التاريخ استطاع ماركوني أن يجعل الاتصال اللاسلكي ممكنا. ولم تمض ثلاثون سنة على نفس التاريخ حتى أصبحت الأفلام الناطقة وسيلة للأخبار والتسلية، كما أصبح التليفزيون وسيلة محبوبة في بلاد كثيرة.
وفي نفس هذه الحقبة، أخذت الحكومات تعترف بمسئوليتها في التعليم ومحو الأمية، وأنشئت المدارس الابتدائية والالزامية على نطاق واسع بعد سنة ١٨٧٠. ولا شك أن محو الأمية قد ساعد على انتشار الصحافة، وألزم الصحف باتخاذ أساليب جديدة، وفنون حديثة للاتصال بهذه الجماهير العريضة التي محيت أميتها، وكان من الضروري أن تجد في الصحافة مجالا للاطلاع والقراءة.
فشهدت هذه الحقبة مولد الفن الصحفي الذي يتوجه إلى الجماهير العريضة بلغة سلسلة سهلة، وفنون طباعية تؤكد المعاني إلى جانب الكلمة البسيطة.
ولا شك أن استخدام طابع البريد ذي الثمن الزهيد، والمكتبات الشعبية الحرة، وتوفير المواد المطبوعة طبعا أنيقا بالألوان، والتعبير عن الأفكار والمشاعر بطريقة بيانية طباعيا كل ذلك كان يسير جنبا إلى جنب مع تقدم طرق المواصلات ووسائل الاتصال السلكية واللاسكية. ففي مستهل القرن العشرين تزايد عدد القراء حتى أصبح يحصى بالملايين وأصبح للفن الصحفي لغته الخاصة وأساليبه الفنية لسد حاجات هؤلاء الملايين. ولم يلبث هذا الفن الصحفي نفسه أن أصبح مؤثرا على الحضارة، فأسهم في إدخال أساليب جديدة للسلوك، وعادات جديدة، ومواقف اجتماعية مستحدثة.
وقد ذهب العالم الأمريكي مارشال ماكلوهان إلى حد إسناد روح الفردية وروح القومية إلى اختراع جوتنبرج للحروف المتحركة وتنفيذها في أسطر مكونة من كلمات متتابعة. وهو يرى أن الحضارة تشتق طابعها من وسيلة الإعلام. فهو يقول إن الطباعة قد أدت إلى تفجيرات في المجتمعات فأصبحت فردية ومجزأة. وبفضل الكهرباء والتليفزيون، انتعش الإحساس الجمعي والشعور بالعالمية.
стр. 37
الفن الصحفي واللغة:
وقد يكون اتجاه مارشال ماكلوهان -رغم أنه أحدث اتجاهات فلسفة الإعلام الحديثة- مغرقا في الميتافيزيقية، غير أنه لا يمكن إنكار العلاقة الوثيقة بين اللغة والحضارة. فالألفاظ وتركيب اللغة يجسد أساليب الفكر والمشاعر، ولقد حاولت الأجيال جيلا بعد جيل أن تتصارع فيما بينها أو فيما بينهما وبين العالم الخارجي من أجل تطوير أساليب لغوية جديدة تلائم الفكر والمشاعر في عصر بعينه.
فجذور اللغة تنبت أساسا من واقع الثقافة والحياة العملية. ويؤكد لنا علماء الإنسان من أمثال "مالينوسكي" و"هوكارت" أن لغة المجتمع تعكس لنا طريقة تصنيفه للأشياء وتقسيمها إلى أنواع، ويبدو ذلك في سلوك الجماعة حينما تمارس نشاطها العملي. وقد شرح مالينوسكي بوضوح تلك الصعوبة التي تواجهنا عند محاولة فهم مدلول الكلمات دون الإشارة المستمرة إلى المضمون الثقافي العام.
وقد استطاع علماء اللغة المحدثون أن يكتشفوا العلاقات الوثيقة بين اللغة والتاريخ والحضارة. ولعل نظرية العالم السوفييتي بنيامين لي وورف من أحدث هذه النظريات وأخصبها. فهو يرى أننا جميعا نتعلم لغتنا في فترة الطفولة المبكرة. فيبدأ الطفل في مطلع حياته بإدراك العالم ضمن إطار لغة أمه "الأم". وبغض النظر عن تنوع وغنى العالم الخارجي يبدأ المرء برؤية وإدراك تلك الحوادث التي لها تسميات. أن لغة أمنا تحلل العالم بأسلوبها الخاص وتفرض مثل هذا التحليل والإدراك "التجزئة" علينا جميعا. فالألمان يقولون WORDING OF THE WORLD أي -لو جاز لنا- "تفريد العالم" -أي التعبير عنه بالمفردات.
هذه هي فكرة وورف: أن الناس لا يعيشون فقط في عالم الأشياء التي تحيط بنا وفي عالم الحياة الاجتماعية فقط، بل وكذلك في عالم لغة الأم. أن العالم من حولنا يشيد وفق "عالم اللغة". ويعبر وورف عن هذا بقوله: إن كل لغة تتضمن -عدا الاصطلاحات- آراء وأحكاما تعاكس الآراء والأحكام الأخرى.
стр. 38
غير أن هذا ليس كل شيء فاللغات معرضة للتغير وهذا يشمل التغيرات في العالم المحيط بالناطقين بتلك اللغة. وبصورة أدق، يبقى العالم من الناحية الفيزيائية الطبيعية على ما كان عليه، غير أنه لا يبدو كذلك بالنسبة للوعي الإنساني والاجتماعي١.
وباختصار، يمكن القول أن اللغات تختلف في طرق تناولها للعالم، ويكتسب الشخص لغة الأم منذ مطلع حياته. ولذلك فإنه يدرك العالم منذ طفولته الأولى، ومن خلال زاوية لغة الأم. فنحن أسرى الكلمات، ونحن ندرك قوانين لغة الأم في طفولتنا بشكل آلي وغير واع. وبجانب اكتسابنا للغة الأم بطريقة غير واعية، نكتسب طريقة تفكير خاصة كامنة في تلك اللغة.
وتختلف اللغات في تقسيمها للعالم إلى عناصر بواسطة الكلمات. هنالك، مثلا، كلمة واحدة في لغة الأزتيك تطلق على "الثلج" و"البرد" و"الحديد"، بينما لها كلمات خاصة في اللغتين الروسية والإنجليزية. وللإسكيمو عشرات التسميات للثلج؛ إذ يوصف بكل الأشكال التي تخطر بالبال، الثلج على الأرض، الثلج محمولا على الريح، الثلج الذائب، الثلج المتجمد ... إلخ ولكل حالة كلمة خاصة. كما أنه عند العرب عشرات الكلمات التي يوصف بها الجمل أو السيف، في حين لا توجد سوى كلمة واحدة في الحضارات أو اللغات الأخرى.
стр. 39
لغة الصحافة وخصائصها:
غير أن موقف وورف الذي يتبناه كعالم سوفييتي يؤمن بالمادية الدياليكتية التي تقول إن العالم يسبق الإدراك والأشباه تسبق الأسماء المخصصة لها لا يمكن أن نقبله على علاته -رغم صحته من بعض جوانبه. فهل صحيح أن لكل لغة ميتافيزيقية خاصة بها؟ لنفرض أن نيوتن تكلم وفكر بلغة الهوبي الهندية بدلا من الإنجليزية، فهل ستكون صورة العالم مختلفة فيزيائيا وطبيعيا؟
وبمعنى آخر هل تؤثر اللغة على التفكير؟ لا شك أنها تؤثر، ولكن لا على الجوهر بل على أساليب التفكير. إن جوهر الفكرة هو انعكاس للحقيقة، وإن هدف اللغة هو نقل المعرفة والمعلومات عن الحقيقة. وبغض النظر عن التسهيلات الفنية التي يترتب عليها تنوع أساليب التفكير فإن كل لغة قادرة على إعطاء صورة حقيقية عن العالم الخارجي.
ويرى علماء النفس أن الطفل يبدأ باستيعاب العالم الخارجي قبل أن يكون قد تعلم النطق، فالإنسان يحلل العالم الخارجي قبل أن يولد عند تفكير لغوي. وعندما يتعلم الطفل التكلم، ويبدأ باستعمال لغته لإلصاق التسميات بخبراته المكتسبة. فالأشياء تسبق المفردات والعكس ليس بصحيح. ولنفرض أن رائدين من رواد القضاء أحدهما أمريكي والآخر سوفييتي قد هبطا على سطح القمر، وعاد كل منهما ليروي انطباعاته بلغته الخاصة. فهل تكون الصورة الأمريكية مختلفة عن الصورة السوفييتية للقمر؟
لقد زار الرحالة العرب قبل أكثر من ألف عام أراضي دول الشمال، وكانت طبيعة وتقاليد وعادات الفايكنج من سكان الشمال غريبة تماما في نظر الزوار العرب، وكانت الغرابة تضاهي غرابة القمر بالنسبة لسكان الأرض وبالإضافة إلى ذلك فإن اللغة العربية تختلف اختلافا تاما عن اللغة النورماندية. ومع ذلك ترى وصف العرب يتفق مع وصف النورمانيين بالنسبة لنفس الظواهر والحوادث والمدن. وأن كل لغة تصور العالم بطريقتها الخاصة، ولكن الرسالة عن الحقيقة تنقل بدقة وصواب.
ويقارن علماء اللغة المعاصرون نظام اللغة بنظام الإحداثيات الهندسية، فالانتقال من لغة إلى أخرى شبيه بالانتقال من نظام هندسي للعلاقات إلى الآخر. أن العالم الخارجي هو نفسه غير أن صورته تختلف باختلاف اللغات.
إن العالم موغل في التنوع، كما أن عدد الكلمات محدودة في أية لغة. وقد نستطيع عند التعبير العملي العام "وهو التعبير الصحفي كما سنعرف فيما بعد" أن نهمل قطاعات من التفاصيل غير الأساسية ونركز على صفات بارزة
стр. 40
معينة. فالفنان الذي يتعامل بالألوان يجد من الضروري التمييز بين أدق الدرجات اللونية ومنحها تسميات متباينة، في حين أن الشخص العادي لا يشعر عادة بالحاجة إلى أكثر من بضعة صفات لتلبي حاجاته.
إن لغة الصحافة هي اللغة السريعة المباشرة العادية الواقعية، فهي تستطيع أن تذكر كلمة كلب أو جمل دون الدخول في التسميات الدقيقة التي قد يهتم بها عشاق الكلاب أو خبراء الجمال. إن تجربتنا العملية، تجعلنا نستطيع أن نلخص، ونكتسب الخبرات عن طريق تبسيط المعاني، ونمذجتها في قوالب خاصة، وهذا هو أساس الفن الصحفي.
