بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" رواه البخاري ومسلم, وما روي عنه ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي بسنده, عن عبد الله بن عمرو, أن النبي ﷺ قال: "لزوالُ الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم" ١.
وهناك أحاديث كثيرة تبين لنا الآداب وفضائل الأعمال التي بثَّها الرسول ﷺ في نفوس الصحابة, وطهَّرَ بها قلوبهم, ومحا ما علق بها من آثار الجاهلية.
هكذا سلك الرسول ﷺ مسلكًا راقيًا في توجيه صحابته، وهذا المسلك يعتبر من أعظم المناهج في التربية؛ لأن قوامه الرأفة والرفق والموعظة الحسنة، استطاع به أن يحوّل كثيرًا من العرب إلى رجال صالحين ونساء صالحات, بصبره عليهم ورأفته بهم, فنقلهم من رعاة إبلٍ غلاظٍ يشعلون الحرب لأوهى الأسباب, إلى قادةٍ عظماء هداة مرشدين.
ومن يقرأ كتب السنة يدرك مدى جهاده ﷺ في تعليم العرب رجالًا ونساءً, وصبره عليهم، ولسوف يطَّلِعُ على أمورٍ في التعليم والتربية من أمتع وأعظم الأساليب في هذا المجال، ثم إنهم من بعده نهضوا بهذه التربية خير نهوض حين فتحوا البلاد شرقًا وغربًا، برًّا وبحرًا, فكانوا مشاعل هداية أوصلوا نور الإسلام إلى جميع البشرية.
стр. 72
الصحابي إنسان عالمي:
هكذا أدَّبَ الله صحابة رسول الله ﷺ , وهكذا أدَّبهم رسول الله بسنته وموعظته حتى أصبحوا مجتمعًا له عقيدة تختلف عن كل العقائد التي توارثوها عن الآباء والأجداد, مجتمعًا يستمد عقيدته من السماء، مجتمعًا ربانيًّا ينبثق فيه التعامل مباشرة من الإيمان بالله تعالى والتحاكم إلى شرعه، وصار هناك مفهوم جديد لمن تربى بهذه التربية، هذا المفهوم يطرح القبلية والعصبية والعنصرية, ويقبل على الناس جميعهم بروح المساواة والعدالة: إنه الإنسان العالمي الذي يشعرنا بالانتماء إلى الأسرة الإنسانية كلها, من واقع ما عرفه من دين الله الذي يدعو إلى التعارف والتآلف, ويأمر بالعدل والإحسان وتقديم الخير للبشرية، ويحقق السعادة للناس جميعًا؛ أسودهم وأبيضهم, وأحمرهم وأصفرهم, فالكل يتساوى أمام نظرة هذا الإنسان الجديد الذي لا تميزه عنصرية, ولا يحجبه عن الناس شيء.
ولقد كانت تربية الله لمجتمع الصحابة بكلامه وبإرشاد رسوله ﷺ شاملة لجميع مناحي الحياة, في حالات السلم وحالات الحرب، فقد مروا باختبارات عملية تصهرهم بتجارب قاسية؛ لتخلق منهم الرجال الأشداء الأقوياء الذين لا يهابون شيئًا إلّا الله, وجعل الله منهم رجالًا مؤمنين ونساء مؤمنات, من طبقة عالية في الصدق والأمانة ودماثة الخلق, فصاروا أمةً من أرقى الأمم, لم يأت مثلهم في أمة سابقة, ولن يأتي مثلهم في أمة لاحقة, فكانوا بحقٍّ خير أمة أُخْرِجَتْ للناس، لهذا نجد علماء المسلمين الذين كانوا يقومون بجمع الحديث النبوي لا يسألون عن الصحابي، بسبب تعديل الله لصحابة رسول الله ﷺ أجمعين, وكان رسول الله ﷺ قد توفي عن
стр. 73
مائة ألف إنسانٍ من رجل أو امرأة, كلهم قد روى عنه سماعًا أو رؤية١.
وهؤلاء الصحابة قد شهد الله لهم بصدق حديثهم وطهارتهم, فعدَّلهم في قرآنه, ووصفهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس, ولهذا يقول أبو بكر الخطيب البغدادي في باب ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة:
"كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي ﷺ , لم يلزم العمل به إلّا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن"٢.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ . [البقرة: ١٤٣] .
وهذا اللفظ وإن كان عامًّا فالمراد به الخاص، وقيل: هو وارد في الصحابة دون غيرهم٣، وقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ
стр. 74
دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ في آيات يكثر إيرادها، ويطول تعدادها، ووصف رسول الله ﷺ الصحابة مثل ذلك، وأطنب في تعظيمهم، وأحسن الثناء عليهم١.
وروي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اختارني، واختار أصحابي، فجعلهم أصهاري، وجعلهم أنصاري، إنه يجيء في آخر الزمان قوم ينتقصونهم، ألا فلا تناكحوهم، ألا فلا تنحكوا إليهم، ألا فلا تصلوا معهم، ألا فلا تصلوا عليهم، عليهم حلت اللعنة"٢.
والأخبار في هذا المعنى تتسع، وكلها مطابقة لما رود في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله لهم، المطلع على بواطنهم، إلى تعديل أحد من الخلق, فهم على هذه الصفة إلّا أن يثبت على أحد ارتكاب ما لا يحتمل إلا قصد المعصية والخرج من باب التأويل، فيحكم بسقوط العدالة, وقد بَرَّأَهم الله من ذلك, ورفع أقدارهم عنده، على أنه لو لم يرد من الله , ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه, لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، والقطع على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم
стр. 75
افضل من جميع المعدلين والمزكين، الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين١.
هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء.
أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى الهمذاني، ثنا صالح بن أحمد الحافظ قال: سمعت أبا جعفر أحمد بن عبدل يقول: سمعت أحمد بن محمد بن سليمان التستري يقول: سمعت أبا زرعة يقول: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدّى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، هم زنادقة"١.
стр. 76
رابعا: هدى التابعين
مدخل
...
رابعًا: هدي التابعين
التابعي هو من لقي الصحابي وأخذ عنه وتعلم منه ومات على الإسلام, وبالجملة فإن التابعين هم الذين تحمّلوا عن الصحابة العلم، علم القرآن وعلم السنة التي ترجمت القرآن إلى أسلوب عمل ومنهاج حياة.
ولقد نقل لنا التاريخ سير هؤلاء التابعين, ونقل الرواة كثيرًا من اجتهاداتهم وعبادتهم وفتاواهم، ما يبين لنا في وضوحٍ مدى اقتدائهم بالجيل الأوّل في الأعمال الصالحة, والمحافظة على القيم الإسلامية الرفيعة التي بثها فيهم رسول الله ﷺ .
стр. 77
التابعون في القرآن ١:
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٢.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ ، تشمل من تبع السابقين الأولين من الصحابة، وغيرهم ممن حمل علمهم, وعمل بعملهم.
وقد تبع أصحاب رسول الله ﷺ من أخذ عنهم عن رسول الله ﷺ ، وليس العهد ببعيد, فما بينهم وبين رسول الله ﷺ إلّا واسطة واحدة، هم أعلم الناس بكتاب الله وسنة رسول الله؛ لأنهم الذين عاشروا رسول الله ﷺ , ورأوا هديه, واهتدوا به، ونظروا قضاءه وحكمه فيما اختلف الناس فيه، وشهدوا أخلاقه وآدابه وأحواله, وتصرفه في السلم والحرب والمعاهدات وأمور الدنيا والآخرة, واستقى كل بقدر استعداده من ينبوع الفيض الرباني, وانعكس نوره -صلى الله عليه سلم- على أرواحهم وقلوبهم النقية الطاهرة، فكانوا أبرَّ خلق الله وأفضل الأمم، وهم أولى الأمة بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٣.
