المادي الخالص.
نحن لا نرفض العصر ولا نتقوقع في الماضي، ولكنا نقيم أساسًا إسلاميًّا خالصا نواجه به التراث والفكر المعاصر على السواء.
إن حاجتنا إلى الغرب تتلخص في حاجتنا إلى مفاتيح العلوم التجريبية والتكنولوجية؛ لننقلها إلى لغتنا العربية ومحيطنا الإسلامي.
إن النظرية التي تحاول أن تربط بين العلوم التجريبية والفلسفات هي نظرية باطلة ولن نقبلها. نحن نرفض أن يكون منهج الفلسفة الغربية موازيا لمنهج العلم التجريبي. أما طريقة العيش الغربية فهي لا تناسبنا؛ ذلك لأن لنا منهجا إسلاميًّا خاصًّا في العيش والحياة.
إن أكذب ما ينقل إلينا ونضلل به هو تلك الرابطة الوهمية بين العلم التجريبي وأسلوب العيش الغربي، إن كل ما ينقل إلينا لا يزيد عن أن يكون خامات نشكلها في إطار فكرنا ومعتقداتنا"١.
يقول بعض علمائنا٢:
إن مشكلة الحضارة الغربية كمشكلة الحضارات السابقة في التردي إلى عبادة وثن من صنع المجتمع نفسه وهو "تأليه الدولة" السائد الآن بين ١٩٠ من سكان العالم.
لقد أدى هذا التأليه إلى انهيار ١٤ أو ١٦ حضارة سابقة من عشرين حضارة، وتأليه اليوم أشد إرهابًا؛ لأنه تدعمه أيديولوجيات، وتمكن له التكنولوجيا الحديثة سواء في وسائل الإعلام أو غيرها.
стр. 212
٢- تصدير التغريب والترويج لكلمة الرجعية ١:
فالتغريب هو محاولة "تغيير المفاهيم" في العالم العربي والإسلامي، والفصل بين هذه الأمة وبين ماضيها وقيمها والعمل على تحطيم هذه القيم والتشكيك فيها، وإثارة الشبهات حول الدين واللغة والتاريخ ومعالم الفكر ومفاهيم الآراء والمعتقدات جميعا.
لقد صوَّر لورد كرومر منهج هذا العمل الذي اصطنعته فرنسا وإنجلترا وهولندا في العالم الإسلامي حين قال: "إن الشبان الذين يتلقون علومهم
стр. 213
في انجلترا وأوربا يفقدون صلتهم الثقافية والروحية بوطنهم، ولا يستطيعون الانتماء في نفس الوقت إلى البلد الذي منحهم ثقافته، فيتأرجحون في الوسط ممزقين".
وكان هذا بالطبع هو الهدف من الإرساليات المختلفة التي غزت بلادنا في صورة مدراس وجامعات، وفي البعثات الموجهة إلى أوروبا وإلى عواصم الدول المختلفة بالذات.
وفي هذا، قال جبران: إن الشباب الذي تناول لقمة من العلم في مدرسة أمريكية قد تحول بالطبع إلى معتمد أمريكي، والشاب الذي تجرع رشفة من العلم يسوعية صار سفيرا لفرنسا، والشاب الذي لبس قيمصا من نسج مدرسة روسية أصبح ممثلا لروسيا، وكان هذا هو الحق إلى حد كبير، فقد غزا الغرب الشرق بجحافل من العلماء والمبشرين والمستشرقين والأثريين والصحفيين، وشيدت مؤسسات ضخمة في مختلف عواصم العالم الإسلامي؛ لفتح أبوابها لثقافة بلادها، وبدأ هذا النفوذ الفكري يعمل ويسيطر في مجالات المدرسة والجامعة والصحافة، والثقافة والتربية والطب والسينما والإذاعة.
وهكذا كان "التغريب" عملا خطيرا دقيقا، قوامه الحرب المنظمة للقيم التي عاشت عليها أمتنا، في أسلوب مغلف بالضباب، يحاول أن يثير غمامة كثيفة من التشكيك والتحقير والاستهانة بكل ما لدينا من قيم باسم "القديم" البالي الموروث، ولم تمض سنوات قليلة حتى كان أبرز المسيطرين على "الصحافة" في العالم العربي والإسلامي من هؤلاء المتنكرين لقيمنا الذاهبين مع التغريب؛ فقد كانت الصحف التي تعمل للمبادئ تسقط واحدة بعد الأخرى، بينما ظلت الصحف التي تخدم التغريب تقوى وتتوسع، وفي مجال "الترجمة" كان الهدف هو إذاعة القصة المكشوفة والآراء المسمومة، وفي الأدب بث فكر جديدة قوامه
стр. 214
القصص، وفي مجال المدرسة كانت تقدم الكتب التي تنتقص من قدرنا، وتصم ترايخنا بالضعف وماضينا بالذلة، وسيطر على الجو الفكري كله تيار جديد هدام قوامه الاستهانة بكل القيم وفي مقدمتها الدين والمعنويات، كما فرضت الحضارة على بلادنا أسوأ ثمراتها، لم ترسل لنا إلا تجارة الرقيق الأبيض والكحول ومواد الزينة واللهو بغية تحطيم كيان المجتمع، وبدت في جو مجتمعنا ريح تدعو إلى الرخاوة والمتعة واللذة والتخلص من كل القيود.
ولم تكن هذه الدعوة تهدف إلا إلى تدمير القيم الأساسية لهذا الأمة، قيم المقاومة والصلابة والتصميم وتحويل نظر الأمة عن الجهاد والتضحية والفداء في سبيل الحرية"١.
الترويج لكلمة الرجعية:
يرمي أهل أوربة والدول الاستعمارية الموصوفة بالدول المتقدمة المسلمين بالرجعية التي تعني التخلف والجمود، ويوهمون المسلمين دائما بأنهم يتمسكون بالماضي والدين، ولا يتطورون بتطور الحياة، ويقارنون بين تقدمهم في علوم الطبيعيات وعلوم الصناعات وبين تخلف دول العالم الإسلامي في هذا المضمار، فينسبون تخلف المسلمين إلى تمسكهم بالدين واعتقادهم المتين في منهجه، وتلك مقارنة ظالمة فيها إجحاف للمسلمين، واتهام لا يليق بالدين الإسلامي الحنيف الذي يحقق السعادة لكل البشر إذا ما اتبعوا تعاليمه وساروا على نهجه، هل تحققت السعادة للناس في أوربة بسبب هذا التقدم الحضاري المزعوم؟!
إن ما يصفونه بالحضارة هو في الواقع ليس بحضارة؛ لأن غاية الحضارة تحقيق الأمان للفرد في مجتمعه حتى يعبد الله وهو آمن في سربه، ولا نجد للأمان معنى عند هؤلاء.. وبالتالي لا تتحقق العبادة الخالصة لله،
стр. 215
ولهذا تنتفي صفة الحضارة الحقيقية، ويشهد لذلك تخبط أهل تلك البلاد في أمور حياتهم، وظهور الفسوق في مجتماعتهم، وأنهم يأتون المنكر في نواديهم.
إن الإسلام نظام تقدمي، ولا يعيبه أنه لم ينهض به أهله في الأزمان المتأخرة؛ لما أصابهم من أحوال الضعف والتفكك، ولِما أصابهم من عسف المستعمرين الذين دخلوا إلى أراضيه بالقوة والعنف، فعاثوا فيها الفساد ردحا طويلا من الزمن، ولو كان المستعمرون ذوي حضارة كما يزعمون لتركوا في البلاد التي احتلوها أثارة من الخير، ولكنهم كانوا كما وصفهم أمير الشعراء أحمد شوقي بقوله:
وللمستعمرين وإن ألانوا ... قلوب كالحجارة لا ترق
أما المسلمون فإنهم حين فتحوا البلاد التي دخلوها أيام عزتهم فقد تركوا من أسباب الخير لهذه البلاد ما يجل عن الوصف والتاريخ يشهد على ذلك.
ولقد كتب بعض مفكري عصرنا يقول:
"هناك عدة نقاط يسوقها أعداء الإسلام للتشكيك في صلاحيته كفلسفة شاملة في عصرنا الحديث. وأول ما يدعي من ذلك أن الإسلام الذي كان صالحا للبدو الحفاة قبل أربعة عشر قرنا لم يعد يصلح في عهد المدنية والحضارة والآلية عصر الصواريخ والذرة والتكنولوجيا، وأنه لا مناص من هذه حتى يمكننا أن نتحضر ظنا منهم أن الإسلام يحرم البشر من ثمرات الحضارة الحديثة والأخذ بوسائل المدنية وهي دعوى لا يقول بها إلا من لم يعرف تاريخ هذا الدين وحضارته.
حقا نزل الإسلام في قوم من البدو بلغ من جفوتهم وغلظتهم أن قال الله تعالى في وصفهم: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ
стр. 216
مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ١. فكانت معجزته أن جعل من هؤلاء الأجلاف أمة متآخية من الآدميين بل أمة وسطا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتهدي البشرية إلى ما اهتدت إليه من الخير، وفي هذا دليل على قدرة الإسلام على تحضير النفوس وتهذيبها، ولم يكتفِ الإسلام بهذا وإنما فسح صدره فضم إليه كل مظاهر الحضارات والمدنيات التي وجدها في الأقطار المفتوحة وتبناها؛ تنبى الحضارات التي وجدها في مصر وفارس وبلاد الروم ما دامت لا تخالف عقيدته في وحدانية الله، ولا تصرف الناس عن الخير الذي يدعو إليه، وتبنى الحركات العلمية التي كانت لليونان من طب وفلك ورياضيات وطبيعيات وفلسفة ومنطق، وظلَّ يضيف إليها ما أثبت تعمق المسلمين في البحث والدرس والاشتغال بالعلم حتى تجمع كل هذا في الأندلس وصقلية وهو ما قامت عليه نهضة أوربا الحديثة واكتشافاتها في العلم والابتكار، فكل من يعرف جهود المسلمين في مختلف ألوان الفكر والمعرفة والعلوم لا يستطيع أن يدعي أن الإسلام وقف مرة في وجه أية حضارة نافعة"٢.
