أولا: الأسرة
تعويد الطفل على الخصال الحميدة
...
أولا: الأسرة
تقع المسئولية العظمة على الوالدين في تربية الولد أنهما معا يمثلان البنية الألى في تنشئة الطفل، ولذلك أولى الإسلام عناية كبيرة للزواج ووضع الضوابط لدقيقة والمعايير السليمة التي تحقق للناس أسرًا قوية متماسكة البنيان تبدأ بحسن الاختيار لكلا الزوجين أولا وقبل كل شيء، وتنتهي بتطبيق الآداب التي شرعها الإسلام للمعاشرة، وتحقيق ما قال الله والرسول في أمور حياتهما.
تعويد الطفل على الخصال الحميدة:
"الأسرة هي أول وحدة اجتماعية تحيط بالطفل منذ ولادته، وهي الوحدة التي يبدأ فيه الطفل تكوين ذاته وتكوين اتجاهاته الفكرية والخلقية والاجتماعية عن طريق التنشئة الاجتماعية وتعليمه نماذج السلوك وأوجه التصرف المقبولة لدى المجتمع. ولا شك أن الوالدين "الأم والأب" يتحملان المسئولية في عملية التنشئة هذه. ويؤكد الغزالي أن التنشئة الاجتماعية للطفل ليست عملية سهلة أو بسيطة، بل تتطلب١ كثيرًا
стр. 177
من الجهد والصبر والعناية. يقول الغزالي: "اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها، والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة، خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل نقش ومائل إلى كل ما يمال به إليه"، وما دام الطفل قابلا لكل ما يقال إليه من جهة الأبوين فهما المسؤولان عن تصرفاته وعن نمط شخصيته في لمستقبل، ولهذا فإن الغزالي يخاطب المربين وبخاصة الوالدين بقوله: "إن الطريق لتربية الأطفال وتهذيبهم وتحين أخلاقهم وتعويدهم الخصال الحميدة مسئولية كبرى تقع على عاتق الوالدين وكل من يوكل إليه أمر الطفل والاهتمام به وبتربيته؛ لأن الطفل أمانة في عنق والديه، فالأم والأب مسئولان إلى حد كبير عن حسن تربيته أو سوئها، وعن انحرافاته الخلقية والاجتماعية أو عن تعاونه ومحبته للآخرين أو عن انحرافه أو إصلاحه.
والمتأمل في الفكر الاجتماعي التربوي المعاصر، يرى أن كثيرا من الأفكار الاجتماعية التربوية منسجمة إلى حد كبير مع أفكار المفكر العربي المسلم "أبو حامد الغزالي"؛ فهناك نفر من العلماء التربويين والاجتماعيين يرى أن تصرفات الأبناء تعكس إلى حد كبير شخصيات الآباء، وأن تصرفات الأبناء هي المفتاح لفهم شخصيات الآباء، ومن علماء الاجتماع المحدثين من يقول: "إن جعل الطفل كائنا اجتماعيا يعتمد بصورة متزايدة على نمط العلاقات الشخصية التي يخلقها الوالدان بطريقة غير مباشرة". وهذا يعني أن الوالدين في نظر الطفل٢ هما
مثله الأعلى الذي يقتدي به. فإذا كانا يتصرفان تصرفات سليمة صحيحة، فإنه سيتصرف تصرفات صحيحة وسليمة قياسًا لما يراه في أسرته، فهو يحاكي ويقلد أفعالهما وأعمالهما؛ لأنه يثق ويحسن الظن بهما.
стр. 178
تجنيب الطفل العادات السيئة:
"ولا يكتفي الغزالي بالإشارة إلى العادات الحسنة الواجب إكسابها للطفل بل يتحدث أيضا عن العادات السيئة الواجب تجنيبه إياها، مثل كثرة النوم والأكل وحب الذهب والفضة، يقول في ذلك: "وينبغي أن يمنع من النوم نهارًا؛ فإنه يورث الكسل، ولا يمنع منه ليلًا، ولكن يمنع الفرش الوطيئة "اللينة" حتى تتصلب أعضاؤه، ولا يسمن بدنه، فلا يصبر عن التنعم، بل يعوَّد الخشونة في الفرش والملبس والمطعم".
ويقبح الغزالي للصبيان حب الذهب والفضة والطمع فيهما، ويحذر منهما أكثر مما يحذر من الحيات والعقارب؛ "فإن آفة حب الذهب والفضة والطمع فيهما أضر من آفة المسموم على الصيان بل على الأكابر أيضا". هنا نلاحظ أن الغزالي يحذر من ظاهرة خطيرة متفشية الآن في مجتمعنا وربما كانت متفشية في عصر الغزالي، وهي ظاهرة حب المال، والاتجاه المادي عند الناس. ورأى أنه يجب أن لا يغرس في نفوس الأطفال حبهما أو الطمع فيهما؛ نظرا للأثر السيء الذي تتركه هذه التنشئة، على أهدافهم، وسلوكهم في المستقبل، وتنسجم هذه الأفكار التربوية مع الحديث النبوي الشريف الذي رواه أبو موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "حرم لبس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم". رواه الترمذي، وقال حديث حسن١.
стр. 179
حال الأسرة المسلمة في عصرنا الحاضر:
تعرض حال الأسرة المسلمة في العصر الحاضر لهزات شديدة أمام تفوق الغرب المتغطرس على بلاد الإسلام في المجال الصناعي، ومع الصراع ضد التخلف والدعوة للخروج من هذه الأزمة المستحكمة ومجابهة التغلغل الفكري الغربي ضعفت قوة التماسك الأسري في البيت المسلم ... " وحينما ننظر إلى واقع الأسرة المسلمة الآن نجدها قد تعرضت لموجات من الفتن والمغريات العصرية التي هبت على ديار المسلمين ووفدت إلى مجتمعاتهم باسم المدنية في صورة ألوان من الخلاعة والابتذال والسفور وكلها عوامل تنذر بالانحلال والذوبان، وعليه فقد اندفع الغيورون على دينهم وأوطانهم على معالجة هذا القصور والتصدي لتيارات التغريب والعلمانية والحداثة لحماية الأسرة العربية والبيت المسلم من الدخول في متاهات النظم الغربية التي ينطلي زيفها على الناس، ولنا أن نقول: إن واقع النظام الأسري لدى غير المسلمين، يشير إلى أن نظرة تلك المجتمعات على اختلاف مللها ونحلها على مر العصور نظرة تتسم بالعنف والعسف والقسوة، كما أضحت الأسرة في المجتمعات الحديثة مفككة الأوصال؛ لأن الحرية تحولت فيها إلى استهتار بالقيم الإنسانية واستخفاف بالكرامة فانتشرت الفاحشة وعمت صور الطلاق والمخادنة وفوضى الإجهاض. أما عن واقع النظام الأسري لدى المسملين فنجد المرأة وقد تبوأت مكانة لم تحظ بمثلها في أي نظام اجتماعي آخر، حيث تمثل نصف المجتمع، فتح الإسلام أمامها أبواب المثل العليا والأخلاق الرفيعة ومن خلال العلاقة الزوجية كما أقرها الإسلام، فإن الإنسان ينعم بتكوين شخصيته تقوية روابط الأخوة وحماية المجتمع من التلوث وصيانة الأنساب وتحصيل الأجر من الله"١.
стр. 180
"وانشغال الأسرة علن تربية أبنائها وتنشئتهم التنشئة السليمة يؤدي إلى خواء البناء، فيصبح عرضة للتصدع وقابلا للانهيار من أول آفة تنهش فيه، وللأسف الشديد تعدد الآفات التي تستهدف النيل من أمن واستقرار المجتمع بقدر تزايد سخط الحاقدين على ما تنعم به مصر من أمان واستقرار ووحدة وطنية وانسجام بين جميع أبنائها، بل ما تضطلع به مصر من دور قيادي في الدفاع عن حقوق الأمة العربية ومملتكاتها وإصرارها على استعادة كل الأراضي العربية المحتلة بغير تنازل أو تفريط.
والطريق إلى ذلك بداية هو الطريق الذي يبدأ أولا من الأسرة وتتلى الدور الأسري وكلما كانت الأسرة عمودها وقوامها الحب والتوافق كلما أفرزت عقولا مستنيرة وأبناء يتباهي بهم الوطن في الداخل والخارج، فالثورة الحقيقية للأم لا تعكسها ثروات الأرض أو البحر، إنما تتجسد من خلال عقول أبنائها ورصيدهم والتقدم القدرة على بناء الوطن والمحافظة على ازدهاره.