стр. 41
مستويات التعبير اللغوي:
إن اللغة تتميز على غيرها من الرموز والنظم الإشارية بأنها في متناول الجميع، وبمعونتها نستطيع نمذجة العالم، وهذا يميزها عن العلم والفن أو الأدب اللذين يتطلبان تدريبا خاصا. فالفنان يستطيع خلق أسلوبه الخاص -"لغته" الفنية الخاصة- وأسلوبه الجمالي، ورموزه الشخصية. فقد سئل الشاعر العربي القديم لماذا لا تقول ما يفهم؟ فأجاب قائلا: ولماذا لا تفهمون ما أقول؟ وسئل الفنان الحديث بيكاسو: لماذا لا تصور ما يفهمه الناس؟ فأجاب أن للفن رموزا تشبه اللغة الصينية وعليك أن تفهمها أولا.
والعالم كذلك له رموزه وصيغه وأرقامه في علوم الطبيعة والرياضة والكيمياء والفلك والمنطق وغيرها. ولا يمكن فهم الرياضة إلا بعد إتقان هذه الرموز يتدرب خاص. أما اللغة العملية، اللغة اليومية، اللغة الاجتماعية، لغة الفن الصحفي فتمتاز بالشمول كما أنها لغة طبيعية منذ الطفولة، في حين أن لغة العلم ولغة الفن من اللغات المصطنعة التي لا يمكن اكتسابها إلا بعد سنوات من المران والتدريب.
وهكذا توجد ثلاثة مستويات للتعبير اللغوي: أولها المستوى التذوقي الفني والجمالي ويستعمل في الأدب والفن، والثاني هو المستوى العلمي النظري
стр. 42
التجريدي، ويستعمل في العلوم، والثالث هو المستوى العملي الاجتماعي العادي وهو الذي يستخدم في الصحافة والإعلام بوجه عام. وهذه المستويات الثلاثة كائنة في كل مجتمع إنساني، والفرق بين المجتمع المتكامل السليم، والمجتمع المنحل المريض هو في تقارب المستويات اللغوية في الأول، وتباعدها في الآخر. فتقارب مستويات التعبير اللغوي دليل على تجانس المجتمع، وتوازن طبقاته، وحيوية ثقافته. ومن ثم إلى تكامله وسلامته العقلية، فمن الثابت أن العصور التي يسود فيها نوع من التآلف بين المستويات العلمية والأدبية والعملية، هي غالبا أزهى العصور وأرقاها. أما إذا كان كل مستوى لغوي بعيدا كل البعد عن الآخر فهو دليل على الانفصام العقلي في المجتمع، وهذا إلى التدهور والانحطاط والشيخوخة والانحلال١.
وقد حدث هذا لأوروبا في العصور الوسطى عندما كانت اللغة اللاتينية مستأثرة بالدراسات الأدبية، بينما كانت اللغات الاجتماعية محتقرة منبوذة، لا تستعملها إلا الطبقات العاملة الفقيرة، فعاشت في عصور مظلمة، وباتت تتردى في الجهل والتعصب والتنافر والتنابذ. وفي الوقت نفسه، سادت في العالم الإسلامي آداب رفيعة، وكانت اللغة العربية شائعة بين الحكام والمحكومين، مستعملة في الآداب والعلوم، وفي الحياة العملية. ولم تكن الفروق اللغوية بين هذه المستويات شاسعة مفزعة، كما كانت في أوروبا بين اللاتينية والإنجليزية أو الألمانية مثلا، فكان تآلفا في المجتمع وانسجاما بين طبقاته، وحيوية وتكاملا في العقل الجماعي والوجدان الجماعي.
وعندما أهل عصر النهضة في أوروبا، وأخذت اللغات المحلية تتبوأ مكانتها اللائقة بها، وتقاربت المستويات اللغوية في الأدب والعلم والمجتمع، أخذت العقلية الاجتماعية تسترد قوتها وسلامتها، وزايلها الانفصام العقلي، وتقاربت المستويات نسبيا، حتى إذا بلغت اللغات المحلية مبلغ النضج والاستواء، كان دانتي وشكسبير وبيكون ولوثر ثم نيوتن وجاليليو وغيرهم.
стр. 43
وفي نفس هذه الظروف وبفضلها أيضا، ظهرت لغة الصحافة. فكانت مثل ديفو اصطنع أسلوبا صحفيا يقترب من أسلوب المحادثة المرسلة، فكان ذلك سببا في رميه بالجهل، واتهامه بالسوقية، كما رمي سلامه موسى وغيره من المجددين في الأسلوب الصحفي. لقد بلغ احتقار الأديب سويفت للكاتب الصحفي ديفو أنه كان يشير إليه قائلا: "ذلك الشخص الأمي الذي أنسى اسمه دائما! " ولا شك أن هذا التحقير من شأن ديفو إنما يرجع إلى الغيرة والحسد؛ لأنه كان يتمتع بشهرة شعبية مدوية.
ومن أهم ما يميز ديفو عن غيره من الكتاب أنه استطاع كتابة اللغة الإنجليزية بقوة وحيوية مستمدا ذلك من التقارب بين لغة الكتابة الصحفية ولغة التفاهم العادي. ويرجع تفوق ديفو في فن الأسلوب الصحفي إلى حقيقة هامة وهي أنه بحكم كونه من المخالفين للكنيسة، كان يتلقى تعليمه في الأكاديميات الحرة لأن الجامعتين الرسميتين "أكسفورد وكمبردج" كانتا لا تقبلان المخالفين كطلبة فيها.
وقد التحق ديفو بالأكاديمية المشهورة نيوينجتون جرين١ حيث كانت التربية تمر في مراحلها الحديثة، فبدلا من الخطة التقليدية التي اعتمدت على المنهج الثلاثي٢ "وهو النحو والمنطق والبلاغة" في المدرسة، المنهج الرباعي٣ "وهو الحساب والهندسة والفلك والموسيقى" في الجامعة، نجد أن الأكاديميات كانت تعنى بالمواد بالحديثة كالعلوم والتاريخ والجغرافيا. وقد تعلم ديفو مثلا اللغات الفرنسية والهولندية والإسبانية والإيطالية لأن الأكاديمية كانت تضع اللغات اللحية موضع الاعتبار وتهتم بها اهتمام الجامعتين التقليديتين باللغات الكلاسية القديمة.
وكانت ثورة تعليمية كبرى أن يقف ناظر المدرسة التي تعلم بها ديفو اسمه مورتون٤ ليشرح المواد الدراسية باللغة الإنجليزية فقد كانت المدارس
стр. 44
التقليدية تحتم أن يدرس كل شيء باللاتينية، وكان يخصص أحد الطلبة لكي يتجسس على زملائه ويضبط من تسول له نفسه أن يتحدث بالإنجليزية بدلا من اللاتينية! أما الأكاديمية التي تعلم بها ديفو فقد ضربت بهذه التقاليد البالية عرض الحائط، ونظرت إلى الرطانة اللاتينية باستخفاف، واهتمت بدلا منها باللغات الحديثة والعلوم والمواد الاجتماعية.
ومن الطريف أن ديفو قد تعلم الاختزال في أكاديمته، أما المعامل والمتاحف والمضخات والأجهزة وغيرها، فقد كانت من أهم مستلزمات الدراسة في الأكاديميات لأن الطبيعة والفلك والكيمياء كانت علوما أساسية. وهكذا أتيح لديفو برنامج تعليمي حديث بعكس البرامج التعليمية الشكلية الجافة في المعاهد الأخرى وكانت هذه الدراسة خير تمهيد لتخريج مثل هذا الصحفي العبقري، والذي تفوق في فنون الأخبار، وابتكر فن التحقيق الصحفي واكتشف فن الحديث الخاص أو المقابلة الصحفية، وبرع في كتابة المقال الافتتاحي، وتفوق على معاصريه في فن المقال الاقتصادي والتجاري.
стр. 45
التقارب بين المستويات اللغوية:
وقد كانت مصر في أتعس أيامها وأحلك عصورها -في القرون السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر- تعاني من الانفصام العقلي في المجتمع، حيث سادت لغة أدبية منمقة متكلفة كتقليد سخيف للطريقة الفاضلية في الكتابة، عقيمة مصطنعة لم يألفها الشعب، ومن ثم لم يتأثر أو ينفعل بها، وويل للمجتمع إذا كان أدبه لا يتفاعل مع أفراده؛ إذ تتسع الهوة بين لغة الأدب ولغة الحياة اتساعا مفزعا، فيمرض العقل، ويذوي الفكر، ويتدهور المجتمع، وتتنافر طبقاته.
وقد وجدنا أن كل عصر يتخذ فيه الأدب لغة رسمية مصطنعة يختص بها، في أسلوب من الصور البيانية والحيل البديعة المتراكمة، يصبح الأديب فيه كالكاهن إنسانا غامضا، وشخصية رهيبة مفزعة، وتلك أعراض المجتمع المريض،
стр. 46
والحضارة المنحلة. وقد حدث ذلك -كما قلنا- في العصور الوسطى في أوروبا كما حدث في إنجلترا في مستهل الفتح النورماندي، وحدث أيضا في مصر بعد الفتح التركي حتى القرن التاسع عشر. ولا زلنا نصطلي ببعض ناره.
وتشير أبحاثنا التي أجريناها في نواحي الإعلام وعلم الدلالة أن اللغة العربية في مسيس الحاجة إلى الإثراء الفكري، والتقارب بين المستويات المختلفة. ويقيننا أن الحل الوحيد هو ضرورة استعمال اللغة في ميادين العلم الحديث، وخاصة الطب والهندسة والعلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية الحديثة. والرأي عندنا أننا لا ينبغي أن ننتظر حتى تقنن المصطلحات، فلا يكفي أن نبقى بمعزل عن الحضارة الحديثة، وما لم تستعمل لغتنا في هذه الميادين، فإننا نحكم على أنفسنا بالعزلة والتخلف. فاللغة والفكر وجهان لشيء واحد كالعملة تماما. ولكي تساير اللغة العربية الحضارة الحديثة، لا بد وأن تعبر عن الفكر الحديث، وهي قادرة على ذلك، غير أنها تعاني من البطالة وعدم الاستعمال.
فليس غريبا أن يكون ظهور أول صحفي مصري وهو رفاعة الطهطاوي في عصر محمد علي مقترنا بنهضة علمية، والتحام بين الثقافة الشرقية والثقافة العربية، واهتمام بالترجمة. وحتى السوريون الذين نزحوا إلى مصر من أمثال أديب إسحاق وسليم النقاش وبشارة وسليم تقلا ويعقوب صروف وجرجي زيدان وغيرهم كانوا تلاميذ لحركة نشر العلوم وتنشيط الفنون التي أنشأها القس غالي سميت والدكتور كرنيليوس فان ديك والقس وليم طمسون والمستشرق منصور كرلتي والدكتور يوحنا ورتبات وتشرشل وغيرهم. وكان من أعضائها ناصيف اليازجي وسليم دي نوفل وميخائيل فرج الله ونعمة ثابت وأنطونيوس الأميوني.