بنفس النظرة فإن الإسلام لا يقف من آية حضارة معاصرة موقف العداء طالما كانت تدعو إلى ما يدعو إليه من الخير، بل إنه يتقبل منها ما تستطيع أن تقدمه من فائدة، ويرفض ما فيها من شرور، ومن ثم فإن الإسلام لا يدعو بصورة من الصور إلى الانعزال الفكري أو المادي ولا يعادي الحضارات الأخرى عداء شخصيا أو عنصريا أو دينيا؛ لإيمانه بوحدة البشرية، واتصال الأواصر بين البشر من جميع الأجناس والألوان التي لا يقيم لتباينها وزنا؛ نتيجة لإيمانه بواحدانية الله والتساوي بين خلق الله في الحقوق والواجبات والمسئولية والجزاء العادل المرتب عليها.
стр. 217
وهكذا فإنه لا صحة للدعوى التي تزعم أن الإسلام يحول دون التمتع بثمار الحضارة الحديثة، فمنتجات الحضارة الحديثة لا يمكن أن يكون لها جنسية أو دين أو وطن، وإنما هي ملك للبشرية؛ لأنها إنتاج بشري عام، وإنما الهدف من استخدامها هو الذي يتأثر بهذه العوامل، فهذه الوسائل جميعا لا عنوان لها، ولكنها تكتسب عنوانها من استخدامها في هدف دون آخر، وبالتزامها بغايات سامية وتحقيقها لمثل وأهداف رفيعة سواء في ذلك السلاح العسكري أو الوسيلة الثقافية أو الفكرة الاجتماعية أو السياسية، فالإسلام لا يصادر على الأفكار الصالحة ولا يقف دون التفاعل معها؛ إذ كل تجربة إنسانية صالحة يمكن أن يتحاور معها، فيأخذ منها ما يتفق وغاياته، ويطرح ما دون ذلك.
وأما إذا كانت الحضارة عند هؤلاء تعني التحلل من القيم وإهدار المثل والانسياق وراء التهتك والانحلال ومعاقرة الخمر والميسر والتقليد الأعمى للسلوك المنحرف والعبودية والخنوع للغزو الفكري الأجنبي، والاكتساء بقشرة الحضارة الغربية من أجل أن نبدو متحضرين وتقدميين؛ فإن الإسلام حينئذ؛ حفاظًا على شخصيتنا الحضارية ومقومات وجودنا- يقف في وجه هذا المنكر ويقيم نفسه حاجزًا بين أبنائه وبين التردي في تلك المهاوي١.
стр. 218
٣- تصدير العلمانية:
العلمانية اصطلاح حديث يقصد به ما ليس دينيا ولا كهنوتيًّا١.
ولعله مشتق من لفظ العالَم، وجاء في بعض المعاجم:
العَلْمَاني عند الغربيين المسيحيين: من يعنى بشئون الدنيا، نسبة إلى العَلْم بمعنى العالَم، وهو خلاف الكهنوتي"، ويمكن تلخيص مفهوم هذا المصطلح في أنه: "الإيمان العقلي المادي"٢.
ويرى الاستاذ فتحي رضوان أن أصول العلمانية ترجع إلى ردود الفعل لثورة مارتن لوثر في سنة ١٥٢٠م على البابا وانتقاده العنيف إياه؛ لبيع صكوك الغفران للعصاة والخاطئين والمسيحيين مقابل مال كثير يدفع للبابا فيضمن لهم دخول الجنة، ولسخط لوثر على عبادة القديسين، ودعوته إلى العمل بالكتاب المقدس وحده، وقد ترتب على ذلك تجريد الدولة من كل نشاط ديني، وعدم تحميل ميزانية الدولة شيئا من نفقات الكنائس والأديرة وتحريم التعليم الديني في المدراس والمعاهد الحكومية٣.
والعلمانية باختصار شديد هي فلسفة جديدة في العالم الغربي "الأوربي والأمريكي" ترمي إلى تهميش الدين، وإلغاء الإيمان بالغيب وتنصيب الإنسان إلها جديدًا، مع الاعتراف فقط بالعقل والمادة والشيء المحسوس الملموس.
стр. 219
دول الغرب تتجرع مرارة الوثنية بسبب العلمانية:
ولما كانت العلمانية ترمي إلى التقليل من شأن الدين، فإنها أثرت في نفوس ضعاف الإيمان وصار الاعتقاد الديني عند بعض أهل دول الغرب دقيقا يغشاه قترة من الشك، ويصحبه شيء من الاضطراب والحيرة حتى تمرد الشباب، وخرج معظمهم عن حدود المألوف حيث تبلبلت أفكارهم، وصار الدين بالنسبة لهم غريبا عنهم، ولم تعد تؤثر فيهم نصائح القديسين ومواعظ القسيسين، وأصبح الأدب في عرفهم ضربا من الجنون والفنون لونا من العبث، ولعلنا نلمس كل ذلك من قراءتنا للمقال الذي كتبه الأستاذ/ فهمي هويدي بجريدة الأهرام تحت عنوان: "الوثنية الجديدة" حيث كتب يقول١:
الوثنية الجديدة: "بقلم فهمى هويدي"
تهمنا للغاية تلك المناقشات المثيرة الدائرة الآن في بريطانيا حول "الوثنية الجديدة" ليس فقط لكي نتابع ما أصاب الاعتقاد الديني من تآكل وتخريب، ولكن أيضا لكي نستشرف مآلات ما يدعونا إليه البعض في بلادنا!
لقد نشرت صحيفة الجارديان في الثاني عشر من الشهر الماضي تقريرا تحت عنوان "الوثنية الجديدة"، وذكرت فيه أن الدوائر الكنسية تبدي قلقا شديدا إزاء تفشي مظاهر الوثنية بين قطاعات متزايدة من الناس حيث انصرف هؤلاء بصورة تدريجية عن الديانة المسيحية، وراحوا يبحثون عن الإشباع الروحي في كائنات الفضاء وعالم الخرافة والتنجيم والخواص السحرية للكريستال وقراءة "الكوتشينة" والكف، وغير ذلك من المصادر المريبة والغامضة، الأمر الذي يعد من علامات "تفكك الإيمان" وانهيار مقوماته ومن ثم فإنه يعد أكبر تحدٍّ يواجه الكنيسة في العصر الحديث.
ذكر التقرير أن الكنائس البريطانية المختلفة كلفت لجنة من خبرائها بدراسة الظاهرة بعد ما بدأت تستحفل في المجتمع الإنجليزي، وقد أمضت اللجنة أربع سنوات في رصدها للتحولات عن الإيمان المسيحي، وكان أبرز ما لاحظته أن ٧٠% من أبناء الشعب البريطاني يعلنون أنهم يؤمنون بالله بينما ١٤% فقط منهم هم الذين يترددون
стр. 220
على الكنيسة "النسبة في ألمانيا تهبط إلى ٥%، وفي فرنسا ما بين ٣ و٤%، وهؤلاء الذين قطعوا صلتهم بالكنيسة يشبعون أشواقهم الدينية بعيدا عنها، حيث يختاون ما يشاءون من معتقدات وخرافات، خصوصا تلك القادمة من الشرق الآسيوي "مستودع الخرافات" الذي لا ينفد، ويخلطونها بعضا ببعض ثم "يؤمنون" بتلك الخزعبلات، ويعتبرونها دينا جديدًا"!
"سوبر ماركت الروحانيات":
حذر التقرير الذي عنوانه "البحث عن الإيمان" من أن هذا التفلت من الاعتقاد الديني، والتعامل مع الروحانيات بأسلوب الانتقاد من "السوبر ماركت" من شأنه أن يؤدي إلى "انهيار مجتمعنا وتقويض أركان حضارتنا".
نقل تقرير الجارديان عن مطران ونشستر- اسمه ميخائيل نظير علي! قوله: إن تلك "الروحانية الانتقائية" هي نوع من الوثنية الجديدة، وإن المصطلح الذي شاع عنها في الأدبيات الغربية الحديثة. والذي يعتبرها بمثابة "معتقدات العصر الجديد" يثير الالتباس ويخفي حقيقتها؛ إذ هي تستبدل الإيمان المسيحي اليهودي بخزعبلات وخرافات تم تلفيقها طبقا لأهواء بعض الأشخاص.
من الفقرات المهمة في التقدير تصريح على لسان واحدة ممن شاركوا في الإشراف على دراسة الكنائس البريطانية، قالت فيه: "إن تعاظم شأن الفردية في المجتمع الإنجليزي "والغربي بعامة" دفع كل واحد إلى اصطناع الدين الذي يستريح إليه فيمحنه الرضا عن النفس والتفاؤل بالمستقبل، وهو ما دفع أمثال هؤلاء إلى الانقطاع عن الكنسية وإدراة ظهورهم للإيمان الديني التقليدي، ومحاولة إشباع حاجاتهم الروحية بالطريقة التي تروق لهم"!
هذه الطرائق التي اختارها الناس من "سوبر ماركت الروحانيات" توافقوا على تسميتها بديانات العصر الجديد، وهم لم يجهروا بها فحسب، إنما مضوا يرجون لها، ويستقطبون شرائح من الشباب الذي يعاني من الفراغ الروحي، ولا يزال يفتش في "السوبر ماركت" عن اعتقاد يتجاوب معه ويستريح إليه!
وهذه الظواهر أزعجت قيادات الكنيسة الإنجليكانية بطبيعة الحال، فلم يكتفوا بمحاولة تحقيقها ودراستها، والبحث عن كيفية إعادة جذب الشباب إلى الكنيسة مرة أخرى، ولكنهم انتقدوا بشدة دعاة معتقدات العصر الجديد، وفي هذا السياق فإنهم حذروا من أن تلك المعتقدات تعد خطرا يهدد المجتمع، وتؤدي إلى انقسامه وإلى تدمير مقومات الإيمان الصحيح.