وهؤلاء التابعون الذين اختارهم الله لإقامة دينه، وخصَّهم بحفظ فرائضه وحدوده وأمره ونهيه وأحكامه وسنن رسوله -صلى الله عليه سلم, وآثاره, فحفظوا عن صحابة رسول الله ﷺ ما
نشروه وبثوه من الأحكام والسنن والآثار، فأتقنوه وفقهوا فيه وعلّموه، فكانوا من الإسلام والدين ومراعاة أمر الله , ونهيه، كما وصفهم الله , ونصبهم له: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٤.
стр. 78
التابعون في السنة:
إنه لما تفرقت الصحابة ﵃ أجمعين- في الأمصار التي فتحوها، بثَّ كل واحد منهم في ناحيته, وبالبلد الذي نزله, علمه الذي أخذه عن رسول الله ﷺ ، فحكموا بحكم الله , وأمضوا الأمور على ما سنَّ رسول الله ﷺ , وقد تعلَّم منهم وأخذ عنهم ناس كثيرون, حملوا عنهم جُلَ علومهم من الفرائض والأحكام والحلال والحرام والآداب, وذلك في كل بلد من البلدان، ومنهم خلق كثير اختصوا بالعلم وعُرِفُوا به, فهم الطبقة الثانية بعد أصحاب رسول الله ﷺ , وقد سماهم أهل العلم التابعين؛ لأنهم يندرجون فيمن تبع السابقين الأولين بإحسان. وهم الذين عناهم الرسول الكريم في الحديث المروي عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ : "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يخلف قوم تسبق أيمانهم شهادتهم، ثم يظهر فيهم السمن" ١.
فهؤلاء الطبقة الذين أخذوا عن صحابة رسول الله ﷺ الأحكام والسنن والآثار أتقنوا العلم وفقهوا فيه، فصاروا برضوان الله وجميل ما أثنى عليهم, بالمنزلة التي نزههم الله بها, بعيدين عن أن يلحقهم مغمز, أو تدركهم وصمة؛ لتيقظهم وتثبتهم؛ ولأنهم البررة الأتقياء الذين ندبهم الله لإثبات دينه, وإقامة سننه وسبله٢.
стр. 79
طبقات التابعين:
والتابعون ثلاث طبقات: كبرى ومتوسطة وصغرى, جمعيهم كانوا مشاعل هدايةٍ لأهل المناطق التي عاشوا فيها في بلاد الحجاز والعراق وخراسان والشام ومصر واليمن، فمن الطبقة الأولى: سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي "ت٩٤", فقيه الفقهاء وأفضل التابعين, وكان من أحفظ الناس لأحكام عمر وأقضيته, حتى كان يسمى رواية عمر, وأيضًا أثبت التابعين في أبي هريرة, كان يُعَلِّمُ الناس بالمدينة١.
وكان بالمدينة أيضًا عروة بن الزبير, وهو أحد الفقهاء السبعة، وهو أعلم الناس بحديث عائشة، وقيل: إن أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: "القاسم بن محمد، عروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن"٢.
وفي الكوقة ٢:
وبها كان الفقهاء بعد أصحاب رسول الله ﷺ , من تلامذة عبد الله بن مسعود.
- علقمة بن قيس النخعي "ت٧٣"، وعبيدة السلماني "ت٧٣".
- وشريح القاضي, وكان قد ولي القضاء لعمر وعثمان وعلي ومعاوية ستين سنة, إلى أيام الحجاج فاستعفى, وله مائة وعشرون سنة.
стр. 80
- ومسروق بن الأجدع الهمداني "ت٦٣هـ".
- عبد الرحمن بن أبي ليلى "ت٨٣", وكان يدرس للناس, وفي حلقته نفر من الصحابة, منهم: البراء بن عازب.
وبالبصرة ١:
- أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي "ت ٩٣ أو ١٠٦ أو ١٠٠".
وليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن منه, وبعده سعيد بن جبير, وبعده السدي, وبعده سفيان الثوري.
- ومطْرَف بن عبد الله الشخير العامري "ت٩٥", وهو من الفضلاء الثقات الورعين العقلاء الأدباء٢.
وبالشام:
-عبد الرحمن بن غنم الأشعري "ت٧٨هـ", وكان يُعْرَفُ بصاحب معاذ بن جبل, لملازمته له, وكان أفقه أهل الشام، وكثير بن مرة الحضرميّ، وجبير بن نفير بن مالك, وهو من أحسن التابعين روايةًَ عن الصحابة٣.
- أبو إدريس الخولاني "ت٨٠هـ", وكان قاص أهل الشام وقاضيهم٤.
وغير أولئك كثير.
стр. 81
ثم يلي هؤلاء الطبقة الثالثة, وهي الوسطى من التابعين منهم:
- الحسن بن أبي الحسن يسار البصري, الذي طبقت شهرته الآفاق "ت١٠".
- وإبراهيم النخعيّ بن يزيد بن قيس, فقيه أهل الكوفة ومفتيها هو والشعبي في زمانهما "ت٩٦".
- ونافع مولى ابن عمر - أبو عبد الله المدني "ت١١٦", وكان عمر بن عبد العزيز قد بعثه إلى مصر يعلمهم السنن١.
- وعليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب "ت ٩٥ أو ١٠٠".
- وسعيد بن جبير الأسدي الكوفي "ت٩٢هـ", قتله الحجاج, وما على ظهر الأرض أحدٌ إلّا وهو محتاج إلى علمه٢.
- ومحمد بن سيرين "ت١١٠", ولم يكن بالبصرة أحد أعلم منه بالقضاء٢, يعبر الرؤيا رأي ثلاثين من الصحابة.
- وعامر بن شراحيل الشعبي, علَّامة التابعين "ت١١٤", وقد أدرك خمسمائة من الصحابة, ومنهم: عمر بن عبد العزيز "١٠١هـ-٧١٩م", وكان بالشام, لمع اسم عمر بن عبد العزيز كزاهد حتى كاد يخفى سيرة خلافته العادلة، ويبقى زهده وورعه، ولكن الحقّ أن سيرة الخليفة الذي يعده أهل السنة والجماعة من سلسلة الخلفاء الراشدين, هذه السيرة أبت إلّا أن تقرن عدله بزهده، وكأن خلافته دعمت نظرية الزهد وغذتها، فأثبت أنه في
стр. 82
الإمكان الجمع بين الخلافة والزهد, أعني بين الرياسة أو امتلاك ناصية الحكم والتصرف في شئون المسلمين، وبين الحياة الوجدانية وأعمال القلوب في إطارها الإسلاميّ الأصيل, الذي يُعَدُّ عمر بن عبد العزيز أحد الرواد الأوائل فيه، فأصبح من المألوف أن يعتبره أهل السنة والجماعة خامس الخلفاء الراشدين١.
وكان له صلة أيضًا بزهاد البصرة -وعلى رأسهم الحسن البصري, وكذلك بالمدينة وإمامها حينئذ سعيد بن المسيب, فقد أصبح هذا المثلث المدعم بثلاثة من التابعين، سمة بارزة للحياة الوجدانية المحافظة على القيم الإسلامية المثالية حينذاك كلٌّ في مجاله٢.
