وألوانهم ولغاتهم، وهو سبحانه مراقب لجميع أحوالهم وأعمالهم, وفي ذلك تذكير للناس بأصل الخلقة وقدرة الخالق مما يستوجب منهم عبادته وحده, وطاعة أوامره وحده.
أما في سورة الأعراف فيأمر الله نبيه محمد ﷺ بأن ينادي في الناس ويُعْلِمَهُمْ بأنه رسول الله إلى جميع الخلق, وأن عليهم أن يتبعوه إن أرادوا لأنفسهم رحمةً؛ حيث يقول عز من قائل: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ آية ١٥٨.
وهذه الآية تحمل عالمية الدعوة، فهي لعموم الناس؛ أبيضهم وأسودهم, وأحمرهم وأصفرهم, وعربيهم وعجميهم, يطلب منهم الإيمان بالله وبرسوله وبكلماته, وهي شاهدةٌ على جميع البشر بأن الله أخبرهم عن طريق الرسول والقرآن وأقوال علماء المسلمين في كل مكان وزمان, فلاحجة لأحدٍ منهم أن ينكر البلاغ١.
ثم يأتي النداء في سورة يونس:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ آية ٢٣.
ليبيِّنَ لهم على أن ظلمهم إنما يعد في النهاية عليهم، وأن المآل والمرجع إلى الله؛ فيخبرهم به يجازيهم عليه.
وفي سورة يونس أيضًا يكون النداء من العليّ القدير إلى الناس بالهداية والرحمة بمجيء القرآن والرسول ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ
стр. 37
مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ آية ٥٧.
أي قد جاءكم كتاب جامع لكلِّ الفوائد من موعظةٍ وتنبيهٍ على التوحيد, والموعظة التي تدعو إلى كل مرغوب, وتزجر عن كل مرهوب؛ إذ الأمر يقتضي حسن المأمورية فيكون مرغوبًا, وهو يقتضي النهي عن ضده وهو قبيح، وعلى هذا, ففي النهي شفاء لما في صدوركم من العقائد الفاسدة, وهدًى من الضلالة ورحمة للمؤمنين١.
وفي السورة نفسها أمر من الله سبحانه إلى النبي -محمد ﷺ بأن يقول للناس: إن كنتم في شكٍّ من صحة ما جئتكم به من الدين الحنيف الذي أوحاه الله إليَّ, فأنا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله, ولكن أعبد الله وحده لا شريك له, وهو الذي يتوفاكم كما أحياكم ثم إليه ترجعون ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٤] .
ثم يكون النداء الأخير في سورة يونس لمحمد ﷺ على الناس بأمرٍ من الله أن يخبرهم أن الذي جاءهم به من عند الله هو الحق الذي لا مِرْيَةَ فيه ولا شك, فمن اهتدى به واتبعه فإنما يعود نفع ذلك الاتباع على نفسه، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: ١٠٨] .
وتتكرر النداءات من الله إلى الناس في القرآن الكريم, كما نجد مثلًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ
стр. 38
خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر آية ٣] . وقوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر آية: ٥] .
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر آية: ١٥] .
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات آية: ١٣] .
وفي مواضع أخرى يناديهم بقوله: يا بني آدم، وإن كانوا من أهل ملةٍ غير الإسلام قال: يا أيها الذين أوتوا الكتاب؛ ليذكِّرَهُم بالدين, وبأن الدنيا منقطعة وزائلة, وأن الحياة الحقيقية هي الآخرة، والآخرة إما أن تكون دار سعادة, وإما أن تكون دار شقاء, وأنه أرسل إليهم آخر الأنبياء من لدنه ليربيهم على ملة الإسلام ملة أبي الأنبياء إبراهيم، وقد يوجه سبحانه النداء إلى الإنسان بمفرده, لعله يذكَّرُ أو يخشى, كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ١ وفي قوله -عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ ٢.
فالله يخاطب الجنس البشريّ كله موضحًا للناس أنه خالقهم, وأنه الملك سبحانه, وأنه ملك يوم الدين، وأنه هيأ لهم الأرض ومهدها كي تصلح لخدمتهم ومتاعهم وإقامتهم عليها, وأنه صاحب النعم وصاحب الرزق, ودعاهم إلى عبادته وطاعته, وفي الوقت نفسه حذرهم من عدوهم اللدود, وهو الشيطان الذي أضلَّ من قبلُ خلقًا
стр. 39
كثيرًا, وقصته مع أبيهم آدم من قبل معروفة، فلا يصحُّ لهم أن يستجيبوا لما يُخَيَّلُ إليهم من الزينة حتى لا ينغص علهم معيشتهم في الحياة الدنيا, ويذيع بينهم العداوة والبغضاء, وأنه قد خلقهم ليعمر بهم الأرض, وينزل من لدنه رسله ليهدهم سواء السبيل, وليبلغوهم بما يحب الله ويرضى, وأنه جعل المفاضلة بينهم قائمة على ميزان التقوى، فأكرم الخلق عنده هو أكثرهم عبادةً وخشوعًا واستجابةً لأوامره ونواهيه.
ويا حبذا لو أن هذه النداءات الموجهة من الله إلى الناس بعامَّةٍ تترجم إلى اللغة الإنجليزية, وتبلغ للعالم أجمع؛ لأن من حقِّ هؤلاء الناس علينا أن نبلغهم ما أبلغنا القرآن, وما أبلغنا به سيد الخلق سيدنا -محمد ﷺ , وليكن ذلك تحت عنوان:
"God's Call To all"
بمعنى "نداء الله للجميع", فتترجم للناس معاني الآيات التي تبدأ بقوله: "يا أيها الناس", وما جاء في معناها بلغةٍ سهلةٍ حتى يفهم الناس مراد الحق ﵎, فيدخلوا في دين الله حين يسمعون كلامه ويفهمونه.
أما من رضي بالله تعالى ربًّا, وبإلإسلام دينًا, وبسيدنا محمد نبيًّا ورسولًا, فهؤلاء لهم نداء خاصٌّ بهم وهو قوله: "يا أيها الذين آمنوا"، وهذا النداء من الله تعالى للمؤمنين به, الموحدين له, يأتي بعده تشريع وتوحيد وتأديب من رب العالمين، وقد صدق عبد الله بن مسعود ﵁؛ إذ قال لرجل: "إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا" فارعها سمعك, فإنه خير يأمر به, أو شر ينهى عنه"١.
