مقدمة
...
تطبيق المنهج الإسلامي في التربية؟ والسؤال الخامس: ما الجهات المسئولة عن تطبيق هذا المنهج؟
ومع جملة عرض القضايا والمناقشات في سائر الفصول, لم يغفل البحث إلقاء الضوء على واقع التربية الإسلامي في حياتنا الحاضرة, والإشارة إلى المعوقات التي تعترض سبيلها، والشبهات التي يجب دحضها, وكشف اللثام عنها.
وفي نهاية البحث تأتي الخاتمة التي تضم النتائج التي توصَّلَ إليها الباحث من خلال عرضه لقضايا التربية الدينية الإسلامية, وأهمها أن التربية الدينية طريق السيادة في الدنيا, وسبيل السعادة في الآخرة.
стр. 2
الفصل الأول: مفهوم التربية الدينية في الإسلام
معنى التربية:
التربية لفظ مشتق من الفعل رَببَ.
وربَّ الولدَ: ربَّاه وليهُ وتعهده بما يغذيه وينميه، فهو رابٍّ، والولدُ مربوب، وربيب.
وتَربيه ورباه تربيةً بمعنى أحسن القيام عليه وَوَليهُ حتى يفارق الطفولية، كان ابنه أو لم يكن١, والربُّ: الإله المعبود, والمالك والسيد, والقيِّمُ والمدبِّر٢.
والربَّاني: الكامل في العلم والعبادة, وقيل: هو من الربِّ بمعنى التربية، وكانوا يربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها٣.
قال الإمام فخر الدين الرازي٤:
"والمربي على قسمين؛ إحداهما: أن يربي شيئًَا ليربح على المربي, والثاني: أن يربيه ليربح المربَّى.
وتربية كل الخلق على القِسم الأول؛ لأنهم يربون غيرهم ليربحوا
стр. 3
عليه إما ثوابًا أوثناءً، والقسم الثاني: هو الحق , كما قال: "خلقتكم لتربحوا عليّ لا أربح عليكم" فهو تعالى يربي ويحسن، وهو خلاف سائر المربين, وبخلاف سائر المحسنين.
فالتربية هي عملية التنشئة والرعاية والتوجيه من جانب الكبير تجاه الصغير, والعالم حيال المتعلم.
ولقد تناول الإسلامي كل شئون الفرد بالتوجيه والإرشاد والتهذيب والتعليم, فلم يدع في حياته شيئًا إلّا وقد أفاده فيه بما يصلحه، كذلك بالنسبة لحياة المجتمع لم يدع فيها أمرًا إلّا وجعل له نظامًا وهديًا؛ بحيث يضمن للناس السعادة دائمًا, والأمان في حاضر أيامهم ومستقبلها.
ولما كان الدين من عند الله من لدن آدم حتى رسولنا الكريم -صلى الله عليه سلم, فقد وضع للناس الموازين القسط التي تلائم عصورهم وطبائعهم، ولما كان الدين الإسلاميّ هو الدين الخاتم؛ لأنه لا نبي بعد محمد -صلى الله عليه سلم, فقد جعله الله مهيمنًا على كل الأديان قبله, وجعل القرآن مهيمنًا على كل الكتب قبله, ووصفه بأنه دائمًا يهدي إلى الحق وإلى سبيل الرشاد؛ فقالك -عزَّ وعَلَا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ١.
وإن كتابًا هذا شأنه, يجب أن يُقْبِل كل إنسان على تدبر ما فيه وفهم مراميه؛ لأنه دائمًا يهدي للتي هي أقوم, فهو يضم كل أصول التربية، وكانت حياة النبي ﷺ بعد البعثة شرحًا لهذا القرآن, وتفصيلًا له, وتبيينًا لأحكامه، ولذلك كان على اكلبشرية أن توجِّه الشكر كل الشكر إلى العناية الإلهية التي لم تخلقهم عبثًا، ولهذا نجد أن المولى -عزَّ وعلَا في سورة الفاتحة, بدأ بالحمد لذاته, ثم بلفظ الربوبية بعده, فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ , وكما نعلم أن من معاني الربّ: السيد، المالك، الصاحب، المربي".
стр. 4
تربية الله لعباده ١:
وتربية الله تعالى مخالفة لتربية غيره, وبيان ذلك من وجوه:
الأول: أنه يربي عبيده لا لغرض نفسه بل لغرضهم, وغيره يربون لغرض غيرهم.
الثاني: أن غيره إذا ربَّى فبقدر تلك التربية يظهرالنقصان في خزائنه وفي ماله, وهو تعالى متعالٍ عن النقصان والضرر، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ٢.
الثالث: أن غيره من المحسنين إذا ألح الفقير عليهم أبغضه وحرمه ومنعه، والحق تعالى بخلاف ذلك، كما قال ﵊: "إن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء".
الرابع: أن غيره من المحسنين مالم يطلب منه الإحسان لم يعط، أما الحق تعالى فإنه يعطي قبل السؤال، ترى أنه رباك حال ما كنت جنينًا في رحم الأم، ورحال ما كنت جاهلًا غير عاقل، لا تحس أن تسأل، ووقاك وأحسن إليك مع أنك ما سألته, وما كان لك عقل ولا هداية.
стр. 5
الخامس: أن غيره من المحسنين ينقطع إحسانه إما بسبب الفقر أو الغيبة أو الموت، والحق تعالى لا ينقطع إحسانه البتة.
السادس: أن غيره من المحسنين يختص إحسانه بقوم دون قوم, ولا يمكنه التعميم, أما الحق تعالى فقد وصل تربيته وإحسانه إلى الكلِّ, كما قال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ١ فثبت أنه تعالى رب العالمين, ومحسن إلى الخلائق أجمعين، فلهذا قال تعالى في حق نفسه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
ثم إن الذي يحمد ويمدح ويعظم في الدنيا إنما يكون كذلك لأحد وجوه أربعة: إما لكونه كاملًا "في ذاته وفي صفاته, منزهًا عن جميع النقائص والآفات, وإن لم يكن منه إحسان إليك، وإما لكونه محسنًا إليك ومنعمًا عليك، وإما لأنك ترجو وصول إحسانه إليك في المستقبل من الزمان، وإما لأجل أنك تكون خائفًا من قهره وقدرته وكمال سطوته، فهذه الحالات هي الجهات الموجبة للتعظيم، فكأنه يقول: إن كنتم ممن يعظِّمون الكمال الذاتي فاحمدني فإني إله العالمين، وهو المراد من قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ , وإن كنتم ممن تعظِّمون الإحسان فأنا رب العالمين، وإن كنتم تعظِّمون للطمع في المستقبل فأنا الرحمن الرحيم، وإن كنتم تعظمون الخوف فأنا مالك يوم الدين"٣.
стр. 6
ووجوه تربية الله للعبد كثيرة غير متناهية، ونحن نذكر منها أمثلة:
المثال الأول: لما وقعت قطرة النطفة من صلب الأب إلى رحم الأم, فانظر كيف أنها صارت علقة أولًا، ثم مضغة ثانيًا، ثم تولَّدت منها أعضاء مختلفة؛ مثل: العظام والغضاريف والرباطات الأوتار والأوردة والشرايين، ثم اتصل البعض بالبعض، ثم حصل في كل واحد منها نوعٌ خاصٌّ من أنواع القوى، فحصلت القوة الباصرة في العين، والسامعة في الأذن، والناطقة في اللسان، فسبحان من أسمع بعظم، وبصَّرَ بشحم، وأنطق بلحم، وكل ذلك يدل على تربية الله تعالى للعبد"١.