وتبادل الخليفة عمر بن عبد العزيز مع هذين التابعين الرسائل المتعددة في مجال الاستمساك بهذه القيم، بل إن تأثيره تعداهما إلى عامّة الناس إبّان حكمه لتقليده في قراءة القرآن والصلاة والعبادة، فأصبح المسلمون يقلدونه "يلقى الرجل الرجل فيقول: كم وردك؟ كم تقرأ كل يوم؟ ماذا صليت البارحة؟ "٣.
وكان باليمن من التابعين وهب بن منبه "ت١١٠هـ", وهو نموذج من هؤلاء الذين عرفوا كتب الأوائل, وله صلاح وعبادة، ويُرْوَى عنه أقوال حسنة وحكم ومواعظ, يحدثنا عن نفسه فيقول: "قرأت اثنين وتسعين كتابًا كلها أنزلت من السماء"٤، فكان ينقل للمسلمين
стр. 83
القصص عن أخبار بني إسرائيل الذين حادوا عن الطريق القويم، وربما كان يقصد تحذير الزهاد بخاصة, والمسلمين بعامة من تقليدهم"١.
وكان باليمن طاوس بن كيسان اليماني "١١٠", أدرك خمسين صحابيًّا, وكان من عباد أهل اليمن وسادات التابعين٢.
وبمكة مجاهد بن جبر "مات سنة ١٠٠ أو ١٠٢ أو ١٠٣ أو ١٠٤", تلميذ ابن عباس الذي نقل عنه التفسير.
وعكرمة مولى ابن عباس, وكان أعلم الناس بسيرة النبي ﷺ .
قال قتادة: أعلم التابعين أربعة: كان عطاء بن رباح أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير, وكان عكرمة أعلمهم بسيرة النبي ﷺ ، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام٣.
وغير أولئك كثير.
أما طبقة صغار التابعين.
فمنهم مكحول الدمشقي "١١٢هـ", فقيه أهل الشام.
والزهري محمد بن مسلم بن عبيد الله المدني "١٢٤هـ".
وعمرو بن دينار المكي "١٢٥هـ", وأبو إسحاق السبعي "١٢٦هـ".
وغيرهم كثير متفرقون في الأمصار, من شاء أن يرجع إليهم في كتب الرجال؛ مثل: كتاب تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني, أو
стр. 84
كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي, أو كتاب تذكرة الحفاظ للذهبي, وكتاب طبقات الحفاظ للإمام السيوطي, أو غيرها، فلسوف يجد من أخبارهم ما يرضيه, ومن يطَّلع على سيرهم العطرة سوف يلاحظ أنهم مختارون من قبل العناية الإلهية، وأن أخلاقهم من أخلاق الأنبياء, وأن كلامهم المأثور عنهم أشبه بكلامهم, وأن لنا فيهم حسن الأسوة في الأعمال والأحوال.
стр. 85
الفصل الثالث: منهج الإسلام في التربية
مدخل
...
الفصل الثالث: منهج التربية في الإسلام
منهج رباني كامل متكامل:
هذا المنهج الإسلامي في التربية منهج كامل متكامل, لا يعتريه نقص ولا يكتنفه غموض؛ لأنه منهج سماوي مُنَزَّل من لدن حكيم خبير، وهو منهج يتعهد الإنسان منذ ولادته حتى يلقى خالقه, ولذلك فهو متميز بالشمول لكل ما يسعد الإنسان في حياته في الدنيا وفي الآخرة، فهو يشمل النفس الإنسانية كلها في جميع حالاتها ومعاملاتها, ويحدد لها حقوقها وواجباتها, كما يبين للإنسان ما ينتظره بعد الحياة من حساب وثواب أو عقاب.
ثم إن هذا المنهج حظي بالتطبيق الأمثل على يد سيد ولد آدم محمد ﷺ , وفي حياة صحابته, ومن بعده, ونقله الصحابة إلى التابعين من بعدهم, ففتحوا به البلاد, وأصلحوا به حال العباد, وضربوا للناس أمثلة عالية في الأخلاق والمعاملات, تخرَّج على أيديهم جمهرة عظيمة من العلماء من العرب وغير العرب, لا تزال أسماؤهم تلمع في سماء الفكر, والتاريخ ينقل إلينا ما خلفوه لنا من المصنفات والمؤلفات التي لا يحصى لها عدد جيلًا بعد جيل.
مراحل هذا المنهج:
стр. 86
المرحلة الأولى: الزواج وتكوين الأسرة
العقيدة وحسن اختيار الزوج
...
المرحلة الأولى: الزواج تكوين الأسرة
العقيدة وحسن اختيار الزوج:
يبدأ منهج الإسلام التربوي بالتوحيد، وبأن يعرف الرجل المسلم والمرأة المسلمة قبل الزواج حقيقة لا بُدَّ لهما من الإلمام بها, وهي أن الله هو الخالق وإليه تصير الأمور, وأن الدين عند الله الإسلام، وأن وظيفة الإنسان رجلًا كان أو امرأة هي العبادة؛ لقوله -عز من قائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.
وإن كثيرًا من الناس في هذه الأيام قد تغيب عن أذهانهم هذه الحقيقة؛ إذ ينسى كثير منهم أن المطلوب الأول في حياته العبادة، فيظن أن العمل أولى من العبادة، بل هو من العبادة؛ لأن الله أمرنا به فقال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ , فلا تترك الفرائض بحجة أننا نعمل، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . فليجعل المسلم شعاره دائمًا العبادة أولًا.
ومن هذا المنطلق يكون هدف المسلم هو تعظيم شعائر الله ، فإذا ما أقبل على الزواج يضع في اعتباره أنه يتزوج عبادةً لله، وهو في هذا الأمر يرغب في أن يهبه الله ذريةً تسبح بحمد الله وتعبده وحده لا تشرك به شيئًا, من أجل ذلك يبحث عن المرأة الصالحة ذات الدين؛ لأنها ستكون المنبت الصالح لأبنائها الذين تلدهم, وتقوم على تربيتهم ليكونوا مؤمنين صالحين, وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تنكح النساء لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها, فاظفر بذات الدين تربت يداك" ٢.
وقال أيضًا: "تخيروا لنطفكم, فإن العرق دساس" رواه ابن ماجه.
كما حذَّر ﵇ من أن يزوج الرجل ابنته من ظالمٍ أو فاسقٍ أو مبتدعٍ أو شارب خمر، وبيَّن أن من فعل ذلك فقد جنى على دينه
стр. 87
وتعرَّض لسخط الله, فقال ﷺ : "من زوّج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها".
فإذا أراد الرجل أن يزوج ابنته فعليه أن يختار لها من عُرِفَ بالصلاح والتقوى, ونشأ في أسرة عرفت بالصلاح والتقوى, حتى يصون المرأة ويتقي الله فيها١.
وهناك آداب سامية في شأن النكاح أثرت على النبي ﷺ , يجب التزود بها عند الرغبة في ذلك, كأن يجعل المسلم زواجه في المسجد, لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "أعلنوا هذا النكاح, واجعلوه في المسجد, واضربوا عليه بالدفوف" ٢. وفي هذه المناسبة ينبغي تهنئة الزوجين والدعاء لهما, لما أثر عنه -صلى الله عليه سلم- أنه كان إذا رفأ الإنسان إذ تزوج قال: "بارك الله لك, وبارك عليك, وجمع بينكما في خير" ٣.
وعلى الزوج أن يحصِّن نفسه وزوجه وولده من الشيطان إذا دخل على زوجته وعاشرها, أن يعمل بنصيحة رسول الله ﷺ التي يقول فيها: "لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله, اللهم جنبنا الشيطان, وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإن قضى الله بينهما ولدًا لم يضره الشيطان" ٤.
