قال تعالى حكاية عنهم: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠].
فأجابهم هود ﵇ ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧١ - ٧٢].
فجاءهم ما توعّدهم به هودٌ ﵇ من العذاب، ونجّى الله هودًا والذين آمنوا معه.
وها هو نبي الله صالح ﵇ يأتي قومه فيدعوهم إلى ما دعت إليه الرسل الذين دعوا أقوامَهم إلى التوحيد الخالص ونبذ الشرك والوثنيات التي كانوا يعيشونها ويعتقدون بها. فجاء نبي الله صالحُ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وجاء ﵇ بآية لكي تكون حجةً على صدق ما يدعو إليه وأنه الحق، وأنه من الله. وكان ﵇ يذكِّرهم بنعمة الله عليهم، ولكن قومه كذبوه ولم يصدِّقوا قوله ورفضوا دعوته، فأخذ ﵇ يحذِّرهم من عذاب الله وعقابه إن هم أصروا على تكذيبه، وإن هم مسّوا الناقة بسوء التي هي حجة عليهم، ولكنهم لم يعتبروا بكلامه ﵇. وتمادوا في طغيانهم وكفرهم وعنادهم، فكفروا بصالح وبدعوته وعقروا الناقة، فأتاهم الله بعذاب من عنده، إلا الذين آمنوا مع نبي الله صالح فنجّاهم من العذاب الذي لحق بالذين كفروا. قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣].
وقال تعالى حكاية عن قومه: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا
стр. 37
بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف:٧٥ - ٧٨].
وعلى نفس الطريق وبنفس الدعوة التي دعا بها نوح وهود وصالح ﵈ جاء نبي الله لوط ﵇ ودعاهم إلى عبادة الله وحده وتركِ ما هم عليه من الكفر والشرك -وقد كان قوم لوط ﵇ يأتون الرجالَ شهوةً مِن دون النساء فحذّرهم ﵇ من عاقبة هذا الفعل الخبيث والمرض الفتاك، والمخالف لسنن الفطرة، لكنهم لم يلتفتوا لقوله ولم يأبهوا له ووقفوا منه موقف المعارض والمكابر والمستهزىء بدعوة الله ورسله. ونتيجة لأفعالهم المنكرة وعدم رجوعهم إلى طريق الحق والصواب عاقبهم الله عقابًا شديدًا وخسف بهمُ الأرض ليكونوا عبرة لمن يعتبر. قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨٤].
ويُفتح الستار عن نبي الله شعيب ﵇ ونرى دعوته مع قومه الذين أشركوا بالله وجعلوا لله ندًّا، واتبعوا شياطينهم وكانوا يبخسون الميزان والمكيال، وكانوا من المطفِّفين. فجاءهم نبي الله شعيب ناصحًا لهم ومحذِّرًا، ينصحهم بأن يتركوا الإِشراك بالله، وأن عليهم أن يوحِّدوه ويفردوه بالعبادة، وناهيًا لهم ومحذِّرًا مِن بخسِ المكيال والميزان وتطفيفهما لأن هذا إفساد في الأرض، والله لا يرضى هذا وهو لا يحب المفسدين. ويترتب على إصرارهم على الكفر وعمل المعاصي عقابٌ شديد من الله .
стр. 38
وفعلًا ظلُّوا على ما هم عليه فعاجلهم الله بالعقوبة. وهذا شأن كل مستكبر ضالٍّ عن الطريق السويّ لا يأتمر بأوامر الله ولا ينتهي بالنواهي.
قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥].
ولكن قوم شعيب لم يتركوا شعيبًا ومن آمن معه، بل هددوهم بإخراجهم من القرية أو أن يعودوا إلى دين آبائهم وأجدادهم، ولكن شعيبًا ﵇ والذين آمنوا معه بِعُلُوِّ إيمانهم وإخلاصهم لله لم يُلقوا لهم بالًا ولم يستمعوا لما يقولون، واستمروا على إيمانهم غير مبالين بما يفعلون. قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٨ - ٨٩].
وهكذا حال مَن كفر برسل الله، فإن الله بالمرصاد لكل من يقف موقف المعادي للرسل والرسالات السماوية. قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١].
ثم بعد هؤلاء الأنبياء أرسل الله كَلِيمَه ورسولَه إلى بني إسرائيلَ، أرسله الله إلى قومه الذينِ كانوا تحت حكم فرعون وسلطانه. فجاء موسى ﵇ إلى فرعون يبيِّن له بأنه مرسَل مِن رب العالمين الأحد الفرد الصمد الخالق الرازق المحيي المميت، وهو رب كل شيء ومليكُه. ثم بيَّن موسى ﵇ لفرعونَ بأنه جاء ببيِّنة وحجة دالّة ومصدِّقة على أنه مرسَل من الله . لذا عليك أن
стр. 39
ترسل معي بني إسرائيل -أي أطلق سراحهم من أمرك وعبادتك وتسلُّطك عليهم إلى عبادة الله الواحد الأحد.
فكان من أمر فرعون أنه كذّبه وكذب ما جاء به من الحق، وطلب منه أن يظهر الدليل على صدقه، وأنه رسول من رب العالمين.
فأظهر موسى ﵇ الدليل على صدقه، وهي إلقاء العصا فتنقلب ثعبانًا، وإدخال يده في جيبه فتخرج بيضاء متلألئة من غير سوء. ولكن فرعون وقومه استمروا في طغيانهم واستكبروا عن طاعة رسول الله، بل ونسبوا إليه السحر.
﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠٤ - ١١٠].
وكان الملأ من قوم فرعون يحرضون فرعون على موسى وقومه، وأنهم يعيثون في الأرض فسادًا وتركوا عبادتك وتمرّدوا على سلطانك، فقرر فرعون تقتيل الأبناء واستحياء النساء؛ أبناء المؤمنين ونساؤهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧].
فأخذ موسى ﵇ يحثّ قومه ويأمرهم بالصبر والاستعانة بالله حتى يفرِّج الله عنهم ما هم فيه من البلاء ويجعل لهم مخرجًا ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨].