وإذا كانت الأسرة هي الخلية الأولى لعملية التنشئة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، فهل آن الأوان لأن نعطيها المزيد من الاهتمام لأنه من خلالها تنمو الثقافة العامة والخاصة للأفراد وتتحدد هويتهم تتشكل شخصيتهم"١.
стр. 181
ثانيا: المدرسة
مدخل
...
ثانيا: المدرسة
يكمل المربون عادة ما يقوم به الوالدان من أدوار تعليمية وتبربوية، وهناك من يرى أن بعض المعلمين لهم تأثير كبير على الطفل يوازي تأثير الوالدين فعندما يذهب الطفل إلى المدرسة يكون قد تعلم من العائلة كيف يكافح التواترات والفشل. وبعد أن يذهب الطفل إلى المدرسة يصبح المعلم هو الصورة التي حاول الطفل أن يقلدها. ولذلك يكون هو المؤثر الفاعل على نمو شخصيته، وفي هذا المجال فإن المدرسة قد تتصارع مع الأسس التربوية التي وضعتها العائلة، وقد اهتم الغزالي بالدور الذي تلعبه المدرسة في عملية التربية الاجتماعية اهتماما كبيرًا. وقد رأى الغزالي أن هذا الدور قد لا يكون وظيفيًّا بشكل إيجابي إلا إذا راعى المربون في أدائهم مجموعة من الشروط، ومن بينها الشفقة على المتعلم والاقتداء بصاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه، وزجر المتعلم عن سوء الأخلاق عن طريق التلميح وليس التصريح، وعن طريق الرحمة وليس عن طريق التوبيخ. ومن بينها أيضا ألَّا يقبح المعلم في نفس المتعلم العلوم الأخرى التي لا يدرسها لتلميذه ألَّا يلقن التلميذ علمًا فوق مستواه، وأن يتدرج في العلوم من السهل إلى الصعب وألَّا يبدي تناقضا في القول السلوك.
إن الغزالي يريد من المعلم أن يكون شفوقًا، عطوفًا على تلاميذه، ناصحًا لهم زاجرًا لسوء الأخلاق، واسع الأفق متفتحًا متسامحًا، مدركًا للفروق الفردية بين المتعلمين بحيث يخاطبهم على قدر عقولهم، وأن يكون قدوة حسنة صالحة لهم؛ ذلك بأن يقرن عمله بعلمه.
ولم يفت الغزالي أن ينبه إلى اللعب وأهميته والوظيفية في مجال النمو الاجتماعي السليم للطفل، ومؤكدا أن اللعب لا يقل أهمية عن الدراسة، وأن الواجب يقضي أن تكون هنالك موازنة بينهما بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر. يقول الغزالي في ذلك: "وينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من الكتاب، أن يلعب لعبا جميلا، ويستريح إليه من تعب الكتب، بحيث لا يتعب في اللعب، فإن منع الصبي من١
стр. 182
اللعب إرهاقه إلى التعليم دائمًا يميت قلبه، ويبطل ذكاءه، ينغص عليه العيش حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسًا".
إن النص السابق الذي أوردناه يشير بما لا يدع مجالا للشك إلى أن الغزالي قد سبق علماء التربية المحدثين في إبراز أهمية الترفيه واللعب في العملية التعليمية؛ ذلك لأن اللعب أو الترفيه يحفز نشاط المتعلم ويزيد قدرته على التحصيل العلمي. وهي الحقيقة التي أشارت إليها النظريات التربوية الحديثة، فكثير من هذه النظريات تركز على أن عقل الطفل وبدنه يتطلبان قدرا كبيرًا من اللعب، وأنه بدون اللعب يعتبر الطفل مرهقًا عصبيًا لا يجد للحياة فرصة، وتتوالد في نفسه المخاوف والهموم، وأن تلقائية الفرد تجد طريقها في الحرية وروح اللعب١.
والتعليم الأساسي من أخطر المراحل التعليمية؛ لأنه الأساس الذي تشكله التربية الأولى، وكما تكون البذرة تكون الثمرة، وتمثل المدرسة الابتدائية البيئة التي تنشأ فيها البذرة فإذا كانت هذه البيئة صالحة نشأت البذور نشأة طبيعية والعكس صحيح.
وفي المدرسة يتلقى الطفل أول مراحل معاشرة المجتمع حيث الأطفال من أقرانه، وحيث المدرسون، وحيث المعاملة مع أناس آخرين عليه أن يتجاوب معهم.
стр. 183
المدرسة هي البيت الثاني للولد:
المدرسة هي البيت الثاني للطالب حيث المعلمون والمربون يقومون بتربية الطفل حتى مرحلة النضوج العقلي، من التعليم الأساسي حتى الثانوي، ومرحلة التربية والتعليم من أهم المراحل التي تتولى تشكيل شخصية الولد والبنت من سن الطفولة إلى سن المراهقة حيث يتدرج الطالب في مراحل التعليم الابتدائي ثم الإعدادي ثم الثانوي، وتترسب في هذه المراحل عناصر شخصيته، ونظرًا لخطورة هذا التدرج فإنه يتعين على المسئولين عن التربية والتعليم تنسيق المناهج للمواد التعليمية التي تقدم للطالب بما يواكب أحوال العصر، ويتمشى مع حركة التطور العالمي، وفي الوقت نفسه يسير تيار التعليم في قنوات شرعية بتوجيه إسلامي.
стр. 184
ضعف المناهج:
ومعظم مناهج التعليم في المدارس التربوية لا تحقق هذا المعنى أي لا تحقق التوجيه الإسلامي في أثناء علمية التدريس بالقدر الكافي؛ لأن من يراجع مادة الدين الإسلامي على المستويات الثلاثة "الابتدائي، الإعدادي، الثانوي" سوف يلمس مدى الضعف في مناهج التربية الدينية المقررة في كل مستوى. وقد ترتب على هذا الضعف انصراف معظم الطلاب عن الغاية العظمى من التعليم، وربما كان منهم الكارهون للمدرسة، والذين يتجرعون مناهجها في غضاضة، ودليلنا على ذلك خلو ساحة الأدب والأدباء والشعراء من أمثال الرافعي وشوقي وحافظ والمازني والعقاد وطه حسين وتيمور ويحيى حقي وأحمد شاكر وغيرهم ممن كان يشار إليهم بالبنان؛ وما ذاك إلا لأن الطالب في هذه المراحل لم يحفظ القرآن ولم يحفظ الحديث النبوي، ولم يتلقَ اللغة العربية الأصيلة عن حب في جميع المراحل التعليمية، أضف إلى ذلك ضياع الخط العربي بأنواعه؛ لأهمال هذا الفن الأصيل، وعدم تدريسه كما كان سائدا في التعليم القديم.
стр. 185
مشكلة التعليم المعاصر:
ونحن في مصر نسمع ونقرأ عن ضعف مستوى التعليم في المدراس، وأن مسألة التعليم أصبحت مشكلة وأنه يجب العمل على النهوض بمستوى التعليم لمواجهة التقدم المذهل في العلوم في البلاد المتقدمة.
وأن هوة التخلف في التعليم على المستوى الإسلامي تزداد اتساعا وعمقا بالمقارنة إلى ما حققته الدول المتقدمة في هذا المجال، ولم تفلح المساعي التي بذلت لتطوير التعليم والنهوض به، وما زال الأمر كما لو كان كارثة تتهدد مستقبل الوطن العربي الكبير والعالم الإسلامي العريض.
على الرغم من أن الحل أمامنا واضح جلي، وأنه يمكن علاج هذه المشكلة والتغلب على ما بدا فيه من تخلف لا يليق بأبناء العرب والمسلمين إلا أنا لا نسعى إليه مخلصين، وما أشبه هذه الحال بما كنا عليه زمن النكسة. يوم أن احتل اليهود سيناء وأقاموا خط بارليف الحصين، ولم يجد خبراء العالم العسكريون حلا يقدموه لنا؛ لقوة التحصينات التي أعدها العدو الإسرائيلي؛ لردع أي تحرك من جانبنا؛ لاسترداد حقنا المشروع، وكانت مشكلة تتهدد أمن مصر والعالم العربي كله، ولما ضاقت علينا الدنيا بما رحبت جاء نصر الله وجاء الحل على يد أبناء مصر وجند مصر، فما فشل فيه العالم الأجانب نجح فيه الخبراء من أبنائنا العظماء، فكانت الخطة، وكان النصر من عند الله العزيز القدير، وعصف السلاح المصري بقوات العدو التي زعمت أنها لا تقهر، وكان منهجنا في الحرب من أعظم المنهاج التي تدرس الآن في الكليات العسكرية.