ولقد رغَّبَ الرسول ﷺ في الزواج, وحض المسلمين عليه, لا سيما الشباب فقال:$ "النكاح سنتي فمن أحب فطرتي
стр. 88
فليستن بستني"١، وقال أيضًا: "من استطاع منكم الباءة فليتزوج, فإنه أغض للبصر, وأحصن للفرج, ومن لم يستطع فعليه بالصوم, فإنه له وجاء" ٢.
وطلب الرسول من كل مسلم التيسير في أمر الزواج، وأن يسارع المسلمون بتزويج المؤمنين الصالحين, وقال ﷺ : "إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه, إلّا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" ٣.
ومن هذا الحديث نعلم أن الزواج يجب أن ينهض على أساس الدين, حتى تنشأ الذرية المسبحة بحمد الله.
والإسلام يرشدنا إلى أن الزوجين اللذين يؤسسان للبيت إنما هما نفس واحدة نبتت بجارها نفس منها، مماثلة لها، فهي لها وبها ومعها، وليس من طبيعتهما الخلاف والشقاق، بل من أصل طبيعتها التآلف والتراحم والوفاق، والقرآن الكريم يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٤.
ويقول الرسول -صلوات الله وسلامه عليه: "إنما النساء شقائق الرجال".
وسعادة بيت الزوجية تتوقف على تحقق التوافق بين الزوجين في التفكير والتصرف والعمل والاعتقاد، ويختل نظام هذا البيت وتفسد فيه الحياة الزوجية إذا وقع الخلاف والشقاق بينهما، فإذا انحرفت المرأة
стр. 89
أو انحرف الرجل, تسرَّبَتْ عوامل الهدم إلى البيت، وهذا هو القرآن المجيد يقص علينا صورًا من هذا الخلاف الذي أدّى إلى شقاء الزوجات حينًا، وإلى شقاء الأزواج حينًا آخر، فيقول: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ، وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
توخي الحذر في هذه الأيام من نكاح غير المسلمات:
ولهذه الأهمية نهى القرآن الكريم المؤمنين عن الزواج بالمشركات, أو تزويج المشركين للمؤمنات, بقوله : ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ .
والسبب الذي لأجله كان بينته الآية: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٢١] .
أما الزواج من الكتابيات -يهودية كانت أو نصرانية- فلأن لها كتابًا سماويًّا, فهي في الأصل مؤمنة قبل التحريف والتبديل الذي فعلته الأيدي الآثمة في كتب الله المنزلة، وكما أنه يرجى بالزواج منها أن تتعرف إلى الإسلام، وتسمع عقيدة التوحيد الصافية التي لم ولن يتطرق إليها يد البشر، وكان هذا الأمر بينًا واضحًا يوم أن كان للإسلام قوته وعزته، وصولته وجولته، أما وقد تبدلت الأيام, وضعف حال المسلمين، وتشتت أمرهم، وفقدوا عز دولتهم وسلطانهم، ولم يعد لكثير من
стр. 90
"الرجال من أمور نسائهم شيء, فإنني أرى أن لا يتردد أهل الفتوى بمنع أبناء المسلمين من الزواج من الكتابيات، وذلك لتغير الزمان وتبدله، حيث أصبحت النساء الكافرات من أهل الكتاب يعملن على صبغ أبنائهن بطابع حياتهن المنحرفة، والتي هي بعيدة كل البعد عن تعاليم الإسلام.
أضف إلى ذلك أن قوانين البلاد الكافرة تلحق الأبناء بأمهاتهم، فإذا حدث طلاق أو وفاة بين الزوجين، عاد الأولاد إلى أمهاتهم، وفي هذا تكثير لسواد الكافرين, وزرع النطفة المسلمة في أرحام كافرات، لا يرجى فيهن خيرًا، وفي المسلمات غنًى عن الكافرات، مع ملاحظة أن أغلب نساء أهل الكتاب في هذا الزمان أصبحن ملحدات وثنيات في غالب الأحيان"١.
و"تقوم الأسرة في نظام الإسلام الاجتماعي على اشتراك الرجل والمرأة في شركة مؤسسة على الرضا والقبول مع اشتراط التكافؤ.
والزواج كمسألة شخصية شأنه شأن أيّ علاقة بين شخصين, يستند إلى تفاهمٍ يقوم بين طرفيه، وتكافؤ في الميزات الشخصية والخصائص النفسية والعقلية والجسمية؛ بحيث يتعذر أن يحكمه قانون عام أو إطار نمطي محدد، ولكن على الرغم من هذا, فإنه لا بُدَّ من قانون عام يحكم أمر هذه العلاقة، والإسلام كنظام عام يحيط بحياة البشر, لا يمكنه إلّا أن يضمن على الأقل الحدود العامة التي لا يجب تجاوزها, مع إفساح الفرصة لتدخل العوامل الشخصية الخاصة إلى جانبها"٢.
стр. 91
وما دامت هذه العلاقة لا تقوم في نظر الإسلام إلّا على أساسٍ من الاختيار الحر من الطرفين, فإن كلًّا منهما يكون مسئولًا عن النهوض بالتزاماته في الشركة استنادًا إلى هذه الرغبة الحرة التي دعته إلى إقامة العلاقة ابتداءً, واستنادًا إلى ما يجب توفره بينهما من محبة وألفة وودٍّ ومعرفةٍ للفضل وتقدير للعشرة، وقد شرع القرآن الزواج وسمَّى عقدته ميثاقًا غليظًا, فقال: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ , وجعل كل زوج منهما لباسًا للآخر فقال: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ١, وقد رغبت تعاليم الإسلام في الزواج وحثَّ عليه القرآن فقال: ﴿وأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢, وهناك كثير من الأحاديث النبوية التي تحض على الزواج وتدعو إليه, وكثير من الأحاديث التي توضح مسئولية الزوجين عن رعاية النسل.
ومن المسئوليات التربوية للأم تربية أبنائها على العقيدة الصحيحة، وقد أشار القرآن الكريم إلى دور الأم في هذا الصدد من خلال قصة ابن نوح الذي كفر وقال لأبيه وهو يدعوه للركوب في السفينة مع المؤمنين: ﴿سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ ، ونحن نعرف أن هذا الابن مات كافرًا، وأن أثر الأم واضح في شخصيته, فامرأة نوح كافرة بنص القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠] .
وقال في شأن امرأة لوط التي خانت زوجها وانحازت إلى قومها المنحرفين:
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] ﴿قَالُوا
стр. 92
يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ [هود: ٨١] .
وقد روى القرآن الكريم قصة الابن العاق الذي دعاه والداه إلى التوحيد فأهانهما ورفض أن يدخل في دين الله الحق, فقال تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧] .
فهذه الآية تدل على تعاون الأم مع الأب في تنشئة أولادهما تنشئة دينية صحيحة"١.
ولذا فإن اختيار الأم الصالحة والأب الصالح من ألزم حقوق الجنين على أبويه لتكوين الأسرة المسلمة.
روي أن محمد بن عبد الرحمن الأوقص القاضي, كان قصيرًا دميمًا قبيحًا قال: فقالت لي أمي: يا بني إنك خلقت خلقة لا تصلح لمعاشرة الفتيان, فعليك بالدين, فإنه يتم النقيصة ويرفع الخسيسة، فنفعني الله بقولها, تعلمت الفقه فصرت قاضيًا٢.