стр. 40
فأجابه قومه بأنهم كانوا يؤذَون من قبل مجيئه ومن بعد مجيئه والآن نحن نذل ونهان. وموسى ﵇ رغم كل هذا يصبِّرهم ويواسيهم في مصيبتهم وأن نصر الله قريب منهم.
قال تعالى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩].
ولكن فرعون وقومه ظلوا مكابرين معاندين حتى سلط الله عليهم الجوع وقلة الزروع والثمار، وكانوا يطَّيّرون بموسى ومن معه؛ فإذا جاءتهم حسنة ومكرمة قالوا لنا هذه بما نستحق، وإذا أصابهم قحط وجدب اطَّيّروا بموسى وقومه.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعر اف: ١٣٠ - ١٣١].
ولكن تمرُّد فرعون وقومه وإصرارهم على الباطل جعلهم يتهكّمون بموسى ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢ - ١٣٦].
ثم أرسل عيسى ﵇ -خاتمة أنبياء بني
стр. 41
إسرائيل -يدعوهم بدعوة الرسل، دعوة التوحيد الخالص وإخلاص العبادة لرب العباد, لأن العبودية لغيره من أكبر الكبائر وأظلم الظلم، إذ هي شرك بالله وصرفُ خالص حقه لغيره. قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].
وعندما أُرسل عيسى ﵇ إلى قومه جاء ببينة وحجة على صدقه في قوله وصحة رسالته ونبوته, لأن كل رسول لابد له من آيات تدلّ على صدقه. وكانت آيته ﵇: إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص. قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩].
وفي موضعِ آخر يقول تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾ [آل عمران: ٥٠، ٥١].
جاء في الحديث الشريف: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء أخوة لعلات، وإن أَولى الناس بابن مريم لأنا إنه ليس بيني وبينه نبي" (١).
وهذا الدين هو الإِسلام الذي لا يقبل الله دينًا غيره لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإِسلام.
قال تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ
стр. 42
قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١ - ٧٢].
وقال تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة:١٣٠ - ١٣١].
وقال تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤].
وقال تعالى عن بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤].
وقال تعالى عن حواريي عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١].
قال الشيخ: (فالإِسلام هو الاستسلام لله وحده فمن استسلم له ولغيره عن عبادته كان مشركًا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرًا عن عبادته وحده وطاعته وحده) (١).
فهذا التوحيد الذي جاءت به الرسل يُخرج الناس من الظلمات إلى النور ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. وتبين لنا أن دعوة كل نبي هي دعوة التوحيد مِع اختلاف الشرائع، وصدق الله إذ يقول: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
...
стр. 43
الفصل الثالث
عموم رسالة نبينا محمَّد ﷺ -
فيما تقدم تبين لنا مدى حاجة الناس إلى الرسل، وأن حاجتهم إلى الرسالة أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب والدواء والهواء والتنفس الذي يدور بين جنبات الإِنسان. ثم إن الرسالات السابقة لرسالة محمَّد ﷺ كانت رسالات خاصة؛ كل رسول لقومه ولزمن معين (حيث كانت حياة البشرية في عصورها الأولى حياة محدودة المطالب؛ كان كل نبي يُبعث إلى قومه خاصة، ويحمل إليهم من هدي السماء ما يرشدهم إلى صراط الله المستقيم وما يساعدهم على تقويم حياتهم الدنيا وفق هدي الله. ودخلت البشرية في تطورها مع رسل الله المتتابعين إليها حتى كان التهيؤ الكامل لما وصلت إليه البشرية من نفع وما حققته من جوانب الحضارة وما تيسر لها من أسباب الاتصال شرقًا وغربًا، ووصلت ما وصلت إليه، فأذن الله بفجر رسالة جديدة عالمية ختم بها الرسالات السماوية، إذ أنها الحق بأنها رسالة البشرية كافة فبُعث محمَّد ﷺ ) (١).
стр. 44
فأرسل محمدًا ﷺ هاديًا ومبشِّرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فجعل رسالته عامة إلى الجن والإنس، وباقية إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها. فجاءت رسالته ﷺ رحمة للعالمين، فنسخت جميع الشرائع التي سبقتها وبها اختتمت؛ فلا رسالة بعد رسالته ﷺ فلا يهودية ولا نصرانية إنما هو الإِسلام قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] وقال تَعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] فكما ختمَ الله الدين بالإِسلام فقد ختم الأنبياء بمحمد ﷺ ، إذ جعله خاتم الأنبياء والمرسلين. فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وجاء في الحديث الشريف: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له ويقولون: هلّا وضعت هذه اللبنة. وأنا اللبنة وأنا خاتم (١) النبيين" وفي الحديث الآخر: "إن لي أسماء: أنا محمَّد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب والعاقب الذي ليس بعده نبي" (٢) وفي حديث آخر: "وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي" (٣) وفي حديث آخر: "فُضِّلت على الأنبياء بسِتّ:
стр. 45
أُعطيتُ جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأُحِلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا؛ وأُرسلتُ إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون" (١) فختم الله به الأنبياء وجعل رسالته خاتمة لجميع الرسالات السماوية فكان لزامًا على أصحاب الديانات الأخرى أن يتبعوه ويؤمنوا به وينصروه بعد بعثته. حيث أخذ الله على الأنبياء الذين سبقوه الميثاق، وبشّر به عيسى ﵇ قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] وقال تعالىِ: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠].
يقول ابن عباس ﵄: "لم يبعث الله نبيًا إلا أخذ عليه الميثاق؛ لئن بُعث محمَّد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بُعث محمَّد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه" (٢).
وهذا وغيره من النصوص يؤكد على لزوم اتباع أهل الكتاب النبي محمدًا ﷺ . ويروى أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى بنسخة من التوراة فقال: يا رسول الله هذه نسخة من التوراة، فسكت، فجعل يقرأ ووجه رسول الله يتغير فقال أبو بكر: ثكلتك الثواكل، ما ترى رسول
стр. 46
الله ﷺ ؟ فنظر عمر إلى وجه رسول الله ﷺ فقال أعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، رضينا بالله ربًا وبالإِسلام دينًا وبمحمد نبيًا. فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم على سواء السبيل ولو كان موسى حيًا وأدرك نبوتي لاتّبعني" (١).