وجدت في نشرة "حول العالم" الأسبوعية التي تصدرها من لندن وكالة "قدس
стр. 221
برس"، متابعة للموضوع فقط ذكرت في عددها الأخير "الصادر في ٢٣-١١" أن أتباع "الديانات الجديدة" لم يلتزموا الصمت إزاء تعريض الكنيسة بمعتقداتهم، فردوا على ناقديهم بقولهم: "إن مطارنة الكنيسة الإنجليكانية هم آخر من يحق لهم انتقاد غيرهم"، فإذا كانوا يتنقدوننا؛ لأننا نؤمن بأشياء غريبة وخرافات، فإنهم أول من باعوا لنا تلك الأشياء الغريبة والخرافات، والكثير مما يقولونه خارج عن العقل ولا يقبله المنطق، إذًا "فما الضير أن يؤمن الإنسان بظواهر غريبة، وإن يزداد الاعتماد على ما يسمى بالخرافات ورموز التطير والتشاؤم حسب تعبير المؤمنين"؟
أضافوا أنه "إذا كان آباء الكنيسة يطالبوننا بالاعتقاد في أشياء خارقة للطبيعة، فإن إيماننا بالخواص الخارقة لكرة الكريستال وعبادة ظواهر الطبيعة يغدو أمرًا سهلًا بالمقارنة".
الشذوذ: تحدٍّ داخل الكنيسة
أضاف تقرير القدس برس أن الكنيسة الإنجليكانية التي توصف عادة بأنها "كنيسة واسعة الصدر" تضم تحت لواءها طوائف وتيارات متعددة، يصل الاختلاف فيما بينها إلى درجة التناقض الكامل إلا أن مأزقها الآن صار مضاعفا فهي من ناحية تواجه تحدي معتقدات العصر الجديد الذي يأتيها من الخارج؛ إذ يشيع الوثنية والإلحاد المتمثل في عبادة مظاهر الطبيعة والإيمان بالسحر والشعوذة والأبراج وقراءة الحظ والطالع غير أنها تواجه تحديًا آخر لا يقل خطورة، يجيء هذه لمرة من داخل الكنيسة ذاتها، وهذا التحدي يتمثل في تنامي حركة "الشاذين والسحاقيات المسيحيين"!
وإذا كانت الوثنية الجديدة تسحب البساط من تحت الكنيسة وتحاصر وجودها ثم تلغيه في نهاية المطاف فإن حركة الشاذين تبقى على الكنيسة لكنها تفرغها من مضمونها وتهتك قداسة تعاليهما الأخلاقية والاجتماعية.
لقد عقدت الحركة احتفالا دينيا كبيرا يوم ٢٣ نوفمبر الماضي في كاتدرائية "ساذان" البريطانية، وحضره أكثر من ألفي شخص من مختلف أنحاء البلاد. وكانت مناسبة الاحتفال الذي استمر يوما كاملا هي ذكرى مرور ٢٠ سنة على تأسيسها!
اللافت للنظر أن ثلاثة مطارنة للأبرشيات الإنجليزية حضروا الاحتفال. كما أن فكرته تحظى بتأييد قادة كنائس إنجليكانية العالم، منهم رئيس أساقفة جنوب إفريقيا ديزموند توتو، الحائز على جائزة نوبل للسلام، عن كفاحه ضد التمييز العنصري في بلاده.
هذا الحديث أثار انقساما حادا في جسم الكنيسة الإنجليكانية، لا سيما في صفوف الطوائف الإصلاحية والجناح التقليدي لها؛ إذ قرر هؤلاء الرد على
стр. 222
"الاحتفال الشذوذي" بإقامة سلسلة من النشاطات الاحتجاجية، التي تراوحت بين الصلوات والنشاطات الدعائية، في هذا السياق قررت ٥٠ كنيسة إنجليكانية إقامة صلوات قوية ضد ذلك الاحتفال.
إزاء ذلك لم يعد خافيا على أحد أن الكنيسة تعاني من خلافات عميقة حول أمور عدة، منها موقفها من مسألة الشذوذ الجنسي. وعند التحقيق في الأمر تبين أن ثمة مواقف ثلاثة داخل الكنيسة أزاء هذا الموضوع. موقف تبناه المجمع الكنسي العام "السينود" في سنة ١٩٨٧، وهو يرى أن العلاقات الجنسية بين أفراد الجنس الواحد مرفوضة، ويجب أن تقابل بالتوبة.
الموقف الثاني يتمثل في تقرير صدر عن مجلس المطارنة عام ١٩٩١م جاء فيه: يسمح للمؤمنين غير المرسمين ككهنة بممارسة الشذوذ الجنسي في بعض الظروف، ولكن ذلك غير مسموح به للكهنة إطلاقا.
أضاف تقرير قدس برس أن كلا الموقفين يتناقض مع الموقف غير الرسمي المعروف للكنيسة الإنجليكانية، والذي كان مجلس المطارنة يتبناه فعليا حتى وقت قريب، وهو ما تلخصه عبارة: "لا تفعله في الشارع؛ لتخيف الأحصنة المارة" ومعناه: "افعله في صمت وتكتم عليه ولا تثر ضجة من حوله".
ثارت حفيظة المعارضين لاحتفال حركة الشاذين والسحاقيات، ذلك النفوذ المتزايد للجماعات الشاذة داخل الكنيسة الإنجليكانية حتى أن مطران "جلاسجو" الأسقف ديربك رد كلف ألَّف ترنيمةً خاصةً لاحتفال حركة الشاذين، الذي أقيم في كاتدرائية "ساذن".
وقد ألَّف الأسقف رد كلف الترنيمة التي سماها "ترنيمة المعركة"؛ لتكون "صيحة الحرب" التي تحث الجماعات المسحيية الشاذة على مواصلة مسيرة كفاحها في سبل حقوقها "المشروعة" حسب وؤيته.
تقول بعض مقطاع الترنيمة: "إلى الأمام أيها الشاذون المسيحيون سيروا بكل افتخار.. سيروا جنبا إلى جنب نحن نحن لسنا متفرقين.. كلنا جسد واحد شاذون وسحاقيات ومسيحيون.. من أجل المساواة!
وواضح من هذه الكلمات أنها اقتباس استخدام مفردات ومعاني ترنيمة "إلى الأمام يا جند المسيح" الشهيرة التي كانت تزحف على أصدائها حملات الفرنجة "الصليبية" المتجه إلى بيت المقدس والشرق في القرنين الحادي عشر والثاني عشر".
تداعيات لتهميش الدين:
ما الذي جرى حتى تم تخريب الإيمان الديني وتدمير البنية الأخلاقية، والعلاقة بين الأمرين وثيقة وعميقة كما سنرى توًّا....
стр. 223
قبل أن أحاول الإجابة عن السؤال ألفت النظر إلى أمرين هما:
- أن هذا التفسخ الحاصل داخل الكنيسة وخارجها لا شأن له بالديانة المسيحية وإنما هو نتاج المنظومات الفكرية السائدة في المجتمعات الغربية، التي تصادف أنها مجتمعات مسيحية. لو أن تلك المنظومات انتشرت في العالم الإسلامي وأخذت مداها الذي يدعو إليه البعض، لأصاب المجتمعات الإسلامية ما أصاب مجتمعات الغرب المسيحي من تصدعات أو انهيارات.
- أن هذا التيار المدمر والفاسد يلقى مقاومة من جانب تيارات أخرى في الدول الغربية ذاتها، لا تزال تستميت في الدفاع عن العقيدة والفضيلة والأسرة الطبيعية. وقد رأينا أنه في مقابل احتفال الشاذين الذين أقيم في كنيسة "شاذن" فإن خمسين كنيسة أخرى أقامت صلوات توبة مناهضة لذلك الاحتفال، من ثم فإنه يتعذر الادعاء بأن الصورة التي قدمناها تعبر عن واقع المجتمع الغربي كله، وإنما هي تعكس أحد جوانب ذلك الواقع، التي سلطت عليها الأضواء مؤخرا، بعدما بدا أن مثل تلك الظواهر تتنامى وتتمدد في الفراغ الروحي السائد.
نعود إلى سؤالنا: ما الذي جرى؟
رأيي أن ذلك كله من حصاد علمنة المجتمع بما تضمنته من تهميش للأديان وإقصاء مرجعيتها، وإطلاق فلسفة جديدة في العالم الغربي تلغي الغيب وتنصب الإنسان إلها جديدًا، وتعترف بالعقل والمادة والمحسوس، ولا شيء سواها.
أدري أن مصطلح العلمانية في عالمنا العربي، موضع الالتباس الشديد، فهناك سذج يربطون بينها وبين العلم، وهناك أناس طيبيون يحصرونها فيما يسمى بالفصل بين الدين والسياسة، وهناك هواة متحذلقون يفصلونها حسب هواهم وما يتمنونه، فيربطون بينها وبين التقدم والحرية والإبداع، وغير ذلك هناك خبثاء يحتمون بالمصطلح لتصيفية حساباتهم الخاصة مع الإيمان والمؤمنين.
العلمانية الشاملة غير هذا كله؛ وذلك إذ هي في أصلها وفي تطبيقاتها العلمية الملموسة في المجتمعات الغربية دعوة إلى الإيمان بالإنسان وعقله قبل الإيمان بالله والغيب. وفي مقام سابق قلت: إن كلمة "الدنيوية" هي أدق وأصوب في ترجمة مفهوم مصطلح Secularism وهو الأصل الإنجليزي للكلمة، التي ترجمت علمانية في العربية، والباكستانيون كانوا أصح منا عندما ترجموها في لغتهم الأردية إلى "الدنيوية"!
تسعفنا موسوعة الدكتور عبد الوهاب المسيري حول "العلمانية الشاملة" ٤ أجزاء وهي تحت الطبع الآن" بمادة غزيرة في الكشف عن حقيقة الدور الذي لعبته
стр. 224
العلمانية في المصير الذي تعاني منه المجتمعات الغربية عامة بما فيها المجتمع البريطاني الذي نتحدث عنه.
هو ينطلق من أن العلمانية رؤية مادية للكون تهتك القداسة، ولا تعترف بالغيب، ويستعير عبارة الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي التي قال فيها: إن المشروع العلماني الغربي هو نموذج يقوم على نزع الألوهية في العالم، بحيث لا يعبد الإنسان شيئا، ولا حتى ذاته، ومن ثم فإنه لا يجد في الكون أي شيء مقدس ولا رباني، ولا نصف رباني؛ إذ بمقتضاه يظل الإنسان في عالمه المادي، لا يتجاوزه.