ولقد تكرر النداء في القرآن قرابة تسع وثمانين مرة, كلها آداب
стр. 40
وتزكية وتشريع استحق بها المؤمنون من أمة محمد -صلى الله عليه سلم- أن يكونوا خير أمة أخرجت للناس؛ لأنهم عُرِفُوا بصفة هي من خواصِّ صفات الأنبياء, وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يحمل لنا التاريخ اسم أمة من الأمم الغابرة, أو جماعة من الجماعات حملت هذه الصفة التي وصف بها القرآن أمة محمد ﷺ ؛ فهي الأمة الوحيدة التي فهمت عن الله كلامه، وفهمت عن نبيه كلامه وبلاغاته, فلا تزال تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
تربية القرآن للعرب:
ولعل من أعظم ما أتى به القرآن الكريم في شأن التربية، تربية الكبار من قبائل العرب, وتليين قلوب الذين كان لديهم الاستعداد الدفين منهم لقبول هذه التربية الإسلامية والتأثر بها, والدخول في الدين الجديد المنزَّل إليهم من السماء؛ حيث نجد القرآن المكيّ بما فيه من الترغيب والترهيب يؤثر في نفوسهم ويجذبهم جذبًا من مهاوي الضلال إلى مدراج الهداية, فانقبلوا بنعمة الله وفضله من أشداء في الظلم والكبر, إلى أشداء في العدل والرحمة.
فهذا عمر بن الخطاب صاحب القوة والجبرت قبل إسلامه, والذي كان يخشاه صناديد قريش, ويعملون له ألف حساب، يسمع الآيات من سورة طه فتنقشع عن قلبه سحابة الكفر, وتزول عن بصره غشاوة الظلم, فيذعن من فوره إلى النداء الرباني, ويذهب إلى محمد -صلى الله عليه سلم- معلنًا إسلامه وخضوعه إلى الله ، ويكون بعد ذلك عمر العادل الرحيم بالمؤمنين, الذابّ عن الدين والحامي لعرين الإسلام.
وكان أبو ذر قاطع طريق, وكان شجاعًا, فاتكأ يتفرد وحده بقطع
стр. 41
الطريق, ويهجم وحده على الجماعة في أول الصباح على ظهر فرسه, أو على قدميه كأنه السبع, فيطرق الحمى ويأخذ ما أخذ، والعجيب أننا نجد في أخباره أنه كان أيام جاهليته يتأله ويقول: لا إله إلّا الله، ولم يكن يعبد الأصنام، وقد مَرَّ عليه رجلٌ من أهل مكة فقال: أي أبا ذر, إن رجلًا بمكة يقول مثل ما تقول, ويزعم أنه نبيّ، فقال أبو ذر: ممن هو؟ قال: من قريش، فطلب أبو ذر من أخٍ له أن يذهب إلى مكة ليأتيه بخبر ذلك الرجل الذي هو من قريش, ويزعم أنه نبي, فلمّا عاد إليه أخوه، أخبره أنه رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بمكارم الأخلاق، فلم يلبث أبو ذر أن جمع نفسه وخرج إلى مكة ليسمع ويرى.
وما أن التقى أبو ذر بالنبيّ وسمع منه حتى أعلن إسلامه, ثم قال للنبي ﷺ ، يا نبيَّ الله! ما تأمرني؟
قال -صلى الله عليه سلم- ترجع إلى قومك حتى يبلغك أمري.
فقال أبو ذر: والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالإسلام في المسجد، ثم خرج من عند رسول الله ﷺ فدخل المسجد فنادى بأعلى صوته:
أشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمدًا عبده ورسوله.
فضربه كفار قريش حتى صرعوه, فحذَّرهم العباس عم النبي -صلى الله عليه سلم- قتله, وقال: أنتم تجار, وطريقكم على غِفَار، فتريدون أن يقطع الطريق؟ فأمسكوا عنه.
وعلى يد أبي ذر أسلم أهله وعشيرته, وأسلم نصف قومه من بني غفارو وقال الباقون: إذا قدم رسول الله ﷺ أسلمنا, فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلموا, فقال رسول الله ﷺ : "غفار غفر الله
стр. 42
لها، وأسلم سالمها الله"١.
وهذا الوليد بن الوليد بن المغيرة من بيت الكفر والضلال؛ فأبوه الوليد بن المغيرة عدو الله ورسوله, لم يزل على دين قومه، وخرج مع كفار قريش إلى بدرٍ ليحارب رسول الله ﷺ ، وشاء الله له أن يقع في الأسر, فقد أسره عبد الله بن جحش، فقدم في فدائه أخواه خالد وهشام ابنا الوليد بن المغيرة, لكن الوليد كان قد سمع كلام القرآن وتأثر به, وكان رسول الله ﷺ قد أبى أن يفدى الوليد إلّا بشكة أبيه, فرفض خالد وطاع هشام بن الوليد؛ لأن الوليد أخوه لأبيه وأمه، وكانت الشكة درعًا فضفاضةً وسيفًا وبيضةً، فطاعا به وسلماه، فلما قُبِضَ ذلك خرجا بالوليد حتى بلغا به "ذا الحليفة", فأفلت منهما, فأتى النبي ﷺ فأسلم، فقال له خالد: هلّا كان ذلك قبل أن تفتدى, وتخرج مأثرة أبينا من بين أيدينا, فاتبعت محمدًا إذ كان هذا رأيك؟ ٢.
فقال: ما كنت لأسلم حتى اُفْتَدَى بمثل ما افْتُدِيَ به قومي، ولا تقول قريش: إنما اتبع محمد فرارًا من الفدي، ثم خرجا به إلى مكة وهو آمن لهما فحبساه، ثم هرب بعد ذلك فارًّا إلى المدينة, إلى رسول الله ﷺ فمات بها.
وهناك أمثلة كثيرة تدل على أن القرآن بهديه الذي يَمَسُّ شغاف القلوب تأثر به كثير ممن كانوا عتاة في الكفر، وأن الذين دخلوا في الإسلام منهم كان لديهم الاستعداد الدفين كامنًا في قلوبهم, حتى إذا جاء الإسلام أزاح غشاوة الكفر التي كانت تحجبه فاستجابت قلوبهم
стр. 43
لباريها, آمنوا بالله وبرسوله, واهتدوا بهديه، وتحولوا بعد الإيمان من رجالٍ جبَّارين إلى رجالٍ من نوع آخر، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، تلين قلوبهم إلى ذكر الله، ويتراحمون فيما بينهم، ويربط بينهم رباط الأخوة الإسلامية، فهم على اختلاف أشكالهم وألوانهم وهيئاتهم أخوة في الله, وهي أسمى معاني الأخوة.
والقرآن بترغيبه وترهيبه فيه دعوةٌ إلى استخدام العقل وإعمال البصيرة، إذ هو يخاطب الإنسان الذي أنعم الله عليه بنعمة العقل والبصيرة، لذلك نجد الآيات التي تختم بقوله تعالى: أفلا يعقلون، أفلا يبصرون، نجد فيها الدعوة إلى استعمال العقل والانتفاع بالحواس، ووصف القرآن من لا يسترشد بعقله وبصيرته بأنه لا يفقه؛ حيث لم ينتفع بعقله ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] .
