← Общие книги

Общие книги · id 117361

التبشير والاستعمار في البلاد العربية عرض لجهود المبشرين التي ترمي إلى اخضاع الشرق للاستعمار الغربي

مصطفى الخالدي

Полный текст (271 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

التبشير والاستعمار في البلاد العربية عرض لجهود المبشرين التي ترمي إلى إخضاع الشرق للاستعمار الغربي تأليف الدكتور مصطفى خالدي - الدكتور عمر فروخ - عدد الأجزاء: ١. - عدد الصفحات: ٢٧٩. أعده للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، غفر الله له ولوالديه. [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].

стр. 2

التبشير والاستعمار في البلاد العربية عرض لجهود المبشرين التي ترمي إلى اخضاع الشرق للاستعمار الغربي تأليف الدكتور مصطفى خالدي رئيس مدرسة التمريض الوطنية في بيروت أستاذ فن التوليد سابقاً في جامعة بيروت الأمريكية الدكتور عمر فرُّوخ عضو المجمع العلمي العربي في دمشق عضو جمعية البحوث الإسلامية في بومباي عضو مجمع اللغة العربية في القاهرة منشورات المكتبة العصرية صيدا - بيروت

стр. 3

إِهْدَاءُ الكِتَابِ: إِلَى كُلِّ شَابٍّ مُسْلِمٍ وَإِلَى كُلِّ شَابٍّ مَسِيحِيٍّ. إِلَى كُلِّ شَابٍّ وَشَابَّةٍ فِي الشَّرْقِ. نُقَدِّمُ هَذَا الكِتَابَ لِنُبَسِّطَ فِيهِ وَسَائِلَ المُبَشِّرِينَ فِي بِلاَدِنَا العَزِيزَةَ وَأَنُهُمْ لَمْ يَرْمُوا مِنْ وَرَاءِ تَبْشِيرِهِمْ إِلاَّ خِدْمَةَ الاسْتِعْمَارِ الغَرْبِيِّ. فَإِلَىَ الجِيلِ النَّاشِئِ. إِلَى القِيَادَةِ العَاقِلَةِ الكَامِنَةِ فِي العَالَمِ الإِسْلاَمِيِّ وَالعَالَمِ العَرَبِيِّ. نُقَدِّمُ كِتَابَنَا هَذَا مُرْشِدًا وَمِنْهَاجًا. المُؤَلِّفَانِ ٢٣ جمادى الأولى ١٣٧٢ هـ - ٨ شباط ١٩٥٣ م.

стр. 4

مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ الثَّالِثَةِ: إذا قلنا إن هذا الكتاب قد أدى رسالة لم نكن مُغَالِينَ وَلاَ مُتَبَجِّحِين (١). يَسُرُّنَا أنْ يكون هذا الكتاب " التبشير والاستعمار في البلاد العربية " قد شهد خروج الاستعمار من جميع البلاد العربية، وإنْ كان الاستعمار الذي خرج هو الاستعمار الرسمي في أكثر الأحيان. ولقد كان من المنتظر أنْ يتوقف هذا الكتاب عن الصدور في طبعات جديدة لأن الغاية الأولى التي رمينا إليها، وهي فتح عيون المسؤولين سياسيًا وثقافيًا على أخطار التبشير، قَدْ تَحَقَّقَتْ في جانبها الرسمي أو السياسي، غير أن البلاد العربية لا تزال، مع الأسف، ترزح في رواسب الاستعمار وتعاني آلام التبشير. من أجل ذلك لاَ بُدَّ من صدور هذه الطبعة الثالثة حتى يظل المسلمون الذين خرجت بلادهم من الاستعمار الرسمي فاتحين أعينهم على الاستعمار الفعلي الذِي يَتَبَدَّى في التعليم والتطبيب والإذاعات والصحف وَالمَجَلاَّتِ وفي جانب من الأدب الذي يُسَمُّونَهُ ظلمًا أدب الشباب، وهو في الحقيقة أَدَبٌ مُتَحَلِّلٌ من القيم الروحية وَالخُلُقِيَّةِ والاجتماعية، وهو يرمي إلى أنْ يفكك عُرَى الأُمَّةِ العَرَبِيَّةَ حَتَّى يُمَكِّنَ أَغْلاَلَ الاستعمار من أيديها وأرجلها وأعناقها. إن المعركة في هذا الكتاب لم تكن، منذ صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى ١٩٥٣، معركة خارجية فقط؛ لقد كانت في بعض جوانبها معركة داخلية أيضًا. فَمُبرِّرَاتُ هذه الطبعة إذن لا تزال كثيرة: رواسب الاستعمار، أشكال الاستعمار الجديدة بعد انقراض الاستعمار الرسمي في البلاد العربية، تبدل وسائل التبشير تَوَصُّلاً إلى تثبيت نتائج الاستعمار القديم ثم تنبيه الغافلين من شُبَّانِ العَرَبِ إلى المزالق التي تُلْقَى في طريقهم. في أثناء وجود الطبعة الثانية في الأسواق العربية نقل هذا الكتاب إلى اللغة الروسية وظهرت منه طبعتان في تلك اللغة، فاستطاع هذا الكتاب أنْ يُؤَدِّي رسالة جديدة وراء النطاق الذي كنا قد رسمناه له من قبل. إن جميع ما خبرناه في العشر السنوات التي شهدت تنقل هذا الكتاب بين الأيدي يدل بكل جلاء على أنَّ التَّبْشِيرَ وَسِيلَةٌ إِلَى الاِسْتِعْمَارِ، وَأَنَّ المُبَشِّرِينَ ليسوا - سواءً أعلموا أم

стр. 5

لم يعلموا، - قصدوا أم لم يقصدوا - سوى طلائع لمطامع الاستعمار. إن الاستعمار قد قتل (باتريس لومومبا)، في عام ١٩٦١، مع أن لومومبا صابئ من الوثنية إلى النصرانية بفعل التبشير، لأنه أراد أن يكون في الكونغو استقلال صحيح. وأبرز من ذلك للعيان أن الولايات المتحدة التي ترسل الإرساليات إلى العالم للعمل على نشر النصرانية قد وقفت، في عام ١٩٦٣، مع البوذيين في فيتنام ضد الحكومة المسيحية في ذلك البلد، إن الدول التِي تُمَوِّلُ الأعمال التبشيرية بملايين الدولارات لا يهمها الذي يصبأون إلى النصرانية إذا كان هواهم السياسي لا يوافق هواها الاستعماري. ولقد رأينا أَنْ نُرْدِفَ هذه الطبعة ببضع صفحات تتعلق بالتبشير والاستعمار في أفريقيا، في بلاد عربية وفي بلاد غير عربية، فالاستعمار شَرٌّ مُعْدٍ ينتقل بين البلاد ولا يفرق بين الجنسيات. إننا نرجو أنْ تُؤَدِّي هذه الطبعة قسطها من الرسالة التي بدأتها الطبعة الأولى وأكدتها الطبعة الثانية. وعسى أن ينقرض الاستعمار كله من جميع البلاد وأن يبطل التبشير احترامًا للحرية الانسانية واحترامًا للدين نفسه إجلالاً له عن أن يكون وسيلة مادية لمغانم دنيوية. وإذا نحن تطرقنا في موقفنا إلى الجانب الأقصى رأينا أن نَفَرًا من المبشرين قد احترفوا نقل المعلومات بين الدول في ثياب التبشير: وزعت وكالة " تاس " السوفياتية في بيروت (١) مقالاً نشرته جريدة " برافدا " في موسكو لمراسلها في بكين عاصمة الصين، وقد جاء في هذا المقال: «لَقَدْ أَدْخَلَ الاِسْتِعْمَارِيُّونَ الأَمَرِيكِيُّونَ إِلَى الصِّينِ مُبَشِّرِينَ مِنْ مُخْتَلَفِ المَذَاهِبِ اِسْتَخْدَمُوهُمْ مُنْذُ أَمَدٍ بَعِيدٍ فِي أَعْمَالِ الجَاسُوسِيَّةِ». في هذا المقال اِتِّهَامَاتٌ مُوَجَّهَةٌ ووقائع مسرودة قد تكون، من حيث التفاصيل، موضع جدل، وقد يكون فيها مبالغة كما قد يكون فيها ظلم لنفر من المبشرين المخلصين لمذاهبهم وعملهم فيما يتعلق بهم أنفسهم، ولكن الذي لا ريب فيه أن الدول المستعمِرة، جميع الدول المستعمِرة، قد لجأت إلى الثوب الديني لتثبيت نفوذها ونشر مبادئها وخدمة مصالحها في كل مكان استطاعت فيه إلى ذلك سبيلاً. يرى القارئ في ثنايا هذا الكتاب أن نَفَرًا من المبشرين كانوا مخلصين لعملهم الروحي

стр. 6

أو الديني، أخطأوا في ذلك أم لم يخطئوا، وليس من غايتنا في هذا الكتاب أن نتعرض للتبشير كحركة دينية يقع فيها التنازع، ولكننا نريد أَنْ نُبرِزَ الصلة الموجودة في معظم الأحيان بين التبشير في صوره المخلتفة وبين التمهيد للنفوذ الأجنبي ثم بين التبشير وبين تثبيت هذا النفوذ في العالم العربي، والواقع أن هذه الصلة موجودة وبارزة جِدًّا. ومما يلاحظ أن بريطانيا وفرنسا حرصتا، قبل أن تخرجا مضطرتين من عدد من مستعمراتهما الأفريقية، على أَنْ تُمَهِّدَ في كل دولة أعطيت استقلالها السياسي، لمجيء رجل صابئ إلى رئاسة الدولة في المستعمرة المستقلة حديثًا. إنهما تعتقدان أن الصابئ يكون أميل إلى السياسة الغربية من غير الصابئ، ذلك لأن المسيحية في رأيهما تجمع بين ذلك الصابئ وبينهما أكثر مما تجمع بين الصابئ وبين قومه الأولين من المسلمين أو الوثنيين، ومع أننا عرفنا نفرًا من هؤلاء قد خَيَّبُوا ظَنَّ بريطانيا وفرنسا في ذلك، فإن نفرًا آخرين كانوا كما شاءت بريطانيا وفرنسا. ولعل القطعة التالية المأخوذة من مجلة " روز اليوسف " (١)، مع شيء من التلخيص والتصرف، تمثل الحال الثانية تمثيلاً صحيحًا: توقّع البعثات التبشيرية في السنيغال مع عدد من الأسر السنيغالية الفقيرة عقودًا تقدم بموجبها تلك البعثات التبشيرية إلى الأسر السنيغالية مساعدات عينية (ضئيلة) من أرز مثلاً في كل شهر على أن يكون لها حق باختيار طفل من أطفال الأسرة تربية على حسابها. ويكون في العقد مادة تَنُصُّ على أن الأسرة مجبرة على رَدِّ ثَمَنِ المساعدات وعلى دفع نفقات ابنها ونفقات تعليمه إذا هي خالفت شروط العقد (بطلب استرداد ابنها مثلاً). وتختار البعثة التبشيرية من أطفال تلك الأسرة صبيًا دون الخامسة من العمر ثم ترسله إلى مدرسة (تبشيرية طبعًا). وينقطع الصبي عن أهله وَيُنْشَأُ تَنْشِئَةً مَسِيحِيَّةً ثُمَّ يُرْسَلُ إلى فرنسا لاتمام علمه العالي. بعدئذٍ يُعَادُ إلى السنيغال ليستخدم في الأغراض التي توافق هوى فرنسا. وحينما يعود الصبي السنيغالي الذي أصبح رجلاً مسيحيًا فرنسيًا إلى السنيغال يمنح حق المواطن الفرنسي في المستعمرات من حيث المستوى الاجتماعي والوظائف. ويضرب كاتب المقال في مجلة " روز اليوسف " (في العمود الرابع، الأسطر ٤١ - ٤٤) على ذلك مثلاً فيقول: «أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ كَلِمَةَ " سَانْجُورْ " (اسْمُ رَئِيسِ جُمْهُورِيَّةِ السِّنِيغَالْ الحَالِي) مَعْنَاهَا

стр. 7

سَانْ جُورْجْ (القِدِّيسْ جُورْجْ) ... وَأَنَّ رَئِيسَ الجُمْهُورِيَّةَ مَسِيحِيٌّ .. لَكِنَّ أَبَوَيْهِ وَإِخْوَتِهِ مُسْلِمُونَ». وفي الصفحة المشار إليها من مجلة " روز اليوسف " مقطع متمم للمأساة الناتجة من التبشير والاستعمار: اتفق أن كان أول رؤساء الوزارة في السنيغال رجل مسلم اسمه محمد ضيا (*). وكان محمد ضيا يرى أن من مصلحة بلاده أن تستقل عن المجموعة الفرنسية وتنهج طريق الحياد والاشتركية. وسافر محمد ضيا إلى دول الكتلة الاشتراكية .. ثم عاد ليجد نفسه متهمًا بتدبير مؤامرة لقلب نظام الحكم. وَسُجِنَ محمد ضيا وأصبحت جميع السلطات في يد «سانجور» رئيس جمهورية السنيغال بعد أن أصبح نظام الحكم رئاسيًا. ومما يدل على أن الروح الديني الصحيح شيءٌ وأن التبشير شيء آخر بَرْقِيَّةٍ نشرتها جريدة " الطيار والتلغراف " (١). هذه البرقية هي التالية: «بِرْمِنْغْهَامْ - وِلاَيَةُ أَلاَبَامَا (الوِلاَيَاتُ المُتَّحِدَةُ الأَمِيرِيكِيَّةُ - رُويْتَرْ: دَمَّرَ انْفِجَارٌ عَنِيفٌ كَنِيسًا (٢) لِلْزُّنُوجِ أَثْنَاءَ قُدَّاسِ هُنَا اليَوْمَ وَأَصَابَ الأَبْنِيَةَ المُجَاوِرَةَ بِأَضْرَارٍ. وَذَكَرَ البُولِيسْ أَنَّ أَرْبَعَةً مِنَ الزُّنُوجِ قُتِلُوا فِي الحَادِثِ وَأُصِيبَ عَدَدٌ آخَرَ بِجِرَاحٍ». إن هؤلاء الزنوج لَمَّا حُمِلُوا على النصرانية في الولايات المتحدة، بدوافع مختلفة، لم يصبحوا جُزْءًا من المجتمع المسيحي فهم هنالك منبوذون مقهورون بالتمييز العنصري. والأمريكيون البيض يريدون من هؤلاء أن يسايروا السياسة الأمريكية في الداخل والخارج من غير أنْ يَتَمَتَّعُوا بشيء من امتيازات البيض أو من حقوق البيض على الأقل.