كذلك مناهجنا في التعليم يجب أن تنبع من أصالتنا، ويجب أن نستند فيها إلى نصرة الله وتأييده، فإذا تعاملنا مع مشكلة التعليم بروح النصر في العاشر من رمضان السادس من أكتوبر سنة ١٩٧٣ فسوف يكون النصر حليفنا والقيادة لنا، وعندها نقول وداعا للتخلف، فنخرج من طوق الكارثة.
وهذا التعامل مع المسألة التعليمية في مدراسنا يحتاج إلى أن يدرك المسئولون ماهية العلم في الإسلام ومفهوم العلم في العقيدة؛ لأن كثيرا
стр. 186
من السادة القائمين على أمر التعليم يغضون الطرف عن هذا المعنى وطالما أنهم يغضون الطرف عن معنى العلم في الإسلام فلن يهتدوا إذًا أبدًا.
"ويروي كثير من الباحثين والمتتبعين لمناهج الدراسات الإسلامية أن المؤسسات الإسلامية عامة والجامعات خاصة لم تصل بعد بمنهاجها إلى تكوين الشخصية الإسلامية التي تتفاعل مع عقيدتها وثقافتها، وتترجم قيم الإسلام ومثله واقعًا معاشًا يقتنع به الآخر، ولا يزال كثير من هذه المؤسسات هياكل مادية وإدارية تتعلق بالتراث، وترفع شعار الدعوة دون ترجمة لها ضمن حقائق الحياة وهموم المسلم العادي. والعاملون في مجال الدعوة يغفلون أو يتجاهلون التفرقة في نتاج الدعوة بين المردود الرسمي الوظيفي لعمل الدعاة، والتلقائي والحياتي لغيرهم، كما أن التفريق لازم بين ما نبذل ونقول، وما نجني ويقال عن جهودنا.
إن إعادة النظر في قصور المناهج وضعفها وتدنيها يحتاج إلى تجرد وإخلاص وإلى شجاعة تنظر إلى المسئولية أمام الله قبل كل الاعتبارات التي أدت ولا تزال تؤدي إلى ضياع جهود مبذولة وسنوات ضائعة؛ لأن التغير المستمر في أساليب الحياة وكميات المعرفة الإنسانية تقتضي إعادة النظر دائما في المنهج وأساليب الدعوة. والقدرة على اكتساب المعارف المتطورة، والتذكر دائمًا بأن العالم الذي نعيش فيه ليست أقاليمنا ولا عالمنا العربي والإسلامي، وإنما هو عالم آخر يعطينا ويؤثر فينا، ونحن نستورد منه كل شيء حتى الكراسي التي نجلس عليها؛ لنحاضر عن الإسلام والمسلمين"١.
стр. 187
معنى العلم في الإسلام:
العلم معناه معرفة الشيء على ما هو به١.
والعلم الشرعي ثلاثة أقسام٢:
الأول: فرض العين وهو تعلم المكلف ما لا يتأدى الواجب الذي يتعين عليه فعله إلا به ككيفية الوضوء والصلاة ونحوها وكتعلم البيع والنكاح لمن أراد أن يتقدم عليهما وكذلك علم القلب عند الغزالي وهو معرفة أمراض القلب كالحسد والعجب ونحوهما حيث قال: "معرفة حدودها وأسبابها وطبها علاجها فرض عين"٣.
الثاني: فرض الكفاية وهو تحصيل ما لا بد للناس منه في إقامة دينهم من العلوم الشرعية كحفظ القرآن والأحاديث. والأصول، والفقه، والنحو، واللغة، والتصريف، ومعرفة رواة الحديث، والإجماع، والخلاف ونحو ذلك. وكذلك ما يحتاج إليه في قوام أمر الدنيا كالطب والحساب والهندسة والصناعة والخياطة والفلاحة ... ونحوها، فكل ذلك فرض كفاية عند المحققين من العلماء ومنهم الإمام الغزالي.
الثالث: النقل وهو كالتبحر في أصول الأدلة والإمعان فيما وراء القدر الذي يحصل به فرض كفاية.
وغير هذه الأبواب إما محرم كعلم السحر والشعوذة والتنجيم -إذا سميت بالعلوم- وإما مكروه كعلم الأشعار التي فيها الغزل المثير أو مباح وهو ما يستوى فيه نفعه وضرره.
стр. 188
حل مشكلة التعليم:
وعلى هذا المفهوم الذي ساقه الإمام الغزالي في الإحياء لمعنى العلم في وضوح واستفاضة تأتي الخطة، ويكون المنهج، فأما الخطة فهي النظام الصالح لخلق المواطن الصالح، وتعتمد على ركنين:
الركن الأول: التربية الدينية وتتمثل في وضع النظام الذي يرمي إلى تحصيل علوم الدين. الثاني: التربية العلمية وتتمثل في وضع النظام الذي يرمي إلى تحصيل العلوم الكونية.
والعلم الديني ينحصر في القرآن والسنة والفقه، والعلم الكوني ينحصر في العلوم المكتسبة بمعرفة البشر كالطب والهندسة والحساب والصناعة والزراعة، وما شاكل ذلك من علوم العصر.
وبناء على ما سبق يتم إعداد المناهج الملائمة لكل مرحلة تعليمية، فتوضع على أساسها المقررات الدراسية التي تنهض بالعلميين جميعا على نحو من تحقيق القدر الكافي المطلوب من كل منهما بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، مع تبسيط الإجراءات الإدراية وتحرير الفرصة أمام الدراسين لمن شاء الحصول على المؤهل دون الانتظار لنظام سنوات، وجعل التعليم حرًّا لمن لديه القدرة في تخطي سنوات الانتظار كما هو متبع في سنوات النقل، وفي ذلك ميدان للتنافس في إظهار المواهب العلمية التي يعطلها نظام الانتظار في سنوات النقل.
يضاف إلى ذلك ضرورة توفير المعلم النابه والمربي الفاضل الذي يقوم بعملية التدريس مع حشد كل الطاقات من لدن وزارة الثقافة ووزارة الإعلام، فليس الأمر قاصرًا على وزارة التعليم وحدها. نفهم من ذلك أن المسألة التعليمية لها جناحان؛ الأول: هو التعليم الديني
стр. 189
والجناح الثاني وهو التعليم الكوني "الدنيوي".
والكارثة التي نحن فيها الآن هي أننا نحاول الطيران بجناح واحد هو التعليم الكوني. وأهملنا الجناح الأول وهو أقوى الجناحين، وينبغي ألا نتعامى عن حقيقة مترسبة في أعماق كل مسلم إزاء هذا التفوق الزائف الذي خرجت به علينا الدول التي نسميها "الدول المتقدمة" هذه الحقيقة هي عقدة نفسية متأصلة اسمها عقدة الانبهار؛ فنحن ننبهر لكل اختراع يأتينا من قِبل تلك الدل، ونشعر معه باليأس والإحباط والتخلف، وهذا عيب كبير يجب أن نتدراكه ونعمل على محوه.
قال المولى عز وعلا: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ ١. فطالما أن الله قد جمع لنا في القرآن كل شيء، فلماذا ننخدع بهذا الزيف الذي هو من صنع الإنسان الذي وصفه الله بأنه أكثر شيء جدلا؟ لا ينبغي لنا أن ننظر بعين الإكبار للتقدم الزائف الذي تعمى به أبصارنا الدول المسماة بالمتقدمة؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ القرآن ثم رأى أن أحدًا أوتي أفضل مما أوتي فقد استصغر ما عظم الله تعالى"٢.