فهذه نصوص السنّة تدل دلالة واضحة على عموم رسالته ﷺ ، ويدخل في هذا العموم أهل الكتاب وغيرهم من الناس، فهم يدخلون في عموم النصوص التي أوردناها. وهناك نصوص أخرى من الكتاب تدل دلالة قطعية على عموم بعثته ﷺ إلى الجن والإِنس كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف: ١٠٤] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢].
وجاء في الحديث الصحيح: "أُعطيتُ خمسًا لم يُعْطَهن أحد من قبلي: نُصرتُ بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأحِلَّتْ لي الغنائم ولم تحلَّ لأحد قبلي، وأُعطيتُ الشفاعةَ، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة" (٢) وفي حديث آخر: "والذي نفس محمَّد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ثم ولم يؤمن بالذي
стр. 47
أُرسلت به (١) إلا كان من أصحاب النار".
أما كونه ﷺ مبعوثًا إلى الناس كافة فهذا معلوم من دين الإِسلام بالضرورة، وأما ما جاء من زعم النصارى أنه رسول إلى العرب خاصة؛ فهو قول ظاهر البطلان وإنهم لما صدّقوا بالرسالة لزمهم تصديقه في كل ما يخبر به، وقد قال إنه رسول الله إلى الناس عامة والرسول لا يكذب فلزم تصديقه (٢). ويقول شيخ الإِسلام ابن تيمية (٣) رادًّا على شبهة أهل الكتاب بقوله: "إما أن يقروا برسالته أي برسالة نبينا محمد أو لا يقروا فإن أقروا بأنه رسول أرسله الله لم يمكن مع ذلك تكذيبه، بل يجب الإِقرار برسالته إلى جميع الخلق كما أخبر بذلك الله ورسوله. وقد أجمع أهل الملل قاطبة على أن الرسل معصومون فيما يبلِّغونه عن الله ﵎، وقد أخبر الله أنه لا يمهل أحدًا يكذب عليه ويدّعي النبوة بل يعاجله بالعقوبة" (٤).
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧]
وما فعله ﷺ من إرسال الرسل إلى ملوك الفرس في العراق وملوك الروم في الشام وملوك الأقباط في مصر من الأدلة التي تؤكد على أن رسالته إلى الناس كافة وأنها باقية إلى أن تقوم الساعة "وإن نصوص الإسلام وواقعه العملي يدلان دلالة قاطعة على أنه دين عالمي وأن رسالته للعالمين" (٥).
стр. 48
"إن عموم الرسالة المحمدية وبقاءها وعدم قابليتها للنسخ والتبديل والتغيير بالتنقيص أو الزيادة، كل ذلك يستلزم عقلًا وعدلًا أن تكون قواعدها وأحكامها وجميع ما جاءت به على نحو يحقق مصالح الناس في كل عصر ومكان، ويفي بحاجتهم ولا يضيق عنها ولا يتخلف عن توجيه أي مستوى عال يبلغه المجتمع البشري. إن هذا والحمد لله متوافر في الشريعة الإِسلامية, لأن الله وهو العليم الخبير إذ جعلها عامة في كل زمان ومكان وخاتمة لجميع الشرائع جعل قواعدها وأحكامها صالحة لكل زمان ومكان ومهيأة للبقاء والاستمرار. لهذا العموم إن ما نقوله هو الحق ويدل عليه واقع الشريعة الإِسلامية وطبيعة مبادئها وأحكامها وأفكارها ومناهجها" (١).
إن في الرسالة المحمدية ميزات جعلتها عالمية، فالرسالة منذ أن انبثقت في قلب الجزيرة العربية وهي تحمل العقيدة الصحيحة والإخاء والمساواة، جاءت هذه الرسالة لتعالج قضية الإِنسان بصرف النظر عن شكله أو جنسه أو لغته، فرسالة الإِسلام أرجعت البشرية إلى أصل نشأتها الأولى من أب واحد وأم واحدة فساوت بينهم، لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
فالإِسلام أبرز كرامة الإِنسان وجعلها في واقع الحياة سواسية كأسنان المشط الواحد، لم يميز بين هذا وذاك بلون أو جنس أو قبيلة، فقال في العصبية الممقوتة "دَعُوها فإنها منتنة" (٢).
стр. 49
وقال: "ليس منا من مات على عصبية وليس منا من دعا إلى عصبية" (١).
والرسالة المحمدية وفت بحاجة الإِنسانية جميعًا فيما يصون وحدتها ويرعى إنسانيتها ويحمي أفرادها، وكذلك النظم والتشريعات التي تجعل الإنسانية على حد سواء لا فرق بين أسود وأبيض ولا عربي وأعجمي (٢).
والرسالة الإِسلامية جاءت ميسِّرة لا معسِّرة، وبينت بأن هذا الدين يسر، وقد بين النبي ﷺ بقوله: "إن هذا الدين يسر ولن يشادَّ الدينَ أحد إلا غلبه" (٣) وللإِسلام مُثُلُه وميزاته التي لا حصر لها, ولو استطعنا أن نلم بها لاحتجنا إلى مجلدات حتى تفي بهذا الغرض، ولكن يكفي أن نقول إن الله عندما جعله خاتم الأديان ونبينا محمدًا ﷺ خاتم الأنبياء إشارة لنا بأن هذا الدين وهذه الرسالة عامة شاملة لكل الإِنس والجن، ولكل زمان ومكان، لما فيها من العالمية والسمو والسعة ما ليس في غيرها من الشرائع السابقة، مما جعلها صالحة لكل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وصدق الله إذ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
...
**
*
стр. 50
البَاب الثَاني
بيان المقصود بأهل الفترة
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: التعريف بأهل الفترة.
الفصل الثاني: حكم مطالبتهم بأحكام الأنبياء السابقين.