العلمانية حين تجلت:
في أحد مداخل الموسوعة يعتبر الدكتور المسيري النموذج العلماني الغربي مشروعا "تفكيكيا" ينكر الكليات والمطلق وكل أنواع التجاوز.
ومن ثم فإنه يؤدي إلى تفكيك الواقع الموضوعي وتفكيك الإنسان.
فالإيمان العقلاني المادي بالتقدم يضرب بالضرورة الثوابت والمطلقات، يجعل كل شيء نسبيا، وهو ما يجمع عليه فلاسفة العلمانية، ومنهم الإنجليزي جيريمي ينتام الذي ذهب مثلا إلى أنه لا يوجد مطلقات أخلاقية، وأن سلوكنا الأخلاقي يمكن تفسيره ماديًّا في إطار المنفعة واللذة. داروين وماركس وفرويد عبروا بصياغات متفاوتة عن ذات الفكرة: "رفض الثابت والمطلق والغيب".
حين هيمنت هذه الثقافة على المجتمعات الغربية، سادت المرجعية المادية التي لا تعول على الغيب وتؤمن بعقل الإنسان وحده، لم يختلف إنسان العصر الحديث كثيرا عن الإنساني البدائي أو الوثني. وهذا التشابه تحدث عنه الفيلسوف الألماني ماكس فيبر، فقال: إن كليهما يفتقر إلى إطار مرجعي معرفي وأخلاقي متكامل ومتماسك يكتب تكامله في عقيدة دينية ثابتة وكل منهما يعيش في عالم يفتقد إلى المركز، ويتسم بتعدد العقائد والنظم العرفية والأخلاقية، لذلك فالإنسان الوثني البدائي الذي كان يعيش في عالم مخيف يتهدده من كل جانب، وجد نفسه محاطا بآلهة وشياطين متصارعة لصيقة بعالمه المادي، ولأن إدراكه الخاص أو عقيدته الدينية البسيطة التي تلبسته كانت عاجزة عن أن تجيب عن أية أسئلة كلية، باعتبار أنها لا تقدم رؤية كونية شاملة، فإن أقصى ما استطاعت عقيدته أن تفعله أنها كانت تهدئ من روعه قليلا وبشكل مؤقت، شريطة أن يذهب إلى الساحر لكي يزوده بالتعويذة اللازمة لهذه المناسبة، ثم يطالبه بتقديم القرابين والقيام ببعض الطقوس لإلهه الخاص أو إله القبيلة دون أن يكون هناك منطق واضح وراء هذه الأشياء.
الإنسان الحديث يفعل نفس الشيء بعد أن تمت علمنته، فبعد أن عزف عن
стр. 225
الديانات الشاملة التي تؤمن بإله واحد للكون، فإنه راح يبحث عن ديانة تستهويه وتشبع أشواقه الروحية، ومن ثم فإنه اتجه إلى انتقاد التعاليم والطقوس التي تعجبه دون أن تحمله أية أعباء أخلاقية بكلام آخر فإنه حين تمت علمنته لم يعد يبحث عن الإله في السماء، ووجد نفسه يبحث عن آلهة أخرى في الوحل! هذا ما يفسر الوثنيات الجديدة التي ظهرت في بريطانيا وفي عدة دول أوروبية أخرى، التي وصفها أحد مثقفي الكنيسة الإنجيلية بأنها "ديانات العلمانية".
الانفلات العقيدي استصحب ذلك الانفلات الأخلاقي الذي يعد الشذوذ الجنسي أحد أبرز تجلياته، وهذا وذلك من إفرازات العلمنة وتداعياتها الضرورية، وفي الموسوعة التي نتحدث عنها معالجة مستفيضة لمفرادات العلمنة وتعبيراتها المجازية، ومن عنواينها التي تعنينا في السياق الراهن ما يشير إلى الجسد والجنس كتعبيرات أساسية عن السلوك العلماني؛ إذ حين يصبح الإنسان هو المركز، ويصبح كل شيء كامنا فيه، فإن الإنسان يختزل إلى جسده، ويختزل جسده إلى نشاطه الجنسي، وهو ما أدركه واحد من أهم فلاسفة العلمانيين، آرثر شوبنهاور "القرن ١٩"، الذي أدرك في وقت مبكر أن الجسد والجنس هما التعبير المجازي عن العلمانية الأساسية، ففرويد عبر عن ذات الفكر حيث فسر السلوك الإنساني منطلقا من مركزيته معتبرا أنه جسد محض ودوافعه جسدية وجنسية.
أيضا ينبه الدكتور المسيري في الموسوعة إلى ارتباط الحضارة العلمانية بالمنفعة المادية واللذة أدى إلى تعظيم دور الجسد والجنس، وفي رأيه أن الجسد هو التعبير المجازي عن عصر الحداثة، وأن الجنس هو التعبير المجازي عن عصر ما بعد الحداثة، وهو يعزز هذا الرأي باستشهادات من أقوال كبار الفلاسفة الغربيين مثل فوكو وليوتار وغيرهما..
هذه التداعيات تهمنا للغاية؛ لسبب جوهري هو أن بعض العلمانيين في بلادنا العربية اتجهوا خلال السنوات الأخيرة إلى محاولة هتك المقدس وتفكيك الإيمان الديني، من خلال العبث بالنصوص والزعم بأنها تاريخية "صلحت لمرحلة ولا تصلح لأخرى". فضلا عن أننا صرنا نطالع شعارات من قبيل "تجفيف الينابيع" تصب كلها في ذات اتجاه حصار الدين وتفكيك الإيمان.
وهذه الدعوات تمثل لعبًا بالنار لا ريب وتقودنا إلى مآلات مدمرة للدنيا والدين معا. أما ما هي تلك المآلات، فإنك ستراها بوضوح تعرفها جيدًا، إذا قرأت المقال مرة أخرى.
стр. 226
٤- تصدير عبارة "الدين أفيون الشعوب " وحجب نور الإسلام عن أهل الغرب:
قائل هذه العبارة هو كارل ماركس؛ فإن السبب الذي قال من أجله: "إن الدين أفيون الشعوب" يرجع إلى الظلم الذي كان يعانيه الفلاحون في روسيا وأوربة من الإقطاعيين حيث كان الألوف من الفلاحين يموتون جوعا كل عام ويموت الملايين من النساء بالسل وغيره من الأمراض بينما يعيش الإقطاعيون في ترف ويتمتعون بكل ألوان المتاع، وكانت روسيا في هذا الوقت مسيحية، وكان رجال الدين ينصحون الناس بالتذرع بالصبر ويقولون: "لا تقاوموا الشر.. بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا، ومن أخذك رداءك فاترك له الثوب أيضا"١. وراحوا من ثم يصرفونهم عن إحساسهم بالألم ويمنونهم بنعيم الآخرة الذي أُعد للصابرين على الظلم والراضين عن الشقاء مرغبين ومرهبين فمن عصى سيده الإقطاعي فقد عصى الله والكنيسة، ولقد كانت الكنيسة لونا من ألوان الإقطاع ذاته؛ إذ كان لها ملايين الرقيق الذين تستعبدهم في أرضها لحسابها الخاص، ولهذا كان وقوف الكنيسة إلى جانب القيصر والأشراف ضد الشعب المكافح أمرا طبيعيا، فإن لم يفلح الترغيب ولا الترهيب كانت العقوبات توقع على المتمردين على نفوذ الكنيسة باسم الخروج عن الدين والإلحاد بآيات الله..
ولهذا قال كارل ماركس آنذاك بسبب هذه الملابسات الخاصة: "إن الدين أفيون الشعوب"؛ لأن الدين هناك كان عدوًّا حقيقيًّا للشعب ولحقوقه، وكانت قولته تلك صادقة في موضعها، ولكن ضفادع الشيوعية في الشرق الإسلامي تنق بها هنا وراءه أيضا ويسحبونها على الإسلام، وليس في هذا شيء من الصدق أو الحق، وحجتهم في سحب هذه المقولة على الإسلام أن
стр. 227
"رجال الدين" الإسلامي المحترفين كانوا يقومون بمثل هذا الدور في استرضاء ذوي السلطان على حساب الكادحين من الشعب وكانوا يمنونهم بالجنة التي أعدت للصابرين؛ ليرضوا عما هم فيه من ظلم وهوان ويدعونهم إلى طاعة أولي الأمر منهم مؤولين آيات القرآن الكريم؛ لتتفق وغايتهم.
ثم يخلطون بهذه الحقيقة شبهة مؤادها أن الإسلام نفسه يأمر بهذا الفحش؛ إذ يقول: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ١، أو حينما يقول: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ٢. ومن ثم فالإسلام عندهم شأنه شأن غيره من الأديان التي تدعم الأمة الإقطاعية والرأسمالية أفيون يخدر الكادحين٣ بل وتعاليمه نفسها تأمر بهذا الغبن والاستغلال! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ .
ونحن لا ندافع هنا عن سلوك رجال الدين الذين أساءوا إلى الإسلام وإنما نفرق فحسب بين أن يكون سلوكهم هذا بإيحاء من الدين أو أنه فسوق منهم عن أمر الدين. فالذي لا شك فيه أنه فسوق منهم عن أوامر الدين متاجرة به، وهم لا يختلفون في ذلك عن كثير من الشعراء والكتاب والإعلاميين الذين عفروا جباههم بالتراب، ومرغوا الثقافة الفنون في الوحل من أجل متاع حرام، وإن كان "رجال الدين" أفدح جرما؛ لأن كتاب الله بين أيديهم وهم يشترون به وبآياته ثمنًا قليلًا. والذي نريد أن نؤكده أن ليس في الإسلام رجال دين ولا كهنوت، وأن ما يقوله من يسمون أنفسهم برجال
стр. 228
الدين ليس بحجة على الإسلام وأن ما يرتكبه من فسوق لا يحسب عليه، أما عن أن الدين يأمر بمثل هذا التفاوت الذي يثبتونه من الآيتين السابقتين فهو نتيجة لسوء الفهم والقول في القرآن بغير علم، فإن المفسرين يقولون أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إنما نزل في امرأة قالت: لماذا يختص الرجال بالجهاد في سبيل الله وتحرم من ذلك النساء؟ فضلا عن أن المعنى المطلق للآية نهي عن التمني الفارغ مع القعود عن العمل، ويجدر أن نلتفت إلى استعمال الفعل "يتمنى" فهو يقال ويراد به ما لا سبيل إلى تحقيقه من الأمور المستحيلة أو العسيرة، وليس أكثر عسرًا من الاكتفاء بالحلم دون عمل، فهو إحساس منحرف يؤدي إلى الحسد والبغضاء، فالآية إذن دعوة عامة إلى الناس أن يعملوا ما ينالون به الفضل في إنتاج عملي يفيد منه المجموع، بدلا من التمني مع القعود.