وحاشا لله، أن نعظم علمًا غير علم القرآن، وهل هناك في هذه العلوم التي يطلع به علينا الغرب من يستطيع أن ينادي فيصل صوته إلى الآفاق كما نادى عمر بن الخطاب على جيش المسلمين الذي كان في فارس: يا ساريةُ الجبلَ، وهل هناك عالم يستطيع أن ينقل عرش "بلقيس" الذي نقله في أقل من طرفة عين الذي عنده علم من
стр. 190
الكتاب؟ فالأمر يحتاج إذن لوقفة، يحتاج أن نراجع أنفسنا، فالعيب فينا، وما لزمناننا عيب سوانا. وبعد؛
"فإن المنهج النبوي في مجال التربية والتعليم واضح المعالم، محدد الملامح والقسيمات، مضمون النتيجة، ومن الميسور الأخذ به، والعمل وفق تعاليمه وإرشاداته، ومن الميسور أيضا أن يقنن هذا المنهج، وأن توضع الخطط التعليمية والتربوية على أساسه والأمر لا يتطلب أكثر من صدق النوايا والإخلاص للعمل. ولدينا والحمد لله الكثير من رجالات التربية والتعليم الصادقين في النوايا والإخلاص، القادرين على العكوف على دراسة هذا المنهج، والأخذ منه، والاقتداء به؛ لتشع حياتنا كلها بنور المعرفة القائمة على هدى الله وسنة نبيه ﷺ "١.
стр. 191
ثالثا: المسجد
مدخل
...
ثالثا: المسجد
كان للمسجد في صدر الإسلام وظائف جليلة، لم تفارقه إلا حين فرط المسلمون في رسالته الحضارية، فقد كان على عهد رسول الله ﷺ ، منطلقًا للغزوات والسرايا وتبليغ دعوة الحق إلى الأمم، وإخراج البشر من عبادة الأوثان إلى عباة الله الواحد الديان.
وكان المسجد مركزًا تربويًّا يربي فيه الناس على فضائل الأخلاق، وكريم الشمائل، ومعرفة حقوقهم وواجباتهم في المجتمع المسلم. وبقي المسجد على هذه الحال إلى أن ضعفت الأمة وتفرقت، وطغت عليها الأغراض الدنيوية، فانقلبت بعض حلقاته إلى موارد للزرق، ومعاقل للتعصب المذهبي الطائفي والشخصي١.
стр. 192
رسالة المسجد في التعليم والتربية:
يقول ابن باديس١ حول الرسالة الرائدة للمسجد في مجال التعليم: المسجد والتعليم صنوان في الإسلام، من يوم ظهر الإسلام، فما بنى النبي ﷺ يوم استقر في دار الإسلام بيته حتى بنى المسجد، ولما بنى المسجد كان يقيم الصلاة فيه، ويجلس لتعليم أصحابه، فارتبط المسجد بالتعليم كارتباطه بالصلاة، فكما لا مسجد بدون صلاة، كذلك لا مسجد بدون تعليم، وحاجة الإسلام إليه كحاجته إلى الصلاة".
وإذا كان التعليم في المدراس والكتاتيب من نصيب الصبيان والشباب، فإن للعامة نصيبًا وافرًا من التعليم في المساجد.
ويبرز الشيخ ابن باديس الدور الإيجابي الذي تؤديه المساجد في تعليم وتثقيف العامة، فيقول: "إذا كانت المساجد معمورة بدورس العلم، فإن العامة التي تنتاب تلك المساجد تكون من العلم على حظ وافر، وتتكون منها طبقة مثقفة الفكر، صحيحة العقيدة، بصيرة بالدين، فتكمل هي في نفوسها، ولا تهمل -وقد عرفت العلم ذاقت حلاوته- تعليم أبنائها، وهكذا ينتشر التعليم في الأمة ويكثر طلابه من أبنائها ... أما إذا خلت المساجد من الدروس، كما هو حالنا اليوم في الغالب١، فإن العامة تعمى عن العلم والدين، وتنقطع علاقتها به، وتبرد حرارة شوقها إليه، وتمسي والدين فيها غريب".
стр. 193
والمتتبع لتاريخ أسلافنا ﵏ يدرك الأهمية التي أعطيت لهذا النوع من التعليم، فقد بذلوا الأموال وحبسوا الأحباس؛ لضمان استمرار المسجد في تأدية رسالته التعليمية والتربوية.
وما انتهى المسلمون اليوم إلى ما هم عليه من انحراف في عقائدهم وسلوكهم، وجمود في فكرهم، إنما سببه هو انعدام التعليم الديني في المساجد، التي أصبحت مؤسسات رسمية خاضعة لتوجيهات الساسة.. ولن يرجى لهم شيء من السعادة الإسلامية، إلا إذا أقبلوا على التعليم الديني، فأقاموه في مساجدهم كما يقيمون الصلاة كما كان النبي ﷺ يفعل من إقامته بمسجده.
لقد تضاءلت وظائف المسجد في عصرنا الحاضر إلى درجة أن أصبح أحادي الوظيفة؛ إذ تنحصر وظيفته في صلاة الجماعة في أوقات الفرائض، وتقلص دوره إلى إقامة شعائرها فحسب.
"ولم يعرف الإسلام المسجد الوحيد الوظيفة إلا في عهد ضعفه.. في حين أن في عهود ازدهار الإسلام كان المسجد جامعا لعدة وظائف: كانت فيه وإلى جواره المدراس ومساكن الطلاب العلم والأساتذة والمستشفيات والرعاية الاجتماعية وسبل المياه ومكاتب حفظ القرآن الكريم، ولعل من أبرز النماذج بين أيدينا الجامع الأزهر، ومجموعة قلاوون، ومسجد السلطان حسن برقوق"١.
стр. 194
رابعا: المجتمع
عناية الإسلام بالتشريع الإجتماعي
...
رابعًا: المجتمع
للبيئة الاجتماعية أثر كبير في التربية واكتساب العادات والتقاليد والأخلاق، والصبيان يتطبعون بأخلاق خصال الآباء والأمهات والأخوة والأتراب والأصدقاء والجيران والمعلمين وجميع من يخالطونهم في البيت أو الحي أو المدرسة أو الجامعة أو في موقع العمل أو في النادي الثقافي أو النادي الرياضي ... إلخ.
عناية الإسلام بالتشريع الاجتماعي:
"ولقد عنى الإسلام بالتشريع الاجتماعي الذي يحدد العلاقة السوية بين البشر، وحرصا على تماسك المجتمع ترابطه ينشئ الإسلام أفراده على التعاون والتكافل في شتى المجالات، يقول تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ١. لذا فإن التربية الإسلامية تعمل على غرس شعور الولاء للجماعة على أساس من أخوة الإيمان التي تعلو فوق الجنس واللون.
كما تبين للفرد حقوقه وواجباته باعتباره عضوا في مجتمع تربطه بأفراده مصالح مشتركة مبنية على أسس ومبادئ وقواعد من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وإذا كانت الأهداف السابقة أهدافا مهمة وضرورية للتربية من منظور إسلامي؛ فإن التحلي بالأخلاق الفاضلة يجب أن تشملها جميعا وتكون تطبيقا لها"٢.
стр. 195
المجتمع المسلم ضرورة لازمة للتربية الإسلامية:
"إن تكوين المجتمع المسلم هو الهدف الأخير من التربية الإسلامية، ولكنه في الوقت ذاته الأداة الموصلة إلى تثبيت المفاهيم الإسلامية، وتنشئة الأفراد عليها منذ نعومة أظفارهم؛ حتى يتطبعوا بانطباعاتها، ويكونوا صدى ذاتيًّا للتفاعل معها والتشرب بها"١.
وفي المجتمع المسلم الذي تقوم فيه العلاقات كلها مرتبطة بالله؛ يتعاون الناس على البر والتقوى ولا يتعاونون على الإثم والعدوان، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتعاونون، على تهيئة الجو للناشئة أن تتربى في ظل العقيدة النظيفة من الأدران٢. في هذا المجتمع توجد الحكومة المسلمة والشعب المسلم والاقتصاد المسلم والاجتماع المسلم والأسرة المسلمة والمدرسة والمسلمة والصحيفة المسلمة والإذاعة المسلمة والفن المسلم٣. فالمفاهيم الإسلامية تحكم الجميع.
والطفل حين يتعود على مخالطة الناس يتأثر بما هم عليه من العادات والتقاليد فعينه تسجل المناظر وأذنه تسجل الكلام والأصوات، وإنما تظهر الأخلاق في المناظر والهيئات، وفي الكلام والأصوت، فإذا كانت الأخلاق إسلامية سلمت المناظر من العيوب والأصوات من النشاز، وعين الطفل وأذنه يسجلان أحوال المجتمع من حواليه فإذا كانت النساء ملتزمات بتقاليد الإسلام، فإن ذلك يظهر لعين الطفل في الاحتشام في الملبس والحياء عند الكلام، وكذلك بالنسبة للرجال تسجل لهم عين الطفل الهيئات في الملبس والحركة والتصرف بينما تسجل أذنه لهم كلامهم إذا كان صدقا أو كذبًا، عبادة أو مجونا.. وهكذا ومن كل هذا وذاك تنمو شخصية الولد ويكون سلوكه وأخلاقه.