стр. 93
آداب المعاشرة:
نجد في علوم الدين الإسلامي تراثًا ضخمًا من الأحاديث النبوية والشروح عليها, مما فيه كثير الهداية والسداد لشباب هذا الدين، ولا تجد مثل هذا التراث في دين آخر غيره، ومنها ما يتعلق بهذا الباب، حيث ينصح الشباب من الجنسين؛ فيقول الرسول ﷺ : "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم خلقًا" ١.
ولقد كان من كلام النبي ﷺ في حجة الوداع: "ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عوان عندكم، ليس تملكون شيئًا منهن غير ذلك، إلّا أن يأتين بفاحشة مبينة, فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح, فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا, ألَا إن لكم على نسائكم حقًّا ولنسائكم عليكم حقًّا, فأما حقكم على نسائكم: فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن". قال أبو عيسى الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح٢.
ولقد حصر الإمام الغزالي آداب المعاشرة الزوجية في عشرة أمور, نوجزها فيما يلي.
الأدب الأول: الوليمة, وهي مستحبة لقول رسول الله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف بعد زواجه: "أولم ولو بشاه" , كما قال -صلى الله عليه سلم: "طعام أول يوم حق, وطعام الثاني سنة, وطعام الثالث سمعة, ومن سمع سمَّع الله به".
الأدب الثاني: حسن الخلق معهن واحتمال الأذى منهن ترحمًا عليهن لقصور عقلهن, قال تعالى: ﴿ٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ ، وقال في تعظيم حقهن: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ ، ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها, بل احتمال الأذى منها، والحلم عند طيشها وغضبها اقتداء برسول الله ﷺ , فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام, وتهجره الواحدة
стр. 94
منهن يومًا إلى الليل، وراجعت امراة عمر ﵁ عمر في الكلام, فقال: أتراجعيني يا لكعاء, فقالت: إن أزواج رسول الله ﷺ يراجعنه وهو خير منك، فقال عمر: خابت حفصة, خسرت إن راجعته, ثم قال لحفصة: لا تغتري بابنة أبي قحافة, فإنها حب رسول الله ﷺ , وخوّفها من المراجعة.
وجرى بينه ﷺ وبين عائشة كلام حتى أدخلا بينهما أبا بكر ﵁ حكمًا واستشهده، فقال رسول الله ﷺ : تكلمين أو أتكلم, فقالت: بل تكلم أنت ولا تقل إلّا حقًّا, فلطمها أبوها أبو بكر حتى دمي فوها, وقال: يا عدية نفسها, أَوَيَقُُول غير الحق؟ فاستجارت برسول الله ﷺ , وقعدت خلف ظهره، فقال له النبي ﷺ : "لم ندعك لهذا, ولا أردنا منك هذا".
ويقال: إن أول حُبٍّ وقع في الإسلام حب النبي ﷺ لعائشة ﵂. وكان يقول لنسائه: "لا تؤذوني في عائشة, فوالله ما نزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها" ١.
الأدب الثالث: أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة والمزاح والملاعبة, فهي التي تطيب قلوب النساء, وقد كان رسول الله ﷺ يمزح معهن, وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخلاق, حتى روي أنه ﷺ كان يسابق عائشة في العد, فسبقته يومًا وسبقها في بعض الأيام, فقال ﵇:" هذه بتلك" ٢.
وفي الخبر أنه كان ﷺ من أفكه الناس مع نسائه, وقالت عائشة ﵂: "سمعت أصوات ناس من الحبشة وغيرهم وهم يلعبون
стр. 95
في يوم عاشوراء, فقال رسول الله ﷺ : "أتحبين أن تري لعبهم"؟ قالت: نعم، فأرسل إليهم فجاءوا, وقام رسول الله ﷺ بين البابين, فوضع كفَّه على الباب ومد يده ووضعت ذقني على يده، وجعلوا يلعبون وأنظر, وجعل رسول الله ﷺ يقول: "حسبك" وأقول: اسكت, مرتين أو ثلاثًا, ثم قال: "يا عائشة حسبك" , فقلت: نعم, فأشار إليهم فانصرفوا"١.
وقال عمر ﵁ مع خشونته: ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي، فإذا التمسوا ما عنده وجد رجلًا٢.
الأدب الرابع: أن لا يتبسط في الدعابة وحسن الخلق والموافقة باتباع هواها, إلى حدٍّ يفسد خلقها ويسقط بالكلية هيبته عندها، بل يراعي الاعتدال فيه, فلا يدع الهيبة والانقباض مهما رأى منكرًا, ولا يفتح باب المساعدة على المنكرات البتة، بل مهما رأى ما يخالف الشرع والمروءة تنمر وامتعض؛ إذ حق الرجل أن يكون متبوعًا لا تابعًا، وقد سمَّى الله الرجال قوامين على النساء, وسمى الزوج سيدًا, فقال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ سورة يوسف, فإذا انقلب السيد مسخرًا, فقد بدل نعمة الله كفرًا. قال ﵇: "لا يفلح قوم تملكهم امرأة" ٣.
الأدب الخامس: الاعتدال في الغيرة: وهو أن لا يتغافل عن مبادئ الأمور التي تخشى غوائلها، ولا يبالغ في إساءة الظن والتعنت وتجسس البواطن, فقد نهى رسول الله ﷺ عن تتبع عورات النساء"٤.
وقال ﷺ : "إن من الغيرة يبغضها الله
стр. 96
وهي غيرة الرجل على أهله من غير ريبة"١؛ لأن ذلك من سوء الظن الذي نهينا عنه, فإن بعض الظن إثم, وقال علي ﵁: "لا تكثر الغيرة على أهلك فتُرْمَى بالسوء من أجلك، وأما الغيرة في محلها لا بُدُّ منها, وهي محمودة, قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى يغار، والمؤمن يغار, وغيرة الله تعالى أن يأتي الرجل ما حرَّم عليه" ٢.
وقد ورد في الأثر أن رسول الله ﷺ قال: "رأيت ليلة أسري بي في الجنة قصرًا وبفنائه جارية, فقلت لمن هذا القصر؟ فقيل: لعمر، فأردت أن أنظر إليها فذكرت غيرتك يا عمر, فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله" ٣.
الأدب السادس: الاعتدال في النفقة: فلا ينبغي أن يقتِّر عليهن في الإنفاق, ولا ينبغي أن يسرف، بل يقتصد, قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ وقال تعالى أيضًا: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ الإسراء: ٢٩.
وينبغي أن يأمرها بالتصدق ببقايا الطعام وما يفسد لو ترك, فهذا أقل درجات الخير، وللمرأة أن تفعل ذلك بحكم الحال من غير صريح إذن من الزوج، ولا ينبغي أن يستأثر عن أهله بمأكولٍ طيبٍ فلا يطعمهم منه, فإن ذلك مما يوغر الصدور، ويبعد عن المعاشرة بالمعروف.
وإذا أكل فيقعد العيال كلهم على مائدته, فقد قال سفيان ﵁: إن الله وملائكته يصلون على أهل بيت يأكلون جماعة، وأهم ما
стр. 97
يجب عليه مراعاته في الإنفاق أن يطعمها من الحلال, ولا يدخل مداخل السوء لأجلها, فإن ذلك جناية عليها لا مراعاة لها.
الأدب السابع: أن يتعلم المتزوج من علم الحيض وأحكامه ما يحترز به الاحتراز الواجب، ويعلّم زوجته أحكام الصلاة, وما يقضى منها في الحيض وما لا يقضى, فإنه أمر بأن يقيها من النار بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ , فعليه أن يلقنها اعتقاد أهل السنة, ويزيل عن قلبها كل بدعة, ويخوفها في الله إن تساهلت في أمر الدين, ويعلمها من أحكام الحيض والاستحاضة.
