إنه قد ثبت على اليسوعيين مؤخرًا أنهم فضحوا فتاتين من طائفة الروم الأرثوذكس وأخفوهما حينًا، ولكنهم أرغموا على ردهما بعدئذٍ لأهلهما (١). ويهاجم (جسب) نظام الأديرة كله ويذكر أنه كان لعنة على سورية، ثم يقول إن بعض الأديرة كان مستقرًا للفاحشة (٢).
على أن جميع المبشرين، سواء أكانوا انتهازيين دنيويين أم كانوا مخلصين في مهمتهم، تتميز كل فرقة منهم بعداوة شديدة نحو العرب المسلمين، وبعداوة ظاهرة نحو أهل الفرق النصرانية المباينة لفرقتهم أيضًا.
أَثَرُ الحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ:
ولا ريب في أن مرد هذه العداوة الشديدة إنما هو إلى الحروب الصليبية على ذلك أجمع مؤرخو التبشير كلهم، وهم في ذلك على صواب. ثم إن هذا يؤيد ما ذهبنا إليه من أن العداوة دنيوية سياسية لا صلة لها بالدين. إن المبشر (جسب) مثلاً يود أن يمحي الإسلام من العالم (٣).
خَطَرُ الوَحْدَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ عَلَى الغَرْبِ:
يرى بعضهم أن السبب الأساسي في هذا الكره إنما هو بلا ريب راجع إلى العداوة التي أثارها الصليبيون (٤)، وإلى أن المسلمين لا يزالون متأثرين بموقف الدول النصرانية من الإسلام في أثناء الحروب الصليبية (٥). إلا أن المستشرق الألماني (كارل بكر) يرى السبب أبعد قليلاً من ذلك، إنه يرى أن الإسلام لما انبسط في العصور الوسطى أقام سَدًّا في وجه انتشار النصرانية ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها (٦).
وقريب من هذا ما رآه (غاردنر) (٧). إن القوة التي تكمن في الإسلام هي التي تخيف أوروبا. ويحاول المبشرون أن يروا العداوة بين الإسلام وبين الغرب دينية، ولكن الحقيقة لا تلبث أن تظهر في فلتات ألسنتهم فإذا هي سياسية. إن (يوليوس رشتر) يؤنب
стр. 37
النصارى على قصر نظرهم في أثناء الأعصر المتطاولة التي تلت ظهور الإسلام، فإنهم كانوا فيها وادعين غافلين بينما كانت الإمبراطورية البيزنطية (الرومانية الشرقية) تغيب شيئًا فشيئًا في الإمبراطورية الإسلامية حتى سقطت القسطنطينية نفسها عام ١٤٥٣ بيد الأتراك العثمانيين (١). ولا ريب في أن (رشتر) يتألم للناحية السياسية، لأنه هو نفسه يذكر أن سكان الإمبراطورية الشرقية كانوا نصارى بالاسم (٢)، أضف إلى ذلك أنه كان مبشرًا بروتستانتيًا بينما سكان الإمبراطورية الشرقية كانوا على المذهب الأرثوذكسي.
ولكن كل ما ذكرناه يعود إلى قبل ألف عام من الدهر، فهل ثمت مبرر لاستمرار هذه العداوة إلى أيامنا هذه؟
إذا اعتبرنا أن أساس العداوة سياسي دنيوي لا روحي ديني أَيْقَنَّا أن هذه العداوة من المبشرين نحو الإسلام لا يزال لها مبرارتها. لقد أبرز (لورنس براون) هذا الموقف في صورة واضحة حينما قال: «إِذَا اتَّحَدَ المُسْلِمُونَ فِي إِمْبرَاطُورِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ، أَمْكَنَ أَنْ يُصْبِحُوا لَعْنَةً عَلَى العَالَمِ وَخَطَرًا، وَأَمْكَنَ أَنْ يُصْبِحُوا أَيْضًا نِعْمَةً لَهُ، أَمَّا إِذَا بَقُوا مُتَفَرِّقِينَ فَإِنَّهُمْ يَظَلُّونَ حِينَئِذٍ بِلاَ قُوَّةٍ وَلاَ تَأْثِيرٍ» (٣). أما القس سيمون (٤) فكان أوضح في التعبير لما قال: «إِنَّ الوَحْدَةَ الإِسْلاَمِيَّةَ تَجْمَعُ آمَالَ الشُّعُوبِ السُّمْرِ (كَذَا)، وَتُسَاعِدُهُمْ عَلَى التَمَلُّصِ مِنَ السَّيْطَرَةِ الأُورُوبِيَّةِ. وَلِذَلِكَ كَانَ التَبْشِيرُ عَامِلاً مُهِمًّا فِي كَسْرِ شَوْكَةِ هَذِهِ الحَرَكَةِ، ذَلِكَ لأَنَّ التَبْشِيرَ يَعْمَلُ عَلَى إِظْهَارِ الأُورُوبِيِّينَ فِي نُورٍ جَدِيدٍ جَذَّابٍ، وَعَلَى سَلْبِ الحَرَكَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ مِنْ عُنْصُرَيْ القُوَّةِ وَالتَمَرْكُزِ اللَّذَيْنِ هُمَا فِيهَا: إِذَا كَانَتْ الوَحْدَةُ الإِسْلاَمِيَّةُ تَكَتُّلاً ضِدَّ الاِسْتِعْمَارِ الأُورُوبِيِّ، ثُمَّ اسْتَطَاعَ المُبَشِّرُونَ أَنْ يُظْهِرُوا الأُورُوبِيِّينَ فِي غَيْرِ مَظْهَرِ المُسْتَعْمِرِ، فَإِنَّ الوَحْدَةَ الإِسْلاَمِيَّةَ حِينَئِذٍ تَفْقِدُ حُجَّةً مِنْ حُجَجِهَا وَسَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ وُجُودِهَا. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالُوا: يَجِبُ أَنْ نُحَوِّلَ بِالتَّبْشِيرِ مَجَارِي التَّفْكِيرِ فِي الوَحْدَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ حَتَّى تَسْتَطِيعَ النَّصْرَانِيَّةُ أَنْ تَتَغَلْغَلَ فِي المُسْلِمِينَ» (٥). وكذلك كان الفرنسيون يخافون من المساعي لتحقيق الوحدة الإسلامية (٦).
وعلى هذا الأساس أصبح الأتراك خطرًا على أوروبا منذ دخلوا في الإسلام، لا
стр. 38
لأنهم مسلمون بل لأنهم قد أصبحوا قوة تستطيع أن تقف في وجه الأطماع الأوروبية (١). حتى السنوسية، وهي فرقة من المرابطين - المجاهدين - نشأت في طرابلس الغرب، قد أصبحت على قلة أشياعها وقلة انتشارها قوة ترهب الاستعمار (٢)، لا لشيء إلا لأن الاتحاد قوة تفسد على المستعمرين أعمالهم. ولقد بالغ (صموئيل زويمر) (٣) حينما هاله أن يرى نفرًا من النصارى يدعون إلى مصادقة المسلمين في الصين. إن هذه «الصداقة» في رأي (زويمر) تخلق في نفس النصارى جُبْنًا عَنْ التَّبْشِيرِ (٤).
على أن اليسوعيين لا يريدون أن يتنازلوا عن روحهم الصليبية، إنهم لا يزالون يذكرون المبشر بلغة فخمة ملونة مملوؤة بالحقد والضغينة والاستفزاز، إنهم يقولون (٥): «وَيَأْتِي المُبَشِّرُ تَحْتَ عَلَمِ الصَّلِيبِ ... يَحْلُمُ بِالمَاضِي وَيَنْظُرُ إِلَى المُسْتَقْبِلِ وَهُوَ يُصْغِي إِلَى الرِّيحِ التِي تُصَفِّرُ مِنْ بَعيدٍ، مِنْ شَواطِئَ رُومِيَّةَ وَمِنْ شَواطِئِ فِرَنْسَا. وَلَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَعَ تِلْكَ الرِّيحَ مِنْ أَنْ تُعِيدَ عَلَى آذَانِنَا قوْلَهَا بِالأَمْسِ وَصَرْخَةَ أَسْلاَفِنَا (الصَّلِيبِيِّينَ) مِنْ قَبْلُ: " إِنَّ اللهَ يُرِيدُهَا "» (٦).
هذا قول قاله الأب (شانتور) الذي رأس الكلية اليسوعية في بيروت زمنًا طويلاً في أيام الانتداب وظل في منصبه سنين طوالاً بعد ذلك. لقد كان (الأب شانتور) ذَا نُفُوذٍ ضَخَّمَهُ لَهُ المُسْتَعْمِرُونَ فاستخذى أمامه الحكام. وقلما صعد أحد منهم كرسيًا إلا إذا كان الأب (شانتور) يراه أهلاً لتنفيذ سياسة الانتداب. ويمكننا أن نعرف سياسة اليسوعيين من كلمة واحدة قالوها. إنهم قالوا: يجب أن تكون الإدارة الفرنسية في العلويين (وفي غير بلاد العلويين أيضًا) تتمة للاحتلال الصليبي (٧).
لقد رأى القارئ بلا ريب أن المبشرين يمزجون الدين بالسياسة. ولكنه رأى أيضًا وراء كل ريب أن الدين كان الوسيلة، أما السياسة فكانت الهدف الحقيقي. والسياسة هنا معناها استعباد الغرب للشرق.
стр. 39
افْتِرَاءَاتُ المُبَشِّرِينَ:
لا نريد أن نجعل هذا الكتاب تاريخًا للتبشير، ولكننا نريد أن نبين ما جره التبشير من المضار القومية والاجتماعية على العرب خاصة والمسلمين عامة. وكذلك لن نأخذ أنفسنا بالرد على سخافات الذين ألفوا الكتب في الطعن على العرب والإسلام، لأننا سنضطر حينئذٍ إلى أن نكتب مجلدات كثارًا. ولكننا نحب هنا أن نقول أن بوسع كل إنسان أن يأخذ كل شخصية في العالم وكل فكرة في التاريخ ثم يتهكم عليها حَقًّا أَوْ بَاطِلاً، أو ينسب إليها المطاعن والافتراءات بلا دليل. والذي لاحظناه في مئات مما كتبه المبشرون من الكتب أنهم لا يُحْجِمُونَ عن الاستهزاء والتهكم على كل مظهر من مظاهر الإسلام، ثم هم ينكشفون عن جهل فاضح، سندل على بعضه في الصفحات التالية. ونحن بعد لن نقيس إيمانهم بمقدار علمهم.
مِنْ جَهْلِ المُبَشِّرِينَ وَبُعْدِهِمْ عن العلم أنهم إذا بحثوا في الدين لم يَرَ أحدهم لغير مذهبه هو فضلاً ولا حَقًّا في الوجود، ثم هم يحبون أن نلقي أقوالهم بالإذعان والتسليم. ومما نذكره هنا ما اتفق لأحدنا لما كان في أوروبا، قال: لقيت نفرًا مثقفين كانوا يحبون شيئًا من المناقشة في الدين. ولقد اتفق مرارًا أن تناول البحث صاحب الرسالة الإسلامية، فكنت أقول: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ». وربما أحب أحدهم أن يتهكم فيقول لي: وأنت الرجل المثقف تريد أن تبحث بَحْثًا عِلْمِيًّا ثُمَّ تَدَّعِي أَنَّ مُحَمَّدًا «رَسُولُ اللهِ» بلا دليل عقلي علمي! وعلمت أن المنطق لا ينفع مع صاحبي، فكنت أقول له: (وقد اتفق لي ذلك مرارًا): ولكن يا أخي، أتنكر عَلَيَّ - في باب البحث العلمي - أن أقول: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»، بينما أنت تقول: «أَنَّ المَسِيحَ هُوَ اللهُ» " فَيُبْهَتُ صاحبي، ثم نستمر في نقاشنا.
من أجل ذلك ترى أحدهم إذا تكلم عن المسلمين قال عنهم إنهم: «أَعْدَاءُ الصَّلِيبِ وَأَعْدَاءُ الدِّيَانَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ (١) ظَانًّا أَنَّهُ أَلْحَقَ بِهِمْ سَبَّةً. ثُمَّ لاَ يَفُوتُهُ أَنْ يَذْكُرَ جَرِيدَةَ " البَشِيرِ " فَيَقُولُ عَنْهَا (٢) إِنَّهَا زَعِيمَةُ الصَّحَافَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ فِي الشَّرْقِ، لِنَشْرِ الأُمُورِ الكَاثُولِيكِيَّةِ فِي الدَّرَجَةِ الأُولَى، ثُمَّ الأُمُورِ المَسِيحِيَّةِ الأُخْرَى، ثُمَّ الرُّدُودِ» (على الإسلام طبعًا). وجريدة " البشير " جريدة صفراء كانت تصدر في بيروت حتى أواخر عهد
стр. 40
الانتداب ثم توقفت على الصدور اختيارًا لأنه لم يبق مجال لصدورها في هذا الشكل الاستعماري الكاره لكل تقدم قومي والداعي إلى التفرقة بين أبناء الوطن الواحد. ولقد كان توقفها عن الصدور حسنة من حسنات الاستقلال الذي ينعم به لبنان الآن.
