← Акыда

Акыда · id 117360

أهل الفترة ومن في حكمهم

موفق أحمد شكري

Полный текст (129 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

أهل الفترة ومن في حكمهم تأليف موفق أحمد شكري قَدَّمَ له د. عباس محجوب محمد عبد الله الخطيب مؤسسة علوم القرآن عجمان دار ابن كثير دمشق - بَيروت

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

أهل الفترة ومن في حكمهم

стр. 4

حُقوق الطبع محفوظَة الطبعَة الأولى ١٤٠٩هـ-١٩٨٨م إعتنى بتصحيحه سمير أحمد العطّار عجمان -الإمارات العربية المتحدة- ص. ب ١٢٤٣ - تليفون ٤٢١٥٤٣ دار بن كثير دمشق -شارع مسلّم البارودي- بناء خولي وصلاحي -ص. ب ٣١١ - هاتف ٢٢٥٨٧٧ بيروت -ص. ب ٦٣١٨/ ١١٣

стр. 5

تقْدِيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن سيدنا ونبيّنا محمدًا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فبلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة، ونصح الأمّة، وجاهد في الله حقّ جهاده. فجزاه الله خير ما جزى نبيًا عن أمته. وبعد: فمن الأمور المسلّمة في فكر المسلمين وقلوبهم أن الإِسلام هو الدّين الذي ارتضاه الله لعباده، وأنه جاء مكتملًا مكمِّلًا للرسالات التي جاء بها رسل الله لعباده، متتابعين داعين إلى فكرة واحدة هي إخلاص العبادة لله ونبذ الطواغيت والأصنام ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. جاء الإِسلام وقد وصلت البشرية لرشدها وأصبحت حاجتها ماسّةً لدين سماويّ جامعٍ كاملٍ لا يختص بأمة دون أخرى ولا بمكان دون آخر ولا بزمان دون زمان. فكانت رسالة سيدنا محمد الرسالة الخاتمة الشاملة التي ارتضاها الله لعباده ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].

стр. 6

وكمال الرسالة وعموميتها تقتضي استمرارها في كمالها وسموِّها سليمة بعيدة عن التحريف، محافظة من الضياع، سالمة من النقص, لأن الرسالة قد وصلتنا كما هي وكما أنزلت على خاتم الرسل والنبيين؛ فكان من حق الأجيال علينا أن ننقلها إليهم كاملة صحيحة حتى نلزمهم الحجة ويتحملوا تبعات التكليف ومسؤوليات الرسالة ونتائج العمل من ثواب وعقاب نتيجة وصول التكليف إليهم بصورة صحيحة سليمة، فالله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وهدف المسلمين في هذه الحياة أن يحققوا معنى العبودية لله قيامًا بأعباء الاستخلاف في الأرض وتعمير الكون، وسيادة منهجه فيه، وأداء الأمانة المسؤولية التي حملها الإِنسان بعد أن أبَتِ السموات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. ومن هنا كانت أهمية هذا الكتاب عن "أهل الفترة" وهو بحث نال به مؤلفه درجة الماجستير في جامعة الإِمام محمَّد بن سعود الإِسلامية في الرياض. وأهمية هذا الكتاب في أنه يلبي حاجة ماسّة في الفقه الإِسلامي المعاصر، وفي المكتبة الإِسلامية، فالمسلمون اليوم -وبعد أن زالت الفوارق بين الأمم والشعوب بفضل وسائل الإِعلام والتطور في مجال النقل والمواصلات- يواجهون بمشكلات مختلفة يحتاجون لرأي الإِسلام فيها ووضوح الرؤية في شأنها، ومن هذه المشكلات مشكلة الذين لم تصلهم الدعوة؛ ما مصيرهم؟ وما حكمهم؟. وقد أشار الباحث إلى الأسباب التي دعته للكتابة في هذا الموضوع، فذكر جدة الكتابة فيه، حيث لم يفرد الموضوع ببحث مستقل أو كتاب يتناوله بالتفصيل، إضافة إلى اختلاف آراء الفقهاء في مصير من لم تصلهم

стр. 7

الدعوة، ثم أهمية الأحكام المترتبة على من لم تبلغهم الدعوة. وأهمية هذا الموضوع أنّ أناسًا كثيرين في إفريقيا وآسيا والدول الأوروبية لم تصلهم دعوة الإِسلام، وكثير من المسلمين الذين أسلموا في أمريكا يتحدثون عن سماعهم بالإِسلام مصادفة أو في فترة متأخرة، وذلك لأسباب كثيرة، منها: - تقصير المسلمين في تبليغ دعوتهم للناس واستغلال الوسائل التي أتاحتها الحضارة المعاصرة والتي يستغلها المبشرون في هدم الإِسلام وتنصير المسلمين. - ومنها ضعف إمكانات المنظمات والأجهزة والجمعيات التي تعمل في مجال الدعوة الإِسلامية لإِحجام المسلمين عن بذل أموالهم وإمكاناتهم في سبيل الدعوة إلى الله إلا من رحم الله، إضافة إلى أن المسيحية لها دولة في العالم تعمل لها وتنشرها, ولها دول تساندها وأجهزة تقويها ورؤوس أموال ضخمة تستثمر وتوجَّه لها، والإِسلام في حاجة إلى دول تساند، وحكومات تخلص، وأثرياء يسخون، ودعاة يتجرّدون إلى الله ويعملون لنشر دينه ومُثُله وتعاليمه ومنهجه الذي ارتضاه لعباده. - ومنها محاربة قوى الكفر مجتمعة للإِسلام والمسلمين وتسخير إعلامهم وأقلامهم، وأموالهم وجيوشهم دون وصول الإِسلام إلى أممٍ وشعوب لو علمت بالإِسلام لآمنت به واتخذته نظامًا لحياتها ومنهجًا لوجودها. - ومنها تفرُّق المسلمين واختلاف كلمتهم وتباين أفكارهم ومناهجهم، وابتعادهم عن دينهم ونبذهم شريعة ربهم، إضافة إلى ابتعادهم عن جعل الإِسلام نظامًا لحياتهم ونشره بين شعوبهم ليكون نبراس حياتهم ومجتمع كلمتهم وتوحُّد دولهم في دولة واحدة. وقد قسم الباحث بحثه إلى مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة، وقد فصّل

