← Адаб

Адаб · id 11735

دراسات في الفن الصحفي

إبراهيم إمام

Полный текст (364 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: ظهرت في السنوات الأخيرة كتب عديدة تناولت بالبحث تاريخ الصحافة، وتطور الصحف، وعلاقة هذا التطور بالظروف السياسية والاجتماعية. ولكن عددا قليلا من هذه الكتب هو الذي اهتم بالصحافة كفن. وقد رأيت أن أجعل "الفن الصحفي" موضوعا لدراسة عميقة تبدأ بتعريف هذا الفن، وعرض خصائصه ومميزاته، ثم بيان قوالبه المختلفة، وأنماطه المتعددة من خبر إلى تقرير إلى مقال إلى عمود إلى تحقيق صحفي إلى حديث. غير أن الفن الصحفي لا يقتصر على التحرير وحده، وإنما تلعب الصور والرسوم البيانية والكاريكاتورية والعناوين المنتشرة على عرض الصفحات، والعناوين الفرعية، فضلا عن الألوان وفنون الإعلان دورا هاما في إبراز الأفكار وتجسيدها، وتحويل المعلومات المجردة إلى معلومات ملموسة مجسدة. فإذا كانت النشرات العلمية، مثلا، تعنى بالجوانب الأكاديمية والنواحي النظرية من البحوث والدراسات، مما يخص العلماء والخبراء، فإن الفن الصحفي هو الذي يستطيع -بالتبسيط والتفسير والتجسيد والتشويق وجذب الانتباه- أن يعرض النظريات العلمية والدراسات الأكاديمية بأسلوب جديد شيق، يفهمه عامة الناس. فجوهر الفن الصحفي هو الإعلام ورواية الأحداث وتفسيرها، ثم توجيه الجماهير وإرشادها، فضلا عن امتاعها وتسليتها، وذلك باستخدام الأشكال والفنون الطباعية المختلفة. ولكن بيت القصيد في كل فن صحفي يكمن في ارتباطه

стр. 2

بالجمهور. ولذلك كانت أهم خصائص الفن الصحفي معالجة الأمور الصعبة بأسلوب سهل، وتفسير الانجازات العظيمة بعبارات سلسة بسيطة. ولكن، كيف يفعل الصحفي ذلك؟ هذا هو موضوع الكتاب الذي بين يديك. وفيه نحاول تقديم الفن الصحفي كوسيلة إعلامية من خلال الكلمة والصورة والعنوان والرسم، وعلاقة الشكل بالمضمون، مع بيان كيفية التجسيد والتبسيط التي يقوم بها الصحفي، والوسائل التي تساعده على ذلك. ولا بد في البداية من شرح أهداف الفن الصحفي وعلاقته بالمجتمع لمعرفة الوظائف والأغراض التي ينهض لتحقيقها، ثم نتناول بعد ذلك فنون التحرير المختلفة كإعداد للمضمون، ثم فنون الإخراج المختلفة كإعداد للشكل الذي لا يمكن فصله عن المضمون. إن الفن الصحفي في حقيقة الأمر هو الفن الإعلامي الكلاسيكي الذي تعلمت منه سائر الفنون الإعلامية الأخرى كالإذاعة والتليفزيون والسينما. فما أنجزه الفن الصحفي عبر القرون الطويلة منذ اخترع جوتنبرج المطبعة في منتصف القرن الخامس عشر حتى الآن من استخدام للحروف والخطوط والرسوم والأشكال والصور لعرض الفكر الإنساني وتبسيطه للجماهير، كان الصيغة الأساسية التي بنت عليها الإذاعة فنها المرتبط بالموسيقى والكلمة المسموعة والمؤثرات الصوتية، وكذلك التليفزيون بالصورة المرئية المتحركة المقترنة بالصوت والموسيقى، كما فعلت السينما نفس الشيء على شاشتها الكبيرة. فالفن الصحفي -إذن- هو فن الإعلام الكلاسيكي، الذي اشتقت منه سائر فنون الإعلام الأخرى أشكالها وفنونها وأساليبها طرائقها. فالنشرات الإخبارية، والتعليقات، والندوات، والتحقيقات والصور والإعلانات والجوانب القصصية والدرامية، تشترك جميعا في الفنون الإعلامية المختلفة، ولكنها ترتكز أساسا على خبرة الفن الصحفي الطويلة والمتنوعة.

стр. 3

فالذي يميز الفن الصحفي عن سائر الفنون هو ارتباطه الوثيق بالجماهير فضلا عن عموميته، ودوريته، وعلى هذا الأساس يسعى الفنان الصحفي إلى تحويل الفكر الأكاديمي المجرد إلى عرض فني منسق يستسيغه الجمهور دون أن يهبط إلى مستوى الإسفاف والمبالغة، وهذه هي المعادلة الصعبة أو التحدي العظيم الذي يواجه الفن الصحفي الحديث. وإني إذ أقدم هذه الدراسة للقارئ العربي أرجو أن يجد فيها معالجة جديدة للفن الصحفي. والله الموفق. يناير سنة ١٩٧٢. دكتور إبراهيم إمام

стр. 4

الباب الأول: ماهية الفن الصحفي مدخل ... الباب الأول: ماهية الفن الصحفي الفن الصحفي فن حضاري بالضرورة. إذا كان الشعر، مثلا، يزكو ويزدهر في البيئة البدوية، حيث تسود الحضارة الشفوية، فإن الفن الصحفي، على العكس من ذلك، فن يتصل بأسباب التحضر، وينتشر أكثر ما ينتشر في المدن. فالبيئة القروية أو القبلية المحدودة تكتسب فيها المعرفة بالتجربة المباشرة والشخصية؛ لأنه إذا كان جميع أفراد مجتمع من المجتمعات معدين ليفهموا بالتجربة المباشرة ما يجري من أحداث فإن الطرق العادية للاتصال الشخصي تكفي لنشر الأخبار في هذا المجتمع، ولا يحتاج الأمر لأي وسيلة من وسائل الإعلام الحديثة. ولكن المجتمع الذي يزداد نموه، وتتنوع تخصصاته، وتتعقد مشكلاته، لا يلبث أن يجد وسيلة الفن الصحفي ضرورة حتمية، تبعد كل البعد عن الخبرة الفردية المباشرة. ثم لا يلبث هذا المجتمع المتحضر أن تظهر فيه علوم وفنون وتخصصات بالغة التجريد والتعقيد، فيصبح الفن الصحفي حلا لصياغة المعرفة بطريقة عملية واقعية. وهكذا يكون الصحفي وسيطا اجتماعيا بين الخبير المتخصص من ناحية ورجل الشارع أو الرجل العادي من ناحية أخرى. وفي هذا الصدد يقول الكاتب الأمريكي المشهور والتر لبمان١: "إن المجتمع الحديث لا يقع في مجال الرؤية المباشرة لأحد، كما أنه غير مفهوم على الدوام، وإذا فهمه فريق من الناس، فإن فريقا آخر لا يفهمه". وهكذا يأتي الفن الصحفي للشرح والتفسير والتكامل.

стр. 5

فالفن الصحفي، إذن، هو فن حضاري، يرتبط بالتقدم العلمي، ويتطلب انتشار التعليم، لكي يجعل المجالات البعيدة والمعقدة في متناول الجمهور. والصحفي الناجح في المجتمع الحديث هو الذي يتقن مهارة الاتصال من خلال نشر الأخبار والتعليق عليها وتفسيرها، وتبسيط المعلومات وتجسيدها، وتقديم صور العالم وأحداثه بشكل واضح ومجسد ودرامي، وفي أشكال خالية من التجريد أو الأكاديمية أو التعقيد. ولا شك أن التقدم العلمي والتكنولوجي، ومد خطوط المواصلات كالسكك الحديدية، وتمهيد الطرق، وإنشاء خطوط الاتصال التليفونية والتلغرافية واللاسلكية تؤدي بالضرورة إلى تهيئة الجو الملائم لازدهار الصحافة، ويعتبر انتشار التعليم من أهم العوامل المشجعة للفن الصحفيِ، وبدونه لا يمكن للصحافة أن تقوم لها قائمة.

стр. 6

بين الصحافة والتحضر: وقد قام كثير من العلماء بدراسة العلاقة بين التحضر والفن الصحفي، وتحليل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والحضارية المؤثرة على الصحافة، نذكر منهم على سبيل المثال ريموند نيكسون١، وللبر شرام٢، ولازر سفيلد٣، غير أن أشهر هؤلاء جميعا دانيل ليرنر٤، الذي بدأ دراسة ميدانية في العامين ١٩٥٠ و١٩٥١ بستة دول من منطقة الشرق الأوسط هي: مصر وتركيا وسوريا ولبنان والأردن وإيران. وقد تضمنت هذه الدراسة أجراء مقابلات مع نحو ١٦٠٠ شخص، لمعرفة أثر تعرض الأفراد للفن الصحفي، وما يترتب عليه من تكوين اتجاهات نفسية معينة. ويرى ليرنر أن التحضر اتجاه عقلي لا يتحقق إلا في المجتمعات المتطورة. ويقول أن هناك علاقة وثيقة بين التحضر والتعليم والصحافة، فالانتقال إلى المدن

стр. 7

يزيد من نسبة المتعلمين، وهذه الأخيرة تعني نسبة عالية ممن يقرءون الصحف، كما أن قراءة الصحف تؤدي إلى فهم أفضل للمجتمع، ومشاركة فعالة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. فالانتقال إلى المجتمع الحضري يأتي في المرحلة الأولى، وفي نطاق المدن تنشأ المدارس والمعاهد، وتمحى الأمية، فيتهيأ الجو لظهور الصحافة، ثم لا يلبث الفن الصحفي نفسه، بما له من قدرة على التبسيط والشرح والتجسيد، أن يضع في متناول الجماهير مفاهيم المجتمع الحديث. فهنا يتعاون المندوب مع المحرر مع المراجع والخطاط والرسام والمصور والمخرج الصحفي لتحويل المعرفة المجردة إلى معلومات مجسدة، والنظريات الأكاديمية إلى معلومات حية، والأفكار العامة إلى موضوعات شيقة جذابة. ويقول ليرنر أنه حينما تصل نسبة الذين يعيشون في المدن إلى ١٠% تزداد نسبة المتعلمين بشكل محسوس لأن تطور التعليم بعد ارتفاع نسبة المقيمين في المدن ١٠% يصبح اقتصاديا. وحين تصل نسبة التعليم إلى ٢٥% تصبح أداة الاتصال في المجتمع هي الصحافة التي تؤثر بدورها على المجتمع وعلى الشخصية الإنسانية التي تتميز بالمرونة والقدرة على التصور أو التقمص الوجداني، وهذه القدرة من أهم مميزات المجتمع المتحضر -في نظر ليرنر. فالمجتمع التقليدي البدائي يتسم بالجمود والانعزال والتمزق. جماعاته صغيرة، وقراه منعزلة، أجزاؤه متباعدة، أفراده بسطاء، وإدراكهم محدود. فهم لا يصلون إلى المعرفة إلا عن طريق التجربة المباشرة الملموسة. ولا يتصورون الانتماء إلى أمة كبيرة، وإنما يحسون بالانتماء إلى الأسرة أو القبيلة أو القرية. والصحافة كقوة حضارية، تخلق هذه الشخصية الجديدة المرنة، القادرة على التخيل والتحرك الوجداني، ولا تلبث هذه الشخصية أن تصبح دليلا على التطور والتقدم. ولا شك أن الفن الصحفي هو فن بصري بالدرجة الأولى؛ لأنه فن قائم على قراءة الكلمة المطبوعة ومشاهدة العناوين والصور والألوان