ومن أشد أعداء العرب والمسلمين رجل أرمني اسمه (لطفي ليفونيان) ألف بضعة كتب للنيل من الإسلام. ومع أن العلم قليل في كتبه، فإنه خص هذه الكتب باستعراض أركان الإسلام والتهكم عليها. ويبلغ (لطفي ليفونيان) الجهل إلى أن يقول: «إِنَّ المُسْلِمِينَ جَهَلَةٌ لأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ التَّنْزِيهَ فِي اللهِ تَعَالَى» (١). والتنزيه في علم العقائد الدينية هو أن ننفي عن الله صفات هي للبشر كالجسم والأنف واللحية.
ومن الأمور التي تستحق التفكه بها قول مبشر اسمه (نِلْسُونْ) (٢) يزعم فيه «أَنَّ الإِسْلاَمَ مُقَلِّدٌ، وَأَنَّ أَحْسَنَ مَا فِيهِ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ، وَسَائِرُ مَا فِيهِ أُخِذَ مِنَ الوَثَنِيَّةِ كَمَا هُوَ أَوْ مَعَ شَيْءٍ مِنَ التَّبْدِيلِ» (٣). ويبلغ التدجيل ذروته بمبشر اسمه المحترم (جون تاكلي) (٤)؛ إنه يقول عن المسلمين: «يَجِبُ أَنْ يُسْتَخْدَمَ كِتَابُهُمْ (أَيْ القُرْآنُ الكَرِيمُ)، وَهُوَ أَمْضَى سِلاَحٍ فِي الإِسْلاَمِ، ضِدَّ الإِسْلاَمِ نَفْسِهِ لِنَقْضِي عَلَيْهِ تَمَامًا. يَجِبُ أَنْ نُرِي هَؤُلاَءِ النَّاسِ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي القُرْآنِ لَيْسَ جَدِيدًا، وَأَنَّ الجَدِيدَ فِيهِ لَيْسَ صَحِيحًا» (٥).
أما المبشر الأمريكي (جسب) فيقول: «إِنَّ الإِسْلاَمَ مَبْنِيٌّ عَلَى الأَحَادِيثِ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى القُرْآنِ. وَلَكِنَّنَا إِذَا حَذَفْنَا الأَحَادِيثَ الكَاذِبَةَ لَمْ يَبِقْ مِنَ الإِسْلاَمِ شَيْءٌ، وَصَارَ أَشْبَهَ بِصَبِيرَةِ طُومْسُونْ» (٦).
و (طومسون) هذا رجل أمريكي جاء إلى لبنان فقدمت له مَرَّةً صَبِيرَةٌ فحاول أن ينقيها من البذر. فلما نقى منها كل بذرها لم يبق في يده منها شيء.
ويتعرض المبشرون عادة بعقليتهم هذه لتفسير " القرآن الكريم " ويكثرون من الانتقاد والتهكم. زعم (فريدريك بلس) (٧): «أَنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَرْيَمَ وَالِدَةَ عِيسَى ﵇ وَبَيْنَ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ، أُخْتُ مُوسَى وَهَارُونَ» (٨). ويقول (بلس):
стр. 41
«خَاطَبَ القُرْآنُ مَرْيَمَ عَلَى لِسَانِ قَوْمِهَا بَعْدَ أَنْ وَلَدَتْ عِيسَى، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ، بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (١)» ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ: «كَيْفَ تَكُونُ مَرْيَمُ أُخْتَ مُوسَى التِي عَاشَتْ قَبْلَ المَسِيحِ بِأَلْفٍ وَأَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ هِي أُمُّ المَسِيحِ؟». ولكن (بلس) لم يعرف أن هذا من باب الكناية في علم البلاغة، ومؤداه: مريم التي تشبه (في العفة) ابنة عمران أخت هارون، كما نقول نحن مثلاً: «يَا أَخَا العَرَبِ» مَدْحًا لِرَجُلٍ لاَ صِلَةَ لَهُ بِالعَرَبِ أَحْيَانًا.
وكذلك أساء (أدولف فيزمار) (٢)، وهو دكتور في الفلسفة، فَهْمَ قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٣). ولم يفهم المعنى الصحيح البسيط وأن الجملة استفهام إنكاري لا استفهام عادي، كأن نقول لإنسان: أَلاَ تُحِبُّ أَنْ تَكُونَ مِنَ النَّاجِحِينَ!
الإِسْلاَمُ وَالسَّيْفُ:
وبعد الأخطاء الدالة على جهل المبشرين تأتي سلسلة طويلة من التحامل والافتراء. وأشهر هذه التهم أن الإسلام قام بالسيف (٤). قال (نِلْسُونْ) (٥): «وَأَخْضَعَ سَيْفُ الإِسْلاَمِ شُعُوبَ أَفْرِيقِيَا وَآسْيَا شَعْبًا بَعْدَ شَعْبٍ» (٦). ويزعم (لطفي ليفونيان): «أَنَّ تَارِيخَ الإِسْلاَمِ كَانَ سِلْسِلَةً مُخِيفَةً مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَالحُرُوبِ وَالمَذَابِحِ» (٧). ولا أريد أن أستشهد بكل ما قيل في ذلك، ولكني أحب أن أجلو النقطة التالية فقط.
قسم الإسلام الناس عربًا وغير عرب. أما العرب فلم يكن يقبل منهم إلا الإسلام، فمن أبى منهم قتل. وذلك واضح في تسع وعشرين آية من سورة براءة أو التوبة (٨). هذه الآيات تتعلق بمشركي العرب، ذلك لأن الدين الذي نشأ في بلاد العرب وجب أن يعتنقه جميع العرب. أما من ليسوا عَرَبًا من اليهود والنصارى فإن الإسلام يعرض عليهم،
стр. 42
فإن قبلوه فذاك وإلا فهم أحرار يعيشون مواطنين للمسلمين. فالإسلام إذن لم يعرض على البشر كلهم بالسيف، وإنما عرض عليهم فقط. أما العرب خاصة فلم يقبل منهم إلا الإسلام ذلك كله معروف في مواضعه من " القرآن الكريم ".
وأما الذين يتعرضون لشخص الرسول ﷺ بالافتراء فمبشرون كثيرون جدًا، بل كل المبشرين. فقد قال (ف. ج. هاربر) (١): «إِنَّ مُحَمَّدًا كَانَ فِي الحَقِيقَةِ عَابِدَ أَصْنَامٍ، ذَلِكَ لأَنَّ إِدْرَاكَهُ للهِ فِي الوَاقِعِ " كَارِيكَاتُورْ "» (٢). وسماه بعضهم «كَذَّابُ مَكَّةَ» (٣). ومنهم من زعم «أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَسْتَطِعْ فَهْمَ النَّصْرَانِيَّةَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي خَيَالِهِ مِنْهَا إِلاَّ صُورَةً مُشَوَّهَةً بَنَى عَلَيْهَا دِينَهُ الذِي جَاءَ بِهِ إِلَى العَرَبِ» (٤).
أما المسلمون فيقول عنهم هؤلاء المبشرون: «" لاَ يَفْهَمُونَ الأَدْيَانَ وَلاَ يُقَدِّرُونَهَا قَدْرَهَا ... " (٥). ثُمَّ " لَيْسَ الإِسْلاَمُ فِيمَا زَعَمُوا إِلاَّ مَزِيجٌ مُشَوَّهٌ مِنَ الآرَاءِ وَالمُدْرَكَاتِ الخَاطِئَةِ " (٦) وَكَذَلِكَ قَالَ آخَرُونَ عَنْهُمْ:" إِنَّهُمْ لُصُوصٌ، وَقَتَلَةَ (٧)، وَمُتَأَخِّرُونَ، وَإِنَّ التَّبْشِيرَ سَيَعْمَلُ عَلَىَ تَمْدِينِهِمْ "» (٨).
وهناك مزعم ثالث، هو أن الإسلام تنقصه الناحية الروحية، وأنه دين مادي. حتى اليهودية ليست عند هؤلاء دينًا ماديًا (٩) كالإسلام. وكذلك يزعم هؤلاء أن الإسلام نظام شرعي (١٠) أكثر منه نظامًا أخلاقيًا روحيًا. إن الواجبات الدينية والخلقية على ما يزعم هؤلاء فرضت على المسلمين فرضًا، وكل ما يستطيع المسلمون أن يفعلوه هو أن يؤدوا هذه الفروض كما فرضت عليهم (١١). ويبدو جهل المبشرين في مزعم آخر، وهو أن المسلم يتزوج أربع نساء كما يشاء ثم يطلقهن كما يهوى لسبب أو لغير سبب (١٢). ويتوسع بعضهم في هذه المزاعم فيقول (جسب) مثلاً: «إِنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ حَكَمُوا عَلَى المَرْأَةِ بِأَنْ تَبْقَى جَاهِلَةً، ثُمَّ إِنَّهُمْ يَضْرِبُونَهَا عَلَى هَذَا الجَهْلِ: إِنَّهُمْ أَفْسَدُوهَا
стр. 43
ثُمَّ أَخَذُوا يَضْرِبُونَهَا لأَنَّهَا فَاسِدَةٌ». وكذلك يزعم (جسب) نفسه أن القرآن يدعو إلى ضرب المرأة. حتى المرأة الفاضلة تخشى مثل هذا العقاب (١)، ذلك لأن الإسلام نظام ناقص والمرأة فيه مستعبدة (٢).
ويتميز المبشر الأمريكي هنري (جسب) بمزيج من الافتراءات والخرافات، فقد زعم أن (الشيخ يوسف الأسير) علم أولاده أغاني مسيحية باللغة العربية (٣). و (الشيخ يوسف الأسير) علم معروف في بيروت وأولاده معاصرون لنا، وأحفاده لا يزالون يحيون بيننا، ولم نعرف ذلك عن أحد منهم.
وادعى كثيرون من المبشرين أنهم نَصَّرُوا جماعات من الناس، كل هذا احتيالاً على أموال الجمعيات والأفراد الذين ينفقون على مثل هذه المشروعات. من هؤلاء مبشر إنكليزي اسمه (بلدوين) ادعى أنه نَصَّرَ فريقًا من المسلمين، فأرسلت الهيئة التي يعمل (بلدوين) هذا تحت إشرافها رجالاً ليتحققوا من دعواه فلم يجدوا مسلمًا واحدًا صبأ على يديه (٤).
ويزعم (رشتر) أن أكثر الدروز قد أصبحوا بروتستانتيين قلبيًا. ولولا أن الدولة العثمانية منعتهم بالقوة من إعلان بروتستانتيتهم لأصبحوا كلهم بروتستانتًا ظاهرًا وباطنًا (٥).
ثم ينسى (رشتر) هذا الزعم فيذكر بعد بعض عشرة صفحة عن الدروز أنفسهم لا يفكرون في أن يصبحوا نصارى (٦). و (رشتر) نفسه يزعم هذا الزعم على النصيرية أيضًا (٧).
وقد كان (جسب) يؤمن بالخرافات ويمزج إيمانه هذا بملاحظات بعيدة عن الشعور الإنساني. ففي كانون الثاني عام ١٨٦٢ (رجب سنة ١٢٧٨ هـ) فاضت الأودية في مكة من مياه المطر وأحدثت خسائر في الأبنية والنفوس. فربط (جسب) هذه الكارثة بفتنة سنة ١٨٦٠ في لبنان، ثم علق على ذلك بقوله، بعد أن زعم أن لشريف مكة صلة بالفتنة: «إِنَّ طُوفَانَ الكَعْبَةِ قَدْ جَاءَ دَلِيلاً عَلَى أَنَّ مَكَائِدَ مُثِيرِي الفِتَنِ تَقَعُ أَحْيَانًا عَلَى رُؤُوسِهِمْ» (٨).
стр. 44
ويظهر أن (رينيه بوتيه) (١) أخذ هذه الفرية من (جسب) لما قال: «وَهَكَذَا نَجِدُ مُنْذُ بَدْءِ عَامِ ١٨٦٠ عَلاَمَاتٍ وَاضِحَةٍ لِلْعَدَاوَاتِ تَظْهَرُ فِي سُورِيَةَ ضِدَّ نَصَارَى لُبْنَانَ، كَمَا أَخْبَرَنَا الأَبُ (لاَفِيجِيرِي) أَنَّ مُؤَامَرَةً كَانَ قَدْ حَاكَهَا الحِزْبُ الإِسْلاَمِيُّ المُتَعَصِّبُ، أَمَّا مَرْكَزُهَا فَكَانَ فِي مَكَّةَ». ونحن نعلم - وقد لا يهمنا أن نعلم - إذا كان الكردينال (شارل مارتيال لافيجيري) خبط وجهل عريض بتاريخ هذه البلاد، أو كذب صراح يراد منه الدس والكيد وتسويد صفحات للأمم وللشعوب توصلاً باسم التبشير بالدين إلى أغراض دنيوية سياسية. لقد بدأ (لافيجيري) حياته مبشرًا في شمال أفريقيا والسودان، كلفه بذلك البابا (بيوس التاسع) (١٨٤٦ - ١٨٧٨) نفسه (٢).
و (بيوس التاسع) قاوم الوحدة الإيطالية.
وجاءت مرة بوارج أمريكية وإنجليزية إلى مياه بيروت فكتب (جسب) يقول: «إِنَّ غَوْغَاءَ المُسْلِمِينَ الفُشَارِينَ المُتَعَصِّبِينَ قَدْ خَبَّأُوا رُؤُوسَهُمْ حِينًا مِنَ الزَّمَنِ» (٣).