المثال الثاني: أن الحبة الواحدة إذا وقعت في الأرض فإذا وصلت نداوة الأرض إليها انتفخت لا تشق من شيء من الجوانب إلّا من أعلاها وأسفلها، مع أن الانتفاخ حاصل من جميع الجوانب؛ أما الشق الأعلى فيخرج منه الجزء الصاعد من الشجرة؛ وأما الشق الأسفل فيخرج منه الجزء الغائض في الأرض، وهو عروق الشجرة، فأما الجزء الصاعد فبعد صعوده يحصل له ساق، ثم ينفصل من ذلك الساق أغصان كثيرة, ثم يظهر على تلك الأغصان الأنوار أولًا، ثم الثمار ثانيًا، ويحصل لتلك الثمار أجزاء مختلفة بالكثافة واللطافة وهي القشور اللبوب ثم الأدهان، وأما الجزء الغائص من الشجرة فإن تلك العروق تنتهي إلى أطرافها؛ وتلك الأطراف تكون في اللطافة كأنها مياه منعقدة، مع غاية لطافتها فإنها تغوص في الأرض الصلبة الخشنة٢.
стр. 7
"وأودع الله فيها قوى جاذبة تجذب الأجزاء اللطيفة من الطين إلى نفسها١, والحكمة في كل هذه التدبيرات تحصيل ما يحتاج العبيد إليه من الغذاء والإدام والفواكه والأشربة والأدوية، كما قال تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٥، ٢٦] ٢.
المثال الثالث: أنه وضع الأفلاك والكواكب بحيث صارت أسبابًا لحصول مصالح العباد، فخلق الليل ليكون سببًا للراحة والسكون، وخلق النهار ليكون سببًا للمعاش والحركة ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥] ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] واقرأ قوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا، وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ إلى آخر آيات [النبأ: ٦، ٧] , واعلم أنك إذا تأملت في عجائب أحوال المعادن والنبات والحيوان، وآثار حكمة الرحمن في خلق الإنسان, قضى صريح عقلك بأن أسباب تربية الله كثيرة، ودلائل رحمته لائحة ظاهرة، وعند ذلك يظهر لك قطرة من بحار أسرار قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣.
ولقد أضاف الله سبحانه الحمد إلى نفسه, فقال تعالى: ﴿الحمد لله﴾ , ثم أضاف نفسه إلى العالمين, والتقدير: "إني أحب الحمد فنسبته إلى
стр. 8
نفسي بكونه ملكًا, ثم لما ذكرت نفسي عرفت نفسي بكوني ربًّا للعالمين، ومن عرف ذاتًا بصفة فإنه يحاول ذكر أحسن الصفات وأكملها، وذلك يدل على أنه كونه ربًّا للعالمين أكمل الصفات، والأمر كذلك؛ لأن أكمل المراتب أن يكون تامًّا، وفوق التمام، فقولنا الله, يدل على كونه واجب الوجود لذاته في ذاته وبذاته, وهو التمام، وقوله: رب العالمين, معناه أن وجود كل ما سواه فائض عن تربيته وإحسانه وجوده, وهو المراد من قولنا: إنه فوق التمام.
والله سبحانه يملك عبادًا غيرك, كما قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] , وأنت ليس لك ربٌّ سواه، ثم إنه يربيك كأنه ليس له عبد سواك, وأنت تخدمه كأن لك ربًّا غيره، فما أحسن هذه التربية، أليس أنه يحفظ في النهار عن الآفات من غير عوض، وبالليل عن المخافات من غير عوض؟ واعلم أن الحراس يحرسون الملك كل ليلة، فهل يحرسونه عن لدغ الحشرات؟ وهل يحرسونه عن أن تنزل به البليات؟ أما الحق تعالى فإنه يحرسه من الآفات، ويصونه من المخافات؛ بعد أن كان قد زج أول الليل في أنواع المحظورات وأقسام المحرمات والمنكرات، فما أكبر هذه التربية وما أحسنها، أليس من التربية أنه ﷺ قال: "الآدمي بنيان الرب، ملعون من هدم بنيان الرب", فلهذا المعنى قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢] , ما ذاك إلّا الملك الجبار، والواحد القهار، ومقلب القلوب والأبصار, والمطلع على الضمائر والأسرار"١.
стр. 9
ولقد شرَّف الله الإنسان وأكرمه بأن خلق له العقل كي يميز به بين الأشياء, ويدرك به النافع من الضار؛ فهو الوسيلة التي يستعان به على قبول التربية والانتفاع بها, وهو وسيلة السعادة في الدنيا والآخرة.
من تربية الله للناس أنه خلقهم على الفطرة:
وروي عنه ﷺ أنه قال: "أول ما خلق الله العقل, فقال له أقبل فأقبل, ثم قال له أدبر فأدبر, ثم قال الله : "وعزتي وجلالي, ما خلقت خلقًا أكرم عليّ منك، بك آخذ, وبك أعطي وبك أثبت, وبك أعاقب"١.
والدين يحتاج إلى عقل وبصيرة؛ إذ لا يمكن تقبل المسائل أو رفضها إلّا عن طريقه, ولذلك قال ﷺ :
"يا أيها الناس إن لكلِّ شيء مطية, ومطية المرء العقل, وأحسنكم دلالة ومعرفة بالحجة أفضلكم عقلًا"٢.
كما جعل القلب مستودع العلوم كلها؛ إذ هو مصدر الإلهام ومنبع الكشف، وفي الحديث أنه -صلى عليه وسلم- قال: "استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك"٣. والدين الذي هو التربية يحتاج إلى كلا العقل والقلب، وقد فطرهما الله كليهما على الحق.
قال :
стр. 10
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ سورة الروم ٣٠-٣٢. قال ابن كثير في التفسير: "فسدد وجهك واستمرّ على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم, الذي هداك الله لها, وكملها لك غاية الكمال, وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها, فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده, وأنه لا إله غيره كما تَقَدَّم عند قوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ١.
وفي الحديث القدسي: "َإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ "، حيث طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة كاليهودية والنصرانية والمجوسية، وكقوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ٢, قال بعضهم: معناه لا تبدلوا خلق الله فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها فيكون خبرًا بمعنى الطلب، وقال آخرون: هو خبر, ومعناه أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة, لا يولد أحد إلّا على ذلك, ولا تفاوت بين الناس في ذلك, ولهذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك وابن زيد في قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لدين الله، وقال البخاري في قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لدين الله, خلق الأولين, دين الأولين، الدين والفطرة الإسلام"٣.
стр. 11
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه" , ثم يقول: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ " رواه مسلم١. قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل, حدثنا يونس, عن الحسن, عن الأسود بن سريع قال: أتيت رسول الله ﷺ , وغزوت معه, فأصبت ظفرًا, فقاتل الناس يومئذ حتى قتلوا الولدان, فبلغ ذلك رسول الله ﷺ , فقال رجل: يا رسول الله, أما هم أبناء المشركين؟ فقال: "لا, إنما خياركم أبناء المشركين -ثم قال: لا تقتلوا ذرية, لا تقتلوا ذرية, وقال: "كل نسمة تولد على الفطرة, حتى يعرب عنها لسانها, فأبواها يهودانه أو ينصرانها" , رواه النسائي في كتاب السير. وعن جابر, عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ "كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فإذا عبر عنه لسانه إما شاكرًا وإما كفورًا". وعن ابن عباس ﵄, أن رسول الله -صلى الله عليه سلم- سئل عن أولاد المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم"، أخرجاه في الصحيحين عن ابن عباس مرفوعًا بذلك، وقد قال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا عفّان, حدثنا حماد -يعني: ابن سلمة, أنبأنا عمار بن أبي عمار, عن ابن عباس قال: أتى عليَّ زمان وأنا أقول: أولاد المسلمين مع المسلمين, وأولاد المشركين مع المشركين, حتى حدثنى فلان عن فلان أن رسول الله
стр. 12
الله ﷺ سُئِلَ عن أولاد المشركين فقال: "ألله أعلم بما كانوا عاملين"، قال: فلقيت الرجل فأخبرني, فأمسكت عن قولي.