الفصل الثالث: الملحقون بأهل الفترة:
ويشتمل هذا الفصل على مبحثين:
المبحث الأول: أطفال المشركين.
المبحث الثاني: المجانين وذوو العاهات.
стр. 51
الفصل الأول
تعريف أهل الفترة
قال صاحب لسان العرب: الفترة في اللغة: الانكسار والضعف، وفتر الشيء والحر وفلان، يفتُر ويفتِر فتورًا وفتارًا: سكن بعد حدّة ولانَ بعد شدة، وفتره الله تفتيرًا وفتَّر هو.
وقيل: فتر أي أقام وسكن، وقيل فتّر المطر: فرغ ماؤه وكفّ وتحيّر. والفَتَر: هو الضعف، وفتر جسمه: لانت مفاصله، وتقول: أجد في نفسي فترة وهي كالضعفة، ويقال للشيخ الكبير: قد علته كبره وعرته فترة. وأفتره الداء: أي أضعفه، وجاء في الحديث الشريف أن رسول الله ﷺ "نهى عن كل مسكر ومفتِّر" (١) فالمسكر الذي يزيل العقل، والمفتِّر: هو الذي يفتِّر الجسم.
ويقال: ماء فاتر إذا سكن بعد حره، وطرْف فاتر: أي فيه فتور، أي ليس حادّ النظر (٢).
стр. 52
والفِتر ما بين السبابة والابهام (١)، وفترُ الشيء قدره، وتقول افتراه الداء أي أضعفه، وأنشد ابن مقبل (٢):
تأمّل خليلي هل ترى ضوء بارق ... بيمان رمته ريح نجد ففترا (٣)
وقال الأخطل (٤):
وتجردت بعد الهدير وصرحت ... شهباء ترمي ثوبها بفتار
والفترة: فعلة من قول القائل فتر هذا الأمر يفتر فتورًا، وذلك إذا هدأ وسكن، وتقول فتر الرجل عن علمه عما كان عليه من الجد فيه.
أما في الاصطلاح: هي ما بين كل نبيين، فقد ذكر ابن كثير (٥) في تفسيره تعريف الفترة فقال: هي ما بين كل نبيين كانقطاع الرسالة بين عيسى ﵇ ومحمد ﷺ (٦)، وذكر السبكي (٧) في تعريف الفترة: هي ما كانت بين رسولين لم يُرسل إليه الأول ولم يُدرِك الثاني (٨).
стр. 53
وقد ذكر الألوسي (١) في تفسيره: أجمع المفسرون بأن الفترة هي انقطاع ما بين رسولين (٢).
وقيل الفترة ما بين إسماعيل ومحمد ﵉، وقد اختار الشربيني في حاشية جمع الجوامع أن أهل الفترة هم العرب من انقطاع رسالة سيدنا إسماعيل إلى زمن نبينا محمَّد (٣).
وهذا القول فيه تخصيص أهل الفترة بالعرب، وهذا التخصيص ليس له دليل يستند إليه، والحق أن أهل الفترة من كانوا بين رسولين لم يُرسَل إليهم الأول ولم يدرِكوا الثاني (٤)، وإنما هناك فترات. كالفترة التي حصلت بين نوح وإدريس (٥)، والفترة التي حصلت بين عيسى ومحمد كما سبق عن ابن كثير والألوسي وغيرهما من العلماء، لذا نرى قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] نراه يؤيد ما ذهبنا إليه من أن الفترة عامة، ولم تخصص بقوم من الأقوام ولا بزمن من الأزمان، فهذه الآية التي ذكرناها تخاطب أهل الكتاب واليهود خاصة, لأنها نزلت في المدينة، وحيث لا يوجد في المدينة من أصحاب الكتب السابقة إلا اليهود، ولو نظرنا إلى سبب نزول هذه الآية لعرفنا أن النبي محمدًا ﷺ لم يرسَل إلى أهل الفترة من العرب فقط بل أرسل إلى العرب وغيرهم من أهل الكتاب وكل من لم تبلغه الدعوة.
стр. 54
نزلت هذه الآية لتبين لأهل الكتاب الطريق الصواب بعد أن انحرفوا عن الحق واتبعوا هوى النفس والشيطان، وبعد ما فرطوا في أمور دينهم والخروج على القيم والأخلاق والآداب.
﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ هذا في الآية تفيد العموم، ويدخل فيه ما يبينه لكم مما كنتم تخفون من الكتاب لإِقامة الحجة عليكم، ولو لم يكن رسولًا من عند الله لما عرف ذلك، وحتى تقوم عليكم الحجة، وحتى لا تقولوا يوم القيامة ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ (١).
وسبب نزول الآية كما ذكر ابن عباس قال: دعا رسول الله ﷺ يهود إلى الإِسلام فرغّبهم فيه وحذّرهم فأبَوا عليه، فقال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عبادة (٢) وعقبة بن وهب (٣): يا معشر يهود اتقوا الله فوالله لتعلمنّ أنه رسول الله وقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه تصفونه لنا بصفته، فقال رافع بن حريملة ووهب بن يهودا؛ إنا ما قلنا لكم هذا، وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى، ولا أرسل بشيرًا ولا نذيرًا بعده. فأنزل الله هذه الآية للرد عليهم (٤).
وأوضح الفترات وأبرزها لنا هي الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد ﵉.
стр. 55
اختلاف الناس في الفترة:
وقد اختلف الناس في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد ﵉ إلى أقوال هي:
الأول: أنه كان بين عيسى ومحمد ﵉ ستمائة سنة، وقال به مقاتل (١).
الثاني: أنه كان بين عيسى ومحمد ﵉ ستون سنة وخمسمائة، وهو قول قتادة (٢).
الثالث: أنه كان بين عيسى ومحمد ﵉ أربعمائة سنة وبضع وثلاثون سنة، وهو قول الضحاك (٣).
الرابع: أنه كان بين عيسى ومحمد ﵉ خمسمائة وتسع وتسعون سنة.