وبينما كان (يوليوس رشتر) (٤) يكتب عن ثورة المهدي على الإنجليز في السودان بلغت به الحماسة إلى أن قال: «... هَذَا التَّعَصُّبُ الإِسْلاَمِيُّ الضَّيِّقَ الأُفُقِ بِكُلِّ مَا فِيهِ مِنْ بُغْضٍ لِلْثَّقَافَةِ» (٥).
على أن أغرب ما في تلك المزاعم الجاهلة مزعم المستشرق الفرنسي (لويس ماسينيون). لقد انصرف (ماسينيون) في عهده الأخير عن العلم إلى التبشير لأن التبشير وسيلة إلى استعباد الذين يبدلون دينهم على يد المبشرين. زعم (ماسينيون) أن المسلمين يعتقدون في شأن عيسى ابن مريم على ما جاء في القرآن. من أجل ذلك يرجو أن توجه الجهود إلى جعلهم يعتقدون بعيسى ابن مريم نفسه، ولكن باسمه المسيحي (٦). ولقد غاب عن (ماسينوين) - وذلك مستغرب - أن نظر المسلمين ونظر المسيحيين إلى عيسى ابن مريم مختلفان، ولا شأن لنا بذلك الآن. على أننا نود أن نقول للمستشرق (ماسينيون): إن «العُلَمَاءَ» لا يؤخذون بالأسماء وتشابه الألفاظ، ولا هم أيضًا يسترون مكائدهم الاستعمارية بالعلم.
стр. 45
وأن الذين يعرفون (لويس ماسينيون) ويعرفون كتبه وبحوثه لا يمكن أن يعتقدوا أن أمورًا يسيرة في العلم والتاريخ مثل هذه تخفى عليه!
هذه هي الآراء التي ينشره المبشرون على أقوامهم في أوروبا وأمريكا، وهكذا كانوا يصورون الإسلام حتى يبرروا دوام التبشير بين المسلمين لتدوم لهم دراهم تدر عليهم من جماعات غافلة عن الحقائق أو أنها لا تزال تعتقد أن للإعلان والافتراءات قيمة في القرن العشرين.
طَرِيقُ الاِسْتِعْمَارِ:
ولا ريب في أن الباعث الحقيقي والأول في رأي القائمين على التبشير إنما هو «القَضَاءُ عَلَى الأَدْيَانِ غَيْرِ النَّصْرَانِيَّةِ» (١) توصلاً إلى استعباد أتباعها. إن المعركة بين المبشرين وبين الأديان غير النصرانية ليست معركة دين، بل هي معركة في سبيل السيطرة السياسية والاقتصادية. حتى أن البروتستانت مثلاً لا يكتفون بأن يظل المسيحي أرثوذكسيًا بل يجب أن يصبح مسيحيًا بروتستانتيًا. إن هوى الكاثوليك مع فرنسا وهوى الأرثوذكس مع روسيا، فإذا انتقل هذان إلى البروتستانتية أصبح هواهما مع أمريكا في الدرجة الأولى ومع أنجلترا في الدرجة الثانية.
وفرنسا أيضًا كانت تخشى قوة الإسلام، لأن الإسلام القوي خطر يهدد استعمارها. قال الكاردينال (لافيجيري) (٢): «وَبَيْنَمَا كَانَ الإِسْلاَمُ عَلَى وَشَكِ أَنْ يَنْهَارَ فِي أُورُوبَا مَعَ عَرْشِ السَّلاَطِينِ (مِنْ آلِ عُثْمَانَ) كَانَ لاَ يَزَالُ نَاشِطًا فِي تَقَدُّمِهِ وَفُتُوحِهِ عَلَى أَبْوَابِ مَمْلَكَتِنَا الأَفْرِيقِيَّةِ» (٣).
ويبدو بوضوح أن أشد الأديان مِرَاسًا فِي إِبَاءِ الاستعباد إنما هو الإسلام، ولذلك يتمنى المبشرون أن ينصروا المسلمين كلهم (٤). ومع أن التبشير يتناول البوذيين والبرهميين أيضًا، فإن المقصود الأول بالجهود التبشيرية هم المسلمون (٥). ولقد استوى في هذه الرغبة جميع المبشرين، على الرغم من اختلاف طوائفهم وتباين الأقنعة التي يرفعونها على وجوههم. حتى المستر (بنروز) (٦) رئيس الجامعة الأمريكية الجديد (٧) يقول: «إِنَّ
стр. 46
المُبَشِّرَينَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا قَدْ خَابُوا فِي هَدَفِهِمْ المُبَاشِرِ، وَهُوَ تَنْصِيرُ المُسْلِمِينَ جَمَاعَاتٍ جماعَاتٍ، إلاَّ أَنَّهُمْ قَدْ أَحْدَثُوا بَيْنَهُمْ آثَارَ نَهْضَةٍ ...». ثم يتابع المستر (بنروز) قوله فيقول (١): «وَلَقَدْ بَرْهَنَ التَّعْلِيمُ عَلَى أَنَّهُ أَثُمْنُ الوَسَائِلِ التِي اِسْتَطَاعَ المُبَشِّرُونَ أَنْ يَلْجَأُوا إِلَيْهَا فِي سَعْيِهِمْ لِتَنْصِيرِ سُورِيَّةَ وَلُبْنَانَ».
ولقد كان خليقًا برجل يأتي ليتولى أعظم مؤسسة علمية في الشرق الأدنى أن يفطن إلى أمرين، أحدهما أن النهضة المزعومة التي بعثها المبشرون ترجع في الحقيقة إلى عوامل عامة اتفق أن يسايرها المبشرون. إن النهضة التركية ونهضة اليابان ونهضة روسيا مثلاً لم تقم على أيدي المبشرين البروتستانت، ولكن العالم كله مندفع منذ أمد نحو تقدم مستمر، ولا يمكن لأحد أن يقف في وجه هذا التقدم الطبيعي، ولا أن تتقدم أقطار ثم تظل أقطار أخرى لا تحس بهذا التقدم (٢).
أما ثاني الأمرين فهو أن الأضرار المقصودة التي أحدثها التبشير في البلاد العربية تفوق كل نفع عارض يمكن أن يكون التبشير قد أتى به.
لقد كنا نود أن يأتي المستر (بنروز) إلى رئاسة الجامعة الأمريكية بعقلية العالم، بعقلية أرحب أفقًا من تلك التي ينكشف عنها كتابه. على أن المستر (بنروز) قد أدرك في أثناء رئاسته للجامعة الأمريكية (١٩٤٨ - ١٩٥٤) كثيرًا من أوجه الرقي والقومية عند العرب.
ويعترف المبشرون بأن التبشير الرسمي واكتساب المسلمين إلى صفوف النصرانية قد خاب (٣). من أجل ذلك قنع هؤلاء المبشرون أن يكون عملهم «الإنساني» قاصرًا على زعزعة عقيدة المسلمين على الأقل (٤). من أمثال هذه الجملة ينفذ القارئ إلى حقيقة بواعث التبشير: إنه ليس الإصلاح والحياة الروحية. بل هو الإفساد والتوسل إلى السيطرة.
هذه المرارة من الخيبة في التبشير، وهذه النقمة على العالم الإسلامي. وهذا الافتراء على المسلمين تلمحه في كلام المبشرين أنفسهم. يتكلم المبشر (رايد) (٥) عن طرابلس
стр. 47
الغرب كلامًا يمكن أن نعده معبرًا عن طوية كل مبشر في بلاد الإسلام، قال (١): «إِنَّ عَمَلَ (المُبَشِّرَ) المَسِيحِيَّ بَيْنَ هَذَا الشُّعْبِ صَعْبٌ جدًّا. فَبَعْدَ عَمَلٍ اِمْتَدَّ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا صَحَّ عِنْدِي أَنَّ الطَّرِيقَةَ الوَحِيدَةَ لاِكْتِسَابِ هَذَا الشُّعْبِ إِنَّمَا هِي فِي النُّفُوذِ الشَّخْصِيِّ إِلَيْهِ - نُفُوذُ الرُّجَالِ وَالنِّساءِ الذِينَ امْتَلأُوا بِرُوحِ القُدُسِ (فَجَعَلَتْ لَهُمْ) قُوَّةً فِي حَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ وَخُلُقِهِمْ الشَّخْصِيِّ. وَحَتَّى يَسْتَطِيعَ المُبَشِّرُ أَنْ يَسْتَغِلَّ هَذِهِ القُوَّةَ يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ أَوَلاً أَنْ يُقَارِبَ المُسْلِمِينَ مُقَارَبَةً شَدِيدَةً. وَهُنَا تَبْرُزُ الصُّعُوبَةُ ... إِنَّ المُشْكِلَةَ فِي العَمَلِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إِذَنْ، وَفِي شَمَالَ أَفْرِيقْيَا خَاصَّةَ، إِنَّمَا هِيَ فِي إِيجَادِ الطَّرِيقَةِ التِي تُسَاعِدُ فِعْلاً عَلَى الاِقْتِرابِ مِنْهُمْ. ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الحَاجِزَ العَظِيمَ الذِي يُدْعَى عَادَةً بِالتَّعَصُّبِ، وَهُوَ ذَلِكَ الجِدَارُ الشَّاهِقُ مِنَ الشَّكِّ وَالاِعْتِزَازِ بِالذَّاتِ وَمِنَ الكُرْهِ، قَدْ بَنَاهُ الإِسْلاَمُ حَوْلَ أَتْبَاعِهِ لِيَحْمِيَهُمْ فِي دَاخِلِهِ وَلِيَتْرُكَ المُبَشِّرَ خَارِجَهُ. إِنَّهُ جِدَارٌ طَالَمَا أَثْبَتَ، مَعَ الأَسَفِ، أَنَّ تَسَلُّقَهُ أَوْ اِخْتِرَاقَهُ مُسْتَحِيلٌ. إِنَّ رِجَالاً مِنْ (المُبَشِّرَينِ) قَدْ عَمِلُوا سِنِينَ مُتَوَالِيَةً، وَفِي مَدِينَةٍ وَاحِدَةٍ، ثَمَّ لَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَكْتَسِبُوا صَدِيقًا أَوْ صِدِيقَيْنِ. مِنَ الصَّعْبِ أَنْ تُحِبَّ مُسْلِمًا لأَنْ الْمُسَلَّمَ لَيْسَ مُحَبَّبًا إِلَى النَّفْسِ، وَلأَنَّه هُوَ عَادَةً يَشْمَئِزُّ مِنْ الذِينَ يُحَاوِلُونَ الاِقْتِرَابَ مِنْه إذَا نَالُوا ثِقَتَهُ».
إِعْدَادُ المُبَشِّرِينَ:
يدرس الذين يريدون أن يعملوا في التبشير مناهج خاصة مبنية على تفهيمهم روح الشرق. هنالك سياسة تهيمن على ذلك المنهاج، هي تصوير الشرق بصورة من التأخر والسوء تحمل طالب التبشير على أن يندفع في مهمته اندفاعًا أعمى. ولقد أوجدت مدارس لهذه المهمة منذ زمن بعيد في رومية وباريس وفي طليطلة بإسبانيا أضافت إلى مناهجها تدريبًا عسكريًا للتبشير بالقوة (٢).
ولم يكن من المستغرب أن تقوم الرهبنات الأجنبية على اختلاف نزعاتها بالتبشير. إن فرقًا مختلفة من الرهبان قامت منذ أوائل القرن الثالث عشر بالتبشير، ثم استمرت في عملها هذا بعد ذلك. ومنذ القرن الرابع عشر إلى القرن الثامن عشر كان الرهبان الدومينكان والفرنسيسكان يعملون جاهدين في مراكش والجزائر وتونس ومصر والشام.
стр. 48
وكليكية. ثم برزت في أواخر القرن السابع عشر فرق أخرى، منها اللعازريون والكبوشيون والإغسطينيون. ومع أن هؤلاء قد عملوا في الأكثر بين العبيد والأسرى النصارى، فإنهم كانوا من حين إلى حين يتعرضون للمسلمين.
على أن هناك أفرادًا ليسوا رهبانًا ولكنهم تعلموا في المعاهد الرهبانية وفي معاهد اليسوعيين خاصة. إن هؤلاء يقومون بأعمال تبشيرية مختلفة (١). هذا النوع من الرجال يعرفون باسم اليسوعيين ذوي الثياب القصيرة (٢). حتى الراهبات اللواتي يُظَنُّ أنهن نذرن أنفسهن لخدمة المرضى وتعليم الجاهلين ومواساة المساكين لَسْنَ سِوَى مُبَشِّرَاتٍ. يقول اليسوعيون في كتابهم الذي أصدروه في بيروت عام ١٩٣١: «إِنَّ الأَخَوَاتِ لَسْنَ رَاهِبَاتٍ مُعَلِّمَاتٍ فَقَطْ، وَلَكِنَّهُنَّ أَيْضًا رَاهِبَاتٍ مُبَشِّرَاتٍ. إِنَّهُنَّ فِي كُلَّ مَكَانٍ يُوجَدْنَ فِيهِ يَعْمِلْنَ إِلَى جَانِبِ عَمَلِهِنَّ التَّعْلِيمِيِّ أَعْمَالاً تَبْشِيرِيَّةً» (٣).
وهن لا يكتمن ذلك بل يعلن أنهن يعملن لضم الخراف الضالة أو المهملة إلى حظيرة المسيح الملك (٤).
