجة أعماله.
ويولي المنهج القرآني اهتماما كبيرا بالنفس البشرية حيث يقول المولى جل شأنه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ١, ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ٢.
وقد اهتم الحديث الشريف أيضا بالنفس البشرية، ويتضح ذلك في كثير من المواقف الإصلاحية والتربوية للرسول الكريم في معالجة الطبائع البشرية، وعلى سبيل المثال نذكر هذا الحديث الذي رواه البخاري عن أنس ﵁: جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" ٣.
ويحتفل المنهج الإسلامي باستعدادات المتعلمين, ويراعي الفروق الفردية بينهم حتى لا يرهق المتعلم بأشياء يصعب عليه فهمها وأداؤها؛ لأنها فوق إدراكه ولا تتفق مع استعداده، والرسول ﷺ يحثنا على أن نكلم الناس على قدر عقولهم, وتتجلى مراعاة المنهج الإسلامي للفروق الفردية
стр. 40
بين الأفراد في وضعه حدا أدنى من الفروض الإسلامية والواجبات التي يجب أن يتبعها كل الناس، ثم وضع بعد ذلك سلما من التدرج لمن يريد علو المنزلة، ومن مآثر المنهج الإسلامي مراعاته لقدرات الفرد المتعلم حتى يفهم ويستوعب ما يلقى عليه من معلومات ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ١.
ومن نافلة القول: إن طلاب العلم ليسوا على مستوى واحد من القدرات العقلية, كما إنهم يختلفون في الصفات النفسية, ويتباينون في الصفات الجسمية, وأهمها السمع والبصر, وقد خلق الله كل إنسان مختلفا عن غيره في كل تلك الصفات؛ لذلك فقد حرص المربون المسلمون على مراعاة استعداد المتعلم عند وضع المناهج الإسلامية، فيقدم المعلم للطالب ما يتناسب مع استعداده.
ومراعاة الفروق الفردية بين الطلاب يمكن أن تكون في مجالات الكتب المدرسية, وفي طرائق التدريس, وفي النشاطات والتقويم، فيجب أن تتميز الكتب المدرسية بتنويع المعلومات وتدرجها والاهتمام بطرائق عرضها والإكثار من وسائل الإيضاح وبتنويع الأسئلة والتمارين بشكل متدرج يراعي المستويات المختلفة.
كذلك يجب تنويع طرائق التدريس باستخدام المحاضرة والإلقاء والحوار والمناقشة والقصة والممارسة العملية وحل المشكلات, كما يجب أن تتنوع النشاطات؛ لكي تتناسب مع القدرات والاهتمامات المختلفة, حتى يتاح للطالب أكبر قدر من الخبرات لاكتساب المعلومات والمهارات. أما التقويم فيجب أن يتسع ليشمل التقويم التحريري، والشفوي, والعملي، كما يجب أن تتنوع الأسئلة لتحوي الأسئلة المقالية والأسئلة الموضوعية بأشكالها المتعددة.
ومن ميزات المنهج الإسلامي الجيد مراعاة ميول المتعلمين، إذ يجب أن يتيح المنهج للمتعلم فرصة التطبيق العملي كأن يتوضأ ويصلي
стр. 41
ويمارس بعض النشاطات المدرسية، والمتعلم يميل إلى القصص والحكايات التي تشبع تطلعه إلى عالم آخر يختلف عن عالمه، وهذا يقتضي أن يختار القصص الهادف لتصحيح العقيدة وتقويم الأخلاق وتهذيب النفس وتصويب السلوك الخاطئ، كما أن المتعلم يميل إلى كثرة الأسئلة عما يدور حوله من ظواهر في بيئته، والمنهج مطالب بأن يقدم له تفسيرا مقنعا لهذه الظواهر بما يوفره من فرص مواتية لتوجيه الأسئلة وتلقي الإجابة عنها. ولما كان المتعلم يميل إلى كل جديد لإشباع حاجة حب الاطلاع لديه, وجب على المنهج إتاحة الفرصة لذلك بتنظيم الرحلات والزيارات والمقابلات.
الأساس الاجتماعي عنصر جوهري في بناء المنهج الإسلامي، فالعوامل الاجتماعية ذات تأثير كبير على المتعلم وعلى عملية التعليم وعلى المؤسسات التربوية بما تضم من قوى بشرية، وحيث إن التربية تتأثر بالتغييرات الاجتماعية, فقد أصبح إيجاد التوازن بين حاجات الأفراد وحاجات المجتمع إحدى المشكلات الكبيرة, التي يواجهها واضعو المناهج.
وقد راعى المنهج الإسلامي هذا التوازن، فبالنسبة لحاجات الأفراد عني المنهج بإشباع حاجات الفرد العضوية والنفسية والاجتماعية والعقلية, ويهدف الإسلام من إشباع الحاجات العضوية إلى إمداد الفرد بالقوة والمتعة اللتين تحققان له التوازن وتساعدانه على عبادة الله.
والمنهج يرشد المتعلم إلى الطرق الصحيحة لإشباع هذه الحاجات، كما أولى المنهج الإسلامي اهتماما عظيما بالحاجات النفسية والوجدانية, فحاجة الإنسان إلى الإيمان بوحدانية الله وألوهيته حاجة فطرية في النفس الإنسانية فطر الله الناس عليها, والمؤمن الصادق لا يخشى إلا الله, ومن هنا يتحقق الأمن النفسي الذي هو حاجة أساسية لعطاء الإنسان وإسهامه في عمارة الأرض وترقيتها، كذلك يحث المنهج الإسلامي على المحبة والإخاء بين المسلمين، ويؤدي إشباع الحاجة إلى الحب إلى تحقيق المودة والتعاون، وعندما هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة أقام المجتمع المسلم
стр. 42
هناك على أساس الإخاء والمحبة، وكان أول ما فعله الرسول هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
كما ركز الإسلام على إيجاد المجتمع المسلم من خلال الاهتمام ببناء الإنسان وتربيته وفق القيم والمبادئ الإسلامية الأصيلة حتى تتحقق الأخوة الإسلامية. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ١، وفي الحديث الشريف: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ٢. ولكي يشبع المنهج الإسلامي الحاجات العقلية للفرد فإنه يجب أن يوفر له فرصة تلقي إجابات عن أسئلته والتوصل إلى حلول للمشكلات الفكرية التي تواجهه.
أما بالنسبة لحاجات المجتمع ومشكلاته فقد حرص المنهج الإسلامي على تنظيم هذه الحاجات وحل هذه المشكلات وتنظيم الاقتصاد في المجتمع.
والاقتصاد الإسلامي نظام بالغ السمو ويقوم على أصول ثابتة تكفل الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، وتحض المسلمين على السعي في الحياة، وهي تحمي الكسب الحلال, ولا تحد من حرية العمل أو الكسب أو الابتكار في حدود الالتزام بتعاليم الشريعة الإسلامية, وما تستوجبه مصالح الجماعة.
والمنهج الإسلامي ملتزم بحل مشكلات المجتمع مثل الزواج والإرث والتجارة، ففي مجال الزواج يتميز الإسلام بمنهجه التربوي الذي يحافظ على سلامة المجتمع من الانحلال الخلقي والتحلل الاجتماعي، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج, ومن لم يستطع فليصم, فإن الصوم له وجاء" , وفي القرآن الكريم: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٣.
стр. 43
أما في مجال الميراث, فللإسلام منهج واضح في توزيع الميراث على أفراد العائلة كما جاء في التنزيل العزيز: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١.
وفي مجال التجارة, أطلق الإسلام الحرية للأفراد في التعامل التجاري شريطة أن يتبع التاجر منهج الله في تجارته, وأن يراعي في بيعه أمور الحلال والحرام, وألا يستغل الناس ليحقق ربحا أوفر, كما يحث المنهج الإسلامي التاجر على الامتناع عن الغش في البيع وفي الميزان.