أما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ فهو نهي للناس عن أن تستبد بهم شهوات الأرض فتشغلهم عن مهمتهم في الجهاد في سبيل الله وإحقاق الحق ورفع الظلم وحماية المستضعفين وكل أنواع الجهاد هذه تَحْرِم من ينهض بأعبائها من كثير من المتاع الدنيوي، ولكن الله يجزيهم عنه في الآخرة ما هو أبقى وأفضل، وهي تفاسير قديمة من قبل الشيوعية وضفادعها بألف عام، ولم تستحدث من أجلهم.
ومع ذلك فحتى لو افترضنا جدلا أن هذه الآيات وأشباهها تدعو المسلمين إلى الرضى بالواقع وعدم التطلع إلى ما بأيدي الآخرين فليس في هذه الدعوة بأس طالما كان الإسلام نفسه الذي يدعو إلى هذا يدعو في نفس الوقت الأغنياء ألا يستأثروا بأموالهم دون إنفاقها في سبيل الله، ويهددهم بما ينالهم من العقاب في الآخرة على هذه الأثرة البغيضة؛ لتتعادل كفتا الميزان؛ إنفاق من جانب لحق معلوم في أموال الأغنياء، واحتفاظ بالكرمة عن ذل
стр. 229
التطلع وبنظافة النفس من الحقد الأسود في جانب آخر؛ ليعيش المجتمع في سلام يتفق وتعاليم الإسلام، أما حين ينكل الأغنياء عن واجبهم في تحمل تكاليف فريضة المجموع فإن الإسلام يأمر بالكثير الذي يمكن عمله.. يأمر بعدم الرضوخ للظلم بل يرى الرضى به جريمة فظيعة سيئة المصير في الدنيا والآخرة ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ١. ومما يأمر به الإسلام في هذا المقام ألا يكن المال "دولة بين الأغنياء"، كما يأمر بأن تكفل الدولة رعاياها بكل الطرق الممكنة كما مر بنا عن طريق إيجاد عمل يكفل له حياة كريمة أو ضمانات إعاشته إذا عجز عن العمل، فلو صح أن غاية الآيتين الكريمتين أن يقعد الناس عن مكافحة الظلم الاجتماعي لكانت النتيجة أن تتكدس الأموال في يد فئة خاصة من الناس يتداولونها حكرًا فيما بينهم يَحرمون منها المجموع كما يحدث في الإقطاع والرأسمالية، وذلك ينكره الإسلام؛ لأنه مخالف لقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ﴾ ٢. ولو تأملنا نظرة الإسلام لهؤلاء الذين يكدسون الأموال ويحبسونها عن المحتاجين أو يغرقون أنفسهم في الترف لرأيناها نظرة احتقار وتوعد؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٣.
стр. 230
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ١.
وقال: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ ٢.
وقال ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ، فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ، إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ٣.
فالسكوت عن محاربة الظلم الاجتماعي يؤدي إلى منكر، والإسلام لا يدعو إلى منكر والله يقول عن بني إسرائيل إنهم ملعنون؛ لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه.
والرسول يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره".
وقد أمر الإسلام بتغيير المنكر باليد واللسان والقلب فمن حق الحاكم أن يصادر من الأموال ما يراه لازما لحاجة المجموع، وهو يرى الحاكم الذي يسكت عن مغالبة الظلم الاجتماعي وقهره أو ينتسبب في استمراره واستشرائه حاكما جائرا تجب مقاومته جهادا في سبيل الله، فيقول الرسول ﷺ : "أفضل الجهاد عند الله كلمة حق عند إمام جائر" ٤.
لقد قدم الإسلام للبشرية منهاجا متكاملا للفكر والحياة والمجتمع والحضارة وهو منهج تطبيقي عملي وليس منهاجا نظريا أو مثاليا، وهذا المنهج هو السنة، والسنة مستمدة من القرآن، وقد سئلت السيدة عائشة عن خلق النبي
стр. 231
صلى الله عليه وسلم فقالت: "كان خلقه القرآن".
والقرآن فيه كل ما يحتاجه البشر من الهداية؛ لأنه لم يختص بأمة العرب فحسب وإنما هو يشمل كل أمور الحياة للناس جميعا؛ لقوله عز من قائل: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ فليس الإسلام دين أمة العرب، ولا دين طبقة خاصة بذاتها ولكنه دين الإنسانية كلها.
وعلى هذا فإن القرآن دعوة عالمية تعمل على جمع الناس على منهج واحد يتمثل في توحيد الله وتنفيذ ما أمره به والكف عما نهى عنه، ولكن أعداء الله في كل مجتمع يحجبون هذه الحقيقة عن الناس ويشغلونهم عنها بالترويج لمعتقداتهم الفاسدة الصارفة عن التوحيد وعن معرفة الحلال والحرام في العلاقات الإنسانية والتصرفات الدينوية.
ونستدل على حجب نور الإسلام عن الأوربيين من كلام المفكر الفرنسي موريس بوكاي الذي يقول فيه١:
"ولا مفر من الاعتراف بأن هذه التعاليم الإسلامية مجهولة على العموم في بلادنا الغربية، وقد يعجب البعض من هذا، ولكن سرعان ما يزول ذلك إذا ذكرنا الطريقة التي لقن بها العديد من الأجيال قضايا الإنسانية الدينية، والجهالة التي تُركوا فيها تجاه كل ما يخص الإسلام. أليس هدف إطلاق التسميات "الدين المحمدي" و"المحمديين" حتى في أيامنا هذه غرس الاعتقاد الخاطئ في الأذهان بأنها تتعلق بعقائد منتشرة بفعل الإنسان، وليس لله فيها "في مفهوم المسيحيين" أي مكان. وأن كثيرا من مثقفينا المعاصرين يعنون بمقومات الإسلام الفلسفية والاجتماعية والسياسية ولا يتساءولون كما
стр. 232
هو واحب عن ماهية الوحي الإسلامي؛ لأنهم يطرحون -كقاعدة ثابتة- استناد محمد علي ما سبقه؛ ليبعدوا بهذه الطريقة عن الذهن كل اتصال له بمسألة الوحي بالذات.
وإلى جانب هذا، أي ازدراء لم يجابه به المسلمون في بعض الأوساط المسيحية؟ لقد لمست ذلك عندما حاولت عقد حوار للمقابلة بين نصوص توراتية ونصوص قرآنية تتناول موضوعا واحدًا، ولاحظت الرفض المبدئي لمجرد اعتبار ما يتضمنه القرآن في الموضوع المطروح، كما لو كان الاستشهاد بالقرآن بمثابة انتماء إلى الشيطان!.
كما نستدل على تشويه صورة الإسلام في الغرب من الحوار الذي أجراه بعض الصحفيين مع الدكتور الألماني مراد هوفمان حين سأله عن هذا المعنى، وعن المضايقات التي يتعرض لها المسلمون اليوم في أوربا، قال هوفمان"١:
"هناك بالفعل مضايقات تجاه المسلمين في أوروبا، وتشويه للإسلام؟؛ لأسباب بعضها تاريخية تمتد على فترة الحروب الصليبية وتبعاتها، والعلاقات بين الدولة العثمانية
стр. 233
أوروبا وما سمي بالاستعمار التركي لبعض المناطق الأوربية.
كما أن جزءا من أسباب المشكلة يرجع إلى المسلمين أنفسهم؛ فبعض الأئمة الذين ترسلهم الحكومات للعمل في المراكز الإسلامية بالغرب ليسوا على المستوى اللائق، وبعضهم يتحدث عن الإسلام بطريقة منفردة، فمثلا ذكر أحد هؤلاء الأئمة أن الإسلام والديقراطية لا يجتمعان!
ولكن هذه المضايقات تتم أيضا تجاه الأجانب بصفة عامة، فالتيار ليس ضد الإسلام، وإنما ضد العناصر الأجنبية، والألمان على سبيل المثال لا يرضون بوجود أكثر من ١٥% من الأجانب وبعض الأوروبيين يخشون على ثقافتهم من تأثير الوجود الأجنبي، ففي فرنسا يشير البعض إلى أن أكثر اسم يطلق على الأطفال المولودين هو اسم "محمد" أي أن هناك قلقًا من جزء غير قليل من الناس ينتمون إلى هوية أخرى.
ويؤكد أن ما يتعرض له الإسلام إنما يأتي في أحيان كثيرة من بعض الاتجاهات السياسية التي تتحدث بشكل غير عادل عن الإسلام، فعلى سبيل المثال تعرضت كاتبة ألمانية كبيرة هي الدكتورة شميل لهجوم عنيف في وسائل الإعلام الألمانية بسبب موقفها الرافض لرواية آيات شيطانية، وهذا الاضطهاد الذي تعرضت له كان لأسباب سياسية وليس لأسباب دينية.
ويرى محدثنا أن العبء الأساسي في الدعوة إلى التسامح يقع على عاتق كل مسجد والكنيسة؛ لأن الاتجاهات العامة لدى بعض الناس قد تكون أميل إلى رفض الآخر، في حين أن التدين الحقيقي هو الذي يؤكد على قيمة التسامح، ويضيف: لقد وجدت في القرآن شيئا غير عادي لم أره في أي ديانة أخرى؛ وهو الإشارة إلى التعددية الدينية، والتعددية الحضارية: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ فالقرآن الكريم يعطي للديانات الأخرى ضمانا دستوريا، ومن ثم فليس الهدف هو تحويل العالم إلى عالم إسلامي وإنما إلى عام مؤمن بالله وحده لا شريك له.