وكان بعد عيسى ﵇ أربعة من الرسل، ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب (٤)، لما ورد في طبقات ابن سعد (٥) عن هشام بن محمَّد بن السائب (٦) عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: "كان بين موسى بن
стр. 56
عمران وعيسى ابن مريم ألف سنةٍ وستعمائة سنة ولم تكن بينهما فترة، وأنه أُرسل بينهما ألفا نبي من بني إسرائيل سوى من أُرسل من غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى وميلاد محمَّد ﵉ خمسمائة وتسع وستون سنة، فبعث في أولها ثلاثة أنبياء، وما ورد بشأن خالد بن سنان "ذلك نبي ضيّعه قومه" وقال: "بنت نبي ضيّعه قومه" (١).
وهذا القول -أي الرابع- يناقض الحديث الصحيح الذي ورد في البخاري (٢) من أنه ليس هناك نبوة بين عيسى ومحمد ﵉ فقد جاء عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء أولاد علات، ليس بيني وبينه نبي" (٣) وهذا الحديث فيه دلالة واضحة على أنه لم يبعث بين عيسى ومحمد ﵉ نبي. لا من بني إسرائيل ولا من العرب، كما ورد في طبقات ابن سعد.
والحديث الذي أورده ابن سعد ليس صحيحًا، ففي سنده محمَّد بن السائب وهو كذاب، أما ما ورد بشأن خالد بن سنان، فهي أحاديث ضعيفة وهي معارضة لما في الصحيح من حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري.
وذكر ابن كثير أن هذه مرسلات لا يحتجّ بها هاهنا، وقال الهيثمي (٤): وهذا الحديث معارض لما في الصحيح "أنا أولى الناس
стр. 57
بعيسى بن مريم والأنبياء إخوة لعلات وليس بيني وبينه نبي".
والراجح من هذه الأقوال الأربعة الآنفة الذكر القول الأول. الذي قال به مقاتل عن ابن عباس، لما أيده البخاري في صحيحه, فقد جاء في الصحيح: "أن الفترة بين عيسى ومحمد ﵉ ستمائة سنة" (١).
والله أعلم.
...
стр. 58
الفصل الثاني
" حكم مطالبتهم بأحكام الأنبياء السابقين "
قبل أن نبدأ في البحث لابد لنا من تمهيد نبين فيه الحكم الشرعي وما يترتب عليه من تعريف المكلف وشروطه.
اتفق العلماء على أن جميع الأحكام التكليفية والوضعية، مصدرها الكتاب والسنة، والله هو الحاكم ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠].
فالحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين (١). والتكليف في اللغة: إلزام ما فيه كلفة، يقال: كلفت هذا الأمر وتكلفته، والكلفة ما تكلفت به من أمر في نائبة أو حق (٢).
стр. 59
جاء في الحديث الشريف الذي يرويه عمر ﵁ (١) يقول: "نهينا عن التكلف" (٢).
والمكلَّف في الاصطلاح: هو الشخص الذي تعلق حكم الشارع بفعله (٣).
شروط المكلَّف:
١ - أن يكون قادرًا على فهم الدليل, لأن التكليف خطاب. وخطاب من لا عقل ولا فهم له محال، والقدرة على الفهم تكون بالعقل, لأن العقل هو أداة الفهم والإِدراك، وبه يمكن الامتثال، ولما كان العقل من الأمور الخفية، ربط الشارع التكليف بأمر ظاهر منضبط يدرك بالحس، وهو البلوغ، بأن يكون عاقلًا، ويعرف ذلك بما يصدر عنه من الأقوال والأفعال، بحسب المألوف بين الناس، فمن بلغ الحلم ولم يظهر خلل في قواه العقلية والفعلية والقولية صار مكلفًا (٤).
٢ - أن يكون أهلًا للتكليف، والأهلية هي الصلاحية. قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦].
والأهلية تتحق بالعقل والفهم.
٣ - أن يكون عالمًا بما كُلِّف به أو متمكنًا من العلم، ليستطيع الفعل والترك (٤) , لأن التكليف بالمستحيل، والتكليف بما لا يقدر عليه المكلف محال.
стр. 60
أقسام أهل الفترة وتحرير محل النزاع:
ينقسم أهل الفترة إلى قسمين:
القسم الأول: من بلغته الدعوة.
القسم الثاني: من لم تبلغه الدعوة وبقي على حين غفلة.
ويشمل القسم الأول نوعين هما:
١ - من بلغته الدعوة، ووحّد ولم يشرك.
٢ - من بلغته الدعوة ولكنه غيّر وأشرك.
فمن وحّد ولم يشرك بالله شيئًا كقس بن ساعدة (١) الأيادي، الذي ذكره ابن كثير في بدايته، وقسّ هذا له خطبة مشهورة من كلماتها "أقسم قسٌّ قسمًا لاريب فيه أن لله دينًا هو أرضى لكم من دينكم" (٢).
وكذلك "زيد بن عمرو بن نفيل" (٣) الذي كان يقول: "اللهم إني لو أعلم أحبَّ الوجوه إليك عبدتك، ولكني لا أعلم -ثم يسجد على راحلته" (٤).
وكان يقوِل:
أربًّا واحدًا أم ألفُ رَبٍّ ... أدين إذا تقسّمت الأمور (٥)
وقد أدركه النبي ﷺ قبل مبعثه، وكان يتحنث في غار حراء، وكان لا
стр. 61
يأكل مما ذبح على النصب، فذُكر عند النبي ﷺ بعد البعثة فقال: "غفر الله له ورحمه فإنه مات على دين إبراهيم" (١).
وهذا النوع ليس محلًا للنزاع وذلك لورود النصوص التي تدل على أنهم ماتوا على التوحيد.
والنوع الثاني: بلغته الدعوة ولكنه أشرك وغيّر ولم يوحد، وأمثلة ذلك كثيرة منها:
١ - عمرو بن لحي (٢): فهو أول من سن عبادة الأصنام؛ فبحّر البحيرة، وسيّب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي (٣) قال فيه رسول الله ﷺ : رأيت عمرو بن لحي بن خندف أخا بني كعب هؤلاء يجر قصبه في النار (٤).