نخلص مما سبق إلى أن المنهج الإسلامي يعنى بحاجات الأفراد, وحاجات المجتمع, كما يعمل على حل مشكلات المجتمع, والتوفيق بين حاجات الفرد وقيم المجتمع.
وفيما يختص بالأساس الفلسفي, فقد أجاب المنهج الإسلامي التربوي عن الأسئلة الكبرى التي تكون الأساس الفلسفي للتربية, وما يتصل بها من قضايا الحياة كلها, وارتباطها بقضايا ما بعد الحياة: من بعث وثواب وعقاب, ومن ميزات المنهج الإسلامي وجود فلسفة واحدة شاملة متكاملة ومتوازنة يمكن ترجمتها إلى سلوكيات فضلا عن إمكان تنميتها في الأفراد، وتهدف هذه الفلسفة إلى سعادة الإنسان والمجتمع كله في الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة، ويحدد الأساس الفلسفي للتربية الإسلامية أهدافا عامة للتربية والتعليم يجب أن تحققها المناهج، ثم تنبثق منها الأهداف الخاصة بالمراحل التعليمية المختلفة.
ثم نتناول الأساس المعرفي, حيث إن العلم هو شعار الإسلام الأول, وهو فطرة الله في الإنسان، كما أنه سبيل الإنسان إلى معرفة الله وخشيته, وهو سبيله إلى عمارة الأرض وترقيتها, ويتحقق ذلك
стр. 44
بالاستمرار في عملية التعليم والتعلم, حتى يتمكن الإنسان من مواجهة حاجات الحياة المتغيرة المتجددة١.
إن المعرفة الحقيقية في الإسلام, هي المعرفة القائمة على أساس من تقوى الله، ويهدف منهج التربية الإسلامية إلى اكتساب المعرفة التي تؤدي إلى تغيير السلوك الإنساني, وواقع الحياة الإنسانية إلى أفضل، وحيث إن المعرفة في الإسلام تقوم على أساس الإيمان بالله وتقواه, وجب على الإنسان أن ينفذ شريعة الله، ومن ثم ترتبط المعرفة والإيمان بالعمل والسلوك القويم في واقع الحياة, ومن مزايا التربية في الإسلام نظرتها الشاملة لكل حقول وميادين المعرفة، حيث تمتد إلى فروع التخصص المختلفة التي يحتاجها المجتمع الإسلامي وتوفير القوى العاملة المؤهلة في كل ميدان، وهذا يؤدي إلى عمارة الأرض ورقي الحياة فيها وفق منهج الله.
стр. 45
خصائص المنهج الإسلامي:
يتميز المنهج الإسلامي بسيادة الطابع الديني والخلقي، وهذا يعني أن فلسفة وأهداف ومحتويات وطرائق تدريس المنهج تدور في إطار الدين والأخلاق, وتنشأ في ضوء القرآن والسنة وآثار السلف الصالح، كما أن المنهج الإسلامي يربط بين الأخلاق والتطبيق العملي السلوكي. إن منهج التربية الإسلامية يحرص أشد الحرص على تنشئة وتعليم الفرد في إطار الدين والأخلاق، من خلال ربط القول بالعمل والنظرية بالتطبيق. وتميز منهج التربية بالطابع الديني والخلقي يمثل جانبا مهما في تكوين شخصية الإنسان، ومن ثم يجب أن تعمل مناهج التربية الحديثة على تنمية الوازع الديني والخلقي عند الأفراد في جميع مراحل التعليم, من خلال ربط المناهج بالنواحي الإسلامية.
والمنهج الإسلامي متعدد الاتجاهات والاهتمامات, شامل في محتوياته وأهدافه، فهو كما يعنى بتنمية الجانب الروحي في المتعلم من خلال دراسة
стр. 46
العلوم الدينية والرياضة الروحية, فإنه يعنى أيضا بتنمية ذهن المتعلم, ودعوته إلى النظر والتفكير والتأمل, وحثه على التعلم واكتساب المعرفة.
وينكر المنهج الإسلامي الخرافة والبدع, ويؤمن بالبرهان في الأمور العقلية: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١, كما أنه يؤمن بالملاحظة والتجربة في الأمور المادية, ويحرص على تنمية كل ما يتصل بالعقل من قدرات وميول ومواهب, عن طريق دراسة العلوم العقلية, وممارسة البحث العلمي, وكافة أنواع النشاط العقلي، كذلك يهتم المنهج الإسلامي "بتنمية وحفظ جسم الإنسان عن طريق ما تقدم له من دراسات وتوجيهات صحية ونشاط بدني وتدريب عسكري, يساعد على تحقيق صحة الإنسان ولياقته, وعلى الإعداد للجهاد في سبيل الله"٢, ويتسع المنهج الإسلامي لكثير من العلوم والمقررات والنشاطات.
فالدين الإسلامي يفتح أمام المسلم المجال لتعلم ودراسة أي علم أو فن يزيد ويقوي إيمانه, ويساعده على فهم أحكام دينه, وفهم حقائق الكون. وصفوة القول: إن المنهج الإسلامي لا يهتم بالعلوم الدينية والعبادات فحسب, بل يهتم كذلك بدراسة العلوم العقلية والتربية الرياضية والتذوق الجمالي.
كذلك يمتاز المنهج الإسلامي بالتوازن النسبي بين اهتماماته ومحتوياته، وهذا يدفعه إلى الاهتمام بتحقيق النمو الشامل والمتكامل لكل من الفرد والمجتمع, والعناية بجميع العلوم والفنون والنشاطات التربوية النافعة في شيء من التوازن المعقول, الذي يحفظ لكل علم وكل فن وكل نشاط ما يستحقه من الاهتمام والعناية، والمنهج الإسلامي يوازن بين المادة والروح, وبين الإيمان بالواقع المحسوس والإيمان بالغيب، وبين حاجات الفرد وحاجات الجماعة.
والمنهج الإسلامي يمتاز بقابليته للتطور والانفتاح، ويستمد هذه
стр. 47
القابلية من الدين الإسلامي الذي يشجع كل تطور صالح ومفيد للمجتمع, كما يشجع المنهج الإسلامي الانفتاح الفكري, ويحث على الاجتهاد وإفساح المجال لمنطق الملاحظة والتجربة، فالأمور الدنيوية يتوقف تحقيقها على التجارب، والمسلم مطالب بأن يعمل عقله في كتاب الله وسنة رسوله؛ ليستنبط منهما الأحكام المطلوبة لقضايا العصر ومشكلات الحياة.
وقد انتهى النحلاوي إلى أن المنهج الإسلامي المنشود, يجب أن تتوافر له الصفات التالية١:
١- أن يكون موافقا للفطرة الإنسانية من حيث ترتيب محتوياته وموضوعاته مما يزكي فطرة الإنسان, ويحفظها من الانحراف.
٢- أن يحقق هدف التربية الإسلامية الكبير, وهو إخلاص الطاعة والعبادة لله, بالإضافة إلى تحقيقه أهداف التربية الإسلامية الفرعية, التي ترمي إلى توجيه الحياة؛ كي تحقق هذا الهدف الكبير في جميع جوانب التربية والثقافة التي يشملها المنهج: كالجانب العقلي والجانب الجسمي والجانب الاجتماعي.
٣- أن يكون متدرجا في موضوعاته وموافقا في مستواه للمرحلة التي يوضع لها.