стр. 8

والإعلانات، ولا يمكن للأميين أن يشاركوا في حضارة القن الصحفي، ولكن التحضر والتعليم يهيئان الفرصة لظهور الصحافة، التي تعمل على نشر المعلومات بين كافة الناس. وهناك معامل ارتباط إيجابي مرتفع بين التعليم وارتفاع توزيع الصحف اليومية كما يتضح من الجدول التالي: ففي حين لا تحتاج مشاهدة الفيلم السينمائي إلى نسبة عالية من المتعلمين، نجد أن الصحافة تحتاج إلى نسبة عالية من المتعلمين، كما أن هناك معامل ارتباط إيجابي مرتفع بين التحضر والصحافة. والحقيقة أن الصحافة تعمل كقوة دافعة لزيادة التمثيل الشعبي والمشاركة السياسية، والمساهمة الاقتصادية، والوحدة الفكرية، والإحساس بالانتماء إلى الأمة، وخلق الرأي العام، على أنه ينبغي أن نؤكد العلاقة المتبادلة بين الصحافة والتحضر فكلاهما مؤثر في الآخر ومتأثر به.

стр. 9

ماهية الفن الصحفي: ونحن نذهب إلى أن هناك فرقا بين الصحافة والفن الصحفي. فالصحافة هي النشر عن طريق الوسائل المطبوعة دوريا بصرف النظر عن استخدام الفن الصحفي، فهناك صحف لا يتوفر فيها الفن الصحفي، في حين أننا قد نجد كتبا تتوفر فيها أصول الفن الصحفي، وخاصة تلك الكتب الدورية التي تصدرها دور النشر لتبسيط العلوم الحديثة، أو لتقديم الفنون والمدارس الفلسفية المعاصرة. بل إن الفن الصحفي نفسه قد أثر على بعض الدارسين والباحثين الذين أخذوا في السنوات الأخيرة يقدمون ثمرات أفكارهم بطرق حديثة، تتميز بالطابع الذي يتميز به الفن الصحفي من معالجة تفسيرية واضحة تعززها الصور والرسوم الإيضاحية، فضلا عن التجسيد الفني والمسرحة والتكرار، واختيار الكلمات ذات الشحنة التأثيرية، فضلا عن الحيل البلاغية الجديدة التي تنم عن الواقعية والحيوية والمشاركة. إن بحثا أكاديميا أو علميا جادا، بمصطلاحات العلم المجردة، أساليب التعبير الأكاديمية، وطرق الاستدلال المنطقية، لا يعتبر من الفن الصحفي في شيء، حتى لو نشر في صحيفة سيارة ذات توزيع مرتفع، ولكن عندما يأتي الفنان الصحفي، ويأخذ هذا البحث الأكاديمي المجرد، ليعالجه علاجا جديدا بالتبسيط والتجسيد والتصوير، والتشبيه الواقعي الحي، مستعينا بفنون الإخراج الصحفي من عناوين وصور ورسوم وكاريكاتور، وأهم من ذلك كله لغة واقعية خالية من التعقيدات المجردة، فيصح القول بأن هذه هي بداية الفن الصحفي. وهكذا يمكن اعتبار الفن الصحفي رؤية جديدة للعالم، تنطبق مع رؤية الشخص العادي. بمعنى أن الفنان الصحفي يترجم المصطلحات الجامدة المجردة المعقدة إلى مصطلحات الواقع العملي النابض بالحياة. وهنا نجد أن الفن الصحفي فن ابتكاري بكل معنى الكلمة. فالسؤال الذي يطرحه الفنان الصحفي دائما هو: كيف يمكن أن تصل هذه المعلومات إلى الجمهور بطريقة مفهومة مستساغة؟ ولقد عولجت الكثير من المدارس الفنية والفلسفية والعلمية الحديثة رغم صعوبتها -كالمنطق الوضعي والوجودية والنسبية والتكعيبية- بمصطلحات الفن الصحفي، فأمكن نشرها بين الجماهير. ومع ذلك، فإن الفن الصحفي كثيرا ما يهدد الأفكار الجادة بالمبالغة والتشويه، عندما يغالي الفنان الصحفي في أسلوبه وطريقته. فإذا أقحمت المسرحة أو الدراما على النص دون مبرر، أو إذا أمعن الفنان الصحفي في الإثارة والتسلية والمفاجأة، فإنه قد ينزلق من الإيضاح إلى التشويه، ومن التفسير إلى ارتجال مضمون مختلف، ولذلك فإننا قلما نجد الخبراء والعلماء راضين عن المعالجة الصحفية، مهما كانت فذة، وذلك رغم الجهود المضنية التي

стр. 10

يبذلها الفن الصحفي من أجل إزاحة التراب عن التراث القديم وتقديمه بأسلوب شيق بديع، أو إزالة التعقيد عن الدراسات الجادة الحديثة، وتبسيطها للجماهير بمصطلحات عادية مفهومة، إن الفن الصحفي، في يد المبتدئ، قد يؤدي إلى ضياع الفكرة الأصلية، بحجة أن الكاتب يحاول تقديم فكرة أحدث، أو إجراء تحسينات أفضل. ولكن الفن الصحفي الناضج هو الذي يبسط دون تشويه، ويجسد دون مبالغة، ويصور دون مغالاة، ويحدث الجماهير دون إسفاف. والاتجاه الحديث في الفن الصحفي يتمثل مثلا في صحف الشرح وتفسير الأخبار وخاصة المجلات الأسبوعية على غرار تايم١، ونيوزويك٢، ودير شبيجل٣، وكذلك المجلات المصورة مثل لايف٤، ولوك٥، وباري ماتش، كما يتضح الفن الصحفي في المجلات الثقافية على غرار ريدرز دايجست٦ الشهرية. بل إننا لا نبالغ إذا قلنا أن هناك صناعة نشر جديدة في جميع أنحاء العالم المتحضر تقوم على أساس الفن الصحفي في تبسيط العلوم والفنون والآداب. وقد بلغ الاهتمام باستخدام الفن الصحفي في نشر التراث القديم، والكتب الجديدة حدا بالغ الأهمية، حتى إن العالم الأمريكي ستيفنسون٧ يفسر الفن الصحفي على أنه نوع من الامتاع أو اللهو الذي يشعر فيه القارئ بالاستغراق. وقد بنى ستيفنسون نظريته على أساس بحوث العالم الهولندي هوزنجا٨ مؤكدا أن الأحداث السياسية تقدم بطريقة قصصية أو مسرحية، وكذلك أخبار الجريمة، وأنباء الفضاء، والحرب والسلام.

стр. 11

مراحل التطور الصحفي: وقد وجدنا من مجمل دراساتنا للصحافة العالمية أن الفن الصحفي بالمعنى الذي نذكره لم يبدأ مع ظهور الصحافة، ولكن الفن الصحفي قد أخذ في الظهور حوالي منتصف القرن التاسع عشر، عندما بدأت الظروف المواتية لذلك. فقد لاحظنا أن للتطور الصحفي إيقاعا محددا في تطوره عبر التاريخ. فالصحافة تبدأ رسمية تتحدث باسم السلطات الحاكمة، ثم لا تلبث أن تتطور مع ظهور الطبقة البرجوازية لخدمة الأغراض المالية والاقتصادية والرأسمالية مباشرة. ولكنها لا تلبث أن تقع في أيدي الأحزاب السياسية المتطاحنة فتصبح لسان حالها وعالة عليها. وفي جميع هذه المراحل، يتطور الفن الصحفي حتى يصل إلى مرحلة النضج والاستواء. فعندما تستقل الصحافة كمشروعات إعلامية، بعيدا عن سلطة الحكومة المباشرة، وبعيدا عن سيطرة الأحزاب، يبدأ اعتماد أصحاب المشروعات على الفن الصحفي للترويج والإمتاع وجذب الأنظار والتشويق والإعلام والتفسير، بل والتسويق عن طريق الإعلانات، التي تشكل نسبة عالية من الإيرادات، وقد تصل إلى ٧٠% أو أكثر، كما تعتمد على التوزيع الجماهيري الضخم الذي يستجلب الإعلانات. وهنا تبدأ سعة الانتشار والجماهيرية والعمومية في خلق الجو المناسب للفن الصحفي الجديد، في بيئة حضرية، بل قد تكون بيئة صناعية، تتوفر فيها أسباب التقدم العلمي والتفوق التكنولوجي اللازمين لازدهار الصحافة الحديثة. ثم يظهر خطر الانزلاق إلى الصحافة الصفراء، صحافة نشر أخبار الجريمة والعنف والجنس والإثارة. وتقع الصحف فريسة للاحتكارات الكبرى، وتستغل استغلالا اقتصاديا، دون ما نظر لخطورة تأثيرها على وجدان الأمة ونفسية الجماهير. وربما يكون الحل أحيانا هو تأميم الصحافة كما حدث في بعض الدول الاشتراكية، أو تنظيمها كما حدث في مصر سنة ١٩٦٠. ومع ذلك فإن سعة الانتشار والجماهيرية ومحاولة الوصول إلى فئات الشعب المتعددة، والتأثير في الرأي العام، ثم شعبية الثقافة وجماهيريتها، فضلا عن الإيمان بالقيم الديمقراطية -كل هذه عوامل بناءة لنشأة الفن الصحفي الحديث.