ولا شك أن الدكتور يعقوب صروف الذي حصل على بكالوريوس العلوم من الجامعة الأمريكية في بيروت سنة ١٨٧٠ قد ترجم الكثير من الكتب العلمية وجعل من مجلة المقتطف نقطة تحول في الفن الصحفي في محاولاته الأدبية والاقتصادية والسياسية. كما كان يقارن بين كتابات هربرت سبنسر في علم الاجتماع الإنساني ومقدمة ابن خلدون في نفس العلم. وليس من قبيل المصادفة أن يكون جمال الدين الأفغاني ويعقوب بن صنوع والشيخ محمد عبده ومصطفى كامل
стр. 47
وأحمد لطفي السيد ومحمد حسين هيكل من رواد الصحافة الذين جمعوا بين الثقافة العربية المصرية والصحافة الأوربية. وقد استطاع هؤلاء بجهودهم الرائعة أن يخلقوا لغة الفن الصحفي العربي التي تقترب من لغة الأدب، وتمتاز بالسلاسة والواقعية والتبسيط.
ولقد توجت هذه الجهود بظهور الصحافة الإخبارية الحديثة، وبالتنويع في وسائل الإقناع الصحفي بالصورة الفوتوغرافية والصورة الكاريكاتورية، والعناية بالأخبار النائية. وقد تطلب ذلك استخدام لغة صحفية تتلاءم مع شعبية الصحافة، تتوخى السهولة والتبسيط، دون أن تهبط إلى العامية في اللفظ، أو السوقية في الفكر.
وهكذا تتقارب المستويات اللغوية العلمية والجمالية والعملية؛ لأننا كلما نزلنا في سلم التطور الحضاري للمجتمعات، وجدنا فروقا شاسعة بين المستويين الأدبي والعلمي للغة. ويؤكد عالم الاجتماع كارل بوخر١ أن اللغة المستخدمة في المجتمعات البدائية تنقسم إلى قسمين مختلفين تمام الاختلاف: لغة جمالية للأغاني والقصائد والأناشيد، وأخرى عملية للتفاهم، وهي تختلف عن الأولى اختلافا كبيرا، حتى إن إيقاع لغة التفاهم لا بد وأن يتغير تغيرا تاما لكي يتلاءم مع إيقاع الشعر. ويقول إن سكان جزائر أندامان٢ يغيرون من طول الكلمات تغييرا جوهريا حتى ليمكن القول بأن لهؤلاء الناس لغة شعر خاصة غير لغتهم المستعملة في الحياة، ويضيف يسبرسون٣ على ذلك قوله: إن اللغة الجمالية لا يفهمها الناس. حتى إن كثيرا ما يضطر المؤلف إلى شرح قصيدته للمغنيين والمستمعين قبل الأداء
стр. 48
التبسيط والنماذج الصحفية:
والتبسيط سمة هامة من سمات الفن الصحفي الذي يعرض الأحداث والأفكار منتزعة من سياقها كما لو كانت وحدات مستقلة. ويلجأ الصحفيون إلى التركيز أحيانا نتيجة لضغوط الحيز الضيق في الصحف والمطبوعات. ويلعب عامل الوقت دورا رئيسيا في تغطية الأخبار وتحريرها وإخراجها. ففي الصحافة لا بد من مراعاة موعد الطبع ومواعيد القطارات ووسائل المواصلات الأخرى للتوزيع. وقد رأينا أن الفن الصحفي يمتاز بالدورية والإيقاع، فهو يروي حدث بعينه في إطار زمن محدد. والزمن المميز على هذا النحو ليس هو الزمن الطبيعي للإنسان العادي؛ لأنه نظرا لدورية المطبوع يكون هذا الزمن عاملا موضوعيا خاضعا لظروف خارجة عن الظروف النفسية للحدث تتحكم فيه على الرغم من إمكان إدخالها ضمنه.
فالصحفي فنان تحكمه دورية الصحفية وحدودها الزمنية، كما أنه مقيد بالاهتمام الإنساني لجمهوره. وهكذا نجد أن ظروف المرسل والمستقبل جميعا تجعل التبسيط أهم سمات الفن الصحفي، نظرا لقيود الحيز والزمن والدورية بالنسبة للمرسل، وحدود الفهم والتلقي بالنسبة للمستقبل أو الجمهور.
وعلى هذا الأساس نجد أن وسائل الفن الصحفي تعرض مواد مبسطة يسهل على الجماهير استيعابها وفهمها، كما أنها تتمشى مع قيم المجتمع وعاداته وتقاليده. وينتج عن ذلك أن ما يعرض على الناس ليس هو الحقيقة الكاملة وإنما هو الحقيقة الواقعية المبسطة. ولا بد أن تكون المادة المعروضة متفقة مع الثقافة الشائعة، والمعتقدات الدينية، والمعايير الإخلاقية؛ لأن الفنان الصحفي مرتبط بهذه المعايير.
وقد سبق القول أن اللغة الصحفية ترمي إلى النمذجة والتبسيط؛ لأن العقلية الجماهيرية تركن إلى الاستعانة بالرموز والأنماط والنماذج والتجسيد، فهي لا تتخذ سبيل التحليل الموضوعي والدراسة العلمية للوصول إلى الحقائق. وهنا تظهر عملية الرموز المجسدة أو الأنماط أو النماذج، التي تقوم مقام التجربة الفردية أو الجماعية، فيصبح النمط نموذجا جامدا لشخص أو فكرة. وهكذا يلجأ العقل إلى خلق الرموز كعملية حتمية لتنظيم التجارب الإنسانية العديدة.
حقيقة إن هناك نمذجة عن طريق الفلسفة والعلم والفن، غير أن هذه نمذجة تقصد لذاتها، أما النمذجة الصحفية فهي تقصد لأسباب خارجية أهمها التبسيط للجماهير. وتعتبر اللغة هي الوسيلة الرئيسية لنقل المعرفة في المجتمع
стр. 49
الإنساني، وهي قادرة على تصوير العالم من زاوية معينة، وهنا يكمن الفرق بين المستوى العلمي للغة باصطلاحاته الفنية المجردة، والمستوى العملي بواقعيته وعموميته.
وتقوم هذه النماذج على أساس انتزاع بعض الصفات، وتحريرها من سياقها العام، ثم إبرازها وإلقاء الضوء عليها، مع إعطاء مغزى لها يميزها وييسر فهمها. ومن الطبيعي أن تقوم هذه العملية على أساس التضحية بالتفاصيل، وعدم الاحتفاظ بالنسب الحقيقية في الشخصية الأصلية، من أجل خلق النموذج المبسط الذي يفهمه الناس. فالعامل والفلاح والطالب والمدير والزنجي واليهودي والأمريكي والأوروبي واللص والشرير كل هذه نماذج بشرية تقدم في بضع خطوط أو لمسات شديدة الاختزال تبعد عن الحقيقة الكاملة بتفاصيلها الكثيرة المتشعبة.
وما أشبه فن النماذج بفن الكاريكاتور! إن البطل عادة وسيما مديد القامة، متناسق الأعضاء، بينما يظهر الشرير قبيح الصورة، منعدم الاتساق في قسماته وأعضاء جسمه، وقد يضيف الوشم أو ندبة الجرح القديم إلى نموذج الشخصية الإجرامية ما يسهل تمييزها.
لا يقتصر أمر النماذج على الشخصيات بل يتجاوزها إلى الأفكار والعقائد والمذاهب. فهناك أفكار ثابتة عن الشيوعية أو البرجوازية أو الرأسمالية. وتتلقى الجماهير ثقافتها ومعلوماتها من خلال هذه النماذج. وتتضح خطورة هذه النماذج عند المبالغة في التبسيط. فليس غربيا أن نجد الزنوج كسالى والعرب متخلفين والإيطاليين مجرمين واليهود ماكرين خبثاء والأيرلنديين مخرفين حالمين، والرجل الأبيض تقدميا عظيما، والرجل الملون مهضوم الحق حقيرا، فضلا عن معاني الحرية والديمقراطية والاشتراكية والشيوعية التي تتردد كذلك بنفس البساطة النمطية، التجسيد السريع برسم خطوط عاجلة.
стр. 50
لغة الأدب ولغة الصحافة:
وخلاصة القول أن العالم والفنان يعبران عن حقيقة واحدة بطريقتين مختلفتين: الأول يعبر بطريقة نظرية والآخر يعبر بطريقة جمالية، وهذان المظهران من مظاهر الحقيقة ليسا مظهرا واحدا، فكلمة "أحمر" أو "أزرق" أو "أصفر" على سبيل المثال تستخدم كإدراك افتراضي وكإدراك وهمي في كلا المستويين العلمي والجمالي، أي أن هذه الكلمة تستخدم فعليا بمستويين مختلفين في المعنى.
ففي الحالة الأولى تعني هذه الكلمة عدد افتراضي من أطوال الموجات غير المنظورة في النظرية الكهربائية المغناطيسية، وإن كان من السخف حقا أن نقول -على سبيل المثال: إن طول الموجة "أزرق". أو أن نؤكد بلا معنى أن لهذه الكهربائيات صوتا ما. أما الحالة الثانية فإن هذه الكلمة تعني للمصور أو الرسام الإحساس الفوري باللون، وهنا يدرك الفنان اللون إدراكا مباشرا، دون ما أشارة إلى المغزى النفعي للون أو الاصطلاحي له. فإذا عرجنا على المستوى الثالث للغة بعد المستوى الجمالي والمستوى النظري وهو مستوى لغة الحياة اليومية، فإننا نواجه المعبر الفعلي عن هذا المستوى، ألا وهو الفن الصحفي.
والصحافة تضم أنواعا متباينة من اللغة كلغة التجارة، واللغة الرسمية، ولغة الدين، واللغة العامية الخاصة بالعمال والفلاحين، واللغة الدارجة ... إلخ ولكن لغة الفن الصحفي هي لغة جديدة، تقرب من لغة المحادثة المثقفة، وهي ليست لغة مباشرة كلغة الأدب، التي يصور بها الأديب ما يراه ويرسمه بقلمه؛ لأن لغة الفن الصحفي هي لغة المغزى والمعنى والأهمية.
حقيقة أن "نقاء" لغة الأدب، حين يعبر الفنان عن اللون باللون، وعن النغمة بالنغمة وعن الشكل بالشكل، قد تظهر في الصحافة أحيانا، كما أن لغة العلم قد تظهر في بعض الصحف، ولكن لغة الفن الصحفي الأصيل، القائمة على الوظيفية الهادفة والوضوح والإشراق، اللغة العملية، تكاد تكون فنا تطبيقيا قائما بذاته. فالفن الصحفي تعبير اجتماعي شامل، ولغته ظاهرة مركبة خاضعة لكل مظاهر النشاط الثقافي من علم وفن وموسيقى وفن تشكيلي ... إلخ، هذا إلى جانب السياسة والتجارة والاقتصاد والموضوعات العامة.