٤- أن تكون تطبيقات المنهج ونشاطاته وأمثلته ونصوصه متمشية ومتفقة مع حاجات المجتمع الواقعية وقيمه ومبادئه الإسلامية الرفيعة. ويتأتى ذلك بمراعاة الاختصاصات التي تحتاجها الأمة في كل بيئة وفقا لظروفها الطبيعية، بالإضافة إلى الاختصاصات اللازمة لرقي المجتمع في كل بيئة كالاختصاصات الإدارية والإسلامية والثقافية.
٥- أن يكون المنهج منسجما ومتسقا في جميع أجزائه، موجها وجهة إسلامية واحدة، وأن تبنى العلوم والموضوعات بشكل متسلسل يأخذ بعضها بأطراف البعض الآخر, وأن يتحقق الترابط والتناسق
стр. 48
بين موضوعات كل مادة على مدى العام الدراسي، كما يتحقق التناسق والترابط بين كل سنة والسنة التي تليها والسنة التي تسبقها. وفي السنة الواحدة يجب الربط -بقدر الإمكان- بين كل مادة وأخرى بحيث يحقق مجموع هذه المواد هدفا أسمى واحدا.
٦- أن يكون المنهج ممكن التطبيق، ويقتضي ذلك أن يكون في حدود إمكانات البلاد ومناسبا لظروفها ومتطلباتها.
٧- أن يتميز بأسلوب مرن قابل للتكيف مع مختلف الظروف والبيئات التي سيجري تطبيقه فيها, أخذا في الاعتبار الفروق الفردية, وحاجات الأفراد والمجتمع، وأن يكون ذا عرض شيق جذاب يمتع الألباب والنفوس.
٨- أن يواكب تطور الشعور الديني, والنمو اللغوي لكل مرحلة من المراحل الدراسية, كما يجب أن يهتم بحل المشكلات, وتربية الانتماء الاجتماعي إلى الأمة الإسلامية ونشر ثقافتها الإسلامية.
٩- أن يعنى عناية خاصة بالجوانب الإسلامية السلوكية العملية كالتربية على الجهاد, وإقامة المجتمع المسلم.
يتضح من العرض السابق أن منهج التربية الإسلامية يجب أن يهتم بمراحل نمو المتعلم الجسمي والعقلي والانفعالي والاجتماعي، مع مراعاة الاتجاهات الحديثة في وضع الأهداف التربوية, وربط أهداف تدريس التربية الإسلامية ببيئة المتعلم وحياته, كما يجب أن تحقق المادة العلمية في منهج التربية الإسلامية الأهداف التي وضعت من أجلها، وأن تقدم مستويات المعرفة المختلفة من فهم وتذكر معلومات وتطبيق وتحليل.
وحتى يحقق منهج التربية لإسلامية أهدافه كاملة, يجب إعادة صياغة العلوم الحديثة الواردة من الغرب؛ لتواكب نظرة الإسلام إلى الكون والإنسان والحياة، إن العلوم المتصلة بتفسير النشاط الإنساني كالعلوم التي تخص العقيدة, ونشأة الكون, ونشأة الحياة, والقيم التي تحكم المجتمع
стр. 49
والمبادئ التي يقوم عليها النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي لا يجوز أن تؤخذ إلا من المصادر الربانية, ولا يجوز التلقي فيها إلا عن مسلم يحظى بالثقة في دينه, وتقواه, ومزاولته للدين في الحياة١. أما المواد التي تؤدي إلى تسخير الطاقة المادية لخدمة الإنسان مثل الطبيعة والكيماء والأحياء, فيجوز التلقي من المسلم وغير المسلم.
стр. 50
أهداف وأقسام ومحتوى منهج التربية الإسلامية:
لمنهج التربية الإسلامية أهداف ثاتبة وأهداف متغيرة, وتنبثق الأهداف الثابتة من القيم الإنسانية الواردة في شريعة الله مثل الصدق والأمانة والعدل والمساواة والحرية، أما الأهداف المتغيرة فتخضع لتغير الزمان والمكان والناس. أمر الله بالعدل, وهذه قيمة ثابتة, ولكنه ترك وسائل تحقيق العدل للإنسان، يقوم به وفقا لظروف الزمان والمكان والناس، وأمرنا بالشورى، وأمرنا بتحقيق العدالة الاجتماعية لكنه ترك لنا حرية اختيار الأساليب المناسبة لنا ولظروفنا في تحقيق العدالة الاجتماعية ... وهكذا"١.
يسعى المنهج الإسلامي إلى تحقيق هدف شامل هو إعداد الإنسان الصالح القادر على عمارة الأرض وترقيتها وفقا لشريعة الله، أما الهدف الثاني لمنهج التربية الإسلامية فيتمثل في تحقيق إيمان الفرد بالعبودية لله, ويظهر ذلك في قوله وعمله، بينما ينحصر الهدف الثالث لمنهج التربية الإسلامية في معرفة الله وتقواه، ويتحقق ذلك بعقد الصلة الدائمة بين الإنسان وخالقه في كل فكر أو عمل أو شعور، والتفقه في الدين والتمسك بمكارم الأخلاق، والقيم والمبادئ الرفيعة.
ويجب تعريف معلم التربية الإسلامية بالأهداف العامة للتربية، والأهداف العامة للمرحلة الدراسية التي يقوم بالتدريس فيها كالمرحلة
стр. 51
الإعدادية أو المرحلة الثانوية مثلا. والأهداف العامة لتدريس التربية الإسلامية والأهداف الخاصة لتدريسها في المرحلة الدراسية التي تخص المعلم والأهداف الخاصة لتدريس كل قسم من أقسامها، كما يجب أن تكون تلك الأهداف واضحة ومحددة وأن تصاغ بحيث تشتمل على عبارة الحد الأدنى للأداء، حتى يمكن ترجمة الأهداف إلى محتوى يتميز بالاستمرار والشمول، وتقتضي الضرورة تنظيم محتوى التربية الإسلامية وفقا للأهداف المنشودة، وتبسيط المفاهيم وتحليلها بحيث يستطيع الطلاب إدراكها وفهمها مع تجنب الحشو والتكرار.
مثال مقترح للأهداف العامة للتربية الإسلامية في المرحلة الثانوية:
١- استكمال تربية الشخصية الإسلامية المتكاملة في جميع أبعاد النمو الروحي والسلوكي والجسمي والعقلي.
٢- ترسيخ وتنمية الإيمان الواعي والولاء لله والانتماء للأمة الإسلامية والاعتزاز بالإسلام معتقدا ونظام حياة.
٣- تقوية السلوك القائم على الالتزام بتعاليم الإسلام. وتنمية الاتجاهات الصحيحة المستمدة من الشريعة الإسلامية التي تساعد على تنشئة الجيل المسلم القادر على مواجهة تحديات العصر ومطالب الحياة الحديثة.
٤- التأكيد على أن إقامة المجتمع الإسلامي وحمايته فريضة على كل مسلم ومسلمة، وأن حمل الدعوة الإسلامية ونشرها فريضة على المسلمين جميعا.
٥- تقديم النموذج الكامل للشخصية الإسلامية المتمثلة بالنبي محمد ﷺ والقائمة على التوازن والاعتدال. واتخاذ المثل الأعلى والقدوة الحسنة من سيرته العطرة وسيرة أصحابه والسلف الصالح من الأمة الإسلامية.
٦- التعريف بمصادر التشريع الإسلامي بصورة عامة, وبالقرآن الكريم
стр. 52
والسنة الشريفة بصورة خاصة وتوثيق صلة الطالب بها.
٧- تلاوة قدر من القرآن الكريم تلاوة مجودة تنمي قدرة الطالب على القراءة الصحيحة للقرآن الكريم وفهمه، واختيار قدر من الآيات القرآنية الكريمة لتفسيرها وحفظها.
٨- دراسة طائفة من الأحاديث النبوية الشريفة تتناول موضوعات ومشكلات تهم الفرد والمجتمع, وحفظ جزء معين منها.