ويستخدم التعبير القرآن في أسلوب الاستدلال في تفهيم الناس، والعقل آلة الفهم والربط, وبه يستدل على الأشياء، ولذلك نجد القرآن يسرد الأشياء التي تراها العين مضفيًا عليها قبسًا من نور العلم الرباني, وكلامًا ووصفًا لم يعهده كفار مكة من قبل في كلام حكمائهم وكهانهم وبلغائهم، ويطلب من الناس بعد ذلك أن يصلوا بعقولهم إلى الحقيقة, حقيقة الخالق الواحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
نقرأ مثلًا من القرآن المكي ما جاء في سورة الرعد قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ، وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ
стр. 44
يَتَفَكَّرُونَ، وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٢-٤] .
إنها دعوةٌ إلى التفكر, ودعوة لاستعمال العقل بالتدبر في ما يشاهدونه من آيات الله ودلائله في خلقه، فالله تعالى يخبر عن كمال قدرته وعظيم سلطانه, أنه الذي بإذنه وأمره رفع السماوات بغير عمد، رفعها بحيث لا تنال ولا يدرك مداها ...
وسخر الشمس والقمر تسخيرًا أبديًّا؛ فهما يجريان بلا تعطيل ولا تأخير ولا اختلاف إلى انقطاعهما بقيام الساعة, والله يوضح للناس الآيات والدلالات على أنه هو الله الذي لا إله إلّا هو, وأن لقاءه حق.
وبعد أن ذكر الله تعالى العالم العلوي, شرع في ذكر قدرته وحكمته وأحكامه للعالم السفلي, وهو الأرض المتسعة الراسية بجبالها الراسيات الشامخات, ثم أجرى في الأرض الأنهار والجداول والعيون ليُسْقَى بها الزروع التي تنتج الثمرات المختلفة الألوان والأشكال والطعوم, وجعل من كل شكلٍ صنفين، وهذه القدرة هي التي سخَّرت أيضًا الليل والنهار, وجعلت كلًّا منهما يطلب الآخر, فإذا ذهب هذا غشيه هذا.. كل ذلك يسوقه ويذكره لأجل أن يتفكر الإنسان في آلاء الله ودلائله.
ثم يذكر بعد ذلك أن الأراضي يجاور بعضها بعضًا, وفيها الطيبة وفيها السبخة المالحة, ويذكر أن فيها البساتين والمروج التي يخرج منها الأعناب والزورع والنخيل, منها ما له أصول مجتمعة في منبت واحد كالرمان والتين وبعض النخيل, ومنها غير الصنوان وهو ما كان على أصلٍ واحدٍ كسائر الأشجار، ومع ذلك فكلها تسقى بماءٍ واحدٍ, مع هذا الاختلاف في الأشكال والطعوم، وفي ذلك آيات لمن كان واعيًا مدركًا لحقائق الأمور, فهو يعلم أن هذه الدلالات كلها تشير إلى أن الفاعل
стр. 45
المختار الذي بقدرته فاوت بين الأشياء هو الله .
هكذا يمنحنا القرآن منهجًا كاملًا لمعرفة العوالم المحيطة بنا:
عالم الطبيعة, وعالم الغيب، ويرسم لنا صورة كاملة عن نشأة الحياة, وعن سر خلقنا ودورنا في هذه الحياة، وعَمَّا بعد الموت, وما يتصل بالبعث ويوم القيامة والجزاء بما يرضي النفوس الحائرة، ويشفي الصدور القلقة, ويقيم الإنسان المسلم على الطريق المضيء الذي لا يحتاج معه إلى سؤال أو إلى تساؤل.
كما منحنا القرآن فهم دورنا الحقيقي في هذه الحياة رسالة ومسئولية إرادة حرة، وكشف لنا عن الطريقين، ودعانا إلى الصراط المستقيم الذي هو صراط الله, وترك لنا حرية أعمالنا، وذلك على نحوٍ لم يتحقق لأي منهج تربوي بشري, فلم يجعلنا في حاجة إلى استيراد المناهج أو الأساليب بعد تحديد "الهدف" و"الغاية", وإتاحة الفرصة لنا على مدى العصور واختلاف البيئات في اتخاذ الأسلوب المناسب للعصر"١.
стр. 46
ثانيا: السنة النبوية
مدخل
...
ثانيًا: السنة النبوية
إذا كان القرآن قد بيَّن للناس قواعد الأخلاق الفاضلة وأصول المعاملات الحسنة على الإجمال, فإن النبي -صلى الله عليه سلم- فصَّل ما أجمله القرآن, وطبَّقَ كلام الله تطبيقًا عمليًّا، فإذا قرأنا في القرآن مثلًا ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ , وجدنا تفصيلًا رحيبًا في أحاديث المصطفى ﷺ يقرب للناس كل معاني الأخوة, ويحببها إليهم في أسلوبٍ راقٍ بديعٍ يليق بتفسير كلام رب العالمين، روي عن أبي هريرة أنه قال؛ قال رسول الله ﷺ : " لا تحاسدوا ولا تفاحشوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبيع أحدكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم, لا يظلمه, ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات, بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم, كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه" ١.
فالحديث يبين الخلق الإسلاميّ الرفيع, لما يجب أن يكون عليه المسلم تجاه أخيه المسلم في كلمات قليلة؛ حيث نبَّه فيه النبي ﷺ على كل أسباب الفرقة والخلاف والشقاق بين الناس, فنهاهم عنها حتى تحقق معنى الأخوة الصافي الذي يريده الله من عباده المؤمنين، كل هذا في كلمات قليلة.
وبالحديث النبوي كما نرى يتضح معنى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ بشكلٍ جليّ؛ لأنه بين المجمل في الآية بالتفصيل.
стр. 47
الرسول نعمةٌ أنعم الله بها على المؤمنين وعلى العالمين:
والرسول نعمة من النعم التي أنعم الله بها على المؤمنين بعامة والعرب خاصة، فقد نشأ فيهم؛ من نسبهم وجنسهم, فهو عربي مثلهم, كلامه مفهوم لهم, ثم إنه من أشرف قبائل العرب وبطونهم, وهم يعلمون عن يقينٍ أنه الصادق الأمين, فلهم أن يفخروا بأن النبوة ظهرت فيهم على يديه ﷺ , وأنهم يأتيهم خبر السماء عن طريقه؛ فهو يتلو عليهم آيات الله, ويفيدهم بعلومٍ لم يكن لهم بها علم إذ كانوا جهّالًا لم يسمعوا الوحي, وضلَّالًا لا يهتدون سبيلًا. وأما عامة المؤمنين فإنه يأتيهم الشرف من حيث إنهم أتباعه ومناصروه، وشرف الانتساب إلى محمدٍ الرسول يفوق شرف الأنساب؛ لأن الله سبحانه وصف الذين آمنوا به واتبعوه من مختلف الأجناس والألوان بأنهم خير أمة أخرجة للناس, ولم تقتصر هذه الصفة العظمى على جنس العرب؛ فأمة الإسلام هي خير أمة أخرجت للناس، واتِّبَاع الرسول ﷺ في كل ما جاء به هو الطريق إلى الجنة، ومن هنا كان الرسول منّةً كبرى مَنَّ الله بها على المسلمين؛ لأنه عَرَّفَهم طريق الجنة عن طريق رسول ﷺ ,
قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ، أي: ويعلمهم القرآن ويعلمهم السنة؛ فالكتاب هو القرآن, والحكمة هي السنة.
كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل ٤٤] , والبيان هو التبيلغ والإيضاح والشرح والإظهار، فالبيان هو السنة، وقد روي عن الأوزاعي عن حسان بن عطية إنه قال: كان جبريل ينزل على النبي ﷺ بالقرآن، والسنة تفسر القرآن١.
стр. 48
وكان -صلوات الله وسلامه عليه- فصيح اللسان، جزل العبارة مع فخامة المعنى ووضوح الغاية, ولا عجب, فقد أعطي جوامع الكلم, ثم هو لا ينطق عن هوًى أو غرضٍ في نفسه, ولكنه يقول ما أمر به أن يبلغه للناس كاملًا موفورًا من غير زيادة أو نقصان، كما كان ﷺ في كل ما صدر عنه من حركاتٍ أو سكناتٍ أو تقريراتٍ ترجمةً للأخلاق الفاضلة التي دعا إليها القرآن١.
ولقد حذَّر الرسول -صلى الله عليه سلم- من أن يقول الناس بعده: نأخذ ما جاء في القرآن نعمل به؛ فما وجدناه حلالًا حللناه, وما وجدناه حرامًا حرمناه, ثم يَدَعُونَ سنته ﷺ ، بل إن ما جاء به ﷺ هو عين ما في كتاب الله ، لذا نجد في الحديث المروي عن المقدام بن معد يكرب, عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني قد أوتيت القرآن ومثله، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي, ولا كل ذي نابٍ من السباع، ولا لقطة من مال معاهد، إلّا أن يستغني عنها صاحبها".
وفي وراية أخرى عن المقدام بن معد يكرب الكندي يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه سلم- حرم أشياء, فذكر الحمر الإنسية، ثم قال: "يوشك رجل متكئ على أريكته يحدِّثُ بالحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدناه حلالًا أحللناه، وما وجدنا
стр. 49
حرامًا حرَّمْنَاه، ألا وإن ما حرم رسول الله -صلى الله عليه سلم- مثل ما حرم الله " ١.
قال الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية ما نصه:
"ومن يزعم أنه لا يأخذ بالسنة، ويكتفي بالقرآن، بأي مبرر استجاز ذلك لنفسه؟ لا يستطيع أن يأتي بدليلٍ من القرآن على ترك ما جاء عن رسول الله ﷺ ، وكان يجب عليه أن يأتي بنصٍّ صريح من القرآن، أن لا نتبع الرسول ﷺ , إلّا فيما جاء صريحًا في القرآن.
وإن مَنْ يريد فَهْمَ القرآن لا يستطيع أن يفهمه كما ينبغي أن يُفْهَمَ، إلّا إذا أحاط بأسباب النزول، وفي الظروف والمناسبات التي نزل فيها، فإن القرآن الكريم نزل بالتوالي مدة ثلاث وعشرين سنة، في أحوال خاصة, ووقائع خاصة.
فكيف نستطيع أن نعرف معنى قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ﴾ ٢، إن لم نعرف سبب نزولها.
وكيف نعرف معنى قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ ٣.
وكيف نعرف معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ ٤.
стр. 50
وكيف نعرف قصر الصلاة، وكيف نعرف معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ١
وكيف نعرف معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ ٢.
كيف نفهم هذه الآيات وغيرها إذا لم نعرف أسباب النزول؟
لا سببيل لذلك إلّا بالرجوع إلى السنة.
وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٣.
فهل حكَّم أصحاب رسول الله ﷺ الرسولَ فيما شجر بينهم واختلفوا فيه؟ وبماذا حكم رسول الله ﷺ ؟ وبماذا قضى؟ بآباءنا هو وأمهاتنا, وقد أمر الله أن لا يجد أصحابه ﷺ حرجًا مما قضى ويسلموا تسليمًا؛ فلا تردد في ضمائرهم، وإنما هو التسليم المطلق؛ لأن معناه حق"٤.
ويقول الخطيب البغدادي يرد على من زعم الأخذ بالقرآن فقط:
وهذه النابتة في زماننا ألَا يجب عليهم أن يبحثوا عَمَّا قضى به رسول ﷺ بين أصحابه، وأن لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضى, ويسلموا تسليمًا؟
стр. 51
أما المؤمنون فسيبحثون؛ لأن قضاءه ﷺ نبراس, وقضاء حق للأمة أولها وآخرها، ولا محيص من الرجوع إلى السنة في ذلك، فإن كان هؤلاء مؤمنين فيسيروا مع ركب الأمة، وإلّا فقد وسموا أنفسهم بالزيغ والخروج عن سبيل المؤمنين.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ١.
من لم يأخذ بالسنة فقد كفر بالقرآن:
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢.
والبيان هو التبيلغ والإيضاح والشرح والإظهار، فهل بيَّنَ رسول الله ﷺ وأطاع ربه في ذلك البيان"٣.
فإن قالوا لم يبيّن فقد كفروا, وإذًا فقد بيَّنَ بجميع وجوه البيان, فإن اعترفوا بذلك، فالبيان هو السنة، فلا يسعهم إلّا الرجوع إليها كما رجع إليها المؤمنون.
روى الحاكم في المستدرك عن الحسن قال: "بينما عمران بنحصين يحدِّث عن سنة نبينا ﷺ ، إذ قال له رجل: يا أبا نجيد! حدثنا بالقرآن، فقال له عمران: أنت وأصحابك تقرأون القرآن، أكنت محدثي عن الصلاة وما فيها وما حدودها؟ أكنت محدثي عن الزكاة في الذهب والإبل والغنم والبقر وأصناف المال؟ ولكن شهدت وغبت أنتم, ثم قال: فرض علينا رسول الله ﵌ في الزكاة كذا وكذا، فقال الرجل: أحييتني أحياك الله, قال الحسن:
стр. 52
فما مات ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين" وراه الحاكم في المستدرك ج١, ص١٠٩, كتاب العلم, وصححه الحاكم, وأقره الذهبي.
وقال رجل للتابعي الجليل مطرف بن عبد الله الشخير: لا تحدثونا إلّا بالقرآن، فقال له مطرف: والله ما نريد بالقرآن بدلًا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا، يريد رسول الله -صلى الله عليه وسلم١.
стр. 53
سنة رسول الله ﷺ صريحة في القرآن:
قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ ١.
يتلو عليكم آياتنا: القرآن.
يزكيكم: يطهِّرُ نفوسكم من الجهل بالخالق المنعم، وبكماله سبحانه، وبما يجب له من التعظيم والطاعة، ويطهر قلوبكم من مساوئ الأخلاق، ويحليكم بمكارمها، ويسمو بنفوسكم فتزداد علمًا وتحليًّا بالفضائل، وقربًا من الحق , قال تعالى لسيد الخلق: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ .
ويعلمكم الكتاب: القرآن.
والحكمة: قوله ﷺ حكمة, وعمله ﷺ حكمة، وتقريره ﷺ حكمة.
ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون: ويعلمكم بواسطته -صلى الله عليه
стр. 54
وسلم- مالم تكونوا تعلمون إلّا عن طريقه١.
فهدايته ﷺ هي الهداية, ودينه ﷺ هو الظاهرعلى سائر الأديان؛ لأنه أكمل الأديان, شريعته هي أتمّ الشرائع، فتربيته من أحسن التربيات, ولا بُدَّ أن تظهر وتعم, لأن ما جاء به هو الإيمان الصحيح والعلم النافع، ولهذا يقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] و [الصف: ٩] وقال أيضًا: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] , فالله يشهد على أن ما جاءنا به محمد ﷺ هو الدين الحق الذي ارتضاه للخلق جميعًا.
стр. 55
المثل الأعلى في التربية:
إن المثل الأعلى في التربية وحسن السلوك ورقيّ الأخلاق، هو رسول ﷺ ، ذلك أنه رباه رب العالمين, وجعل منه الأسوة العليا, والأنموذج الأعظم للأخلاق، ومنحه في ذلك أعلى الشهادات, فقال عز من قائل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ، وجعل ذلك منَّةً يمتنُّها على عباده المؤمنين, ونعمة يتحدث بفضلها عليهم؛ فقال : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ١، وقال أيضًا: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
стр. 56
فالله يبين لنا في قرآنه أن سيدنا محمدًا قد بلغ من الشرف والأدب الرفيع ما لم يدرك شأوه بشر؛ إذ وصفه بهذه الصفات البليغة، وقد كان من خلقه ﷺ العلم والحلم، وشدة الحياء، وكثرة العبادة والسخاء والصبر والشكر، والتواضع والزهد، والرحمة والشفقة، وحسن المعاشرة والأدب، إلى غير ذلك من الخلال العلية والأخلاق المرضية التي هي المثل الأعلى في جميع نواحيها، بحيث تتسع لتشمل كل الفضائل والكمالات التي تهدي البشرية, وتعلم الناس في كل زمان ومكان كل معاني الشفقة والطهارة والرحمة.
وسيرة النبي المصطفى ﷺ خير مثالٍ لكل من أراد أن يصل إلى درجة الكمال في الأخلاق والأعمال، والقرآن يبيّن لنا في وضوحٍ أن أصحابه الذين تربوا على منهاجه ﷺ قد نالوا هذه الدرجة العليا من السموِّ الأخلاقي، وحازوا بها ﵃, فجاء في صفتهم في محكم التنزيل: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١.
فكل من سار على نهجه واستضاء بنوره ﷺ , واتبع هديه, صار من خيرة الناس, وأدخله في رضوانه, وأثباه على عمله جنات تجري من تحتها الأنهار, مصداقًا لقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ ٢.
стр. 57
للرسول حقوق على كل من آمن به
...
للرسول حقوق كل من آمن به ١:
إن الله أوجب لنبينا ﷺ على القلب واللسان والجوارح حقوقًا زائدةً على مجرَّدِ التصديق بنبوته، كما أوجب سبحانه على خلقه من العبادات على القلب واللسان والجوارح أمورًا زائدة على مجرد التصديق به سبحانه، وحرَّمَ سبحانه لحرمة رسوله -مما يباح أن يفعل مع غيره- أمورًا زائدة على مجرد التكذيب بنبوته.
فمن ذلك: أنه أمر بالصلاة عليه والتسليم, بعد أن أخبر أن الله وملائكته يصلون عليه٢، والصلاة تتضمن ثناء الله عليه، ودعاء الخير له، وقربته منه، ورحمته له، والسلام عليه يتضمن سلامته من كل آفة؛ فقد جمعت الصلاة عليه والتسليم جميع الخيرات، ثم إنه يصلي سبحانه عشرًا على من يصلي عليه مرةً واحدةً حضًّا للناس على الصلاة عليه؛ ليسعدوا بذلك، وليرحهم الله بها.
ومن ذلك: أنه أخبر أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن حقه أن يجب أن يؤثره العطشان بالماء، والجائع بالطعام، وأنه يجب أن يُوقَى بالأنفس والأموال, كما قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ٣.
стр. 58
فعلم أن رغبة الإنسان بنفسه أن يصيبه ما يصيب رسول الله ﷺ .
وقال تعالى مخاطبًا للمؤمنين فيما أصابهم من مشقَّات الحصر والجهاد: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ١.
ومن حقه: أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق, كما دَلَّ على ذلك قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ٢ الآية، مع الأحاديث الصحيحة المشهورة, كما في الصحيح من قول عمر: يارسول الله! لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي, فقال: "لا يا عمر, حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال: فأنت والله يا رسول الله أحب إليّ من نفسي، قال: الآن يا عمر ٣ "، وقال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" ٤ متفق عليه.
ومن ذلك: أن الله أمر بتعزيره وتوقيره فقال: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ ٥, والتعزيز: اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه، والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام, وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار.
стр. 59
ومن ذلك: أنه خصَّه في المخاطبة بما يليق به فقال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ١, فنهى أن يقولوا: يا محمد، ويا أحمد، أو يا أبا القاسم، ولكن يقولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، وكيف لا يخاطبونه بذلك والله أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحدًا من الأنبياء، فلم يدعه باسمه في القرآن قط، بل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ ٢، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ ٤, ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ٥, ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ٦، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ ٧, ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ٨، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ٩، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ﴾ ١٠, ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ١١، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ ١٢، مع أنه سبحانه قد قال: ﴿وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ ١٣, ﴿يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ ١٤, ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ ١٥, ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ ١٦, ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ ١٧, ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ ١٨, ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ﴾ ١٩.
стр. 60
ومن ذلك: أنه حرَّم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن، وحرَّم رفع الصوت فوق صوته، وأن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل، وأخبر أن ذلك سبب حبوط العمل١، فهذا يدل على أنه يقتضي الكفر؛ لأن العمل لا يحبط إلّا به، وأخبر أن الذين يغضون أصواتهم عنده هم الذين امتحنت قلوبهم للتقوى، وأن الله يغفر لهم ويرحمهم، وأخبر أن الذين ينادونه وهو في منزله لا يعقلون؛ لكونهم رفعوا أصواتهم عليه, ولكونهم لم يصبروا حتى يخرج، ولكن أزعجوه إلى الخروج٢.
ومن ذلك: أنه حرَّمَ على الأمة أن يؤذوه بما هو مباح أن يعامل به بعضهم بعضًا، تمييزًا له، مثل نكاح أزواجه من بعده، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ ٣.
وأوجب على الأمة لأجله احترام أزواجه، وجعلهن أمهات في التحريم والاحترام، فقال : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ٤.