إن الفن الصحفي فن تطبيقي يهدف إلى الاتصال بالناس ونقل المعاني والأفكار إليهم، فهو أداة وظيفية وليس فنا جماليا يقصد لذاته. وسنرى أن للفن الصحفي وظائف محدودة هي: الإعلام والتفسير والتوجيه والتشويق والإمتاع والتنشئة الاجتماعية. ومع ذلك فلغة الفن الصحفي تختلف عن كل هذه جميعا لأنها تتضمنها كلها ولا تقتصر على أي منها؛ لأن القراء ليسوا قطاعا واحدا من الناس ولكنهم في الغالب كل الناس، ولأن الصحفي يكتب لكل الناس في كل الأوقات -وليس لجزء من الناس في كل الأوقات أو لكل الناس بعضا من الوقت- فإنه يجب عليه أن يجاهد لتحقيق هدفه بوجه عام وهو جعل رسالته مفهومة لدى الجميع.
стр. 51
قارئ الصحيفة وقارئ الكتاب:
إن هدف الأدب جمالي في حد ذاته، فإن أولئك الذين يكتبون القصة أو الرواية أو المسرحية أو الشعر أو النثر، إنما يخلقون آفاقا جديدة وشخصيات افتراضية بأسلوب يمس حاسة الجمال لدى القراء. أما الصحفيون فلا يمكنهم أن يفعلوا بعض هذه الأشياء، فإنهم -على سبيل المثال- لا يصورون ما يعتبر هروبا من الواقع في حقبة سحيقة أو وهمية. وهناك معيار مؤكد يحكم اختيار موضوعاتهم، فيجب عليهم أن يكتبوا حول ما هو في متناول اليد في ذات الزمان والمكان، ومدى ما يمكن عمله في هذا المجال، مشروطا -بالطبع- بأهمية النتيجة التي تعطيها الفكرة أو الحادث أو الموقف وبسياسة مؤسساتهم الصحفية، وهذا ما عبر عنه الدكتور كامبل بقوله: "إنهم بشبهون العلماء الذين يعملون في معمل، لكن معملهم هو العالم كله، وتجربتهم هي الحياة ذاتها"١.
إن لغة الفن الصحفي لا تهدف إلى مناشدة حاسة الجمال لدى القراء، بل على العكس من ذلك، تتضمن اتصالا ناجحا أساسه الوضوح والسهولة. وقد قال "هربرت سبنسر"٢ ذات مرة: "إن لدى القارئ أو المستمع في أي لحظة من اللحظات طاقة ذهنية محدودة يمكن استغلالها لتعرف وتفسير الرموز المعروضة
стр. 52
عليه والتي تتطلب جزءا من طاقته الذهنية، أما ترتيب وتنسيق الصور المعروضة عليه فإنها تتطلب جزءا أكبر من المقدرة. والجزء الباقي يمكن تخصيصه للفكرة ذاتها، أما الطاقة الذهنية الأقل حيوية فهي لفهم هذه الفكرة. ويمكننا بالاستعارة تشبيه اللغة بأنها سيارة أن حافلة الأفكار التي يكون من الطبيعي أن الاحتكاك والقصور الذاتي في كل أحوالها يحدان من كفاءتها، والهدف الأساسي في الموضوع -وهو ليس الهدف الوحيد- أن نقلل من هذا الاحتكاك والقصور إلى أقل درجة ممكنة".
إن الفن الصحفي هو فن التغلب على عقبات الفهم ويسر القراءة. ولما كان النص في الصحيفة هو العماد أو الأساس، فيمكن تشبيه الصحفي بمرسل الشقرة والقارئ بالمستقبل، وهذه هي عملية الاتصال التي ينبغي أن تتم بأقل ما يمكن من تداخل، وبطريقة اقتصادية ناجحة. وعلى الصحفي أن يختار رموزه -كلماته وصوره ورسومه وعناوينه- ويقدمها بعناية تامة، وأن يعرف مدى سرعة القراءة لدى القارئ، ومدى التركيز على الكلمات أو مجموعات الكلمات ومدى ما يستوعب في ذاكرته من المعاني المؤقتة حتى ينتهي من قراءة الجملة، وهي في الواقع عملية نشطة يشترك فيها القارئ مع الكاتب لإدراك الصور وتطويرها، فكل كلمة أو كل مجموعة من الكلمات يضمنها في عبارات نصه يجب أن تكون مفهومة من عامة القراء، كما يجب أن تعرض بطريقة جذابة تحقق يسر القراءة، وهو ما يعرف بفن الإخراج الصحفي.
أما فنون التورية وازدواج المعاني أو الهالات الانفعالية حول الألفاظ، وغيرها من فنون الأدب التي تؤدي إلى تداعي المعاني وخاصة في الشعر، فهي بعيدة تماما عن الفن الصحفي؛ لأنها تقطع تيار الاتصال الذي يجب أن يظل مجراه صافيا نميرا.
والواقع أن موقف قارئ الصحيفة يختلف عن موقف قارئ الكتاب. فبينما هو يقرأ الصحيفة بانتباه غير مركز كما يفعل في الحديقة أو القطار أو حتى في الأتوبيس وأثناء تناول الإفطار أو الغذاء، فإن قارئ الكتاب قد يكرس انتباهه ووقته للتركيز على ما يقرأ. ومن هنا كانت ضرورة عرض الأخبار بطريقة صحفية فنية واضحة متلاحمة جذابة تطغى على كل تداخل، ولا يجد القارئ صعوبة في متابعتها.
ويجب على الصحفي أن يضع في اعتباره التصميم محدود المساحة للعمود في الصحيفة والحروف الصغيرة التي تطبع بها وتكون من الصعوبة قراءتها -أحيانا- وخاصة لضعاف البصر. وهذه العوامل تهم الصحفي إلى حد كبير؛ إذ عليه أن يختار كلماته ويضعها في جمل وفقرات تساعد على استبعاد تداعي المعاني أو ازدواجها.
стр. 53
نظرية فليش في التجريد:
وليس على الصحفي أن يؤثر على القارئ بثروة كلماته وجمله، بل على العكس من ذلك، فإن عليه أن يختار كلماته لتناسب القارئ بوجه عام. ومن ثم فإن الكلمات الأكثر شيوعا تستخدم بدلا من الكلمات النادرة الاستعمال.
وقد قام ثورنديك ولورج١ بدراسات لاستكشاف الكلمات الشائعة والأكثر شيوعا. وقد توصلا إلى أن كل ألف كلمة من الكلمات الشائعة تمثل نسبة ٨٠% من الكلمات الإجمالية التي وجداها في بحثهما في الكتب والمجلات، أما التسعة آلاف كلمة الشائعة التي تليها فتمثل نسبة ١٨% من الكلمات الإجمالية. أي أنه يمكن القول بأن العشرة آلاف كلمة الشائعة تمثل ٩٨% من مجموع الكلمات المستخدمة في الصحف والمجلات.
ويفضل الصحفي أن تكون كلماته خالية من ازدواج المعنى والتورية والغموض. وقد صور لنا كوزبكسكي ومن بعده هاياكاوا٢ عملية تجريد اللغة من عوامل الغموض والتورية، ومحاولة التخصيص فتحدثا عن "سلم التجريد" وهو السلم الذي يوضح مدى اختلاف مستويات التجريد. وعلى سبيل المثال، فإن السلم يرتفع صعودا على هذا النسق:
стр. 54
أ- أن كلمة "بيسي" وهو اسم البقرة المحددة أو البقرة "١" يجعلها تختلف عن البقرة "٢" أو البقرة "٣" إلخ.
ب- كلمة البقرة.
ج- كلمة "ماشية" التي تصنف البقرة "بيسي" مع سائر الحيوانات الأخرى التي تشاركها نفس الخصائص.
د- كلمة "الموجودات" أو "الأوصول" أو "الممتلكات" الزراعية التي تصنف "بيسي" مع غيرها مما يشترك معها في هذه الخصائص.
هـ- كلمة "الأصول".
و كلمة "الثروة" وهي أعلى مستويات التجريد في هذا السلم.
وقد اكتشف الدكتور رودلف فليش معادلة أو صيغة لقياس يسر القراءة أو ما اصطلح عليه بكلمة "الانقرائية"، كما اكتشف معادلة أخرى لقياس "الجاذبية الإنسانية أو الاهتمام الإنساني". وقد بنى معادلته الأولى عن الانقرائية على أساسين:
الأول: متوسط طول الجملة.
الثاني: متوسط طول الكلمة محسوبا بالمقاطع.
أما معادلة الاهتمام الإنساني أو الجاذبية فهي مبنية على أساسين هما:
أولا: متوسط النسبة المئوية لعدد الكلمات الشخصية، وهي جميع الأسماء المعبرة عن الجنسين الطبيعيين، وجميع الضمائر فيما عدا الضمائر المحايدة، وكلمة الناس المستخدمة مع أفعال الجمع، وكذلك كلمة القوم أو الأهل.
ثانيا: متوسط النسبة المئوية للجمل الشخصية، وهي جمل المحادثة المنطوقة التي تقع بين علامات التنصيص أو الاقتباس، وكذلك الجمل المنتهية بعلامات الاستفهام أو علامات التعجب ومنها جمل الرجاء والطلب والأمر، وكذلك
الجمل الناقصة على أساس النحو اللغوي ولكن يمكن للقارئ فهمها من سياق الحديث.
ويضيف الدكتور فليش أن عامل الاجتذاب الإنساني أو الاهتمام الإنساني يساعد على يسر الفهم، ومن فوائده العظمى حث القارئ وتشويقه للقراءة.
ويبدأ مقياس فليش من الصفر إلى المائة بالنسبة لكل من الانقرائية والجاذبية. ويبدأ مقياس الانقرائية من السهل إلى المتوسط إلى الصعب للغاية، كما يبدأ مقياس الجاذبية من الممل إلى المشوق إلى الدرامي.
стр. 55
تطبيقات معادلة فليش:
ويفسر لنا فليش كيفية تطبيق معادلته على النحو التالي١:
الخطوة الأولى: إذا أردت أن تختبر قطعة كبيرة من نص معين، فيحسن استخدام العينات، ويمكن أخذ من ثلاث إلى خمس فقرات من المقال ومن ٢٥ إلى ٣٠ فقرة من الكتاب. ولا ينبغي انتفاء عينات مثالية أو ممتازة. ويمكن أخذ عينات منتظمة بمعنى اختيار الفقرة ٣ ثم ٦ ثم ٩ وهكذا.. بحيث تبدأ العينة من بداية الفقرة.