стр. 8

الكَلِمَةُ الأُولَى: مِنْهَاجُ هَذَا الكِتَابِ: لعل كتابنا هذا يصلح أن يكون دليلاً في يد الجيل الناشئ يتتبع فيه جهود المبشرين وسعيهم إلى زعزعة عقيدة الناشئة الشرقية عامة والإسلامية خاصة، ثم تهيئة هذه الناشئة بأساليبهم المختلفة لقبول النفوذ الغربي والاستكانة إلى الاستعمار. لقد كنا دائمًا نعتقد أن المدارس الأجنبية والمؤسسات الأجنبية - حتى الجمعيات الخيرية والعلمية التي ينشئها الأجانب في بلادنا على اختلاف الأسماء والنزعات، والأديان والدول - إنما هي في الحقيقة سُبُلٌ تَتَشَعَّبُ عند الانطلاق ولكنها تلتقي عند غاية قصوى واحدة: السيطرة على الشرق، السيطرة الثقافية والدينية والسياسية. وَلَقَدْ تَبَيَّنَ لأصحاب هذه المؤسسات أن المسلمين خاصة أصلب الناس عُودًا فِي تَقَبُّلِ هذا النفوذ الأجنبي فراحوا يُوَجِّهُونَ جهودهم إلى المسلمين خاصة، مع الاهتمام بغير المسلمين من الشرقيين، على ما يبدو جَلِيًّا في ثنايا هذا الكتاب. ولقد اتَّفَقَ الكثير من الناس أن اعتقدوا مثلنا أن المدراس والمستشفيات ومؤسسات الإحسان إنما هي مؤسسات منظمة للتبشير في الدرجة الأولى. ولكن القليلين فقط يدركون أن هذه المؤسسات نفسها، وأن كثيرًا من البيوت التجارية الأجنبية والهيئات الرسمية الأجنبية، كانت ولا تزال وسائل للتبشير المُمَهِّدِ لبسط النفوذ الأجنبي. ومَنْ مِنَّا كان يعتقد أن الفتن الطائفية كان ينفخ فيها رجال أتَوْا إلى هذه البلاد على أجسامهم ثياب التقوى وينتحلون مظاهر العلم؟ ومَنْ مِنَّا كَانَ لاَ يُصَدِّقُ أن رجالاً جاءوا إلى بلادنا ليرأسو

стр. 9

مؤسسات علمية مشهورة بالعلم كانوا مُبَشِّرِينَ في الدرجة الأولى؟ لقد حرصنا نحن على أنْ نثبت هذه التهم الكبرى بشواهد من كتب المُبَشِّرِينَ أنفسهم. تلميحًا أو تصريحًا، ولقد فضلنا في الاستشهاد التصريح على التلميح. أما الكتب التي رجعنا إليها ودرسناها فإنها تعيا على الحصر، إنها تُعَدُّ بالمئات، ولكننا نحن لم نثبت الشواهد إلا من نوعين من هذه الكتب الكثيرة: كُتُبُ المُبَشِّرِينَ المَعْرُوفِينَ، والكتب التي تُصَرِّحُ بغاياتها تصريحًا لا التواء فيه ولا غموض (١). وكذلك لم نثبت نحن كل شيء ورد في هذه الكتب، فإن كثيرًا مما ورد فيها مُكَرَّرٌ فيها جميعها، ثم إن بعض الآراء والحقائق تتفرع من أصول معروفة، ولقد اكتفينا بأصول الحقائق والآراء واعتقدنا أن القارئ الكريم يتسطيع أن يدرك الفروع التفصيلية بأهون نظر. على أننا في هذا الكتاب سنتناول الكلام على الأُمَّةِ الإِسْلاَمِيَّةِ، وَسَنَخُصُّ بالكلام بلاد الشرق العربية من مراكش غربًا إلى العراق شرقًا، ومن أعالي الشام شمالاً إلى اليمن جنوبًا. لم يحاول أحد بَعْدُ وضع مثل هذا الكتاب في اللغة العربية. ولقد رأينا أن واجبنا الديني والقومي والوطني يدعونا إلى أداء هذا الواجب وحمل هذه الرسالة على بعدها عن مباحث اختصاصنا وعلى طول الوقت الذِي تَتَطَلَّبُهُ. إلاَّ أننا أدركنا أن السكوت عن هذا الخطر أَشَدَّ ضَرَرًا على قومنا من إهمال موضوعات اختصاصنا. ونحن نعتقد أن القارئ بعد أن يبدأ قراءة هذا الكتاب سيرى صواب ما نقوله. إن التبشير أشد ضررًا على بلادنا من الاستعمار، لأن الاستعمار لم يَنْفُذْ إلى بلادنا إلا تحت ستار التبشير! فَحَبَّذَا أن يصل كتابنا هذا إلى الأيدي التي تستطيع أنْ تستفيد مما فيه من درس ومن حقائقه المجموعة، ثم تضع هي مناهجها الخاصة لمتابعة الرسالة: مقاومة التبشير من الناحية العملية في البيئات المختلفة بكل سبيل ممكنة.

стр. 10

إنَّ الإسلام صلب الشرق. فإذا وهن الإسلام وهن الشرق كله. فعسى أن نكون فعلاً قَدْ أَدَّيْنَا خدمة للفئة المختارة من قومنا وَمِنْ أُمَّتِنَا من أولئك الذين يتطلعون إلى إصلاح قريب لإنهاض العرب وإيقاظ المسلمين. المُؤَلِّفَانِ ٢٣ جمادى الأولى ١٣٧٢ هـ - ٨ شباط ١٩٥٣ م.

стр. 11

الكَلِمَةُ الثَّانِيَةُ: رِسَالَةُ هَذَا الكِتَابِ: إذا قلنا إن هذا الكتاب قد أدى رسالة لم نكن مُغَالِينَ وَلاَ مُتَبَجِّحِينَ. لقد فتح هذا الكتاب عُيُونًا كثيرة على أخطار كانت خافية على نفر كبير من المُخْلِصِينَ مِمَّنْ لا يعرفون اللغات الأجنبية ليقرأوا ما يكتب فيها، وَمِمَّنْ يعرفون اللغات الأجنبية ولكن لم يرزقوا الجَلَدَ عَلَى تَتَبُّعِ الموضوعات الجافة كموضوع التبشير، ثم مِمَّنْ يضيق وقتهم بأعمالهم السياسية أو الإدارية أو المهنية عن القراءات الواسعة في الكُتُبِ وَالمَجَلاَّتِ. ثم إنه ليس من الحق، ولا من الممكن أنْ نطلب مِنْ كُلِّ مُخْلِصٍ أن يفعل ما فعلناه نحن: أن يسلخ عشر سنوات في تتبع الموضوع واقتصاص آثار المُبَشِّرِينَ في أنحاء الوطن العربي. من أجل ذلك قمنا نحن بهذا العمل وقدمنا خلاصة له في صفحات قليلة. وليثق القارئ بأن الأثر المفيد الذي أحدثه هذا الكتاب قد أَنْسَانَا السَّهَرَ فِي تَقَصِّي مَوَادِّهِ مِنْ كُلِّ مَصْدَرٍ وَمِنْ كُلِّ مَرْجَعٍ. ولقد ملأ نفوسنا غبطة أنَّ نفرًا كريمًا من الحاكمين ومن المشرفين على الحركات الإصلاحية قد عُنُوا بهذا الكتاب ورأوا فيه ما قصدنا نحن منه: هنالك أخطار كنا نشعر أنها أخطار، وكنا نعتقد بوجودها من قرائن كثيرة، ولكن الأدلة المقنعة كانت تعزونا. فلما جاء هذا الكتاب واستخرج الأدلة مِنْ كُتُبِ المُبَشِّرِينَ وَالمُسْتَعْمِرِينَ أَنْفُسُهُمْ لم يبق مجال للشك في صحة ما كنا نشعر به وصواب ما كنا نعتقد. صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب منذ ثلاث سنوات، فلما أردنا إصدار هذه الطبعة

стр. 12

الثانية كَانَ تَجَمَّعَ لَدَيْنَا مصادر ومراجع كثيرة جِدًّا. وكان بعض هذه قد صدر بعد خروج الطبعة الأولى، كما كان بعضها قديمًا ولكن لم نستطع في ذلك الحين أن نصل إليه. على أن قسمًا كبيرًا من هذه الكتب لا ينطوي على مادة جديدة، ولم يكن من خطتنا أن نجمع الأشياء المتشابهة - وإن كان جمعها يفيد أحيانًا - لِئَلاَّ يزيد حجم الكتاب كثيرًا فيخرج من متناول القارئ العام ويفقد جانبًا من رسالته. وكذلك حرصنا على أن نقصر اعتمادنا في هذه الطبعة أيضًا، كما فعلنا في الطبعة السالفة، على المصادر الأجنبية مِمَّا بَيَّنَّا الغَايَةَ مِنْهُ فِي «الكلمة الأولى». ولكننا شذذنا عن هذه القاعدة فيما يتعلق بثلاثة كتب: أ - " الغارة على العالم الإسلامي " (١) (*): كانت مجلة " العالم الإسلامي " الفرنسية (٢) قد نشرت موجزًا لمقررات عدد من المؤتمرات التي عقدها المبشرون البروتستانت بقلم أ. لو. شاتليه. وقد رأى مساعد اليافي ومحب الدين الخطيب أَنْ يُلَخِّصَا ما نشره لو. شاتليه وينشراه تباعًا في جريدة " المؤيد " التِي كَانَا يُحَرِّرَانِ فِيهَا، وذلك في سَنَةِ ١٣٣٠ للهجرة (١٩١٢ م). ثم إنهما أعادا نشر هذه المقالات نفسها في جريدة " الفتح " المصرية سَنَةَ ١٣٤٩ للهجرة (١٩٣٠ م). بعدئذٍ جمعاها في كتاب مستقل صدر عن المطبعة السلفية ومكتبتها في العام التالي. ولا ريب في أَن وضع مثل هذا الكتاب في يد القارئ المسلم كان عظيم النفع. ولكن الكتاب في حقيقته خلاصة لجهود المبشرين كما يراها المبشرون، فهو وَإِنْ كَانَ يُنَبِّهُ عَلَى أَضْرَارِ التَّبْشِيرِ فإنه لا يربط جهود المبشرين بالنتائج الدينية والسياسية التي أدت فعلاً إلى الأضرار بالعالم الإسلامي. ثم إن هذا الكتاب خلاصة عربية لخلاصة فرنسية لمادة إنجليزية محدودة. ومع أن جميع المُلَخَّصَاتِ في كتاب " الغارة على العالم الإسلامي " كانت في شكلها المطول وفي كتبها الأصلية من مصادر كتابنا " التبشير والاستعمار "، فإننا نعتقد أن كتاب " الغارة " هذا قد أَدَّى خِدْمَةً فِي زَمَنِهِ، وأن مساعد اليافي ومحب الدين الخطيب قد حاولا فتح عين المسلمين على شيء من أخطار التبشير منذ نحو جيلين من الدهر.