وعن قتادة, عن مطرف, عن عياض بن حمار, أن رسول الله ﷺ خطب ذات يوم فقال في خطبته: "إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا: كل ما نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم, وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي مالم أنزل به سلطانا" ١.
ويقول ابن كثير في أثناء تفسير سورة الروم، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ , أي: التمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين القيم المستقيم, ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٢, وقوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْه﴾ , قال ابن زيد وابن جريح, أي: راجعين إليه ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ , أي: خافوه وراقبوه, ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ , وهي الطاعة العظيمة, ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣ أي: بل كونوا من الموحدين المخلصين له العبادة لا يريدن بها سواه، وعن يزيد بن أبي مريم قال: مرَّ عمر ﵁ بمعاذ بن جبل فقالك عمر: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث؛ وهن المنجيات: الإخلاص؛ وهي الفطرة, فطرة الله التي فطر الناس عليها، والصلاة؛ وهي الملة والطاعة, وهي العصمة, فقال عمر:
стр. 13
صدقت، وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ١ أي: لا تكونوا من المشركين الذين قد فرقوا دينهم, أي: بدَّلُوه وغيَّروه, وآمنوا ببعضٍ وكفروا ببعض، وقرأ بعضهم: فارقوا دينهم, أي: تركوه وراء ظهورهم, وهؤلاء كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان وسائر أهل الأديان الباطلة مما عدا أهل الإسلام, كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ ٢ الآية. فأهل الأديان هنا اختلفوا فيما بينهم على آراء ومثل باطلة.
وكلة فرقة منهم تزعم أنهم على شيء, وهذه الأمة أيضًا اختلفوا فيما بينهم على نِحَلٍ كلها ضلالة إلّا واحدةً؛ هم أهل السنة والجماعة المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ , وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين من قديم الدهر وحديثه, كما رواه الحاكم في مستدركه أنه سُئِلَ ﷺ عن الفرقة الناجية منهم فقال: "من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي" ٣.
стр. 14
علم التربية والتعليم علم بدأه رسول الله ﷺ
...
علم التربية والتعليم علمٌ بدأه رسول الله -صلى الله عليه سلم:
التربية لفظ يقترن بالتعليم؛ لأنه مشتمل عليه؛ فالتربية والتعليم معنيان متلازمان لا يكادان ينفصلان، كما أنهما ينطبقان على عالم الإنسان وعالم الحيوان، فالطيور تربي صغارها, وتكلأ أولادها منذ ولادتهم حتى إذا قويت أعضاؤهم علَّمَتها الطيران, وكيف تقتات لنفسها, فاستغنت بعد ذلك عن الأبوين، وكذلك الوحوش تكلأ أولادها منذ ولادتها, وتعتني بها, وتجلب لها الطعام, حتى إذا قويت أعضاؤها خرجت بها إلى رحابة الحياة تعلمها كيف تقتات وتحصل على فرائسها, فتستغني بذلك عن رعاية الأبوين.
أما التربية والتعليم في عالم الإنسان فشيء عظيم، له قواعد معينة, وأصول مرعية، تنبثق من طبيعة المجتمع وعقيدته ووثقافته.
والمجتمع الإسلامي يُعَدُّ أرقى المجتمعات الإنسانية في مجال التربية والتعليم، وللمسلمين -كما نعلم- فضل كبير في نشر العلوم إلى مختلف بقاع العالم أيام الفتوحات الإسلامية, وكان لهم قصب السبق في طرق التربية والتعليم، وفي المنهج العلمي في التفكير, وذلك في الاقتصاد والاجتماع والفلك والطبيعة والكيماء والرياضة والطب والتشريح, حتى في التفكير والطيران، ومؤلفاتهم تشهد بذلك.
والتربية والتعليم كعلمٍ نشأ مع بزوغ فجر الإسلام, وصارت له مدرسة في مدينة الرسول الكريم ﷺ ، هذه المدرسة التي أنشأها الرسول الكريم للتربية والتعليم, كان كتابها القرآن، وهو الوحي المتلو، وبيانها ما جاء به عن النبي من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير، فكل حركاته ﷺ وسكناته, إنما هي بيانٌ عمليٌّ لهذا الكتاب المقرر على المسلمين, وقد شرحه لهم عمليًّا رسول الله ﷺ .
ونستطيع أن نقول: إن التربية والتعليم علمٌ بدأه رسول الله ﷺ في المدينة, مصداقًا لقوله -عزَّ وعَلَا: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
стр. 15
وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ سورة الجمعة آية ٢.
فكان ﷺ يربيهم على القرآن, يشرح لهم معنى الآية, ويجيبهم عن كل ما يصعب عليهم فهمه.
سأله بعض صحابته قال: يا رسول الله, أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟
قال: "كان في عماءٍ ما تحته هواء, وما فوقه هواء, وخلق عرشه على الماء" ١.
قال يزيد بن هارون: العماء, أي: ليس معه شيء.
وكان اليهود يسألونه عن أشياء في كتبهم وهم يعلمونها, ولكنهم كانوا بها يختبرون النبي ﷺ .
قال ابن عباس: أقبلت يهود إلى النبي ﷺ : فقالوا: يا أبا القاسم, أخبرنا عن الرعد ما هو؟
قال: "ملك من الملائكة, موكَّلٌ بالسحاب, معه مخاريق -آلة تضرب بها الملائكة السحاب- من نار, يسوق بها السحاب حيث شاء الله"
فقالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟!
قال: "زجره السحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر".
قالو: صدقت, فأخبرنا عما حرَّم إسرائيل على نفسه؟
قال: "اشتكى عرق النسا, فلم يجد شيئًا يلائمه إلّا لحوم الإبل وألبانها, فلذلك حرّمها".
стр. 16
قالوا: صدقت١ ...
وكان القرآن ينزل على النبي ﷺ يعالج أمور المسلمين ويوجههم ويحملهم إلى الهداية والرشاد.
ورى ابن عباس أنه كانت امرأ تصلي خلف رسول الله ﷺ حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يتقدَّم حتى يكون في الصف الأول لئلَّا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر, فإذا ركع نظر من تحت إبطيه، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ ٢ وروي عن زيد بن أرقم ﵁ أنه قال:
"كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن أُبَيِّ سلول يقول لأصحابه: "لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا" و"لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل" فذكرت ذلك لعمي، فذكر ذلك عمي للنبي ﷺ ، فدعاني النبي ﷺ فحدثته، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذبني ﷺ وصدقه، فأصابني شيء لم يصبني قط مثله، فجلست في البيت، فقال عمي: ما أردت إلّا أن كذبك رسول الله ﷺ ومقتك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُون﴾ فبعث إليَّ رسول الله ثم قال: "إنا الله صدقك"٣.
стр. 17
علم التربية والتعليم في المدرسة المحمدية ١:
هكذا كانت التربية والتعليم علمًا نما مع تربية الرسول ﷺ لأصحابه, ونضج معه وبه، واهتمَّ به القرآن الكريم اهتمامًا بالغًا في قصصه، ثم ترعرع وأخذ قالب تنظيم وترتيب أكثر في عهد التابعين ومن بعدهم، ثم ألّّف فيه العلماء بشكلٍ مستفيضٍ في نهاية القرن الثاني الهجري, فقد أشار القرآن الكريم إلى طريق الامتحان والاختبار في قصة آدم ﵇؛ حيث أجرى امتحانًا بينه وبين الملائكة, فقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
وقد أشار هذه الآيات أيضًا إلى أن من سُئِلَ ولم يعلم جوابه بقوله: لا أدري, والله أعلم، قال القرطبي: من سُئِلَ عن شيء لم يعمله, فالواجب عليه أن يقول: الله أعلم، لا أدري, اقتداءً بالملائكة والأنبياء، والفضلاء من العلماء، قال مالك بن أنس: سمعت ابن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده "لا أدري", حتى يكون أصلًا في أيديهم، فإذا سُئِلَ أحدهم عَمَّا لا يدري قال: لا أدري، وذكر الهيثم بن جميل قال: شهدت مالك بن أنس سُئِلَ عن ثمانِ وأربعين
стр. 18
مسألة, فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري١.