الخطوة الثانية: تحصى الكلمات في القطعة المختارة كلها، وفي حالة العينات تحصى الكلمات حتى المائة. مع ملاحظة أن حروف الاختصار، وعلامات الوصل أو الشرطة تعد كلمة، كما تحسب كلمات جميع الأرقام والحروف الواقعة بين مسافات.
الخطوة الثالثة: تحصى المقاطع في المائة كلمة المختارة.
الخطوة الرابعة: تحصى الجمل على أساس وحدات الفكر، لا علامات الوقف.
стр. 56
الخطوة الخامسة: تحصى عدد الكلمات الشخصية في كل مائة كلمة.
الخطوة السادسة: تحصى الجمل الشخصية بالنسبة لكل مائة جملة.
الخطوة السابعة: استخلص يسر القراءة "ي ق" بإحصاء عدد المقاطع في مائة كلمة أي طول الكلمات "ط ك" ومتوسط طول الجمل "ط ج" طبقا للمعادلة الآتية:
ي ق "يسر القراءة"= ٢٠٦.٨٣٥-٨٤٦ ط ك-١.٠١٥ ط ج.
الخطوة الثامنة: استخلص درجة الجاذبية الإنسانية "ج أ" بإدراج النسبة المئوية للكلمات الشخصية "ك ش" والنسبة المئوية للجمل الشخصية "ج ش" طبقا للمعادلة الآتية:
ج أ "الجاذبية الإنسانية"= ٣.٦٤٥ ك ش + ٠.٣١٤ ج ش. وقاعدة الجاذبية الإنسانية سوف تضع النص على المقياس الذي يبدأ من أقصى الممل في ناحية إلى أقصى الدراما في الناحية الأخرى مع وجود عنصر التشويق والتشويق للغاية بينهما.
وفيما يلي جدول فليش للجاذبية الإنسانية:
стр. 57
ومن الأمثلة الطريفة على الفرق بين لغة الفن الصحفي ولغة الأدب عنصر التكرار، الذي يعتبر عاملا هاما للقضاء على الغموض وازدواج المعنى. فالصحفي لا يتردد في تكرار كلمات معينة بغرض الوضوح وتبديد كل غموض محتمل.
وقد حذر "فولر" من التباين المنسجم الذي يستخدم الكلمات المترادفة لكي يتجنب تكرار الكلمة ذاتها. ومثال ذلك: أن المجموع الكلي "للملاك" الزراعيين وهو ٢٥.٠٠٠ منهم ٨٠٠ "لديهم" أكثر من ٦٠٠ فدان، ١٦٠٠ "يمتلكون" ما بين ٣٠٠ و٦٠٠ فدان، بينما ١١٦.٠٠٠ "عندهم" أقل من سبعة أفدنة.
بل إن الصحفي أحيانا بفضل تكرار الاسم بدلا من الضمير لأن قارئ الصحيفة ليس لديه نفس المقدرة الاستيعابية لقارئ الكتاب. وقد أثبت جيمس مارلو الصحفي بوكالة أسوشيتدبرس الأمريكية للأنباء في دراسة له أن التكرار كثيرا ما يؤدي إلى يسر القراءة. ولكن التحدي الذي يواجهه الكاتب الصحفي
стр. 58
وهو كيف يكون التكرار مفيدا دون أن يكون مملا. ويعتبر الحشو اللفظي، والأطناب الذي لا داعي له، ثرثرة مملة. ويضرب ممثلا لهذه العبارة بتكرارها العقيم "البرميل الخالي الذي لا يوجد شيء بداخله".
التبسيط -إذن- والسلاسة والوضوح، والاقتراب الشديد من لغة الحديث الواقعي الحي المثقف، دون إسفاف أو هبوط إلى العامية، واستخدام اللغة العملية التي تعبر عن الحياة والحركة والعمل والإنجاز هي اللغة الصحفية المؤثرة حقا.
ومن الطريف أن هذه اللغة الحية هي نفس اللغة التي اقتربت من الأدب عند الجاحظ، وعند شكسبير نفسه، وكثيرا ما كان حاسدو شكسبير يرمونه بالسوقية؛ لأنهم عاجزون عن اصطناع أسلوبه الرائع، السهل الممتنع، القوي العبر، المتدفق في حيوية وإيقاع، والمليء بالتشبيهات والاستعارات والمجازات التي تزيد النص جلاء ووضوحا وبهاء وإشراقا.
وقد كانت عظمة عصر النهضة أو عصر الإحياء كامنة في إحياء لغة الشعب وتطويرها وتقريبها من لغة الأدب، والارتفاع بها لكي تعبر عن العلم والفن والثقافة جميعا.
стр. 59
الباب الثالث: وظائف الفن الصحفي
مدخل
...
الباب الثالث: وظائف الفن الصحفي
رأينا أن الفن الصحفي فن تطبيقي وليس فنا تجريديا. والفن التطبيقي -على العكس من الفن الجميل- لا يقصد لذاته، وإنما يهدف إلى تحقيق غايات معينة، وأن يؤدي وظائف محددة. والفن الصحفي له ست وظائف رئيسية هي: الإخبار والإعلام، التفسير أو الشرح، والتوجيه أو الإرشاد، والتسلية أو الإمتاع، والتسويق أو الإعلان، والتعليم أو التنشئة الاجتماعية.
ويقصد بالإخبار أو الإعلام تزويد القراء بالأخبار الداخلية والخارجية التي تهمهم، وتهم بلادهم بصفة عامة. ويتعين على الصحافة أن تقدم القدر الكافي من هذه المعلومات حتى يستطيع الناس أن يكونوا رأيا عاما سليما في شئونهم الداخلية والخارجية، وبذلك يستطيعون تحقيق الديمقراطية السليمة. ومن ثم فإنه ينبغي عرض الأخبار بالطرق المبسطة، والأشكال الميسرة، حتى يسهل على القراء متابعتها والاهتمام بها.
ويتفق العلماء على أن نشر الأخبار لا بد وأن يتصف بالموضوعية والصدق والأمانة والدقة، ولا بد وأن تكون الأخبار حديثة الوقوع ومهمة للجماهير وذات مغزى بالنسبة لهم، ولا بأس من أن تتصف الأخبار بشيء من الإثارة والروعة والطرافة والضخامة والتوافق مع سياسة الصحيفة. ومع ذلك، فلا بد أن تكون الأخبار محايدة ومنزهة عن الهوى أو الغرض. إن الصحيفة حرة في التعبير عن رأيها، ولكنها ليست حرة بالمرة في أن تعبث بالأخبار، أو تحجبها عن الرأي العام. وهناك مثل مشهور بين الصحفيين يقول إن الرأي حر، ولكن الخبر
стр. 60
مقدس في موضوعيته. ومهما كانت الظروف والأحوال، فلا ينبغي أن تنشر أخبار كاذبة أو ناقصة أو ملفقة أو محرفة سواء بالنسبة للداخل أو الخارج.
غير أن هناك مجتمعات لا تؤمن بهذه الاتجاهات. لقد ذهب البعض إلى القول بأن الحقيقة هي ذلك الشيء الذي يخدم مصالحنا! فكل شيء لا يخدم المصلحة غير جدير بالنشر حتى لو كان صادقا وحقيقيا. إن بعض الدول الشيوعية لا تنشر أخبار عن الغرب، إذا ما أحست أن هذه الأخبار -رغم صدقها وموضوعيتها- لا تخدم سياسة الدولة. فالصين الشعبية مثلا لا تذيع أخبار الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة إنجازاتها العلمية في الفضاء، والهبوط على سطح القمر؛ لأنها ترى أن ذلك قد ينطوي على آثار سيئة بالنسبة للرأي العام الصيني.
ولا شك أن موضوعية الأخبار تتوقف إلى حد كبير على لون الجريدة وسياستها في التحرير. فصحف الرأي الحزبية تعمد إلى تلوين الأخبار لكي تبدو متفقة مع لونها السياسي، ومتمشية مع مبادئها، ومحققة لأغراضها وغاياتها. وقد تشوه هذه الصحف الحقيقة في بعض الأحوال أو تطمس معالمها في البعض الآخر، للتهوين من شأن الأعمال التي قام بها خصومها السياسيون.
وإذا كانت صحف الرأي الحزبية تعاني من تلوين الأخبار من زاويتها الحزبية، فإن الصحف التجارية المنتشرة في الغرب، تعاني هي الأخرى من ضغظ المعلنين عليها، وفرض بعض الاتجاهات على سياستها. وتسير الصحف التجارية عادة مع تيار الأغلبية، وقد تنزلق إلى نفاق الجماهير، والهبوط إلى مستوى الأخبار السطحية التافهة، أو أخبار الجريمة والعنف، ورغبة منها في رفع التوزيع، واجتذاب أكبر عدد ممكن من القراء. وكثيرا ما تتناقض هذه الصحف مع نفسها فتهاجم اليوم من كانت تمدحه بالأمس؛ لأنها تقف دائما إلى جانب الأقوى.
فإذا أضفنا إلى هذا كله أن الصحافة تعتمد اعتمادا كبيرا في استقاء الأخبار على وكالات الأنباء العالمية، وأن هذه الوكالات تخضع للسياسة العليا والمطامع الاستعمارية للحكومات، وهي تسخر عادة لأغراض وطنية ضيقة، فإن المشكلة تبدو معقدة بالنسبة للأخبار الصحفية. فإذا أضفنا إلى ذلك أن حرية تداول الأخبار ليست مكفولة في كل أنحاء العالم، وأن الرقابة كثيرا ما تفرض على البرقيات والمكالمات التليفونية والرسائل الصحفية لأغراض سياسية، كما تفرض الضرائب الباهظة على الأعمال الصحفية، وتقيد حرية انتقال الصحفيين والمراسلين الأجانب، فإن أبعاد الوطنية الأخبارية للصحافة تبدو في غاية التشابك والصعوبة.
стр. 61
الوظيفة الأخبارية أو الإعلامية:
ولكن الحقيقة أن وظيفة الأخبار من الوظائف الأساسية التي لا يمكن للصحافة أن تقوم لها قائمة بدونها. فأظهر صفة من صفات الإنسان الاجتماعية هي حب الاستطلاع لمعرفة الأنباء والاطمئنان إلى البيئة. ومن الثابت أن رغبات الفرد الأولية وحاجاته إلى الطعام والمأوى والجنس ترتبط برغبات أخرى اجتماعية كالتعرف إلى الأشخاص الآخرين، واختبار البيئة، وجمع المعلومات المفيدة عن الطبيعة والإنسان والحيوان. وهذه هي أهم سمة من سمات الإنسانية التي تساعد الفرد على التكيف مع البيئة والانسجام مع غيره من الناس الذين يعيشون معه؛ لأن هذا التكيف هو الدليل على الصحة النفسية والسلامة الاجتماعية.