٩ - التعريف بالآداب الإسلامية, ومجموعة الفضائل, والقيم, والنماذج الأخلاقية الإسلامية, وأنماط السلوك التي نريد أن يتحلى بها المجتمع.
١٠- تكوين الاتجاهات العلمية الصحيحة, وتنميتها كما حث عليها القرآن الكريم والسنة الشريفة بتحرير عقول الطلاب من مظاهر الاتباع والتقليد.
مثال مقترح للأهداف الخاصة لتدريس الفقه:
١- التعرف على مصادر التشريع الإسلامي.
٢- دراسة فهم بعض الأحكام المتعلقة بالعبادات.
٣- التزود بقدر من فقه المعاملات.
٤- تثبيت الالتزام والتطبيق للأحكام الشرعية العلمية.
٥- فهم بعض المصطلحات الفقهية.
أقسام منهج التربية الإسلامية:
ينقسم منهج التربية الإسلامية فنيا إلى الأهداف العامة والأهداف الخاصة للمنهج، والمحتوى الذي تتحقق من خلاله أهداف المنهج، وطرق وأساليب التدريس، والوسائل التعليمية، وطرق ووسائل التقويم، والنشاطات التربوية.
стр. 53
محتوى منهج التربية الإسلامية:
يجب أن يشمل محتوى المنهج كل ما يسهم في بناء الإنسان الصالح من معارف ومفاهيم وخبرات ومهارات، فالقرآن الكريم والسنة الشريفة والشريعة الإسلامية, هي المصادر الأساسية لمحتوى المنهج. كما أن كل علم "يصمم ويدرس على أساس أن يساهم في بناء الإنسان المسلم القادر على المشاركة بإيجابية وفاعلية في عمارة الأرض وترقيتها وفق منهج الله هو "علم ديني" من جهة نظر الإسلام، يستوي في ذلك علوم الشريعة، والعلوم الحديثة، كالرياضيات والطبيعة، والكيمياء، وعلوم التقنية الحديثة ... "١, ومن الضروري أن يتوافر التكامل في محتوى التربية الإسلامية.
стр. 54
الفصل الثالث: أساليب التربية الإسلامية
التربية بالقدوة
...
الفصل الثالث: أساليب التربية الإسلامية
يجدر بالمعلم أن يستخدم أساليب التربية المتميزة والمتطورة لتنشئة الفرد تنشئة صالحة، تمكنه من تحقيق أهداف الخالق وإخلاص العبادة له وفق شريعته، وتزوده بالقدرات والمهارات التي تجعله قادرًا على التفكير السليم وتكوين الآراء المستنيرة وإصدار الأحكام الصائبة في مواجهة أحداث الحياة المتغيرة ويجد المعلم في القرآن الكريم والسنة المطهرة أساليب مؤثرة راقية ربت النفوس واستنهضت الهمم.
ولعل أهم أساليب التربية الإسلامية ما يلي:
١- التربية بالقدوة.
٢- التربية بالعبرة والموعظة.
٣- التربية بالترغيب والترهيب.
٤- التربية بتكوين العادات الحسنة.
٥- التربية باستغلال الأحداث.
٦- التربية بضرب الأمثال.
٧- التربية باستخدام القصة.
٨- التربية عن طريق حل المشكلات.
٩- التربية بتفريغ الطاقة وشغل أوقات الفراغ.
١٠- التربية بالممارسة العلمية.
١- التربية بالقدوة:
تعد القدوة الحسنة أفضل أساليب التربية وأقربها إلى النجاح, فالإنسان في طفولته يميل إلى التقليد والمحاكاة، فإذا كان المحاكي قدوة تأصلت في النشء الخلال الطيبة والخصال الكريمة والقيم الرفيعة، وعندما يشب الفرد عن الطوق ويخطو خطى الشباب تترسخ هذه القيم في
стр. 55
نفسه ويعي ما أخذه عن القدوة، أن وجود منهج تربوي متكامل لا يغني عن القدوة. فالمعلم القدوة يحقق بأسلوبه التربوي وسلوكه كل الأسس والأساليب والأهداف التي يرجى أن يقوم عليها المنهج التربوي، لذلك بعث الله النبي محمدا ﷺ ؛ ليكون قدوة حسنة ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ١. فكان الرسول الكريم هاديا ومربيا بسلوكه الشخصي بالإضافة إلى الذكر الحكيم والسنة، وكان النبي ترجمة عملية حية لتعاليم وآداب القرآن، كما أن سيرة الصحابة والتابعين تعد نموذجا لتجسيد القدوة الحسنة للمجتمع المسلم.
القدوة أعظم أساليب التربية في نظر الإسلام الذي يقيم منهجه التربوي على هذا الأساس، فلا بد للطفل من قدوة في والديه وأسرته لتنطبع في نفسه المبادئ والقيم الإسلامية, ولا بد للناس من قدوة في مجتمعهم تجسد لهم شريعة الإسلام السمحة وتقاليده السامية؛ ليحملوا بصدق أمانة تربية الأجيال, ولا بد للمجتمع من قدوة فيمن يتولى أمره تتجسد فيه المبادئ الإسلامية فيتطلع المجتمع إليه ويسير على نهجه.
ولا يخفى عنا أن حاجة الناس إلى القدوة نابعة من غريزة كامنة في النفوس هي التقليد، ويمكن الإفادة من ميول وغرائز الأطفال الفطرية في تربيتهم بتكوين قدوة صالحة أمام التلاميذ وهذا يقتضي أن يكون معلم الأطفال متحليا بالفضيلة معروفا بالأخلاق الرفيعة، ومما لا شك فيه أنه إذا وجد الطفل القدوة الحسنة في والديه وفي معلمه حذا حذوهم, وأصبح من الميسور تربيته طبقا لشريعة الإسلام.
стр. 56
٢- التربية بالعبرة والموعظة:
تعرف العبرة بأنها حالة نفسية تتيح للمرء معرفة المغزى والمآل لأمر ما يشاهده الإنسان ويتبصر فيه ويتدبره ويقوم باستقرائه ومقايسته فيصل إلى نتيجة مؤثرة يخشع لها قلبه، فيدفعه ذلك إلى سلوك فكري واجتماعي مناسب, وفي القرآن الكريم والسنة النبوية كثير من الموضوعات التي تدعو إلى التأمل والاعتبار، ولكل قصة قرآنية أو نبوية هدف تربوي رباني، يستخلص منها صاحب الفكر الواعي العبرة ويستنبط منها المغزى المراد، وفي ذلك يقول الله بعد ذكر قصة يوسف ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
والعبرة من القصة تربى في النشء الأخلاق الفاضلة والمبادئ السامية والعواطف الربانية، والمعلم مطالب باستخدام الوسائل المناسبة؛ لإيقاظ التأمل في نفوس التلاميذ وتعويدهم على التفكير السليم.
وهناك أيضا العبرة بمخلوقات الله ونعمه التي سخرها للإنسان, ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ، وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢. والمربي الواعي يمرن عقول الطلاب على تأمل آيات الله في الكون ودلائل حكمة الله ودقة صنعه, ثم يناقش الطلاب في هذه الأمور ويستجوبهم بأسئلة محكمة يتوصلون بها تلقائيا إلى الاعتراف بوحدانية الله وقدرته وأسمائه الحسنى، وحتى تحقق الهدف منها يجب أن تحوي التربية بالعبرة جميع مواقف الحياة وحوادث الكون ومظاهر القدرة الإلهية.
إن الاعتبار بالأحداث التاريخية كان محل اهتمام القرآن, إذ أشار إلى أحداث تاريخية بارزة كان لها بعدها كغزوة بدر وغزوة حنين, وأشار إلى العبرة من هذه الأحداث كغزوة بدر ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
стр. 57
وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ١.