وهذا محمول على أنه غير وبدل وأشرك بعد أن بلغته الدعوة.
٢ - وكما ورد في عبد الله بن جدعان (٥).
"فعن عائشة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ عن ابن جدعان قالت: قلت يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذاك نافعه؟ قال: لا، إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" (٦).
стр. 62
٣ - ما ورد في أبي (١) الرسول ﷺ ، الحديث الذي أخرجه مسلم "أن رجلًا سأل النبي ﷺ ، أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفا دعاه فقال له: إن أبي وأباك في النار" (٢).
وأما ما ورد بشأن أمه (٣) ﷺ في الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي" (٤). فهذا الحديث يحتمل أنها بلغتها الدعوة ويحتمل أنها لم تبلغها الدعوة، وهذا النص ليس بصريح لأن النهي عن الاستغفار لها حيث أنها لم تمت على التوحيد سواء بلغتها الدعوة أم لم تبلغها، والله أعلم.
وهذا النوع ليس محلًا للنزاع لورود النصوص التي تفيد بأن الدعوة قد بلغتهم.
وقد ذكر السيوطي في الحاوي أن الله أحيا له أبويه فأسلما على يديه ثم ماتا (٥).
وقد نقل السيوطي ذلك عن الخطيب البغدادي في اللاحق والسابق والسهيلي في الروض الأنف (٦)، والقرطبي في التذكرة (٧).
وقد تناقلت هذا الكلام بعض كتب السيرة وغيرها من كتب التاريخ التي تحمل الغث والسمين.
مع أن هذا الكلام لا دليل على صحته إطلاقًا، وإنما هو من التخرصات التي تنتشر عند عوام الناس.
стр. 63
وشيخ الإِسلام ابن تيمية يرد على هذه التخرصات التي تناقلتها بعض الكتب فيقول: "لم يصح ذلك عن أهل الحديث، بل أهل العلم متفقون على أن ذلك كذب مختلق، ولو كان صحيحًا لتناقلته كتب الصحاح لأنه من أعظم الأمور خرقًا للعادة لما فيه من إحياء للموتى والإِيمان بعد الموت، وهذا خلاف ما جاء في الكتاب والسنة والإِجماع. قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨]. فبيّن الله أنه لا توبة لمن مات كافرًا، وجاء في صحيح مسلم أن رجلًا سأل النبي ﷺ ، أين أبي؟ فقال: إنه في النار، فلما قفا دعاه، فقال له: إن أبي وأباك في النار" (١). وكذلك حديث الاستغفار، فلو كان الاستغفار -جائزًا بحقهما، لم ينهه عن ذلك -أي الاستغفار- فإن الأعمال بالخواتيم، ومن مات مؤمنًا فإن الله يغفر له. ولا يكون الاستغفار ممتنعًا. أما زيارة النبي ﷺ لأمه، فإنها كانت بطريقه بالحجون (بمكة) أما أبوه فقد دفن بالشام، فكيف أحياه له، ولو كان أبواه مؤمنين لكانا أحق بالشهرة من عميه الحمزة والعباس (٢) والله أعلم.
القسم الثاني: (من لم تبلغه الدعوة وبقي على حين غفلة من هذا كله).
وأكثر أهل الجاهلية من هذا النوع، قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦].
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ
стр. 64
رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦].
وهذا القسم هو محل نزاع بين العلماء.
أقوال العلماء في حكم هذا القسم:
للعلماء في عاقبة هؤلاء ومصيرهم أقوال ثلاثة هي:
١ - من مات ولم تبلغه الدعوة مات ناجيًا.
٢ - من مات ولم تبلغه الدعوة فهو في النار.
٣ - من مات ولم تبلغه الدعوة فإنه يمتحن بنار في عرصات يوم القيامة.
والقول الأول: قال به الأشاعرة من أهل الكلام والأصول، وبعض الشافعية من الفقهاء (١).
واستدل هؤلاء على أن من مات ولم تبلغه الدعوة مات ناجيًا وعاقبته الجنة بالأدلة الآتية:
١ - قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ﴾ [الإسراء: ١٥].
ووجه الدلالة أن الله أخبر أنه لا يعذب أحدًا قبل بعثة الرسل، وأهل الفترة لم يبعث إليهم رسول، فدل على أنهم لا يعذَّبون وأنهم في الجنة.
٢ - قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
стр. 65
ووجه الدلالة أن الله قطع الحجة على الناس بإرسال الرسل إليهم مبشرين ومنذرين حتى لا يعتذروا يوم القيامة بأنه لم يأتهم رسول ولا نذير ينذرهم من هذا اليوم، وأهل الفترة لم يأتهم نذير ولا بشير، فالحجة قائمة معهم فدلت الآية على أنهم لا يعذبون فهم في الجنة.
٣ - قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩].
وجه الدلالة أن التوبيخ الذي وجهته خزنة النار لأهل النار بقولهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ يدل هذا على أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، وأهل الفترة لم ينذَروا فدل على أنهم لا يعذبون فهم في الجنة.
٤ - قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١].
ووجه الدلالة أن الله أخبر أن خزنة جهنم يوبخون الكفار بعدما سيقوا إليها، ويسألونهم عن مجيء الرسل إليهم، وكان جواب هؤلاء الكافرين إليهم، بلى. وأهل الفترة لم تأتهم رسل، لذا فهم غير مؤاخذين فهم في الجنة.
٥ - قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠].
ووجه الدلالة أن الله خاطب خلقه من الجن والإِنس
стр. 66
بعد أن أشهدهم على أنفسهم، وقد أقروا بتلك الشهادة واعترفوا أن الله أرسل إليهم رسلًا يبلغونهم آيات ربهم وينذرونهم لقاءه يوم القيامة، وأهل الفترة لم تأتهم رسلٌ لذا فهم في الجنة.
٦ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩].