الأدب الثامن: إذا كان له نسوة فينبغي أن يعدل بينهن ولا يميل إلى بعضهن، فإن خرج إلى سفر وأراد استصحاب واحدة أقرع بينهن, كذلك كان يفعل رسول الله ﷺ .
الأدب التاسع: في النشوز, ومهما وقع بينهما خصام ولم يلتئم أمرهما, فإن كان من جانبهما جميعًا أو من الرجل فلا تسلط الزوجة على زوجها، ولا يقدر على إصلاحها, فلا بُدَّ من حكمين أحدهما من أهله والآخر من أهلها؛ لينظرا ما بينهما ويصلحا أمرهما ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ , وأما إذا كان النشوز من المرأة خاصة، فالرجال قوامون على النساء، فله أن يؤدبها ويحملها على الطاعة قهرًا, كذا إذا كانت تاركةً للصلاة, فلهو حملها على الصلاة قهرًا, ولكن ينبغي أن يتدرج في تأديبها, وهو أن يقدم أولًا الوعظ والتحذير والتخويف, فإن لم ينجح ولاها ظهرها في المضجع, أن انفرد عنها بالفراش وهجرها وهو في البيت معها من ليلة إلى ثلاث ليالٍ, فإن لم ينجح ضَرَبَهَا ضربًا غير مبرح؛ بحيث يؤلمها ولا يكسر لها عظمًا, ولا يدمي لها جسمًا، ولا يضرب وجهًا, فذلك منهيٌّ عنه؛ وقد قيل لرسول الله ﷺ : "ما حق المرأة على الرجل, قال: يطعمها إذا طعم ,ويكسوها إذا اكتسى, ولا يقبح
стр. 98
الوجه ولايضرب إلا ضربًا غير مبرح, ولا يهجرها إلا في البيت"١ وله أن يغضب عليها ويهجرها في أمر من أمر الدين إلى عشر وعشرين وإلى شهر.
الأدب العاشر: وهو أدب الجماع إذ يستحب أن يبدأ باسم الله تعالى, ويقرأ قل هو الله أحد أولًا, ويكبر ويهلل, ويقول: باسم الله العلي العظيم, اللهم اجعلها ذرية طيبة إن كنت قدَّرت أن تخرج ذلك من صلبي, ولا يستقبل القبلة بالوقاع إكرامًا للقبلة, وليغط نفسه وأهله بثوب، وليقدم التطلف بالكلام والتقبيل, ويكره له الجماع في ثلاث ليالٍ من الشهر؛ الأول والآخر والنصف، وروي كراهة ذلك عن علي ومعاوية وأبي هريرة ﵃، ومن العلماء من استحبَّ الجماع يوم الجمعة وليلته, تحقيقًا لأحد التأولين من قوله ﷺ : "رحم الله من غسل واغتسل"٢.
стр. 99
التعاون بين الزوجين ١:
إن السنة النبوية الطاهرة قد أوضحت لنا مكانة الحياة الزوجية, وبينت واجب الزوج، وواجب الزوجة، وها قد تلاقى الزوجان وتعارفا وأتلفا، وتزوجا باسم الله ﷻ ، وأنشأ بيت الزوجية المحفوف بالتكريم والتقير، حاول كل منهما أن يؤدي واجبه، فالزوج يستعين ربه ويبذل جهده، فيعد المسكن والأثاث، وينفق من سعته، ويؤدي الحقوق، ويحسن العشرة, وينهض بالتبعات، والزوجة تستعين ربها فتطيع زوجها فيما شرع الله، وتحفظه في ماله وعرضه، وتدبر شئون
стр. 100
بيته، وترعى ما ساق الله إليها من ذرية.
وإنما يستقيم بناء الزوجية حين يتذكر الزوج أن الله قد جعل زوجته شريكة له، وخلقها من نفسه, وأعدها ليجد في رحابها الأمن والسكن، وجعل بينهما ألفةً ومودةً وتراحمًا ومحبةً ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، ومن واجب الرجل أن يتدبر ذلك، ويفكر فيه, ويعمل بمقتضاه حتى يقدِّر هذه النعم, وينتفع بها على الوجه السليم القويم.
ومن الخطأ الفاحش أن يظن الرجل أن زوجته ليست إلّا خادمة له يتصرف فيها كما يريد، بل يقول الرسول -صلوات الله وتسليماته عليه: "النساء شقائق الرجال" , ويقول القرآن: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ , فالزوج هو رجل البيت، وإليه ينسب الأولاد، وهو ولي الأسرة والناهض بتبعاتها، والمرأة هي شريكة حياته ومستودع سره وأم أبنائه، وراعية بيته وشئونه، فبينهما من الوشائج والذمم ما يجب أن يرعى ويصان.
وهذا هو القرآن الكريم يذكر المرأة حين يذكر الرجل، ويندبها معه إلى صفات الكمال ومحامد الفعال، وحسبنا هنا هذه الآية الكريمة التي عددت الصفات المميزة للأمة المسلمة, فأطلقتها على الرجال والنساء: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ . [الأحزاب: ٣٥] .
والقرآن يصرِّحُ بأن للمرأة ذاتيتها المتميزة وشخصيتها المستقلة؛ فهي مأمورة بأن تعمل، وهي موعودة من الله أن تنال الجزاء على هذا
стр. 101
العمل، وهو يصرح بأن الرجل من المرأة، والمرأة من الرجل؛ لأنهما من أصل واحد؛ لأن بينهما وثيق اتصال واتحاد, يقول: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥] .
ولذلك كان من اللازم لسعادتها وسعادة من معهما أن يتعاونا معًا بصدق وإخلاص، ليحققا المعيشة الهانئة السعيدة، وليحفظا على الحياة الزوجية جلالها وجمالها، وعلى الأسرة كيانها واطمئنانها.
وأول الأمور التي يقتضيها التعاون بين اثنين هو أن يخفف كلٌّ منهما من غلواء أنانيته وأثرته، وينهنه من استجابته لأهوائه ورغباته، فكيف إذا كان هذا التعاون بين زوجين ارتبطا برباط الزواج المقدس بعد تفاهم وتآلف، وأصبحا قلبين متجاوبين، يعمران دارًا واحدة، ويسعيان في وجهة واحدة؟ ١.
من صدق التعاون بين الزوجين ألا يتطلع أحدهما إلى الاعتداء على حق الآخر واختصاصه أو ميدان عمله، ولقد رُوِيَ أن أم سلمة قالت للنبي -صلوات الله وسلامه عليه: ليت الله كتب علينا الجهاد كما كتبه على الرجال، فيكون لنا من الأجر مثل حالهم، فقرأ قول الله سبحانه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٢] .
стр. 102
المرحلة الثانية: الاستعداد لإستقبال المولود
إعداد البنية الصالحة لنشأة الطفل قبل الميلاد
...