стр. 13

ب - " لبنان الطائفي ": (١) أريد من هذا الكتاب أنْ يكون «رَدًّا» على كتاب " التبشير والاستعمار "، ولكنه جاء سَنَدًا له وشهادة مُزكَّاةً فيه. ثم إن صاحبه قد ذكر فيه أشياء لو ذكرناها نحن أو لو ذكرنا مثلها لأثرنا عاصفة هوجاء تضيع في ريحها الغاية التِي تَوَخَّيْنَاهَا. أَلَّفَ هَذَا الكِتَابَ أنيس صايغ، وهو مثلنا خِرِّيجُ الجامعة الأمريكية في بيروت. ونشر الكتاب «دار الصراع الفكري»، وهي مؤسسة يشرف عليها الحزب القومي السوري. فإذا كان أنيس صايغ قد أَلَّفَ هَذَا الكِتَابَ بدافع من نفسه هو فقد وجب علينا شكره لأنه عرض للموضوع بإخلاص. ومع أنه قد نسب إلى الإسلام وإلى نفر من المسلمين تُهَمًا مُتَعَدِّدَةً، فإننا نغتفر له هفواته فيها لقلة عنايته بالتاريخ وتعليله وَلِحَدَاثَةِ سِنِّهِ وَضَآلَةِ اِخْتِبَارِهِ. ثم إنه قد عرض للطائفية وإثارة الفتن توصلاً إلى الاستعمار، وخصوصًا في سورية ولبنان، بصراحة وإصرار نَزْعًا عن الدسائس الاستعمارية في بلادنا ستارًا كان كثيفًا. ومع أن أنيس صايغ قد حاول أنْ «يُوَزِّعَ» التُّهَمَ بين الذين اتَّهَمَهُمْ بالسوية، فإنه جعل مركز الثقل في مكان دون مكان، لأن ضميره كان مستيقظًا وهو يؤلف كتابه، سوى غفوات يسيرة كان يذكر فيها «المسيحيين» وهو يقصد «البِيزَنْطِيِّينَ». ولكنه كان أحيانًا يعود فيستيقظ وشيكًا ليذكر البيزنطيين من غير أن يحاول الإيحاء للقارئ، من طريق تسميتهم باسم آخر، بأنهم من أهل البلاد الوطنيين. والواقع أن المراجع التي أخذ عنها قد خدعته كثيرًا في هذا الشأن. وأما إذا كان أنيس صايغ قد استجاب في تأليف كتابه لنفر أفلتت الإشارة إليهم منه في مواضع ظاهرة في ثنايا كتابه، فإن علينا أيضًا أن نشكره. لقد أرادوا منه أن يحملهم على ضميره فحملهم على علمه، وأرادوا منه أن يعينهم على خصومهم فأعان الحق عليهم. إننا نحن لا نزال نعتقد أن التبشير كله شر. لأن الأمريكيين والإنجليز والفرنسيين والهولنديين ومن لَفَّ لَفَّهُمْ يقولون خيرًا بأفواههم بينما آثار أيديهم ظاهرة لنا في فلسطين والمغرب والهند الصينية وقبرص وكشمير وجنوبي أفريقيا وفي الولايات المتحدة نفسها. إن على هؤلاء كلهم أن يغسلوا أيديهم من دماء ضحاياهم على الأقل قبل أن يمثلوا على

стр. 14

مسرح الإنسانية دور المحسن الكريم. إن أساتذة الجامعات في الولايات المتحدة هم الذين يشنقون الزنوج الأمريكيين على جذوع الأشجار، وهم الذين ينشرون الظلم الأمريكي في العالم. إن هؤلاء الأساتذة يملكون توجيه الناشئة في أيديهم، والناشئ الأمريكي لا يولد وهو يحمل العداوة للشعوب الملونة، ولكنه يحملها بعد أن يولد، يُحَمِّلُهُ إِيَّاهَا أَبَوَاهُ أَوْ مُعَلِّمُوهُ أَوْ قَادَتُهُ. فكيف يصح في العقل أن الأساتذة الأمريكيين الذين يعلمون أهل الأرض يعجزون عن تعليم أبنائهم؟ أما نحن العرب فإننا خَيِّرُونَ، على اختلاف أصولنا ومذاهبنا. وما تناحرنا الحاضر إلا لأن المصالح الأجنبية تتعهدنا بالشر. يجب على الحكومات العربية كلها أن ترقب نشاط هذه المؤسسات الأجنبية كلها - والمؤسسات العلمية في الدرجة الأولى حتى يرتفع الشر كله من البلاد العربية. لقد كان هذا المنتظر أَنْ يُحْدِثَ كِتَابُ " لبنان الطائفي " ضَجَّةً لأنه تكلم عن نفر من ذوي المراكز المرموقة وعن بعض المؤسسات بما يوجب اتهام بعضها عند بعض في قوميتها ووطنيتها، حسب ما ينظر كل فريق من الفريقين إلى القومية وإلى الوطنية. ثم إنه سمى أشياء بأسمائها ونسبها إلى أشخاص بأسمائهم. ولكن ضياع أثر الكتاب بعد خفوت صوته دليل على أنه لم يلق «تَرْوِيجًا»، إِذْ يَبْدُو أَنَّ الذِينَ كَانَ يَهُمُّهُمْ أَنْ يَظْهَرَ هَذَا الكِتَابُ عَلَى مَا تَخَيَّلُوا لِيُرَوِّجُوا لَهُ رَأَوْهُ، بَعْدَ أَنْ طُبِعَ، عَلَى خِلاَفِ مَا أَمَّلُوا فَسَكَتُوا. أما رأينا في هذا الكتاب فهو أنه يجب على المواطنين المحبين لوطنهم أن يقرأوه حتى يعرفوا الزوايا التي يهب علينا منها ريح الاستعمار، وَالحُفَرِ التي تثب منها القلاقل والفتن. ج - " الاستعمار عدو الشعوب ": هذا الكتاب بقلم عبد العزيز فهمي (١)، ويمتاز بأنه يحاول أن يرى الاستعمار في صوره المختلفة، غير أنه يؤكد جوانبه المادية وحدها ويُعَرِّجُ عَلَى التَّبْشِيرِ تَعْرِيجًا. هذا الكتاب يضرب أمثلة مفيدة تساعد على فهم الاستعمار الغربي النازل بالشرق مع المشاريع الاقتصادية الغربية. • • • وهنالك كتاب آخر لا بُدَّ من ذكره هنا وإن كنا لن نأخذ منه شيئًا ولن نعطيه شيئًا ولن

стр. 15

نستشهد به، لأن غايتنا مخالفة لغايته، وطريقنا إلى القارئ غير طريقه. هذا الكتاب اسمه " لبنان وطن قومي للنصارى في الشرق الأوسط ". هذا الكتاب الذي ظهر في اللغتين العربية والإنجليزية، وفي الفرنسية والإسبانية وغيرهما في الأغلب، ثم وزع في المهاجر المختلفة في الأكثر لا يحمل اسم مؤلف ولا اسمًا لمكان الطبع ولا تعيينًا لزمان الطبع. والذي يقرأ هذا الكتاب لا يخفى عليه ما أريد منه من الدَسِّ على أبناء الوطن وعلى التاريخ والحقيقة. ومع أن هذا الكتاب لا يخفى عليه ما أريد منه من الدَسِّ على أبناء الوطن وعلى التاريخ والحقيقة. ومع أن هذا الكتاب الصغير (فهو واحد وخمسون صفحة باللغة العربية، وخمسة وثلاثون بالإنجليزية) قد يثير حفيظة الجاهل إذا قرأه فإنه يثير شفقة العاقل على الذين كتبوه ونشروه، فهو فضلاً عما فيه من افتراء على التاريخ، بَعِيدٌ جِدًّا عن كل فكرة سياسية صحيحة. ونحن لا نريد تفنيد ما في الكتاب بعد أَنْ قَرَّرْنَا أَلاَّ نستشهد به في كتابنا. • • • إننا نرجو أن يستمر كتابنا هذا في أداء رسالته بَيْنَ عَامَّةِ القُرَّاء فيفتح عيونهم على أخطار التبشير ثُمَّ يُنَبِّهُهُمْ إلى الطرق التي يتلافون بها تلك الأخطار. وكذلك نرجو أنْ يظل دليلاً صالحًا في أيدي القائمين على الحركات الإصلاحية. إِنَّ هَذَا الكِتَابِ إِذَا حَقَّقَ ذَلِكَ، أَوْ حَقَّقَ بَعْضَهُ فَقَطْ، يَكُونُ قَدْ أَدَّى رِسَالَتَهُ كُلَّهَا، أَوْ أَدَّى بَعْضَ رِسَالَتِهِ عَلَى وَجْهِهَا. الأحد ٣ شوال ١٣٧٥ هـ - ١٣ أيار ١٩٥٦ م. المُؤَلِّفَانِ

стр. 16

مَصَادِرُ هَذَا الكِتَابِ: مصادر هذا الكتاب كثيرة جدًا، ولكننا نجتزئ هنا بذكر نحو مائة مصدر ومرجع، ثم بعدد آخر يجده القارئ في ثنايا الحواشي. ويلاحظ القارئ أننا أهملنا في هذا الفهرس أنواعًا من الكتب: أولها الكتب العربية بأنواعها، لأن المهم أن نرى ما يقول الأجانب لأنفسهم عنا، لا أن نرى ما نقول عن أنفسنا. ثم إننا أهملنا الكتب التي تبحث في الإسلام بحثًا موضوعيًا، إذ لا صلة لها بموضوعنا البتة. وكذلك أهملنا كتب الردود والمهاترات والكتب التي ألفها أصحابها للتحامل على الإسلام فقط، ذلك لأنها كتب لا قيمة لها في شيء. ونحن نحب أن يلاحظ القارئ أنواع هذه الكتب واتجاهها وما تدل عليه عناوينها. فإنها وحدها دراسة تامة. ثم إن القارئ يستفيد من هذه الكتب إذا أراد أن يتابع الموضوع بنفسه. Addison-The Christian Approach to the Moslem, By James Thayer Addison,N. Y.١٩٤٢ All-Persia intermission Conference. Teheran ١٩٢٦, Mission problems in New Persia, London ١٩٢٦ Becker- Islamstudien, von C. H. Becker, zwei Baende, Leipzig ١٩٢٤ und ١٩٣٢ Bianquis - Les nouveaux devoirs du protestantisme francais en Syrie, Paris ١٩٢٦ Bliss - Reminiscences of Daniel Bliss, London ١٩٢٠ Bliss (E) - Ecumenical Missionary Conference, By Edwin M. Bliss, N. y. ١٩٠٠ Bliss(En) - The encyclopedia of Missions, by Edwin M. Bliss (Editor) ٢ vols. N. y. ١٨٩١ Bliss(R) - The Religions of Modern Syria and Palestine, by Frederick Jones Bliss, N. y. ١٩١٢ Browne - The prospects of Islam, Lawrence E. Browne, London ١٩٤٤ ِ Bunson- Islam or true Christianity, by Ernest de Bunsen, London ١٨٨٩ Bury- Pan Islam, by G. Wyman Bury, London ١٩١٩ Cash - The Moslem World in Revolution, by W. Wiilson Cash, London ١٩٢٦ Cash (E) - The Expansion of Islam, by W. Wilson Cash, London ١٩٢٨ Cauly - Recherche de la vraie religion, par Mgr. E. Cauly, Paris ١٩٢٨ Christian Workers - Conference of Christian Workers among Moslems, N. Y. ٩٢ Christians and Mohammdams, by George Herrick, N. Y. ca. ١٩١٢ Christian Literature in the Moslem Lands, by a Joint Committee, N. Y. ١٩٢٣

стр. 17

Christian (The) Mission in Moslem World, by William Schermerhorn, N. Y. ١٩٣٣ Christian Missions and Oriental Civilization by Maurice Thomas Price, Shanghai ١٩٢٤ Christian Missions and Social Progress, James Dennis, ٣ vols., N. Y. ١٨٩٨ Continental Survey of Foreign Missions. by Rev. James Dennis, N. Y. ١٩٠٢ Cooperation and the World Mission, by James Raleigh Mott, N. Y. ١٩٣٨ Danby - Why "Christian" Schools ? or what can Christian Schools contrlibute ? with particular Reference to Palestine, by H. Danby, Jerusalem ١٩٣٦ The Decisive Hour of Christian Missions, by John Raleigh Mott, N. Y. ١٩١٠ The Democratie Movement of Asia, Tyler Dennett, N. Y. ١٩١٨ Echos from Edinburg, by William Henry Gairdner, N. Y Enc. Am. - Eneyclopedia Americana Enc. Br. - Encyclopaedia Britannica Enc. Miss. - Encyclopedia of Missions Faris - Reapers of His Harvest, by John T. F'aris. London ١٩١١ The Evangelisation of the World in this Generation. by John Raleigh Mott, N. Y. ١٩٠٠ Five Decades and a Forward View, by John Raleigh Mott. ١٩٣٩ Foreign Missions after a century, by James S. Dennis, ٣ ed, edition. N. Y. ١٨٩٣ Garrison - The March of Faith, by Winfred Ernest N. Y. ١٩٣٣ Harrison- Doctor in Arabia. by Paul W. Harrison, London ١٩٤٣ Hartmann - Islam, Mission, Politik, von Martin Leipzig ١٩١٢ History of Protestant Missions, by Gustav Warneck, Edinburg ١٩٠١ The History the Protestant Missions in India. London ١٨٨٤ International Missionary Council, Jerusalem ١٩٢٨, ٨ vols. , London ١٩٢٨ Islam and Missions, by E. M. Vherry, S. M. Zwemer and C. G. Mylrea, N. Y. ١٩١١ L'Islam et l'Occident (les cahiers du Sud, ١٩٤٧ The King's Highway, West Melford (ca. ١٩١٥ The Layman's Foreign Mission Inquiry, Report, ٧ vols., N. Y. ١٩٣٣ Jessup - Fifty-Three years in Syria, by Henry Harris Jessup, N. Y. ١٩١٠ Les Jésuites en Syrie ١٨٣١ - ١٩٣١, ١٢ parties en deux vols., Paris ١٩٣١ Jung - Les arabes et l'Islam en face de nouvelles croissades et Palestine et sionisme, Paris ١٩٣١ Kilgour - The Bible throughout the world, by R. Kilgour, London ١٩٣٩ Lawrence - Modern Mission in the Near East, by Edward A. Lawrence New York ١٨٩٥ Levonian - Islam and Christianity, by Lootfy Levonian, London ١٩٤٠ Levonian (M) - Moslem Mentality, by Lootfy Levonian, London ١٩٢٨ Lucknow Conference, Lucknow (India) ١٩١١ Macdonald - Najla, the Sheikh's Daughter, by Jan Macdonald, London ١٩٤٤ Margoliouth - Mohammedanism, by David Samuel Margoliouth, London ١٩٢١ Medical Missions, by John Lowe. N. Y ١٨٩٦ Methods of Mission work among the Moslems, Being those papers read at the First Misslonary Conference on behalf of the Mohammedan World held at Cairo, Apr. ٤th. to ٨th.; ١٩٠٦ (Crossed : For private Circulattion only) , N. Y. ١٩٠٦ Mllligan - Facts and Falks in Our Fields Abroad, by Anna A. Milligan, Philadelphia ١٩٢١ Missionary Herald, Letters of the Missionaries in Syria and the Near East ١٨٣٠ - ١٨٤٢, Boston ١٨٣٠ - ١٨٤٢