وحول رؤيته لمستقبل الإسلام يقول: إن كل المؤشرات تؤكد أن الإسلام في تقدم مستمر ولا يتوقع أحد أن يختفي الإسلام في المستقبل، وإنما يمتد بل وينفجر، فيضع جنرالات الناتو في حسبانهم أن أكثر الموجهات العسكرية المحتمل حدوثها في
стр. 234
المستقبل ستكون بين الشمال والجنوب على أساس أن الإسلام هو العدو المرتقب.
ويؤكد أن الصراع في المستقبل لن يكون بين المسلمين والمسيحيين أو بين المسيحيين واليهود، إنما بين الأقلية التي تؤمن بالله، المسلمين لله بالمعنى الأصلي للكلمة، والأكثرية التي أصبحت لا تستريح لفكرة الله، أي الناس الذين تنحصر عندهم الحقيقة في حواسهم الخمسة، والذين يرون أن الدين خرافات أو خداع للنفس.
وينبه إلى أن العالم الإسلامي إذا لم يرد أن يعيش في مثل هذه الثقافة الواحدة فعليه أن يبذل جهدا هائلا؛ ليحقق "إسلام القرن الـ٢١"؛ حيث تصبح كلمة الله قانونا وتزدهر ثانيا حضارة الإسلام لإيجاد عالم يستخدم في المسلمون التكنولوجيا بعد تهذيبها من اللإنسانية، عالم يصعد فيه المدح والثناء للواحد الأحد ولا يستبد فيه الاقتصاد والحصول على أقصى ربح. وإنما تتحكم فيه متطلبات البشرية المادية والعاطفية والروحية.
هذا يتطلب إعادة تأسيس الفكرة الإسلامية لكي عود المسلمون بالميلاد مسلمين بالإيمان والفعل.
وينبه إلى ضرورة تحقيق الإصلاح في العالم الإسلامي في عدة مجالات من أبرزها التعليم والتكنولوجيا على أساس أن مستقبل الأمة الإسلامية يصنع في هذين المجالين، وإزالة سوء الفهم عن وضع المرأة في الإسلام، وأيضا منحها الحقوق التي قررها لها الإسلام، وتوضيح حقوق الإنسان في الإسلام بأسلوب يفهمه الآخرون وتنقية العقيدة من الخرافات"١.
стр. 235
٥- تصدير السفور واختلاط الجنسين:
تعتمد تقاليد الغرب الحديثة على:
١- التسوية المطلقة بين الرجل والمرأة في المكانة الأدبية والمادية.
٢- إقامة المجتمع على الاختلاط التام وترك المرأة تتقلب فيه حيث تشاء.
٣- النظر إلى الناحية الجنسية على ضوء الاستقلال الجنسي والتصرف الطبيعي.
ولهذه التقاليد الغربية عشاق يدعون إليها، وقد بدأ مجتمعنا ينساق نحوها، أو قل ينحدر إليها"١. وقد أدى ذلك إلى ظهور الانحلال الخلقي في المجتمع.
ومن العوامل التي أدت إلى التحلل الخلقي، واستمرار هذا الانحلال الأدب المنحل، والسينما والمسرح بما يعرض فيهما من الفحش، وانتشار الفيديو، وأفلامه الخاصة، وكذلك التليفزيون في بعض برامجه حتى أن دولة كبرى تعرض فيها قناة خاصة تعمل ٢٤ ساعة لطالبيها باشتراك خاص، وتقدم لهم ذاك المستوى الهابط الذي يراه المراء في بعض الحيوانات التي لا تعقل!
ويضاف إلى ذلك ما أثارته نظرية التطور والنشوء والارتقاء لدراون، ونظرية الجنس لفرويد الذي يفسر كل حركة في الكون على أن مردها الجنس حتى رضاعة الطفل يفسرها كذلك!! وبهذا المنهج الذي أشيع في كثير من دول العالم حقر من شأن الإنسان ومن أصله الحيواني تارة، ومن دوافعه الجنسية، ووحله فيها تارة أخرى.
لقد أدى هذا كله ثمرته الخبيثة، وحصاده المر، فضلا عن خروج المرأة
стр. 236
عارية أو شبه عارية وأقامة الأسواق "لجمالها" كأسواق النخاسة سواء بسواء!! وأصبحت المرأة التي كرمها الله وسيلة إعلان ورواج للتجارة والمال، والبيع والشراء!
فإذا أضيف إلى هذا وهن العقيدة وضعف الأخلاق، وفتور الحاسة الدينية وجفاف العطاء المتجدد لديانتهم وعدم تلبيتها ومواءمتها لحياتهم رأينا إلى أي حد هيجت الغريزة، وألهبت نيران الشهوة، وحطمت الأخلاق، وانهارت الأسرة، وانتشر الزنا، والخنا، وإدمان المخدارات١.
أما الغيرة والنخوة فلا تكاد تذكر؛ يرى الرجل زوجته أو ابنته مع صديق لهما يخرجان باستئذانه، وقد يكون أمام محفل لأصدقائه فيأذن مرحِّبًا مشجِّعًا!! ويبدو أن تلك الهرمونات التي فرزها الخنزير -وهو الحيوان الذي لا يغار على أنثاه- تنتقل بدورها إلى آكليها؛ لتصيبهم بالبرود وعدم الغيرة أو الحمية على أهلهم وذويهم كما يقول علماء الطب١.
إن واقع الحال يقول: إن المرأة الغربية في تعاسة وبؤس؛ لأن الفواحش قد طغت في المجتمع الغربي طغيانا لا حد له، طغيانا ضاعت فيه الأنساب، وكثرت فيه العقد والاضطرابات النفسية.
"إن للانحلال الخلقي في المجتمعات غير الإسلامية عوامل عديدة أدت إليه، من بينها تلك الثورة الصناعية الكبيرة التي قلبت الموازين في عالم الناس،
стр. 237
الأشياء، وهذه الدعوة المستمرة إلى المساواة "الكاملة" بين الرجل والمرأة التي أدت إلى إخراج المرأة من بيتها؛ ليكون لها وظيفتان في المجتمع، في الأسرة كشريكة ندا لند، وفي المجتمع كعضو عامل فيه، وكثيرا ما يطغى أحدهما على الآخر فيعضفه أو يغنيه، وقد كان لهذا الخروج والاختلاط بالرجال أثر كبير وفعال في الانحلال الخلقي، وبخاصة أنه واكب هذه الدعوات إلى المساواة والاختلاط دعوى أخرى إلى أن للمرأة الحرية المطلقة في جسدها تتصرف فيه كما تتصرف في رأيها ولون ثيابها سواء بسواء!! أنه كشربها لفنجان قهوة كما قالت إحدى نساء الشرق في مجلة نسائية.
وقد كان لهذه الدعوات أثر كبير في تفكك الأسرة وتمزقها الذي أدى بدوره إلى مزيد من الإشباع الجنسي المحرم، وكان من أثر هذا العمل المزدوج للمرأة أنه تحولت العلاقات الأسرية في المنزل إلى مجرد علاقات بين عضوين في مؤسسة لا أكثر وأقل.
ولقد حدث التباس وخلط نتيجة هذا الدور المزدوج في الأسرة والمجتمع، وقد زاد من تفكك الأسرة وانهيارها في الغرب العامل الاقتصادي الذي دفعها إلى التطلع إلى مستوى من الرفاهية وتحقيق الكماليات دون اعتبار للقيم أو الأخلاق أو المثل العليا اللهم إلا في بعض الأسر القليلة، وإنما تقاس الأسرة عندهم بما تملك من أجهزة وأثاث وأرصدة ودواب ميكانيكة"١.
ونحن في بلادنا العربية والإسلامية يمنعنا ديننا الحنيف من امتهان المرأة، ويأمرنا بالمحافظة عليها على نضارتها وعلى طهارتها وعلى صيانتها من كل سوء، وهي في منهج هذا الدين من أهم أركان المجتمع؛ إذ يسند إليها أخطر
стр. 238
الصناعات وأجلها، هي صناعة الرجال، وقد رسم الإسلام للمرأة علاقتها بالمجتمع وبين لها طريق الحلال والحرام عند إقامة هذه العلاقة، ولكن المفسدين الماديين يطمسون نور الحق بتدليسهم على النساء ويروجون الفوضى والفساد فيهونون من أمر الاحتشام والاحترام، ويسمحون لخروج المرأة على غير ما أمر الدين دعا إليه الشرع.
ونجد في هذا العصر بعض الذين تأثروا بالثقافات الأجنبية ينادون بتبطيق الاختلاط بين المرأة والرجل والفتاة والشاب مدعين أن لهذا الاختلاط منافع كثيرة، منها حل لغز المرأة في حياة الرجل، وتحقيق حسن المعاشرة بين الجنسين وإثارة التنافس بينهما، والائتناس بينهما، وسكون كل منهما للآخر، وهم في ذلك إنما يدعون إلى المحرمات، فتكون نتيجة هذا الاختلاط الإفضاء الجنسي المحرم الذي يزين الفاحشة ويعزي بها، وتكون المرأة في النهاية هي الضحية.
إنك تجد الدعوة لهذا الاختلاط تكفَّل بها أناس كثيرون من الكتاب والمفكرين والإذاعيين والإعلاميين ممن ثارت عقولهم ونفوسهم بالثقافات الأجنبية التي لا يحكمها دين ولا تنظمها شريعة، فالجرائد والمجلات والكتب تعرض أمام أعين الناس دعاوى أولئك المفسدين بالإضافة إلى الإذاعة والتلفيزيون اللذين يملآن أعين وآذان الناس بأصوات الفنانين والفنانات ومسلسلات الكذب والبهتان التي تدعو الناس إلى قبول الاختلاط كما تعمل على تهيئة النفوس لاعتباره شيئا طبيعا لا غبار عليه١.
ولا تزال تأتينا من جانب الغرب رياح الفتن والضلال، فتهيج في بلادنا نفوس كثير من النساء اللاتي يطالبن بأشياء ليست من حقوق المرأة بل هي من عقوق المرأة، ويساند هؤلاء النسوة اللائي يطعمن في المزيد من الوظائف
стр. 239
والمطامع أسوة بالمرأة الأجنبية في أوربة وفي أمريكا رجال في مختلف مواقع المسئولية منهم الكتاب في الصحف وأعضاء المجالس النيابية ممن يسعون إلى الشهرة وركوب الموجة فيطالبون للنساء بوظائف جديدة علاوة على ما اكتسبه من مواقع العمل مزاحمة للرجال، والحقيقة أنهم يقودون المرأة إلى جاهلية حديثة.