المرحلة الثانية: الاستعداد لاستقبال المولود
إعداد البيئة الصالحة لنشأة الطفل قبل الميلاد:
وفيها يوجه الإسلام عنايته إلى الطفل قبل ولادته؛ حيث يتم إعداد البيئة الصالحة لنشأة الطفل, وذلك عن طريق الرجل والمرأة اللذين هما سبب النشأة، فيرشد كلًّا منهما إلى حسن اختيار الزوج, يبين للرجل كيفية اختيار الزوجة, ويبين للمرأة كيفية حسن اختيار الزوج, حتى يضمن السلامة لهذا المولود قبل أن يُولَدَ، كما يبين لكليهما علة الزواج, وهي أن الزواج الغرض منه عمارة الأرض, وعمارة الأرض إنما تكون بالنسل الصالح المؤهل للخلافة؛ بمعنى أن هذا المولود الناشئ يصلح لخلافة الله في أرضه, فيؤدي ما أمر الله به, وينتهي عما نهى الله عنه, وفي ذلك يقول الحق ﵎: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ ١ وقال: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢, قال ابن عباس: "المودة: حب الرجل امرأته، والرحمة: شفقته عليها أن يصيبها بسوء"٣.
وعلى أساس المودة والرحمة تنشأ الأجيال الصالحة من الرجال والنساء, ويتحقق معنى خلافة الإنسان لله في أرضه، ولا يتحقق هذا المعنى إلّا في الرجل المتدين الذي يمتثل لأوامر الدين.
وفي ظل هذه المودة والرحمة يأتي دور الإنجاب والذرية؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ ٤ أي: أن الكثرة
стр. 103
الناشئة عن الزوجية, هي كثرة متسلسلة في أجيال متعاقبة من الأولاد والأحفاد، فهم فروع الأسرة وفروع فروعها, وينظر الإسلام إلى هذا النموّ على أنه ليس نموًّا عدديًّا فقط, وإنما هو مع ذلك نمو في العلاقة بين أفراده, فمهَّدَ لها السبيل إلى الاطراد في جوٍّ من الاطمئنان والمودة والرحمة، ولهذا وجّه عنايته إلى الناشئة واهتم بها أيما اهتمام، ونلخص مظاهر هذا الاهتمام فيما يلي:
قلنا: إن الرجل ينبغي أن يحسن اختيار من تشاركه حياته؛ لأنها سوف تتولى أجلَّ وظيفة وهي صناعة الرجال, فهي المدرسة الأولى التي يتعلم منها الطفل, كما قال حافظ إبراهيم:
الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعبًا طيب الأعراق
وقال أيضًا:
وإذا النساء نشأن في أمية ... رضع الرجال جهالة وخمولا
ولقد دعا منهج الإسلام الرجل المسلم إلى تحصين ذريته من جميع الآفات, بأن يحسن اختيار زوجته أولًا؛ لأنه سوف يرث الأولاد عنها كثيرًا من المزايا والصفات، في أحضانها تنمو عواطف الطفل وتتربى ملكاته، فأوضحت السنة حسن اختيار ذات الدين, صاحبة الأصل الطيب, ولهذا حذّر الرسول -صلى الله عليه سلم- من زواج المرأة الجميلة التي ترعرعت في منابت السوء فقال: "إياكم وخضراء الدمن؟ قيل: يا رسول الله, وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء"١.
كما قد نهى رسول الله ﷺ عن الاغترار بالمال
стр. 104
والجمال عند الإقبال على الزواج, فقال: "لا تزوجوا النساء لحسنهن, فعسى حسنهن أن يرديهن، لا تزوجهن لأموالهن, فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين"١.
وذلك أول تحصين لضمان سلامة الذرية من سوء الحضانة، أما ثاني التحصينات فتكون عند معاشرة الزوجة ومباشرتها عند الجماع، فإذا أتى الرجل امرأته يُسْتَحَبُّ أن يبدأ باسم الله تعالى, ويقرأ قل هو الله أحد أولًا, ثم يكبر ويهلل, ويقول: باسم الله العلي العظيم, اللهم اجعلها ذرية طيبة إن كنت قدرت أن تخرج ذلك من صلبي, فإذا أدّى ذلك الزوج فقد استبرأ لدينه وعرضه, وإذا رزقه الله مولودًا كان من الذرية الصالحة إن شاء الله تعالى.
والإسلام لا يهيئ السبيل لمتعة الرجل وحده وراحته وسكينته، وإنما يرتب لأداء حقوق الطفل القادم، فإن الأم المرباة على خلق فاضلٍ ودين, هي الجديرة بإنبات أطفال أسوياء أصحاء النفس والملكات والقدرات، بل هي التي تشرف أبناءها وتضفي عليهم من كرامتها شرف عزتها، وقد ذكر الشاعر العربي مذكِّرًا أبناءه بفضله عليهم؛ إذ اختار لهم أمًّا صالحة عفيفة تشرفهم:
وأول إحساني إليهم تخيري ... لماجدة الأحساب بادٍ عفافها
وجاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁ يشكو إليه عقوق ابنه، فأحضر عمر الولد وأنَّبَه على عقوقه لأبيه، ونسيانه لحقوقه عليه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين, أليس للولد حقوق على أبيه؟
قال عمر: بلى, قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: أن
стр. 105
ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب "القرآن", قال الولد: يا أمير المؤمنين؛ إن أبي لم يفعل شيئًا من ذلك، أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي، وقد سماني جعلًا "أي: خنفساء", ولم يعلمني من الكتاب حرفًا واحدًا, فالتفت عمر إلى الرجل وقال له: جئت إليّ تشكو عقوق ابنك، قد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك".
"صدق الشاعر في تشبيهه الولد أو الطفل بعامة بالنبت، ويشبه الأم الجاهلة الخالية من الدين والخلق بالصحراء التي لا ماء فيها، ومن ثَمَّ يكون النبت الناشئ بها شوكًا لا خير فيه، وفي المقابل يشبه الأم المؤدبة التي يزينها الخلق والدين، بالروضة الخصبة الغناء، فلا شك أن النبت بها سيكون نضرًا طريًّا يرجى خيره، فيقول:
وليس النبت في جنان ... كمثل النبت ينبت في الفلاة
وهل يرجى لأطفال كمال ... إذا ارتعضوا ثدي الناقصات١
وكما حرص الإسلام على توجيه نظر الشباب إلى اختيار زيجات قائمة على خلق فاضل ودين صحيح, فقد حرص كذلك على توجيه نظر الفتيات والنساء إلى اختيار وترجيح صاحب الخلق الفاضل، والدين الصحيح زوجًا لهن، وهذا هو الإمام الترمذي يروي لنا عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه خلقه فزوجوه, إلّا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" ولا ريب أن الفتنة والفساد، يدخل فيهما توريث الأب الفاسد الخالي من الخلق والدين، ما عنده من ضعف وفساد لأبنائه، ولو على أقل تقدير، بالقدوة وضرب المثل، حيث إن من شأن الصغار تقليد الكبار والنقل عنهم، وعند ذلك سيكون نقلًا أسود غير مأمون العاقبة"٢.
стр. 106
المرحلة الثالثة: مرحلة الطفولة والصبا
آداب استقبال المولود:
وجَّه الإسلام الآباء إلى استقبال ميلاد الطفل بتكبير الله وتوحيده، فيلقى في أذن المولود اليمنى ألفاظ الأذان بصوت منفخض, ويلقى في الأذن اليسرى ألفاظ الإقامة, ليكون ذلك عهدٌ بالإيمان, وليكون أول ما يقرع سمع المولود كلمات الأذان المتضمنة للتوحيد؛ لأن سماع هذه الكلمات من جانب المولود يضعف تأثير الشيطان عليه، وقد رتَّبَ الإمام الغزالي في آداب الولادة خمسة أمور:
أولها: أن لا يكثر فرح الزوج بالذكر عن الأنثى, فإنه لا يدري الخيرة له في أيهما، فكم من صاحب ابن يتمنى أن لا يكون له، أو يتمنى أن لا يكون بنتًا، وقد قال رسول الله ﷺ : $"من كان له أمة فأحسن تأديبها, وغذاها فأحسن غذاءها, وأسبغ عليها من النعمة التي أسبغ الله عليه, كانت له ميمنة وميسرة من النار إلى الجنة"٢.