ولقد استخدم المبشرون جميع الطرق في سبيل التبشير واستغلوا جميع المناسبات، فصناعة التطبيب والتعليم والوعظ ونقل الكتب من لغة إلى لغة، كلها يجب أن توجه توجيهًا يفيد التبشير (٥). إن الطبيب (كارنيليوس فان ديك) أرسل إلى سورية على أنه طبيب مبشر (٦).
والمبشرون مجمعون على أن جميع الوسائل - مهما كانت - يجب أن تستغل في سبيل التبشير (٧). حتى أعمال البر يجب أن تستغل استغلالاً بحتًا، من ذلك قولهم: «كَانَ التَّطْبِيبُ وَالتَّعْلِيمُ مِنْ وَسَائِلِ التَّبْشِيرِ، وَيَجِبُ أَنْ يَبْقَيَا كَذَلِكَ. أَمَّا أَعْمَالَ الإِحْسَانِ فَيَجِبُ أَنْ تُسْتَعْمَلَ بِحِكْمَةٍ كَيْلاَ تَذْهَبَ فِي غَيْرِ سَبِيلِهَا. يَجِبُ أَنْ تُعْطَى الأَمْوَالُ أَوَلاً لِلْبُعَدَاءِ عَنْ الكَنِيسَةِ ثَمَّ تَقِلُّ تَدْرِيجِيًّا كُلَّمَا اِقْتَرَبَ أُولَئِكَ مِنَ الدُّخُولِ فِي الكَنِيسَةِ (اِعْتِناقُ مَذْهَبِهَا)، فَإذَا دَخَلُوهَا مُنِعَ عَنْهُمْ الإِحْسَانُ مَرَّةً وَاحِدَةً» (٨).
стр. 49
ومن وسائلهم أنهم إذا دخل في خدمتهم رجل لا ينتمي إلى مذهبهم حملوه على الدخول فيه. عمل شاب درزي في المطبعة الأمريكانية فصبأ إلى المذهب البروتستانتي. ثم عمل بعد ذلك في المطبعة الكاثوليكية فانتقل إلى المذهب الكاثوليكي (١). ولعل هذا الشاب ظل درزيًا ولكنه كان لحاجته إلى العمل يتظاهر أمامهم بما يريدونه منه.
وكان المبشرون يتخذون من زيارة المسجونين ومن العمل في المستشفيات وسيلة إلى التبشير (٢). في الحرب العالمية الأولى أخذت الدولة العثمانية عددًا من الراهبات للعمل في المستشفيات والمياتم، فقال الكتاب المئوي اليسوعي عن هؤلاء: «وَفِي مَنْصِبِهِنَّ الجَدِيدِ بَقِيَتْ الأَخَوَاتُ المُبَشِّرَاتُ يُلَقِّنَّ التَّعْلِيمَ المَسِيحِيَّ وَيُعْدِدْنَ لَلْمُنَاوَلَةِ الأُولَى، وَيُعَلِّمْنَ الصَّلَوَاتِ عَلَى الرَّغْمِ مِنَ التَّحْذِيرِ وَالتَّهْدِيدِ اللَّذَيْنِ كَانَ المُفَتِّشُونَ الأَتْرَاكَ يُوَجِّهُونَهُمَا إِلَيْهِنَّ» (٣). وهكذا كان المبشرون والمبشرات يتقدمون إلى الإنسانية بوجه من فعل الخير والسهر على المتألمين بينما هم ينفذون من خلال هذه الآلام المبرحة إلى طرق جديدة للتبشير. ومع أنهم لم ينجحوا إلا قليلاً، فإنهم أدخلوا إلى نفوس الكثيرين آلامًا جديدة كثيرة ووصموا الضمير الإنساني بالنفاق.
وكانت قلة الذوق بالمبشرين تبلغ إلى حد أن أحدهم لم يكن يتأخر عن عرض بضاعته في التبشير بين أهل الميت، والميت لا يزال بين أهله. ذهب المبشران (كلهون) (٤) و (جسب) يعزيان بوفاة شاب درزي. فما أن استقر بـ (كلهون) المقام حتى قال (٥): «مَا رَأَيْتُ جَسَدًا مَيِّتًا لأَخٍ لِي فِي الإِنْسَانِيَّةِ إِلاَّ مُلِئْتُ اِشْمِئْزَازًا، بَلْ مُلِئْتُ بُغْضًا. أَجَلْ مُلِئْتُ بِبُغْضِ الخَطِيئَةِ التِي أَتَتْ بِالمَوْتِ إِلَى هَذَا العَالَمِ وَكَانَتْ سَبَبَ أَحْزَانِنَا وَاضْطِرَابِنَا وَآلاَمِنَا. فَلِمَ لاَ نَمْقُتُ الخَطِيئَةَ إِذَنْ ثُمَّ نُحِبُّ ذَلِكَ الذِي لَمْ يَعْرِفْ الخَطِيئَةَ، وَلَكِنَّهُ ذَاقَ المَوْتَ فِي سَبِيلِ كُلِّ إِنْسَانٍ آخَرَ؟». يقصد (كلهون) أنه يكره الميت، إذا كان غير مسيحي، إذ أنه يموت وهو مملوء بالخطيئة، أما الميت المسيحي فإن المسيح يكون قد حمل عنه خطاياه لَمَّا مَاتَ فِدَاءً عَنْ البَشَرِ، كما يقول النصارى.
ونحن لا نعلم مكانًا ينبو فيه الذوق عن مثل هذ العمل كالمآتم. لقد جهل هؤلاء كلهم أن للموت حرمة ورهبة. ثم إنهم طعنوا النفس الإنسانية حينما ظنوا أنها تصل إلى الله
стр. 50
بكلمات تلقن أو بإشارات تمثل. وبعد ذلك كله نسوا أن بين قلب كل إنسان وبين الله طريقًا يسلكه الإنسان نفسه بلا قائد ولا وسيط.
ولما خابت هذه الأساليب كلها عمد المبشرون إلى الرشوة يفسدون بها ضمائر الذين يستميلونهم. حينما ظهر اليسوعيون للمرة الأولى في شرق الأردن رَشَوْا نَفَرًا من النصارى الأرثوذكس للانضمام إلى الكنيسة الرومانية (١). على أن البروتستانت كانوا أشد إيغالاً في إفساد الضمائر، فقد اتخذوا سماسرة يجلبون لهم الذين كانوا يرضون أن يبدلوا دينهم، وكانوا يدفعون عن كل رأس عشرة قروش ذهبًا (٢).
على أن إعداد المبشرين يختلف بين زمن وآخر. وكذلك طرق التبشير اختلفت من جيل إلى جيل، ومن قُطْرٍ إلَى قُطْرٍ. فبينما كان التبشير في القرن التاسع عشر خَاصًّا بأشخاص اتخذوا التبشير عملاً لهم ثم حاولوا نشر النصرانية بجدال المسلمين ومحاولة تبيان فضل النصرانية على الإسلام وبإصرار على الجانب الغيبي من حياة المسيح، وجدنا زعماء التبشير في العالم البروتستانتي خاصة يرون أن هذا المظهر الديني الصارخ يعرقل أعمال المبشر (٣). من أجل ذلك يرى المبشر الأمريكي المشهور (جون رالاي موط) في كتابه " خمسة عقود ونظرة إلى المستقبل "، الذي أصدره في عام ١٩٣٥، صواب الحركة التي بدأت في مطلع القرن العشرين، وفي الولايات المتحدة خاصة، تلك الحركة التي استغلت الطلاب والأساتذة وعوام الناس في التبشير (٤). إن المبشر (جون موط) يعتقد أن المظهر البريء في الطالب والأستاذ والعامي من الناس لا يصرف المسلم مثلاً عن سماع أقوال هؤلاء، بينما الثوب الذي يظهر فيه المبشر يعمل على تنفير القلوب.
وكذلك جعل المبشرون، في السنين الأخيرة، يتركون الطرق الإيجابية المباشرة في نشر آرائهم إلى طرق أكثر التواءً وخفاءً. ويبدو أن هذه الطريق الملتوية الخفية لم تنجح أيضًا. يقول (السير ريدر بولارد)، الذي كان وزيرًا مفوضًا ثم سفيرًا لبريطانيا في إيران من عام ١٩٣٩ إلى عام ١٩٤٦ أن مسلمين كثارًا يقدرون أعمال الجمعيات التبشيرية في التعليم والتطبيب، ولكنهم يصمون آذانهم عن دعوتها الدينية (٥).
стр. 51
وتلبس المبشرون بجميع المظاهر، حتى في ثوب المستكشفين الذين ظهروا أمام العالم علماء أعلامًا. فقد كان (دَافِيدْ لِيفِنْغِسْتُونْ) (١٨١٣ - ١٨٧٣) رحالة بريطانيا اخترق أواسط أفريقيا من مرفأ سن بول دي لاوندا في أنغولا البرتغالية شرقًا إلى كيليمان عند مصب نهر زامبيسي في مضيف الموزمبيك تجاه مدغشقر شمال خط العرض العشرين غربًا. على أن (لِيفِنْغِسْتُونْ) كان مبشرًا قبل أن يكون رحالة، ولم تكن رحلته المشهورة في تاريخ الاستكشافات الجغرافية إلا تمهيدًا للبعثات التبشيرية. قال (رُولاَنْدْ أَولِيفَرْ) في كتابه " العامل التبشيري في شرق أفريقيا " (١):
«لَقَدْ أَعَدَّ (لِيفِنْغِسْتُونْ) نَفْسَهُ مُنْذُ سَنَوَاتِهِ الأُولَى، حِينَمَا كَانَ يَعْمَلُ فِي " جَمْعِيَّةِ التَّبْشِيرِ اللُّنْدُنِيَّةِ "، لِلاِضْطِلاَعِ بِمَشَاكِلِ التَّبْشِيرِ الخَاصَّةِ بِأَفْرِيقْيَا الإِسْتِوَائِيَّةِ وَبِالعَمَلِ بَيْنَ شُعُوبِ فِطْرِيَّةٍ فِي بِلاَدٍ لَمْ تَكُنْ قَدْ سَكَنَهَا الأُورُوبِّيُّونَ .. وَفِي عَامِ ١٨٥٦ كَانَ (لِيفِنْغِسْتُونْ) لاَ يَزَالُ يُفَكِّرُ، بِطَبِيعَةِ الحَالِ، فِي التِّجَارَةِ أَكْثَرَ مِنَ الاِسْتِعْمَارِ. وَبِمَا أَنَّهُ كَانَ أَوَّلاً، وَقَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، مُبَشِّرًا مَسِيحِيًّا، فَلَقَدْ اخْتَارَ، كَعُضْوٍ فِي هَذِهِ الحَرَكَةِ (التَّبْشِيرِيَّةِ)، أَنْ يَبْحَثَ عَنْ نَهْرٍ تَسْتَطِيعُ السُّفُنُ أَنْ تَمْخُرَ فِيهِ إِلَى دَاخِلِ البِلاَدِ ...».
لقد أراد (لِيفِنْغِسْتُونْ) أن يستكشف طرقًا في أفريقيا للمبشرين لا للمدنية.
الغَايَةُ تُبَرِّرُ الوَاسِطَةَ عِنْدَهُمْ:
كل هذه الوسائل لَمْ تُجْدِ نَفْعًا كبيرًا ظاهرًا، فظهر في عام ١٩٣٢ كتاب اسمه " التفكير الجديد في أمر الإرساليات " (٢)، أصدرته لجنة المبشرين. لقد رأى هؤلاء أن التبشير يجب أن يستمر، ولكن وسائله يجب أن تتبدل (ص ٤ - ٥ - ١٨).
ذلك أنهم رأوا أن العالم يتبدل فأحبوا أن تتبدل خططهم حتى توافق الأحوال الجديدة (٣)؛ والمبشرون يفرضون على أنفسهم أن يكونوا مستعدين لأن يقبلوا بأمور تخالف العقيدة المسيحية (٤). من ذلك مثلاً أن المسيحية تعتقد أن الله واحد، ولكنها تستطيع أن تتسامح مع أصحاب العقائد التي تُعَدِّدُ اللهَ فتقول تقربًا إليهم بأن الله يتشكل في مظاهر مختلفة (راجع ص ٥٣). وهذا الكتاب يجيز للمبشرين - كي لا ينفروا منهم أبناء الديانات المخالفة للنصرانية - أن يتأولوا التعبير المسيحي «المَسِيحُ ابْنُ اللهِ».
стр. 52
تأويلاً روحيًا (ص ٥٦).
وكذلك يرى هذا الكتاب أن جميع المبشرين من بلاد رأسمالية، ولكن هذا يجب ألا يمنعهم من تفهم المذاهب الاقتصادية الأخرى كالاشتراكية والشيوعية. وعليهم أن يطعنوا الرأسمالية إذا كان ذلك يفتح لهم قلوب الخاضعين قهرًا لها، حتى إنه ليس ثمت مانع يمنع مصادقة الشيوعيين أيضًا (ص ٢٥٢ - ٢٥٤)، وإن كانت الشيوعية عدوة للنصرانية.