стр. 8

ذلك في مقدمته بما لا يحتاج معه إلى تكرار لما ذكر، غير أننا نشير إلى قضايا هامة مهّد بها لخدمة موضوعه، أهمها: حاجة البشرية للرسل وحكمة الله في إرسالهم، وكيفية الرسالات السابقة لرسالة خاتم الأنبياء، حيث كانت البشرية في مراحل التطور والنضوج، مما جعل للرسالات خصوصية سواء في الناحية الزمانية أو المكانية، وعندما بدأت مراحل النضوج البشري، جاءت رسالة سيدنا محمَّد ﷺ للبشرية كافة وللإنسانية عامة، تحمل في طبيعتها ومنهجها ومتطلباتها ووسائلها طبيعة الرسالة الخاتمة والكلمة الأخيرة من خالق الكون لعباده، لتستمر هذه الرسالة موجهة للبشر قائدة للإِنسان ما دامت الحياة على الأرض، لذلك كله جاءت رسالةً كاملةً شاملةً دائمةً تلبي حاجة الإِنسان في الأرض، وتوجِّه سلوكه فيه، وتقوِّي صلته بالله، وتلبي أيضًا حاجات الإِنسان فيما بعد الحياة الأولى. وهذا ما عالجه في الفصل الثالث من الباب الأول. وفي الباب الثاني عالج الباحث قضية بحثه بادئًا بتحديد مصطلح أهل الفترة، ذاكرًا مدلوليه اللغوي والإِصطلاحي، مبيِّنًا آراء العلماء من الفقهاء والمفسرين، مرجِّحًا ومفاضلًا بين هذه الآراء، متَّبعًا الطريقة العلمية في آرائه، ثم أشار الباحث إلى قضايا هامة تتعلق بموضوع البحث ويتعلق بالملحقين بأهل الفترة من أطفال المشركين والمجانين وذوي العاهات. وهو في كل القضايا التي أثارها يلتزم ببيان الحكم الشرعي، مبيِّنًا آراء العلماء، مرجحًا بينهم؛ الأمر الذي يظهر شخصية الباحث في بحثه واستيعابه لموضوعه وحرصه على أن يقدم خلاصة الآراء للقارىء. في الباب الثالث ناقش قضيةً هامةً أيضًا، وهي حكم من لم تبلغه دعوة محمَّد ﷺ في عصرنا متناولًا مسؤولية الأمة في تبليغ الرسالة إذ بها تتميز هذه الأمة بالخيرية التي ربطها الله بوظيفة البلاغ المبين والأمر بالمعروف الأكبر، وهو سيادة منهج الله وشرعه ودينه، والنهي عن المنكر الأكبر وهو أن تكون الحاكمية لغير الله، والمناهج من صنع البشر.

стр. 9

حيث أن واجب الدعوة واجب على المسلمين وجوب كفاية حتى تقوم به جماعة تحقق قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]. وقد بيّن الباحثُ الوسائلَ التي أتاحها الله للمسلمين في عصرنا والتي تسهل لهم مسؤولية البلاغ وإيصال الحقائق للبشر عن طريق وسائل الإِعلام والأقمار الصناعية والكلمة المقروءة والمسموعة وعمليات الاتصال الجماعي والفردي. ولم ينس الباحث أن يقدم في نهاية بحثه مقترحات عملية للمنظمات والحكومات والجامعات الإِسلامية، حتى تقوم كل جهة بواجبها المقدس الذي يبرِّئها أمام الله ، ومنطلَق ذلك كله معرفة الإِسلام معرفة صحيحة بعيدة عن البدع والأهواء. والبحث بصورة عامة يلبي كما قلتُ حاجةً في المكتبة الإِسلامية، ويمثل لبنةً من لبنات البناء الفكري للإِنسان المسلم. وإذا كان الباحث قد سُبق إلى طرح كثير من القضايا التي تناولها في كتب الفقه والتفسير والدعوة؛ فإن الفضل له بعد الله وهدايته في إفراد هذا الموضوع ببحث يكون مرجعًا لطلاب العلم وناشدي الحقيقة، أسال الله أن يجزيَه خيرَ الجزاء وأن يعمّنا معه بفضله وإحسانه ومغفرته إنّه سميع مجيب. د. عبّاس محجوب

стр. 10

تقديم الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين. والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فيطيب لي أن أقدم لهذه الرسالة لمكانة صاحبها ومنزلته من نفسي، ولأهمية الموضوع الذي تعرض له بالبحث والدرس والتحليل وهو: أهل الفترة ومَن في حكمهم. والرسالة صدرت عن جامعة الإِمام محمَّد بن سعود الإِسلامية وبإشراف عالم فاضل: الأستاذ/ عبد العزيز الراجحي. وهذا يزيد في مكانتها العلمية، وقيمتها الإِسلامية والأدبية. ولقد كان الأخ الفاضل الأستاذ موفق أحمد شكري ... موفقًا في اختياره لهذا الموضوع الذي يكثر السؤال عنه. فجزاه الله خيرًا على إلقائه الضوء على هذا الجانب، وقد أشار في مقدمته إلى الأسباب التي دعته لاختياره لهذا الموضوع، ومنها -عدم الكتابة فيه كتابة مستقلة، واختلاف الناس فيه، ووجود أقوام لم تبلغهم الدعوة ونريد أن نعرف مصيرهم وحكمهم، ومسؤولية الأمة عن تبليغ الرسالة. وقد تحدث في الباب الأول عن حاجة البشرية للرسل وأشار إلى قصور العقل البشري، وأنه لابد له من وحي إلهي يقوده ويهديه سواء

стр. 11

السبيل وبيّن أن حاجة الناس إلى الرسالة والرسل أكثر من ضرورية ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. ثم تحدث في الفصل الثاني عن خصوصية دعوة الرسل الذين سبقوا خاتم النبيين والمرسلين ﷺ وهي خاصة بأقوام معنيين وبزمان محدد. تجمعهم جميعًا الدعوة إلى توحيد الله وإخلاص العبودية له وإفراده سبحانه بالألوهية والربوبية، ثم دعوتهم إلى اجتناب الأصنام والأوثان، والإِيمان باليوم الآخر. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]. فشاءت حكمته تعالى ورحمته بالناس أن يبعث إليهم رسلًا مبشرين ومنذرين، وشاء الحق سبحانه ألا يؤاخذ الناس إلا بعد الرسالة والبيان والتبليغ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وفي الفصل الثالث يتحدث المؤلف عن عموم رسالة سيدنا محمَّد ﷺ الذي أرسله الله هاديًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ويقول : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وتحدث المؤلف عن عالمية الرسالة المحمدية التي انبثقت من جزيرة العرب، وهي تحمل العقيدة الصحيحة والعبادة السليمة. والأخوة والمساواة. والحرية لكل بني آدم بصرف النظر عن الجنس أو اللون أو اللغة.