стр. 196
الفاقد في حياتنا الاجتماعية:
إن مجتمع المدينة الفاضلة التي كان يحلم بها الفلاسفة من أمثال أفلاطون تحقق وجوده في ربوع العالم الإسلامي بأفضل مما تصوره أيام النبي ﷺ وعهد الخلفاء، وعصر عمر بن عبد العزيز؛ إنه المجتمع الإسلامي بكل صوره التي ترضي الله ، فهل من سبيل إلى عودة هذا المجتمع الفاضل؟
إن مجتمعنا الإسلامي المعاصر طرأت عليه أمور شوهت صورته الجميلة، ومع ذلك فهو يخلو من الفضيلة ولم تنعدم فيه المروءة، وهو لا يزال من أفضل المجتمعات طرا، لكن الفاقد فيه كبير؛ هذا الفاقد يرجع سببه إلى التأثر بالتيارات الأجنبية الوافدة إليه سواء من الغرب أو من الشرق، والتي أدت إلى وجود فئة من الكتاب والأدباء والعلماء الدنيويين أتوا بكثير من البدع والمستحدثات تحت مسمى الحضارة الحديثة، أفسدت عقول شبابنا وأبنائنا، وأصبح من العسير علاجها دفعة واحدة، ولقد تعاملنا مع كل "الأيدلوجيات" والمذاهب السياسية الموجودة في العالم، ومع ذلك فهي لم تنفع لا في تنظيم الجماهير ولا في إصلاح الدولة ولا في تطوير الاقتصاد.
ونحن لدينا كل المقومات في القرآن الكريم والسنة المطهرة وهدي الصحابة والتابعين والأمثلة الزاهية من العلماء والفقهاء على مختلف العصور، ولكن لا نتحرك لتعميم الإفادة من كل ذلك في مواجهة كوارث الواقع ومتغيراته، بل على العكس نحن نزداد بعدًا عن سبل الهداية في القرآن والسنة والتراث الصالحة لكل زمان ومكان، ونلجأ إلى تطبيق تجارب الأجانب التي تفضي في النهاية إلى الضياع.
стр. 197
صور الفاقد في المجتمع:
وتتمثل صور الفاقد في المجتمع الإسلامي المعاصر في:
١- غياب القدوة الصالحة.
٢- طغيان المادية.
٣- عدم تطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقا كاملًا.
٤- تعطيل النصف الآخر من المجتمع وهو المرأة.
٥- الانبهار بالعلوم الكونية وجعلها في درجة أعلى من العلوم القرآنية.
٦- إفساد التعليم بالتنظير له على مناهج مستوردة.
٧- القلق المتزايد إزاء ما يحدث حوالينا من مخترعات العلم الحديث.
٨- عدم الإفادة من التراث الإسلامي العريض.
٩- طغيان العامية على الفصحى وإهدار اللغة العربية.
١٠- انحراف وسائل الإعلام عن جادة الصواب في معظم أمور الحياة.
كل ذلك أدى ألى خلو طبائع أغلب الناس من الروح، والإسلام روح ومادة، غيب وشهادة، كما أدى إلى طمس المعاني النبيلة للقيم.
ونحن -كمسلمين- نتعامل مع الأخلاق والفضيلة والمروءة والمعاني والقيم السامية وما ينفع الناس، وغرضنا إرضاء الرب القائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ، وفي ذات الوقت نحن لا نهمل جنب القوة والاستعداد: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ، ونبتغي بذلك سعادة الدراين، الدنيا والآخرة.
وباختصار نحن نتعامل مع العلم الديني النازل من السماء، العلم الرباني الذي يرفع من قيمة الإنسان ويعمل على صون كل البشر وهؤلاء الأجانب يتعاملون مع العلم الكوني، علم المادة المحسوسة وعلم الجمادات- يبتغون به الحياة الدنيا ويتمسكون بأهدابها، وكل هذا
стр. 198
زيف باطل ومصيره إلى الزوال ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ضياع الاتحاد السيوفياتي وتفكك ولاياته واندثاره.
فالتفوق في العلوم الإنسانية "الكونية" لا يدوم بل يزول، والذي يبقى هو العلم الرباني؛ لأنه ينفع الناس ويتحقق به عمارة الأرض: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ ١. ولذلك لن تزول حضارة الإسلام وإن ضعف أهله، ولكن حضارة أوربا وأمريكا وغيرهما سوف تزول وسوف تنمحي؛ لأنها لا تستند إلى تأييد السماء، ولا تحكمها شريعة الله الخالق البارئ المصور: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
стр. 199
خاتمة البحث:
تعرض البحث لمناقشة موضوع التربية الدينية تحت عنوان "من قضايا التربية الدينية في المجتمع الإسلامي" على مدى فصول خمسة مرتبة ترتيبًا منطقيًّا، مراعيًا في ذلك أن يفضي كل فصل منها إلى الذي يليه، ومتدرجًا في ربط القضايا؛ لتكون في هيئة حلقات يمسك بعضها بعناق بعض؛ ليصنع في النهاية إطارًا علميًّا يحدد موضوع التربية الدينية ويلم بجميع أطرافه في إيجاز غير مخل.
ومع مناقشة الكليات والجزئيات لمفهوم التربية الدينية والمصادر التي تستمد منها والمنهج الذي تقوم عليه ووسائل تطبيقه والجهات المسئولة عن تطبيق هذا المنهج توصل البحث في النهاية إلى النتائج التالية:-
أولا: أن التربية هي عملية التنشئة والرعاية والتوجيه من جانب الكبير تجاه الصغير والعالم حيال المتعلم وأن الإسلام تناول كل شئون الفرد بالتوجيه والإرشاد والتعليم فلم يدع في حياته شيئا إلَّا وقد أفاده فيه بما يصلحه، كذلك بالنسبة لحياة المجتمع لم يدع فيها أمرا إلا وجعل له نظاما وهديا بحيث يضمن للناس السعادة دائما والأمان في حاضر أيامهم ومستقبلها. وأن الله ربى عباده بأن خلقهم على الفطرة، وأرسل إليهم الرسل والأنبياء، ونزل إليهم الكتب والرسالات.
стр. 200
ثانيا: أن علم التربية والتعليم علم بدأه رسول الله محمد ﷺ ، وصارت له مدرسة في المدينة المنورة كتابها القرآن، وبيانها ما جاء عن النبي ﷺ في قول أو فعل أو تقرير، فذلك بيان عملي لهذا الكتاب المقرر على المسلمين، وقد شرحه لهم عمليًّا رسول الله ﷺ إبان حياته؛ إذ كان يشرح لصحابته معنى الآية، ويجيبهم عن كل ما يصعب عليهم فهمه، فحمل عنه أصحابه هذا العلم، وطبقوه في حياتهم وأورثوه التابعين، وقد حمل عنهم التابعون هذا العلم، فنهضوا به خير نهض، وعلموه للأجيال من بعدهم، ونشروه في سائر الآفاق التي امتد إليها الفتح الإسلامي.
ثالثا: أن مصادر التربية الدينية في الإسلام هي:
١- القرآن الكريم.
٢- السنة النبوية المشرفة.
٣- هدى الصحابة.
٤- هدي التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
حيث لم يدع القرآن شيئا من أمور الناس في دنياهم إلا وله فيه ذكر، قد وضع للإنسان دستور حياته من عقائد وعبادات ومعاملات وآداب فردية واجتماعية فأرسى بذلك قواعد الأخلاق الكريمة، ومنه سور بعينها اختصت بالتربية، وعنيت بمكارم الأخلاق كسورة النساء والنور والأحزاب ولقمان والحجرات والطلاق، وأن القرآن اختص بأنه عالمي الدعوة؛ لما ورد فيه من الآيات الكثيرة التي تبدأ
стр. 201
بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مما يوجب على العلماء المسلمين في هذه الأيام ترجمة هذه الآيات والنهوض بتبليغ فحواها إلى كل الناس تحت عنوان "GOD's call to all" بمعنى "نداء الله إلى جميع الخلق" فترجم معانيها إلى كل لغات العالم بلغة سهلة؛ حتى يفهم الناس عن رب العالمين مراده، وأن الله قد جعل للناس جميعًا أنموذجا عاليا في التربية تمثل في شخص النبي محمد ﷺ فهو المثل الأعلى في التربية.