من هنا نرى بوضوح أن المبشرين ينصحون لأنفسهم بالتلون في سبيل الوصول إلى قبول بعض الناس. هنالك كتاب اسمه " طرق العمل التبشيري بين المسلمين " (١)، يقول: «لِنَجْعَلَ هَؤُلاَءِ القَوْمِ المُسْلِمِينَ يَقْتَنِعُونَ فِي الدَّرَجَةِ الأُولَى بِأَنَّنَا نُحِبُّهُمْ فَنَكُونَ قَدْ تَعَلَّمْنَا أَنْ نَصِلَ إِلَى قُلُوبِهِمْ ... يَجِبُ عَلَى المُبَشِّرِ أَنْ يَحْتَرِمَ فِي الظَّاهِرِ جَمِيعَ العَادَاتِ الشَّرْقِيَّةِ وَالإِسْلاَمِيَّةِ حَتَّى يَسْتَطِيعَ أَنْ يَتَوَصَّلَ إِلَى بَثِّ آرَائِهِ بَيْنَ مَنْ يُصْغِي إِلَيْهَا، وَعَلَيْهِ مَثَلاً أَنْ يَتَحَاشَى أَنْ يَقُولَ عَنْ المَسِيحِ إِنَّهُ ابْنُ اللهِ (٢) حَتَّى لاَ يَنْفَرَ مِنْهُ أُولَئِكَ الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ هَذَا الإِيمَانَ فَيَسْتَطِيعُ أَنْ يُقَارِبَهُمْ حِينَئِذٍ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ». وأما المحترم (تشارلس واطسون) (٣) فيقول (٤): «يَجِبُ أَنْ يَظَلُّوا (أَيْ المُبَشِّرُونَ) بُرَءَاءَ كَالحَمَامِ، وَلَكِنَّ هَذَا لاَ يَمْنَعُهُمْ أَيْضًا مِنْ أَنْ يَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالحَيَّاتِ».
• • •
ومما يدل على قلة احتفال المبشرين بالمثل العليا الحقيقية وبالأحداث التي تساعد على تقدم المدنية نحو مدى أوسع وأجمل موقفهم من إعلان الحرية العثمانية في تموز عام ١٩٠٨.
لقد كان إعلان الحرية العثمانية وإعادة الدستور في الإمبراطورية العثمانية كلها حدثًا عظيمًا في تاريخ تركيا نفسها وفي تاريخ العرب، وكذلك كان له تأثير كبير أيضًا في السياسة الدولية.
أما المبشرون فلم يروا في تلك المناسبة الفذة في تاريخ إمبراطورية كالإمبراطورية العثمانية إلا فرصة جديدة لنجاح حركة التبشير. وبعد أن يشير (جسب) إلى هذه المناسبة العظيمة في الإمبراطورية العثمانية، يقول: «إِنَّ القَضِيَّةَ التِي تُوَاجِهُنَا بِطَبِيعَةِ الحَالِ
стр. 53
هِيَ مَاذَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِ هَذَا الاِنْقِلاَبِ العَظِيمِ عَلَى دِينِ الإِمْبْرَاطُورِيَّةِ (العُثْمَانِيَّةِ)؟» ويجيب (جسب) نفسه على هذا التساؤل فيقول: «إِنَّ هَذَا سَيُسَاعِدُ عَلَى طَبْعِ الكُتُبِ البْرُوتِسْتَانْتِيَّةِ، وَسَيُصْبِحُ المَرْءُ (العُثْمَانِيُّ) حُرًّا فِي أَنْ يُغَيِّرَ دِينَهُ» (١).
وبينما كان المبشرون المؤتمرون في القاهرة في نيسان عام ١٩٠٦ يعترفون ضمنًا بصعوبة التبشير، وإن التبشير كان إلى ذلك الحين فرديًا يتناول الفرد بعد الفرد، وإنهم يأملون أن يصبح التبشير إجماعيًا يتناول جماعات بقضها وقضيضها (٢) إذا بهم يقررون في مؤتمر بيروت غير الرسمي، قبيل عام ١٩١١، أن يبدأوا تنصيرًا بين المسلمين مباشرًا يسير في سورية وفلسطين خاصة بهدوء وبوسائل مختلفة. ولا يجد المبشرون حرجًا في أن يعلنوا أن نشر الدستور العثماني قد جعل التنصير المباشر أكثر إمكانًا وسهولة. من أجل ذلك قرروا أن يجددوا جهودهم وأن يسيروا بأعمالهم إلى الأمام (٣).
واستغل المبشرون مناسبة ثانية لتوسيع أعمالهم. لقد استغلوا الانتداب الذي فُرِضَ على البلاد العربية بالقوة، ثم احتموا بالدول المنتدبة وراحوا يخلقون المشاكل الدينية والقومية بين أبناء الوطن الواحد بإتيانهم أعمالاً تستفز الشعور وتزيد البغضاء في القلوب: تلك البغضاء التي لا تنفجر أحيانًا دينيًا وإن كانت تنفجر دائمًا، بلا ريب، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وأدبيًا.
جَنِينَةُ رَسْلاَنْ:
ونظر اليسوعيون في منطقة الانتداب الفرنسي فاختاروا أن يوسعوا جهودهم التبشيرية في بلاد العلويين بين النُّصَيْرِيَّةِ ليفرضوا عليهم المذهب الكاثوليكي. فزعموا أن نفرًا من هؤلاء قد جاءوا إلى الراهبات اليسوعيات في صافيتا وطلبوا منهن أن يقبلنهم في المذهب اللاتيني. ويقولون: إن الراهبات المذكورات اتصلن ببيروت فأسرع رهبان يسوعيون من بيروت إلى بلاد العلويين واستكتبوا رجلاً اسمه (محمد تامر) - أو زعموا ذلك اسمًا لرجل نُصَيْرِيٍّ - كتابًا، ثم أرسلوا كتابه إلى البابا، وفيه يقول بزعمهم: إن النُّصَيْرِيَّةَ من أحفاد الصليبيين، وإن التعليم الديني عند الرهبان جعلهم يرون أن النصرانية خير الأديان.
стр. 54
وهكذا تمكن اليسوعيون بمساعدة الفرنسيين، أو الجيش الفرنسي على الأصح، أن ينقلوا اثنتين وعشرين أسرة (أو نحو ثمانين شخصًا) إلى المذهب اللاتيني المسيحي بعد أن جمعوهم في جنينة رسلان في الخامس عشر من آب (أغسطس) عام ١٩٣٠.
ويعلق اليسوعيون على ذلك بقولهم وبلغتهم: Le premier pas était fait , il était décisif
- «لَقَدْ خَطَوْنَا الخُطْوَةَ الأُولَى، وَلَقَدْ كَانَتْ خُطْوَةً حَاسِمَةً!» (١).
بمثل هذه الروح يعمل اليسوعيون في بلادنا. ولا غرو فلقد كانوا مسلحين دائمًا بالرضى الفرنسي لأن معاهدة فرساي قد نصت في مادتها الثامنة والثلاثين بعد الأربعمائة على جواز التبشير في سورية.
وبعد شهرين من هذا الحادث، في السادس من تشرين الأول عام ١٩٣٠، أسفر اليسوعيون عن وجههم تمامًا وذهب الأب (شانتور)، رئيس الجامعة اليسوعية يومذاك، مع خمسة من المبشرين ليؤسسوا مركزين للتبشير في بلاد العلويين وفي قرق خان (٢).
تَنَافُسُ المُبَشِّرِينَ:
لو كان التبشير دعوة خير لما تنازعت فيه طوائف المبشرين ولما تنافست فرقهم ومذاهبهم. والدليل القائم على ذلك أن أهل كل مذهب ديني ينشرون مع مذهبهم، وهم يبشرون به، هوى سياسيًا معينًا. ولقد كانت الدول تهتم بمبشريها لاعتقادها أن مبشريها طلائع نفوذها ومقدمات لتبسطها في الأرض.
لما اتسع نفوذ المبشرين الأمريكيين في الإمبراطورية العثمانية، بين عام ١٨٤٠ - ١٨٥٠، وكثر تدخلهم في شؤون البلاد تنفيذًا لسياسة استعمارية، عزمت تركيا على إخراجهم من الإمبراطورية كلها. ولكن وزير الخارجية الأمريكية رفض أن يتخذ مثل هذه الخطوة. ثم استطاعت الولايات المتحدة أن تحول انتباه الباب العالي إلى أمور أخرى (٣)، أي أن الولايات المتحدة أثارت لتركيا مشاكل كبيرة صرفتها عن أمر المبشرين. وهكذا ظل المبشرون الأمريكيون يتمتعون في الإمبراطورية العثمانية بحقوق الرعايا الأمريكيين كما تنص معاهدة «الامتيازات الأجنبية» التي تمنح الأجانب
стр. 55
المرغوب في وجودهم في الإمبراطورية العثمانية حقوقًا واسعة. ولكن المبشرين كانوا يتسلحون بهذه المعاهدة ويأتون بأعمالهم التبشيرية والسياسية، حتى أنقذت تركيا نفسها من هذه المعاهدة الجائرة عام ١٩١٤، إذ ألغتها بعد نشوب الحرب العالمية الأولى.
وأدرك المبشرون أن اختلافهم يضعف قواهم من ناحيتين: أن المنافسة بين الجمعيات التبشيرية يضطرها إلى بذل جهود كبيرة ثم يجعل بعضها ينافس بعضًا، وهكذا تضعف حركة التبشير نفسها. كذلك يحط اختلاف المبشرين فيما بينهم من مقامهم في عيون الشعوب فيقل تأثيرهم بقلة احترام الناس لهم. لذلك فرح المبشر (جون موط) لما اجتمع في مؤتمر إدنبره (اسكوتلندة) عام ١٩١٠ مندوبون عن مائة وتسع وخمسين جمعية تبشيرية من جميع أقطار العالم ثم أَلَّفُو لِجَانًا مُشْتَرَكَةٍ لمتابعة أعمال التبشير المختلفة. ولكن هذه اللجان المشتركة لم يكتب لها نجاح كبير، فقد حالت الحرب العالمية الأولى دون قيامها بالعمل الموحد. ثم انتهت الحرب العالمية الأولى، ولكن القيادات الدينية في العالم المسيحي لم تشأ أن تتنازل عن زعاماتها الخاصة، مما جعل (جُونْ مُوطْ) نفسه يقر بأن الجمعيات المسيحية غير موحدة توحيدًا ظاهرًا ولا فعليًا، لا في البلاد غير المسيحية ولا في أمريكا نفسها (١). إن توحيد جهود المبشرين لم يتحقق لأن لكل دولة من وراء التبشير غايات سياسية تخالف غايات سائر الدول.
ولما حاول (جُونْ مُوطْ) أن يرسم صورة للشخصية التي يجب أن تتحد تحت قيادتها جهود الأمم النصرانية في ميدان التبشير أصر على نقطتين أساسيتين: أما أولاهما فهي أن تكون القيادة جامعة، لأن العصر الذي نعيش فيه جعل العبقريات تتخطى الحدود القومية. ثم أكد، في المقام الثاني، العنصر الاقتصادي في القيام بأعباء التبشير (٢). فإذا نحن علمنا أن (جُونْ مُوطْ) كان قد عرض في كتابه للناحية الاقتصادية في فصل كامل سماه «إطلاق قوة المال» (٣)، وذكر فيه - بالاستناد إلى " دائرة المعارف البريطانية " - أن الولايات المتحدة هي أغنى الدول، بل أغنى من عدد كبير من الدول الغنية مجتمعة، لم نعد الصواب إذا قلنا إنه كان يريد هذه الزعامة لأمته الأمريكية البروتستانتية. وهذا أمر لا تقره بطبيعة الحال فرنسا الكاثوليكية ولا إنجلترا البروتستانتية نفسها. أضف إلى ذلك كله الأنانية والنظرة الإقليمية الضيقة والكره المتأصل بين المذاهب مما يحول دون
стр. 56
تحقيق التعاون على وجه ناجح (١). وهذا من حسن حظ المسلمين وحظ سائر البشر.
المُبَشِّرُونَ يَحْتَالُونَ عَلَى النِّظَامِ الجُمْرُكِيِّ:
ولم يكتف المبشرون منذ أول أمرهم بأن يقيموا حيث شاءوا في الإمبراطورية العثمانية، بل اتخذوا من ضعف الدولة العثمانية سببًا إلى التخلص من دفع الضرائب لأنهم أجانب!
ويبدو لنا بكل وضوح أن الامتيازات التي أصبح الأجانب يتمتعون بها في الإمبراطورية العثمانية كانت تزيد كلما زاد ضعف تلك الإمبراطورية. فالأمريكيون مثلاً لم يكونوا قبل عام ١٨٦٥ مُعْفَيْنَ مِنَ الضَّرَائِبِ (٢). ويبدو أن الرهبان اليسوعيين خاصة كانوا يتمتعون بالإعفاء من الضرائب قبل المبشرين الأمريكيين (٣). وأخيرًا أصبحت الإمبراطورية العثمانية من الضعف بحيث سمحت لجميع الأجانب بأن يتمتعوا في إمبراطوريتها بامتيازات واسعة فلا يدفعون ضرائب على ما يستوردون من الخارج إذا كان لحاجاتهم الخاصة. ولكن تركيا عاودتها في آخر الأمر جرأتها وألغت الإعفاء الجمركي لأنها عرفت أن رجال الدين الأجانب الذين جاءوا لأعمال البر والإحسان بين ظهرانينا قد جعلوا يستوردون البضائع المختلفة ثم يبيعونها للتجار الوطنيين، أو يبيعونها لحسابه الخاص ولكن بواسطة التجار الوطنيين (٤).
ولقد كانت الدول الأجنبية تبسط الحماية على مبشريها في بلاد المشرق لأنها تعدهم حملة لتجارتها وآرائها ولثقافتها إلى تلك البلاد، بل لقد كان ثمت ما هو أعظم من هذا عندها: لقد كان المبشرون يعملون - بطرق مختلفة كالتعليم مثلاً - على تهيئة شخصيات شرقية لا تقاوم التبسط الأجنبي (٥).