стр. 12

وتضمّن الباب الثاني عدة فصول. تدور كلها حول موضوع الكتاب: بيان المقصود بأهل الفترة، وحكم مطالبتهم بأحكام الأنبياء السابقين. ثم أشار إلى الملحقين بأهل الفترة في الحكم؛ وهم أطفال المشركين، والمجانين وذوو العاهات، وأفاض المؤلف في بيان أهل الفترة وذكر أقوال العلماء وناقش أدلتهم ورجح ما جاء في جمع الجوامع للسبكي؛ أن أهل الفترة من كانوا بين رسولين لم يرسل إليهم الأول ولم يدركوا الثاني ... وهذا التعريف يجعلها عامة لا تخصص بقوم من الأقوام ولا بزمان من الأزمنة، بل كل من انطبق عليهم هذا التعريف فهم أهل فترة. وأوضح هذه الفترات وأبرزها هي التي كانت بين سيدنا عيسى ﵇ وسيدنا محمَّد ﷺ . وقد أشار المؤلف إلى أقوال العلماء في حكم أهل الفترة وأشار إلى الحكم الشرعي، وهو خطاب الله المتعلق بأحكام المكلَّفين وشروط المكلَّف: أن يكون قادرًا على فهم الدليل، وأن يكون أهلًا للتكليف، وأن يكون عالمًا بما كُلِّف به ليستطيع الفعل أو الترك. ثم تحدث عن أقسام أهل الفترة: من بلغته الدعوة ووحّد ولم يشرك، ومن بلغته ولكنه غيّر وأشرك. وأورد أمثلة لكل نوع وحكمه وأقوال العلماء فيه. ثم رجح القول: أن أهل الفترة يُمتحَنون في عرصات يوم القيامة، فمن أطاع الله نجا. وأشار إلى هذا القول بأنه المختار وهو الذي قال به السلف وجمهور الأئمة. واختيار الإِمام ابن تيمية وابن كثير وابن حجر. وحكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وقد عدّد أدلّتهم من الأحاديث الصحيحة ومنها ما رواه أحمد في مسنده .. أن رسول الله ﷺ قال: أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في الفترة.

стр. 13

فأما الأصم فيقول: رب قد جاء الإِسلام وما أسمع شيئًا. وأما الأحمق فيقول: رب قد جاء الإِسلام والصبيان يخوفونني بالبحر، وأما الهرم فيقول: لقد جاء الإِسلام وما أعقل شيئًا. وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني كتاب ولا رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنّه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار. فوالذي نفس محمَّد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا. وفي رواية: "ومن لم يدخلها سُحب إليها". وبعد أن أفاض في هذه المسألة واستوفى أدلتها قال: "وبعد التأمل والنظر أرى أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو القول الثالث وهو أن أهل الفترة يُمتحنون". ثم تحدث عن الملحقين بأهل الفترة من أطفال المشركين والمجانين وذوي العاهات. وأشار إلى نظرة الإِسلام إليهم وأقوال العلماء وأدلتهم. ثم رجح القول أنهم في الجنة. وتضمن الباب الثالث: حكم من لم تبلغهم الدعوة المحمدية وعلى من تقع مسؤولية عدم تبليغهم. وما هي الطرق التي تؤدي إلى إيصال الدعوة إلى جميع الناس مؤيدًا كل ذلك بالدليل الواضح من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة. وأشار إلى أن خيرية هذه الأمة تكمن في قيامها بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله وحده، والبراءة من الشرك بألوانه وأنواعه، والواجب على كل مسلم أن يقف على ثغرة من ثغور الإِسلام. وحين سُئل الإِمام ابن تيمية عن قوله تعالى: ﴿قل هذه سبيلي﴾ فقال الدعوة واجبة على كل من اتبع هذا الرسول ﷺ وهم أمته، وعليهم أن يدعوا إلى الله كما دعا النبي ﷺ . وهذا الواجب واجب على مجموع الأُمة، وهو فرض كفاية إذا قام به

стр. 14

البعض سقط عن الباقين، فالأمة كلها مخاطبة بفعل ذلك. ثم تحدث عن الطرق المؤدية لإِيصال الدعوة إلى جميع الناس؛ فتحدث عن الإعلام بمعناه الصحيح. وهو إيصال الحقائق والأخبار والمعلومات الصحيحة إلى الناس، والتوجيه السليم الذي يتناسب مع عقيدتنا وشريعتنا حتى يصل صوتنا إلى العالم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور. وأشار إلى أنواع الإِعلام المختلفة من مسموعة ومقروءة ومرئية. وتحدث عن القدوة الحسنة وأثرها في الدعوة، وعن الجهود الشخصية وما لها من أثر كبير في نشر الدعوة. وتحدث عن المحاضرة والخطبة والدرس والجدال المثمر البناء للوصول إلى الحق بأسلوب وضوابط الإِسلام. وتحدث عن أثر الدعوة الفردية، وتوجيه الدراسات الإِعلامية إلى الإِصلاح. وختم كلامه: بضرورة الجهر بالحق، والإصرار على عالمية الدعوة الإِسلامية، وتوجيه كل وسيلة صالحة للإِعلام النظيف إلى سلطان الدعوة تمكينًا لها من الذيوع والانتشار وتوضيحًا لسموّها وتفوّقها. وجاء الفصل الأخير في الكتاب عن الخلاصة، وقد تضمن موجزًا لما ورد في البحث من آراء ومسائل حول هذا الموضوع الهام والحيوي. وأرى أن المؤلف حفظه الله قد وُفِّق في بحثه هذا، وجمع من الأدلة والبراهين حول المسألة الواحدة ما يكفي لتوضيحها، كما وُفِّق أيضًا وهو يخرج الآيات والأحاديث، ويثبت المصادر التي استقى منها، وهي أمانة علمية طيبة. وإني لأدعو إخواني من طلاب العلم أن يهتموا بهذا الموضوع وأن يستفيدوا كثيرًا مما كتبه الأستاذ الفاضل الشيخ موفق، فهذا الموضوع يسأل عنه الناس كثيرًا، وعلى العالِم أن تتضح هذه المسألة وغيرها في ذهنه -حتى يتمكن من تفهيم غيره بالدليل المقنع والحجة والبرهان ....