رابعا: أن الله كما أدب رسول الله ﷺ أدب أيضا أصحابه، وأنزل فيهم قرآنا يشهد لهم بأنهم عدول، كما رضي الله عن التابعين لهم بإحسان كما تشهد على ذلك الآية المائة من سورة التوبة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ، فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ تشمل من تبع السابقين الأولين من صحابة رسول الله ﷺ غيرهم ممن حمل علمهم وعمل بعملهم.
خامسا: أن للتربية الدينية في الإسلام منهاجا كاملا وهو منهج سماوي من لدن حكيم خبير، ضمن جميع الحقوق التي تضمن أمن وسلامة الفرد والمجتمع، وبه تحققت الريادة والسيادة للمسلمين في العالم، وليس على ظهر الأرض منهج للتربية يدانيه.
سادسًا: فند البحث شبهة ما تروج له منظمة اليونيسكو من وضع قانون عالمي لحقوق الإنساني وحرياته الأساية حتى لا يعتقد الناس
стр. 202
أن هذه المنظمة لها قصب السبق في تقديم حقوق الإنسان؛ لأن الإسلام هو أول من نادى بحقوق الإنسان في جميع الميادين والأحوال، كما حذر البحث من تسويق جماعة التربويين لهذا الفكرة كأنهم وجدوا فيها ضالتهم المنشودة فأظهروا حماسًا لعقد المؤتمرات والندوات؛ لأجل نشر هذه الدعوة باسم اليونيسكو، وبيَّن البحث أنها: "كلمة حق أريد به باطل".
سابعا: حدد البحث الجهات المسئولة عن تربية الطفل في: الأسرة والمدرسة والمسجد والمجتمع، وأوضح مدى قصور كل جهة من هذه الجهات عن النهوض بمستوى التربية الدينية مبينا أسباب هذا القصور فكانت كما يلي:
- بالنسبة للأسرة: تزعزعت أركانها؛ حيث تأثرت إلى حد كبير بموجات الفتن والمغريات العصرية التي هبت على ديار المسلمين، ووفدت إلى مجتمعاتهم تحت مسمى المدنية مما دفع كثيرًا من الغيورين إلى معالجة هذا القصور بالتصدي لتيارات التغريب الحداثة والعلمانية؛ لإنقاذ الأسرة المسلمة من التردي الذي وصلت إليه.
وبالنسبة للمدرسة: فقد وصلت إلى حالة من الضعف الشديد الذي أدى إلى خلو الساحة من ظهور الأدباء المبدعين والشعراء المجيدين، والعلماء النابهين على نحو ما عهدناه لدى الجيل السابق من أمثال الرافعي وشوقي وحافظ والمازني والعقاد وطه حسين وغير أولئك كثير. كما تعرض البحث إلى مشكلة التعليم المعاصر، وأرجح أنها أصبحت مشكلة؛ لفقدان الغاية والمنهج، وأن المدرس والمؤسسات العلمية
стр. 203
جميعها صارت هياكل إدراية عجزت عن ترجمة قيم الإسلام عن جعلها واقعا معاشا يقتنع به الناس.
وطالب بتطبيق المنهج النبوي والتقنين له ووضع الخطط التعليمية والتربوية على أساسه؛ حتى تشع حياتنا كلها بنور المعرفة القائم على هدي الله وسنة نبيه ﷺ .
- وأما بالنسبة للمسجد: فقد أوضح البحث أن المسجد صار دوره في زماننا ضئيلا هزيلا بعد أن أصبح من المؤسسات الخاضعة لتوجيهات الساسة، وتقلص دوره إلى إقامة الشعائر فحسب.
- وأما بالنسبة للمجتمع: فقد طرأت عليه أمور شوهت صورته الإسلامية الجميلة، وحدد البحث صور الفاقد في المجتمع الإسلامي في عشرة أمور هي: غياب القدوة الصالحة، وطغيان المادية، وعدم تطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقا كاملا، وتعطيل المرأة، وتعطيل التراث، والانبهار الزائف بعلوم الغرب وأمريكا، وفساد التعليم، وطغيان العامية على الفصحى، والقلق المتزايد إزاء مستحدثات العصر، وانحراف وسائل الإعلام عن جادة الصواب في معظم أمور الحياة.
من أهم ما جسده البحث هو أن حضارة الإسلام حضارة خلقية روحية وأن حضارة الغرب حضارة مادية كونية، ولهذا سوف تبقى حضارة الإسلام وسوف تزول حضارة الغرب ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
стр. 204
ملحق مضاف إلى البحث
فصل في الأخطار التى تتهدد المجتمع الإسلامي في الأخلاق والعادات والتقاليد
تصدير المنكرات إلى بلاد المسلمين
مدخل
...
ملحق مضاف إلى البحث:
فصل: في الأخطار التى تتهدد المجتمع الإسلامي في الأخلاق والعادات والتقاليد
تصدير المنكرات إلى بلاد المسلمين:
توطئة:
اكتسحت بلاد المسلمين في عصرنا الحاضر موجة عاتية من المنكرات الوافدة علينا من الغرب الأوربي والأمريكي أصابت الأسر والبيوتات، ومعاهد العلم والجامعات، فما من أسرة مثقفة إلا نالت منها نصيبا موفورًا؛ سواء في ذلك الرجال والنساء، والأولاد والبنات، كما لم تسلم منها طوائف المجتمع وطبقاته إلا من عصمه الله.
ولقد أحدثت تلك الموجة ريح السموم الآتية من الغرب الحاقد، وأثارها وهيجها شياطين الفكر الغربي الذين استغووا الناس بالفتن، وزينوا لهم المعصية، فتهوروا في ظلمها حتى صرفوهم عن الرشد وأسلموهم إلى مهاوي الضلال. ولا يعلم أحد إلا الله متى تهدأ ريح السموم كي تنحسر موجة المنكرات فتعود الأمور إلى طبيعتها والحياة إلى نضارتها.
أول هبوب الريح السموم عندما جاءتنا الحملة الفرنسية؛ لتبث سمومها في المجتمع العربي المسلم، ولتنذر المسلمين بشر عظيم يأتيهم من حيث لا يعلمون، فكان أن جاء الاستعمار اللعين؛ ليعيث في الأرض الفساد، وفي النفوس الضلال والبهتان، ومكث زمنا حتى أجلاه الله عن البلاد، ولكنه ترك جراحا وبثور في جسم الأمة العربية لا زالت تنزف، وتفت من قواه.
والآن تقذف إلينا ريح السموم التي تهب من الغرب الحاقد بتيارات من الكفر والإلحاد، وتحمل معها نغمات الوثنية وأصوات الفتنة لتستميل الآذان وتبهر عقول الفتيان، ثم ترمي إلينا بدعاة الفتنة في ثياب الأطباء
стр. 205
ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.
ولا تزال ريح السموم التي تهب من الغرب الحاقد ترمي بلاد الإسلام بألوان الزيف والبهتان كي تعمي الأبصار عن حقيقة الأشياء، فيتيه الغلمان والفتيان، بخداع بريق البهتان، ويضيع سبيل الحق. لكن بصيص النور الخافت -نور الإيمان- يتلألأ في بعض الاحيان؛ ليهدي إلى بَر الأمان، وكذلك صوت العلماء، وعلماء الدين يعلو في بعض الأحيان؛ ليدل الناس على سبيل الحق ويبعدهم عن مواطن الزلل ومهاوي الضياع. ونذكر من هذه المنكرات التي يصدرها الغرب إلينا ما يلي:
стр. 206
١- تصدير العقائد الزائغة وتأليه الدولة:
يموج العصر الحديث بمذاهب متعددة في كل مجالات الحياة، والسمة الغالبة على معظم هذه المذاهب هي المادية النفعية التي تظهر تحت أسماء مختلفة مثل: المذهب التجريبي، والوضعية المنطقية، والوجودية، والمادية الجدلية، ومذهب التطور أو النشوء والارتقاء، وغيرها من الأسماء التي تعرفها المحافل العلمية والفلسفية في علوم الطبيعة والنفس والاقتصاد وغيرها من العلم، ولكنها في النهاية تعكس لدى معتنقيها فكرًا غلابًا أساسه الإيمان بالمادة١.