وأما ما أوجبه من طاعته والانقياد لأمره والتأسي بفعله, فهذا باب واسع، لكن ذلك قد يقال: هو من لوازم الرسالة، وإنما الغرض٥ هنا
стр. 61
أن ننبِّه على بعض ما أوجبه الله له من الحقوق الواجبة والمحرمة مما يزيد على لوازم الرسالة، بحيث يجوز أن يبعث الله رسولًا ولا يوجب له هذه الحقوق.
ومن ذلك: أن الله رفع له ذكره، فلا يذكر الله سبحانه إلّا ذُكِرَ معه، ولا تصح للأمة خطبة ولا تشهد حتى يشهدوا أنه عبده ورسوله، وأوجب ذكره في كل خطبة، وفي الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام، وفي الأذان الذي هو شعار الإسلام، وفي الصلاة التي هي عماد الدين، إلى غير ذلك من المواضع.
هذا، إلى خصائص له أُخَر يطول تعدادها.
وهذه المعاني الجليلة يجدر بنا أن نعلمها أبناءنا حتى يشبوا على محبة رسول الله ﷺ , ويحفظوا له توقيره في نفوسهم وأعماق قلوبهم, وحتى يعلِّمُوا الأجيال من بعدهم هذه الأصول الثابتة في الدين, وتلك الخلال المرعية في التربية١.
стр. 62
ثالثا: هدى الصحابة
مدخل
...
ثالثًا: هدي الصحابة:
الصحابة هم أولئك الذين صحبوا رسول الله ﷺ , ونهلوا من معين معارفه, وتخرجوا في مدرسته, وتأدبوا بآدابه، وتحققت فيهم كل معاني الخلافة في الأرض؛ لأنهم تربوا بآداب القرآن وبآداب المصطفى -صلى الله عليه وسلم_ قلبا وروحًا, وجسدًا وعقلًا، وخلقًا وسلوكًا، وإذا كانوا يشعرون أن عين الله تراقبهم, وأن سمع الله إليهم، وأن ما يلفظ أحد منهم من قول، بل ما ينوي من نية إلّا وقد تصبح مكشوفةً للناس يتنزل في شأنها قرآن على رسول الله ﷺ ، فأسلموا صدورهم لله, وقلوبهم لله, وأحبوا الله ورسوله حبًّا لا يدانيه حب, واتصلوا جميعًا بالسماء ذكرانًا وإناثًا، وكان الواحد منهم إذا حزبه أمر أو واجهته معضلة دعا, ولدعائه تتفتح أبواب السماء, ويتنزل منها حلٌّ لمعضلته, أوفتوى في أمره, أو قضاء في شأنه.
ورُوِيَ أن معقل بن يسار زوَّج أخته رجلًا من المسلمين على عهد رسول الله ﷺ , فكانت عنده ما كانت, ثم طلقها تطليقةً لم يراجعها، حتى انقضت عدتها، فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب فقال معقل له: أكرمتك بها فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدًا, قال: فعلم الله حاجته إليها, وحاجتها إلى بعلها, فأنزل الله تعالى:
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ١.
فلما سمعها معقل قال: سمعًا لربي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك، فزوجه إياها٢.
стр. 63
تربية الله للصحابة:
كان القرآن يتنزل على رسول الله ﷺ ليربي هذا الجيل العظيم جيل الصحابة, وليؤهلهم لحمل رسالة التبليغ، تبليغ الدين للبشرية كلها، ولتعليم الناس في أرجاء المعمورة كيف يعبدون الله لا يشركون به شيئًا، ليبلغوهم بالدين الحنيف, وليطهروا الوجود من عبث الشياطين وطغيان الظالمين, وليوفروا الأمان للإنسان في كل مكان، ومع إخلاص العبادة يتصل الإنسان بالسماء، وباتصاله بالسماء ينصلح كل ما على الأرض، وتحققت تربية الله لهم على مدى عشر سنوات هي مدة القرآن المدني, حتى كان أحدهم يؤمن إيمانًا مطلقًا بأن الله معه يراقبه, ويحصي عليه حركاته وسكناته وأنفاسه، ووثِقَ كلٌّ منهم أن في مقدروه أن يستتر من الناس, لكن ليس بمقدروه أن يستتر من الله, وكيف يستتر من الله أو يخفي في نفسه أمرًا منه, والله تعالى يقول: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ١، ويقول: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٢.
وكيف يخفي عن الله شيئًا مهما صغر في أي مكان, مهما خفي على الناس, وهو يعلم قول الله : ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٣.
لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله ﷺ بلالًا حتى أذن على ظهر الكعبة، فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم، وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنًا؟ وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئًا
стр. 64
يغيره، وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئًا, أخاف أن يخبر به رب السماء, فأتى جبريل ﵇ النبي ﷺ وأخبره بما قالوا، فدعاهم وسألهم عما قالوا, فأقروا: فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ , وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء.
وكان ثابت بن قيس بن شماس يحب أن يجلس إلى جنب رسول الله -صلى الله عليه سلم؛ لأنه كان في أذنه وقر, فكان إذا أتى أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه، فجاء يومًا وقد أخذ الناس مجالسهم, فجعل يتخطى الرقاب ويقول: تفسحوا تفسحوا، فقال له رجل: قد أصبت مجلسًا فأجلس، فجلس ثابت مغضبًا، فغمز الرجل فقال: من هذا؟ فقال: أنا فلان، فقال ثابت: ابن فلانة, وذكر أمًّا كانت له يعيَّرُ بها في الجاهلية، فنكَّس الرجل رأسه استحياءً، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ ١ الآية, وقيل أيضًا: إن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢. نزلت في ثابت بن قيس، فقال رسول الله ﷺ من الذاكر فلانة؟ فقال ثابت: أنا يا رسول الله, فقال: انظر في وجوه القوم, فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟ فقال: رأيت أبيض وأحمر وأسود، قال: فإنك لا تفضلهم إلّا في الدين والتقوى٣.
لقد كان كلام الله بالنسبة لهم المنهاج اليومي الذي يتلقونه ليعملوا به فورًا, فلا يتخلَّف أحدٌ منهم ولا يتباطأ منهم فرد, بل يسارعون إلى التنفيذ والتلبية.
стр. 65
وكانت المرأة في الجاهلية تمرُّ بين الرجال كاشفةً صدرها, لا يورايه شيء, وربما أظهرت عنقها، وذوائب شعرها وأقرطة أذنها, كانت تفعل ذلك لأن قانون الجماعة لا يحرمه، وعُرْف البيئة لا يمنعه، حتى جاء أمر الله ، ونزل توجيهه لتربية الأمة الإسلامية, قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ١.
فامتثل النساء لتوجيه الله وهديه، ولم تمتنع منهن واحدة عن الخضوع لأمر الله، وانقلب رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله، فيتلو الرجل على زوجته وابنته وأخته, وعلى كلِّ ذي قرابة, فما منهن امرأة إلّا قامت إلى مرطها فاعتجرت به تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه, فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجرات٢.
عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي ﷺ فقالت: ما أرى كل شيء إلّا الرجال, وما أرى النساء يذكرن بشيء؟ فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٣.
يقول عمر بن الخطاب ﵁:
كنت صاحب خمر في الجاهلية، فقلت: لو أذهب إلى فلان الخمّار فأشرب، وظلّ عمر يشرب الخمر في الإسلام حتى نزل قول الله
стр. 66
تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ١.
قال: اللهم بيِّن لنا بيانًا شافيًا في الخمر، واستمرَّ في الشرب، حتى نزلت ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ٣.
قال عمر: انتهينا، انتهينا٤.
وهكذا حُرِّمَتْ الخمر؛ لأن القرآن يهدف إلى تربية جيل يكون دائمًا مرتبطًا بدينه, وثيق الصلة بربه، مراقبًا له في كل خطوة، في كل لحظة، في كل همسة, وكان يستهدف من وراء ذلك إيجاد اليقظة الدائمة، والصحوة المستمرة لهذا الجيل.
يقظة مستمرة في عقله، وصحوة دائمة في وجدانه، حتى يستطيع أن يؤدي تكاليف الخلافة، التي كلفه الله بها، يؤدي تكاليفها تجاه نفسه، ويؤدي ما عليه تجاه الجماعة التي يعيش معها, يؤدي ما فرضه عليه ربه من فروض وواجبات، ولن يتم ذلك بالكامل ولن يستقيم
стр. 67
وهو دائمًا نصف يقظٍ ونصف مخمور.
ولقد استجاب المسلمون لأمر ربهم، ولم يحتج الأمر إلى إصدار قانون أو عدة قوانين، أو صرف ملايين الجنيهات كما فعلت بعض الدول الكبرى في مجتمعنا المعاصر، ولم توفَّق إلى تحريم الخمر.
لقد استجاب المسلمون لأمر ربهم في تحريم الخمر، واستجابوا له في الامتناع عما نهاهم عنه، وأصاخوا له في تكريم المرأة والرفق بها، التسليم الكامل في إعطائها حقوقها كاملة، وبذلوا أرواحهم رخيصة في سبيل الله, واعتبروا أن ما في أيديهم من مالٍ أوعقارٍ، هو عارية مردودة، وأن المال، مال الله، وأن الأرض يورثها من يشاء من عباده، فكانوا يتسابقون في الإنفاق.
وجاءت آيات كثيرة في القرآن لتشجيع المسلمين على التبرع بالنفقة والصدقة, واشترط القرآن على أولئك المنفقين من أموالهم في سبيل الله، أن يكون ذلك من أحب الأموال إليهم ومن أجودها.
ورباهم القرآن على أن المال، مال الله، وأن الرزق الذي في أيدي الواحد منهم هو رزق الله.
وكان مجرد إحساس الفرد أن ما في يده عارية محددة بأمد، ثم يستردها صاحبها الذي أعارها في الأجل المرسوم.
وكان مجرد استحضار هذه الحقائق كفيل وحده، أن يخفف من الشَّرَهِ والطمع في داخل النفس البشرية، ويبعدها عن الشح١ والحرص، ويجعلها تترك التكالب المسعور في جمع المال، وبالتالي يملأها بالقناعة والرضى بما يعطيها الله، ويكسبها السماحة والجود
стр. 68
بالموجود"١.
ومن هنا يطمئن القلب فلا يضطرب، ويقر الوجدان فلا يقلق، وتستريح النفس فلا تذهب حسرات على فائت أوضائع؛ لأن عمر الإنسان القصير المحدود لست نهاية الحياة، ولا نهاية المتاع, قال تعالى:
﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ ٢.
ولا يتحرّق القلب سعارًا على المرموق المطلوب, قال تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ ٣.
ولا يتعالى صلفًا وغرورًا بما أعطي, قال تعالى: ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ﴾ ٤.
فإذا أعطى الواحد من ماله شيئًا, فإنما من مال الله أعطى، قال تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ ٥.
وإذا قدَّمَ حسنةً فإنما هي قرض الله يضاعفه له أضعافًا كثيرة، يضاعفه له في الدنيا، ويضاعفه له في الآخرة، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ ٦.
ولس المحروم الآخذ إلّا أداة وسببًا لينال المعطي الواهب أضعاف ما أعطى من مال الله, قال تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٧.
стр. 69
تربية الرسول للصحابة:
نلاحظ أن الرسول ﷺ قد استوعب أصحابه وهم كثيرون بالتوجيه والتربية النموذجية, في فترة تعتبر قياسية على المستوى العالمي؛ بحيث لا يستطيع جهاز أمة من الأمم في قرون أن يستوعب نفس القدر من الصحابة, وبنفس المستوى الرفيع, فما هي الميزة التي اختصر بها الرسول ﷺ الطريق في التربية على هذه الصورة.
يقول فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي:
"لقد أجاد ﷺ المنهج الإسلامي في التربية, وهو أن يحسن المرِبي -بكسر الباء- كيف يأخذ المربَّى -بتفح الباء, ومن اقتصر طريق إلى موقع الحق في أي قضية من القضايا.
هذه القضية قد تكون صعبة, وللعقل فيها وقفة, ولكن لياقة المربي وحسن استعداده واتساع ثقافته, تتصبح كلها أدوات تعينه على أن يصل بالمربى إلى الحقيقة التي يريدها من أيسر طريق إلى الفهم, وبأقل وسيلة في الإقناع.
وقد أخرج الإمام أحمد والبيهقي في الشعب, عن أبي أمامة ﵁, أن فتًى شابًّا أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إن امرؤ أحب النساء, فائذن لي بالزنا, فأقبل القوم عليه فزجروه, فقال: "ادن" فدنا منه قريبًا, فقال: "اجلس" فجلس, فقال -صلى الله عليه سلم: "أتحبه لأمك"؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: "وكذلك الناس لا يحبه لأمهاتهم، أفتحبه لابنتك"؟ قال: لا والله يا رسول الله, جعلني الله فداءك؟ قال: "وكذلك الناس لا يحبونه لبناتهم, أفتحبه لأختك"؟ قال: لا والله يا سول الله, جعلني الله فداءك, قال: "وكذلك الناس
стр. 70
لا يحبونه لأخواتهم، أفتحبه لعمتك"؟ قال: لا والله يا رسول الله, جعلني الله فداءك, قال: "وكذلك الناس لا يحبونه لعماتهم, أفتحبه لخالتك"؟ قال: لا والله يا رسول الله, جعلني الله فداءك؟ قال: "وكذلك الناس لا يحبونه لخالاتهم".
قال: فوضع رسول الله ﷺ يده عليه, وقال: "اللهم اغفر ذنبه, وطهر قلبه, وحصن فرجه".
قال: فلم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شيء, وقال: فوالله ما همتْ نفسي بمعصية من ذلك النوع إلّا ذكرت أن يفعل بأمي أو بزوجتي أو بابنتي فأمتنع.