стр. 15

ولقد سعدت كثيرًا وأنا أراجع هذه الرسالة واستفدت كثيرًا مما ورد فيها من علم نافع ورأي سديد. جزى الله الأخ موفق كل خير وجعل هذا في ميزان حسناته يوم يوزن دم الشهداء بمداد العلماء. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين. محمَّد عبد الله الخطيب

стр. 16

مقَدّمة المؤلف الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلِّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأصلِّي وأسلِّم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. إن الإِسلام بعقيدته السمحة، ونظامه الشامل الكامل صالح لكل زمان ومكان، وعقيدة الإِسلام هي "لا إله إلا الله محمَّد رسول الله" ومعناها أنه لا عبودية بحق إلا لله تعالى اعتقادًا وتصوُّرًا. قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. والعبودية هي أن تؤمنَ بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأن تقيمَ وتُحِلَّ الحلالَ، وتُحَرِّمَ الحرامَ، وتقيم المعاملاتِ والتشريعاتِ والتوجيهاتِ الإِسلامية، هذه هي العبودية الحقة، وهذه هي عقيدة الإِسلام، التي تميّزت عن غيرها من العقائد الأخرى؛ فالإِسلام كلٌّ لا يتجزأ. ومعنى ذلك أن لا نأخذ بعض أحكامه ونترك البعض الآخر، فإن الله حذّرنا في كتابه العزيز من هذا التلاعب الخطير، فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥].

стр. 17

لذا أقول: إنه لا خلاص للبشرية كلِّها من هذا التيه والضياع إلا بهذه العقيدة؛ إن أرادت التخلّص من هذه الجاهليات التي طمست معالمها ودمرت خصائصها. فمن أوجب الواجبات على أصحاب هذه العقيدة أن يقوموا بالدعوة إليها بالحكمة والموعظة الحسنة، لإِنقاذ هذه المجتمعات من جاهليتها التي تردّت إليْها فضاعَتْ وساءَ حالُها. وليكن معلومًا لدينا أن هناك أقوامًا لا يعرفون عن عقيدة الإِسلام شيئًا، بل لا يعرفون من الدين شيئًا، فما أحرانا نحن المسلمين أن نبلِّغ ما أمَرنا الله به ، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. فالدعوة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وشرط خيرية هذه الأمة هو القيام بهذا الأمر، ومن هنا تظهر لنا أهمية العقيدة الإِسلامية في حياة الناس. ولما كان مقررًا على كل طالب يريد الحصول على درجة (الماجستير) أن يقدم بحثًا علميًا، فقد استقر رأي على موضوع "أهل الفترة ومن في حكمهم في العقيدة الإِسلامية". سبب اختيار الموضوع: إن في العقيدة الإِسلامية جوانب شتى تستحق الدراسة والبحث. ومن هذه الجوانب موضوع أهل الفترة، وهم الأقوام الذين لم تبلغهم الدعوة ولم يسمعوا برسالة نبي من الأنبياء، وهو بحق من الموضوعات التي تستحق الدراسة. وعند ذكر الأسباب التي دعت للكتابة في هذا الموضوع تبرز لنا أهميته. ومنها: ١ - عدم الكتابة فيه كتابة مستقلة فيما أعلم، إلا ما وجد متناثرًا في الكتب،

стр. 18

فأردت بيان الحق في هذه المسألة الهامة بالجمع بين النصوص والترجيح بين أقوال العلماء ﵏. ٢ - اختلاف واضطراب الناس فيه. ٣ - وجود أقوام لم تبلغهم الدعوة، وبصفتنا مسلمين نريد أن نعرف ما هو حكمهم وما مصيرهم؟. هذه الأسباب وغيرها دعتني للكتابة في هذا الموضوع. منهجي في البحث: ١ - اعتمدت على المراجع والمصادر الأساسية في الموضوع. ٢ - تحرّيت الأمانة العلمية والدقة والصدق في عرض آراء العلماء بالرجوع إلى كتبهم ما أمكنني ذلك. ٣ - عرضت المسائل مع أدلتها، ثم ناقشت الأقوال فيها ورجحت القول المدعّم بالدليل الصحيح. ٤ - تجنبت الإطالة والإِطناب في الموضوعات والتعليقات. ٥ - أكثرت من الاستدلال بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة لخطورة الموضوع. ٦ - قمت بترجمة الأعلام الذين ورد ذكرهم في الرسالة، وذلك بالرجوع إلى كتب التراجم. ٧ - حرصت على أن تكون الفهارس خير دليل للقارىء الكريم فوضعت الفهارس التالية: أ - فهرس الآيات القرآنية. ب - فهرس الأحاديث النبوية الشريفة. جـ - فهرس الأعلام. هـ - فهرس المراجع. و- فهرس الموضوعات. هذا وقد جعلت البحث في مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة.