стр. 12

الفن الصحفي في الولايات المتحدة الأمريكية ... الفن الصحفي في الولايات المتحددة الأمريكية: فقد بدأت الصحافة الأمريكية في الظهور يوم ٢٥ سبتمبر سنة ١٦٩٠ بنشرة اسمها "الوقائع العامة الخارجية والمحلية" ولم يصدر منها سوى عدد واحد لأنها طبعت "دون أدنى علم أو موافقة من السلطات". وبعد أربعة عشر عاما، وفي ٢٤ أبريل سنة ١٧٠٤، أسس جون كامبل١ صحيفة بوسطن نيوزليتر٢، التي كانت تستقي أخبارها من لندن. ثم صدرت عدة صحف في القرنين الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وكانت الأخبار تخضع لفكرة تغيرت -منذ ذلك الحين تغيرا جذريا- ألا وهي فكرة الظن بأن ليس للجريدة أن تكتب عن الأحداث الكبرى التي تقع في المدن لأن صغر هذه المدن يمكن كل إنسان من مشاهدة تلك الأحداث ومعاينتها شخصيا. وقد تعرضت الصحف لكبت الحكومات، وفرض الضرائب الباهظة عليها، مما حدا بها إلى الارتماء في أحضان الأحزاب السياسية لحمايتها، وأخذت الصحف تؤيد الفئات السياسية، وتتجنى على الحقائق. ولم يكن توزيع الصحف مرتفعا، بل إن أكثر الصحف رواجا كان لا يزيد توزيعها عن الأربعة آلاف نسخة إلا بقليل. وفي بداية القرن التاسع عشر كان عدد الصحف الصادرة في الولايات المتحدة الأمريكية نحو ٢٠٠ صحيفة، بل إنها بلغت ١٤٠٣ صحيفة سنة ١٨٤٠، ووصلت إلى ٢٨٠٠ صحيفة سنة ١٨٥٠. وقد أدى الحلف الوثيق بين السياسة والصحافة إلى هبوط الصحف الحزبية إلى الدرك الأسفل في ميدان التهجم على الكرامات والتشهير والتحقير. وهكذا عرفت الصحافة في ذلك العصر باسم الصحافة السوداء. فلم يكن التحيز مقصورا على المقالات والتعليقات، بل تجاوز ذلك إلى أعمدة الأخبار نفسها، مما جعل الصحيفة مجرد نشرة حزبية خالية من الفن الصحفي تماما. ولم تكن الصحف في مستهل القرن التاسع عشر تباع إلا باشتراك سنوي، وكان ثمن الاشتراك في الجريدة يتراوح بين ثمانية دولارات وعشرة. وفي سنة ١٨٣٠ حدث تطور جديد في سعر الجريدة، عندما أرادت "ديلي كورير" أن تخفض السعر إلى أربعة دولارات.

стр. 13

إلا أن الثورة الحقيقية في سعر الصحيفة، ثم في جماهيريتها وسعة انتشارها، قد نشبت سنة ١٨٣٣ عندما أصدر هوراس جريلي١ أول صحيفة زهيدة الثمن وهي مورننج بوست٢، ومع أن التوزيع كان ضئيلا، فقد ظهرت صحافة البنس الواحد لأول مرة في تاريخ أمريكا، وأصبحت الصحيفة في متناول الجميع. وبازدياد التقدم الآلي، وظهور الطابعات الحديثة، ارتفع توزيع الصحف، وبلغ توزيع نيويورك هيرالد٣ ٧٧ ألف نسخة يوميا. وبلغ توزيع "تربيون" ٢٠٠ ألف نسخة، و"لدجر"٤ ٤٠٠ ألف نسخة. وعندما تحول الاهتمام من المقال إلى الخبر خلال الحرب الأهلية وبعدها، وارتفعت أرقام التوزيع مرة أخرى، وخاصة عندما دخل "جوزيف بوليتزر" و"وليام راندولف هيرست" إلى ميدان الصحافة الشعبية، ظهور الصحافة الصفراء، وهي صحافة الإثارة الرخيصة. وما لبثت الصحافة أن سقطت في يد الاحتكارات الصحفية الضخمة، كما سقطت المشروعات الاقتصادية في أيدي الاحتكاريين، وهو الوضع الذي يتفاقم يوما بعد يوم في الصحافة الأمريكية الحديثة. غير أننا نلاحظ أن ارتفاع التوزيع الضخم، وزيادة الإعلانات زيادة وفيرة، ورقي الأساليب الفنية والتكنولوجية، قد أثر تأثيرا بالغا على الفن الصحفي الأمريكي وخاصة نتيجة للتفوق المذهل في فنون التصوير ونقل الصور سلكيا ولاسلكيا.

стр. 14

الفن الصحفي في فرنسا: وفي فرنسا أيضا، بدأت الصحافة رسمية حكومية. وسواء كانت صحيفة الجازيت٥ التي أصدرها رينودو٦ في ٣٠ مايو سنة ١٦٣١ هي الصحيفة الأولى في فرنسا، أو أن هناك صحيفة أخرى صدرت في نفس العام، فإن الصحافة قد صدرت رسمية في فرنسا، وظلت خلال القرن السابع عشر خاضعة لرقابة شديدة من الحكومة والملك بما في ذلك صحيفة جورنال دي سافان١ العلمية الأدبية، وميركور٢ الأدبية الاجتماعية. وجدير بالذكر أن عدد الصحف التي تخصصت في الأدب كان كثيرا. كما أن طريقة التشويق في القصص، والنشر على هيئة مسلسلات في الأعداد المتتالية، كانت من الأفكار الجديدة، ولكن الظروف لم تكن قد تهيأت بعد لظهور الفن الصحفي الحديث، وخاصة بعد سقوط الصحف في أيدي الأحزاب المتطاحنة. فقد كانت الصحف اليمينية واليسارية على السواء تصطنع الهجوم الشديد، كما أخذت بعض الصحف تمجد في أعمال العنف والإرهاب وخاصة خلال عامي ١٧٩٠ و١٧٩١. غير أن اتجاهات الأدباء والفلاسفة في الكتابة الفلسفية المجردة، وكذلك المشاحنات الدينية والسياسية، لم توفر الجو المطلوب للفن الصحفي الحديث. وهنا أيضا يبرز الفرق بين الصحافة والفن الصحفي. فالمجادلات النظرية، فالمجادلات النظرية والمشاحنات الدينية، والصراعات السياسية، والفلسفات المجردة، كانت أبعد ما تكون عن نفوس الفراء. ثم اقترن تطور الصحافة بظهور أول جريدة زهيدة الثمن كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك عندما أصدر إميل دي جيراردان٣ أول صحيفة من هذا النوع اسمها لابرس٤ وذلك في أول يوليو سنة ١٨٣٦، كما صدرت في نفس اليوم صحيفة لوسيكل٥ زهيدة الثمن أيضا. والحقيقة أنه في سنة ١٨٣٦ كانت في مدينة باريس نحو عشرين جريدة تطبع كل منها ٧٠.٠٠٠

стр. 15

نسخة، وبعد عشر سنوات بلغ عددها ستا وعشرين صحيفة وبلغ عدد مشتركيها ١٨٠.٠٠٠ مشتركا. وكما سقطت الصحافة الأمريكية في وهدة العنف والجنس والإثارة، فيما يسمى بالصحافة الصفراء، سقطت الصحافة الفرنسية أيضا إلى نفس الدرك بصدور صحيفة "لو بيتي جورنال"١ في أول فبراير سنة ١٨٦٣، وقد كان صاحبها ميللو٢ يبيعها بخمس سنتيمات فقط ولكنها كانت مليئة بالأخبار التافهة، وخاصة أخبار الجريمة والحوادث الدامية. والغريب أن حكام فرنسا كانوا يرحبون بهذه الاتجاه، على أنه خير طريقة لتحويل أنظار الناس عن الأمور السياسية والاقتصادية. والحقيقة أن عصر ازدهار الفن الصحفي في فرنسا يقع في عهد الجمهورية الثالثة وهي التي استمرت حوالي ٤٤ عاما من بعد حرب سنة ١٨٧٠ إلى بداية الحرب العالمية الأولى. وقد ساعد على ميلاد الفن الصحفي وازدهاره ظاهرة التحضر التي سبق الإشارة إليها، ونعني بها التقدم الصناعي الذي جذب عددا هائلا من سكان الريف إلى المدن، وتحسن طرق النقل والمواصلات نتيجة لتقدم الصناعة واختراع التلغراف والتليفون، وتطور صناعة مواد الطباعة من حروف وكليشهات، واختراع آلة الطباعة البخارية بفضل كونيج الإنجليزي، وبدء استخدام الليونوتيب والروتاتيف أي الطباعة الدوارة. وذلك فضلا عن زيادة عدد القراء نتيجة لظهور الصحيفة زهيدة الثمن، وانتشار الإعلانات وزيادتها. غير أن التعليم كان قوة دافعة للفن الصحفي، فانتشار التعليم الابتدائي في تلك الحقبة قد ضاعف عدد قراء الصحف، كما تضاعف عدد الناخبين وزاد اهتمامهم بأداء الواجبات المدنية والوطنية ومتابعة الأخبار الصحفية. يضاف إلى ذلك أن التوسع الاستعماري لفرنسا في تلك الفترة، قد ألهب حاسة الفضول عند الجماهير، وحمل الصحف المسئولية إشباع تلك الحاسة. وفي بداية القرن العشرين بلغ عدد الصحف الصادر في فرنسا نحو ٦٠٠٠ صحيفة. غير أن ظهور الاحتكارات الكبرى ما لبث أن خفض عدد هذه الصحف تخفيضا هائلا. فامتكلت وكالة هافاس خمس صحف، أما وكالة هاشيت فقد كانت قبل الحرب تقوم بتوزيع الصحف بصفة احتكارية، كما تقوم بذلك حتى الآن.