يهدف القرآن الكريم من ذكر الأحداث التاريخية إلى الاعتبار ومعرفة المغزى، كمعرفة سنة الله في إهلاك المفسدين بسبب فسادهم وظلمهم ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ ٢، وكمعرفة سنة الله في نصر عباده المؤمنين ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ٣.
وهناك أيضا التربية بالموعظة التي تأخذ معاني النصح وهو بيان الحق والمصلحة من أجل تجنيب المنصوح الضرر وإرشاده إلى ما يحقق نفعه وسعادته، كذلك التذكير بالموت وبالمرض وبيوم الحساب، فالموعظة المؤثرة تنفذ مباشرة إلى النفس عن طريق الوجدان، وتربي العواطف وتنميها، وقد توقظ الموعظة العواطف في نفوس النشء عن طريق الحوار أو العمل والعبادة والممارسة كعاطفة الخضوع لله والرغبة في جنته, ويعتمد الوعظ على القدوة الحسنة وعلى الجماعة المؤمنة التي تعد الوسط الذي يسمح بتقليد القدوة ويشجع على الأسوة بها. إن القدوة الحسنة تجعل الموعظة بالغة التأثير في النفس, ودافعا قويا إلى تزكية النفس وتطهيرها من فجورها وأدرانها.
стр. 58
٣- التربية بالترغيب والترهيب:
الترغيب أحد الأساليب التي استخدمها الإسلام لحث المسلمين على فعل الخير ودفعهم إلى طريق الهداية والعمل وفق منهج الله، ويعرف النحلاوي الترغيب بأنه "وعد يصحبه تحبيب وإغراء بمصلحة أو لذة أو متعة مؤكدة خيرة، خالصة من الشوائب، مقابل القيام بعمل صالح أو
стр. 59
الامتناع عن لذة ضارة أو عمل سيئ ابتغاء مرضاة الله، وذلك رحمة من الله لعباده". بينما يعرف الترهيب بأن "وعيد وتهديد بعقوبة تترتب على اقتراف إثم أو ذنب مما نهى الله عنه أو على التهاون في أداء فريضة مما أمر الله به، أو هو تهديد من الله يقصد به تخويف عباده وإظهار صفة من صفات الجبروت والعظمة الإلهية؛ ليكونوا دائما على حذر من ارتكاب الهفوات والمعاصي"١.
لقد وضع الدين الإسلامي أمام المسلم الهدف الذي تهفو إليه النفس وتميل إليه حتى تندفع إليه برغبة خالصة وشوق جارف، علاوة على الانتفاع بالجزاء الذي أعد لهذا العمل ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٢.
ويذكر النحلاوي ثلاث ميزات للترغيب والترهيب في التربية الإسلامية هي: أن الترغيب والترهيب القرآني والنبوي يعتمدان على الإقناع والبرهان، وهذا يعني تربويا: أن نبدأ بغرس الإيمان والعقيدة الصحيحة في نفوس الناشئين، ليتسنى لنا أن نرغبهم بالجنة أو نرهبهم من عذابا لله، وليكون لهذا الترغيب والترهيب ثمرة عملية سلوكية٣. وثانيا أنهما يعتمدان على التربية الوجدانية للإنسان وهي مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية، وثالثا اصطحابهما بتصور فني رائع لنعيم الجنة ولعذاب النار بأسلوب واضح يفهمه كل الناس. فيمكن للإنسان أن يعدل سلوكه على ضوء معرفته بالنتائج النافعة أو الضارة التي ترتبت على عمله وسلوكه.
стр. 60
وعلى أية حال فإن أسلوب الترغيب أفضل من أسلوب الترهيب؛ لأنه يخاطب النفس، ويستميل الوجدان، ويعتمد على استثارة الرغبة الداخلية للإنسان، ويمكن الإفادة من الترغيب في الجانب التربوي إذا اعتمد على الإقناع والمنطق والنزوع إلى الحقائق التي أقرها القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا، خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ ١. والترغيب يفيد مع الصغير والكبير على السواء، كل على حسب فهمه، وقدرته على تصور الأشياء.
أما أسلوب الترهيب فهو سلبي؛ لأنه يعتمد على التخويف والوعيد تحمل الناس على أداء عمل ما من عدمه، والترهيب كوسيلة تأديبية يجب أن يكون مناسبا لما هو له، وإلا تحول إلى تمرد وانحراف، هو يعتمد أيضا على الإقناع وتقديم المعونة أولا, ثم الوعيد بعد ذلك، وكثيرا ما يعرض القرآن الكريم الترغيب والترهيب في سياق واحد لكي يتيح للعقل فرصة الموازنة والاختيار.
إن الأساس في تربية المتعلمين وبخاصة صغار التلاميذ هو الترغيب، فالثواب هو الأسلوب الهادف لتعليم الأطفال، لذا ينبغي أن يتصف أسلوب التربية الإسلامية بالرفق واللين لا سيما في تربية الأطفال، ولا نلجأ إلى الترهيب إلا إذا أخفقت كل أساليب ووسائل الترغيب، وكان الرسول ﷺ يقول: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله"، كما كان ينصح بالتبشير والتيسير في التربية والتعليم قائلا: "علموا وبشروا ولا تعسروا" ٢. وكان ﵊ يقول: "إن الله تعالى لم يبعثني معنتا ولا متعنتا، ولكن بعثني ميسرًا" ٣.
стр. 61
٤- التربية بتكوين العادات الحسنة:
العادة تلعب دورا كبيرا في حياة الإنسان، والإسلام يستخدم العادة كوسيلة من وسائل التربية، وذلك عن طريق تحويل الخبرة والقيم الثابتة إلى عادات يقوم بها الفرد دون مجهود, وقد سار منهج التربية الإسلامية في اتجاهين من أجل تكوين العادات الجديدة عند المسلمين الأوائل، الاتجاه الأول يتمثل في تخليصهم من العادات القديمة السيئة, والاتجاه الثاني ينحو إلى تثبيت العادات الجديدة والمبادئ السامية والقيم العليا.
ولتخليص الجماعة الإسلامية الأولى من العادات السيئة فقد اهتدى المنهج إلى طريقتين أيضا: "الطريقة الأولى: هي الاستئصال والحسم منذ اللحظة الأولى، وذلك تجاه الشرك بكل عاداته وتصوراته، وعادة وأد البنات، وكذلك عادات الكذب والغيبة والنميمة والكبرياء الزائف، وهذه كلها عادات فردية، والطريقة الثانية: وهي طريقة التدرج في تكوين العادات, خاصة العادات "الاجتماعية" التي لا تقوم على مشاعر الفرد وحده، وإنما ترتبط بأحوال اجتماعية واقتصادية متشابكة، مثل الخمر والزنى والرق والربا"١.
ويقوم المنهج الإسلامي في التغيير الاجتماعي على إثارة الوجدان وبعث الرغبة في العمل وتكوين الميل، ثم تحويل الرغبة والميل إلى عمل وسلوك واقعي فيتطابقان، ولنأخذ الصلاة مثلا لذلك, فالصلاة تتحول بالتعود إلى عادة ثابتة تلح على الإنسان ولا يستريح حتى يؤديها، ويسري ذلك على الصوم والزكاة وكل الآداب وأنماط السلوك الإسلامي، مثل آداب الطعام والشراب، وآداب النوم، وآداب التحية, وآداب الحديث، وتجدر بنا الإشارة إلى أن القدوة عامل مهم في تكوين العادة فضلا عن التشجيع والتلقين والإلزام باللطف أو بالشدة.