стр. 19

المقدمة. الباب الأول: مسؤولية الإِنسان متعلقة بإرسال الرسل. ويشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: حاجة البشرية للرسل والغاية من إرسالهم. الفصل الثاني: خصوصية دعوة الرسل الذين سبقوا نبينا محمدًا ﷺ بالرسالة. الفصل الثالث: عموم دعوة نبينا محمَّد ﷺ وبقاؤها. الباب الثاني: بيان المقصود من أهل الفترة. ويشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: التعريف بأهل الفترة. الفصل الثاني: حكم مطالبتهم بأحكام الأنبياء السابقين. الفصل الثالث: الملحقون بأهل الفترة. وفيه مبحثان: أ - أطفال المشركين. ب - المجانين وأصحاب العاهات. الباب الثالث: حكم من لم تبلغه الدعوة المحمدية في عصرنا الحاضر، ويشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: في وجود أقوام لم تبلغهم الدعوة. الفصل الثاني: فيمن تقع عليهم مسؤولية عدم تبليغهم الدعوة. الفصل الثالث: الطرق المؤدية لإِيصال الدعوة إلى جميع الناس. الخاتمة: وفيها خلاصة البحث. هذا ما أردت الكتابة به، وأسأل الله تعالى أن يتقبل منا عملنا هذا وأحمده سبحانه -وهو المستحق للشكر دائمًا- إذ أعانني على كتابة هذا البحث، فلله الحمد في الأولى والآخرة. واستنادًا إلى الحديث الصحيح: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" (١):

стр. 20

أتقدم إلى فضيلة الشيخ عبد العزيز الراجحي أستاذ العقيدة في قسم الدراسات العليا بكلية أصول الدين، الذي بذل جهده ووقته من أجل إخراج هذا البحث على أحسن صورة، فأسأل الله تعالى أن يجزيَه خير الجزاء ويحفظه إنه هو السميع المجيب. كما أشكر جميع الأساتذة الفضلاء الذين أسدوا إليّ المشورة والنصح، وأخص منهم الدكتور أحمد فرحات. كما أشكر جميع الإِخوة الذين ساهموا في إخراج هذه الرسالة وأخصّ منهم أعضاء هيئة المكتبات والإِخوة الطلاب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. موفّق أحمد شكري

стр. 21

البَاب الأوَّل ويشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: حاجة البشرية للرسل والغاية من إرسالهم. الفصل الثاني: خصوصية دعوة الرسل الذين سبقوا نبينا محمدًا ﷺ . الفصل الثالث: عموم دعوة نبينا محمَّد ﷺ وبقاؤها.

стр. 22

الفصل الأوّل حاجة البشرية للرسل والغاية من إرسالهم قال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾. لما خلق الله الخلق لم يخلقهم عبثًا. وإنما خلقهم لمهمة جليلة ألا وهي الاستخلاف في الأرض قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. وقد تكفل الله بعد خلقهم وإخراجهم إلى الحياة الدنيا

стр. 23

بكل احتياجاتهم من المأكل والمشرب والملبس وغير ذلك حتى أصبح كل شيء في متناول يدهم وبمقدورهم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤]. فكما تكفل الله بتسخير هذا كله وجعله تحت تصرفهم، تكفل بأن علّمهم وجعل للعلم مكانة كبيرة في حياتهم، وأول ما نزّل من القرآن الكريم ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]. هذا كله من النعم التي تكفّل الله لهم بها وسخّرها لهم، وبذلك جعل مكانتهم عالية، وميّزهم عن سائر المخلوقات فكرّمهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]. فالله لم يتركهم سدىً ولم يخلقهم عبثًا بل أرسل إليهم رسلًا مبشِّرين ومنذرين، يبشِّرونهم بالسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة إن هم أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، وينقذونهم ويخوِّفونهم من عقاب الله وعذابه إن هم أشركوا بالله وجعلوا له أندادًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. بعد ذلك كله نرى بعض الناس الذين ضلّوا طريقهم واتبعوا كل شيطان مريد، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣] وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ

стр. 24

اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. ترى هذا البعض يقول بكل صلف وغرور أنه يستطيع بعقله أن يهديَ نفسه إلى الخير، ولا حاجة إذن للرسل ليعرِّفوه الطريق لأنه بعقله وفكره يستطيع أن يصل إلى الخير. لكن هذا البعض نسي أن هذا العقل الذي احتج به وارتكن إليه لا يكفي وحده للهداية, لأن دوره في الحياة محدود بالتأمل والتفكر في الوجود من حوله. فلابد له من التلقي عن وحي الله ومن خلال الشرائع التي أنزلها الله ، وإن لم يفعل ذلك فهو الغرور والضلال، وهذا ما حكاه القرآن الكريم على لسان قارون بعد أن طغى واستكبر وكفر بنعم الله قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]. وقال تعالى حكاية عن فرعون حين طُمست بصيرتُه ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨]. والله يحذِّر من اغترار الإِنسان بنفسه وكبريائه، فإنه جلّ وعلا يذكِّره بنعمه وما امتنّ به عليه مخاطبًا إياه ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٦٢] وبقوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] فالله هو الغني عن عباده، والعباد كلهم بحاجة إليه قال تعالى: ﴿يا أيُّها

стр. 25

النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] فجميع الخلق هم بحاجة إلى هدايته حتى يتخلصوا من هذا التيه والضياع الذي يعيشون فيه قبل إرسال الرسل. وليعلم أن العقل من غير وحي يقودُه لا يصلح لهداية البشر، بل لابدّ له من نعمة من الله. وهذه النعمة هي إرسال الرسل إلى هذه البشرية الحائرة، التي هي في أمسِّ الحاجة إلى هداية الله حتىِ تعرف الطريق السوي وتعرف شرع الله. حينئذ تصبح الرسالة أمرًا لازمًا للبشرية جمعاء وحاجةً ملحّةً لها، كي تخرجها من هذا الضياع الذي دمّرها وقضى عليها، والفوضى التي عاشتها، وهي لا تعرف كيف تشق طريقها في هذا التيه فجاءت الرسالة هاديةً مرشدةً للحيارى والتائهين، معلنة لهم انقشاع هذا الضلال والظلام وإخراج الناس من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد. فقد أصبح من المحال أن يعيش الناس بغير دين. وأصبح من الضروري أن يحكِّموا شرع الله وأن يردُّوا أمرهم إلى المنهج الرباني الذي هو من لدن حكيم خبير، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]. وقال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. وقال تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣]. فالرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده. فكما أنه لا

стр. 26

صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة. فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا في اتباع الرسالة. فإن الإِنسان مضطر إلى الشرع، فإنه بين حركتين حركة يجلب بها ما ينفعه وحركة يدفع بها ما يضرّه، والشرع هو النور الذي ينفعه وما يضره، والشرع نور الله في أرضه وعدله بين عباده وحصنه الذي مَن دخله كان آمنًا (١). ويقول ابن القيم ﵀ (٢): "فحاجة الناس إلى الشريعة ضرورية فوق حاجتهم إلى كل شيء، ولا نسبة لحاجتهم إلى الطب ... وأما الشريعة فمبناها على تعريف مواضع رضا الله وسخطه، فإن حركات العباد الاختيارية مبناها على الوحي المحض، والحاجة إلى التنفس مثلًا والطعام والشراب موت البدن وتعطّل الروح عنه، وأما ما يقدَّر عند عدم الشريعة ففساد الروح والقلب جملة، وهلاك الأبد، وشتان بين هذا" (٣) وهلاك البدن بالموت. فحاجة الناس إلى الرسالات أعظم من حاجتهم إلى الأكل والشرب والهواء, لأن ذلك يؤدي إلى إصلاح النفس البشرية، وذلك بفضل الرسالات السماوية التي رحم الله بها عباده، وأنزلها بواسطة رسله ﵈.