في الرابع من نيسان عام ١٩٢٤ عقد اتفاق بين الولايات المتحدة وفرنسا في باريس، ولكن لم يعلن إلا في الثالث عشر من آب، جاء في المادة العاشرة منه:
«إِنَّ أَشْرَافَ الدَّوْلَةِ المُنْتَدَبَةِ عَلَى الإِرْسَالِيَّاتِ الدِّينِيَّةِ فِي سُورِيَّةَ وَلُبْنَانَ يَجِبُ أَنْ
стр. 57
يَقْتَصِرَ عَلَى حِفْظِ الأَمْنِ وَتَسْيِيرِ الحُكْمِ (١). ثُمَّ إِنَّ نَشَاطَ هَذِهِ الإِرْسَالِيَّاتِ الدِّينِيَّةِ يَجِبُ أَلاَّ يَعْتَرِضَ سَبِيلَهُ، كَمَا أَنَّ رِجَالَ هَذِهِ الإِرْسَالِيَّاتِ يَجِبُ أَلاَّ يَخْضَعُوا لِتَدْبِيرٍ يُقَيِّدُهُمْ بِسَبَبِ جِنْسِيَّتِهِمْ (٢)، مَا دَامَ نَشَاطُهُمْ قَاصِرًا عَلَى الحَقْلِ الدِّينِيِّ ...».
هذه المادة تدل ضمنًا على القيام بالتبشير، لأن التبشير هو المقصود بالتركيب «نَشَاطُ هَذِهِ الإِرْسَالِيَّاتِ الدِّينِيَّةِ»، مما يلاحظ من أماكن مختلفة، ستراها في الفصول التالية. وليس المقصود منها «مُمَارَسَةَ العِبَادَاتِ»: إن رعايا الدول الأجنبية كلها تمارس عبادتها في لبنان وفي غير لبنان من غير أن تكون قد عقدت معاهدة مع الدولة الفرنسية المنتدبة.
على أن فرنسا المنتدبة على سورية ولبنان قد استغلت كل فرصة لتنقل امتيازات الإرساليات المختلفة إلى الإرساليات الفرنسية وحدها. ففي تشرين الثاني من عام ١٩٢٥ نقلت الحكومة الفرنسية حق الإشراف على المؤسسات التبشيرية، التي كانت للألمان قبل الحرب العالمية الأولى في بيروت خاصة، إلى المؤسسات التبشيرية والتعليمية الفرنسية ثم جعلتها تتمتع بإشراف الحكومة الفرنسية نفسها وإشراف المفوض السامي في سورية (٣).
هذه لمحة عامة في بواعث التبشير وملابساته وغاياته الظاهرة والباطنة نمر بها مسرعين. وسيرى القارئ الكريم أوجه التبشير مفصلة في الأبواب التالية.
ونحن نحب من القارئ أن يتبين أن حب الخير والتعليم والتطبيب وما إليها هي وسائل للتبشير. ثم إن التبشير الديني نفسه ستار للتبشير التجاري والسياسي وأساسًا متينًا للاستعمار. ولنذكر دائمًا أن أكثر الفتن الداخلية في الشرق، من دينية وسياسية واجتماعية، إنما قام بها المبشرون والذين استأجرهم المبشرون، على ما نراه في الصفحات التالية كلها.
стр. 58
الفَصْلُ الثَّانِي: التَّطْبِيبُ حِيلَةٌ لِلْتَّبْشِيرِ:
حينما يتخرج الطبيب في كليته يُقْسِمُ، بعد أن يتسلم الشهادة، يمينًا تمسى يمين أبقراط، وتعرف في الكتب العربية باسم وصية أبقراط. وصورة هذا العهد هكذا (١): «إِنِّي أُقْسِمُ بِاللهِ رَبِّ الحَيَاةِ وَوَاهِبِ الصِّحَّةِ وَخَالِقِ الشِّفَاءِ وَكُلِّ عِلاَجٍ، وَأُقْسِمُ بِأَسْقِلِبْيُوسْ (٢)، وَأُقْسِمُ بِأَوْلِيَاءِ اللهِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا وَأُشْهِدُهُمْ جَمِيعًا عَلَى أَنَّنِي أَفِي بِهَذِهِ اليَمِينِ وَهَذَا الشَّرْطِ ... وَأَقْصِدُ فِي جَمِيعِ التَّدَابِيرِ، بِقَدْرِ طَاقَتِي، مَنْفَعَةَ المَرْضَى. وَأَمَّا الأَشْيَاءُ التِي تَضُرُّ بِهِمْ وَتُدْنِي مِنْهُمْ بِالجَوْرِ عَلَيْهِمْ فَأَمْنَعُ مِنْهَا بِحَسَبِ رَأْيِي. وَلاَ أُعْطِي - إِذَا طُلِبَ مِنِّي - دَوَاءً قَتَّالاً وَلاَ أُشِيرُ أَيْضًا بِمِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا لاَ أَرَى أَنْ أُدْنَي مِنَ النِّسَاءِ فَرْزَجَةً (٣) تُسْقِطُ الجَنِينَ. وَأَحْفَظَ نَفْسِي فِي تَدْبِيرِي وَصِنَاعَتِي عَلَى الزَّكَاةِ وَالطَّهَارَةِ ... وَكُلِّ المَنَازِلِ التِي أَدْخُلُهَا إِنَّمَا أَدْخُلُ إِلَيْهَا لِمَنْفَعَةِ المَرْضَى، وَأَنَا بِحَالٍ خَارِجَةٍ عَنْ كُلِّ جَوْرٍ وَظُلْمٍ وَفَسَادٍ إِرَادِيٍّ مَقْصُودٍ إِلَيْهِ فِي سَائِرِ الأَشْيَاءِ ... وَأَمَّا الأَشْيَاءُ التِي أُعَايِنُهَا فِي أَوْقَاتِ عِلاَجِ المَرْضَى أَوْ أَسْمَعُهَا، أَوْ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ عِلاَجِهِمْ، فِي تَصَرُّفِ النَّاسِ مِنَ الأَشْيَاءِ التِي لاَ يُنْطَقُ بِهَا خَارِجًا فَأَمْسِكُ عَنْهَا وَأَرَى أَنَّ أَمْثَالَهَا لاَ يَنْطِقُ بِهِ ...».
هذه اليمين تنكشف عن نفس نبيلة إنسانية، ذلك لأن المريض المتألم يضحي أشياء كثيرة في ملكه حتى يتخلص من آلامه. وإذا رأى أحد قريبًا له أو ابنًا على الأصح مريضًا زاد رضاه بالتضحية وَقَلَّتْ قِيمَةُ كُلِّ شَيْءٍ في عينيه في سبيل شفاء ابنه أو أمه أو أبيه أو زوجه
стр. 59
اِسْتِغْلاَلُ آلاَمِ البَشَرِ:
ولقد أدرك المبشرون هذا الميل في البشر فخرجوا عن كل نبل في الطبيعة الإنسانية وسخروا الطب في سبيل غايات، حسبك دليلاً على نوعها قولهم هم: «حَيْثُ تَجِدُ بَشَرًا تَجِدُ آلاَمًا، وَحَيْثُ تَكُونُ الآلاَمُ تَكُونُ الحَاجَةُ إِلَى الطَّبِيبِ (١)، وَحَيْثُ تَكُونُ الحَاجَةُ إِلَى الطَّبِيبِ فَهُنَالِكَ فُرْصَةٌ مُنَاسِبَةٌ لِلْتَّبْشِيرِ»، وهكذا اتخذ المبشرون الطب ستارًا يقتربون تحته من المرضى.
وقد كان أول من غَيَّرَ سُنَّةَ أَبُقْرَاطْ الجَمِيلَةَ الأمريكيون حينما بدأوا ينشئون عياة طبية في سيواس (بتركيا) عام ١٨٥٩ م (٢). وهكذا نظر الأمريكيون منذ ذلك الحين إلى الطب على أنه معين على التنصير. ومنذ ذلك الحين اعتبر الأمريكيون الطب «مَشْرُوعًا مَسِيحِيًّا» (٣). وعلى هذا قال الطبيب (بول هاريسون) (٤) في كتابه " الطبيب في بلاد العرب " (ص ٢٧٧):
«إِنَّ المُبَشِّرَ لاَ يَرْضَى عَنْ إِنْشَاءِ مُسْتَشْفَى وَلَوْ بَلَغَتْ مَنَافِعُ ذَلِكَ المُسْتَشْفَى مِنْطَقَةَ (عُمَانْ) بِأَسْرِهَا. لَقَدْ وُجِدْنَا فِي بِلاَدِ العَرَبِ لِنَجْعَلَ رِجَالَهَا وَنِسَاءَهَا نَصَارَى!».
ولا ريب في أن الطبيب يستطيع أن يصل إلى جميع طبقات الناس حتى أولئك الذين لا يخالطون غيرهم. ولذلك قال المبشرون: «إِنَّ بِإِمْكَانِ الطَّبِيبِ المُبَشِّرِ أَنْ يَصِلَ بِتَبْشِيرِهِ إِلَى جَمِيعِ طَبَقَاتِ المُسْلِمِينَ بِوَاسِطَةِ المَرْضَى الذِينَ يُعَالِجُهُمْ» (٥). ثم إنهم فرضوا أن يكون الطبيب المبشر «نُسْخَةً حَيَّةً مِنَ الإِنْجِيلِ». أن بإمكانه أن يغير الذين حوله ويجعل منهم نصارى حقيقيين أو أن يترك في نفوسهم أثرًا عميقًا (٦) على الأقل.
والمبشرون يصرحون بذلك. كتب (س. أ. موريسون) (٧) في مجلة " العالم الإسلامي " (٨) التبشيرية يقول:
«نَحْنُ مُتَّفِقُونَ بِلاَ رَيْبٍ عَلَى أَنَّ الغَايَةَ الأًسَاسِيَّةَ مِنْ أَعْمَالِ التَّنْصِيرِ بَيْنَ المَرْضَى
стр. 60
الخَارِجِينَ (١) فِي المُسْتَشْفَيَاتِ أَنْ نَأْتِي بِهِمْ إِلَى المَعْرِفَةِ المُنْقِذَةِ، مَعْرِفَةِ رَبِّنَا يَسُوعْ المَسِيحُ، وَأَنْ نُدْخِلَهُمْ أَعْضَاءَ عَامِلِينَ فِي الكَنِيسَةِ المَسِيحِيَّةِ الحَيَّةِ». ويرى الكاتب أن للتبشير بين هؤلاء المرضى طريقين. وهو يفضل أن يزور الطَّبِيبُ المُبَشِّرُ المَرِيضَ (المُسْلِمَ) حتى يكون هذا المريض واسطة لجمع عدد غفير من المسلمين عنده في انتظار زيارة الطبيب. وحينئذٍ تكون الفرصة سانحة حتى يبشر هذا الطبيب بين أكبر عدد ممكن من المسلمين في القرى الكثيرة في طول مصر وعرضها.
وفي عام ١٩٢٤ أقام المبشرون مؤتمرًا عَامًّا وعقدوا جلساته في القدس وإستانبول وحلوان (مصر) وبرمانا (لبنان) وبغداد. وقد اهتم المؤتمرون، وخصوصًا في جلسة القدس، بالتطبيب على أنه وسيلة إلى التبشير (٢) وفصلوا طرق ذلك. أما مؤتمر برمانا (لبنان) فلم يتعرض مفصلاً للتطبيب ولكنه أكد أهميته (٣).
وأحب أن أذكر هنا أسماء عدد من الذين حضروا جلسات برمانا حتى نعرف أولئك الأشخاص الذين يعيشون عيشتين: عيشة حيادية [بريئة] يدعون فيها للوطنية وتأليف القلوب ثم عيشة تبشيرية. من هؤلاء القس (مفيد عبد الكريم) (بيروت)، القس (خليل عواد) (اللاذقية)، القس (بشارة بارودي) (سوق الغرب)، القس (ج ستيوارت كورفورد) (الجامعة الأمريكية في بيروت)، (بيارد ضودج) (الجامعة الأمريكية في بيروت)، (امرأة جبر ضومط) (بيروت)، (جليل ايراني) (القدس)، (داوود كاتبة) (يبرود)، (إلياس مرموره) (نابلس)، الدكتور (نجيب سعد) (بيروت)، (نجيب شمعون) (برمانا)، المستشرق (مارجليوث) (لندن) (٤).
أَهَمِّيَّةُ المُسْتَوْصَفَاتِ وَالمُسْتَشْفَيَاتِ:
أما إذا كان للأطباء المبشرين مستوصف أو مستشفى، فإن مهمتهم الثانية، أو الأولى على الأصح، تكون أسهل. حينئذٍ يستطيع الطبيب أن يجد في غرفة الاستشارة أو في العراء فرصًا مناسبة لينثر بذور التبشير في قلوب المرضى (٥). في هذه الحال
стр. 61
يكون كل من دخل المستشفى أو أتى إلى المستوصف للمعالجة قد تلقى من طبيبه المبشر تلك الكرازة (١) التي توجهه نحو المسيح (٢).