стр. 62
٥- التربية باستغلال الأحداث:
تعتبر التربية باستغلال الأحداث أحد الأساليب المجدية والفعالة للتربية، فالحياة تفاعل دائم مع الأحداث، وأحيانا ما يستغل حدث معين لإعطاء توجيه أو تغيير سلوك معين، وفي هذه الحالة يكون التوجيه والتغيير في السلوك أكثر عمقا وأطول أمدا في التأثير إذا ما أتيا في أعقاب هذا الحدث، لا سيما إذا كان حدثا مؤثرا يهز النفس هزًّا شديدًا، والمربي الناجح المستنير يستغل الأحداث؛ لتربية النفوس وتهذيبها, فتنطبع فيها ولا يكون أثرها موقوتا سريع الزوال.
وقد تقع الأحداث بسبب تصرفات الناس الخاصة أو لأسباب خارجة عن إرادتهم وعن تقديرهم، وقد تكون منظمة ومخططة مسبقا مسبقا ليمر بها الناس على اختلاف أعمارهم بقصد إثارة مشاعرهم وتحريك عواطفهم حتى يسهل تغيير سلوكهم في الاتجاه المرغوب وما زال الحدث قريبا وفعالا.
وقد وفق الإسلام في استغلال الأحداث في تربية الأمة الإسلامية، فكانت تلك الأمة الفريدة في التاريخ، التي شهد لها الله فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ١, ومن أجل هذا الهدف كانت التربية بالأحداث يوم "أحد" للذين فتنتهم غنائم المعركة فأغفلوا الهدف الأصيل. وقد كان الدرس قاسيا يوم حنين حين اغتر المسلمون بكثرتهم، فكان الدرس البليغ هو ردهم إلى الله يستمدون منه القوة, ويدركون أن قوة إيمان المسلمين بالله هي العامل الحاسم في المعركة، كما كانت التربية بالأحداث للذين تخلفوا عن القتال مع رسول الله في موقعة "تبوك"، قال الله في يوم "أحد": ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
стр. 63
٦- التربية بضرب الأمثال:
يعني ضرب المثل إيقاعه وبيانه، يذكر في الكلام لإيضاح حال من الأحوال. والأمثال القرآنية والنبوية لها غايات نفسية تربوية حققتها لسمو المعاني التي تحتويها ونبل ورقي الأغراض التي تشملها، بالإضافة إلى الإعجاز البلاغي لها وتأثير أدائها، ومن أهم الأهداف التربوية لضرب الأمثال ما يلي:
١- تقريب المعنى إلى العقول وإيضاحه:
فالأمور المجردة تشبه بالأشياء الحسية لتمكين الناس من فهم تلك الأمور المعنوية أو الغيبية، وقد استخدم الرسول ﷺ أسلوب الحوار الخطابي في الحديث التالي: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات, هل يبقى من درنه شيء؟ " قالوا: لا يبقى من درنه. قال: "فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا". متفق عليه١.
وقد بلغت الأمثال القرآنية الذروة بلاغة ووضوحا وأداء للمعنى، ونذكر منها على سبيل المثال: المعنى الذي ضربه الله مثلا للحق والباطل:
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ ٢.
стр. 64
٢- إثارة الانفعالات التي تناسب المعنى وتربية العواطف الربانية:
يقول النحلاوي "إن إثارة انفعالات التقزز والكره والاحتقار لمعاني الشرك والكفر، ولضياع التفكير السليم عند المشركين أو الضالين، يقابله إثارة انفعال الارتياح لمعاني الإيمان لدى المؤمن، والاعتزاز بالولاء لله؛ لمجرد شعور المؤمن بالخلاص مما وقع فيه هؤلاء, والترفع عن أحوالهم بما هداه الله إليه ... "١.
٣- تربية العقل على التفكير الصحيح والقياس المنطقي السليم:
يوقظ كثير من الأمثال العقل وينبهه, حيث أنه مطالب بالتوصل إلى النتيجة التي لا يصرح بها القرآن في كثير من الأحيان، إنما يشير إليها ويترك للعقل معرفتها، ويفسر النحلاوي ذلك بقوله: "فعندما ضرب الله مثلا للحق والباطل وصف المشبه به "الماء، والسيل، والزبد، وما ينفع الناس فيمكث في الأرض, وما يذهب جفاء", ثم اكتفى بإشارة سريعة إلى النتيجة "كذلك يضرب الله الحق والباطل" وترك للعقل أن يكتشف أن الحق يبقى وأن الباطل يذهب جفاء، كما يذهب الزبد بعد انتهاء السيل"٢.
٤- تحريك وإثارة العواطف والوجدان:
الأمثال القرآنية والنبوية دوافع قوية تعمل على تحريك العقل والوجدان، اللذين بدورهما يحركان الإرادة ويدفعانها إلى عمل الخير واكتساب الفضائل ويحضانها على اجتناب الشرور والمنكرات، والمربي الحاذق البارع يستخدم الأمثال القرآنية والنبوية في تربية التلاميذ على السلوك الخير والخلق الفاضل, كذا تهذيب نزعاتهم الشريرة, فتتولد لديهم الإرادة الطيبة التي تنزع إلى الخير دائمًا.
стр. 65
٧- التربية باستخدام القصة:
تستخدم التربية الإسلامية أسلوب القصة في تحقيق الأهداف التربوية، وتعتبر القصة أحد العوامل التربوية الفعالة في نشر الاتجاهات والقيم المرغوب فيها والدعوة إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة, لما لها من قدرة عظيمة على التأثير والتوجيه، والقصة القرآنية إحدى وسائل القرآن في الوصول إلى أغراضه الدينية, وقد حفل القرآن بكثير من القصص، وفي كل قصة نجد مثلا تربويا تمثله شخصية، أو عدة أمثال تمثلها عدة شخصيات، وهذه القصص التربوية تجسد شخصيات مثالية تثير في النفس انفعالا نحوهم لمحاكاتهم، وجاء في التنزيل العزيز: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وتمتاز القصة القرآنية بأنها تشد القارئ وتجذب انتباهه، فتجعله كثير التأمل في معانيها والتأثر بشخصياتها وموضوعاتها، كما أنها تتعامل مع النفس البشرية في واقعيتها الكاملة، متمثلة في أهم النماذج التي يتوخى القرآن إبرازها للإنسان، والقصة القرآنية تربي العواطف الربانية عن طريق إثارة الانفعالات كالخوف والترقب، والرضا والارتياح، كما تمتاز بالإقناع الفكري بموضوع القصة عن طريق الإيحاء وعن طريق التفكير والتأمل.
ومن ميزات القصص القرآني الصدق والتركيز على الهدف المنشود من القصة، وتزويد الفرد والجماعة بالقيم الإسلامية الرفعية وتربيتهم على الثقة المطلقة بالله والإيمان بالقضاء والقدر، وقد أشار القرآن الكريم إلى استخدام القصة كأسلوب تربوي ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢.
стр. 66
وفي القصص الديني يبين المعلم لتلاميذه أحوال السالكين والناكبين، وتحوي أحوال السالكين قصص الأنبياء والأولياء، كقصة آدم ونوح وإبراهيم وعيسى، أما أحوال الناكبين والجاحدين فهي قصص فرعون وقارون وعاد وثمود وكفار مكة وعبدة الأصنام وغيرهم. والقرآن الكريم يجمل أو يفصل هذه القصص وفقا للعبرة المقصودة والدروس المستفادة.