إن الهمجية الاستعمارية الأوربية التي تعرض لها الشرق الإسلامي في العصر الحديث كانت رغم أعلامها السياسية ورايتها العسكرية وأهدافها الاقتصادية ذات مضمون تبشيري فكري واضح؛ هدفه استبدال الفكر الغربي المادي بالفكر الإسلامي، وتصوير فكرنا لدى الأجيال الناشئة الحائرة بأنه سبب تخلفنا، مع الربط بين تقدمهم المادي والفكر الذي يروجون له في
стр. 207
الشعوب الخاضعة لتأثيرهم.
وساعد الاستعمار في هذا النهج ذلك الخواء الذي سيطر على الحياة العقلية للمسلمين في القرون المظلمة بتأثير عوامل الضعف والمقولات التي اجترها بعض السابقين بحثا على التقليد والخنوع ونفورا من الإبداع وإعمال العقل، وتبريرا لما في حياة المسلمين من سلبية وهوان. هذا فضلا عن ولع المغلوب بتقليد الغالب. ولهذا انبهر بعض شباب المسلمين بما عليه الآخرون انبهارا ملك علهيم أقطار أنفسهم، وأفقدهم النظرة الدقيقة الفاحصة التي لا تكتفي بالسطح، وإنما تغوص إلى الأعماق ناقدة كاشفة ما في التجربة الأوربية من سلبيات وإيجابيات؛ سبليات تتمثل في ترويج الإلحاد تحت دعاوى مختلفة، وخواء الروح والتمزق النفسي الذي يعانون من أوضاره، والتحلل من قيم إنسانية أصيلة كالعفة والسلام والمساواة بين البشر١.
إن خطر الفكر المادي علينا كمسلمين يتمثل في محاربته العقيدة السماوية التي تؤمن بها، وما يمثله هذا من هدم لكل خير في حياة الإنسان، وتنتقل إلى مرتبة الحيوان الأعجم الذي لا هدف له غير إشباع مطالبه "البيولوجية" كما يتمثل هذا الخطر في محاولة القضاء على هويتنا كأمة تعنتق الدين الخاتم الذي يجعله الله منقذًا للبشرية من تعاستها ومادياتها، هذا فضلا عن الأخطار السياسية والاجتماعية التي تبدو مثلا في تحويلنا إلى شعوب تابعة مستهلكة حائرة بين سراب الترف المادي، وواقع الخطر الممسك بتلابيبها على أرضها، ضائعة بين مادية الشرق ومادية الغرب، مادية صنعوها للمسلمين ووجهوها إلى شبابهم، مادية أفروغها من المصانع المنتجة، والأراضي الخصبة واحترام الإنسان، وصواريخ الفضاء والاكتفاء
стр. 208
الذاتي في إنتاج الغذاء، وألبسوها زخارف خادعة هشة تبدو في إنكار الإله والتنكر للأنبياء، والسخرية من يوم الحساب، والتمسك بالقشور والطلاء، والتهكم بالمقدسات!! عليهم لعنة الله١.
ثم ماذا قدمت إلينا حضارة الغرب؟ أو حضارة الشيوعية؟ إنهم قدموا لنا السيارة والقاطرة والباخرة والطائرة والأجهزة المتعددة؛ لخدمة أغراض الإنسان النفعية، كما قدموا لنا أسلحة الدمار الشامل؟ وهل هذه الحضارة المادية في علوم الجمادات يصح أن يطلق عليها اسم الحضارة بمفهومها الشامل؟
إنها حضارة ناقصة تفتقر إلى الأخلاق. وكما قال شاعرنا:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
لم تقدم لنا حضارة الغرب سمو الاخلاق الذي تحرص عليه حضارة الإسلام، وليس لأهل الغرب بحضارتهم الزائفة أي نصيب في هذا المضمار، ولن يكون لهم نصيب فيه في المستقبل وعلى مدى الأيام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؟؛ ذلك لأن علومهم علوم دينوية تسعى؛ لتحقيق رفاهية الإنسان وإشباع نزواته ورغباته فقط، والقرآن يبين لنا خطورة هذا الأمر على الإنسان؛ فإنه إن شبع من كل شيء طغى وبغى كما جاء في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾ ، وعند الاستغناء تموت الحواس، وتطغى النفس البشرية وينمو فيها عامل الغرور والفجور: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ، من ذلك يتبين لنا خطورة هذه الحضارة الغربية التي تتفاخر علينا بزيادة الإنتاج وإشباع الرغبات من كل شيء، ومآل ذلك إلى
стр. 209
إلى الطغيان والفساد في الأرض وسوء العاقبة.
وهل تصدِّر لنا هذه الحضارة الغربية أو الشيوعية إلا الفساد؟ إنهم هناك يستخدمون علومهم في تصنيع المخدرات، وإلا فأين تصنع هذه المواد المميتة؟
إنهم يقدمون لنا العنف والإرهاب، ويشهد على ذلك أفلامهم السينمائية، إنهم يقدمون لنا الجنس والشذوذ في شكله البغيض، ويتاجرون في الأعراض حتى لا يكاد يعرف الإنسان منهم أباه، واختلطت عندهم الأنساب؛ لأن النسب لا قيمة له في عرفهم، حتى انتشرت فيهم الأمراض التي لاعلاج لها لا سيما الإيدز الذي يعانون منه، كفى به مصيبة تهدد الأرحام وتقتل النسل.
ومن أسوأ ما تجرأوا عليه في علومهم أنهم اخترعوا ما يمسى بالهندسة الوراثية، ويبحثون في إمكانية أن الرجل يحمل ويلد بعد سبعة أشهر كما جاء في الخبر:
"أكد البروفسير د. أدموند كونفينو أن العلم يستطيع الآن تحقيق رغبة الرجل في الحمل والولادة، وأن ذلك أصبح ممكنا بعد نجاح التجارب على الحيوانات. بأن يتم حقن الرجل بهرمون يمنع جسمه من إنتاج هرمون الذكورة، ثم يحقن بهرمون البروجسترون والاستروجين؛ لإيجاد مناخ مناسب لنمو الطفل ثم يزرع له جنين في تجويف البطن ويمكن توليده بعد ٧ شهور بعملية قيصرية".
ولكن من أين يأتي الجنين الذي سوف يزرع داخل التجويف البطني للرجل؟ يقول د. محسن حسني أستاذ أمراض النساء بطب الأزهر: "لقد أجرى العلماء كثيرا من التجارب في المملكة الحيوانية مستخدمين فيها الهندسة الوراثية الحديثة، وأمكن عمل الأنسجة التي يتكون منها الحيوان المنوي في جسم الأنثى كما أمكن تنشيطه، وبذلك أمكن إيجاد حمل في الحيوان بدون أن يتلقى الحيوان الذكر مع الأنثى، لذلك ليس هناك ما يمنع نظريا من افتراض عمل بويضة في جسم الذكر
стр. 210
وتنشيطها تقابل حيوانه المنوي لكي تصبح بويضة مخصبة.
أفبعد ذلك تكون هذه حضارة؟ إنها الفتنة وإذن التي هي نتاج ذلك الانبهار بالتحصيل العلمي المادي الذي يكفر بالدين ويكفر بالله.
والعجب كل العجب من هؤلاء الذين يقلدون أصحاب الحضارة المادية، ويطالبوننا بالأخذ من مناهجهم، ويرغبوننا في الاقتداء بهم؛ كي تسير على دربهم في كل شيء، ويعدون تفوقهم في العلوم والمخترعات غاية الأمل في الوصول إلى تحقيق سعادة البشرية ورخاء الإنسانية.
ولا ينبغي لنا أن ننسى أن النفوذ الغربي وثقافة الغرب يسعيان كلاهما لتحيطم نظام التربية الإسلامية؛ حيث يحاول الغرب فرض مناهج الإرساليات الذي دمر أسلوب الثقافة الإسلامية.
"حين أقام منهجه العلماني المادي الانشطاري أسلوبا للمعرفة في مجال الجامعات والصحافة".
لن تكون الحضارة أو التقدم أو الحداثة على حساب الركائز الأساسية، أو القيم الأصيلة ولن يكون مفهوم التقدم سبيلا للقضاء على جذر واحد من جذور الأصالة.
فنحن نفهم التقدم جامعا بين المعنوي منه والمادي وليس التقدم
стр. 211
المادي الخالص.
نحن لا نرفض العصر ولا نتقوقع في الماضي، ولكنا نقيم أساسًا إسلاميًّا خالصا نواجه به التراث والفكر المعاصر على السواء.
إن حاجتنا إلى الغرب تتلخص في حاجتنا إلى مفاتيح العلوم التجريبية والتكنولوجية؛ لننقلها إلى لغتنا العربية ومحيطنا الإسلامي.