стр. 16

الفن الصحفي في بريطانيا: وتعطينا الصحافة الإنجليزية نموذجا طيبا لدراسة ظهور الفن الصحفي وازدهاره عندما تتهيأ الظروف لذلك. وقد صدر أول كتاب أخباري منتظم الصدور في إنجلتزا سنة ١٦٢٢، وكان يصدر رسميا باسم السلطات الحكومية. وما لبثت الصحف أن غرقت في تيار الثورة الطاحنة، والمنازعات الدامية بين الملكيين والبرلمانيين. أما أول صحيفة إنجليزية بالمعنى المفهوم من اللفظ الحديث من حيث الشكل وثبات الاسم وانتظام الصدور، فهي صحيفة أكسفورد جازيت١ التي صدرت سنة ١٦٦٥ ثم تحول اسمها إلى لندن جازيت٢ بعد عودة الملك والحاشية إلى العاصمة، ولا زالت هذه الصحيفة تصدر رسمية حتى يومنا هذا، وفي نفس حجمها الأصلي. وقد ساعد إلغاء قانون الترخيص سنة ١٦٩٥ على ازدهار الصحف، فصدرت أول صحيفة يومية في ١١ مارس سنة ١٧٠٢ وهي "ديلي كرنت٣" كما ظهرت صحف أقليمية عديدة. وقد كان للنهضة العلمية والتعليمية واتساع الإمبراطورية أثر كبير في تقدم الصحافة، وتقارب الأفكار، وتهيئة الجو لخلق رأي عام مستنير. وسرعان ما تدهورت الصحافة الحزبية بعد انشقاقها بين الهويج "الأحرار" والطورى "المحافظين"، وكانت المهاترات بين الجانبين تصل إلى حد الفحش والبذاءة في التعبير. ثم كان للضرائب الفادحة أثر بالغ أيضا في تخلف الصحافة. ومما لا شك فيه أن إلغاء ضريبة الصحف كانت نقطة التحول بين الصحافة القديمة.

стр. 17

والصحافة الحديثة. ففي سنة ١٨٥٥ ظهرت صحيفة "ديلي تلجراف" وثمن النسخة منها بنس ونصف فقط. ثم ظهرت صحف أخرى زهيدة الثمن مثل ديلي نيوز١ سنة ١٨٦٨، ومورننج بوست٢ سنة ١٨٨١، وديلي كرونكل سنة ١٨٧٧. غير أن الثورة الحقيقية في الفن الصحفي الإنجليزي كانت على يد اللورد نورثكليف الذي أصدر صحيفة ديلي ميل٣ سنة ١٨٩٦ وثمنها نصف بنس، فكانت ثورة جديدة في التحرير والإخراج، ثم ما لبثت أن تبعتها صحف أخرى أهمها ديلي إكسبريس٤ التي صدرت سنة ١٩٠٠. وقد أتاح نمو التعليم وخاصة بعد سنة ١٨٧٠ زيادة عدد القراء، فكان ظهور الصحافة الشعبية بعد ذلك ثمرة للتحضر، والازدهار الصناعي والعلمي، وانتقال السكان من الريف إلى الحضر، ولا شك أن تجانس سكان بريطانيا، وصغر مساحتها، وتقدمها الاقتصادي والصناعي، وارتفاع مستواها الحضاري، يجعل صحافتها في مقدمة صحف العالم. ولكنها عانت هي الأخرى من السقوط في تيار الصحافة الصفراء، وغرقت بعض الصحف -ولا تزال- في تيار الفضائح والعنف والجنس والجريمة. كما اتضحت ظاهرة الاحتكارات الصحفية الكبرى عقب الحرب العالمية الأولى، وبلغت ذروتها سنة ١٩٣٠. غير أن قمة الاحتكار قد ظهرت عندما اشترى اللورد طومسوز -المليونير الكندي المشهور- صحيفة التيمس٥ الإنجليزية، التي كانت دائما بمثابة مؤسسة حضارية كبرى، يزهو بها الإنجليز، ويضعونها في صف البرلمان والجامعة. ولكن من الطريف أن هذه الجريدة العتيدة، قد مسها تيار الفن الصحفي، وأخذت تجدد من نشاطها، وتتبع أساليب حديثة في الإخراج، كما أنها نأت عن التقليد الراسخ الذي كان يقضي بوضع الإعلانات في الصفحة الأولى، واتبعت أسلوبا جماهيريا جديدا، يجعل للخبر الصحفي مكانه الطبيعي اللائق به في الصفحة الأولى.

стр. 18

الصحافة في العالم العربي: وإذا انتقلنا إلى العالم العربي وجدنا نفس التطور الذي يبدأ بالصحافة الرسمية، ثم الحزبية، ثم الصحافة التي تحاول الاستقلال، كما تظهر الصحافة الصفراء في بعض البلاد العربية، وتبدو ظاهرة التكتلات الصحفية أيضا، ولكن بصورة مخففة وغير حادة وأقل كثيرا مما هي في البلاد الرأسمالية الغربية، كما تظهر إجراءات التنظيم الاشتراكي فيما بعد كمحاولة للقضاء على الفوضى والاستغلال والانحراف. فأول صحيفة مصرية باللغة العربية كانت صحيفة الوقائع المصرية التي صدرت سنة ١٨٢٨ في القاهرة. وفي دمشق صدرت صحيفة "سورية" سنة ١٨٦٥ وكانت رسمية مثل صحيفة "غدير الفرات" التي صدرت سنة ١٨٦٧ في حلب. وكان أول صحيفة تصدر في بغداد سنة ١٨٦٩ هي "الزوراء" الرسمية وكذلك صحيفة "الموصل" سنة ١٨٨٥. وفي الحجاز كانت صحيفة "القبلة" الصادرة سنة ١٩٢٤ صحيفة رسمية. وكذلك كانت صحف "الغازيتة" السودانية" الصادرة سنة ١٨٩٩، و"الرائد التونسي" الصادرة سنة ١٨٦٠، و"المغرب" الصادرة سنة ١٨٩٩، كلها رسمية. والحقيقة أن الحملة الفرنسية على مصر هي التي أصدرت أول صحيفتين في العالم العربي باللغة الفرنسية وهما بريد مصر١ والعشرية المصرية٢. وكانت الأولى للجيش الفرنسي وأفراده المنتشرين في جميع أنحاء البلاد. أما الثانية

стр. 19

فكانت صحيفة علمية لدراسة شئون مصر الاجتماعية والاقتصادية وهي صحيفة المجمع العلمي. وقد حاول الجنرال مينو إصدار صحيفة عربية اسمها التنبيه وذلك سنة ١٨٠٠ برئاسة الشيخ الخشاب، ولكن هذا المشروع لم يتحقق. وفي سنة ١٨١٣، أصدر محمد علي قراراته الإدارية بتقسيم البلاد إلى مديريات وأقسام، وأصدر بعد ذلك تقريرا دوريا اسمه "الجرنال" يحتوي على معلومات دقيقة عن حساب الأقاليم، وشئونها الإدارية. غير أن هذا "الجرنال" كان محدود التوزيع بمائة نسخة، فكانت الصحيفة المصرية الحقيقية الأولى هي صحيفة "الوقائع المصرية" التي صدرت في ٣ سبتمبر سنة ١٨٢٨، التي لا تزال تصدر رسمية حتى يومنا هذا. وفي عهد إبراهيم صدرت صحيفة رسمية أيضا "حيث استنسب عندنا في هذه الدفعة ترتيب جرنال يحتوي على الإعلانات الملكية والأخبار التجارية لأجل الحصول على الفوايد العمومية، واستصوب أن يرسل لكل من كافة البنادر والقرى صورته الآتي نظيرها أدناه ليحصل لكل أحد فايدة من الجرنال المذكور، وبما أن الحصول على ذلك كما يجب فهو منوط لإرسال الإفادات والكشوف والإعلانات المقتضى جلبها لديوان المدارس جمعة بجمعة ددون توقف١ ولذلك أطلق على هذه الصحيفة الجديدة اسم "الجرنال الجمعي". وفي عصر إسماعيل صدرت صحيفتان رسميتان إلى جانب "الوقائع المصرية". فما وافت سنة ١٨٦٥ حتى صدرت "يعسوب الطب" التي أشرف عليها محمد علي باشا الحكيم وكانت أول مجلة طبية في الشرق، "والجريدة العسكرية". التي عنيت بالمعارف والثقافة العامة إلى جانب عنايتها بالشئون العسكرية. وحتى مجلة "روضة المدارس" التي أنشأها علي باشا مبارك سنة ١٨٧٠ بعد إنشاء مدرسة الهندسة ومدرسة الحقوق وبعض المدارس الصناعية والتجارية والزراعية، كانت رسمية أيضا.

стр. 20

ثم بدأت الصحافة الشعبية في الصدور سنة ١٨٦٦، وهي نفس السنة التي شهدت مجلس شورى النواب الذي أنشأه إسماعيل، وكذلك جريدة وادي النيل التي أوعز بإصدارها أيضا لعبد الله أبي السعود. وعندما احتل الإنجليز مصر، أوعز المنوب السامي البريطاني إلى أصحاب المقتطف أن ينشئوا صحيفة يومية سياسية، تعبر عن المصالح البريطانية كما كانت الأهرام تعبر عن المصالح الفرنسية. فتقدم يعقوب صروف وفارس نمر وشاهين مكاريوس إلى إدارة المطبوعات في ١٨ أبريل سنة ١٨٨٨ يرجون الترخيص لهم بإنشاء جريدة المقطم. وفي نهاية القرن التاسع رأى الخديو عباس الثاني أنه من الضروري كسب تأييد الرأي العام المصري، والوقوف في وجه المعتمد البريطاني، والرد على مفتريات الصحف الإنجليزية والفرنسية، وصدور جريدة المؤيد في أول ديسمبر سنة ١٨٨٩ لصاحبها الشيخ علي يوسف للتعبير عن مصالح المصريين عامة، وصالح الخديو خاصة، ولتكون المتحدثة بلسان حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية. وفي مستهل هذا القرن نجد أن الأحزاب القديمة والجمعيات السرية التي تكونت في القرن التاسع عشر، قد أصبحت أحزابا علنية قوية تامة التنظيم فتكون الحزب الوطني بزعامة مصطفى كامل سنة ١٩٠٦، كما ظهر حزبان آخران هما حزب الأمة الذي كان يوجهه أحمد لطفي السيد، وحزب الإصلاح على المبادئ الدستورية الذي سبقت الإشارة إليه. ولم تكن الأحزاب تصدر صحفا إخبارية فحسب، وإنما كانت تدافع عن قضية البلاد. فيمكن القول أن صحف الأحزاب الأولى كاللواء والعلم لسان حال الحزب الوطني، والمؤيد لسان حال حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية، والجريدة لسان حال حزب الأمة -كانت في الحقيقة نشرات يومية إعلامية لتوجيه الشعب إلى طريق الحرية، كل منها بالطريقة التي آمنت بها. ثم تكونت أحزاب أخرى، كان لكل منها صحيفة أو عدة صحف: فلحزب الوفد صحف البلاغ، وكوكب الشرق، والمصري، والوفد المصري، وصوت الأمة،