من أجل ذلك عُنِيَ المبشرون، أول ما عُنُوا، بالتطبيب على أنه واسطة إلى غاية. إن اليسوعيين مثلاً قد أسسوا أكثر أعمالهم التبشيرية في سورية (٣) إلى جانب مراكز التطبيب. بل إن مراكز التبشير قد بدأت عندهم مراكز للتطبيب في أول الأمر. وفي هذه المراكز وجهوا عنايتهم الأولى إلى كبار الموظفين وإلى الأعيان. وكانوا يستغلونهم من هذه الطريق لمصالح تبشيرية بحت. ومع الأيام أخذت عناية اليسوعيين بالتطبيب تقل وقيامهم بالتبشير يزيد حتى حل التبشير المحض محل التطبيب (٤) الذي كان رِءَاءَ النَّاسِ.
كِبَارُ أَطِبَّائِهِمْ مُبَشِّرُونَ:
ومنذ عام ١٨٧٥ م وجهت الجمعيات التبشيرية اهتمامها إلى سورية وأنشأت مراكز طبية في غزة ونابلس وغيرهما من المدن، وفي سورية وفلسطين. وكذلك كان لهم أطباء دَوَّارُونَ يزورون القرى ليلاحقوا الناقهين الراجعين إلى قراهم فيكرزوا فيهم، ولكنهم لم ينجحوا (٤). وكذلك يجب ألا نعجب إذا علمنا أن أكثر الأطباء البروتستانت الذي نعرف أسماءهم ما جاءوا إلى بلاد العرب إلا حُبًّا بالتبشير لا بالتطبيب. ثم إن جلهم، إن لم نقل كلهم، قد أوقعوا في البلاد أضرارًا تفوق الخدمات الطبية التي أسدوها أضعافًا مضاعفة. إن (آسا دودج) و (فورست) و (كارنيليوس فان ديك) و (جورج بوست) و (تشارلس كلهون) و (ماري أدي) والدكتور (طومسون) (٥) كلهم كانوا أطباء في الظاهر. أما في الباطن فكان ضررهم على البلاد يزيد أو ينقص بحسب الاستعداد الشخصي لكل واحد منهم وبحسب الفرص التي سنحت لهم.
اِعْتِرَافُهُمْ بِخِدَاعِ المَرْضَى:
وإذا أنت أردت أن تعرف مبلغ اهتمام هؤلاء الأطباء بالتبشير لا بالتطبيب فاعلم
стр. 62
إن نفرًا منهم أنشأوا مستوصفًا في بلدة الناصر في السودان، وكانوا لا يعالجون المريض أبدًا إلا بعد أن يحملوه على الاعتراف بأن الذي يشفيه هو المسيح (١)، وإن كان الكاتب قد وضع هذا المعنى في تركيب بلاغي يختلف عن هذا الذي قلناه نحن في اللفظ فقط. ومثل هذا كان فعلهم في أماكن مختلفة، ففي بلدة الناصر هذه مثلاً كان التنصير والتطبيب يسيران جنبًا إلى جنب كما يقول المؤلف نفسه (٢). وفي الحبشة كانت المعالجة لا تبدأ قبل أن يركع المرضى ويسألوا المسيح أن يشفيهم (٣). ومن الحيل التي استعملها المبشرون في وادي النيل أنهم استخدموا ثلاثة مراكب وجعلوها مستوصفات نقالة على النيل. وكانوا يعلنون عن مجيء الطبيب قبل أن يصل بوقت طويل، فيأتي الناس من كل صوب يحملون مرضاهم، وينتظر الجميع قدوم الطبيب. في هذه الأثناء يقوم فيهم من يبشر (٤) فرحًا بالجموع، من غير أن يتحرك ضميره لهذه الآلام التي يتحملها المرضى في وضح الشمس ومضض الانتظار عمدًا وخداعًا.
ومثل هذا كانوا يفعلون في بلدة الشيخ عثمان في اليمن. كان الناس يأتون من مكان بعيد يحملون مرضاهم، وكان أولئك الأطباء، الذين لم يضع اللهُ في قلوبهم شيئًا من معاني الإنسانية، لا يبدأون بعلاج المرضى إلا بعد أن يكرزوا عليهم (٥). وحملت أم مرة طلفها المريض وجاءت به إلى مستوصف الناصر بالسودان، ولكن الطفل مات في أثناء الطريق الطويلة، فَلَمْ يُعَزِّ الطَّبِيبُ هَذِهِ الأُمَّ الثَّكْلَى بل جلس يكرز عليها (٦).
وكان المبشرون يعلنون ذلك ولا يكتمونه، فقد قال (رشتر): «فِي هَذِهِ المُنَاسَبَاتِ مِنَ التَّطْبِيبِ فِي مُسْتَوْصَفٍ أَوْ مُسْتَشْفَى يُمْكِنُ لِلْطَّبِيبِ أَنْ يُخَاطِبَ المُسْلِمِينَ بِكَلاَمٍ كَثِيرٍ لَوْ سَمِعُوا بَعْضَهُ فِي مَكَانٍ غَيْرَ المُسْتَشْفَى وَمِنْ شَخْصٍ غَيَرَ الطَّبِيبِ لامْتَلأُوا غَيْظًا وَغَضَبًا» (٧). أما حيث تمتزج الصفاقة بالتدجيل ويمتزج الجهل بموت الضمير فكلام (إيرا هاريس). قالت (إيرا هاريس) تنصح الطبيب الذاهب بمهمة تبشيرية: «يَجِبُ أَنْ تَنْتَهِزَ الفُرَصَ لِتَصِلَ إِلَى آذَانِ المُسْلِمِينَ وَقُلُوبِهِمْ فَتَكْرُزَ لَهُمْ بِالإِنْجِيلِ. إِيَّاكَ أَنْ تُضِيعَ التَّطْبِيبَ فِي المُسْتَوْصَفَاتِ وَالمُسْتَشْفَيَاتِ فَإِنَّهُ أَثْمَنُ مِنْ تِلْكَ الفُرَصِ عَلَى الإِطْلاَقِ.
стр. 63
وَلَعَلَّ الشَّيْطَانَ يُرِيدُ أَنْ يَفْتِنَكَ فَيَقُولُ لَكَ: إِنَّ وَاجِبَكَ التَّطْبِيبُ فَقَطْ لاَ التَّبْشِيرُ. فَلاَ تَسْمَعْ مِنْهُ» (١). ولقد تنبه (دانيال بلس)، الرئيس الأول للجامعة الأمريكية في بيروت، إلى كل هذا وإلى غيره أيضًا فأشار إلى الأطباء الدجالين الذين يتعرضون لمداواة الناس فإذا جاءهم المريض انصرف من عندهم بنسخة حسنة الطبع من الإنجيل وبوصفة خاطئة. ويعلق (دانيال بلس) نفسه على هذا الحديث بقوله: «وَبَعْدَ أَيَّامٍ يَكْتَشِفُ المَرِيضُ أَنَّ إِنْجِيلَ الطَّبِيبِ كَدَوَائِهِ» (٢). وهنالك حوادث وأقوال مشابهة لهذه التي عددناها، أو هي تخالفها قليلاً، لا نميل إلى تعدادها لأنها تحمل على الملل. ولكن لا بأس من أن ننبه عليها تنبيهًا (٣).
جَهْلُهُمْ وَكُرْهُهُمْ لِلْعِلْمِ:
ولكن لم تكن جميع أخطاء الأطباء المبشرين في الطب جهلاً، بل كان بعضها عنادًا وتعصبًا.
ذكر الشيخ (مصطفى الغلاييني) في خطاب ألقاه في ذكرى مولد الرسول ﷺ في ١٢ ربيع الأول ١٣٢٨ هـ (٢٤ آذار ١٩١٠ م) شيئًا من هذا قال (وإن لم يقصد هو به ما نريد به نحن): «وَأَقْرَبُ مِثَالٍ عَلَى هَذَا أَمْرٌ جَرَى فِي بَيْرُوتَ، وَذَلِكَ أَنَّ الدُّكْتُورَ (وَرْتْبَاتْ) الأَمِرِيكَانِي الفَيْلَسُوفُ العَالِمُ الطَّبِيبُ كَانَ يُنْكِرُ عَدْوَى الجُذَامِ، مَعَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ: " فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأسَدِ ". ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ صِحَّةَ الحَدِيثِ وَتَحَقُّقِ عَدْوَى هَذَا المَرَضِ فَصَرَّحَ بِأَنَّهُ مُعْدٍ ...» (٤).
بقي هنالك أشياء قليلة يجب أن تقال مفصلة. يقول بعضهم: إن مكان التنصير إنما هو في مستشفيات الإرساليات التبشيرية. ثم يذكر أن المستشفيات قد استغلت لهذه الغاية بصراحة. وهنالك اليوم عزم للاعتماد على الأعمال الطبية للوصول إلى الآذان
стр. 64
والحصول على متنصرين (١). ويرى هذا القائل نفسه: أن المستشفيات يجب أن تسخر للتبشير على أن يصل المبشرون إلى الأشخاص المحترمين من ذوي الفائدة (٢) الذين يمكن أن يؤثروا في غيرهم من أبناء ملتهم. والتبشير من طريق التطبيب كان عندهم عاملاً مُهِمًّا منذ زمن طويل، حتى إن هناك كُتُبًا في هذا الموضوع منها مثلاً كتاب " إرساليات (التبشير) الطبية " من تأليف (جون لو)، وقد صدر عام ١٨٩٦ (٣).
العُنْصُرُ النِّسَائِيُّ فِي التَّبْشِيرِ:
ولم ينس المبشرون مقام المرأة في الأسرة فوجهوا اهتمامهم إلى التأثير عليها وجعلوا يبشرون في مستشفيات النساء وفي المستوصفات. وكذلك أرسلوا الطبيبات المبشرات إلى البيوت والقرى للاتصال مباشرة بالنساء واستخدام نفوذ المرأة في الوصول إلى أهدافهم التي يزعمون أنها نبيلة، ولكنها لا تنكشف دائمًا إلا عن سعي لبسط نفوذ سياسي استعماري.
ولقد استغل المبشرون كل شيء في سبيل التنصير (أو محاولة التنصير) حتى الممرضات. يرى المبشرون (٤) أن الممرضة لا تعمل على تخفيف الألم عن المرضى فقط بل تحمل إليهم أيضًا رسالة المسيح، ولذلك حرص المبشرون على إنشاء مدارس للتمريض في إيران خاصة.
يلاحظ القارئ أن فضل التبشير والتطبيب هذا قصير، وسبب ذلك هو أننا لم نحب أن نذكر الآراء والحوادث المشابهة. فحسب القارئ إذن أن يرى هذه النماذج ثم يعلم أن ثمت أمثلة كثيرة من جنسها.
стр. 65
الفَصْلُ الثَّالِثُ: التَّعْلِيمُ مَيْدَانٌ فَسِيحٌ لِلْتَّبْشِيرِ:
[١] التعليم عمومًا
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ صَانُوهُ صَانَهُمْ • ... • ... • وَلَوْ عَظَّمُوه فِي النُّفُوسِ لَعُظِّمَا
وَلَكِنْ أَهَانُوهُ فَهَانَ، وَدَنَّسُوا • ... • ... • مُحَيَّاهُ بِالأَطْمَاعِ حَتَّى تَجَهَّمَا
كانت العصور الوسطى في التاريخ الإنساني تدعى العصور المظلمة لأنها كانت عصورًا خَبَا فيها نور العلم. فلما طلع العلم بنوره على أوروبا من الشرق بدأت غياهب تلك الظلمات تنجاب عن أوروبا شيئًا فشيئًا حتى ازدهرت المدينة فيها وعمتها الحضارة. فأوروبا المتحضرة بِنْتُ العلم وحده وليست بنت الدين. لقد كانت الروح الدينية في العصور الوسطى على أشدها في أوروبا وكانت أوروبا لا حضارة لها. فلما فضلت أوروبا العلم أصبحت قبلة الحضارة في العصور الحديثة.
«كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» (١)، ولكنه يولد وفيه استعداد طبيعي يتوجه به نحو الخير أو الشر، ونحو صناعة دون أخرى. ولا ريب في أننا إذا استثنينا بعض عوامل الوراثة الطبيعية وجدنا أن الموجه الحقيقي لكل فرد إنما هو البيئة الأولى التي احتضنته صغيرًا. على أن عوامل البيئة تظل تعمل في الأفراد والجماعات، ولكن تأثيرها يقل كلما تقدم الإنسان في السن.
ولقد أدرك المبشرون هذه الخاصة في البشر، هذه الخاصة التي يجب أن تستغل في سبيل الإنسانية وفي سبيل جلاء شخصية الفرد وبناء شخصية المجموع. ولكن المبشرين ضربوا بهذا كله عرض الحائط واستخدموا العلم في سبيل غايات
стр. 66
صغيرة وشغلوا أنفسهم بتبديل عقائد الأفراد الدينية باذلين جهودًا كبارًا في سبيل منافسة غير نبيلة: عداوة على تجاذب الأشخاص بين اليسوعيين والبروتستانت، ومكائد بين فرق البروتستانت أنفسهم، ثم رياء لا حد له في تزيين الآراء وتسويد صفحات التاريخ.