стр. 27

أثر الرسل في حياة الناس: للرسل عليهم الصلاة والسلام أثر كبير في حياة الناس, لأن الرسل لا يقومون بحركة إلا عن طريق الوحي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]. فدعوتهم الناس إلى الشريعة وما تحتويه من قيم وأخلاق وسلوك؛ هذا كله ليس من عند أنفسهم، وإنما هو الوحي والتوجيه الرباني. والرسل عليهم الصلاة والسلام إذا بدؤوا يصلحون أقوامهم ويقوِّمون مشاكلهم فإنهم يستأصلونها من جذورها، ويقدمون لهم البديل، وما الرسل إلا مبشرون ومنذرون، أما خَلْق الهداية في القلوب وتوفيق العباد إلى الخير فهو إلى الله وحده. ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]. والرسل عليهم الصلاة والسلام هم القدوة الحسنة لأقوامهم في كل قول وعمل ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. والرسل عليهم الصلاة والسلام باختلاطهم بالناس ودعوتهم إلى الرسالات التي يحملونها والسلوك العملي الذي يتمتعون به يكون واقعًا ملموسًا لدى الناس، بذلك يكون اتباع الناس لهم من الأمور اليسيرة لمن وفقه الله وأراد هدايته، ويكونون دائمًا مرتبطين بالوحي محاولين ربط القلب البشري بالله، فإذا أراد المعونة والتوفيق فإنه لا يلجأ ولا يتوجّه إلا إلى الله. مهمة الرسل: ومهمة الرسل شاقة وصعبة، فإن الله يختار رسله ويصطفيهم ويجتبيهم مِن خلقِه، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾

стр. 28

[الأعراف: ١٤٤]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وقال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥]. والمهمة الكبرى لدى الرسل هي تبليغ الدين الذي أمر الله بتبليغه على الملأ، قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]. فتبليغ الرسل للناس يكون بالتوحيد والدعوة إليه ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩. ٦٥، ٧٣، ٨٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. أما توحيد الربوبية فهو أمر فطري أقرت به جميع الطوائف إلا مَن كابر وعاند كفرعون، قال تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٧] [فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، كما أن توحيد الألوهية متضمِّن لتوحيد الربوبية]. وكذلك من دعوة الرسل توحيد الله بأسمائه وصفاته، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] وقال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].

стр. 29

فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسل ودعوا إليه وجاهدوا الأمم عليه، ولهذا أمر الله نبيه أن يقتدي بهم كما قال تعالى، بعد مناظرة إبراهيم قومه في بطلان الشرك وصحة التوحيد؛ وذكر الأنبياء مِن ذريته ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. و"كان ﷺ يعلِّم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: أصبحنا على فطرة الإِسلام وكلمة الإخلاص وعلى دين نبينا محمدٍ ﷺ وعلى ملة أبينا إبراهيمَ حنيفًا وما كان من المشركين" (١). فملة إبراهيم التوحيد، ودين محمَّد ﷺ هو ما جاء به من عند الله، وفطرة الإِسلام هي ما فطر عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له والاستسلام لعبوديته ذلًّا وانقيادًا وإنابةً (٢). فهذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأُنزلت به الكتب، وقام عليه الدين، وأمر الله به، فلا توحيد ولا عبادة إلا لله ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠]. وكما أمر الله بتوحيده في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته نهى عن الشرك وهو أن يجعل لله نِدًّا أو شريكًا في ملكوته وربوبيته وأسمائه وصفاته ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١٦]. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤] وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ

стр. 30

مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]. بل جعل الشرك في حقه أكبر الكبائر وأظلم الظلم. فقال جلّ شأنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. هذه هي مهمة الرسل التي يقومون بالدعوة إليها، ثم بعد ذلك تبليغ الشريعة التي يوحي الله بها إليهم، لكي يبلَّغوها إلى أقوامهم، حتى يكونوا على بيِّنة مِن أمرِهم. وعلى الرسل مهام أخرى كلّفهم الله بها من التربية والسلوك اللذين هما الطريق الوحيد الذي من خلاله يستطيع الرسل إنقاذ المجتمعات من جاهليتها، وهنا لابد من بذل الجهد الطويل المتواصل حتى يستطيع أن يلبس هذا المجتمع ثوبًا جديدًا تملؤه مقومات الشريعة الإِسلامية، بعد أن كان غارقًا في متاهات وضلالات. والرسل عليهم الصلاة والسلام بهذا يكونون القدوة الحسنة لأقوامهم لأن الله لا يرسل رسولًا إلى قومه إلا بعد اصطفاء واختيار، ويكون من عِلية القوم من حيث الحسب والنسب والشرف. ونرى هذا الاختيار والاصطفاء موجودًا في جميع الرسل الذين أرسلهم الله ، ونرى مصداق هذا في نبينا محمدٍ ﷺ . فكان يتصف بالخلق الحسن، حينما سئلت عائشة (١) ﵂ قالت: "كان خلقه القرآن" (٢). وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].

стр. 31

وكان يتصف بالرحمة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ويتّصف بالصبر ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، والرسول ﷺ يكون مذكِّرًا لقومه ناصحًا لهم، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، وجاء في الحديث الشريف الذي يرويه أبو هريرة (١) ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يتخوّلنا بالموعظة مخافة السآمة" (٢). هذه بعض مهام الرسل التي يقومون بها تجاه أقوامهم لكي ينالوا السعادة في الدارين، فإفراد الله بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته أعظم مهام الرسل، وهي الغاية من إرسالهم، لتخليص الناس من الشرك، وإخراجهم من الظلمات إلى النور. ...