وروي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من كانت له ثلاث بنات أو أخوات فصبر على لأوائهن وضرائهن, أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهن، فقال رجل: وثنتان يا رسول الله؟ قال: ثنتان، فقال رجل: أو واحدة؟ فقال: وواحدة"٣.
стр. 107
ثانيها: أن يؤذن في أذن المولود، فقد رى رافع عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ قد أذن في أذن الحسين حين ولدته فاطمه ﵂, ويستحب أن يلقنه أول انطلاق لسانه: لا إله إلّا الله؛ ليكون ذلك أول حديثه، ثم الختان في اليوم السابع.
ثالثها: أن يسمي الوالد ابنه اسمًا حسنًا، فذلك من حق الوالد, وقال ﷺ : "إذا سميتم فعبدوا", وقال ﷺ : "أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن"، كما قال أيضًا: "تسمَّوا باسمي ولا تكنوا بكنيتي" , وقال أيضًا: "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم"١.
رابعها: أن يذبح له احتفاءً بمقدمه وتكريمًا لوفادته وشكرًا لله على هديته ومنِّه، فقد ورد في الخبر أن الرسول ﷺ عَقَّ عن الحسن بشاة, وروت عائشة أن رسول الله ﷺ , أمر في الغلام أن يعق بشاتين مكافئتين وفي الجارية بشاة"٢.
ومن السنة أيضًا أن يتصدق بوزن شعره ذهبًا أو فضةً لما ورد في الخبر من أنه ﵇ أمر فاطمة ﵂ يوم سابع حسين أن تحلق شعره, وتتصدق بزنة شعره فضة"٣.
وليس من السنة ما نرى عليه الناس من عادة إقامة "السبوع"؛ حيث يوضع الطفل في غربال ويدق الهون عند أذنه مع رش الملح وتوزيع الحمص والحلوى, وما إلى ذلك من مظاهر ليست من الدين في شيء.
خامسها: أن يحنكه بتمرة أو حلاوة، فقد روي عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: ولدت عبد الله بن الزبير بقباء، ثم أتيبت به رسول الله ﷺ , فوضعه في حجره, ثم دعا بتمرة فمضغها, ثم تفل في فيه" فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ , ثم حنكه بتمرة, ثم دعا له وبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة, ففرحوا به فرحًا شديدًا؛ لأنهم قيل لهم: إن اليهود قد سحرتكم فلا يُولَدُ لكم٤.
стр. 108
ختان المولود:
الختان شعار الإسلام وعنوان الشريعة, وبه يتميز المؤمن من الكافر، ولذلك يجب تختين المولود لما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي بسنده عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال النبي ﷺ : " إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل" ١, ولما جاء في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من الفطرة الختان" ٢, ولما جاء في الحديث الصحيح أيضًا, عن عطية القرظي قال: كان بالمدينة خافضة يقال لها: "أم عطية", فقال لها رسول الله -صلى الله عليه سلم: " أشمي ولا تنهكي, فإنه أسرى للوجه، وأحظى للزوج" ٣ وللختان حكم دينية عظيمة, وفوائد صحية لعل أهمها عدم الإصابة بالأمراض الفاتكة؛ كالسيلان والزهري والسرطان.
стр. 109
العناية بالرضاع:
ثم دعا القرآن الكريم إلى اعطاء الطفل حقه كاملًا من الرضاعة فقال سبحانه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ , فقد أودع الخبير العليم الرءوف الرحيم في صدر الأم الغذاء المثالي الكامل لتغذية أطفالها دون ما نفقات أوأعباء, ونحن نستأنس بقول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ إلى ندب الأمهات بإرضاع أولادهن بألبانهن التي خلقها الله في صدروهن, من أجل المحافظة على الصحة النفسية والعقلية والجسمية لأطفالهن, وإلى عدم اللجوء إلى التغذية بالألبان الصناعية كلما أمكن ذلك؛ حيث أثبت كبار أطباء العالم المتحضر أن الرضاعة بالألبان الصناعية تؤدي إلى تخلف الأطفال في نموهم, وبصفة خاصة النمو العقلي, إذا ما استمرت حتى الفطام؛ لأنها ألبان لم تخلق لتغذية أطفال بني الإنسان١.
وإذا ما اختير للمولود مرضعة غير أمه وجب أن تكون سليمة العقل والجسم, وفي ذلك يقول الرسول الكريم -عليه أفضل الصلاة وأزكى التحية وأتم التسليم: "لا تسترضعوا الحمقاء ولا العمشاء, فإن اللبن يعدي" وأن تكون المرضع كذلك ذات تقى وخلق حسن, فإن من رضع لبن امرأة غلب عليه طبعها وخلقها٢.
ونحن إذا ما ذهبنا نتحدث عن حق الطفل في الإنفاق عليه, أو في رعايته دينيًّا وجسيمًّا وفكريًّا ونفسيًّا, أو في توجيهه وتزويده بالمعارف النافعة, إلى غير ذلك من حقوق كثيرة, لطال بنا المقام دون أن نستوفي الحقوق التي أوجبها الإسلام الذي سبق الدنيا الحديثة في وجوب رعاية الأطفال وحماية الطفولة بما أنزل الله من تشريعات, وبما ألزمنا به من واجبات قبل نابتة البلاد.
стр. 110
تأديب الولدان
...
تأديب الوالدان:
ولقد أحكم الرسول الكريم -عليه أفضل الصلاة وأزكى التحية وأتم التسلم- بيان ذلك في أوجز عبارة فقال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم" ابن ماجه عن أنس.
وإكرام الأولاد يتحقق بأداء حقوقهم والقيام بما يجب لهم من غذاء وكساء وإيواء وهواء وصيانة وتعليم, على ألّا تحملنا الشفقة عليهم والحب لهم إلى الاكتفاء بأداء هذا الواجب الماديّ, مع إهمال تقويمهم وترك تأديبهم, لذا فقد قال رسول الله -صلى الله عليه سلم: "أحسنوا أدبهم", أي كفوا أنفهسم عن المعاصي والمحرمات وطهروها عما لا يليق من سيء العادات، وقبيح الألفاظ والعبارات, وعودهم على التزام مايحمد قولًا وعملًا مما شهدت الشريعة بحسنه, فإن من لَازَمَ الآداب الشرعية حسنت حركته وسكونه ونطقه وصمته وعادته وعباداته ومعاملاته, ويقول رسول الله ﷺ : "كل ما صنعت إلى أهلك فهو صدقة عليهم" الطبراني في الكبير, عن عمرو بن أمية١.
أي: كل معروف أديته إلى أهلك قصد الاحتساب, فإنك تثاب عليه ثواب الصدقة ولو كان عملًا واجبًا حتمًا عليك أداؤه.
وهاء هو رسول الله ﷺ يدعونا إلى تشئة الصغار على القيم التي تبث التعاليم والفضائل الإسلامية في نفوسهم منذ الطفولة المبكرة, وتربيتهم على أداء العبادات والتمسك بالأداب منذ نعومة أظفارهم؛ ليشبوا ممارسين لها متمرنين على القيام بها, فيقول: "مروا أبنائكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين, واضربوهم عليها وهم أبناء عشر, وفرقوا بينهم في المضاجع" , أي: فرقوا بين البنين منهم والبنات في