ولا شك أن المجتمع البدائي يحمل في طياته بذور وظيفة المخبر الصحفي فمن الثابت أن الإنسان البدائي كان يحكي للداته أخبار مغامراته في الصيد، ويروي لأقرانه أنباء انتصاراته وخبراته المختلفة في الحرب والدفاع عن النفس. وهناك وثائق تاريخية منها ما هو محفور في كهوف الإنسان البدائي القديم، ومنها ما هو منقوش على جدران المعابد، كتلك التي كان يأمر بها الملك رمسيس الثاني أن تدون على حوائط المعابد بعد كل معركة ينتصر فيها، ومنها ما هو مدون على أوراق البردي.
стр. 62
وقد اكتشف فلندرز بترى١ أوراق بردي مصرية يرجع تاريخها إلى أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، وتتضح فيها الحاسة الصحفية لإثارة الميول عند القراء، وجذب انتباههم وتحريك الشوق فيهم. ومن الوثائق الهامة في وسائل الإعلام لائحة منقوشة على واجهة معبد هيبيس تضمنت القانون الذي يجب أن يرعاه الحاكم والمحكوم ضمانا لحسن سير العدالة وأيضا لقواعد جباية الأموال وإنذارا بالعقاب عن الجرائم المتفشية وأهمها الرشوة والبلاغ الكاذب.
ولعل الصورة الأولى لإذاعة الأخبار منسوخة باليد في أوروبا قد عرفت عند الرومان فيما كان يعلق من تعليمات رسمية بشكل نشرات حكومية تبقى معلقة طول اليوم في الميادين الهامة لتبين للناس ما يجري من أحداث. ولما كانت هذه النشرات المنسوخة تصور يوميا فقد سميت بالوقائع اليومية٢ كما سمي كتابها بالوقائعيين٣. ويبدو أن هذه الوقائع الرسمية المنسوخة التي أخذت تنتشر في روما على عهد يوليوس قيصر سنة ٥٩ قبل الميلاد كان يمكن الحصول على نسخ منها لقراءتها في البيوت بعيدا عن الميادين العامة التي كانت تلصق فيها هذه النشرات عند مفترق الطرق. فقد أشار جيوفينال إلى أن سيدة كانت تمضي الصباح في قراءة الصحيفة في بيتها٤.
واستغل يوليوس قيصر الوقائع الرسمية في تسجيل نشاط مجلس الشيوخ وعرض أعمال أعضائه وأقوالهم على الجمهور. وقد أراد يوليوس قيصر بهذا العمل أن يسلط الأضواء على تصرفات أعضاء المجلس حتى يسلكوا سبيلا يليق بهم ويتناسب مع النشر والإذاعة على الناس، وبهذه الطريقة يحرز المحسن ثناءه ويلقى المسيء جزاءه. وما لبثت الوقائع الرسمية الرومانية أن أصبحت سجلا حافلا بأخبار المحاكم والحروب وأنباء الزواج والوفيات والمواليد والطلاق والقتل والجريمة. كما اهتمت برواية الغرائب والعجائب والشذوذ.
ومع أن الصين قد عرفت الصحافة المطبوعة في القرن السابع الميلادي على عهد أسرة تانج٥، فلم تظهر الصحافة في أوروبا إلا في القرن السادس عشر ولم يبدأ انتشارها إلا في القرنين السابع عشر والثامن عشر.
стр. 63
الخبر المنسوخ والخبر المطبوع:
ويختلف المؤرخون فيما بينهم حول نشأة الخبر الخطوط ويعتبر البعض الأمر الصادر في إنجلترا سنة ١٢٧٥ بتنظيم مهنة الأخبار وثيقة تثبت بداية هذا النشاط الأخباري. وقد كانت الأخبار حرفة يقصد من ورائها إبلاغ الملوك والأمراء والبنوك بالأخبار السياسية، وأحاطة التجار أيضا بالأخبار الاقتصادية. وقد كانت البندقية تعج بالقادمين من شتى بقاع العالم، من البحارة والمغامرين والرحالة، الذين كانوا يجتمعون لرواية أخبارهم ومغامراتهم، فكان يتلقفها المخبرون فيذيعونها على الناس.
على أن أشهر هؤلاء المخبرين جميعا إخوان فوجرز الذين اتخذوا من مدينة أرجزبرج مقرا لهم، وكانت لهم مكاتب أخبارية فرعية في لندن وباريس وغيرهما من العواصم الأوروبية ومدنها الكبرى. وكان إخوان فوجرز متخصصين في أعمال المصارف فنشروا إلى جانب الأخبار السياسية والحربية والاجتماعية أخبارا تجارية ومالية ذات قيمة كبيرة للتجار ورجال المال والأعمال. والحق أن جهود إخوان فوجرز في القرن السادس عشر تنم عن جرأة بالغة ودقة فائقة حتى أصبحت رسائلهم من الأسس الجوهرية التي لا يستغني عنها رجال السياسة والحكم والمال. ولا يزال بعض هذه الرسائل المنسوخة الهامة محفوظا بالمكتبة القومية في فيينا١
стр. 64
وقد يبدو غريبا أن يستمر نشاط الرسائل المنسوخة حتى مطلع القرن الثامن عشر أي بعد اختراع الطباعة بثلاثة قرون. ولكن الحقيقة أن هذه الرسائل كانت تسد فراغا كبيرا لا يمكن أن تسده الصحف المطبوعة، وذلك لأن القيود الحكومية والرقابة الصحفية وقوانين النشر المختلفة كانت تنصب على المطبوعات فقط مما جعل لهذه الرسائل المنسوخة أهمية كبرى وخاصة عندما تكون الحكومة شديدة في رقابتها أو عندما تصادر المطبوعات أو تعطل.
ولا شك أن إنشاء الخدمات البريدية في القرن الخامس عشر كان من أهم العوامل التي ساعدت على رواج الرسائل الأخبارية المنسوخة، غير أنه ينبغي الإشارة هنا إلى أن هذه الرسائل لم تكن ذات صفة شعبية كما يتوهم بعض المؤرخين، والحقيقة أنها كانت مقصورة على طبقة بعينها من رجال البلاط والسياسة وأثرياء التجار وذلك لارتفاع قيمة الاشتراك فيها حتى بلغ حوالي خمسين جنيها بعملتنا الحديثة. ومن ناحية أخرى كان عدد المتعلمين أنفسهم قليلا، فضلا عن أن الخطابات المنسوخة لا يمكن انتشارها على نطاق واسع لقلة عدد ما ينتج منها نظرا لصعوبة عملية النسخ وبطئها.
ومع تقدم الصحافة المطبوعة، لم يستطع الخبر المنسوخ أن ينافس الخبر المطبوع، وخاصة بعد صدور الصحف الدورية بأنبائها المنيرة والخرافية أحيانا مثل أخبار مقاطعتي إسكس وسافوك في إنجلترا "حيث أمطرت السماء قمحا على مسافة بين الستة والسبعة أميال". ومن الطريف أن هذه الصحف المطبوعة كانت تحتوي على خبر واحد مثير بتفاصيل كثيرة ومبالغة. كما أن أسلوب الكتابة كان يتخذ شكل الأغنية أو الشعر ذي الوزن القافية، مصحوبا أحيانا ببعض الرسوم التي كانت تحفر على قوالب خشبية.
وقد كانت أخبار العالم الجديد واكتشاف أمريكا تروى في أوروبا بطريقة مليئة بالتهويل والمبالغة. وتنافست صحف إيطاليا والنمسا وألمانيا وهولندا على نشر هذه الأخبار التي كانت تترجم إلى صحف أوروبية أخرى وبالعكس.
стр. 65
وظيفة الشرح والتفسير:
وإذا كانت الوظيفة الإعلامية للفن الصحفي هي تقديم الأخبار للجماهير بوضوح وصراحة ودقة وموضوعية مع ذكر مصادر هذه الأخبار، والالتزام بمعايير الصدق والأمانة والنزاهة، فهناك وظيفة أخرى لا تقل أهمية وهي وظيفة الشرح والتفسير والتبسيط. ونبادر إلى القول بأن التفسير والشرح ليس من قبيل التحريف أو الحذف أو إبداء الرأي، بل إن هذه الوظيفة قد نشأت حديثا بعد أن تعقد المجتمع، وازدادت تخصصاته، وترامت أبعاده، وأصبح معظم ما يجري فيه غير مفهوم للإنسان العادي، مما يتطلب من الصحفي شرحا لمغزاه، وتفسيرا لطبيعته.
فالصحافة الحديثة مسئولة عن تقديم المعلومات إلى الجماهير بصورة مبسطة مستساغة ومألوفة للقارئ العادي، وخالية من التفاصيل العلمية المعقدة. ولما كان الأمل في تكوين الرأي العام مرتبطا ارتباطا وثيقا بما تقدمه الصحافة من معلومات، وما تزود به قراءها من بيانات وأخبار، فقد أصبح من الضروري بيان طبيعة الحقائق والمعلومات، مع الاستعانة بالصور والعناوين وشتى الفنون الطباعية الصحفية.
وفي رأينا، أن العمود الفقري للفن الصحفي الحديث هو عنصر التبسيط والتجسيد والتصوير، الذي يحاول تقديم أعقد المشكلات السياسية والاقتصادية والثقافية باصطلاحات الإنسان العادي. وقد رأينا في الفصل السابق أن الفن الصحفي قد طور لغة المحادثة العادية الشخصية لكي يعبر عن المفاهيم الحضارية الحديثة، ولكي يضمن مشاركة جماهير الناس في مناقشتها.
إن الصحفي الحديث مسئول عن جعل كافة الحقائق والمعلومات ذات القيمة الحضارية في متناول أفهام كل الناس. وقد رأينا كلما ازداد النمو الفني والصناعي والعلمي لمجتمع ما، فإنه يصبح غاية في التعقيد والتجريد، وبعيدا كل البعد عن التجربة الفردية المباشرة. وهنا تظهر وظيفة الصحفي الناجح في رأب الصدع، وسد الهوة السحيقة بين الخبير والإنسان العادي، وبين
стр. 66
المتخصص ورجل الشارع، وذلك مع الاستعانة بكل الوسائل والفنون الصحفية التي تخلص الأحداث من تجردها، والأخبار من تعقدها، والمعلومات من صعوبتها.
إن المجتمع الإنساني الحديث أصبح ذا بعد كبير، بل إنه قد أصبح في الحقيقة متعدد الأبعاد. وقد لاحظت المؤسسات الاحتماعية والسياسية والعلمية أن نشر الأخبار مرتبط بنجاح رسالتها، ولكن هذا النشر لا بد وأن يكون مقترنا بالتبسيط والسلاسة حتى يفهمه الناس.
ولا بد من أن يستخدم هنا خبراء في التشخيص والتجسيد والشرح والتفسير، وتحويل المصطلحات العلمية والفنية إلى مصطلحات الخبرة العادية. والحقيقة أن هناك براعة صحفية في المزج بين المعالجة الصحفية والمعالجة الأكاديمية، لكي يفهم العمل الأصلي بعبارات سهلة ومبسطة.