стр. 21

والنداء والجريدة المسائية وغيرها. وكان لحزب الأحرار الدستوريين صحيفة السياسة التي أصدرها محمد حسين هيكل في ٣٠ أكتوبر سنة ١٩٢٢، وهي من أنضح الصحف المصرية من حيث الأخبار والدراسات. وعن جريدة السياسة تؤثر حركات التجديد لتحرير المرأة، والنقد البرلماني والدراسات الأدبية والاجتماعية التي كان يقوم بها طه حسين ومحمود عزمي وغيرهما. ثم تألف حزب جديد عقب مقتل السردار في سنة ١٩٢٤، هو حزب الاتحاد وأنشأ له صحيفة الاتحاد التي لم يؤثر عنها فضل يذكر، ثم وجد حزب الشعب في سنة ١٩٣٠، وأصدر صحيفة خاملة الذكر هي الأخرى، عرفت باسم الشعب. وتكونت أحزاب عديدة كحزب الكتلة الوفدية الذي أصدر صحيفة الكتلة ورأس تحريرها رئيس هذه الكتلة المنشقة على الوفد وهو مكرم عبيد، كما أصدر الحزب السعدي المنشق على الوفد أيضا صحيفتين هما الدستور والأساس. ومن الواضح أن المصريين في هذه الفترة قد تفرقوا أحزابا متنافرة، وشيعا متنابذة. فبعد أن كانوا متكتلين جميعا كالبنيان المرصوص في كفاحهم الشعبي الرائع ضد الاستعمار سنة ١٩١٩، نجد أن الدستور الصادر سنة ١٩٢٣ قد ألهاهم عن قضية البلاد الكبرى وهي الاستقلال. وهكذا تنابذ الحكام، وتراشقوا بالسباب والشتائم في خطب ألقوها وكتب أصدروها، ومقالات نشروها في صحفهم على الناس. وفي غمرة السعي للوصول إلى دست الحكم نسيت القضية العظمى للبلاد وهي الاستقلال، وتدهورت صحف الرأي التي كانت تعبر عن قضية مصر، وانحرفت أجهزة التعبير منزلقة في تيار من اللؤم والخبث والخداع فلم تعد هذه الصحف لسان حال الشعب، وإنما أضحت تعبيرا بغيضا عن الأطماع، وكان الاستعمار يشجع هذه التيارات بالمال والأخبار والشائعات. وذلك مسخا للحركة الوطنية، وإمعانا في صرف النظر عن الأهداف السامية. غير أنه في خلال الحرب العالمية الثانية، أخذ المصريون يتنبهون إلى أهمية الصحافة وفنونها الحديثة. وكانت صحيفة المصري قد أخذت بأسباب النهضة

стр. 22

الصحيفة الشاملة وبعثت مراسليها إلى الخارج، وتقدمت في فنون الإخراج والتصوير. وقامت بعض المجلات المصرية، كالمصور وروزاليوسف، بفضح نظم الجيش البالية، وإزاحة الستار عن أسرار الأسلحة الفاسدة. وجاءت هزيمة العرب في حرب فلسطين هزة عنيفة دفعت الصحافة إلى النقد والنقد الذاتي، والاستقصاء والبحث. وقد جاء في مذكرة وزارة الإرشاد القومي المرفوعة إلى مجلس قيادة الثورة في ١٥ أبريل سنة ١٩٥٤ ما يلي: "يتبين من مراجعة كشوف المصاريف السرية، أن صحفا حاولت أن تظهر أمام الرأي العام بمظهر الصحافة الوطنية ذات الرأي والعقيدة، وهي في الواقع صحف كانت تتقاضى ثمن آرائها من المصروفات السرية، فكانت أسماء الصحف الحزبية تظهر في كشوف المصاريف السرية، وتختفي مع الوزارات الحزبية وكان البعض الآخر مما يبدو أنه مستقل أو معارض، يتلقى من فيض المصاريف السرية في كل العهود أو أكثرها، ويؤدي الثمن كتابات ظاهرها الوطنية والحماسة للنقد بغير ثمن.

стр. 23

من الصحافة الرسمية إلى الصحافة الشعبية: وعندما كانت الصحافة رسمية في بدايتها، احتلت الأخبار السياسية والحربية أكبر مساحة من نشاطها الأخباري فكانت الأخبار الجادة الرسمية الجافة أشبه بتقارير عسيرة الفهم طاغية على ما عداها. وكانت الصحف لا تتصور نشر خبر عادي إنساني بسيط، وكان هذا أمر طبيعي ما دامت الصحافة لسان حال الحكومات والطبقات البرجوازية الضالعة معها. ولكن بتقديم الحضارة، وانتصار الديمقراطية، وانتشار التعليم، ورقي الحياة المصرية، وأخذت الصحافة تتجه إلى فنون التبسيط والتحدث إلى الرأي العام، ومحاولة تثقيف الجماهير. فبعد أن كانت أخبار "الوقائع المصرية" لا تخرج عن أنباء ديوان الخديوي الحاكم، وأعمال الحكومة، وتمجيد البطولات الرسمية، بطريقة رخيصة فجة، تطور المضمون الصحفي ليشتمل على عناصر جديدة جذابة مشوقة، كما تطورت لغة الصحافة هي الأخرى، وتعددت فنونها، ونضجت أساليبها.

стр. 24

ولا شك أن الفن الصحفي المصري قد تأثر بالفن الصحفي الأوروبي تأثرا كبيرا، ولا بد أن محرر الوقائع الأول، رفاعة رافع الطهطاوي الذي كان قد تعلم في فرنسا قد شاهد الكثير من الصحف الفرنسية التي أخذت تعالج موضوعات ثقافية وأدبية وحضارية إلى جانب الموضوعات السياسية والاقتصادية. فبعد أن كان المضمون الأخباري في "الوقائع المصرية" مثلا يدور حول السياسة الخارجية والتجارة والثناء على ولي النعم وبيان نشاط الحكومة في ترقية الأحوال، وما يحدث في سائر أنحاء العالم، نشاهد في عدد الوقائع الصادر في ١٠ يناير سنة ١٨٤٧ تجديدا في اتجاه الأخبار الإنسانية الطريفة تحت عنون "أخبار نوعية" أي متنوعات من نوع الأخبار الخفيفة التي تسمى باللطائف الإنسانية١. وحتى جريدة الأهرام -وهي جريدة غير رسمية أو غير حكومية- كان صاحبها سليم تقلا يشرح قصده من إصدارها في طلبه إلى الحكومة لإصدار ترخيص بها قائلا: "إن الجريدة الملتمس إنشاؤها في الإسكندرية تحتوي على التلغرافات والمواد التجارية والعلمية والزراعية والمحلية، وكذلك طبع الكتب" وحتى الأخبار السياسية نفسها كانت تدور حول الأحداث الأوروبية؛ لأن نشر الأخبار المصرية كان أمرا محفوفا بالخطر؛ إذ كانت الحكومات -بطبيعة الحال- لا تسمح للصحف بنقد الحاكم أو توجيه النصح إليه. وقصارى القول، أن الصحافة العالمية -سواء الأمريكية أو الفرنسية أو الإنجليزية أو العربية- كما رأينا من قبل، كانت تصطنع أسلوبا جافا وبطريقة جادة، تفترض أن قارئ الصحيفة إنسان منطقي ذكي ناضج لا يقل عمره عن الأربعين، مهتم بالسياسة والاقتصاد والشئون المالية والتجارية، ولا ينبغي له أن يهتم بسواها. ثم أتت الصحافة الشعبية فاتسعت المجالات الأخبارية والصحفية، وبدأ الفن الصحفي الأصيل القائم على معاملة الرموز القديمة معاملة جديدة، على أساس واقعي يفهمه الناس جميعا، في الظهور تدريجيا. واتضحت سمات الفن الصحفي وأخذت تتبلور واضحة جلية في نهاية الأمر.

стр. 25

طبيعة الفن الصحفي وخصائصه: فالفن الصحفي يختص برواية أحداث هذا العالم بوسائل دورية١. أهمها الطباعة، وتصدر الصحف يومية أو أسبوعية أو نصف شهرية أو شهرية. وقد نص قانون تنظيم الصحافة رقم ١٥٦ لسنة ١٩٦٠ والمنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ ٢٤ مايو سنة ١٩٦٠ بالعدد ١٨٨ في مادته الأولى بعد الديباجة "أنه لا يجوز إصدار الصحف إلا بترخيص من الاتحاد القومي، ويقصد بالصحف في تطبيق هذا القانون الجرائد والمجلات وسائر المطبوعات التي تصدر باسم واحد بصفة دورية". وإذا كان الفيلسوف الكبير هيجل يقول: إن قراءة الصحف اليومية أصبحت صلاة الصباح عند الإنسان الحديث، فقد أصبحت قراءة الصحف يوميا شيئا معتادا للقراء، ولا يستطيعون الإقلاع عنه. ولا شك أن هذا التكرار أو الإيقاع المستمر المتواتر من أهم سمات الفن الصحفي. وقد عرف الدكتور محمود عزمي الصحافة بأنها توجيه الرأي العام عن طريق نشر المعلومات والأفكار الخيرة الناضجة معممة ومنسابة إلى مشاعر القراء، خلال صحف دورية. وهكذا أكد ضرورة اتصاف الصحفيين بالنضج والخبرة، كما أكد صفات الفن الصحفي بالعمومية، أي شمول كافة الناس، على اختلاف ثقافاتهم ومستوياتهم. والفن الصحفي لا يتوجه بالدرجة الأولى إلى المنطق الخالص، وإنما يتوجه إلى المشاعر والوجدان إلى جانب توجهه إلى المنطق، ومن هنا كانت خطورة التأثير في الجماهير نتيجة للدورية والعمومية والتأثير الوجداني والبساطة في التعبير، والبعد عن التجريد، والاهتمام بالتجسيد. وصفة الدورية هي التي تميز الفن الصحفي، وتؤكد خطره على الرأي العام؛ لأن الصحيفة اليومية، مثلا، تطرق نفوس القراء -عقولهم ومشاعرهم- مرة كل