стр. 32

الفصل الثاني خصوصية دعوة الرسل الذين سبقوا نبينا محمدًا ﷺ - الرسالات التي سبقت رسالة نبينا محمدٍ ﷺ كانت رسالاتٍ خاصةً بأقوامٍ معينين وبزمان معين. وكان كل رسول يدعو قومه إلى توحيد الله وعدم الإشراك به، ونبذ عبادة الأصنام، ويرغبهم بمغفرة الله وبثوابه إن هم أطاعوه واتبعوا دعوته وساروا على منهاج الله المستقيم، وينذرهم ويخوِّفهم من عذاب الله وعقابه إذا هم ظلّوا على ما هم عليه من الكفر والتكذيب بدعوة الله . إذن فكان كل رسول من رسل الله يبين لقومه طريق الهداية وطريق الضلال، ويعرفهم أن الله إله، واحد أحد، فرد صمد، خالق، رازق، محيي ومميت، هو وحده يجب أن يُفرد بالعبادة (١). والله خلق الخلق ليعبدوه حق العبادة، لا يريد منهم رزقًا ولا طعامًا. يقول تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا

стр. 33

لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. فالأمر بالتوحيد وإخلاص العبودية لله رسالة كل رسول أرسله الله إلى الأرض لا ينقص منها ولا يزيد عليها، بل يبلِّغها -كما أمره الله لقومه ويأمرهم باتباعها وتطبيق ما جاء فيها. قال تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. وقال تعالى حكاية عن هود ﵇: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥]. وقال تعالى حكاية عن صالح ﵇ ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]. وقال تعالى حكاية عن شعيب ﵇: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥]. إذن فالتوحيد هو الأساس الذي قامت عليه دعوات الرسل جميعًا من عهد آدم إلى محمَّد صلى الله وسلم عليهم أجمعين. وأما الشرك بالله -فهو أمر طارئ وحادث, لأن الله خلق الناس على الفطرة ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. وفي الحديث: "كل مولود يُولَد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو يمجِّسانه أو ينصِّرانه". وجاء عن ابن عباس (١) ﵄ وغير واحد من العلماء في التفسير (وكان أوّل ما عُبدت الأصنام أن قومًا صالحين ماتوا، فبنى

стр. 34

قومهم عليهم مساجد، وصوروا صور أولئك فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم. فلما طال الزمان جعلوا أجسادًا على تلك الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسمّوها بأسماء أولئك الصالحين: ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، فلما تفاقم الأمر بانتشار الشرك وعبادة الأوثان بعث الله -وله الحمد والمِنّة- رسوله نوحًا ﵇ فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له) (١). فجاء نوح ﵇ يدعوهم إلى التوحيد، توحيد الله وإفراده بالعبادة وترك ما كان يعبد آباؤهم من الأوثان والأصنام. قال تعالى في شأن سيدنا نوح ﵇ ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]. وبعد أن دعى نوح ﵇ قومه إلى التوحيد وترك ما يعبدون من الأصنام، واجه ردًّا قاسيًا وعنيفًا من قومه ووصفوه بالضلال المبين. قال تعالى حكاية عن قومه: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠]. فردّ نوح ﵇ مقالتهم تلك، وأعلمهم بأن ما وصفتموني به من الضلال ليس بصحيح، وإنما أنا مبلِّغ ومرسَل إليكم مِن الله أبلِّغكم ما أمرني الله به، وأنصح لكم وأبيِّن لكم أن الذي أنتم عليه سبب في سخط الله عليكم وعقابه. وسوف يعاجلكم بالعقوبة. قال تعالى حكاية عن نوح: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي

стр. 35

رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦١ - ٦٢]. وقال تعالى حكاية عن تكذيب قومه لرسالته، وإنجائه مَن آمن معه، وإغراقه مَن كذّب برسالته ولم يؤمن به: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٤]. ثم يأتي بعد نوح ﵇ هود ﵇ لينذر قومه وما لاقاه منهم. ويدعوهم إلى التوحيد بعد أن انحرفوا وأشركوا بالله وعبدوا أصنامًا مِن صنع أيديهم وسمّوها بأسماء مِن عند أنفسهم. قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥]. فبعد أن خاطبهم بكلمة التوحيد، وأنه لا يجوز أن تكون العبادة إلا لله وحده لا شريك له؛ جابهوه بالردِّ الشديد. وهذه سنة الله ، وأنه لابد أن يكون للدعوة إلى الله أعداء يقفون لها بالمرصاد ويتربّصون بها الدوائر ويحاولون إسقاطها وتكذيبها. فاتّهموا هودًا ﵇ بالكذب والسفه. قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦]. فرد هود ﵇ على مقالتهم وأخبرهم بأنه رسول رب العالمين، وإنه ليس سفيهًا كما يدّعون -وحاشا لنبي مرسَل مِن عندِ اللهِ أن يكون سفيهًا- وإنما أنا نذير وناصح لكم أبلِّغكم ما أُمرت به من الله دون زيادة أو نقص. قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٧ - ٦٨]. ولكن قومه استمروا في عنادهم وتكذيبهم للحق الذي جاء به، بل وصل بهم الأمر إلى مطالبته بأن يأتيهم بالذي أنذرهم به.