وعلى الصحفي من خلال التفسير أن يوقظ القارئ، ويثير انتباهه، ويهيئ ذهنه للفهم، ويحثه على متابعة القراءة، وقد يتطلب ذلك أن يبهجه ويفاجئه ويسليه. ولذلك فإن استعمال المسرحة، أو الأسلوب الدرامي لا يمكن أن ينفصل عن الفن الصحفي.
إن الفرد في المجتمع الحديث لا يملك من الوقت أو الجهد أو المال أو العلم ما يمكنه من الوصول إلى مدلولات دقيقة لجميع المعارف، أو تكوين صور حقيقية للعالم الذي حوله. وفي معظم الأحيان يكون المحصول اللغوي للقارئ أو المستمع أو المشاهد محدودا، فلا يفهم ما يقال له. ومن هنا جاءت أهمية التبسيط والتجسيد والنمذجة، نتيجة لظروف الجماهير العريضة التي يزداد عددها كقراء للصحف من جهة، ولضغوط الحيز الضيق في المطبوعات من جهة أخرى. ولما كانت الفرص المتاحة إمام الفرد للمراجعة والنقد قليلة ومحدودة، فإنه لا يستطيع أن يفهم مشكلات العالم الحديث بتعقيدها وتخصيصها وتنوعها دون إلقاء الضوء عليها من الخبراء المتخصصين في عمليات النقل والتبسيط.
ومع أن الفرد يعيش في حيز صغير من المكان على سطح الأرض، ويتحرك في دائرة محدودة، ولا يعرف إلا عددا قليلا من الناس، ولا يدرك من الأحداث إلا بعض زواياها، دون أن يعرف الزوايا الأخرى، فإن عليه -في المجتمع الديمقراطي- أن يشارك بالرأي حول مشكلات سياسية واجتماعية وثقافية تغطي مساحات أكبر مما يعيش مكانا وزمانا ويتناول من الموضوعات أكثر مما يمكنه ملاحظته شخصيا، معتمدا في ذلك على ما تمده به الصحافة وأجهزة الإعلام الأخرى من رؤى وأخيلة ونماذج وأنماط.
стр. 67
الفن الصحفي والمجتمع الحديث:
وإذا ألقينا نظرة فاحصة على المجتمع الحديث لوجدنا أنه يعاني من مرض خطير يمكن تسميته بالانقسام أو الانفصام الاجتماعي، ولا شك أن هذا الانفصام ليس إلا نتيجة محتومة لأنظمة التخصص وتقسيم العمل التي تتطلبها وسائل الإنتاج الحديثة وأساليب الإدارة العامة في الحكومات. فالمجتمع يعاني من التضخم الكبير والتخصص الشديد بحيث أصبحت أقسام المجتمع الواحد منعزلة عن بعضها البعض في الميادين الاقتصادية والحكومية وغيرها.
وعندما تنعزل الوحدات المكونة للمجتمع الواحد، وتصبح غامضة عسيرة الفهم يعاني المجتمع من الانفصام الذي أشرنا إليه، وتكون وظيفة الصحافة هي إعادة التفاهم إلى هذا المجتمع. على أن التكامل الاجتماعي لا يمكن أن يتم إلا على أسس من الإيمان بأهمية الرأي العام، وحقه في الإطلاع على الأخبار والمعلومات أو بمعنى آخر الاعتراف بضرورة التفسير والشرح من أجل إحراز التفاهم.
فالفرد العادي في المجتمع الحديث المتخصص لا يستطيع أن يعيش وفقا لمبدأ الاكتفاء الذاتي الذي كان سمة المجتمع القديم. فكل سلعة يحتاجها مهما صغرت كشفرات الحلاقة ومعجون الأسنان تقوم بإنتاجها شركات ضخمة بعضها في مصر وبعضها في الخارج. وكذلك طرق المواصلات داخل المدينة وخارجها، ووسائل المخابرة بالبريد والتليفون والتلغراف قد أصبحت وظائف معقدة يصعب فهمها أو تقديمها. فما بالك بمنجزات العلم الحديثة كالطاقة الذرية، وحرب
стр. 68
الميكروبات، وغرف الفضاء، والهبوط على القمر، والاتصال بالكواكب الأخرى!
إن الإنسان وحده لا يستطيع أن يفهم سائر المؤسسات والشركات التي تزوده بالمنتجات والخدمات. والعجيب أنه كلما ارتفعت الحضارة، وزاد التخصص، أصبح مصير الفرد معلقا في أيدي جهات شتى ومؤسسات عديدة، في مجالات الاقتصاد والنقابات والهيئات والسياسية وغيرها. فنحن نعيش في عصر العلم والخبراء والمعلومات المعقدة، وكذلك يمتاز هذا العصر بوسائل الاتصال الحديثة، والاعتراف بحساسية الرأي العام وأهميته. ولما كانت حياة الإفراد متأثرة بما يجري في كافة الهيئات والمؤسسات المتعددة، فإن طابع الحضارة الحديثة يتطلب من الصحف أن تقوم بتفسير هذه المدنية المعقدة.
ونستطيع القول بأن أجهزة الإعلام قد أخذت هي الأخرى في التخصص وفقا لطبيعتها، فلم تعد الصحافة هي أسرع الوسائل الإعلامية في نقل الأخبار، بل إن الإذاعة قد تفوقت عليها تفوقا عظيما. غير أن النشرات الإخبارية والإذاعية لا تستطيع أن تعطي أخبارا كاملة مفسرة، وإنما هي تعطي مجرد عناوين سريعة، ولمحات خاطفة، تاركة للصحافة مهمة الشرح والتفسير والتفصيل. ونحن لا نبالغ كثيرا إذا قلنا إن المهمة الرئيسية للفن الصحفي الحديث، بعد تطور الإذاعة، أصبحت الشرح والتعليق والتفسير. وقد رأينا أن مجلات متخصصة في تفسير الأخبار، وبيان أبعادها المختلفة قد أخذت تظهر في جميع أنحاء العالم نخص منها بالذكر مجلات تايم ونيوزويك في أمريكا ودير شبيجل في ألمانيا وباري ماتش في فرنسا، بالإضافة إلى المجلات المصورة مثل لايف ولوك وغيرهما.
وهكذا تطورت مهمة الفن الصحفي الحقيقي، وأصبحت تدور حول التفسير وإلقاء الضوء على الأخبار، وبيان آثار الأحداث على حياة الناس. ولذلك ظهر فن التحقيق الصحفي، الذي يعتبر بحق من أهم معالم الصحافة الحديثة لأنه يعطي للقراء معلومات حية تساعد على فهم الأخبار، كما تستخدم الصور والعناوين والرسوم، وكافة فنون التسجيل الطباعي من أجل التبسيط والشرح والتفسير.
стр. 69
وعملية التبسيط كثيرا ما تكون أصعب من الخلق والابتكار الفني ذاته.
ولذلك فإنه لا يقوم بمهمة التبسيط سوى علماء من نوع جديد، يتقنون الفن الصحفي الأصيل، ويهضمون المسائل العويصة، ويحلون غوائصها بحيث يستطيعون أن يتحدثوا عن أعظم الحقائق بأبسط الألفاظ. وعلى العكس من ذلك ترى أن من لم يهضم المادة يسرف في استخدام المصطلحات الفنية، ويعجز عن الإبانة، بل قد يبلغ به الأمر أن يقول التوافه والبديهيات في أعقد الألفاظ وأشق المصطلحات، وأصعب العبارات. وكل ذلك فضلا عن أن عملية الهضم نفسها لا تكفي ذلك؛ لأن التبسيط يتعرض حتى عند الهاضمين لخطرين كبيرين، أولهما الإيجاز الغامض وثانيهما الإطناب المخل.
فبعد عميلة الهضم وإتمام الفهم، يتعين على الكاتب الصحفي أن يخضع عصارة عقله للألفاظ السهلة المبينة، وهذه العملية شاقة تتطلب الاهتمام بالمضمون من جهة، وإسكان المعنى في اللفظ المناسب من جهة أخرى. بل يتطلب الأمر مرحلة ثالثة هي الإقناع.
стр. 70
وظيفة التوجيه والإرشاد:
وتتصل مهمة الإقناع بالوظيفة الثالثة من وظائف الفن الصحفي وهي التوجيه والإرشاد. وهنا يحتاج الصحفي إلى أكثر من مهمة نقل الأفكار وتفسيرها؛ لأنه ينقل الإيمان بهذه الأفكار. وهذا الإيمان لا ينتقل بمجرد حرارة العاطفة، ولكنه يؤثر ويدوم إذا ما تعلق بحرارة الفكر.
ومن البين أن مهمة الصحافة قد أصبحت بالغة المشتقة في العصر الحاضر؛ لأنها تنقل كثيرا من الأخبار والآراء المتصلة بالنظريات والمذاهب السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة. فليس غريبا أن تقسم أبواب التحرير في الصحف الكبرى أقساما مختلفة. فهذا محرر المسائل السياسية، وذلك محرر الشئون الخارجية، وثالث محرر المسائل الاقتصادية، ورابع متخصص في الشئون المالية، وخامس متخصص في الفن والأدب، بل إننا نجد التخصصات
стр. 71
قد تجاوزت ذلك إلى الرياضة والشطرنج والمسرح الفني التشكيل وشئون إدارة الاقتصاد المنزلي وغيرها.
ولم يعد التوجيه والإرشاد مجرد مقالات بلاغية، أو خطب منبرية، بل إنه على العكس من ذلك يتطلب منهجا خاصا في التحرير يقوم على الدليل والبرهان، ويعتمد على الحقائق والأرقام والبيانات والصور والإحصاءات الدقيقة، وهذه هي وسائل الإقناع والتوجيه والإرشاد، وهي التي تعطيه من القوة والتأثير ما لا يمكن أن تحققه الألفاظ الضخمة الجوفاء.
وتنطوي وظيفة التوجيه والإرشاد على مهمة أساسية من مهام الصحافة، ألا وهي القيادة. فالمفروض أن تكون الصحافة بمثابة المعلم أو الرائد أو القائد، فهي التي تأخذ بيد الجماهير، وتساعد الناس على حسم الأمور، فتقضي على التردد، وتحذر من الارتباك، وتحمل المشعل في مقدمة الجمهور لكي تنير له الطريق. وعليها أن تقف دوما في جانب الحق والعدل والخير والفضيلة.
فالصحافة هي حارس الأمة الأمين. فمن الذي يعلم الوطني حقوقه؟ ومن الذي يرشده إلى واجباته؟ ومن الذي يكون له عونا في المعترك الذي يلقي بنفسه فيه، ومن الذي يدرأ عنه عادية كل من أراد به سوءا؟ إنها الصحافة وهي دون غيرها على الدوام.