كذلك أشار القرآن الكريم إلى أدب المتعلِّم مع المعلِّم؛ من التسليم والصمت والصبر, في قصة موسى وخضر ﵉, فقد رحل موسى -وهو نبي من أنبياء الله ﵈ في طلب العلم إلى شاطئ البحر تاركًا قومه، في سبيل التعلُّم من عبدٍ من عباد الله تعالى, ثم لما رآه استأذنه في أن يصاحبه للعلم، غير أن خضر ﵇ اشترط عليه شروطًا وقبلها موسى ﵇؛ حيث يقول القرآن الكريم حاكيًا كلام خضر لموسى ... ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ , ثم كان مشفقًا عليه فبيَّنَ أن عدم استطاعته يعود إلى عدم إحاطته بعلم هذه الأشياء فقال: ﴿كَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ , فقال موسى: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ , فقد استجاب موسى لكلامه وزاد أدبًا آخر, وهو أنه لا يعصيه في أمره, بل يستجيب إليه بكل ما أوتي من وسائل، ثم عاد خضر ليبين له الطريق الأسلم والأنجح في التعليم وهو الاقتناع الكامل بمنهج المعلِّم وسلامته, والتسليم الكامل إليه, والصمت الحقيقي حتى ينتهي الأستاذ من أعماله, ثم يقوم بشرحها له, فقال خضر: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ , ثم مضيا على ساحل البحر بعد أن اتفقا على هذه الآداب, حتى إذا ركبا سفينةً فقام خضر بخرق السفينة وتعييبها, وهنا عارضه موسى ﵇ فقال: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ ، أي: منكرًا, فقد كان مع سيدنا
стр. 19
موسى كلَّ الحق في معارضته, مع أنه التزم بأن لا يعترض عليه؛ لأن وظيفته -وهو نبي- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية خالق، وأن كل شرط أحلَّ حرامًا, أو حَرَّمَ حلالًا فهو باطل، وسيدنا موسى لم يعلم بعد بالسر الذي وراء عملية الخرق, ولَمَّا عَلِمَ بحقيقة الأمر اقتنع, وهكذا إلى آخر القصة في سورة الكهف "الآيات ٦٠-٨٢".
وكذلك لو فتشنا عن آداب المتعلم والعالم في القرآن الكريم، لوجدناه مليئًا بها من خلال قصص الأنبياء ﵈ مع أقوامهم.
وأما مدرسة سيدنا ورسولنا محمد -صلى الله عليه سلم- فهي أعجوبة الزمن ومعجزة العالم في التربية والتزكية والتعليم والسمو, حتى شهد الله تعالى بنجاح مدرسته فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ١.
وقد بيَّنَ القرآن الكريم أسباب نجاحه وهي الرحمة والرأفة والعزم والتشاور واللين وبشاشة الوجه, فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ٢.
فقد وضع الرسول ﷺ الأسس العامة للتعليم, وهو استعمال
стр. 20
الرحمة والرفق والتيسير والتبشير, فقد قال لأبي موسى ومعاذٍ لما بعثهما إلى اليمن: "يسَّرَا ولا تعسِّرَا، وعلِّمَا ولا تنفِّرَا" ١, وقال ﷺ : "علموا ولا تعنفوا, فإن المعلِّمَ خيرٌ من المعنِّفِ"٢.
ويكفي أن نلفت نظر القارئ الكريم إلى كتب الصحاح والسنن, حيث تجدها مليئة بطرق التربية والتزكية، فقد خصص جميعهم كتبًا أو أبوابًا خاصّةً للعلم وفضائله، وفضل تعلمه وتعليمه, وأدب ذلك٣.
وبالإضافة إلى ذلك, فإن بعض الأحاديث والآثار تشير إلى أنه كان في عهد الرسول ﷺ وخلفائه الراشدين, كتاتيب منظمة يتعلم فيها أبناء المسلمين الفقراء والأغنياء على السواء، وأن هناك من اتخذ التعليم مهنةً وصناعةً لها أصولها ومناهجها وآدابها, فكان يقوم بها رجال أكفاء متخصصون في طرائق التعليم, وفي تهذيب الأخلاق, والعناية بتنشئة أطفال المسلمين٤.
وأكثر من ذلك, فقد أثبت لنا الإمام محمد بن سحنون روايات عن
стр. 21
أنس تثبت أزهار مدارس التعليم "الكتاتيب" في عهد الخلفاء الراشدين منها, أنه قيل لأنس بن مالك: كيف كان المؤدبون على عهد الأئمة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃, قال أنس: كان المؤدِّبُ له إجالة -إي إناء- وكل صبيٍّ يأتي كلَّ يومٍ بنوبته ماء طاهرًا فيصبونه فيها, فيمحون به ألواحهم, قال أنس: "ثم يحفرون حفرة في الأرض, فيصبون ذلك الماء فينشف"١.
فهذه النصوص وغيرها تدل دلالةً واضحةً على أنه بدأت الكتاتيب المنظمة "المدارس" لتحفيظ القرآن وتعليم العلوم في وقتٍ مبكرٍ جدًّا, فقد كان في المدينة دار تُسَمَّى "دار القرآن", وإن بعض القراء كانوا يسكنونها ليحفظوا آي كتاب الله تعالى ويجوّدوا قراءته، ويقصدهم الناس إليها فيفيدون مما عندهم من علم الكتاب, وما حفظوا من حروفه وتلاوته٢.
وقال المستشرق "ديبس" في دائرة المعارف الإسلامية: "ويظهر أنه قد وُجِدَتْ منذ فجر الإسلام أمكنة كانوا يجتمعون فيها لاستظهار القرآن وتدراسه, ولا شكَّ في أن هذه المواضع كانت كالمدارس الأولية, يتعلمون فيها مبادئ القراءة وأصول الكتابة العربية، كما يحدثنا الواحدي, ويذكر أن عبد الله بن أم مكتوم كان يسكن دار القراءة بالمدينة"٣.
стр. 22
ولما بدأت الفتوحات الإسلامية وانتشرت رقعة الإسلام, جَدَّ الصحابة والتابعون في ترسيخ الإسلام عقيدةً وشريعةً في نفوس الناس, فبرزت الكتاتيب بصورةٍ واضحة, وتعددت مدارس التعليم في البصرة، والكوفة، والفسطاط, والقيروان, حتى انتهت إلى القمة في القرنين الثالث والرابع الهجريين, فقد رُوِيَ عن غياث بن أبي غياث أنه لما كان طفلًا كان في الكُتَّابِ, فكان الصحابي سفيان بن رحب يزور كتّابهم, ويلاطف الأطفال, ويدعو لهم بالفتوح والبركة١.