وكان أحد أغراض القصة القرآنية١ إثبات الوحي والرسالة وتحقيق القناعة بأن محمدا ﷺ وهو الأمي الذي لا يقرأ يتلوا على قومه هذه القصص من كلام ربه، فلا يشك عاقل في أنها وحي من الله، وأن محمدا رسول الله يبلغ رسالة خالقه. ومن أغراض القصة القرآنية بيان أن الدين كله من عند الله, وأن الله ينصر رسله والذين آمنوا, وينجيهم من الكروب والشرور من عهد آدم ونوح إلى عهد محمد ﷺ ، وأن المؤمنين كلهم أمة واحدة, والله الواحد رب الجميع، وكان من أغراض القصة القرآنية أيضا شد أزر المسلمين وتسليتهم عما يقابلون من المصائب والهموم، وتثبيت رسول الله ومن اتبعه من أمته وموعظة وذكرى للمؤمنين، وتنبيه الناس إلى خطر غواية الشيطان٢، وتجسيد العداوة الخالدة بينه وبين الناس، ومن الأغراض التربوية للقصص بيان قدرة الله تعالى, ومثل ذلك قصة الذي أماته الله مائة عام, ثم بعثه٣.
والسنة النبوية تشمل كثيرا من القصص التي يمكن استخدامها كمواقف تربوية ذات تأثير كبير في التعليم، والأهداف في القصص النبوي تتميز بالتفصيل والتخصيص، فهناك أهداف أصلية وأخرى فرعية وأخلاقية مثل بيان أهمية إخلاص العمل الصالح لله والتوسل به إلى الله
стр. 67
لتفريج الأزمات، والحث على الصدقة، وتكميل وتوضيح ما جاء في القرآن من إشارات إلى قصص مختصرة اقتصر القرآن منها على ما يحقق غرضه من إيرادها، كقصة إبراهيم وإسماعيل ﵉ إذ يرفعان القواعد من البيت١.
ويستطيع المعلم البارع أن يجعل المدخل القصصي أساسا للتربية والتعليم لا سيما في المرحلة الابتدائية، كما يمكن للتربية الحديثة أن تستخدم القصة كأسلوب تربوي فعال وذلك ضمن استخدامها للمنهج التاريخي.
стр. 68
٨- التربية عن طريق حل المشكلات:
تنشأ المشكلة عندما يقابل الإنسان موقفا جديدا لم يألفه ولم يتعود على مواجهته بينما تنقصه المهارات أو المعلومات أو لا تتوافر عنده الطرق والأساليب الجاهزة للتصرف فيه بطريقة سليمة، ويقتضي ذلك أن يعيد الإنسان تشكيل معلوماته السابقة وصبها في قالب جديد، قد يمكنه من التصرف في الموقف، وإذا أخفق في ذلك فقد يسعى إلى اكتساب معارف ومهارات جديدة تقوده إلى التصرف الصحيح في الموقف الجديد الشائك.
وتختلف طريقة مواجهة المشكلات من فرد إلى آخر طبقا لدرجة وعيه وثقافته ومهارته وخبرته وقدرته على التصرف، وبينما يشكل موقف مشكلة لفرد فإنه لا يشكل مشكلة لفرد آخر، وتتميز عملية حل المشكلات بأنها عملية معقدة؛ "لأنها تحتوي على عمليات عقلية كثيرة, مثل التذكر، والفهم، والتطبيق، والتحليل, والتركيب, والاستبصار والتجريد، والتعميم, وغير ذلك من العمليات العقلية والمهارية والانفعالية المتداخلة"١.
стр. 69
وتتجلى أهمية أسلوب حل المشكلات في التعليم والتعلم في أنها تزود الفرد بمهارات وأفكار وقيم جديدة نتيجة قيامه بعدد من العمليات العقلية والوجدانية، والمعلم الناجح الفطن يستخدم أسلوب حل المشكلات من أجل تطبيق وإيضاح مفهومات سابقة, وأيضا لاكتشاف مفاهيم جديدة, ويدفع أسلوب حل المشكلات المتعلمَ إلى تطوير أفكاره ومفاهيمه السابقة واستخدامها في موقف أو مشكلات جديدة، فضلا عن أنه يثير الرغبة عند المتعلم في البحث عن الحل، وينمي الثقة بقدراته الفعلية ويوفر له الفرصة المواتية للمناقشة والتفكير النقدي.
ويرى جون ديوي أن عملية حل المشكلات التي تعتمد على الطريقة العلمية تمر بالمراحل التالية:
١- تحديد المشكلة.
٢- التعرف على الظروف المحيطة بالمشكلة عن طريق جمع المعلومات المتصلة بها وتحديد العوامل المؤثرة، وهذا يؤدي إلى فهم المشكلة وتحديدها بصورة أكثر دقة.
٣- وضع فرضيات للحلول الممكنة لهذه المشكلة.
٤- الدراسة الدقيقة لكل فرضية على أساس القيمة المحتملة لكل منها.
٥- اختبار صحة كل فرضية أو حل على ضوء النتيجة المحتملة ثم اختيار الفرضية التي تنتج الحل الأمثل.
стр. 70
٩- التربية بتفريغ الطاقة وشغل أوقات الفراغ بما ينفع:
يولد جسم الإنسان طاقة يستهلك بعضها ويدخر بعضها، وهي جهد فائض، كما يتاح للإنسان بعض أوقات الفراغ وهي وقت فائض، ومن أساليب الإسلام في تربية الفرد العمل على تفريغ الجهد الفائض وشغل الوقت الفائض بما ينفع الفرد, وينبغي أن يستنفد الجهد الفائض "في عمل طيب، سواء أكانت له منفعة مادية "كما يتوقع من الشباب" أو لم تكن "كما هو الأمر بالنسبة للأطفال", فليس المهم بالنسبة للطفل الصغير النفع المادي، بقدر ما يهم البناء النفسي السليم"١.
إن الجهد الفائض طاقة حيوية محايدة يمكن استثمارها في الخير كما يمكن استثمارها في الشر، فإن لم يستنفذها الإنسان في الخير فإنه سوف يبذلها في الشر، وينطبق ذلك على الوقت، فإن لم يستهلك في الخير فإنه سوف يستهلك في الشر، وقد حظي كلاهما باهتمام منهج التربية الإسلامية. ومن هذا المنطلق تظهر أهمية تعاون البيت مع المدرسة في تنظيم منطلقات نافعة لتصريف الجهد الفائض للطلاب في اتجاه تنمية مواهبهم وقدراتهم واستعداداتهم والسمو بتربيتهم, مما يجنبهم الزلل والانحراف. وفيما يختص بالوقت الفائض المتمثل في وقت الفراغ فيجب استمثاره في الذكر والعبادة التطوعية بعد أداء الفرائض، وفي تدارس القرآن وحفظه، وفي القراءة الحرة والمشاركة في النشاطات التربوية وفي ممارسة الرياضة، وفي زيارة الأقارب والأصدقاء وعيادة المرضى منهم.
стр. 71
١٠- التربية بالممارسة العملية:
يبرز أسلوب الممارسة العملية كأحد الأساليب الناجحة في التربية الإسلامية، فالنظرية وحدها لا تكفي, إذ لا بد من التطبيق حتى يقترن الفكر والقول بالعمل والممارسة، فالمسلم الحق هو الذي يتطابق سلوكه مع ما يعتمل في وجدانه وقلبه، ويستوي قوله وفعله، وتتفق نيته مع عمله، فإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.
والمعلم البارع يولي اهتماما كبيرًا بتنمية السلوك العملي الرشيد وتوجيه الطلاب إلى ممارسة ما تعلموه من خلال خبراتهم وتجربتهم
стр. 72
المباشرة, ويتفق أسلوب الممارسة العملية في المؤسسات التعليمية مع طبيعة التربية الإسلامية في كونها تربية سلوكية، كما أنه يزيد الأمور النظرية إيضاحا وينقل المعلم من الجو المشحون بالأفكار إلى الواقع العملي.