ووجه الدلالة أن الله لا يظلم أحدًا من خلقه، فلا يمكن أن يعذب أمة دون أن يرسل إليها رسولًا فتكذبه فتكون ظالمة بهذا التكذيب؛ وعندئذ تستحق عقاب الله تعالى لها بإهلاكها.
وأهل الفترة لم تأتهم رسل ولم يكذبوا الرسل, لذا فهم معذورون ولا يستحقون عقاب الله، فهم في الجنة.
٧ - قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩].
ووجه الدلالة، أن الله أخبر أهل الكتاب بأنه قد أرسل إليهم رسولًا يبيِّن لهم أمور دينهم ويحذِّرهم. من عقابه إن عصوه، وقد قامت الحجة عليهم. وأهل الفترة معذورون حيث لم يأتهم رسول لذا فهم غير مؤاخذين، فهم في الجنة.
ومن الأدلة التي استدلوا بها أن كلمة "كلما" التي في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ تفيد العموم.
يقول أبو حيان (١) في البحر المحيط: "إن لفظة (كلما) تدل على
стр. 67
عموم الأزمان والإِلقاء، فتعمّ الملقون الذين جاءتهم الرسل" (١).
٨ - جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري أن النبي ﷺ قال: "ما من أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب".
وفي رواية أخرى: "وما أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، وما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن" (٢).
ووجه الدلالة في هذا الحديث الشريف أن الله يقبل العذر من عباده، لذا أرسل الرسل إليهم منذرين ومبشِّرين وأنزل الكتب ليقطع الحجة عليهم.
وأهل الفترة معذورون لعدم إرسال الرسل إليهم، لذا فهم في الجنة.
والقول الثاني: وهو أن من مات ولم تبلغه الدعوة فهو في النار.
قال به المعتزلة (٣) وجماعة من الحنفية الماتوريدية (٤) -قالوا بأنهم مكلفون وإن لم يرسَل إليهم رسول، وعليهم أن يستدلوا بعقولهم، فما استحسنه العقل فهو حسن، وما قبحه العقل فهو قبيح. وإن الله سبحانه يعذب في النار من لم يؤمن وإن لم يرسَل إليه رسول لقيام الحجة عليه بالعقل، وهذا يدل على أن هناك ثوابًا وعقابًا قبل بلوغ الدعوة وبعثة الرسل.
стр. 68
أدلتهم:
واستدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨].
ووجه الدلالة في الآية الكريمة: أن من يموت كافرًا فهو في النار سواء أُنذر أم لم ينذر، وأهل الفترة في النار لأنهم ماتوا على الشرك.
٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١].
ووجه الدلالة أن الكافر معذَّب لا محالة في ذلك، وأهل الفترة الذين ماتوا على الشرك كفار، فهم في النار.
٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
ووجه الدلالة أن الله سبحانه أخبر أن الشرك غير مغفور وأما غيره فهو تحت المشيئة، وأهل الفترة مشركون، فلا يغفر لهم، فهم في النار.
٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١].
ووجه الدلالة أن من مات على الكفر فهو مبعد عن رحمة الله وأهل الفترة ماتوا على الشرك فهم في النار.
٥ - ومن الأدلة التي استدلوا بها ما ورد في صحيح مسلم (١) من
стр. 69
أحاديث تدل على أن أهل الفترة لا يُعذرون وإن لم يأتهم نذير، ومن هذه الأحاديث:
أ- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "استأذنتُ ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي" (١).
ووجه الدلالة في هذا الحديث الشريف أن عدم الإِذن للنبي ﷺ في الاستغفار لأمه يدل على أنها في النار. وهي من أهل الفترة؛ فدلّ على أن من مات من أهل الفترة على الشرك فهو في النار.
ب- وحديث أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار. فلما قفى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار" (٢).
وجه الدلالة من هذا الحديث الشريف: أن الكافر في النار، وأهل الفترة كفار فهم في النار.
٦ - واستدلوا بالعقل، واحتجوا بما أخبر الله عن إبراهيم ﵇. قال تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً (٢) إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤].
وكذلك استدلاله ﵇ بالنجوم ومعرفة الله بها قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨].
واحتجوا كذلك بمحاجّة الرسل لأقوامهم قال تعالى على لسان رسله بما يرشدهم بالعقل ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
стр. 70
يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].
فلو أنهم انتفعوا بعقولهم بمعرفة الخالق قبل ورود الشرع لم يعبدوا الأوثان ولكنهم لم ينتفعوا فعبدوا الأوثان فدل على أنهم في النار.
والقول الثالث: وهو أن أهل الفترة يُمتحنون في عرصات القيامة بنار يأمرهم الله بدخولها، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها فقد عصى الله تعالى، فيدخله الله فيها.
وهذا القول قال به السلف وجمهور الأئمة واختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية (١)، وتلميذه العلامة الإِمام ابن القيم (٢)، والإِمام ابن كثير (٣)، والإِمام ابن حجر العسقلاني (٤). وحكاه أبو الحسن الأشعري (٥) عن أهل السنة والجماعة. وقال به الإِمام أبو محمد بن حزم ﵀ (٦)، واختاره الشيخ محمد أمين الشنقيطي (٧) في أضواء البيان (٨).
стр. 71
أدلتهم:
استدل هؤلاء الأئمة على ما ذهبوا إليه بما يلي:
١ - الحديث الذي أورده أحمد (١) في مسنده عن الأسود بن سريع (٢)، أن رسول الله ﷺ قال: "أربعة يحتجون يوم القيامة، رجل لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في الفترة. فأما الأصم فيقول: رَبِّ، قد جاء الإِسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: رب، قد جاء الإِسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: لقد جاء الإِسلام وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني كتاب ولا رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا" (٣).
٢ - الحديث الذي يرويه أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بأربعة يوم القيامة، بالمولود وبالمعتوه وبمن مات في الفترة وبالشيخ الفاني، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب ﵎ لعنق من النار ابرزي، فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلًا من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم، قال: ويقول لهم ادخلوا هذه، ويقول من كتب عليه الشقاء: أنى ندخلها ومنها كنا نفر؟! فيقول الله: فأنتم لرسلي أشد تكذيبًا. قال: وأما من كتب عليه السعادة فيمضي فيقتحم فيها، فيدخل
стр. 72
هؤلاء الجنة وهؤلاء إلى النار" (١).