وقد ظهرت كتب خاصة بآداب المعلِّمِ والمتعلِّم, وأول ما وصلنا من هذه الكتب: كتاب آداب المعلمين لمحمد بن سحنون "ت٢٥٦"٢, الذي يعتبر رائدًا في هذا الميدان؛ حيث تناول فيه أبوابًا كثيرة, وأهمها هو ما يتعلق بتعليم القرآن العزيز, وما جاء في العدل بين الصبيان, وكيفية محو الصبيان خطوط القرآن من ألواحهم, وما جاء بالأدب بالكلام أو بالضرب, وما يجب على المعلِّم من لزوم الصبيان، وما جاء في إجازة
стр. 23
المعلم ومتى تجب؟ ما جاء في إجازة المصحف وكتب الفقه وما شابهها, ص "٩٣", فقد قال الدكتور طلس: "وقد أزاح -أي: محمد بن سحنون- لنا الستار عن معلوماتٍ كنَّا نعتقد أنه لا بُدَّ كانت موجودة لدى المسلمين, ولكننا نجهل تفصيلها, فإذا بابن سحنون يرويها لنا عن أبيه عن شيخنا الإمام مالك إمام المدينة, وعن غيره من الأئمة الأعلام، والشيوخ الأكابر الذين عاصروا الصحابة, فعرفوا عن كثبٍ طريقة التربية العربية الإسلامية", ثم توالت التآليف بعده في هذا الحقل, فألف الآجري المتوفى سنة "٣٦٠هـ", والخوارزمي المتوفى سنة ٣٧٧هـ", ثم جاء ابن جزار القيراوني, المتوفي سنة "٣٩٥هـ", فألف كتابه باسم "سياسية الصبيان وتدبيرهم", وجاء أبو الحسن عليّ بن خلف القابيني, المتوفى سنة "٤٠٣هـ", فألف كتابًا جمع فيه وأوعى في أحوال المعلمين, وأحكام المعلمين والمتعلمين", ثم ألف في الحقل أيضًا أبو عمر أحمد بن محمد بن عفيفي, المتوفي سنة "٤٢٠هـ", وسماه: "آداب المعلمين" في خمسة أجزاء١. ثم جاء الغزالي, فجمع ما بين طرق التعليم والتربية, وطرق التزكية والتصفية, فأبدع فيه وابتكر, ذلك من خلال رسالة الغزالي إلى تلميذه بعنوان: "أيها الولد", وكتابه "إحياء علوم الدين", ثم تبعهم المؤلفون فأكثروا ولخصوا فاختصروا٢.
стр. 24
وبذلك عرفنا أن المسلمين بسبب محركِهم الأساسي: القرآن والسنة, لم يهملوا هذا الجانب الهام في حياة الأمة, وهو الاهتمام بطرائق تربية الأطفال, والبحث عن أنجح الطرق والمناهج انطلاقًا من أنه لا حضارة بغير علم, ولا علم بغير تعليم, ولا تعليم بغير نظام معيِّنٍ ينظِّمُ الصلة بين المتعلِّم والمعلِّم, ولذلك انتشر الإسلام لا بالسيف وإنما بالعلم واستعمال الحكمة في كيفية إيصاله إلى الناس؛ فقد تفجَّر هذا الينبوع في وادٍ غير ذي زرع عند بيت الله الحرام, الذي كانت قلوب الناس تهوي إليه, فلم يلبث أن أصبح فيضًا غَمَرَ الجزيرة العربية, وغيثًا جاوزها في سرعة عجيبة خارقة ليعمَّ أقطارًا كثيرة في آسيا وإفريقية وأوروبا, "والمؤرخون يعلمون بأن انتشار الإسلام بهذه السرعة ظاهرةٌ فريدةٌ في التأريخ البشري كله، وبعضهم لا يكاد يجد لها تعليلًا يقبله الفكر في سهولة ويسر"١. فقد كان شغل الفاتحين المسلمين الشاغل هو الإسلام, فظهرت على أيدي الصحابة الكرام وتابيعهم مدارس العلم في العالم الإسلامي أجمع.
فما أحوجنا اليوم إلى العودة إلى هذا التراث الضخم، وما أحوجنا اليوم إلى الأخذ بطرق السلف في التربية والتعليم, والتزكية والتصفية، وإنه ليوم قريب -إن شاء الله تعالى"٢.
стр. 25
الفصل الثاني: مصادر التربية الإسلامية
مدخل
...
الفصل الثاني: مصادر التربية الإسلامية
تستمد التربية الإسلامية أصولها من أطهر وأعظم المصادر التي تملأ النفس البشرية دائمًا بالأخلاق السامية؛ حيث جعل الإسلام مصادر التربية في:
أ- القرآن الكريم: وهو كلام الله ، وهو الوحي المتلو بواسطة جبريل ﵇ إلى محمد ﷺ ، والذي يضمُّه المصحف الشريف بين دفتيه.
ب- السنة النبوية: وهي أقوال وأفعال وتقريرات وصفات النبي ﷺ , عملًا بقول الله ﵎: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ .
ج- هدي الصحابة: الذين تعلموا من النبي ﷺ , وعاصروه وآزروه رجالًا ونساءً؛ إذ كل ما أُثِرَ عنهم من كلامٍ وأفعالٍ نحن مطالبون به.
د- هدي التابعين: والتابعون هم الذين أخذوا العلم من صحابة رسول الله ﷺ , وهم هداة مهديون, وعلماء أجلّاء مخلصون لله, حملوا العلم عن صحابة الرسول ﷺ , وأبلغوه مَنْ بعدهم كما وصلهم, وما بدَّلُوا تبديلًَا.
стр. 26
أولًا: التربية في القرآن الكريم
قال الله : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
فلم يدع القرآن شيئًا من أمور الناس في دنياهم إلّا وله فيه ذكر، كما بيَّنَ الله في هذا القرآن ما يقيم أمر الإنسان ويضمن له سعادته في الدنيا, ويضمن له أيضًا فوزه في الآخرة.
ولقد وضع القرآن للإنسان دستور حياته، وهو دستورٌ كاملٌ للإنسانية يشتمل على العقائد والعبادات والمعاملات والآداب الفردية والاجتماعي بأسلوب واضح وحجة قوية؛ بحيث يصلح لكلِّ الأجناس ولكل زمان ومكان؛ فمنهجه من صنع الخبير العليم, الذي أحكم كل شيء صنعه، وهو منهج تتضاءل بجانبه قوى العقول البشرية، وتتقاصر دونه كل الجهود البشرية.
السور التي تختص بأمور التربية في القرآن:
ولقد أرسى القرآن العظيم في عمومه قواعد الأخلاق الكريمة، لكن هناك سورًا منه اختصت بالتربية وعنيت بالأمر بمكارم الأخلاق, واشتملت على النهي عن القبائح والمنكرات مع الأمر بالمعروف، وتضمنت الآداب العامة التي ينبغي لكل مسلم أن يتحلَّى بها, نجد ذلك في سورة النساء، وسورة النور، وسورة لقمان، وسورة الأحزاب، وسورة الحجرات, وسورة الطلاق، وفيما يلي بيان موجز لما اشتملت عليه كل سورة من هذه السور في مجال التربية الإسلامية.
"سورة النساء"
سورة النساء إحدى السور المدنية الطويلة، وهي سورة مليئة بالأحكام الشرعية، التي تنظِّمُ الشئون الداخلية والخارجية للمسلمين، وهي تُعْنَى بجانب التشريع, كما هو الحال في السور المدينة، وقد تحدثت السورة الكريمة عن أمور هامَّةٍ تتعلق بالمرأة، والبيت، والأسرة، والدول، والمجتمع، ولكن معظم الأحكام التي وردت فيها, كانت تبحث حول موضوع النساء, ولهذا سُمَّيَتْ "سورة النساء"!!
стр. 27
تحدثت السورة الكريمة عن حقوق النساء والأيتام -وبخاصة اليتيمات- في حجور الأولياء والأوصياء، فقررت حقوقهن في الميراث والكسب والزواج، واستنقذتهن من عسف الجاهلية وتقاليدها الظالمة المهينة.
- وتعرضت لموضع المرأة فصانت كرامتها، وحفظت كيانها، ودعت إلى إنصافها بإعطائها حقوقها التي فرضها الله تعالى لها؛ كالمهر، والميراث، وإحسان العشرة.
- كما تعرضت بالتفصيل إلى "أحكام المواريث" على الوجه الدقيق العادل، الذي يكفل العدالة ويحقق المساواة, وتحدثت عن المحرمات من النساء "بالنسب، والرضاع، والمصاهرة".