стр. 36

قال تعالى حكاية عنهم: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠]. فأجابهم هود ﵇ ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧١ - ٧٢]. فجاءهم ما توعّدهم به هودٌ ﵇ من العذاب، ونجّى الله هودًا والذين آمنوا معه. وها هو نبي الله صالح ﵇ يأتي قومه فيدعوهم إلى ما دعت إليه الرسل الذين دعوا أقوامَهم إلى التوحيد الخالص ونبذ الشرك والوثنيات التي كانوا يعيشونها ويعتقدون بها. فجاء نبي الله صالحُ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وجاء ﵇ بآية لكي تكون حجةً على صدق ما يدعو إليه وأنه الحق، وأنه من الله. وكان ﵇ يذكِّرهم بنعمة الله عليهم، ولكن قومه كذبوه ولم يصدِّقوا قوله ورفضوا دعوته، فأخذ ﵇ يحذِّرهم من عذاب الله وعقابه إن هم أصروا على تكذيبه، وإن هم مسّوا الناقة بسوء التي هي حجة عليهم، ولكنهم لم يعتبروا بكلامه ﵇. وتمادوا في طغيانهم وكفرهم وعنادهم، فكفروا بصالح وبدعوته وعقروا الناقة، فأتاهم الله بعذاب من عنده، إلا الذين آمنوا مع نبي الله صالح فنجّاهم من العذاب الذي لحق بالذين كفروا. قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣]. وقال تعالى حكاية عن قومه: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا

стр. 37

بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف:٧٥ - ٧٨]. وعلى نفس الطريق وبنفس الدعوة التي دعا بها نوح وهود وصالح ﵈ جاء نبي الله لوط ﵇ ودعاهم إلى عبادة الله وحده وتركِ ما هم عليه من الكفر والشرك -وقد كان قوم لوط ﵇ يأتون الرجالَ شهوةً مِن دون النساء فحذّرهم ﵇ من عاقبة هذا الفعل الخبيث والمرض الفتاك، والمخالف لسنن الفطرة، لكنهم لم يلتفتوا لقوله ولم يأبهوا له ووقفوا منه موقف المعارض والمكابر والمستهزىء بدعوة الله ورسله. ونتيجة لأفعالهم المنكرة وعدم رجوعهم إلى طريق الحق والصواب عاقبهم الله عقابًا شديدًا وخسف بهمُ الأرض ليكونوا عبرة لمن يعتبر. قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨٤]. ويُفتح الستار عن نبي الله شعيب ﵇ ونرى دعوته مع قومه الذين أشركوا بالله وجعلوا لله ندًّا، واتبعوا شياطينهم وكانوا يبخسون الميزان والمكيال، وكانوا من المطفِّفين. فجاءهم نبي الله شعيب ناصحًا لهم ومحذِّرًا، ينصحهم بأن يتركوا الإِشراك بالله، وأن عليهم أن يوحِّدوه ويفردوه بالعبادة، وناهيًا لهم ومحذِّرًا مِن بخسِ المكيال والميزان وتطفيفهما لأن هذا إفساد في الأرض، والله لا يرضى هذا وهو لا يحب المفسدين. ويترتب على إصرارهم على الكفر وعمل المعاصي عقابٌ شديد من الله .

стр. 38

وفعلًا ظلُّوا على ما هم عليه فعاجلهم الله بالعقوبة. وهذا شأن كل مستكبر ضالٍّ عن الطريق السويّ لا يأتمر بأوامر الله ولا ينتهي بالنواهي. قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]. ولكن قوم شعيب لم يتركوا شعيبًا ومن آمن معه، بل هددوهم بإخراجهم من القرية أو أن يعودوا إلى دين آبائهم وأجدادهم، ولكن شعيبًا ﵇ والذين آمنوا معه بِعُلُوِّ إيمانهم وإخلاصهم لله لم يُلقوا لهم بالًا ولم يستمعوا لما يقولون، واستمروا على إيمانهم غير مبالين بما يفعلون. قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٨ - ٨٩]. وهكذا حال مَن كفر برسل الله، فإن الله بالمرصاد لكل من يقف موقف المعادي للرسل والرسالات السماوية. قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١]. ثم بعد هؤلاء الأنبياء أرسل الله كَلِيمَه ورسولَه إلى بني إسرائيلَ، أرسله الله إلى قومه الذينِ كانوا تحت حكم فرعون وسلطانه. فجاء موسى ﵇ إلى فرعون يبيِّن له بأنه مرسَل مِن رب العالمين الأحد الفرد الصمد الخالق الرازق المحيي المميت، وهو رب كل شيء ومليكُه. ثم بيَّن موسى ﵇ لفرعونَ بأنه جاء ببيِّنة وحجة دالّة ومصدِّقة على أنه مرسَل من الله . لذا عليك أن

стр. 39

ترسل معي بني إسرائيل -أي أطلق سراحهم من أمرك وعبادتك وتسلُّطك عليهم إلى عبادة الله الواحد الأحد. فكان من أمر فرعون أنه كذّبه وكذب ما جاء به من الحق، وطلب منه أن يظهر الدليل على صدقه، وأنه رسول من رب العالمين. فأظهر موسى ﵇ الدليل على صدقه، وهي إلقاء العصا فتنقلب ثعبانًا، وإدخال يده في جيبه فتخرج بيضاء متلألئة من غير سوء. ولكن فرعون وقومه استمروا في طغيانهم واستكبروا عن طاعة رسول الله، بل ونسبوا إليه السحر. ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠٤ - ١١٠]. وكان الملأ من قوم فرعون يحرضون فرعون على موسى وقومه، وأنهم يعيثون في الأرض فسادًا وتركوا عبادتك وتمرّدوا على سلطانك، فقرر فرعون تقتيل الأبناء واستحياء النساء؛ أبناء المؤمنين ونساؤهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]. فأخذ موسى ﵇ يحثّ قومه ويأمرهم بالصبر والاستعانة بالله حتى يفرِّج الله عنهم ما هم فيه من البلاء ويجعل لهم مخرجًا ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨].

стр. 40

فأجابه قومه بأنهم كانوا يؤذَون من قبل مجيئه ومن بعد مجيئه والآن نحن نذل ونهان. وموسى ﵇ رغم كل هذا يصبِّرهم ويواسيهم في مصيبتهم وأن نصر الله قريب منهم. قال تعالى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩]. ولكن فرعون وقومه ظلوا مكابرين معاندين حتى سلط الله عليهم الجوع وقلة الزروع والثمار، وكانوا يطَّيّرون بموسى ومن معه؛ فإذا جاءتهم حسنة ومكرمة قالوا لنا هذه بما نستحق، وإذا أصابهم قحط وجدب اطَّيّروا بموسى وقومه. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعر اف: ١٣٠ - ١٣١]. ولكن تمرُّد فرعون وقومه وإصرارهم على الباطل جعلهم يتهكّمون بموسى ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢ - ١٣٦]. ثم أرسل عيسى ﵇ -خاتمة أنبياء بني
следующие страницы →