"إن الإسلام يقرن جريمة الزنا بالشرك ويعدها من أغلظ الآثام، ويغلق الأبواب المفضية إليها بعنف. وكما ينظف المجتمع من مظاهر الوثنية ينظفه من مظاهر الخلاع، فهو يحمي تقاليد الشرف كما يحمي عقيدة التوحيد، على عكس حضارة الغرب فإن بناءها قائم على الكفر والفسوق وقد سلطت اللذة البهيمية تشرِّح بدن المراة تشريحا منكرا، وتفتنُّ في الإغراء بها وسلخها من ثيابها وآدابها، وحشرت المرأة في أعمال مختلفة؛ لتيسر السطو عليها، واعتبرت المخادنة تصرفا عاديا، والمراقصة فعلا مشروعًا، وارتماء المرأة في أحضان أجنبي عنها شيئا لا غبار عليه بل إنها تلام إن نكصت عنه"١.
وإلى جانب وسائل الإعلام نجد المدارس لا سيما المدراس الأجنبية التي تعمل على تعميق هذا المفهوم لدى الجنسين من الطلاب، وتبالغ في تأكيد معنى المساواة بين الذكر والأنثى الطالب والطالبة.
ولعل من أهم مساوئ الاختلاط هدم كيان المرأة والتقليل من شأن الرجل، مما يكون له أبلغ الأثر في تكوين الأسرة في مجتمعنا الإسلامي المعاصر، وعلى أخلاقيات الناس من الجنسين.
كما أن الدعوة إلى الاختلاط تمتد إلى الجانب الاقتصادي، فترفع من نسبة الاستهلاك للمواد الكمالية المتمثلة في مواد الزينة للنساء؛ لأن المرأة تريد
стр. 240
أن تظهر زينتها في مجتمع الاختلاط، وتسرف في استعمال مواد الزينة المختلفة والثياب وغير ذلك من الأشياء التي تعمل على حسن المنظر وبهجة المظهرة، ومن ذلك أيضا ما ينفقه الرجل هو الآخر على أناقته وحسن مظهره، وطلب آخر صيحة في مجال الحلل وملابس الرجال، مما يرهق الأسر، ويرهق اقتصاد الدولة كله نتيجة هذا السرف والمبالغة في إبداء الزنية وحسن المظهر.
إننا نجد في مجتمع الجامعة مثلا أن عدد الموظفات في إدارة الجامعة بالنسبة إلى عدد الموظفين ربما يزيد إلى الضعف، نجد المرأة فيه تزاحم الرجل والاختلاط في الجلوس على المكاتب من الأمور الطبيعية جدًّا، وقد تفوح روائح أصناف العطور المختلفة المنبعثة من النساء، وكأنهن لا يعملن أن النبي ﷺ قال: "كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا". "يعني زانية" ١.
كما ورد في الخبر عنه ﷺ أنه قال: "أيما امرأة ستعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية، وكل عين زانية" ٢.
أما في مجال التعليم فنجد الاختلاط بين الجنسين في الجامعة كأنه صار سنة متبعة، وكان الاختلاط في بدء الأمر فيه احتشام وفيه احترام، لكن مع طول العهد ومرور الأعوام، ومع فعل المسلسلات الإذاعية والإعلام الفاسد تخلت الطالبات -في الأغلب- عن الاحتشام، وصرن يحرصن على لقاء الشباب، ولم يعد هناك غض للأبصار ولا احترام للمحرمات، وأصبح حرم الجامعة مباحا للقاء الجنسين، واستئناس كل منهما بالآخر، ولا نجد في ذلك غضاضة من
стр. 241
أحد وإنه لشيء ينذر بالسوء ويؤذن بوقوع الكوارث والنكبات.
وبسبب الاختلاط تشبهت البنات بالبنين، وتشبه الفتيان بالفتيات، حتى إنه يصعب على الرائي في بعض الأحيان أن يميز بين الذكر والأنثى في زحام الطلبة والطالبات؛ لتشابه الجنسين في الملبس، كما قد نجد أيضا التفنن في ارتداء الأزياء الصارخة في الإثارة، والتي كثيرا ما تبرز مفاتن البنت أو تصف ما تحتها.
وقد حرم الإسلام على المرأة أن تلبس من الثياب ما يصفُ وما يشفُّ عما تحته من الجسد، ومثله ما يحدد أجزاء البدن، وبخاصة مواضع الفتنة منه، كالثديين والخصر والردف نحوها١.
وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس -"إشارة إلى الحكام الظلمة أعداء الشعوب"- ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا" ٢.
وإنما جعلن "كاسيات" لأن الثياب عليهن، ومع هذا فهن "عاريات" لأن ثيابهم لا تؤدي وظيفة الستر؛ لرقتها وشفافيتها، فتصف ما تحتها، كأكثر ملابس النساء في هذا العصر.
والبخت نوع من الإبل، عظام الأسنمة، شبه رؤوسهن بها؛ لما يرفعن من شعورهن على أوساط رءوسهن، وكأنه ﷺ كان
стр. 242
ينظر من وراء الغيب إلى هذا الزمان الذي أصبح فيه لتصفيف شعور النساء وتجميلها تنويع أشكالها محلات خاصة "كوافير" يشرف عليه غالبا الرجال يتقاضون على عملهم أبهظ الأجور، وليس ذلك فحسب، فكثير من النساء لا يكتفين بما وهبهن الله من شعر طبيعي، فيلجأن إلى شراء شعر صناعي تصله المرأة بشعرها؛ ليبدو أكثر نعومة، ولمعانًا، وجمالًا. ولتكون هي أكثر جاذبية وإغراء.
والعجيب في أمر هذا الحديث أنه ربط بين الاستبداد السياسي والانحلال الخلقي، وهذا ما يصدقه الواقع، فإن المستبدين يشغلون الشعوب عادة بما يقوي الشهوات، ويلهي الناس بالمتاع الشخصي عن مراقبة القضايا العامة.
تحريم تشبه المرأة بالرجل والرجل بالمرأة:
وأعلن النبي ﷺ أن من المحظور على المرأة أن تلبس لبسة الرجل، ومن المحظور على الرجل أن يلبس لبسة المرأة١، ولعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال٢. ويدخل في ذلك التشبه في الكلام والحركة والمشية واللبس وغيرها.
إن شر ما تصاب به الحياة، وتبتلى به الجماعة، هو الخروج على الفطرة، والفسوق عن أمر الطبيعة، والطبيعة فيها رجل وفيها أمرأة، ولكل منهما خصائصه، فإذا تخنث الرجل، واسترجلت المرأة، فذلك هو الاضطراب والانحلال.
وقد عد النبي ﷺ ممن لُعنوا في الدنيا والآخرة
стр. 243
وأمنت الملائكة على لعنتهم: "ورجلًا جعله الله ذكرًا فأنث نفسه وتشبه بالنساء، وامرأة جعلها الله أنثى، فتذكرت، وتشبهت بالرجال".
وشبابنا من الجنسين -في الأغلب والأعم- لا يعلمون الحلال والحرام في الملابس والمظهر أو أنهم يعلمون لكنهم لا يجدون من يقول لهم: هذا خطأ أو: هذا صواب، فضلا عن غياب القدوة سواء في المنزل أو في المدارس التي تعلموا فيها قبل أن يصلوا إلى رحاب الجامعة، بالإضافة إلى ما يعرضه "التلفاز" من برامج ومسلسلات وإعلانات تدعو إلى هذا الفسق؛ إما صراحة وإما ضمنا، ولهذا شاع أمر الفسوق على أنه عادة العصر والاختلاط على أنه من موجات التطور.
стр. 244
المصادر والمراجع:
أولا: القرآن الكريم:
ثانيا: الكتب المؤلفة:
- ابن أبي الدنيا؛ عبد الله بن محمد بن عبيد القرشي الأموي "ت٢٠٨".
٢- كتاب العيال، بتحقيق مسعد عبد الحميد السعدني، مكتبة القرآن للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة، ١٩٩٤.
- ابن تيمية:
٣- كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ ، بتحقيق أ. د. حمزة النشرتي وآخرين، مكتبة الأهرام، طبعة ١٩٩٧.
- ابن رجب الحنبلي:
٤- لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، نشر دار الدعوة.
- ابن سعد؛ محمد كاتب الواقدي:
٦- الطبقات الكبرى، دار التحرير بالقاهرة، طبعة ١٣٨٨هـ، ١٩٨٦م.
- ابن كثير الدمشقي؛ إسماعيل بن كثير القرشي:
٧- تفسير القرآن العظيم، مكتبة الدعوة الإسلامية، شباب الأزهر.
- أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري:
٨- أسباب النزول، الطبعة الثانية، ١٣٨٧هـ، ١٩٦٨م، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر.
- أنور الجندي:
٩- عالمية الإسلام، مجموعة اقرأ، العدد ٤٢٦، طبعة دار المعارف، ١٩٧٧.
- البخاري، محمد بن إسماعيل "ت٢٥٦":
١١- الأدب المفرد، مكتبة الآداب بالجماميز، القاهرة، طبعة ١٩٧٩.
١٢- صحيح البخاري، طبعة كتاب الشعب.
стр. 245
- الترمذي:
١٣- الجامع الصحيح، طبعة مصطفى البابي الحلبي، ١٩٧٦.
- الخطابي، أحمد بن محمد البستي "ت٢٧٥":
١٤- معالم السنن، نشر المكتبة العلمية ببيروت، لبنا، ط بعة ١٤٠١هـ، ١٩٨١م.
- الخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت "ت٤٦٣":
١٥- الكفاية في علم الرواية، بمراجعة عبد الحليم محمد عبد الحليم وعبد الرحمن حسن محمود، طبعة دار الكتب الحديثة، القاهرة، ١٩٧٢.
١٦- الفقيه والمتفقه، مطبعة الامتياز بالدرب الأحمر بالقاهرة، طبعة ١٩٧٧.