وإذا لم يكن هناك صحافة أصبحت الشجاعة الأدبية أمرا من الأمور الشاذة، بل أصبحت في حكم المستحيل، وكذلك شأن الشجاعة الحربية، فإن الجندي لا يرمي نفسه فوق الخطر، ولا يقدم على المهالك، إلا عندما ترمقه أعين زملائه ويشجعه صوت الطبول ورائحة البارود!
ولأجل أن يتكون الرأي العام، وتتوطد دعائمه، يجب أن يوجد ذلك الصوت العظيم -صوت الأمة- الذي يعطي كل ذي حقه، فيثني في كل يوم على العاملين، ويؤنب المقصرين، ويذكر الناس بالمنافع العامة المشتركة، وبالمبادئ الاجتماعية، ويؤازر بقوته كل حق من حقوق الأفراد.
стр. 72
ويقول هارولد لاسكي في كتابه "محنة الديمقراطية": "إن القدرة على توجيه الأخبار وجهة معينة هي نفسها القدرة على حرمان القراء من أن تصل إليهم المادة التي يستطيعون بها أن يكونوا لأنفسهم رأيا في كل مشكلة. وأن من يوازن بين الطريقة التي عالجبت بها الصحافة البريطانية موضوع نزع السلاح في وقت انعقاد مؤتمر جنيف سنة ١٩٣٢، والطريقة التي عالجت بها تلك الصحافة أخبار السلوك الجنسي عند رجال الدين الإنجليز، في الفترة نفسها، ليشهد أن الصحافة الإنجليزية أولت كل اهتمامها للموضوع الأخير بقصد إهمال الموضوع الأول برغم أنه خطير. وهنا لا يجد القارئ صعوبة ما في اكتشاف الطريقة التي يتكون بها الرأي العام في بلد من بلاد الديمقراطيات الرأسمالية الغربية كإنجلترا".
ولا شك أن سلطة الصحافة في ممارسة النقد والتوجيه جعلها بمثابة السلطة الرابعة إلى جانب السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية. وقد قال توماس جيفرسون: إذا خيرت بين صحافة بلا حكومة أو حكومة بلا صحافة لفضلت الأولى على الثانية دون تردد. وكان الإمبرطور الألماني غليوم الثاني يرى أن الصحفيين قادة يوجهون الشعب، وأنهم بمنزلة كبار الضباط بالنسبة للجيش. ويقول جيمس برايس: إن الصحيفة هي التي جعلت الديمقراطية أمرا ممكنا.
ولقد قالها أرسطو منذ عدة قرون أنه إذا كان على المواطنين أن يختاروا حكامهم بالطرق الديمقراطية، وأن ينتخبوا زعماءهم بالأساليب الشعبية عن طريق الاقتراع، فلا بد لهم أن يعرفوا الكثير عن هؤلاء الحكام وأولئك الزعماء أو القادة. ولا شك أن الصحافة تقوم بمهمة التوجيه والإرشاد حتى يحسن الجمهور اختيار حكامه.
ويخطئ من يظن أن مهمة التوجيه والإرشاد مقصورة على المجال السياسي وحده؛ لأن الصحف تقدم للقراء توجيهات أدبية بالنسبة لقراءة الكتب والمقالات الجديدة، وكذلك توجيهات فنية بالنسبة للمسرح والفن والموسيقى والسينما
стр. 73
وسائر الفنون الأخرى. وقد تقدم نقدا مدروسا لأوجه النشاط الفني المختلفة وتفرد لها أبوابا ثابتة.
ومن واجب الصحافة أن لا تكتفي بالنشر والإعلان في ميدان الثقافة، بل تنهض أيضا جهة النقد والتوجيه، كما تفعل في المسائل السياسية والاقتصادية ذلك لأن الثقافة غذاء روحي لا يقل أهمية عن غذاء البطون، وقد يكون منه النافع كما يكون منه الضار، ولذلك تعتبر مهمة النقد الأدبي والفني جزءا من رسالة الصحافة.
وقد تفسد الناحية التجارية مهمة النقد النزيه بسبب تدخل الإعلانات، ولكن المهم أن نعرف من الصحافة شيئا عن الأفلام مثلا، حتى يمكننا أن نستعين به لنقرر مشاهدة تلك الأفلام أو عدم مشاهدتها، أو لكي نسمح لأطفالنا وشبابنا بمشاهدتها أو نمنعهم من ذلك. ويذهب البعض إلى أن التوجيه والنقد قد يتضمن التعريف بعقدة الفيلم أو المسرحية، فيفسد على المشاهدين عناصر المفاجأة والترقب والانفعال، ولكن هذا الرأي ليس في الواقع صحيحا على إطلاقه، وذلك بدليل أن الكثير من الأفلام تعرض قصصا معروفة ومكتوبة أو متداولة بين القراء.
وكذلك نجد أن الكثير من المسرحيات الناجحة يكون معروفا للقراء كمسرحيات شكسبير وأحمد شوقي مثلا. بل إن تاريخ المسرح اليوناني نفسه، يثبت أنه قد تناول الأساطير الدينية وغير الدينية بالمعالجة الدرامية الناجحة. ومن ذلك مثلا قصة أوديب وغيرها، ولكن ذلك لم يمنع المشاهدين من الاستمتاع بها، إن عظمة سوفوكليس الحقيقية هي في تناول الموضوع الأسطوري وعلاجه علاجا دراميا. وقصة كليوباترا معروفة تاريخيا، ومع ذلك فقد عالجها شكسبير ودرايدن وكثير من الكتاب الفرنسيين وأحمد شوقي، ولم تكن معرفة الحقيقة التاريخية عائقا للفن المسرحي بحال من الأحوال. وفضلا عن ذلك فإننا نلاحظ أن كثيرا من المشاهدين في المسارح الأوروبية الكبرى لا يكتفي بأن يقرأ بعض المسرحيات قبل مشاهدتها، بل ويصطحب معه نص المسرحية المطبوع ويحاول
стр. 74
أن يتابعه أثناء المشاهدة دون أن يفقده ذلك لذته الخاصة في مشاهدة التمثيلية.
وإذن فحجة العدول عن التعريف والنقد بدعوى أن هذه العملية تذهب بعنصر التشويق حجة واهية لا يمكن أن تثني الصحافة عن واجبها في إرشاد الجمهور نحو الصالح وغير الصالح والجميل والقبيح من الأفلام والمسرحيات، لتتركهم يجازفون بوقتهم ومالهم بل وأحيانا بمشاعرهم الخاصة أو مشاعر ذويهم من أطفال ونساء عندما يقدمون على مشاهدة فيلم أو مسرحية قبيحة أو فاشلة أو شريرة، وذلك بينما تستطيع الصحافة أن تقوم بما قد تعجز عنه الحكومات بقوانينها وتشريعاتها ورقبائها وموظفيها في توجيه الانتاج التلقائي والفني الوجهة السليمة النافعة -على حد قول الدكتور محمد مندور- وذلك لأن بالنقد والتوجيه النزيهين ستنزل أكبر عقاب، أو جزاء لتجار الفكر والعاطفة الإنسانية إذ ترزأهم بالخسارة المادية وتضيع عليهم أكبر ما يحرصون عليه وهو الربح المادي الآثم.
لقد أصبحت الصحافة العربية تتولى في هذه الأيام مهمة كبيرة في توجيه الثقافة والأدب والفن، وهي لا تزال تواجه في أداء هذه المهمة عدة مشاكل لا بد أن تبت فيها برأي، ثم توجه الأمة نحوه، وتأتي هذه المشاكل من عدم تحديد موقف ثقافي واضح بين الشرق والغرب، وبين الحديث والقديم، وبين الترجمة والإنتاج الذهني، ولكن لا بد لكل صحيفة أن تختار لها منهجا قويما ترتضيه، وفقا لما تراه خيرا لها وللعالم العربي. وفي كل ذلك لا ينبغي أن يكون حكم الصحافة حكما جزافيا نزقا، بل ينبغي أن يكون حكما واضحا قائما على التعليل وقابلا لشرح والتفسير، ومبنيا على الحجج والبراهين، وهكذا يكون التوجيه والنقد إرهاصا بفن المستقبل المرتجى.
وفضلا عن ذلك فإن الصحافة الحديثة قد أصبحت تقوم بتوجيه الطفل والمرأة وخاصة بعد أن تركت المرأة البيت إلى العمل في المصنع والحقل والمدرسة والمستشفى والجامعة وفي كل مكان. إن الصحافة -والإعلام بوجه عام- يقدم للطفل من الأخبار والمعلومات والقصص والتسلية ما كانت تقدمه ربة البيت أو الجدة حتى الأمس القريب، بل إن فنون تربية الطفل، وإعداد المائدة، وحتى طهو الطعام، وتنسيق الأثاث، وزخرفة المنزل، وفنون التجميل، وتفصيل الأزياء وحياكتها، أصبحت موضوعات شيقة في صحافة اليوم.
وهكذا نرى أن المجتمع الحديث المعقد قد ترك للصحافة وظائف جديدة، كان يقوم بها آخرون من قبل، عندما كان المجتمع بسيطا متماسكا ساذجا.
стр. 75
وظيفة الإمتاع والتسلية:
أما الوظيفة الرابعة من وظائف الفن الصحفي فهي الإمتاع أو التسلية، وهي وظيفة قديمة قدم البشرية نفسها، عندما كان المغني والمنشد والراوية يقوم بالتسرية عن الناس، وإمتاعهم برواية القريب والطريف والعجيب من القصص الواقعية والخيالية على السواء. وقد ورثت الصحافة هذه المهمة الخطيرة التي يرى ماكدوجال١ أنها تخفف العبء عن النفوس والعقول، وتجعل الحياة محتملة رغم ما فيها من متاعب، وهكذا تصبح التسلية ذات أثر نفسي حميد.
ويذهب ستيفنسون٢ إلى أن الإمتاع والتسلية هما هدفان أساسيان للإعلام بوجه عام. ويرى أن ألوان المتعة القصصية قد أثرت على الجوانب الأخبارية والإعلامية نفسها، حتى أصبحت الأحداث السياسية تقدم بطريقة درامية، كما تطورت أساليب الكتابة الصحفية لتروي أخبار الجريمة والسياسة، وأنباء الفضاء والحرب والسلام بطريقة إنسانية تقرب من القصص الفنية أو الأدب.
ويلاحظ سيفنسون أن الإيقاع الإعلامي يسير على أساس فترات من الأخبار تمثل التوتر، يعقبها فترات من الترفيه، تمثل الهدوء والاسترخاء. فإذا نظرنا إلى البرنامج الإذاعي الناجح لوجدنا أنه يحتوي على الأخبار السياسية والتعليقات حول الأحداث، بما يجري من حروب ومعاهدات وكوارث، ثم تأتي بعد ذلك