ولأسلوب الممارسة العملية آثار تربوية مفيدة وفعالة، منها أنها تعود المتعلم على الدقة وتجعله يتأكد من صحة النتائج، حيث إن المتعلم يؤدي عملا أمام معلمه, ثم يناظره المعلم ويصحح له أخطاءه, ومنها أيضا شعور المتعلم بالمسئولية عن صحة العمل واقتناعة بما يمارسه وبلوغه أعماق النفس، فضلا عن غرس حب العمل في نفسه، فينبذ الكسل والتواكل.
وحتى يتحقق نجاح أسلوب الممارسة العملية يجب أن يكون لدى المعلم استعداد كامل ورغبة صادقة في استخدامه وممارسته بالفعل، ومن ثم فهو مطالب بتوضيح كيفية الأداء النموذجي وتصحيح أخطاء المتعلم بعد ملاحظته ومتابعته، كما ينبغي أن يتيح المعلم الفرصة لتلاميذه للمناقشة الحرة حتى يصل معهم إلى الصواب، وقبل كل ذلك يجب أن يكون المعلم عاملا بعلمه، فلا يقول ما لا يفعل.
стр. 73
الفصل الرابع: طرق تدريس التربية الإسلامية
مدخل
...
الفصل الرابع: طرق تدريس التربية الإسلامية
الطريقة هي الخطة التنفيذية التي بواسطتها ينقل المعلم المعلومات والمهارات إلى الطلاب، ويعرفها أحد الباحثين بأنها "مجموعة من أوجه النشاط يشترك المدرس وطلابه فيها متعاونين تعاونا منظما يؤدي إلى تعلم الطلاب تعلما خاصا ويسهم في مساعدتهم على النحو المتكامل المنشود"١, ويختار المعلم مسبقا الطرق والأساليب المناسبة، ويوفر الظروف الملائمة بشكل منظم وفق تخطيط محكم، كما يجب أن يراعي أهمية المشاركة الفعالة من جانب الطلاب حتى يحسوا بدورهم الإيجابي المثمر في عملية التعلم.
ويهدف الاجتهاد في اختيار الطريقة المناسبة إلى تحقيق النمو المطلوب للتلاميذ في جميع النواحي التي تتفق وأهداف مناهج التربية الإسلامية، ومن ثم فلا توجد طريقة واحدة مثلى وفعالة في تدريس المواد الدراسية، إنما تختلف الطريقة باختلاف المواقف التعليمية والهدف من كل موقف تعليمي بالإضافة إلى طبيعة المادة نفسها ومستوى الطلاب والإمكانات المتاحة، وعلى أية حال يجب أن تكون الطريقة ملائمة للهدف والمحتوى. فالمحتوى ترجمة صادق للأهداف ومن خلاله يتم التوصل إلى بلوغها، ويتعين على معلم التربية الإسلامية اختيار الطريقة الملائمة للهدف المحدد من الدرس, وللمحتوى الذي من خلاله سوف يتحقق ذلك الهدف، كما يجب أن تكون الطريقة مناسبة لمستويات الطلاب.
وخليق بمعلم التربية الإسلامية أن ينوع الطرائق التي يستخدمها في تدريسه سواء في المواقف التعليمية المختلفة أو في الموقف التعليمي الواحد، مع مراعاة عنصر الإثارة والتشويق، فبينما يساعد تنويع طرائق
стр. 74
التدريس على التغلب على الفروق الفردية، تهدف الإثارة والتشويق إلى القضاء على السآمة والملل, ولا شك أن اعتماد المعلم على إقامة الدليل -بقدر المستطاع- من القرآن والسنة والإجماع والقياس وأقوال الصحابة من شأنه أن يثري الموقف التعليمي ويدعم الفهم السليم الذي يقبل الطلاب على تطبيقه والاقتداء به.
كما يجب أن يهتم معلم التربية الإسلامية في طريقة تدريسه بمبدأ التعلم الذاتي، ويتأتى ذلك بتحريك المتعلم ذاته في نواحي التخطيط والتوجيه والتنفيذ والمتابعة حتى يتكون لدى الفرد اتجاه إيجابي نحو تعليم نفسه على نحو مستمر, كذلك يتعين على معلم التربية الإسلامية استثمار وتوظيف بعض الأساليب التربوية في مجال تدريس التربية الإسلامية وبخاصة أسلوب القدوة الحسنة وأسلوب القصص وأسلوب الترغيب والترهيب وأسلوب ضرب الأمثال، وغني عن القول إن الطريقة التي يختارها معلم التربية الإسلامية والأسلوب الذي ينتهجه يتطلبان التخطيط والإعداد الجيدين قبل الشروع في التنفيذ.
وفيما يلي أهم طرائق تدريس التربية الإسلامية.
١- طريقة الإلقاء والمحاضرة:
طريقة المحاضرة من أكثر طرائق التدريس استخداما لقدرتها على إثارة الانتباه وتقديم المعلومات والحقائق التي يصعب الحصول عليها بطريقة أخرى، ومن مزايا المحاضرة أنها تساعد المتعلم على تنظيم المعلومات والحقائق والمقارنة بين الآراء المتباينة وإعمال الفكر فيها واستدعائها والتوصل إلى استنتاجات محددة وعرضها على نحو سليم, وتعتمد طريقة المحاضرة على الإلقاء والتكرار ويجب على المعلم إعداد الدرس جيدا قبل إلقاء المحاضرة بوقت كاف طبقا لخطة محددة، كما يجب أن يعد الوسائل التعليمية المناسبة للمحاضرة.
стр. 75
يمهد المعلم للدرس بمقدمة مناسبة يعقبها عرض النقاط الأساسية على الطلاب ثم يتدرج في شرح وتفصيل كل نقطة ثم ينتهي بالخاتمة, وهذه الطريقة بما فيها من "اقتصاد في الوقت وفرصة لقطع شوط كبير في المنهج، ولعرض الموضوع في شكل مرتب منظم صالحة للاستعمال مع طلبة الجامعة، والمعاهد العليا؛ لأنهم قادرون على الانتباه لمدة طويلة وفهم الأفكار المجردة وعلى تلخيص الفكرة بعد فهمها، ولكنها وحدها لا تصلح لتعليم الأطفال الصغار الذين يصعب عليهم الانتباه لمدة طويلة وفهم الأفكار المجردة ومحتويات الإخبار اللفظي بدون تدعيم بالوسائل المحسوسة والخبرة العلمية وبدون التدرج معهم وتوجيههم"١.
ومن عيوب المحاضرة أنها ذات جانب واحد حيث يقوم المعلم بنقل المعلومات إلى الطلاب بدون مشاركتهم في العملية التعليمية, ولا يسمح المعلم إلا ببعض الأسئلة في وقت محدود، وطرح أسئلة للتأكد من فهم الدرس.
٢- الحوار والمناقشة والمناظرة:
تعتبر طريقة الحوار والمناقشة والمناظرة من طرق التدريس الفعالة، وهي تعتمد على الأسئلة والاستجواب للوصول إلى الحقائق، وتتيح هذه الطريقة الفرصة للمتعلم للمشاركة في العملية التعليمية بالأسئلة وإبداء الرأي والاستماع إلى آراء الآخرين وتحليلها.
والمناقشة طريقة حية حيث يتبادل فيها المعلم والمتعلمون الكلام والاستماع، ويشاطر فيها المتعلمون المعلم الفهم والتحليل، وتقويم موضوع أو فكرة أو مشكلة وبيان نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف، وطريقة المناقشة من أقرب الطرق إلى روح منهج التربية الإسلامية وأفضلها، بالإضافة إلى كونها من أهم ألوان النشاط التعليمي للكبار والصغار على السواء، فحياتنا المعاصرة ذات الاتجاهات المختلفة والفروع المتشابكة