стр. 18

Missionary Heroines, by E. R. Pitman, N. Y. ١٨ The Missionary Outlook in the Light of war and the Religious Outlook, N.Y. ١٩٢٠ Mission Fields - Religions of Mission Fields as Viewed by Protestant Mission -aries, ..... ١٩٠٥ Missions from the Modern View, by Robert A. Hume, N. Y. ca. ١٩٠٥ The Modern Mission Century, by Arthur T. Plerson, N. Y. ca. ١٩٠١ MW - The Moslem World, A Christian Quarterly Review of Current Events, Literature and Thought among the Mohammedans, N. Y Nashville Convention, ١٩٠٦, Students and the Modern Missionary Crusades The New Horoscope of Missions, by James Dennis, N. Y. ca. ١٩٠٨ Oxford - What is the Oxford Group ? by Layman, with a Notebook, London ١٩٣٣ The Pastor and Modern Missions, N. Y. ١٩٠٤ Penrose - That They May Have Life, by Stephen B. L. Penrose, N. Y. ١٩٤١ The Picket Line of Missions, by W. F. McDowell, N. Y. ١٨٩٧ The Present - Day Summons to the World Mission of Christianity, Nashville ١٩٣١ Report on the Lebanon Schools, Edinburg ١٨٥٨ - ٨ Re - Thinking Missions, by the Committee of Appraisal (Ernest Hocking. Chairman) N. Y. & London ١٣٣٢ Richter - A History of the Protestant Missions in the Near East, by Julius Richter .(English Translation adapted by the Author) N. Y. ١٩١٠ Rochester Convention ١٩١٠, Students and the present Missionary Crisis, N. Y. ١٩١٠ Scherer - Mediterranean Missions ١٨٠٨ - ١٨٧٠, by George Scherer, Beirut Scott - In the High Yemn, by Hugh Scott, London ١٩٤٢ The Story of the American Board, Boston ca. ١٩١٠ Student Volunteer Movement for foreign Missions; Christian Students and the World Problems, N. Y. ١٩٢٤ TIRM - The International Review of Mission, London & N. Y Two Thousand years of Missions ............ , by Lemuel Call Barnes, ٦th. ed, Chicago ١٩٠٦ Van Ess -- Meet the Arab, by John Van Ess, N. Y. ١٩٤٣ Véou - Chrétiens en Péril au Moussadagh (Enquète au Sandjak d'AIexandrette), par Paul de Véou, Paris ١٩٣٩. Ways of Sharing with other Faiths, by Daniel Johson Fleming, N. Y. ١٩٢٨. Wismar - A Study of Tolerance as practised by Muhammad and His immediate Successors, by Adolph L. Wismar, N. Y. ١٩٢٧. World Missionary Conference, ١٩١٠ N. Y. ١٩١٠ Carrying the Gospel,. ٤٥٢ pages -- -- The Church in the Mission Field, ٣٨٠ pages -- -- Cooperation, ٢٤١ pages -- -- Education, ٤٧١ pages -- -- History and Records of the Conference, ٣٦٧ pages -- -- The home Base, ٥٦٥ pages -- -- The Missionary Message, ٣٣٣ pages -- -- Missions and Governments, ١٨٩ pages -- -- The Training of Teachers -- -- The world Mission of the Church : Findings and Recommandations of the International Missionary Council Tambaram, Madras, India, Dec. ١٢ - ٢٩, ١٩٣٨ (N. Y. ١٩٣٨

стр. 19

World Student Christian :Federation, Report of the Conference at Robert College Constantinople, ١٩١١ Zwemer -- Islam, a Challange to Faith, by Samuel S. Zwemer, N. Y. ١٩٠٧ • • • وفي ما يلي مصادر نشرت بعد صدور كتابنا أو لم يتح لنا يومذاك أن أنطلع عليها. ثم يحسن أن تعلم أن هذه القائمة الجديدة كالقائمة القديمة، لا تضم كل ما صدر في موضوع التبشير والاستعمار: BATAL, James, Assignment Near East, New York ١٩٥٠ BETHMANN, Erich W., Bridge to Islam, London ١٩٥٣ BINGLE, E. J., World Christian Handbook, London ١٩٤٩ BUHRER, J. et P. J, André, Ce que devient L'Islam devant ١e Monde Moderne , Paris ١٩٥٢ BULLARD, Sir Reader, Britain and the Middle East, New York etc, ١٩٥١ BURROWS, Millar, Palestine is our Business, Philadelphia ١٩٥٠ ? LE CHATELIER. A., La Conquète du Monde Musulman COMMENTARY (Monthly), published by the American Jewish Committee, New York CONGREGATION de la Mission de St. Vincent de Paul, Mémoires de la Congrégation ........ (en Afrique du Nord), ٢ vols, Pars ١٨٦٤ DOMINIQUE, Pierre, la Politique des Jésuites, Paris ١٩٥٥ DORMAN, Harry Gaylord, Jr., Toward Understanding Islam, New York ١٩٤٨ FORDER, Archibald; With the Arabs in Tent and Town, London ١٩٠٢ GAIRDNER, W. H. T., The Reproach of Islam, London ١٩٠٩ GOYAU, Georges, Un Précurseur : François Piquet, Consul du Louis XIV en Alep et évêque de Babylone, Paris ١٩٤٢ GRUBB, Kennith G. (ed.), World Christian Handbook, London ١٩٤٧ HOLDANE, James, Trekking among Moroccan Tribes, London ١٩٤٨ HOSKINS, Halford L., The Middle East, New York ١٩٥٤ JEANSON, Colette et Francis, L'Algérie hors de loi, ٢ème. édition, Paris ١٩٥٥ MASSIGNON, Louis, Annuaire du Monde Musulman, ٤e édition, Paris ١٩٥٥ MILLIEZ, U., La Croisade du Levant, Paris ١٩٤٣ MORRISON, S.A., Middle East Survey. London ١٩٥٤ MOTT, John R., Cooperation and the World Missions, New York, ١٩٣٥ MOTT, John (editor), The Moslem World of To-Day, London ١٩٢٥ OLIVER, Roland, The Missionary Factor in East Africa, London ١٩٥٢ PADWICK, Constance E., Temple Gairdner of Cairo, London ١٩٢٩ PARFIT, Joseph Thomas, Among the Druzes of Lebanon and Bashan, London ١٩١٧ PATTON, Cornilius H., The Business of Missions, New York, ١٩٢٤ POTTIER, René, Le Cardinal Lavigerie, Paris ١٩٤٧

стр. 20

SAMUEL, Jacob, Jaurnal of a missionary tour through the Desert of Arabia to Bagdad, Edinburg ١٨٤٤ SCHUTZ, Paul, Zwischen Nil und Kaukasus, Kassel ١٩٥٣ STORM, W. Harold, Whiter Arabia ? London, New York ١٩٣٨ TRIMINGHAM, John Spencer, The Christian Approach to Islam in the Sudan, London ١٩٤٨ Islam in Ethiopia, London ١٩٤٨ - - -- TUCHMAN, Barbara W, Bible and Sword, New York ١٩٥٦ WILSON, J. Christy, The Christian Message to Islam, New York ١٩٥٠

стр. 21

تَوْطِئَةٌ: وَجْهُ الحَاجَةِ إِلَى هَذَا الكِتَابِ: لا سبيل إلى إحصاء ما كتبه المبشرون وأنصار المبشرين عن الشرق ولا عن العرب والإسلام، فإن «شترايت» و «دِنْدِنغر» (١) قد أصدرا بين عام ١٩١٦ وعام ١٩٣١ سبعة مجلدات ذَكَرَا فيها أسماء المصادر والمراجع التي تدور حول المبشرين وجهودهم وتسهيل أعمالهم. ثم إن أكثر هذه الكتب مفصلة تفصيلاً كبيرًا، فإن الرسائل التي كتبها المبشرون من سورية والشرق الأدنى فقط إلى زملائهم بين عام ١٨٣٠ وعام ١٨٤٢ طبعت في ثلاثة عشر مجلدًا من أصل ثمانية وثلاثين مجلدًا (٢). ولما اجتمع مؤتمر التبشير العالمي في أدنبره (في اسكوتلنده) عام ١٩١٠ أصدر تقريرًا، عن النواحي المختلفة التي يجب أن يهتم لها المبشرون، تم طبعه في عشرة مجلدات (٣). أما مؤتمر التبشير الدولي الذي اجتمع في القدس عام ١٩٢٨ مدة أسبوعين فقط (من ٢٣ آذار إلى ٨ نيسان) فقد وضع تقريرًا في ثمانية مجلدات (٤). وهناك عشرات من أمثال هذه الكتب والتقارير قد ظهرت كلها في مجلدات عديدة ضخمة. وفي عام ١٨٦٩ كانت أعمال مدارس التبشير الفرنسية في الشرق تقتضي أربعة مجلدات تقع في نحو ألف وخمسمائة وخمسين صفحة (٥)، كما أن مدارس التبشير الإنجليزية في جبل لبنان كانت قد أصدرت تقريرًا عن أعمالها بين ١٨٥٦ و ١٨٦٨ - يعني في عهد فتنة سنة الستين فقط - يقع في مجلد كامل (٦).

стр. 22

أما المجلات التبشيرية التي صدرت في بلدان مختلفة وبلغات مختلفة فهي أكثر من أن يحصيها العد. أضف إلى ذلك أن ثمة في العالم كله جرائد ومجلات سياسية أو أدبية أو علمية لا تظهر عليها صبغة التبشير، ولكنها في الحقيقة وسائل قوية من وسائل المبشرين. ومع هذا كله فليس في اللغة العربية إلى اليوم كتاب واحد يكشف النقاب عن غايات المبشرين الحقيقية وينبه على الأخطار التي يود المبشرون أن يعرضوا لها الشرف والعرب والإسلام، مع أن لهؤلاء المبشرين ألوف الكتب والكراريس يحاولون أن ينشروها بكل سبيل في طول البلاد العربية وعرضها. ثم إنهم قد ألقوا عن وجوههم القناع وأسفروا عن حقيقة غاياتهم في الكتابة عن الإسلام ورجاله وعن العرب وحياتهم، وكانوا النواة الأولى لطلائع الاستعمار السياسي والاقتصادي، يساعدهم في عملهم هذا مع الأسف نفر من أهل البلاد العربية. ليست كتب المبشرين هي التي تقتضي وضع هذا الكتاب لكشف النقاب عن آثار تلك الأصابع الحاذقة التي تمتد إلى كل صوب في العالم الإسلامي، بل هناك المؤسسات التبشيرية، تلك المؤسسات التي تبدو في مظاهر مختلفة، بعضها واضح المعالم وبعضها الآخر بعيد عن التهمة كل البعد، كالمدارس والجامعات والمستشفيات والمياتم والأندية والجمعيات ومؤسسات البر والإحسان. وقد أراد القائمون على التبشير أن يكون «للإحسان والتعليم» مقام كبير في الخطط التي توضع لأعمال التبشير، ولكن على أن تكون وسائل فقط لا غاية في نفسها (١). إن المبشرين يريديون إفساد الخصائص القومية في الشعوب الشرقية الإسلامية والعربية، كما يريدون إفساد خصائص البوذيين وغيرهم ممن يأبون أن يخضعوا سلطة الغربيين السياسية والاقتصادية. ولقد ساير التبشير الظاهر بالمسيحية حركة أشد خطرًا على الأمة الإسلامية وعلى الشعب العربي، فقد نشأ في أوروبا وأمريكا نفر سَخَّرُوا أَقْلاَمَهُمْ لِلْمُبَشِّرِينَ وجعلوا يطعنون العرب والإسلام ويشوهون صورتهما. إن السكوت عن هذه الافتراءات تخاذل وتقصير معيب، فيجدر بنا إذن أن نرد هذه الافتراءات وأن يفندها دفاعًا عن كياننا القومي والديني، وحفظًا لخصائصنا التي هي أهم دعائم الحياة فينا. ويجب أن نذكر دائمًا أن المبشرين هم أصابع أممهم وعيون بلادهم، يحاولون دائمًا أن