إن النظرية التي تحاول أن تربط بين العلوم التجريبية والفلسفات هي نظرية باطلة ولن نقبلها. نحن نرفض أن يكون منهج الفلسفة الغربية موازيا لمنهج العلم التجريبي. أما طريقة العيش الغربية فهي لا تناسبنا؛ ذلك لأن لنا منهجا إسلاميًّا خاصًّا في العيش والحياة.
إن أكذب ما ينقل إلينا ونضلل به هو تلك الرابطة الوهمية بين العلم التجريبي وأسلوب العيش الغربي، إن كل ما ينقل إلينا لا يزيد عن أن يكون خامات نشكلها في إطار فكرنا ومعتقداتنا"١.
يقول بعض علمائنا٢:
إن مشكلة الحضارة الغربية كمشكلة الحضارات السابقة في التردي إلى عبادة وثن من صنع المجتمع نفسه وهو "تأليه الدولة" السائد الآن بين ١٩٠ من سكان العالم.
لقد أدى هذا التأليه إلى انهيار ١٤ أو ١٦ حضارة سابقة من عشرين حضارة، وتأليه اليوم أشد إرهابًا؛ لأنه تدعمه أيديولوجيات، وتمكن له التكنولوجيا الحديثة سواء في وسائل الإعلام أو غيرها.
стр. 212
٢- تصدير التغريب والترويج لكلمة الرجعية ١:
فالتغريب هو محاولة "تغيير المفاهيم" في العالم العربي والإسلامي، والفصل بين هذه الأمة وبين ماضيها وقيمها والعمل على تحطيم هذه القيم والتشكيك فيها، وإثارة الشبهات حول الدين واللغة والتاريخ ومعالم الفكر ومفاهيم الآراء والمعتقدات جميعا.
لقد صوَّر لورد كرومر منهج هذا العمل الذي اصطنعته فرنسا وإنجلترا وهولندا في العالم الإسلامي حين قال: "إن الشبان الذين يتلقون علومهم
стр. 213
في انجلترا وأوربا يفقدون صلتهم الثقافية والروحية بوطنهم، ولا يستطيعون الانتماء في نفس الوقت إلى البلد الذي منحهم ثقافته، فيتأرجحون في الوسط ممزقين".
وكان هذا بالطبع هو الهدف من الإرساليات المختلفة التي غزت بلادنا في صورة مدراس وجامعات، وفي البعثات الموجهة إلى أوروبا وإلى عواصم الدول المختلفة بالذات.
وفي هذا، قال جبران: إن الشباب الذي تناول لقمة من العلم في مدرسة أمريكية قد تحول بالطبع إلى معتمد أمريكي، والشاب الذي تجرع رشفة من العلم يسوعية صار سفيرا لفرنسا، والشاب الذي لبس قيمصا من نسج مدرسة روسية أصبح ممثلا لروسيا، وكان هذا هو الحق إلى حد كبير، فقد غزا الغرب الشرق بجحافل من العلماء والمبشرين والمستشرقين والأثريين والصحفيين، وشيدت مؤسسات ضخمة في مختلف عواصم العالم الإسلامي؛ لفتح أبوابها لثقافة بلادها، وبدأ هذا النفوذ الفكري يعمل ويسيطر في مجالات المدرسة والجامعة والصحافة، والثقافة والتربية والطب والسينما والإذاعة.
وهكذا كان "التغريب" عملا خطيرا دقيقا، قوامه الحرب المنظمة للقيم التي عاشت عليها أمتنا، في أسلوب مغلف بالضباب، يحاول أن يثير غمامة كثيفة من التشكيك والتحقير والاستهانة بكل ما لدينا من قيم باسم "القديم" البالي الموروث، ولم تمض سنوات قليلة حتى كان أبرز المسيطرين على "الصحافة" في العالم العربي والإسلامي من هؤلاء المتنكرين لقيمنا الذاهبين مع التغريب؛ فقد كانت الصحف التي تعمل للمبادئ تسقط واحدة بعد الأخرى، بينما ظلت الصحف التي تخدم التغريب تقوى وتتوسع، وفي مجال "الترجمة" كان الهدف هو إذاعة القصة المكشوفة والآراء المسمومة، وفي الأدب بث فكر جديدة قوامه
стр. 214
القصص، وفي مجال المدرسة كانت تقدم الكتب التي تنتقص من قدرنا، وتصم ترايخنا بالضعف وماضينا بالذلة، وسيطر على الجو الفكري كله تيار جديد هدام قوامه الاستهانة بكل القيم وفي مقدمتها الدين والمعنويات، كما فرضت الحضارة على بلادنا أسوأ ثمراتها، لم ترسل لنا إلا تجارة الرقيق الأبيض والكحول ومواد الزينة واللهو بغية تحطيم كيان المجتمع، وبدت في جو مجتمعنا ريح تدعو إلى الرخاوة والمتعة واللذة والتخلص من كل القيود.
ولم تكن هذه الدعوة تهدف إلا إلى تدمير القيم الأساسية لهذا الأمة، قيم المقاومة والصلابة والتصميم وتحويل نظر الأمة عن الجهاد والتضحية والفداء في سبيل الحرية"١.
الترويج لكلمة الرجعية:
يرمي أهل أوربة والدول الاستعمارية الموصوفة بالدول المتقدمة المسلمين بالرجعية التي تعني التخلف والجمود، ويوهمون المسلمين دائما بأنهم يتمسكون بالماضي والدين، ولا يتطورون بتطور الحياة، ويقارنون بين تقدمهم في علوم الطبيعيات وعلوم الصناعات وبين تخلف دول العالم الإسلامي في هذا المضمار، فينسبون تخلف المسلمين إلى تمسكهم بالدين واعتقادهم المتين في منهجه، وتلك مقارنة ظالمة فيها إجحاف للمسلمين، واتهام لا يليق بالدين الإسلامي الحنيف الذي يحقق السعادة لكل البشر إذا ما اتبعوا تعاليمه وساروا على نهجه، هل تحققت السعادة للناس في أوربة بسبب هذا التقدم الحضاري المزعوم؟!
إن ما يصفونه بالحضارة هو في الواقع ليس بحضارة؛ لأن غاية الحضارة تحقيق الأمان للفرد في مجتمعه حتى يعبد الله وهو آمن في سربه، ولا نجد للأمان معنى عند هؤلاء.. وبالتالي لا تتحقق العبادة الخالصة لله،
стр. 215
ولهذا تنتفي صفة الحضارة الحقيقية، ويشهد لذلك تخبط أهل تلك البلاد في أمور حياتهم، وظهور الفسوق في مجتماعتهم، وأنهم يأتون المنكر في نواديهم.
إن الإسلام نظام تقدمي، ولا يعيبه أنه لم ينهض به أهله في الأزمان المتأخرة؛ لما أصابهم من أحوال الضعف والتفكك، ولِما أصابهم من عسف المستعمرين الذين دخلوا إلى أراضيه بالقوة والعنف، فعاثوا فيها الفساد ردحا طويلا من الزمن، ولو كان المستعمرون ذوي حضارة كما يزعمون لتركوا في البلاد التي احتلوها أثارة من الخير، ولكنهم كانوا كما وصفهم أمير الشعراء أحمد شوقي بقوله:
وللمستعمرين وإن ألانوا ... قلوب كالحجارة لا ترق
أما المسلمون فإنهم حين فتحوا البلاد التي دخلوها أيام عزتهم فقد تركوا من أسباب الخير لهذه البلاد ما يجل عن الوصف والتاريخ يشهد على ذلك.
ولقد كتب بعض مفكري عصرنا يقول:
"هناك عدة نقاط يسوقها أعداء الإسلام للتشكيك في صلاحيته كفلسفة شاملة في عصرنا الحديث. وأول ما يدعي من ذلك أن الإسلام الذي كان صالحا للبدو الحفاة قبل أربعة عشر قرنا لم يعد يصلح في عهد المدنية والحضارة والآلية عصر الصواريخ والذرة والتكنولوجيا، وأنه لا مناص من هذه حتى يمكننا أن نتحضر ظنا منهم أن الإسلام يحرم البشر من ثمرات الحضارة الحديثة والأخذ بوسائل المدنية وهي دعوى لا يقول بها إلا من لم يعرف تاريخ هذا الدين وحضارته.
حقا نزل الإسلام في قوم من البدو بلغ من جفوتهم وغلظتهم أن قال الله تعالى في وصفهم: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