стр. 26

أربع وعشرين ساعة. وهذا التكرار مع الانتظام له أثره العميق على الأفهام والنفوس. فتستطيع الصحف أن تتناول نقطة واحدة من الموضوع كل يوم، إذا ما أرادت أن تعالج موضوعا من الموضوعات، فتكون على صلة مستمرة بالقراء، وتستطيع أن تحقق أهدافها وغاياتها. وقد شبه البعض هذا التأثير بقطرة الماء التي تستمر في السقوط على صخرة، ولا بد لها في النهاية أن تفتتها وتصل إلى أغوارها. وهكذا يرتبط عنصر الدورية بعنصر آخر لا يقل أهمية، ألا وهو الاستمرار. ومع ذلك، فلبعض الدوريات الأسبوعية شأنها الخطير، فالدوريات الأسبوعية يتوفر لديها الوقت الكافي لتعمق الموضوعات ومعالجتها بطريقة علمية، مقترنة بالفن الصحفي والاهتمام الإنساني، مع الاستعانة بفنون الطباعة الحديثة كالعناوين والصور والرسوم والألوان، وفنون المسرحة والتجسيد والتبسيط، والمعالجة الواعية لنفسية الجماهير، وذلك بمصطلحات الخبرة المباشرة، مع الابتعاد بقدر الإمكان عن التجريد والأكاديمية. فإذا قيل أن ثقافة الكتب ثقافة رأسية، فإن ثقافة الصحف ثقافة أفقية، تتوخى الانتشار العريض بين سائر فئات الشعب، ومن هنا يكتب لها الذيوع والانتشار، وهما من أهم خصائص التأثير في الرأي العام. فالفن الصحفي هو طريقة تفكير ورؤية خاصة متميزة للحياة، فالصحفي ينظر دائما إلى جمهوره، ويقرر إذا ما كان قادرا على فهم ما يقول أو غير قادر على ذلك، وهو لذلك يضفي على عمله الفني أبعادا ما كان ليضفيها عليه، ولولا هذه النظرة العملية للجمهور. إن الفن الصحفي هو جعل الأحداث والمعلومات والثقافة بل والفلسفة والعلم في متناول الجميع، بطريقة واضحة مشوقة درامية. وقد فطنت الحكومات إلى خطورة هذا الفن، وأخذت تستغله لترويج المفاهيم الجديدة والمذاهب الحديثة بين الجماهير. فالفن الصحفي، بدوريته وعموميته وشموله واستمراره، يضفي على أحداث العالم اهتماما إنسانيا بطريقة تثير الجمهور، وتشحذ قواه، وتملك

стр. 27

مشاعره. حقيقة أنه لا يمكن للفن الصحفي أن يكون له العمق والخلود اللذين يتصف بهما الفن بوجه عام، فليس هناك أقدم من جريدة الأمس، ولكن الفن الصحفي الناجح هو الذي يستطيع أن يعدل قيمة العالم تعديلا مؤقتا على الأقل؛ لأن الصحافة الجيدة تتخذ إطارا لها عالم الافتراضات اليومية الوتيرية، مؤكدة الوجه الدرامي، والاهتمام الإنساني، عن طريق أحداث عالم الحياة اليومية. فالتقرير الصحفي الجيد هو في جوهره عملية خلق وابتكار، وهو كذلك كشف للمتناقضات التي توجد بين الصورة الظاهرية والواقع الفعلى. ولا شك أن الخداع والمغالطات التي تكتشف، كثيرا ما تؤدي إلى عملية تغيير القيم السائدة في المجتمع. ولكن ذلك يتطلب بطبيعة الحال نظرة جريئة وتعبيرا موضوعيا. فالفن الصحفي تعبير موضوعي، وابتعاد تام عن الذاتية التي يتصف بها الأديب مثلا، فالأديب يعنى بنفسه، ويقدم لنا ما يجول بخاطره، ويسجل ما يراه وفقا لرؤيته الخاصة، وبرموز تنم عن ثقافته وعقليته. وهو في هذا الصنيع إنما يصف النفس الإنسانية، ويتعمق أسرارها، ويكشف عن حسناتها وسوآتها، ويكون لأوصافه صدى في نفوس القراء من كل جنس، وفي كل عصر، ما داموا قادرين على قراءته وفهمه، والاستفادة منه. فالأديب حر في اختيار ما يقول، والقراء أحرار في قراءة ما يكتب الأديب. ولكن الصحفي ملتزم بالموضوعية؛ لأنه يعكس مشاعر الجماعة وآرائها. وهو مقيد بمصلحة المجموع. وفي حرية الأديب وذاتيته، وتقيد الصحفي وموضوعيته يقول عبد القادر حمزة: "يجب أن يكون الصحفي حاضر البديهة. حاضر الجواب على كل ما يدعي لأن يكتب فيه، وهو في كل ذلك لا يختار -كما يفعل الأديب- بل الحوادث هي التي تختار له كل يوم ألوانا جديدة، وتدعوه إلى أن يتجه إليها، وينتهي به الأمر إلى أن يتسع أفق الأدب والعلم والخبرة عنده فيصبح وكأنه الموسوعة، بينما يكون الأديب بجانبه وكأنه كتاب في فن معين". فإذا كانت الفيلسوف يبحث عن الحقيقة المجردة على المستوى المنطقي، كما يبحث الأديب عن الحقيقة الخالدة على المستوى الجمالي، فإن الصحفي فنان موضوعي

стр. 28

يقرر الواقع ويرصده بصدق وأمانة وفن. فالصحافة تقوم على الوقائع المشاهدة، وتنأى عن المبالغات والتهاويل. والفن الصحفي لصيق بالجمهور وبالديمقراطية وبالشعبية، ولذلك فإنه يرتبط بظهور الطبقة الوسطى، ثم الطبقات الشعبية. وقد رأينا أن المطبعة قد اخترعت في منتصف القرن الخامس عشر، ولم تظهر الصحافة قبل مرور قرنين من الزمان على ظهور المطبعة، بل إن الفن الصحفي، الذي يرتبط بالجماهير ويؤثر فيها ويتأثر بها، لم يظهر إلا في منتصف القرن التاسع عشر، عندما بدأت الصحافة الشعبية في الظهور، وكان لا بد من اتخاذ أسلوب فني جديد، بل وتطوير لغة صحفية جديدة، بما يعززها من صور وعناوين وألوان ورسوم وكاريكاتور. فإذا كان الأدب هو فن الحقيقة، فإن الصحافة هي فن الواقع. وإذا كان الأدب ذاتيا فإن الفن الصحفي موضوعي بالضرورة. وإذا كان الأدب عاما وإنسانيا وعالميا، فإن الفن الصحفي يتصل بجمهور بعينه، وثقافة بعينها، كما أنه يرتبط بزمن محدد لا يستطيع أن يتجاوزه إلى الخلود. لقد تخيل أحد الأدباء الفرنسيين جوارا لطيفا بين كتاب وجريدة قال فيه الكتاب للجريدة: أنك تنعمين بمائة ألف قارئ، ولكنك لا تمكثين إلا ساعة أو بعض ساعة في يد القارئ، ثم لا تلبثين أن تتعرضي للتمزيق أو التلف. وإذ ذاك يلقى بك في سلة المهملات، أو يتخذ منك الناس غلافا لبعض حاجاتهم، وهكذا تولدين سريعا وتموتين سريعا دون أن تتركي أثرا ما في نفوس الفراء. فأجابت الجريدة بقولها: نعم أيها الكتاب إنك لتفضلني بطول العمر وبسطة الأجل، ولكن لا تنسى أنك تعيش أعمارا طويلة في عالم الظلام ودنيا النسيان، وعندي أن حياة يوم واحد بالمعنى الصحيح أفضل بإشراقها وحركتها وجلالها من حياة مائة عام تقضيها أنت مجهولا من أكثر الناس، مهملا منهم فوق رفوف يعلوها التراب١.

стр. 29

ويصل الفن الصحفي في موضوعيته إلى حد إغفال اسم الكاتب الصحفي إغفالا متعمدا؛ لأن المهم هو التصوير الموضوعي للواقع، وليس التعبير الذاتي عن الفنان. وقد كانت صحيفة التيمس اللندنية مثلا، ترفض دائما كتابة أسماء محرريها، مهما كانت أخبارهم دقيقة، ومقالاتهم رائعة. حتى الكتاب الذي أصدرته الصحيفة عن تاريخ حياتها، والذي يقع في عدة أجزاء، لم يذكر عليه اسم مؤلف أو كاتب، إمعانا في سياسة الموضوعية. والحق أن الفن الصحفي قد استطاع أن يطور لغته الخاصة، وأشكاله الفنية من خبر وتقرير ومقال وتحقيق وعمود ويوميات، وورسائله البصرية من عنوان وصورة ورسم كاريكاتوري وألوان وزخارف، وكلها تتعاون من أجل تحقيق غايات الفن الصحفي.

стр. 30

الباب الثاني: لغة الفن الصحفي مدخل ... الباب الثاني: لغة الفن الصحفي استطاع الكاتب الصحفي الإنجليزي دانيل ديفو الذي اشتهر بقصته الخيالية الطويلة روبنصن كروزو أن يلمس بعبقريته خاصية الفن الصحفي، ولغته الفريدة، التي تتميز عن لغة العلم ولغة الأدب فقال: "إذا سألني سائل عن الأسلوب الذي أكتب به لقلت إنه الذي إذا تحدثت به إلى خمسة آلاف شخص ممن يختلفون اختلافا عظيما في قواهم العقلية -عدا البله والمجانين- فإنهم جميعا يفهمون ما أقول"١. هذا مع ملاحظة أن الرقم "٥٠٠٠" كان هو الحد الأقصى لتوزيع الصحف في القرن الثامن عشر في إنجلترا، وهو العصر الذي عاش فيه ديفو، وأنتج فيه إنتاجا صحفيا متنوع الفنون، حتى أطلق عليه أبو الصحافة الإنجليزية. ومن الطريف أن ديفو كان مغرما بالعناوين المثيرة، مجددا في ذلك كل التجديد، وفي رأيه أن الجماهير لا بد أن تثار بالآراء الجزيئة، مع استخدام الوسائل البصرية التي تحقق هذه الإثارة طباعيا. وهكذا كان فهم ديفو للصحافة إرهاصا وإدراكا لمبدأ الإثارة الذي يفتخر به صحفيو القرن العشرين، غير أنه استغل هذا المبدأ استغلالا فكريا ناضجا، ولم يهبط به إلى مجرد الإثارة الانفعالية الرخيصة. كما أن طريقة ديفو في كتابته الصحفية كانت مبتكرة واعية لوظيفة الصحافة، فهو يبدأ بالتخصيص لكي يتطرق منه إلى التعميم، ولا شك