- وتناولت السورة الكريمة تنظيم العلاقات الزوجية, وبينت أنها ليست علاقة جسد, وإنما علاقة إنسانية، وأن المهر ليس أجرًا ولا ثمنًا، وإنما هو عطاءٌ يوثق المحبة، ويديم العشر، ويربط القلوب.
- ثم تناولت حق الزوج على زوجته، وحق الزوجة على زوجها، وأرشدت إلى الخطوات التي ينبغي أن يسلكها الرجل لإصلاح الحياة الزوجية، عندما يبدأ الشقاق والخلاف بين الزوجين، وبيَّنَتْ معنى "قوامة الرجل", وأنها ليست قوامة استعباد وتسخير، وإنما هي قوامة نصح وتأديب؛ كالتي تكون بين الراعي ورعيته.
- ثم انتقلت من دائرة الأسرة إلى دائرة المجتمع, فأمرت بالإحسان في كل شيء، بيَّنَتْ أن أساس الإحسان التكافل والتراحم، والتناصح والتسامح، والأمانة والعدل، حتَّى يكون المجتمع راسخ١.
стр. 28
البنيان قوي الأركان.
- ومن الإصلاح الداخلي انتقلت الآيات إلى الاستعداد للأمن الخارجي, الذي يحفظ على الأمة استقرارها وهدوءها، فأمرت بأخذ العدة لمكافحة الأعداء.
- ثم وضعت بعض قواعد المعاملات الدولية بين المسلمين والدول الأخرى المحايدة أو المعادية.
- واستتبع الأمر بالجهاد حملةً ضخمة على المنافقين، فهم نابتة السوء, وجرثومة الشر التي ينبغي الحذر منها، وقد تحدثت السورة الكريمة عن مكايدهم وخطرهم.
- كما نبهت إلى خطر أهل الكتاب, وبخاصة اليهود, وموقفهم من رسل الله الكرام.
- ثم ختمت السورة الكريمة ببيان ضلالات النصارى في أمر المسيح عيسى بن مريم؛ حيث غالوا فيه حتى عبدوه, ثم صلبوه١ مع اعتقادهم بألوهيته، واخترعوا فكرة التثليث, فأصحبوا كالمشركين الوثنيين، وقد دعتهم الآيات إلى الرجوع عن تلك الضلالات إلى العقيدة السمحة الصافية "عقيدة التوحيد", وصدق الله حيث يقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ١.
стр. 29
"سورة النور"
- سورة النور من السور المدنية، التي تتناول الأحكام الشرعية, وتُعْنَى بأمور التشريع، والتوجيه والأخلاق، وتهتم بالقضايا العامة والخاصة, التي ينبغي أن يُرَبَّى عليها المسلمون أفرادًا وجماعات, وقد اشتملت هذه السورة على أحكام هامة, وتوجيهات عامة تتعلق بالأسرة، التي هي النواة الأولى لبناء المجتمع الأكبر.
- وضَّحَتْ السورة الآداب الاجتماعية التي يجب أن يتمسك بها المؤمنون في حياتهم الخاصة والعامة؛ كالاستئذان عند دخول البيوت، وغَضِّ الأبصار، وحفظ الفروج، وحرمة اختلاط الرجال بالنساء الأجنبيات، وما ينبغي أن تكون عليه الأسرة المسلمة والبيت المسلم, من العفاف والستر، والنزاهة والطهر، والاستقامة على شريعة الله، صيانةً لحرمتها، وحفاظًا عليها من عوامل التفكك الداخلي، والانهيار الخلقي، الذي يهدم الأمم والشعوب.
- وقد ذُكِرَ في هذه السورة الكريمة بعضُ الحدود الشرعية التي فرضها الله؛ كحد الزنى، وحد القذف، وحد اللعان، وكل هذه الحدود إنما شُرِّعَتْ تطهيرًا للمجتمع من الفساد والفوضى، واختلاط الأنساب، والانحلال الخلقي، وحفظًا للأمة من عوامل التردي في بؤرة الإباحية والفساد، التي تسبب ضياع الأنساب، وذهاب العِرْضِ والشرف.
- وباختصار, فإن هذه السورة الكريمة عالجت ناحيةً من أخطر النواحي الاجتماعية, هي "مسألة الأسرة", وما يحفُّها من مخاطر، وما يعترض طريقها من عقباتٍ ومشاكل، تؤدي بها إلى الانهيار, ثم الدمار، هذا عدا ما فيها من آداب سامية، وحكم عالية، وتوجيهات رشيدة١.
стр. 30
إلى أسس الحياة الفاضلة الكريمة، ولهذا كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة يقول لهم: "علموا نساءكم سورة النور".
"سورة لقمان"
وقد سُمِّيَتْ سورة لقمان لاشتمالها على قصة "لقمان الحكيم", التي تضمَّنَتْ فضيلة الحكمة وسرّ معرفة الله تعالى وصفاته، وذمّ الشرك، والأمر بمكارم الأخلاق، والنهي عن القبائح والمنكرات, وما تضمنته كذلك من الوصايا الثمينة التي أنطقه الله بها، وكانت من الحكمة والرشاد بمكان!
"سورة الأحزاب"
أما سورة الأحزاب فهي من السور المدنية، التي تتناول الجانب التشريعيّ لحياة الأمة الإسلامية، شأن سائر السور المدنية، وقد تناولت حياة المسلمين الخاصة والعامة، وبالأخص أمر الأسرة, فشرَّعَتْ الأحكام بما يكفل للمجتمع السعادة والهناء, وأبطلت بعض التقاليد والعادات المورثوة؛ مثل: التبني, والظهار، واعتقاد وجود قلبين لإنسان, وطهَّرت الناس من رواسب المجتمع الجاهلي، ومن تلك الخرافات والأساطير الموهومة التي كانت متفشيةً في ذلك الزمان، وتجد في هذه السورة من الموضوعات التربوية ما يلي:
أولًا: التوجيهات والآداب الإسلامية.
ثانيًا: الأحكام والتشريعات الإلهية١.
стр. 31
أما الأولى: فقد جاء الحديث عن بعض الآداب الاجتماعية؛ كآداب الوليمة، وآدب الستر والحجاب, وعدم التبرج، وآداب معاملة الرسول ﷺ واحترامه, إلى آخر ما هنالك من آداب اجتماعية.
وأما الثانية: فقد جاء الحديث عنها في بعض الأحكام التشريعية؛ مثل: حكم الظهار, والتبني، والإرث، وزواج مطلقة الابن من التبني، وتعدد زوجات الرسول الطاهرات والحكمة منه، وحكم الصلاة على الرسول ﷺ , وحكم الحجاب الشرعيّ، والأحكام المتعلقة بأمور الدعوة إلى الوليمة, إلى غير ما هنالك من أحكام تشريعية.
"سورة الحجرات"
هذه السورة الكريمة مدنية، وهي على وجازتها سورة جليلة ضخمة، تتضمَّن حقائق التربية الخالدة، وأسس المدنية الفاضلة، حتى سمَّاها بعض المفسرين "سورة الأخلاق".
- ابتدأت السورة الكريمة بالأدب الرفيع الذي أدَّبَ الله به المؤمنين، تجاه شريعة الله وأمر رسوله، وهو ألَّا يبرموا أمرًا، أو يبدوا رأيًا، أو يقضوا حكمًا في حضرة الرسول ﷺ ، حتى يستشيروه ويستمسكوا بإرشاداته الحكيمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
- ثم انتلقت إلى أدبٍ آخر, هو خفض الصوت إذا تحدثوا مع الرسول ﷺ تعظيمًا لقدره الشريف، واحترامًا لمقامه السامي، فإنه ليس كعامة الناس, بل هو رسول الله، ومن واجب المؤمنين أن يتأدبوا معه في الخطاب, مع التوقير التعظيم والإجلال١ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا
стр. 32
أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ .
- ومن الأدب الخاصِّ إلى الأدب العام, تنتقل السورة لتقرير دعائم المجتمع الفاضل، فتأمر المؤمنين بعدم السماع للإشاعات، وتأمر بالتثبت من الأنباء والأخبار، لا سيما إن كان الخبر صادرًا عن شخصٍ غير عدلٍ, أو شخص مُتَّهَمٍ، فكم من كلمة نقلها فاجر فاسق سبَّبَتْ كارثةً من الكوارث، وكم من خبر لم يتثبت منه سامعه جَرَّ وبالًا، وأحدث انقسامًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ .
- ودعت السورة إلى الإصلاح بين المتخاصمين، ودفع عدوان الباغين: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الآيات.
- وحذَّرَتْ السورة من السخرية والهمز واللمز، ونفَّرَتْ من الغيبة والتجسس والظن السيئ بالمؤمنين، ودعت إلى مكارم الأخلاق، والفضائل الاجتماعية، وحين حذَّرَتْ من الغيبة جاء النهي في تعبير رائع عجيب، أبدعه القرآن غاية الإبداع، صورة رجل يجلس إلى جنب أخٍ له ميت ينهش منه ويأكل لحمه ﴿وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ الآية. ويا له من تنفيرٍ عجيب!!
- وختمت السورة بالحديث عن الأعراب الذين ظنوا الإيمان كلمةً تُقَالُ باللسان، وجاءوا يمنُّون على الرسول إيمانهم، فتبين حقيقة الإيمان, وحقيقة الإسلام، وشرط المؤمن الكامل, وهو الذي جمع الإيمان والإخلاص والجهاد والعمل الصالح ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ . إلى آخر السورة الكريمة١.
стр. 33
"سورة الطلاق"
- سورة الطلاق مدنية, وقد تناولت بعض الأحكام التشريعية المتعلقة بأحوال الزوجين؛ كبيان أحكام الطلاق من العدة، والنفقة، والسكنى، وأجر المرضع, إلى غير ما هنالك من أحكام.
- وتناولت السورة الكريمة في البدء أحكام الطلاق -الطلاق السنِّي، والطلاق البدعي- فأمرت المؤمنين بسلوك أفضل الطرق عند تعذر استمرار الحياة الزوجية، ودعت إلى تطليق الزوجة في الوقت المناسب, وعلى الوجه المشروع، وهو أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، ويتركها إلى انقضاء عدتها.
- وفي هذا التوجيه الإلهي دعوة للرجال أن يتمهلوا ولا يسرعوا في فصل عرى الزوجية، فإن الطلاق أبغض الحلال إلى الله، ولولا الضرورات القسرية لما أبيح الطلاق؛ لأنه هدمٌ للأسرة.
- ودعت السورة إلى إحصاء العدة لضبط انتهائها، لئلَّا تختلط الأنساب، ولئلَّا يطول الأمد على المطلقة فيلحقها الضرر، ودعت إلى الوقوف عند حدود الله، وعدم عصيان أوامره.
- وتناولت السورة أحكام العدة، فبينت عِدَّةَ اليائس التي انقطع عنها دم الحيض لكبرٍ أو مرض، وكذلك عدة الصغيرة، وعدة الحامل؛ فبينته أوضح بيانٍ مع التوجيه والإرشاد.
- وفي خلال تلك الأحكام التشريعية تكررت الدعوة إلى "تقوى الله" بالترغيب تارةً، وبالترهيب أخرى، لئلَّا يقع حيفٌ أو ظلمٌ من أحد الزوجين، كما أوضحت أحكام السكنى والنفقة١.
стр. 34
- وختمت السورة بالتحذير من تعدي حدود الله، وضربت الأمثلة بالأمم الباغية التي عتت عن أمر الله، وما ذاقت من الوبال والدمار، ثم أشارت إلى قدرة الله في خلق سبع سموات طباق، وخلق الأرضين، وكلها براهين على وحدانية رب العالمين.
عالمية القرآن في التربية:
تربية المولى -عزَّ وعَلَا- للناس بعامة:
وجَّه المولى النداء في القرآن للناس جميعًا في كل البقاع والأصقاع؛ بقوله: يا أيها الناس, أو بقوله: يا بني آدم, أو بقوله: يا أيها الإنسان, أو بأمره لنبيه بأن يقول لهم ما أبلغه به جبريل عن الله بقوله: "قل يا أيها الناس", فنجد في القرآن من مباشرة النداء آيات كثيرة تدعو الناس إلى عبادة الله وتوحيده؛ لأنه ربهم الذي خلقهم؛ كقوله عز من قائل:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١، ٢١] .
فتجد "ربكم" فيها تنبيه على أن الموجب للعبادة هي الربوبية، والآية تدل على أن الطريق إلى معرفة الله والعلم بوحدانيته واستحقاقه للعبادة: النظر في صنعه, والاستدلال بأفعاله، وأن العبد لا يستحق بعبادته ثوابًا, لكنه لما أداها فإنه كأجيرٍ أخذ الأجر قبل العمل.
فالله المربِّي قد هيأ للناس الأرض, وصيرها متوسطة بين الصلابة واللطافة, حتى صارت صالحة لأن يقعدوا عليها, ويناموا عليها؛ كالفراش المبسوط, فهي مع اتساع جرمها, لا تأبى الافتراش عليها، كما جعل
стр. 35
السماء مبنية ينزل منها المطر الذي أودع الله فيه قوة فاعلة قادرة على أن تمتزج بقوة الأرض الفاعلة أيضًا, فيتولد منهما أنواع الثمار التي يكون منها زرق الإنسان، فلا يصحُّ للإنسان المرزوق بقدرة الله أن يجعل له أندادًا, مع علمه بأنه سبحانه لا نِدَّ له، ولا شريك له, وإذا كان ذلك كذلك, فإنه سبحانه أباح لهم بأن يأكلوا من طيبات الرزق فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨] ، و"مما" للتبعيض؛ لأن كل ما في الأرض ليس بمأكولٍ؛ فمنه ما هو طيب طاهر من كل شبهة، ومنه ما هو غير ذلك، والشيطان يزين لهم الحرام ويدعوهم إليه, حتى يقعوا في المحظور؛ فيخالفوا أوامر الرب ، ولذلك قال بعدها: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] ؛ ليبين لهم أنهم يجب عليهم الانتهاء عن الشيطان؛ لأنه يزيّن لهم أعمالهم, ويريد بذلك هلاكهم, فهو لا يأمرهم بخير أبدًا، ولكن يأمرهم بالسوء والفحشاء؛ قيل: إن السوء ما لا حَدَّ فيه, والفحشاء ما فيه حَدٌّ، ومن ذلك: القول على الله بما لا يعلمون, فيحلون ويحرمون من عند أنفسهم، وبتزيين الشيطان لهم يقولون: هذا حلال وهذا حرام، والله لا يرضى منهم هذه الادعاءات الباطلة, وكيف يطيعون أوامر الشيطان ولا يستجيبون لأوامر الرحمن؟!
ويأتي النداء في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ فيطالب الناس بتقواه؛ وهي عبادته وحده لا شريك له، فهم من خلقه, والدليل على ذلك خلقه إياهم من نفسٍ واحدة هي نفس آدم، حيث خلق من ضلعه الأيسر حواء, وذرأ منهما رجالًا كثيرًا ونساءً, ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم وصفاتهم
стр. 36
وألوانهم ولغاتهم، وهو سبحانه مراقب لجميع أحوالهم وأعمالهم, وفي ذلك تذكير للناس بأصل الخلقة وقدرة الخالق مما يستوجب منهم عبادته وحده, وطاعة أوامره وحده.
أما في سورة الأعراف فيأمر الله نبيه محمد ﷺ بأن ينادي في الناس ويُعْلِمَهُمْ بأنه رسول الله إلى جميع الخلق, وأن عليهم أن يتبعوه إن أرادوا لأنفسهم رحمةً؛ حيث يقول عز من قائل: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ آية ١٥٨.