стр. 23

يثيروا الفتن والقلاقل في البلاد العربية والإسلامية حتى تتمكن أممهم من السيطرة علينا سياسيًا واقتصاديًا - أما من الناحية الاجتماعية والثقافية فقلما تهمهم إلا بمقدار ما تسهل لهم مهمتهم السياسية والاقتصادية. وهذا اعتقاد لنا لسنا فيه وحدنا، بل يشركنا فيه أولئك الذي أرسلوا المبشرين إلى بلادنا. لقد عمل هؤلاء المبشرون عمدًا أو عفوًا، على إثارة سوء التفاهم والشغب. وبما أننا سنرى كثيرًا من آثار ذلك في فصل السياسة من هذا الكتاب، فسنكتفي هنا بإيراد رأي رجل أمريكي هو أستاذ التاريخ في جامعة من جامعات الولايات المتحدة نفسها، وإليك ترجمته: نشرت مجلة " العالم الإسلامي " (١) خلاصة مقال كتبه الأستاذ (إدوارد ميد أيرل) (٢)، أحد أساتذة التاريخ في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة، لمجلة " الشؤون الخارجية " عنوانه (٣): (الإرساليات الأمريكية في الشرق الأدني)، جاء فيه: «ماذا يمكن أن يقال الآن عن أعمال التبشير الأمريكي في الشرق الأدنى بعد قرن كامل من الدهر؟ يمكننا أن نحشد احصاءات هائلة تتعلق بملايين الدولارات وبألوف النفوس التي ضحيت في هذا السبيل. ولكن هذه أيضًا ليست هبة كافية توازي النتائج التي حققت على أيدي الإرساليات الأمريكية والمبشرين الأمريكيين في هذا المركز المهم من الشرق. إن نفرًا من هؤلاء الرجال والنساء أمثال (سيرس هملن) و (دانيال بلس) (أول رئيس للجامعة الأمريكية في بيروت) و (ماري ميلر باتريك) (٤) كانوا علماء وضباط ارتباط بين الشرق والغرب. وكذلك كان نفر آخرون منهم معلمين كبارًا وأطباء محبوبين يشترط فيهم طول الأناة والصبر. إن جميع هؤلاء قد حملوا معهم من أمريكا جرأة نادرة .. لولاها لما أمكن كتابة الجزء الأول الأوفر من تاريخ الجهود الأمريكية في الشرق الأدنى. ولكن الجرأة وحدها ليست كافية، كما أن الوقت لم يحن بعد للحكم على قيمة ما حققه المبشرون عمومًا. هناك وجه واحد من هذا الموضع يجب ألا يهمل بحال من الأحوال هو أن الرأي العام الأمريكي فيما يتعلق بالشرق، قد خلقه المبشرون منذ قرن كامل. فإذا كان الرأي العام الأمريكي قد طويت عنه بعض المعلومات أو غذي بمعلومات خاطئة أو دفع إلى موقف عدائي، فإن المبشرين هو الملومون في أكثر ذلك، لأن النظر إلى التاريخ على أساس انتشار النصرانية

стр. 24

وقد حمل هؤلاء المبشرين على أن يقدموا لنا في الولايات المتحدة صورة ناقصة مشوهة أو ساخرة في بعض الأحيان للمسلمين وللإسلام. وبينما كان المبشرون يرمون في تبشيرهم إلى التسامح كانوا أحيانًا ومن غير أن يشعروا يزرعون بذور سوء التفاهم. وكذلك حينما جاء المبشرون إلى تصوير أحوال الإمبراطورية العثمانية، يوم كانت الإمبراطورية العثمانية، عجزوا عن أن يشيروا إلى أن الآلام التي تَحْتَمِلُهَا الأقليات المسيحية قد تَحَمَّلَهَا أَيْضًا المواطنون الأتراك كلهم (١). فإذا كان الفلاح الأرمني قد تعرض لغارة كردية، فكذلك كان شأن الفلاح التركي. وإذا أرهق الفلاح البلغاري بالضرائب، فكذلك كانت حال الفلاح التركي. وعدا ذلك فإن التركي وحده (يقصد: المسلم)، ظل إلى عام ١٩٠٩ مجبرًا على الخدمة العسكرية بينما كان المسيحي مُعْفَى منها لقاء ضريبة ضئيلة يدفعها. ولكن بما أن المبشر قد حذف كثيرًا من الخصائص والحقائق من الصورة التي رسمها للإمبراطورية العثمانية يومذاك، فإن الشعب الأمريكي لا يستطيع أن يميز، من النظر إلى هذه الصورة التي وصلت إليه، وبين الظالم والمظلوم. إن الشعب الأمريكي لم يكن عالمًا أن المسلمين والنصارى قد تألموا - على السواء - في الحياة تحت حكم إمبراطوري فاسد». «ولقد لجأ المبشرون - كما يستطيعون أن يجمعوا الأموال - إلى استغلال حقائق ناقصة، وكذلك أخذت تفعل بعض جمعيات الإغاثة منذ زمن قريب. فنتج من ذلك أن العقل الأمريكي قد حيل بينه وبين الحقيقة الواضحة، وهي أن سكان الشرق الأدنى قد كانو ضحايا كوارث واحدة بقطع النظر عن جنسياتهم وأديانهم ...». ولا حاجة إلى التعليق على رأي صريح هذه الصراحة، واضح هذا الوضوح (٢). ومن المبشرين نفرٌ يشتغلون بالآداب العربية والعلوم الإسلامية أو يستخدمون غيرهم في سبيل ذلك، ثم يرمون كلهم، مما يكتبون، إلى أن يوازنوا بين الآداب العربية والآداب الأجنبية، أو بين العلوم الإسلامية والعلوم الغربية (التي يعدونها نصرانية، لأن أمم الغرب تدين بالنصرانية) ليخرجوا دائمًا بتفضيل الآداب الغربية على الآداب العربية الإسلامية، وبالتالي إلى إبراز نواحي النشاط الثقافي في الغرب وتفضيلها على أمثالها في تاريخ العرب والإسلام. وما غايتهم من ذلك إلا خلق تخاذل روحي وشعور بالنقص في نفوس الشرقيين

стр. 25

وحملهم من هذه الطريق على الرضا بالخضوع للمدنية المادية الغربية (١). وإذا كان ثمة نفر قليلون جاءوا إلى الشرق للتبشير فحسب، وهم مقتنعون شخصيًا بالناحية الدينية، فإنهم في الدرجة الأولى مخطئون لأنهم لم يأتوا إلينا بقيمة روحية واجتماعية أسمى مما عندنا - ولا مثلها. ثم إنهم قد وضعوا أنفسهم في أيدي رجال الاستعمار السياسي والاقتصادي يستخدمونهم كيف شاءوا، وعلى غير علم منهم في بعض الأحيان. • • • ولقد صبر الشباب العربي المسلم على هؤلاء المبشرين وعلى أنصارهم المحليين، مع كل ما تعرض به هؤلاء المبشرون للكرامة الشرقية والعربية والإسلامية في جميع نواحي حياتنا الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية والأدبية - وخصوصًا في الحقبة المتأخرة. لقد كان علينا أن نسكت عن هؤلاء لأننا في نزاع سياسي مع الغرب، ولأن هؤلاء عيون الغرب وآذانه وأصابعه أيضًا. إننا نسعى إلى هدف سام كبير لا نستطيع الحصول عليه إذا أغضبنا الغرب مباشرة. ومن أجل ذلك كان من المحتوم علينا أن نُغْضِيَ عن أولئك الأنصار الذين باعوا أنفسهم للمستعمر فجعلهم مطية إلى استعباد بلادهم وإلى إذلال إخوانهم في الدار وفي النسب أحيانًا. أما الحجة الكبرى التي حملنا بها أنفسنا على السكوت وعلى الظهور بهذا الحلم الذي لا مثيل له في طباع غيرنا من البشر، فهو أن عددًا عديدًا من إخواننا في الدار قد نذروا أنفسهم أيضًا لما نذرنا نحن أنفسنا له، وكانوا على الأجنبي واستعماره أشد منا نحن أحيانًا، لأن المستعمر قد أتي في ذلك من حيث لا يحتسب. على أن حلمنا كان يجب أن ينتهي لسببين اثنين، أولهما أن هذا النفر الكريم قد بدأ يحمل اضطهادًا أكثر من الذي نحتمله نحن. وثاني السببين أن النفر الذين باعوا أنفسهم للمستعمر، وأنصارهم معهم، ما زالوا يظهرون بمظهر المتحدي في حقل الاجتماع والوطن، وفي كل حقل آخر. ولقد كان هؤلاء لا يهمهم دينهم لأنهم قليلو الاحتفال بمبادئه، بل كان يهمهم إرضاء النفوذ الأجنبي، لأنهم كانوا يرتزقون منه رزقًا حسنًا (٢).

стр. 26

وما إحالة الحكومة اللبنانية لصحافيين بارزين من أصحاب الصحف الصادرة باللغة الأجنبية في لبنان إلى المحكمة، وهما (جُورْجْ نَقَّاشْ) و (كِسْرَوَانْ اللَّبْكِي) من أسرة جريدة " الأوريان " (١) في بيروت إلا لأن الجريدة المذكورة قد نشرت سلسلة من المقالات بإمضاء (جورج نقاش)، كان من شأنها - لو لقيت آذانًا مصغية - أن تثير نزاعًا طائفيًا في لبنان فوق ما فيها من التعرض لأساس الكيان اللبناني. وفيما يلي موجز الاتهام والحكم (٢): «حُوكِمَ (جُورْجْ نَقَّاشْ) وَ (كِسْرَوَانْ اللَّبْكِي) لإِقْدَامِهِمَا عَلَى نَشْرِ مَقَالٍ افْتِتَاحِيٍّ في جَرِيدَتَيْهِمَا " الأُورْيَانْ " بِالعَدَدِ الصَّادِرِ بِتَارِيخِ ١٠ آذار ١٩٤٩ رَقْمَ ٦٦٩١، فِيهِ إِثَارَةُ النَّعَرَاتِ الطَّائِفِيَّةِ وَحَضِّ عَنَاصِرِ الأُمَّةِ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ .. وَتَنَاوَلَتْ المَحْكَمَةُ المَقَالَ المَذْكُورَ .. وَبَعْدَ أَنْ رَجَعَتْ إِلَى مَجْمُوعِهِ وَرُوحِهِ تَبَيَّنَ لَهَا أَنَّ السَّيِّدْ (جُورْجْ نَقَّاشْ) قَدْ تَنَاوَلَ القَضِّيَّةَ اللُّبْنَانِيَّةَ فِي الصَّمِيمِ وَمَسَّ كَرَامَةَ الحُكْمِ اللُّبْنَانِيِّ الاِسْتِقْلاَلِيِّ وَجَعَلَ مِنَ الحُكْمِ الوَطَنِيِّ الاِسْتِقْلاَلِيِّ كَابُوسًا تَرْزَحُ تَحْتَ عِبْئِهِ البِلاَدُ وَتَئِنُّ مِنْهُ العِبَادُ. وَبِمَا أَنَّ الكَاتِبَ السَّيِّدَ (جُورْجْ نَقَّاشْ) بَعْدَ أَنْ طَعَنَ وَطَنَهُ لُبْنَانَ وَحُكْمَهُ الوَطَنِيِّ ... وَخَرَجَ عَنْ حُرَّيَّةِ الرَّأْيِ وَحَقَّرَ الدَّوْلَةَ وَنَعَى عَلَى الاِسْتِقْلاَلِ وَبُنَاتِهِ وَأَثَارَ النُّعَرَاتِ مِنْ وراء كِتَابَتِهِ .. وَقَصَدَ الطَّعْنِ بِالوَضْعِ الحالِيِّ وَبِالْقَضَاءِ الوَطَنِيِّ مَعَ إِثَارَةِ النُّعَرَاتِ .. وَبِمَا أَنَّهُ أَسَنَدَ إِلَى مَجْمُوعَةِ الأُمَّةِ اللُّبْنَانِيَّةِ بِأَنَ اِتِّفَاقَ طَوَائِفِهَا عَلَى وَضْعِ ذَلِكَ المِيثَاقِ الوَطَنِيِّ الشَّهِيرِ (٣) لَمْ يَكُنْ إلاَّ خَيَالِيًّا، وَنَعَى عَلَى الوَضْعِ الاِسْتِقْلاَلِيِّ مُنْذُ نَشْأَتِهِ، وَأَحْكَمَ مِعْوَلَ الهَدْمِ فِيهِ دُونَ أَنْ تَبْدُرَ مِنْهُ عِبَارَةٌ وَاحِدَةٌ يَسْتَشِمُّ مِنْهَا اِنْدِفَاعَهُ وَرَغْبَتَهُ فِي إِيجَادِ الأُلْفَةِ وَالمَحَبَّةِ ... لِذَلِكَ ... تَقَرُّرَ الحُكْمِ بِحَبْسِ (جُورْجْ فِيلِيبْ نَقَّاشَ) مُدَّةَ ... ثَلاثَةِ أَشْهُرٍ وَتَغْرِيمِهِ مِائَةَ لِيرَةٍ .. وَحَبْسِ (كِسْرَوَانْ نُعَوِّمُ اللَّبَكِيِ) شَهْرًا وَاحِدًا وَتَغْرِيمِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينِ لِيرَةً .. وَتَوْقِيفِ جَرِيدَةِ " الأُورْيَانْ " عَنْ الصُّدُورِ مُدَّةَ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ». هذه القضية أثارت مشادة، في خارج المحكمة، أو مشادتين على الأصح: واحدة