стр. 31

أن هذه الطريقة المتبعة في التدريس الحديث يمكن تطبيقها على الفن الصحفي الذي يتوجه إلى القارئ العام بذكائه المتوسط وثقافته العادية. وهكذا تكون رؤية العباقرة للخصائص الفنية سابقة لظهورها. فالصحافة الفنية الحديثة لم تبدأ في إنجلترا إلا في أواخر القرن التاسع عشر على يد اللورد نورثكليف الذي عرف باسم نابليون الصحافة. وإذا تحدث ديفو إلى القارئ كان حديثه عاديا اجتماعيا مألوفا، فهو يستعمل أحيانا جملا غير تامة، ويكسب أسلوبه جاذبية الألفة والطرافة، فهو يقول: "ولما كما على وشك الانتخابات العامة، سأقص عليكم قصة: أن المال والخمر يصنعان كل شيء ... " ثم يمضي في حديث ممتع طريف. ومن أهم مميزات الفن الصحفي عند ديفو أسلوب التهكم اللاذع، والسخرية المشرقة, وكانت طريقته في ذلك ما يسمى بمنطق التسخيف١، فهو يسير مع الرأي الذي يسخر منه في مبالغة إلى آخر الشوط الذي لا بد وأن يؤدي إليه، وذلك لكي يظهر عيوبه ونقائصه، ويفضح سخفه وتناقضه. ولعل خير مثل لذلك نشرته السياسية عن المخالفين للكنيسة٢ والتي تحدث فيها بلسان خصومه من رجال الكنيسة الرسمية، وأخذ يبالغ مبالغة شديدة في ضرورة التخلص من المخالفين والقضاء عليهم نهائيا. ومن أسلوبه التهكمي أيضا ما كتبه من مقالات انتخابية في صحيفة "ريفيو"٣، والتي جاء فيها: "إذا كنت تريد أن تجرب وتتعلم بطريقة الصواب والخطأ فلا تتحير بل انتخب أعضاء حزب المحافظين لكي تتعلم عن طريق المجرمين والمغفلين. فما البرلمان المحافط إلا برلمان شياطين" وقد يبدو للقارئ الحديث أن هذه ألفاظ نابية، ولكن الحقيقة أن كتاب القرن الثامن عشر كانوا لا يجدون غضاضة في استخدام مثل هذه الألفاظ، بل وأقسى منها وأغلظ بكثير.

стр. 32

الجاحظ فنان صحفي: وفي الحضارة العربية، ظهرت إرهاصات بلغة الصحافة حتى قبل اختراع المطبعة. فالجاحظ -وهو من كتاب القرن الثالث الهجري- جدير بأن يكون أو صحفي ممتاز لو أنه عاش في القرن الذي نعيش فيه ويمكن النظر إلى أدب الجاحظ في مجموعه على أنه أدب تتوفر فيه الكثير من خصائص الفن الصحفي. لقد كان الجاحظ رجلا شديد الانغماس في المجتمع، وهو في الوقت نفسه غزير الانتاج إلى درجة تلفت النظر، وإنتاجه وثيق الصلة بالأفكار الشائعة في عصره، بل هو صورة دقيقة لما يحيط به في تلك البيئة العباسية من دين وسياسة وثقافة وعادات وتقاليد اجتماعية. لقد كان الجاحظ موسوعي المعرفة، دقيق الملاحظة، سلس الأسلوب، قوي العارضة، ساخرا متهكما، ولكن دون مرارة. وأهم من ذلك، كان مصورا بالقلم تصويرا فنيا يجسم أفكاره تجسيما مشوقا أخاذا. ويكفي أن نشير إلى رسالة التربيع التدوير التي وصف فيها أحمد بن عبد الوهاب لكي نبين عبقرية الجاحظ في فن الكاريكاتور القلمي. وفضلا عن ذلك، فإنك تلمح في كتابات الجاحظ حبا للحياة، وولعا بالناس، وتقديرا للإنسان فهو ليس فيلسوفا يكتب عن الأفكار المجردة. ولكنه أديب أقرب إلى الصحفي، يكتب عن المجتمع بأسلوب رشيق سلس أخاذ. وبمقارنة الجاحظ بمعاصريه، نستطيع أن ندرك خصائص أسلوبه القريب من الصحافة. فابن المقفع، مثلا، أديب وأدبه خلاصة مطالعاته، وتجاربه وتجارب أسلافه من البيئة الفارسية القديمة. وهو يسلك في كتابة أدبه طرقا فنية خالصة، هي تعبير جمالي ممتاز، كان يتحدث على ألسنة الطير والحيوان، ويعتمد على الصور البيانية الرائعة، ولكنه مستوى أدبي جمالي، يرتبط بالرمز الفني، ولا يتصل بالواقع العملي إلا اتصالا يسيرا. وكذلك ابن قتيبة رجل عالم في اللغة وعالم في النقد، وهو متمكن من الحديث والتفسير، وغيرهما من العلوم التي جعلت منه خطيب أهل ألسنة ولكنه رجل حبس نفسه على العلم. ولم يشأ أن يزج بنفسه في المجتمع كما فعل الجاحظ.

стр. 33

لقد كان ابن قتيبة عالما، وحتى لم يكن أديبا كابن المقفع، فكان أسلوبه علميا، مفعما بالاصطلاحات الدينية والعلمية المجردة. وقد رأينا أن الصحافة فن حضاري، لا يزدهر إلا في البيئة الصالحة للتقدم والتطور. ففي صحافتنا المصرية الحديثة، نلاحظ أنها قد ورثت، عند ظهورها في القرن التاسع عشر، عن القرون السابقة أسلوبا عتيقا يميل إلى التكلف. ثم أخذ هذا الأسلوب يتخلى شيئا فشيئا عن هذا التكلف، حتى ظهرت صحيفة "المؤيد" فوجدنا أنفسنا أمام كتاب يميزون بين الأسلوب الأدبي والأسلوب الصحفي، وأخذ الفن الصحفي في التبلور والتطور حتى وقتنا الحاضر. وإذ ذاك وجدنا له لغة تبعد بعدا ظاهرا عن لغة الأدب. فقد استحدث الصحفيون الحاليون تراكيب جديدة لم تخطر للأدباء الأولين على بال. فبدلا من قولهم أنه لا بد من توضيح المسألة توضيحا لا يدع مجالا للشك نجدهم يقولون: نريد أن نضع النقط فوق الحروف. وهناك صفات ونعوت جديدة لا وجود لها في الكتب القديمة مثل: الحقيقة الصارخة، والأكذوبة البيضاء، والليلة الحمراء، الدعاية السوداء، والغيرة الصفراء. وتأثرا بترجمة البرقيات الأخبارية، نجد الأفعال الأجنبية تتسرب إلى اللغة العربية. ومثال ذلك أن حشد الجنود التركية على حدود سوريا "يشكل" خطرا على هذه البلاد، وفعل "يشكل" هو ترجمة حرفية دخلت لغة الصحافة والسياسة واستقرت فيها استقرارا تاما. ومن ذلك قول بعض الصحفيين: "وهنا قفزت طائفة كبيرة من علامات الاستفهام" معبرا بذلك عن معنى الغرابة أو التعجب. وقول آخر: "فكان عليَّ أن أضع أعصابي في ثلاجة بعد سماعي هذا الكلام". وقد كان من أثر الصحفية، وهي جزء هام من أقسام الأخبار الخارجية في صحفنا المصرية، استخدام أسلوب جديد لا علاقة له بالأدب. بل إن اللغة العربية قد استخدمت تراكيب جديدة مستمدة من طبيعة تعبير اللغات الأجنبية. ومثال ذلك شيوع استخدام الجمل الاسمية وتناثرها وكأنها وحدات

стр. 34

مستقلة. فهذه هي طريقة التعبير الأوروبي تماما بالجمل الاسمية المستقلة التي تجعل فيها النقط والوقفات، فقرات متتالية. فطريقة تحرير الأخبار الصحفية المترجمة من أجهزة "التيكرز" أو المبرقات الصحفية قد ساعدت على تطور أسلوب صحفي جديد على اللغة العربية، تتناثر فيه الجمل وتستقل عن بعضها البعض في وحدات ذات مغزى. غير أن هذا الأسلوب الأخباري الصحفي سرعان ما أخذ يغزو فنون الصحافة الأخرى حتى طغى على المقال والتحقيق والحديث والعمود واليوميات وغيرها. ولا بد أن القارئ الحديث يضحك كثيرا عندما يقرأ في الصحف المصرية القديمة تلك الأخبار التي حرص كاتبها على أن تكون مسجوعة ومليئة بزخارف الجناس والطباق. ثم بالتدرج أخذت الصحف تتخلص من هذا الشكل العتيق من أشكال التحرير. ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد حتى وجدنا أن فن تحرير الخبر أصبح له أصول وقواعد وقوالب وصيغ معينة، نتحدث عنها في الفصول القادمة.