إذن فالرسول ﷺ واجه بتشبيع المسألة من أقرب طريق يتصل به، وبكرامته، وبعواطفه، وبمكانته، وبمقامه, فإذا ما أراد أن يفعل ذلك تذكَّر ما يمكن أن يفعل به"١.
وبهذا الأسلوب المقنع عالج الرسول ﷺ كثيرًا من الرذائل التي تفشَّت في العرب, لا سيما القتل، إذ انتشرت بينهم جريمة القتل والاعتداء على النفس, وربما تتحول إلى وقوع الحروب بين القبائل لأتفه الأسباب, ولم يكن لهم قانون يقضي على هذه الجريمة, ويوقف هذا النزيف الدموي, حتى جاء الرسول الكريم فأوقف هذا النزيف بتربية القرآن لهم؛ حيث يقول الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] , وبتربيته لهم ﷺ ؛ إذ بيَّن لهم الحق الذي تزهق به النفوس في قوله عن ابن مسعود ﵁: "لا يحل دم امرئٍ مسلم إلّا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس
стр. 71
بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" رواه البخاري ومسلم, وما روي عنه ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي بسنده, عن عبد الله بن عمرو, أن النبي ﷺ قال: "لزوالُ الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم" ١.
وهناك أحاديث كثيرة تبين لنا الآداب وفضائل الأعمال التي بثَّها الرسول ﷺ في نفوس الصحابة, وطهَّرَ بها قلوبهم, ومحا ما علق بها من آثار الجاهلية.
هكذا سلك الرسول ﷺ مسلكًا راقيًا في توجيه صحابته، وهذا المسلك يعتبر من أعظم المناهج في التربية؛ لأن قوامه الرأفة والرفق والموعظة الحسنة، استطاع به أن يحوّل كثيرًا من العرب إلى رجال صالحين ونساء صالحات, بصبره عليهم ورأفته بهم, فنقلهم من رعاة إبلٍ غلاظٍ يشعلون الحرب لأوهى الأسباب, إلى قادةٍ عظماء هداة مرشدين.
ومن يقرأ كتب السنة يدرك مدى جهاده ﷺ في تعليم العرب رجالًا ونساءً, وصبره عليهم، ولسوف يطَّلِعُ على أمورٍ في التعليم والتربية من أمتع وأعظم الأساليب في هذا المجال، ثم إنهم من بعده نهضوا بهذه التربية خير نهوض حين فتحوا البلاد شرقًا وغربًا، برًّا وبحرًا, فكانوا مشاعل هداية أوصلوا نور الإسلام إلى جميع البشرية.
стр. 72
الصحابي إنسان عالمي:
هكذا أدَّبَ الله صحابة رسول الله ﷺ , وهكذا أدَّبهم رسول الله بسنته وموعظته حتى أصبحوا مجتمعًا له عقيدة تختلف عن كل العقائد التي توارثوها عن الآباء والأجداد, مجتمعًا يستمد عقيدته من السماء، مجتمعًا ربانيًّا ينبثق فيه التعامل مباشرة من الإيمان بالله تعالى والتحاكم إلى شرعه، وصار هناك مفهوم جديد لمن تربى بهذه التربية، هذا المفهوم يطرح القبلية والعصبية والعنصرية, ويقبل على الناس جميعهم بروح المساواة والعدالة: إنه الإنسان العالمي الذي يشعرنا بالانتماء إلى الأسرة الإنسانية كلها, من واقع ما عرفه من دين الله الذي يدعو إلى التعارف والتآلف, ويأمر بالعدل والإحسان وتقديم الخير للبشرية، ويحقق السعادة للناس جميعًا؛ أسودهم وأبيضهم, وأحمرهم وأصفرهم, فالكل يتساوى أمام نظرة هذا الإنسان الجديد الذي لا تميزه عنصرية, ولا يحجبه عن الناس شيء.
ولقد كانت تربية الله لمجتمع الصحابة بكلامه وبإرشاد رسوله ﷺ شاملة لجميع مناحي الحياة, في حالات السلم وحالات الحرب، فقد مروا باختبارات عملية تصهرهم بتجارب قاسية؛ لتخلق منهم الرجال الأشداء الأقوياء الذين لا يهابون شيئًا إلّا الله, وجعل الله منهم رجالًا مؤمنين ونساء مؤمنات, من طبقة عالية في الصدق والأمانة ودماثة الخلق, فصاروا أمةً من أرقى الأمم, لم يأت مثلهم في أمة سابقة, ولن يأتي مثلهم في أمة لاحقة, فكانوا بحقٍّ خير أمة أُخْرِجَتْ للناس، لهذا نجد علماء المسلمين الذين كانوا يقومون بجمع الحديث النبوي لا يسألون عن الصحابي، بسبب تعديل الله لصحابة رسول الله ﷺ أجمعين, وكان رسول الله ﷺ قد توفي عن
стр. 73
مائة ألف إنسانٍ من رجل أو امرأة, كلهم قد روى عنه سماعًا أو رؤية١.
وهؤلاء الصحابة قد شهد الله لهم بصدق حديثهم وطهارتهم, فعدَّلهم في قرآنه, ووصفهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس, ولهذا يقول أبو بكر الخطيب البغدادي في باب ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة:
"كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي ﷺ , لم يلزم العمل به إلّا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن"٢.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ . [البقرة: ١٤٣] .
وهذا اللفظ وإن كان عامًّا فالمراد به الخاص، وقيل: هو وارد في الصحابة دون غيرهم٣، وقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ
стр. 74
دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ في آيات يكثر إيرادها، ويطول تعدادها، ووصف رسول الله ﷺ الصحابة مثل ذلك، وأطنب في تعظيمهم، وأحسن الثناء عليهم١.
وروي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اختارني، واختار أصحابي، فجعلهم أصهاري، وجعلهم أنصاري، إنه يجيء في آخر الزمان قوم ينتقصونهم، ألا فلا تناكحوهم، ألا فلا تنحكوا إليهم، ألا فلا تصلوا معهم، ألا فلا تصلوا عليهم، عليهم حلت اللعنة"٢.
والأخبار في هذا المعنى تتسع، وكلها مطابقة لما رود في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله لهم، المطلع على بواطنهم، إلى تعديل أحد من الخلق, فهم على هذه الصفة إلّا أن يثبت على أحد ارتكاب ما لا يحتمل إلا قصد المعصية والخرج من باب التأويل، فيحكم بسقوط العدالة, وقد بَرَّأَهم الله من ذلك, ورفع أقدارهم عنده، على أنه لو لم يرد من الله , ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه, لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، والقطع على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم
стр. 75
افضل من جميع المعدلين والمزكين، الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين١.
هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء.
أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى الهمذاني، ثنا صالح بن أحمد الحافظ قال: سمعت أبا جعفر أحمد بن عبدل يقول: سمعت أحمد بن محمد بن سليمان التستري يقول: سمعت أبا زرعة يقول: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدّى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، هم زنادقة"١.