стр. 27

بين المحامين وأخرى بين الصحف. أما مشادة المحامين فتدور حول اعتذار المحامي (أدمون رباط) عن الدفاع عن المتهمين، بعد أن كان قد قبل مبدئيًا الدفاع عنهما. ولقد كان من المفروض أن ينتصر أصحاب الصحف اللبنانية لزميلهم الصحافي، يحكم عليه هذا الحكم. ولكن الانتصار له قد اقتصر على اتخاذ شكل رمزي، هو أن الحكم نفسه كان قاسيًا! أما الكاتب فقد ليم أشد اللوم على أنه كتب هذه الكتابة وتناول الموضوع من هذه الزاوية وبهذه الروح (١). وبعد، فمن ذا الذي يستفيد من المقالات التي نشرها (جورج نقاش) وأدت إلى الحكم عليه؟ لا شك في أن هذه المقالات تسيء إلى الوطن وإلى نهضته وتسر الأجانب من أصحاب المصلحة!. • • • أما نَحْنُ المُؤَلِّفَيْنِ فسنسمع غدًا إخوانًا لنا نحترمهم يقولون بعد صدور هذا الكتاب: عيب على رجلين مثقفين أن يكتبا مثل هذا الكتاب في هذه الحقبة من الكفاح القومي. في هذه الحقبة يجب ألا نذكر شيئًا من هذا، بل يجب ألا نذكر «كلمة» إسلام أو نصرانية ولا «كلمة» مسلم و «كلمة» مسيحي. إن إخواننا هؤلاء، من الذين نحترمهم، سيقولون ذلك إذا قرأوا عنوان كتابنا ثم قَلَّبُوا صَفَحَاتِهِ بَيْنَ أَنَامِلِهِمْ تَقْلِيبًا آلِيًا فَقَطْ. أما إذا فعلوا ما هم به خليقون فإنهم سيبدلون رأيهم بلا ريب. أجل سيقوم غدًا من يقول لنا: من العيب أن ندافع عن قومنا ووطننا وأن ندل على جذر للاستعمار ما زال، على رغم اختفائه عن الأعين، من أعمق الجذور في سجل مصائبنا القومية. ولكن لم يقم من هؤلاء رجل قال لسيادة (المطران مبارك) شيئًا حينما كان عام ١٩٤٨ في باريس فصرح بما يلي: «إِنَّ لُبْنَانَ بَلَدٌ كَاثُولِيكِيٌّ، وَيُحَاوِلُ المُسْلِمُونَ أَنْ يَسْتَبْعِدُوهُ كَمَا يُحَاوِلُونَ اِسْتِبْعَادَ جَمِيعِ المُوَاطِنِينَ الذِينَ يَسْكُنُونَ مَعَهُمْ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ كَاليَهُودِ فِي فِلَسْطِينَ». «يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلْيَهُودِ وَطَنٌ قَوْمِيٌّ كَيْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ العَيْشِ الهَادِئِ، وَإِلاَّ فَإِنَّ أَيَّةَ

стр. 28

وِلاَيَةٍ غَيْرِ إِسْلاَمِيَّةٍ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعِيشَ بِحُرِّيَّةٍ وَتُمَارِسَ مُعْتَقَدَاتِهَا الدِّينِيَّةَ تَحْتَ سَيْطَرَةٍ "إِسْلاَمِيَّةٍ بَحْتَةٍ "» (١). وفي اليوم نفسه، نعم في اليوم نفسه، في ٢١ حزيران عام ١٩٤٨، صدرت النشرة المزدوجة من محاضرات دار الندوة (٢) فيها محاضرة للسيد (فؤاد أفرام البستاني) الموظف في وزارة التربية الوطنية بالجمهورية اللبنانية، عن مار مارون يقول فيها: «حَتَّى إذَا أَطَلَّتْ طَلاَئِعُ الصَّلِيبِيِّينَ (عَلَى لُبْنَانَ) أَمْكَنَ المَوَارِنَةُ أَنْ يَمُدُّوهُمْ بِثُلاَثِينَ أَلْفَ نَبَّالٍ، أَجْمَعَ الفَرَنْجَةُ عَلَى الإِعْجَابِ بِشَجَاعَتِهِمْ وَمَهَارَتِهِمْ .. فَالمَارُونِيَّةُ بِنْتُ لُبْنَانَ، وَلُبْنَانُ فِي الكَثِيرِ مِنْ مَزَايَاهُ وَخَصَائِصِهِ صُنْعُ المَارُونِيَّةِ .. فَلاَ وَطَنَ لَهَا سِوَاهُ وَلاَ كِيَانَ لَهُ بِدُونِهَا .. (٣) فَهُمَا ثَابِتَانِ عَلَى كُرُورِ الأَيَّامِ، لاَ اِنْتِقاصًا مِنْ حَقِّ قَرِيبٍ وَلاَ عِدَاءَ لِجَارٍ، مُنْدَفِعَانِ وَلاَ تَهَوُّرَ، صَابِرَانِ وَلاَ يَأْسَ، رَاجِيَانِ وَلاَ غُرُورَ!» (٤). فمن قام، ممن يحب هذا الوطن، وقال لهذين: نحن في سبيل كفاح قومي فمن العيب أن تكتبا ما كتبتما؟ ولكن لما أحببنا نحن المُؤَلِّفَيْنِ أن ندافع عن قومنا وبلادنا وأن نقول للمصلحين: هذا ممكن الخطر! قيل لنا هذا عيب. هنا نود أن نثبت كلمة - في هذا المعنى - ظهرت في مجلة " كل شيء " (٥)، عصرها كاتبها من قبله ومن قلب كل مخلص في هذا الوطن. هذه الكلمة، التي تصور حالنا وحال إخواننا غدًا، هي: كل أسبوع الحق أننا نعيش في زمن تنقلب فيه الأوضاع أيما انقلاب، وتنعكس مفاهيم

стр. 29

الأشياء أيما انعكاس. وقد أصبح علينا، في هذه الغمرة من اختلال المقاييس وتشويه القيم، أن نصطلح على معنى واحد واضح لكلمة «العَيْبِ» في لبنان. فلا يكاد أحدنا يأتي عملاً أو يقول قولاً (١) حتى تنقبض بعض الوجوه وتنطلق بعض الألسن: «عَيْبٌ، عَيْبٌ» .. عيب أن نعتب على «المطران» (٢)، وليس بعيب على سيادته أن ينشئ في لبنان سفارة لإسرائيل! عيب أن نعتب على وزير مسؤول لإرساله «برقية حكومية رسمية» بالتعزية في سمسار لليهود، وليس بعيب أن يبعث بهذه البرقية للوزير المسؤول! عيب أن نطالب الحكومة بما يحدد موقفها من الاتهامات الكبرى التي توجه عَلَنًا في دمشق إلى «شخصيات لبنانية»، وليس بعيب أن تلزم الحكومة في هذا الأمر جانب الصمت العميق .. عيب أن يرتفع صوت المرء بالعقيدة التي يؤمن بها، والفكرة التي يعتنقها، ويعمل صادقًا من أجل العقيدة والفكر، وليس بعيب أن يصبح المرء دونما عقيدة ولا فكر بعد أن كان من أبطال العقائد والأفكار .. وعيب بعد ذلك أن نقول للأعور أعور، وليس بعيب أن يزيد الأعور عمى في البصر والبصيرة .. هكذا تصبح المقاييس عندنا في آخر الزمان .. .. عيب، صحيح عيب! • • • على أن الواقع يقضي بأن نقول: إن الشيخ (بطرس الجميل) (٣) قد قال لأحدنا الدكتور (عمر فروخ)، إنه والكثيرين من ذوي الرأي لا يقرون (المطران مبارك) على أقواله وأعماله، وإنهم عاتبوا (المطران مبارك) عتابًا مُرًّا. إلا أن هذا العتاب ناقص

стр. 30

في نظر المخلصين في هذا الوطن، أو أنه لم ينه هؤلاء عن الاستمرار في ضلالتهم. ثم إن هذا العتاب لم يؤد غايته الشكلية على الأقل، لأنه لم ينشر فيعرف! هذه كلمة عتاب نسوقها إلى إخوان سيقولون لنا ما سيقولون، أو على الأصح قد قالوا لنا ما قالوه، ولكننا لا نشك في أنهم - إذا قرأوا هذا الكتاب - سيعودون إلى الإنصاف وسيدركون أن سوانا كان أحرى بوضع هذا الكتاب للرد على المفترين. ولكن لما لم يسد هذه الثغرة أحد ممن يجب عليهم أن يسدوها لم يبق ثمت مندوحة عن أن نتطوع نحن للقيام بهذا العمل. من أجل ذلك كله أحببنا أن نجلو وجه الحقيقة فوضعنا هذا الكتاب: إنه من الخيانة أن نترك كياننا في مهب الخطر بسكوتنا عن مكمن هذ الخطر. إننا نعرف أن أسلاك هذا الخطر تمتد في خارج الوطن العربي من الأمثال أن العالم العربي والعالم الإسلامي قد أجمعا على إنقاذ فلسطين من براثن الصهيونية، ذلك الخطر المشرف على الشرق كله (١)، أما موضع العجب فهو أن المبشرين والذين يشايعون المبشرين عندنا ما زالوا يعملون على الانتصار لليهود كُرْهًا بِالعَرَبِ، مع أن خطر الصهيونية ليس خطرًا على العرب بل على غير العرب أيضًا، ولا هو خطر على الإسلام فحسب بل على النصرانية كذلك، ولا هو خطر على الشرق وحده بل على الغرب والشرق معًا. وأخيرًا، إذا كان المبشرون وأتباع المبشرين قد وضعوا عشرات الألوف من الكتب وملأوها بالطعن على العرب وبالنيل من الإسلام، يستعملون التجني والمكابرة في ذلك، فإن من حق عَرَبِيَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَنْ يَضَعَا كِتَابًا وَاحِدًا، وفي حدود العلم والأدب أيضًا، يدافعان به عن قومهما ودينهما في وجه المبشرين وصنائع المبشرين. وهؤلاء اليوم هم أنشط منهم في كل وقت آخر، بَلْ هُمْ قَدْ اِنْتَهَزَوا مِحْنَةَ فِلَسْطِينَ لِيَتَّخِذُوهَا سُلَّمًا إِلَى قَهْرِ العَرَبِ النَّصَارَى وَالمُسْلِمِينَ الذِينَ يَعْتَزُّونَ بِقَوْمِيَّتِهِمْ العَرَبِيَّةِ وَتَضَامُنِهِمْ الوَطَنِيِّ. ونحب أن نقدم مثلين اثنين عن تأثر المؤسسات الغربية، التي تسمى إنسانية، بالعداوة التي تحملها للشرق. إن العرب كلهم يخوضون اليوم حربًا ضد الصهيونيين، والحرب ضد الصهيونية

стр. 31

في حقيقتها معركة من معارك استعمار الشرق. ولقد أرغم العرب في أثناء هذه الحرب على هدنة أربعة أسابيع (١)، أخذت فيها المؤسسات الغربية كلها تساعد اليهود، حتى مؤسسة الصليب الأحمر الدولي. والمفروض في مؤسسة الصليب الأحمر أن تواسي الجرحى أَيًّا كَانَ دِينُهُمْ وَأَيًّا كَانَ جِنْسُهُمْ. ولكن هذه مهمة الصليب الأحمر خارج الشرق. أما في الشرق، وفي الحرب بين العرب واليهود، فمهمته الإجهاز - عمليًا ومن سبيل الإهمال - على العرب ثم مساعدة اليهود. نشرت جريدة " الديار " (بيروت، السنة الرابعة، العدد ١٦٢٨، الصادر في ٧ تموز ١٩٤٨، الصفحة الثانية) احتجاجًا للدكتور (جورج حنا) رئيس لجنة إغاثة فلسطين في بيروت وعضو جمعية الصليب الأحمر اللبناني وأحد الكتاب الأحرار الإنسانيين نثبته كاملاً في ما يلي: " متى الصليب الأحمر الدولي يتحيز لليهود " كتاب الدكتور (جورج حنا) رئيس لجنة إغاثة فلسطين. «حضرة (المركيزة دو فريج) رئيسة جمعية الصليب الأحمر اللبناني المحترمة. تحية واحترامًا. وبعد، أرى من واجبي أن أطلع حضرتك على المعلومات التي وصلتني مؤخرًا عن مستشفى الصليب الأحمر اللبناني الموجود في عكا. وإنه ليؤسفني جِدًّا بهذه المناسبة أن أتقدم بالشكوى المرة من الإهمال الذي يبديه الصليب الأحمر الدولي تجاه المستشفى المذكور بالرغم من أني فهمت أن مؤسستكم كانت كلفته برعايته بعد احتلال عكا من قبل القوات الصهيونية. فعدا عن أن الصليب الأحمر الدولي لم يهتم بإعادة الأطباء والممرضات والمساعدين اللبنانيين إلى لبنان كما تفرض عليه رسالته الإنسانية، فإنه ما زال يبرهن عن تغاضيه عن مساعدة هؤلاء اللبنانيين الذين دفعتهم إنسانيتهم لتحمل المشاق لمساعدة الجرحى والمنكوبين. وفيما نرى الصليب الأحمر الدولي يعنى بتموين ورعاية الجرحى واللاجئين والمحاصرين من اليهود فهو يتظاهر بالعجز عن مساعدة مستشفى الصليب الأحمر اللبناني. إن جميع المعلومات التي وصلتنا من مصادر لا يشك بثقتها تدل على أن الأشخاص