وهذه الآية تحمل عالمية الدعوة، فهي لعموم الناس؛ أبيضهم وأسودهم, وأحمرهم وأصفرهم, وعربيهم وعجميهم, يطلب منهم الإيمان بالله وبرسوله وبكلماته, وهي شاهدةٌ على جميع البشر بأن الله أخبرهم عن طريق الرسول والقرآن وأقوال علماء المسلمين في كل مكان وزمان, فلاحجة لأحدٍ منهم أن ينكر البلاغ١.
ثم يأتي النداء في سورة يونس:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ آية ٢٣.
ليبيِّنَ لهم على أن ظلمهم إنما يعد في النهاية عليهم، وأن المآل والمرجع إلى الله؛ فيخبرهم به يجازيهم عليه.
وفي سورة يونس أيضًا يكون النداء من العليّ القدير إلى الناس بالهداية والرحمة بمجيء القرآن والرسول ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ
стр. 37
مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ آية ٥٧.
أي قد جاءكم كتاب جامع لكلِّ الفوائد من موعظةٍ وتنبيهٍ على التوحيد, والموعظة التي تدعو إلى كل مرغوب, وتزجر عن كل مرهوب؛ إذ الأمر يقتضي حسن المأمورية فيكون مرغوبًا, وهو يقتضي النهي عن ضده وهو قبيح، وعلى هذا, ففي النهي شفاء لما في صدوركم من العقائد الفاسدة, وهدًى من الضلالة ورحمة للمؤمنين١.
وفي السورة نفسها أمر من الله سبحانه إلى النبي -محمد ﷺ بأن يقول للناس: إن كنتم في شكٍّ من صحة ما جئتكم به من الدين الحنيف الذي أوحاه الله إليَّ, فأنا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله, ولكن أعبد الله وحده لا شريك له, وهو الذي يتوفاكم كما أحياكم ثم إليه ترجعون ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٤] .
ثم يكون النداء الأخير في سورة يونس لمحمد ﷺ على الناس بأمرٍ من الله أن يخبرهم أن الذي جاءهم به من عند الله هو الحق الذي لا مِرْيَةَ فيه ولا شك, فمن اهتدى به واتبعه فإنما يعود نفع ذلك الاتباع على نفسه، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: ١٠٨] .
وتتكرر النداءات من الله إلى الناس في القرآن الكريم, كما نجد مثلًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ
стр. 38
خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر آية ٣] . وقوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر آية: ٥] .
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر آية: ١٥] .
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات آية: ١٣] .
وفي مواضع أخرى يناديهم بقوله: يا بني آدم، وإن كانوا من أهل ملةٍ غير الإسلام قال: يا أيها الذين أوتوا الكتاب؛ ليذكِّرَهُم بالدين, وبأن الدنيا منقطعة وزائلة, وأن الحياة الحقيقية هي الآخرة، والآخرة إما أن تكون دار سعادة, وإما أن تكون دار شقاء, وأنه أرسل إليهم آخر الأنبياء من لدنه ليربيهم على ملة الإسلام ملة أبي الأنبياء إبراهيم، وقد يوجه سبحانه النداء إلى الإنسان بمفرده, لعله يذكَّرُ أو يخشى, كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ١ وفي قوله -عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ ٢.
فالله يخاطب الجنس البشريّ كله موضحًا للناس أنه خالقهم, وأنه الملك سبحانه, وأنه ملك يوم الدين، وأنه هيأ لهم الأرض ومهدها كي تصلح لخدمتهم ومتاعهم وإقامتهم عليها, وأنه صاحب النعم وصاحب الرزق, ودعاهم إلى عبادته وطاعته, وفي الوقت نفسه حذرهم من عدوهم اللدود, وهو الشيطان الذي أضلَّ من قبلُ خلقًا
стр. 39
كثيرًا, وقصته مع أبيهم آدم من قبل معروفة، فلا يصحُّ لهم أن يستجيبوا لما يُخَيَّلُ إليهم من الزينة حتى لا ينغص علهم معيشتهم في الحياة الدنيا, ويذيع بينهم العداوة والبغضاء, وأنه قد خلقهم ليعمر بهم الأرض, وينزل من لدنه رسله ليهدهم سواء السبيل, وليبلغوهم بما يحب الله ويرضى, وأنه جعل المفاضلة بينهم قائمة على ميزان التقوى، فأكرم الخلق عنده هو أكثرهم عبادةً وخشوعًا واستجابةً لأوامره ونواهيه.
ويا حبذا لو أن هذه النداءات الموجهة من الله إلى الناس بعامَّةٍ تترجم إلى اللغة الإنجليزية, وتبلغ للعالم أجمع؛ لأن من حقِّ هؤلاء الناس علينا أن نبلغهم ما أبلغنا القرآن, وما أبلغنا به سيد الخلق سيدنا -محمد ﷺ , وليكن ذلك تحت عنوان:
"God's Call To all"
بمعنى "نداء الله للجميع", فتترجم للناس معاني الآيات التي تبدأ بقوله: "يا أيها الناس", وما جاء في معناها بلغةٍ سهلةٍ حتى يفهم الناس مراد الحق ﵎, فيدخلوا في دين الله حين يسمعون كلامه ويفهمونه.
أما من رضي بالله تعالى ربًّا, وبإلإسلام دينًا, وبسيدنا محمد نبيًّا ورسولًا, فهؤلاء لهم نداء خاصٌّ بهم وهو قوله: "يا أيها الذين آمنوا"، وهذا النداء من الله تعالى للمؤمنين به, الموحدين له, يأتي بعده تشريع وتوحيد وتأديب من رب العالمين، وقد صدق عبد الله بن مسعود ﵁؛ إذ قال لرجل: "إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا" فارعها سمعك, فإنه خير يأمر به, أو شر ينهى عنه"١.
ولقد تكرر النداء في القرآن قرابة تسع وثمانين مرة, كلها آداب
стр. 40
وتزكية وتشريع استحق بها المؤمنون من أمة محمد -صلى الله عليه سلم- أن يكونوا خير أمة أخرجت للناس؛ لأنهم عُرِفُوا بصفة هي من خواصِّ صفات الأنبياء, وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يحمل لنا التاريخ اسم أمة من الأمم الغابرة, أو جماعة من الجماعات حملت هذه الصفة التي وصف بها القرآن أمة محمد ﷺ ؛ فهي الأمة الوحيدة التي فهمت عن الله كلامه، وفهمت عن نبيه كلامه وبلاغاته, فلا تزال تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
تربية القرآن للعرب:
ولعل من أعظم ما أتى به القرآن الكريم في شأن التربية، تربية الكبار من قبائل العرب, وتليين قلوب الذين كان لديهم الاستعداد الدفين منهم لقبول هذه التربية الإسلامية والتأثر بها, والدخول في الدين الجديد المنزَّل إليهم من السماء؛ حيث نجد القرآن المكيّ بما فيه من الترغيب والترهيب يؤثر في نفوسهم ويجذبهم جذبًا من مهاوي الضلال إلى مدراج الهداية, فانقبلوا بنعمة الله وفضله من أشداء في الظلم والكبر, إلى أشداء في العدل والرحمة.
فهذا عمر بن الخطاب صاحب القوة والجبرت قبل إسلامه, والذي كان يخشاه صناديد قريش, ويعملون له ألف حساب، يسمع الآيات من سورة طه فتنقشع عن قلبه سحابة الكفر, وتزول عن بصره غشاوة الظلم, فيذعن من فوره إلى النداء الرباني, ويذهب إلى محمد -صلى الله عليه سلم- معلنًا إسلامه وخضوعه إلى الله ، ويكون بعد ذلك عمر العادل الرحيم بالمؤمنين, الذابّ عن الدين والحامي لعرين الإسلام.
وكان أبو ذر قاطع طريق, وكان شجاعًا, فاتكأ يتفرد وحده بقطع