стр. 35

الصحافة والطباعة والتعليم: والحقيقة أن الفن الصحفي الحديث كان نتاج تقدم حضاري، ولم يكن تلازم اختراع الطباعة مع ظهور القومية والنهضة الإنسانية والاعتراف بالرأي العام والديمقراطية مجرد مصادفة؛ لأن هذه الظواهر جميعها قد تفاعلت مع بعضها البعض بطريقة دينامية حية ساعدت على خلق ثقافة حديثة، وهيأت الجو لظهور الصحافة، ثم لتطور الفن الصحفي الحديث. وقد شهدت السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر ثورة لغوية ساعد على الإسراع بها خمس آلات أصبحت الآن معروفة وشائعة حتى أصبحنا الآن لا نلقي بالًا لأهميتها الاجتماعية والفردية. ففي عام ١٨٧٦ اخترع جراهام بيل التليفون. وفي سنة ١٨٧٧ اخترع أديسون الجراموفون، وبعد حوالي عشرين عاما في ذلك

стр. 36

التاريخ استطاع ماركوني أن يجعل الاتصال اللاسلكي ممكنا. ولم تمض ثلاثون سنة على نفس التاريخ حتى أصبحت الأفلام الناطقة وسيلة للأخبار والتسلية، كما أصبح التليفزيون وسيلة محبوبة في بلاد كثيرة. وفي نفس هذه الحقبة، أخذت الحكومات تعترف بمسئوليتها في التعليم ومحو الأمية، وأنشئت المدارس الابتدائية والالزامية على نطاق واسع بعد سنة ١٨٧٠. ولا شك أن محو الأمية قد ساعد على انتشار الصحافة، وألزم الصحف باتخاذ أساليب جديدة، وفنون حديثة للاتصال بهذه الجماهير العريضة التي محيت أميتها، وكان من الضروري أن تجد في الصحافة مجالا للاطلاع والقراءة. فشهدت هذه الحقبة مولد الفن الصحفي الذي يتوجه إلى الجماهير العريضة بلغة سلسلة سهلة، وفنون طباعية تؤكد المعاني إلى جانب الكلمة البسيطة. ولا شك أن استخدام طابع البريد ذي الثمن الزهيد، والمكتبات الشعبية الحرة، وتوفير المواد المطبوعة طبعا أنيقا بالألوان، والتعبير عن الأفكار والمشاعر بطريقة بيانية طباعيا كل ذلك كان يسير جنبا إلى جنب مع تقدم طرق المواصلات ووسائل الاتصال السلكية واللاسكية. ففي مستهل القرن العشرين تزايد عدد القراء حتى أصبح يحصى بالملايين وأصبح للفن الصحفي لغته الخاصة وأساليبه الفنية لسد حاجات هؤلاء الملايين. ولم يلبث هذا الفن الصحفي نفسه أن أصبح مؤثرا على الحضارة، فأسهم في إدخال أساليب جديدة للسلوك، وعادات جديدة، ومواقف اجتماعية مستحدثة. وقد ذهب العالم الأمريكي مارشال ماكلوهان إلى حد إسناد روح الفردية وروح القومية إلى اختراع جوتنبرج للحروف المتحركة وتنفيذها في أسطر مكونة من كلمات متتابعة. وهو يرى أن الحضارة تشتق طابعها من وسيلة الإعلام. فهو يقول إن الطباعة قد أدت إلى تفجيرات في المجتمعات فأصبحت فردية ومجزأة. وبفضل الكهرباء والتليفزيون، انتعش الإحساس الجمعي والشعور بالعالمية.

стр. 37

الفن الصحفي واللغة: وقد يكون اتجاه مارشال ماكلوهان -رغم أنه أحدث اتجاهات فلسفة الإعلام الحديثة- مغرقا في الميتافيزيقية، غير أنه لا يمكن إنكار العلاقة الوثيقة بين اللغة والحضارة. فالألفاظ وتركيب اللغة يجسد أساليب الفكر والمشاعر، ولقد حاولت الأجيال جيلا بعد جيل أن تتصارع فيما بينها أو فيما بينهما وبين العالم الخارجي من أجل تطوير أساليب لغوية جديدة تلائم الفكر والمشاعر في عصر بعينه. فجذور اللغة تنبت أساسا من واقع الثقافة والحياة العملية. ويؤكد لنا علماء الإنسان من أمثال "مالينوسكي" و"هوكارت" أن لغة المجتمع تعكس لنا طريقة تصنيفه للأشياء وتقسيمها إلى أنواع، ويبدو ذلك في سلوك الجماعة حينما تمارس نشاطها العملي. وقد شرح مالينوسكي بوضوح تلك الصعوبة التي تواجهنا عند محاولة فهم مدلول الكلمات دون الإشارة المستمرة إلى المضمون الثقافي العام. وقد استطاع علماء اللغة المحدثون أن يكتشفوا العلاقات الوثيقة بين اللغة والتاريخ والحضارة. ولعل نظرية العالم السوفييتي بنيامين لي وورف من أحدث هذه النظريات وأخصبها. فهو يرى أننا جميعا نتعلم لغتنا في فترة الطفولة المبكرة. فيبدأ الطفل في مطلع حياته بإدراك العالم ضمن إطار لغة أمه "الأم". وبغض النظر عن تنوع وغنى العالم الخارجي يبدأ المرء برؤية وإدراك تلك الحوادث التي لها تسميات. أن لغة أمنا تحلل العالم بأسلوبها الخاص وتفرض مثل هذا التحليل والإدراك "التجزئة" علينا جميعا. فالألمان يقولون WORDING OF THE WORLD أي -لو جاز لنا- "تفريد العالم" -أي التعبير عنه بالمفردات. هذه هي فكرة وورف: أن الناس لا يعيشون فقط في عالم الأشياء التي تحيط بنا وفي عالم الحياة الاجتماعية فقط، بل وكذلك في عالم لغة الأم. أن العالم من حولنا يشيد وفق "عالم اللغة". ويعبر وورف عن هذا بقوله: إن كل لغة تتضمن -عدا الاصطلاحات- آراء وأحكاما تعاكس الآراء والأحكام الأخرى.

стр. 38

غير أن هذا ليس كل شيء فاللغات معرضة للتغير وهذا يشمل التغيرات في العالم المحيط بالناطقين بتلك اللغة. وبصورة أدق، يبقى العالم من الناحية الفيزيائية الطبيعية على ما كان عليه، غير أنه لا يبدو كذلك بالنسبة للوعي الإنساني والاجتماعي١. وباختصار، يمكن القول أن اللغات تختلف في طرق تناولها للعالم، ويكتسب الشخص لغة الأم منذ مطلع حياته. ولذلك فإنه يدرك العالم منذ طفولته الأولى، ومن خلال زاوية لغة الأم. فنحن أسرى الكلمات، ونحن ندرك قوانين لغة الأم في طفولتنا بشكل آلي وغير واع. وبجانب اكتسابنا للغة الأم بطريقة غير واعية، نكتسب طريقة تفكير خاصة كامنة في تلك اللغة. وتختلف اللغات في تقسيمها للعالم إلى عناصر بواسطة الكلمات. هنالك، مثلا، كلمة واحدة في لغة الأزتيك تطلق على "الثلج" و"البرد" و"الحديد"، بينما لها كلمات خاصة في اللغتين الروسية والإنجليزية. وللإسكيمو عشرات التسميات للثلج؛ إذ يوصف بكل الأشكال التي تخطر بالبال، الثلج على الأرض، الثلج محمولا على الريح، الثلج الذائب، الثلج المتجمد ... إلخ ولكل حالة كلمة خاصة. كما أنه عند العرب عشرات الكلمات التي يوصف بها الجمل أو السيف، في حين لا توجد سوى كلمة واحدة في الحضارات أو اللغات الأخرى.

стр. 39

لغة الصحافة وخصائصها: غير أن موقف وورف الذي يتبناه كعالم سوفييتي يؤمن بالمادية الدياليكتية التي تقول إن العالم يسبق الإدراك والأشباه تسبق الأسماء المخصصة لها لا يمكن أن نقبله على علاته -رغم صحته من بعض جوانبه. فهل صحيح أن لكل لغة ميتافيزيقية خاصة بها؟ لنفرض أن نيوتن تكلم وفكر بلغة الهوبي الهندية بدلا من الإنجليزية، فهل ستكون صورة العالم مختلفة فيزيائيا وطبيعيا؟ وبمعنى آخر هل تؤثر اللغة على التفكير؟ لا شك أنها تؤثر، ولكن لا على الجوهر بل على أساليب التفكير. إن جوهر الفكرة هو انعكاس للحقيقة، وإن هدف اللغة هو نقل المعرفة والمعلومات عن الحقيقة. وبغض النظر عن التسهيلات الفنية التي يترتب عليها تنوع أساليب التفكير فإن كل لغة قادرة على إعطاء صورة حقيقية عن العالم الخارجي. ويرى علماء النفس أن الطفل يبدأ باستيعاب العالم الخارجي قبل أن يكون قد تعلم النطق، فالإنسان يحلل العالم الخارجي قبل أن يولد عند تفكير لغوي. وعندما يتعلم الطفل التكلم، ويبدأ باستعمال لغته لإلصاق التسميات بخبراته المكتسبة. فالأشياء تسبق المفردات والعكس ليس بصحيح. ولنفرض أن رائدين من رواد القضاء أحدهما أمريكي والآخر سوفييتي قد هبطا على سطح القمر، وعاد كل منهما ليروي انطباعاته بلغته الخاصة. فهل تكون الصورة الأمريكية مختلفة عن الصورة السوفييتية للقمر؟ لقد زار الرحالة العرب قبل أكثر من ألف عام أراضي دول الشمال، وكانت طبيعة وتقاليد وعادات الفايكنج من سكان الشمال غريبة تماما في نظر الزوار العرب، وكانت الغرابة تضاهي غرابة القمر بالنسبة لسكان الأرض وبالإضافة إلى ذلك فإن اللغة العربية تختلف اختلافا تاما عن اللغة النورماندية. ومع ذلك ترى وصف العرب يتفق مع وصف النورمانيين بالنسبة لنفس الظواهر والحوادث والمدن. وأن كل لغة تصور العالم بطريقتها الخاصة، ولكن الرسالة عن الحقيقة تنقل بدقة وصواب. ويقارن علماء اللغة المعاصرون نظام اللغة بنظام الإحداثيات الهندسية، فالانتقال من لغة إلى أخرى شبيه بالانتقال من نظام هندسي للعلاقات إلى الآخر. أن العالم الخارجي هو نفسه غير أن صورته تختلف باختلاف اللغات. إن العالم موغل في التنوع، كما أن عدد الكلمات محدودة في أية لغة. وقد نستطيع عند التعبير العملي العام "وهو التعبير الصحفي كما سنعرف فيما بعد" أن نهمل قطاعات من التفاصيل غير الأساسية ونركز على صفات بارزة

стр. 40

معينة. فالفنان الذي يتعامل بالألوان يجد من الضروري التمييز بين أدق الدرجات اللونية ومنحها تسميات متباينة، في حين أن الشخص العادي لا يشعر عادة بالحاجة إلى أكثر من بضعة صفات لتلبي حاجاته. إن لغة الصحافة هي اللغة السريعة المباشرة العادية الواقعية، فهي تستطيع أن تذكر كلمة كلب أو جمل دون الدخول في التسميات الدقيقة التي قد يهتم بها عشاق الكلاب أو خبراء الجمال. إن تجربتنا العملية، تجعلنا نستطيع أن نلخص، ونكتسب الخبرات عن طريق تبسيط المعاني، ونمذجتها في قوالب خاصة، وهذا هو أساس الفن الصحفي.
следующие страницы →