٣ - عن أبي سعيد الخدري (٢) عن النبي ﷺ قال: يؤتى بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود، فيقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول، ويقول المعتوه: أي رب، لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًا، ويقول المولود: لم أدرك العمل قال: فيرفع لهم النار فيقال، رِدوها، أو قال: ادخلوها. فيدخلها من كان في علم الله سعيدًا أن لو أدرك العمل، قال: ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًا أن لو أدرك العمل، فيقول الله ﵎: "إياي عصيتم، فكيف برسلي بالغيب؟ " (٣).
٤ - عن معاذ بن جبل (٤) أن رسول الله ﷺ قال: "يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلًا وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرًا، فيقول الممسوخ عقلًا: يا رب، لو آتيتني عقلًا ما كان من آتيته عقلًا بأسعد مني، ويقول الهالك بالفترة: يا رب، لو أتاني منك عهد ما كان من أتاه عهد بأسعد بعبده مني، ويقول الهالك صغيرًا: لو آتيتني عمرًا ما كان من آتيته عمرًا بأسعد مني. فيقول الرب إن آمركم بأمر فتطيعوني؟ فيقولون: نعم وعزتك، فيقول اذهبوا إلى النار. فلو دخلوها ما ضرتهم. فيخرج عليهم قوابس (٥) يظنون أنها أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعًا فيقولون: خرجنا يا رب
стр. 73
نريد دخولها فخرجت علينا قوابس ظننا أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيأمرهم ثانية فيرجعون كذلك، فيقولون مثل قولهم، فيقول ﵎ قبل أن تخلقوا علمتُ ما أنتم عاملون وإلى علمي تصيرون. فتأخذهم النار" (١).
المناقشة والترجيح:
وبعد التأمل والنظر أرى أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو القول الثالث وهو أن أهل الفترة يُمتحنون، ولا ينافيه ما استدل به أهل الفريقين الأول والثاني.
أما ما استدل به الفريق الأول بما يفيد نفي العذاب عن أهل الفترة، فهذه الأدلة لا تدل على أنهم ناجون وأنهم في الجنة. وأما أهل الفترة فلا تشملهم هذه النصوص لأن هناك نصوص أخرى دلت على أنهم يُمتحنون في عرصات القيامة، وهي النصوص التي استدل بها أهل الفريق الثالث. والله أعلم.
وأما ما استدل به الفريق الثاني من نصوص تفيد أنهم في النار فيُجاب عنها بأن هذه النصوص عامة ولم تخصص، وأما أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة فقد وردت فيهم نصوص تخصهم فيخرجون من هذا العموم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فمعلوم أن الحجة تقوم بالقرآن على من بلغه كقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، فمن بلغه بعض القرآن دون بعض قامت عليه الحجة بما بلغه من القرآن دون ما لم يبلغه، فكيف فيمن لم يبلغه جميع نصوص الكتاب فهذا من باب أولى" (٢).
وأما الأحاديث التي احتجوا بها كحديث "استأذنتُ ربي" وحديث:
стр. 74
"إن أبي وأباك في النار" فهذه نصوص لا يحتجّ بها لأنها في غير محل النزاع، ولأنها محمولة على أن الدعوة قد بلغتهم، ومحل النزاع عندنا هو فيمن لم تبلغه الدعوة والله أعلم.
وأما استدلالهم بالعقل فلا يصحّ لأن العقل لا يدرك به التكليف على انفراده. يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية: "والصواب أن معرفته بالسمع واجبة -التكليف- وأما بالعقل فقد يعرف وقد لا يعرف وليست معرفته بالعقل ممتنعة ولا هي واجبة" (١).
وبعد عرضنا لأدلة كل فريق ومناقشتها يظهر لنا ترجيح القول الثالث بأن أهل الفترة يمتحنون، وهو اختيار أهل التحقيق من العلماء. قال الإِمام أبو محمَّد بن حزم ﵀: "إن النذارة لا تلزم إلا من بلغته لا من لم تبلغه، وأنه تعالى لا يعذب أحدًا حتى يأتيه رسول من عند الله، فصحّ بذلك أن من لم يبلغه الإِسلام أصلًا فإنه لا عذاب عليه، وهكذا جاء النص من عند رسول الله ﷺ فيوقد لهم نارًا يقال لهم ادخلوها فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا (٢).
ويقول ابن القيم ﵀: "إن العذاب يستحق بسببين:
أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بموجبها.
والثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة العمل بموجبها.
فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد، وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم الحجة بإرسال الرسل" (٣).
ويقول ابن حجر: "فقد صحت مسألة الامتحان في حق من مات
стр. 75
في الفترة والمجنون" (١).
ويقول الشيخ الشنقيطي: "والجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف لأن إعمار الدليلين أولى من إلغاء أحدهما, ولا وجه للجمع إلا بهذا وهو القول بالعذر والامتحان" (٢).
التكليف في الآخرة:
تنبني على هذه المسألة -مسألة امتحان أهل الفترة في الآخرة- مسألة أخرى وهي: هل الآخرة دار تكليف أم لا؟.
للعلماء في هذه المسألة قولان:
الأول: ذهب كل من شيخ الإِسلام ابن تيمية (٣)، وتلميذه الإِمام العلامة ابن القيم (٤)، والإِمام ابن حجر العسقلاني (٥)، والإِمام ابن كثير (٦)، والإِمام أبو محمَّد بن حزم (٧)، وغيرهم من العلماء إلى إثبات التكليف في الآخرة وأن كون الآخرة دار جزاء لا يتنافى ذلك من أن يكون تكليف في عرصاتها.
الثاني: ذهب ابن عبد البر (٨) وجماعة من المالكية إلى أنه لا تكليف في الآخرة وأن الآخرة دار جزاء لا دار تكليف (٩).