стр. 32

العاملين في مستشفى الصليب الأحمر اللبناني في عكا والمحجوزين فيها يقاسون العذاب والحرمان، وأن أولئك الأبطال الإنسانيين مهملون من قبل الصليب الأحمر الدولي المفروض فيه أن يكون عونًا لهم. فالصليب الأحمر الدولي على ما أعلم مؤسسة إنسانية عالمية لا تفرق بين الجهات المختلفة ولو كانت متحاربة. وهذ ما لا نراه مع الأسف في الحالة القائمة في فلسطين. لذلك: ١ - أرفع احتجاجي على تصرفات الصليب الأحمر الدولي في فلسطين وعلى تغاضيه عن الاهتمام ببعثة الصليب الأحمر اللبناني في عكا وتحيزه للجانب اليهودي. ٢ - أسأل الصليب الأحمر اللبناني فيما إذا كان يرضى عن هذه المعاملة المغرضة وهو عضو في الصليب الأحمر الدولي. ٣ - بوصفي عضوًا في الصليب الأحمر اللبناني أطلب بإلحاح رفع احتجاج صارخ إلى المقر العام للصليب الأحمر الدولي وإلى الوسيط الكونت (برنادوت). ٤ - بذل جميع المساعي لإعادة الأطباء والممرضات والمساعدين اللبنانيين فورًا. ٥ - في حال سكوت الصليب الأحمر الدولي عن إجابة هذا الطلب أقترح أن تخابر مؤسسات الهلال الأحمر العربية وإيقافها على حقيقة الأمر لاتخاذ اللازم مع مؤسسة الصليب الأحمر الدولي». • • • على أن احتجاج سيادة المطران (جاورجيوس حكيم) (١)، مطران حيفا وعكا والناصرة وسائر منطقة الجليل لطائفة الروم الكاثوليك، كان أشد وأدل على فقدان العنصر الإنساني في تلك المؤسسات الإنسانية، إذا اصطدمت مصالح دولها في الشرق. قال المطران (حكيم) يذكر حال العرب في فلسطين بعد الحرب الصهيونية ويشير إلى مدينة عكا خاصة: «إِنَّ حالَتَهَا تُدْمِي الفُؤَادَ إِذْ أَنَّ العَرَبَ فِيهَا، وَعَدَدُهُمْ ثَلاثَةً آلافِ عَرَبِيَّ تَقْريبًا مَحْصُورُونَ بَيْنَ أَسْوَارِ البَلْدَةِ القَدِيمَةِ وَحالَتُهُمْ الصِّحِّيَّةُ وَالغِذَائِيَّةُ سَيِّئَةٌ لِلْغَايَةِ. وَقَضَاءُ عَكَّا فِي حالَةٍ يُرْثَى لَهَا، فَالعَرَبُ البَاقُونَ فِيهِ يُعَامَلُونَ كَالحَيَوَانَاتِ لاَ يَهْتَمُّ بِهِمْ أَحَدٌ وَلاَ يَجِدُ مُعَظَمُهُمْ مَسْكَنًا أَوْ مَأْوَى، كَمَا لاَ يَجِدُ مَرَضَاهُمْ أَيَّ نَوْعٍ مِنَ العِنَايَةِ». وعاد المطران (حكيم) يوجه اللوم إلى مؤسسة الصليب الأحمر التي تعمل في خدمة

стр. 33

اليهود ثم هي تهمل العرب عمدًا، فقال مُتَأَلِّمًا: «آسَفُ أَنْ يَعْمَلَ الصَّلِيبُ الأَحْمَرُ الدَّوْلِيُّ تَحْتَ رَايَةِ الصَّلِيبِ» (١). • • • وسيرى القارئ في فصول هذا الكتاب أيضًا أن المبشرين يتسترون بنشر العلم وبالتطبيب المجاني والأعمال الاجتماعية وما إلى ذلك في سبيل غاية واحدة: إنهم يريدون أن ينقذوا من خلال هذه المظاهر إلى تحطيم الجدار الإسلامي لينفذوا من خلاله إلى الحقل القومي. وبما أن هذا الجدار قد انثغر الآن ثغرات متعددة، فقد وجب العمل على سد هذه الثغرات قبل أن ينهار الجدار كله. من أجل ذلك نرى أن لوضع هذا الكتاب مبررًا عظيمًا، بل إن وضعه قد أصبح واجبًا علينا لنفتح أعين قومنا على الخطر الحقيقي للمبشرين بين العرب خاصة وفي الشرق عامة. وكذلك يجب أن نعلم أن الصهيونية أيضًا ليست شيئًا سوى وسيلة من الوسائل التي يحاول الغرب بها أن يستمر في استعباد الشرق العربي بعد تصديع جداره وتجزئة رقعة أرضه. إن هذا الكتاب إذن ليس كتابًا «هَدَّامًا»، ولكنه محاولة مخلصة لكشف ستار عن «الهَدَّامِينَ». إنه واجب نقوم به في سبيل أمتنا وقومنا ووطننا. ١٣ رمضان ١٣٦٨ هـ ٩ تموز ١٩٤٩ م. المؤلفان

стр. 34

الفَصْلُ الأَوَّلُ: بَوَاعِثُ التَّبْشِيرِ الحَقِيقِيَّةِ: يظن بعض الناس أن المبشرين يأتون إلى الشرق لنشر الدين على أنه هدفهم الأسمى. والحق أن نشر الدين أمر ثانوي جِدًّا في جميع الحركات التبشيرية. قد نجد أشخاصًا قليلين يمولون حملات تبشيرية على الشرق، ثم أفرادًا قليلين أيضًا يأتون في هذه الحملات لينشروا الدين حُبًّا بنشر الدين واعتقادًا منهم بأنهم يقومون بعمل سام. على أن الكثرة المطلقة من الذين يمولون تلك الحملات، ومن الذين يأتون فيها، لا صلة بين أهدافهم الحقيقية وبين الدين الذي يزعمون أنهم جاءوا لنشره. إننا إذا تأملنا العالم الغربي وجدناه عالمًا ملحدًا لا يؤمن بدين، وعالمًا ماديًا لا يعرف للروح معنى: إن أمريكا التي تعبد الحديد والذهب والبترول - كما يقول (أمين الريحاني) - قد غطت نصف الأرض بمبشرين يزعمون أنهم يدعون إلى حياة روحية وسلام ديني. وبينما نرى فرنسا دولة علمانية في بلادها نجدها الدولة التي تحمي رجال الدين في الخارج. إن اليسوعيين المطرودين من فرنسا هم خصوم فرنسا في الداخل وأصدقاؤها الحميمون في مستعمراتها. وكذلك إيطاليا، التي ناصبت الكنيسة العداء وحجرت البابا في الفاتيكان، كانت تبني جميع سياستها الاستعمارية على جهود الرهبان والمبشرين. حتى روسيا السوفياتية التي تدعو في بلادها إلى محاربة الأديان - كما يقال - رأيناها، بعد الحرب العالمية الثانية، حينما أرادت أن تحقق لنفوذها توسعًا إقليميًا وسياسيًا، قد تظاهرت بالعطف على رجال الدين ودعت إلى مجمع مسكوني في موسكو وحملت إليه المؤتمرين في طائراتها. ثم شرف ستالين نفسه أولئك المؤتمرين بمقابلته. وكثيرًا ما كان الرجال العسكريون من الإنجليز خاصة يخصون حكوماتهم على بث المبشرين في العالم، كما

стр. 35

نصح الجنرال (هايغ) الحكومة البريطانية أن ترسل مبشريها إلى شبه جزيرة العرب (١). حتى الأفراد الذين ينتشرون في الأرض للتبشير بزعمهم لم يأتوا في واقع الأمر للتبشير. إن منهم من يحب المغامرات والأسفار، ومنهم من يطمح إلى السيطرة الشخصية على من حوله، ومنهم من يحب فرض رأيه على الآخرين (٢). فإذا لم يستطع أحدهم أن يفعل ذلك في بلاده، ولم يملك أن يفعله باسمه هو في خارج بلاده، خرج إلى العالم تحت ستار التبشير ليشبع أطماعه الشخصية. وكثيرًا ما كشفت الجمعيات التبشيرية عن أطماع المبشرين الشخصية واكتشفت بينهم المكرة، أو الذين أحبوا أن يستغلوا الجمعيات التبشيرية ليسافروا في العالم على حسابها، وهم في الحقيقة تجار أو رجال دعوة (اجتماعية أو اقتصادية) لا صلة لها بالتبشير (٣). بل إن ثمت شيئًا أكبر من ذلك: إن هؤلاء لا يتحلون بالأخلاق الحميدة. كتب الشاعر القروي المجيد (رشيد سليم الخوري) في مجلة " العصبة الأندلسية " (٤) يتكلم باسم النصارى الذي يتألمون - كالمسلمين أيضًا - من أضرار المبشرين كلهم والبروتستانت خصوصًا فيقول: «أَمَّا مِنَ النَّاحِيَةِ الدِّينِيَّةِ فَإِنَّ إِقَامَتِي الدَّلِيلَ عَلَى عَدَمِ نَزَاهَتِهِمْ لاَ تَقْتَضِي أَنْ أَكُونَ بَارِعًا فِي الجَدَلِ أَوْ عَالِمًا شَهِيرًا بِالتَّارِيخِ .. ! إِنَّ طَوَائِفَنَا العَدِيدَةَ .. قَدْ زِيدَتْ بِفَضْلِ تَعَرُّفِنَا عَلَى الرِّسَالَةِ الأَمَرِيكِيَّةِ طَائِفَةً جَدِيدَةً اسْمُهَا الطَّائِفَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ .. وَكَمْ أَنَفَقَ الأَمَرِيكِيُّونَ .. لِكَيْ يُعَرِّفُونَا بِمُوَاطِنِنَا السَّيِّدَ المَسِيحِ وَبِدِينِهِ .. وَكَأَنَّنَا أَشَدَّ اِفْتِقَارًا إِلَى الفَضَائِلِ المَسِيحِيَّةِ مِنَ الأَمَرِيكِيِّينَ أَنَفْسُهُمْ!». والمؤلفون عادة لا ينكرون أن التبشير قد اتخذه الكثيرون آلة للتجارة والسياسة، وأن المبشرالأمريكي خاصة لم يستطع أن يتحرر من نفوذ حكومته وغاياتها. وكثيرًا ما غادر المبشر جمعية إلى جمعية حسب أهوائه، فإن (وليم بلغرايف) (٥) الإنجليزي قد دعته أطماعه الخاصة إلى أن ينقلب راهبًا يسوعيًا ويجادل البروتستانت قومه. ولما استغنى عن اليسوعيين عاد بروتستانتيًا، حتى إنه سمي «الحَرْبَاءَ» (٦). وليس هذا فقط، بل إن من المبشرين نفرًا يسعون وراء أطماع ومغامرات شخصية شوهت اسم النصرانية في الشرق (٧). فلقد ذكر (جسب) في كتابه الذي طبع ١٩١٠

стр. 36

إنه قد ثبت على اليسوعيين مؤخرًا أنهم فضحوا فتاتين من طائفة الروم الأرثوذكس وأخفوهما حينًا، ولكنهم أرغموا على ردهما بعدئذٍ لأهلهما (١). ويهاجم (جسب) نظام الأديرة كله ويذكر أنه كان لعنة على سورية، ثم يقول إن بعض الأديرة كان مستقرًا للفاحشة (٢). على أن جميع المبشرين، سواء أكانوا انتهازيين دنيويين أم كانوا مخلصين في مهمتهم، تتميز كل فرقة منهم بعداوة شديدة نحو العرب المسلمين، وبعداوة ظاهرة نحو أهل الفرق النصرانية المباينة لفرقتهم أيضًا. أَثَرُ الحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ: ولا ريب في أن مرد هذه العداوة الشديدة إنما هو إلى الحروب الصليبية على ذلك أجمع مؤرخو التبشير كلهم، وهم في ذلك على صواب. ثم إن هذا يؤيد ما ذهبنا إليه من أن العداوة دنيوية سياسية لا صلة لها بالدين. إن المبشر (جسب) مثلاً يود أن يمحي الإسلام من العالم (٣). خَطَرُ الوَحْدَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ عَلَى الغَرْبِ: يرى بعضهم أن السبب الأساسي في هذا الكره إنما هو بلا ريب راجع إلى العداوة التي أثارها الصليبيون (٤)، وإلى أن المسلمين لا يزالون متأثرين بموقف الدول النصرانية من الإسلام في أثناء الحروب الصليبية (٥). إلا أن المستشرق الألماني (كارل بكر) يرى السبب أبعد قليلاً من ذلك، إنه يرى أن الإسلام لما انبسط في العصور الوسطى أقام سَدًّا في وجه انتشار النصرانية ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها (٦). وقريب من هذا ما رآه (غاردنر) (٧). إن القوة التي تكمن في الإسلام هي التي تخيف أوروبا. ويحاول المبشرون أن يروا العداوة بين الإسلام وبين الغرب دينية، ولكن الحقيقة لا تلبث أن تظهر في فلتات ألسنتهم فإذا هي سياسية. إن (يوليوس رشتر) يؤنب