- السيد سابق:
١٧- فقه السنة، الطبعة الثانية، ١٤١١هـ، ١٩٩٠م، دار الفتح للإعلام العربي.
- الصابوني؛ محمد علي:
١٨- صفوة التفاسير، مكتبة الإيمان، المنصورة، ١٩٧٧.
- د. عبد الرحمن عميرة:
١٩- رجال أنزل الله فيهم قرآنا، المقدمة، دار اللواء للنشر بالرياض، الطبعة الخامسة، ١٤٠٤هـ، ١٩٨٤م.
د- عبد العزيز كامل:
٢٠- الإسلام والعصر. اقرأ، دار المعارف بمصر، طبعة ١٩٧٢م.
- د. عبد الله ناصح علوان:
٢١- تربية الأولاد في الإسلام، دار السلام للطباعة والنشر، الطبعة الثلاثون، ١٩٩٦م.
- الغزالي؛ أبو حامد محمد بن محمد "ت٥٠٥":
٢٢- إحياء علوم الدين، طبعة مصطفى البابي الحلبي، ١٣٥٨هـ، ١٩٣٩م.
٢٣- أيها الولد، بتحقيق علي محيي الدين علي القره داغي، دار الاعتصام، طبعة ١٩٨٣.
-فخر الدين الرازي؛ محمد بن عمر بن الحسين "٥٤٤-٦٠٤":
стр. 246
٢٤- مفاتيح الغيب، نشر دار الغد العربي، القاهرة، طبعة ١٩٩١م.
- القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري:
٢٥- تفسير القرطبي، طبعة دار الريان للتراث بالقاهرة، وطبعة دار الكتب المصرية، ١٩٨٦.
- محمد أسعد طلس:
٢٦- التربية والتعليم في الإسلام، طبعة دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٧٥م.
- محمد أمين الجندي:
٢٧- مائة قصة وقصة في أنيس الصالحين وسمير المتقين، الناشر مكتبة النجاح.
- محمد بن فرحون المالكي:
٢٨- الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، دار الكتب العلمية ببيروت، لبنان.
- محمد فريد حجاب:
٢٩- التربية الإسلامية بين العقيدة والأخلاق، مطابع دار الهلال بالقاهرة.
- محمد قطب:
٣٠- منهج التربية الإسلامية، دار الشروق، الطبعة الحادية عشرة، ١٤٠٨هـ ١٩٨٨م.
- محمد مصطفى ضبش:
٣١- فقه الإسلام في رعاية الأطفال والشباب والمجتمع المسلم، طبعة أولى، ١٤١٤هـ، ١٩٩٤م.
- مصطفى محمد حميداتو:
٣٢- عبد الحميد بن باديس وجهوده التربوية، كتاب الأمة، ١٤١٨هـ ١٩٧٩م.
- مسلم بن حجاج القشيري:
٣٣- صحيح مسلم، طبع بمطبعة عيسى البابي الحلبي بمصر.
- د. مصطفى حلمي:
٣٤- مع المسلمين الأوائل في نظرتهم للحياة والقيم، ونشر دار
стр. 247
الدعوة، الطبعة الثانية، ١٠٤٩هـ، ١٩٨٩م.
- مصطفى عناني:
٣٥- الوسيط في الأدب العربي وتاريخه، طبعة ١٣٣٥هـ، ١٩١٦م.
- النسائي:
٣٦- سنن النسائي، بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي، طبعة دار القلم ببيروت، لبنان، ١٤١٥هـ، ١٩٩٥م.
- النسفي؛ عبد الله بن أحمد بن محمود:
٣٧- تفسير النسفي، طبعة عيسى البابي الحلبي.
- د. النعمان عبد المجيد القاضي:
٣٨- الإسلام عقيدة وحياة، مجموعة دراسات في الإسلام يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، العدد ١٧٥.
ثالثا: اليوميات والدوريات
- الأستاذ/ إبراهيم نافع:
٣٩- مقال، جريدة الأهرام، ٦/ ٢/ ١٩٩٧.
- أحمد أبو الدهب محمود:
٤٠- مقال بعنوان "الإسلام والتنمية البشرية"، العدد ٣٨٥، مجلة الوعي الإسلامي، ١٤١٨هـ، ١٩٩٨م.
- حسن عزوزي:
٤١- خصائص التربية الإسلامية، مجلة الوعي الإسلامي، شوال ١٤١٧هـ، فبراير ١٩٩٧م.
- د. سعد ظلام:
٤٢- دعامات إسلامية لحقوق الإنسان، مقال منشور بمجلة الأزهر، الجزء الثامن، السنة السبعون، شعبان ١٤١٨هـ، ديسمبر ١٩٩٧م.
стр. 248
- د. عباس محجوب:
٤٤- دراسة نقدية لجوانب القصور، مقال بمجلة الأمة، العدد الثامن والثلاثون، السنة الرابعة، نوفمبر ١٩٨٣م.
- د. عبد الحكم عبد اللطيف الصعيدي:
٤٥- الأسرة المسلمة أسس ومبادئ، مجلة الوعي الإسلامي، ١٤١٨هـ، ١٩٩٨م.
- علي عيد:
٤٦- كيف احتفى الإسلام بالطفل، مقال في مجلة رسالة الإسلام، ١٤١٧هـ، ١٩٩٧م.
- عمر محمد إبراهيم غانم:
٤٧- من حقوق الجنين في الإسلام، مقال في مجلة الوعي الإسلامي العدد ٣٨٥، رمضان ١٤١٨هـ، ديسمبر ١٩٩٧م، ص٧٧.
- فاروق منصور:
٤٨- مقال بعنوان "المنهج النبوي أساسيات التربية والتعليم"، مجلة التربية، تصدر عن اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم، العدد ٨١، ١٤٠٧هـ، ١٩٨٧م.
-محمد توفيق سلام:
٤٩- دواعي تعليم حقوق الإنسان بمراحل التعليم قبل الجامعي، مقال منشور بمجلة التربية والتعليم، المجلد الخامس، العدد العاشر، سبتمبر ١٩٧٧.
- محمد صفوت نور الدين:
٥٠- مجلة التوحيد، العدد التاسع، السنة السادسة والعشرون، ١٤١٨هـ.
- محمد يونس:
٥١- جريدة الأهرام ١٩/ ١/ ١٩٩٨، مقال بعنوان: "ما السبيل إلى ثقافة إسلامية".
- د. موسى محمود أبو حوسة:
٥٢- تصور الغزالي لعملية التنشئة الاجتماعية، مجلة الدراسات العلوم الإنسانية، عمان، الأردن، المجلد الثامن عشر، عدد أكتوبر ١٩٩١.
стр. 249
فهرس الموضوعات:
صفحة
المقدمة أب.
الفصل الأول: مفهوم التربية الدينية في الإسلام.
٣ معنى التربية.
٥ تربية الله لعباده.
١٤ علم التربية والتعليم بدأه رسول الله ﷺ .
١٨ علم التربية والتعليم في المدرسة المحمدية.
الفصل الثاني: مصادر التربية الإسلامية.
٢٧ أولا: القرآن الكريم.
٤٨ ثانيا: السنة النبوية.
٦١ ثالثا: هدي الصحابة.
٧٥ رابعا: هدي التابعين ومن اتبعهم بإحسان.
الفصل الثالث: منهج الإسلام في التربية.
مراحل هذا المنهج.
٨٥ المرحلة الأولى: مرحلة الزواج وتكوين الأسرة.
١٠١ المرحلة الثانية: مرحلة الاستعداد لاستقبال المولود.
١٠٥ المرحلة الثالثة: مرحلة الطفولة والصبا.
١١٦ المرحلة الرابعة: مرحلة الشباب الباكر إلى الرجولة.
الفصل الرابع: وسائل تطبيق المنهج الإسلامي في التربية.
١٢٦ التربية بالتلقين والتعويد.
١٣٢ التربية بالقدوة.
١٣٧ التربية بشغل الأوقات وتنظيم الأوراد.
١٤٢ التربية بالقصة والعظة.
١٥٢ التربية بالعقوبة.
١٥٦ شبهة حقوق الإنسان التي تنادي بها منظمة اليونسكو.
١٥٩ خصائص منهج التربية الإسلامية تقود إلى السيادة وهي:
١٦٠ الأصالة.
١٦١ الشمولية والتكامل.
١٦٢ الأخلاقية.
١٦٤ الواقعية والتطبيق.
١٦٤ الثبات والخلود.
стр. 250
صفحة
الفصل الخامس: الجهات المسئولة عن التربية:
١٦٧ مسئولية التربية:
١٦٨ أولا: الأسرة.
١٦٨ تعويد الطفل الخصال الكريمة.
١٧٠ تجنيب الطفل العادات السيئة.
١٧١ حال الأسرة المسلمة في عصرنا الحاضر.
١٧٢ ثانيا: المدرسة:
١٧٤ المدرسة هي البيت الثاني.
١٧٥ ضعف المناهج.
١٧٥ مشكلة التعليم المعاصر.
١٧٨ معنى العلم في الإسلام.
١٧٩ حل مشكلة التعليم.
١٨١ ثالثا: المسجد:
١٨٢ رسالة المسجد في التربية والتعليم.
١٨٤ رابعا: المجتمع.
١٨٤ عناية الشريعة بالتشريع الاجتماعي.
١٨٤ المجتمع المسلم ضرورة لازمة للتربية.
١٨٧ صورة القاد في حياتنا الاجتماعية.
١٨٩ خاتمة البحث.
ملحق مضاف إلى البحث:
فصل في الاخطار التي تتهدد المجتمع الإسلامي في الأخلاق العادات والتقاليد.
١٩٦ تصدير المنرات إلى بلاد المسلمين:
١٩٦ ١- تصدير العقائد الزائغةوتأليه الدولة.
١٩٧ ٢- تصدير التغريب، والترويج لكلمة الرجعية.
٢٠٣ ٣- تصدير العلمانية.
٢١٧ ٤- تصدير عبارة "الدين أفيون الشعوب".
٢٢٦ ٥- تصدير السفور واختلاط الجنسين.
٢٣٥ المصادر والمراجع.
٢٤٠ فهرس الموضوعات.