стр. 37

النصارى على قصر نظرهم في أثناء الأعصر المتطاولة التي تلت ظهور الإسلام، فإنهم كانوا فيها وادعين غافلين بينما كانت الإمبراطورية البيزنطية (الرومانية الشرقية) تغيب شيئًا فشيئًا في الإمبراطورية الإسلامية حتى سقطت القسطنطينية نفسها عام ١٤٥٣ بيد الأتراك العثمانيين (١). ولا ريب في أن (رشتر) يتألم للناحية السياسية، لأنه هو نفسه يذكر أن سكان الإمبراطورية الشرقية كانوا نصارى بالاسم (٢)، أضف إلى ذلك أنه كان مبشرًا بروتستانتيًا بينما سكان الإمبراطورية الشرقية كانوا على المذهب الأرثوذكسي. ولكن كل ما ذكرناه يعود إلى قبل ألف عام من الدهر، فهل ثمت مبرر لاستمرار هذه العداوة إلى أيامنا هذه؟ إذا اعتبرنا أن أساس العداوة سياسي دنيوي لا روحي ديني أَيْقَنَّا أن هذه العداوة من المبشرين نحو الإسلام لا يزال لها مبرارتها. لقد أبرز (لورنس براون) هذا الموقف في صورة واضحة حينما قال: «إِذَا اتَّحَدَ المُسْلِمُونَ فِي إِمْبرَاطُورِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ، أَمْكَنَ أَنْ يُصْبِحُوا لَعْنَةً عَلَى العَالَمِ وَخَطَرًا، وَأَمْكَنَ أَنْ يُصْبِحُوا أَيْضًا نِعْمَةً لَهُ، أَمَّا إِذَا بَقُوا مُتَفَرِّقِينَ فَإِنَّهُمْ يَظَلُّونَ حِينَئِذٍ بِلاَ قُوَّةٍ وَلاَ تَأْثِيرٍ» (٣). أما القس سيمون (٤) فكان أوضح في التعبير لما قال: «إِنَّ الوَحْدَةَ الإِسْلاَمِيَّةَ تَجْمَعُ آمَالَ الشُّعُوبِ السُّمْرِ (كَذَا)، وَتُسَاعِدُهُمْ عَلَى التَمَلُّصِ مِنَ السَّيْطَرَةِ الأُورُوبِيَّةِ. وَلِذَلِكَ كَانَ التَبْشِيرُ عَامِلاً مُهِمًّا فِي كَسْرِ شَوْكَةِ هَذِهِ الحَرَكَةِ، ذَلِكَ لأَنَّ التَبْشِيرَ يَعْمَلُ عَلَى إِظْهَارِ الأُورُوبِيِّينَ فِي نُورٍ جَدِيدٍ جَذَّابٍ، وَعَلَى سَلْبِ الحَرَكَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ مِنْ عُنْصُرَيْ القُوَّةِ وَالتَمَرْكُزِ اللَّذَيْنِ هُمَا فِيهَا: إِذَا كَانَتْ الوَحْدَةُ الإِسْلاَمِيَّةُ تَكَتُّلاً ضِدَّ الاِسْتِعْمَارِ الأُورُوبِيِّ، ثُمَّ اسْتَطَاعَ المُبَشِّرُونَ أَنْ يُظْهِرُوا الأُورُوبِيِّينَ فِي غَيْرِ مَظْهَرِ المُسْتَعْمِرِ، فَإِنَّ الوَحْدَةَ الإِسْلاَمِيَّةَ حِينَئِذٍ تَفْقِدُ حُجَّةً مِنْ حُجَجِهَا وَسَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ وُجُودِهَا. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالُوا: يَجِبُ أَنْ نُحَوِّلَ بِالتَّبْشِيرِ مَجَارِي التَّفْكِيرِ فِي الوَحْدَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ حَتَّى تَسْتَطِيعَ النَّصْرَانِيَّةُ أَنْ تَتَغَلْغَلَ فِي المُسْلِمِينَ» (٥). وكذلك كان الفرنسيون يخافون من المساعي لتحقيق الوحدة الإسلامية (٦). وعلى هذا الأساس أصبح الأتراك خطرًا على أوروبا منذ دخلوا في الإسلام، لا

стр. 38

لأنهم مسلمون بل لأنهم قد أصبحوا قوة تستطيع أن تقف في وجه الأطماع الأوروبية (١). حتى السنوسية، وهي فرقة من المرابطين - المجاهدين - نشأت في طرابلس الغرب، قد أصبحت على قلة أشياعها وقلة انتشارها قوة ترهب الاستعمار (٢)، لا لشيء إلا لأن الاتحاد قوة تفسد على المستعمرين أعمالهم. ولقد بالغ (صموئيل زويمر) (٣) حينما هاله أن يرى نفرًا من النصارى يدعون إلى مصادقة المسلمين في الصين. إن هذه «الصداقة» في رأي (زويمر) تخلق في نفس النصارى جُبْنًا عَنْ التَّبْشِيرِ (٤). على أن اليسوعيين لا يريدون أن يتنازلوا عن روحهم الصليبية، إنهم لا يزالون يذكرون المبشر بلغة فخمة ملونة مملوؤة بالحقد والضغينة والاستفزاز، إنهم يقولون (٥): «وَيَأْتِي المُبَشِّرُ تَحْتَ عَلَمِ الصَّلِيبِ ... يَحْلُمُ بِالمَاضِي وَيَنْظُرُ إِلَى المُسْتَقْبِلِ وَهُوَ يُصْغِي إِلَى الرِّيحِ التِي تُصَفِّرُ مِنْ بَعيدٍ، مِنْ شَواطِئَ رُومِيَّةَ وَمِنْ شَواطِئِ فِرَنْسَا. وَلَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَعَ تِلْكَ الرِّيحَ مِنْ أَنْ تُعِيدَ عَلَى آذَانِنَا قوْلَهَا بِالأَمْسِ وَصَرْخَةَ أَسْلاَفِنَا (الصَّلِيبِيِّينَ) مِنْ قَبْلُ: " إِنَّ اللهَ يُرِيدُهَا "» (٦). هذا قول قاله الأب (شانتور) الذي رأس الكلية اليسوعية في بيروت زمنًا طويلاً في أيام الانتداب وظل في منصبه سنين طوالاً بعد ذلك. لقد كان (الأب شانتور) ذَا نُفُوذٍ ضَخَّمَهُ لَهُ المُسْتَعْمِرُونَ فاستخذى أمامه الحكام. وقلما صعد أحد منهم كرسيًا إلا إذا كان الأب (شانتور) يراه أهلاً لتنفيذ سياسة الانتداب. ويمكننا أن نعرف سياسة اليسوعيين من كلمة واحدة قالوها. إنهم قالوا: يجب أن تكون الإدارة الفرنسية في العلويين (وفي غير بلاد العلويين أيضًا) تتمة للاحتلال الصليبي (٧). لقد رأى القارئ بلا ريب أن المبشرين يمزجون الدين بالسياسة. ولكنه رأى أيضًا وراء كل ريب أن الدين كان الوسيلة، أما السياسة فكانت الهدف الحقيقي. والسياسة هنا معناها استعباد الغرب للشرق.

стр. 39

افْتِرَاءَاتُ المُبَشِّرِينَ: لا نريد أن نجعل هذا الكتاب تاريخًا للتبشير، ولكننا نريد أن نبين ما جره التبشير من المضار القومية والاجتماعية على العرب خاصة والمسلمين عامة. وكذلك لن نأخذ أنفسنا بالرد على سخافات الذين ألفوا الكتب في الطعن على العرب والإسلام، لأننا سنضطر حينئذٍ إلى أن نكتب مجلدات كثارًا. ولكننا نحب هنا أن نقول أن بوسع كل إنسان أن يأخذ كل شخصية في العالم وكل فكرة في التاريخ ثم يتهكم عليها حَقًّا أَوْ بَاطِلاً، أو ينسب إليها المطاعن والافتراءات بلا دليل. والذي لاحظناه في مئات مما كتبه المبشرون من الكتب أنهم لا يُحْجِمُونَ عن الاستهزاء والتهكم على كل مظهر من مظاهر الإسلام، ثم هم ينكشفون عن جهل فاضح، سندل على بعضه في الصفحات التالية. ونحن بعد لن نقيس إيمانهم بمقدار علمهم. مِنْ جَهْلِ المُبَشِّرِينَ وَبُعْدِهِمْ عن العلم أنهم إذا بحثوا في الدين لم يَرَ أحدهم لغير مذهبه هو فضلاً ولا حَقًّا في الوجود، ثم هم يحبون أن نلقي أقوالهم بالإذعان والتسليم. ومما نذكره هنا ما اتفق لأحدنا لما كان في أوروبا، قال: لقيت نفرًا مثقفين كانوا يحبون شيئًا من المناقشة في الدين. ولقد اتفق مرارًا أن تناول البحث صاحب الرسالة الإسلامية، فكنت أقول: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ». وربما أحب أحدهم أن يتهكم فيقول لي: وأنت الرجل المثقف تريد أن تبحث بَحْثًا عِلْمِيًّا ثُمَّ تَدَّعِي أَنَّ مُحَمَّدًا «رَسُولُ اللهِ» بلا دليل عقلي علمي! وعلمت أن المنطق لا ينفع مع صاحبي، فكنت أقول له: (وقد اتفق لي ذلك مرارًا): ولكن يا أخي، أتنكر عَلَيَّ - في باب البحث العلمي - أن أقول: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»، بينما أنت تقول: «أَنَّ المَسِيحَ هُوَ اللهُ» " فَيُبْهَتُ صاحبي، ثم نستمر في نقاشنا. من أجل ذلك ترى أحدهم إذا تكلم عن المسلمين قال عنهم إنهم: «أَعْدَاءُ الصَّلِيبِ وَأَعْدَاءُ الدِّيَانَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ (١) ظَانًّا أَنَّهُ أَلْحَقَ بِهِمْ سَبَّةً. ثُمَّ لاَ يَفُوتُهُ أَنْ يَذْكُرَ جَرِيدَةَ " البَشِيرِ " فَيَقُولُ عَنْهَا (٢) إِنَّهَا زَعِيمَةُ الصَّحَافَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ فِي الشَّرْقِ، لِنَشْرِ الأُمُورِ الكَاثُولِيكِيَّةِ فِي الدَّرَجَةِ الأُولَى، ثُمَّ الأُمُورِ المَسِيحِيَّةِ الأُخْرَى، ثُمَّ الرُّدُودِ» (على الإسلام طبعًا). وجريدة " البشير " جريدة صفراء كانت تصدر في بيروت حتى أواخر عهد

стр. 40

الانتداب ثم توقفت على الصدور اختيارًا لأنه لم يبق مجال لصدورها في هذا الشكل الاستعماري الكاره لكل تقدم قومي والداعي إلى التفرقة بين أبناء الوطن الواحد. ولقد كان توقفها عن الصدور حسنة من حسنات الاستقلال الذي ينعم به لبنان الآن. ومن أشد أعداء العرب والمسلمين رجل أرمني اسمه (لطفي ليفونيان) ألف بضعة كتب للنيل من الإسلام. ومع أن العلم قليل في كتبه، فإنه خص هذه الكتب باستعراض أركان الإسلام والتهكم عليها. ويبلغ (لطفي ليفونيان) الجهل إلى أن يقول: «إِنَّ المُسْلِمِينَ جَهَلَةٌ لأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ التَّنْزِيهَ فِي اللهِ تَعَالَى» (١). والتنزيه في علم العقائد الدينية هو أن ننفي عن الله صفات هي للبشر كالجسم والأنف واللحية. ومن الأمور التي تستحق التفكه بها قول مبشر اسمه (نِلْسُونْ) (٢) يزعم فيه «أَنَّ الإِسْلاَمَ مُقَلِّدٌ، وَأَنَّ أَحْسَنَ مَا فِيهِ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ، وَسَائِرُ مَا فِيهِ أُخِذَ مِنَ الوَثَنِيَّةِ كَمَا هُوَ أَوْ مَعَ شَيْءٍ مِنَ التَّبْدِيلِ» (٣). ويبلغ التدجيل ذروته بمبشر اسمه المحترم (جون تاكلي) (٤)؛ إنه يقول عن المسلمين: «يَجِبُ أَنْ يُسْتَخْدَمَ كِتَابُهُمْ (أَيْ القُرْآنُ الكَرِيمُ)، وَهُوَ أَمْضَى سِلاَحٍ فِي الإِسْلاَمِ، ضِدَّ الإِسْلاَمِ نَفْسِهِ لِنَقْضِي عَلَيْهِ تَمَامًا. يَجِبُ أَنْ نُرِي هَؤُلاَءِ النَّاسِ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي القُرْآنِ لَيْسَ جَدِيدًا، وَأَنَّ الجَدِيدَ فِيهِ لَيْسَ صَحِيحًا» (٥). أما المبشر الأمريكي (جسب) فيقول: «إِنَّ الإِسْلاَمَ مَبْنِيٌّ عَلَى الأَحَادِيثِ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى القُرْآنِ. وَلَكِنَّنَا إِذَا حَذَفْنَا الأَحَادِيثَ الكَاذِبَةَ لَمْ يَبِقْ مِنَ الإِسْلاَمِ شَيْءٌ، وَصَارَ أَشْبَهَ بِصَبِيرَةِ طُومْسُونْ» (٦). و (طومسون) هذا رجل أمريكي جاء إلى لبنان فقدمت له مَرَّةً صَبِيرَةٌ فحاول أن ينقيها من البذر. فلما نقى منها كل بذرها لم يبق في يده منها شيء. ويتعرض المبشرون عادة بعقليتهم هذه لتفسير " القرآن الكريم " ويكثرون من الانتقاد والتهكم. زعم (فريدريك بلس) (٧): «أَنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَرْيَمَ وَالِدَةَ عِيسَى ﵇ وَبَيْنَ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ، أُخْتُ مُوسَى وَهَارُونَ» (٨). ويقول (بلس):
следующие страницы →