ونحن هنا دائرون بك حول نقطتين: حول استغلال المبشرين للعلم بطرق لا تنكشف إلا عن ضيق في الأفق، إلا أن هذا قليل الأهمية لأن الإنسان لا يلبث أن يرى هذا الأفق الضيق فيجازي به أصحابه. وأما النقطة الثانية فهي حرص المبشرين على إفساد النبل الإنساني وجعل العلم - العلم الذي هو نعمة في سبيل تحرر الإنسانية ورقيها - وسيلة إلى استعباد الأفراد والأمم ثم سوقهم بسيف الاستعمار إلى الاستكانة أمام سلطان السياسة المادي. لقد سَخَّرَ المبشرون اسم اللهِ في سبيل ترويج بضائع أممهم ونشر الفساد الاجتماعي في العالم، ولا ريب في أن بعضهم قام بما قام به غير عارف بما سيترتب على عمله من العواقب. ولكن العاقبة على كل حال لم تكن حميدة.
لَيْسَ لِلْتَّعْلِيمِ عِنْدَهُمْ غَايَةُ سِوَى التَّبْشِيرُ:
قال نفر من المبشرين:
«إِنَّ أَهْدَافَ المَدَارِسِ وَالكُلِّيَّاتِ التِي تُشْرِفُ عَلَيْهَا الإِرْسَالِيَاتُ فِي جَمِيعِ البِلاَدِ كَانَتْ دَائِمًا مُتَشَابِهَةً. إِنَّ المَدَارِسِ وَالكُلِّيَّاتِ كَانَتْ تُعْتَبَرُ فِي الدَّرَجَةِ الأُولَى وَاسِطَةً لِتَمْرِينِ قِسَسٍ لِلْكَنِيسَةِ ... حَتَّى أَنَّ المَوْضُوعَاتِ العِلْمَانِيَّةِ التِي تُعَلَّمُ، مِنْ كُتُبٍ غَرْبِيَّةٍ وَعَلَى يَدِ مُدَرِّسِينَ غَرْبِيِّينَ، تَحْمِلُ مَعَهَا الآرَاءَ النَّصْرَانِيَّةَ» (١). وعلى هذا (الأساس) كتب المبشر (هنري هريس جسب) إلى المحترم (و. ستوارت دودج) في الخامس من كانون الأول عام ١٨٧٠: «لِنَبْتَهِلْ إِلَى اللهِ فِي سَبِيلِ تَعْمِيدِ نُفُوسِ أُولَئِكَ الشُّبَّانِ الذِينَ يَتَرَدَّدُونَ عَلَى الكُلِّيَّاتِ» (٢). ويرى (هنري جسب) نفسه: «أَنَّ التَّعْلِيمَ فِي (مَدَارِسِ) الإِرْسَالِيَاتِ المَسِيحِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ وَاسِطَةٌ إِلَى غَايَةٍ فَقَطْ. هَذِهِ الغَايَةُ هِيَ قِيَادَةُ النَّاسِ إِلَى المَسِيحِ وَتَعْلِيمِهِمْ حَتَّى يُصْبِحُوا أَفْرَادًا مَسِيحِيِّينَ وَشُعُوبًا مَسِيحِيَّةً. وَلَكِنْ حِينَمَا يَخْطُو التَّعْلِيمُ وَرَاءَ هَذِهِ الحُدُودِ لِيُصْبِحَ غَايَةً فِي نَفْسِهِ وَلِيُخَرِّجَ لَنَا خِيرَةَ عُلَمَاءِ الفَلَكِ وَطَبَقَاتِ الأَرْضِ وَعُلَمَاءِ النَّبَاتِ وَخَيْرِ الجَرَّاحِينَ وَالأَطِبَّاءِ فِي سَبِيلِ الزَّهْوِ العِلْمِيِّ ... فَإِنَّنَا لاَ نَتَرَدَّدُ حِينَئِذٍ فِي أَنْ نَقُولَ: إِنَّ رِسَالَةً مِثْلَ هَذِهِ قَدْ خَرَجَتْ عَنْ المَدَى التَّبْشِيرِي المَسِيحِيِّ إِلَى مَدَى عِلْمَانِيِّ مَحْضٍ،
стр. 67
إِلَى مَدَى عِلْمِيٍّ دُنْيَوِيٍّ. مِثْلَ هَذَا العَمَلِ يُمْكِنُ أَنْ تَقُومَ بِهِ جَامِعَاتُ هَايْدَنْبَرْغْ وَكَمْبْرِدْجْ وَهَارْفَرْدْ وَشِيفِيلْدَ، لاَ الجَمْعِيَّاتُ التَّبْشِيرِيَّةُ التِي تَسْعَى إِلَى أَهْدَافٍ رُوحِيَّةٍ فَحَسْبَ» (١).
وكان (جسب) قد قال قبل ذلك: «إِنَّ المَدَارِسَ شَرْطٌ أَسَاسِيٌّ لِنَجَاحِ التَّبْشِيرِ، وَهِيَ بَعْدَ هَذَا وَاسِطَةٌ لاَ غَايَةٌ فِي نَفْسِهَا. لَقَدْ كَانَتْ المَدَارِسُ تُسَمَّى بِالإِضَافَةِ إِلَى التَّبْشِيرِ (دَقُّ الأَسْفِينْ) وَكَانَتْ عَلَى الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ فِي إِدْخَالِ الإِنْجِيلِ إِلَى مَنَاطِقَ كَثِيرَةٍ، لَمْ يَكُنْ بِالإِمْكَانِ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا الإِنْجِيلُ أَوْ المُبَشِّرُونَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ» (٢).
ويرى بعضهم: «أَنَّ المَدَارِسَ قُوَّةٌ لِجَعْلِ النَّاشِئِينَ تَحْتَ تَأْثِيرِ التَّعْلِيمِ المَسِيحِيِّ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ قُوَّةٍ أُخْرَى (٣). ثُمَّ إِنَّ هَذَا التَّأْثِيرَ يَسْتَمِرُّ حَتَّى يَشْمَلَ أُولَئِكَ الذِينَ سَيُصْبِحُونَ يَوْمًا مَا قَادَةً فِي أَوْطَانِهِمْ (٤).
ورأي المبشرين في ذلك لم يتغير قط، حتى المستر (بنروز) الذي جاء في عام ١٩٤٨ ليتسلم زمام الرئاسة في جامعة بيروت الأمريكية كان أيضًا خاضعًا لهذه الفكرة، إنه يقول (٥): «لَقَدْ أَدَّى البُرْهَانُ إِلَى أَنَّ التَّعْلِيمَ أَثْمَنَ وَسِيلَةٍ اسْتَغَلَّهَا المُبَشِّرُونَ الأَمَرِيكِيُّونَ فِي سَعْيِهِمْ لِتَنْصِيرِ سُورِيَّةَ وَلُبْنَانَ ... وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ تَقَرَّرَ أَنْ يُخْتَارَ رَئِيسُ الكُلِّيَّةِ البْرُوتِسْتَانْتِيَّةِ الإِنْجِيلِيَّةِ (الجَامِعَةُ الأَمِرِيكِيَّةُ اليَوْمَ) مِنْ مُبَشِّرِي الإِرْسَالِيَّةِ السُّورِيَّةِ».
وفي الوقت الذي كان الدكتور (بنروز) يعد مواد كتابه التبشيري، انعقد في القدس (في نيسان ١٩٣٥) مؤتمر تحت إشراف فرع فلسطين من لجنة التعليم للمجلس التبشيري المتحد. ولم يضع المؤتمر تقريرًا على عادة المؤتمرات الأخرى، بل عهد إلى أحد أعضائه (هـ. دانبي) ليضع كتابًا توجيهيًا يتضمن ما وصل إليه المؤتمرون من الملاحظات والآراء (٦).
يقول (دانبي) في كتابه (ص ١): «كَانَ التَعْلِيمُ ... وَسِيلَةً قَيِّمَةً إِلَى طَبْعِ مَعْرِفَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالعَقِيدَةِ المَسِيحِيَّةِ وَالعِبَادَةِ المَسِيحِيَّةِ (فِي نُفُوسِ الطُّلاَّبِ)».
والمؤلف يفرق بين المدارس المسيحية التبشيرية. «إِنَّ المَدَارِسَ التَّبْشِيرِيَّةَ تُحَاوِلُ أَنْ تَنْقُلَ الطُّلاَّبَ مِنْ مَذَاهِبَ مُخْتَلِفَةٍ إِلَى مَذْهَبِهَا هِيَ. أَمَّا المَدَارِسُ " المَسِيحِيَّةُ " فَإِنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تُهَيِّئَ لِلْطَّالِبِ، مِنْ أَيِّ مَذْهَبٍ كَانَ، جَوًّا مَسِيحِيًّا وَتُحَمِّلُهُ فِيهِ عَلَى مُمَارَسَةِ
لِلإِيمَانِ المَسِيحِيِّ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلْمُسْلِمِ الأَمِينِ أَنْ يُعَاوِنَنَا عَلَى بُلُوغِ هَذِهِ الغَايَةِ؟ ثُمَّ إِذَا كَانَ هُوَ يَعْتَقِدُ بِهَذِهِ الغَايَةِ (لأَنَّهُ ضَعِيفُ الشَّخْصِيَّةِ خَنُوعٌ) وَلَكِنَّهُ لاَ يَخْطُو خُطْوَةً يُصَبِحُ بِهَا مَسِيحِيًّا، أَفَلاَ يَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ عَلَى تَلاَمِيذِهِ تَأْثِيرٌ سَلْبِيٌ فَيَسْتَنْتِجُونَ مِنْ سُلُوكِهِ أَنَّ الدِّينَ لَيْسَ مَوْضُوعًا ذَا أَهَمِّيَّةٍ حَاسِمَةٍ؟» (ص ٦٢، ٦٧، ٦٨).
«فَلِلْمَدَارِسِ المَسِيحِيَّةِ إِذَنْ رِسَالَةٌ تُؤَدِّيهَا. وَلِرِسَالَتِهَا هَذِهِ غَايَةٌ قُصْوَى، هِيَ أَنْ تَجْعَلَ الشُّعُوبَ كُلَّهَا فِي المُسْتَقْبَلِ تَابِعَةً لِلْكَنِيسَةِ». (ص ١٠١، رجع ص ١٤ وما بعدها إلى ١٨)
من أجل ذلك كله ترفض هذه المدارس - وفي فلسطين خاصة - أن تتقيد بالمنهاج الرسمي للبلاد (١): «إِنَّ تَقَيُّدَ هَذِهِ المَدَارِسَ بِالمَنَاهِجِ الرَّسْمِيَّةِ يُفْقِدُهَا صِفَتَهَا التَّبْشِيرِيَّةَ المَسِيحِيَّةَ وَيَجْعَلَهَا مَدْرَسَةً فِي عِدَادِ المَدَارِسِ الوَطَنِيَّةِ فَتَبْطُلُ الغَايَةُ مِنْ وُجُودِهَا». (راجع ص ٦، ١٠)
وهكذا نرى أن عقلية الأجانب، الذين يأتون إلى بلادنا باسم العلم ونشر العلم، لم تتغير قط في القرن الذي انقضى على بدء مجيئهم إلى هذه البلاد، منذ أيام (دانيال بلس) إلى أيام (ستيفن بنروز): كلهم مبشرون في الدرجة الأولى، وناشرون للعلم بِالعَرَضِ فقط. وما يقال عن الجامعة الأمريكية يقال عن الجامعة اليسوعية وعن كل إرسالية أجنبية.
وبما أن التبشير رأسًا لم يجعل أحدًا من المسلمين يصبأ إلى النصرانية، فقد اتفق المبشرون على أن يقتربوا من المسلمين بطريقة غير مباشرة. والكل متفقون على أن التعليم أفضل هذه الطرق غير المباشرة (٢). من أجل ذلك يجب ألا نستغرب إذا كانت أكثر مدارس البنين والبنات - والمدارس الأمريكية خاصة - لا تزال مرتبطة بالإرساليات (٣). ومع أن الإرساليات التبشيرية تحاول النفوذ إلى الطوائف المسيحية المتعددة في الشرق، كأن يكتسب البروتستانت مثلاً نفرًا من الأرثوذكس، فإن المقصود الأول بالتبشير من طريق التعليم هم المسلمون، وخصوصًا بعد أن تبدلت الأحوال والعقليات بعد الحرب العالمية الأولى. وهكذا كان «تَارِيخُ الأَعْمَالِ التَّبْشِيرِيَّةِ فِي البِلاَدِ الإِسْلاَمِيَّةِ، إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ، تَارِيخًا لِلْتَّعْلِيمِ الأَجْنَبِيِّ» (٤).
стр. 70
لهذه الأسباب يعمل المبشرون على استغلال الجهل بين الشعوب والأمم لينفذوا إلى غاياتهم. كتب (بنيامين ماراي) مقالاً في مجلة " العالم الإسلامي " موضوعه: " شَمَالِيُّ نَيْجِيرْيَا مَيْدَانٌ لِلْتَّبْشِيرِ " (١)، استعرض فيه حالة تلك البلاد وما هي عليه من التأخر العلمي على الأخص، «إِذْ أَنَّ [الذِينَ] يُحْسِنُونَ القِرَاءَةَ وَالكِتَابَةَ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الكِتَابَةِ فَقَطْ، لاَ يَتَجَاوَزُ اثْنَيْنِ وَنِصْفٍ بِالمِائَةِ»، ثم قال (ص ١٨١): «وَهَذَا يُتِيحُ فُرْصَةً عَظِيمَةً لِلْتَّعْلِيمِ التَّبْشِيرِيِّ المَسِيحِيِّ».
وَسَائِلُ التَّبْشِيرِ فِي أَثْنَاءِ التَّعْلِيمِ:
لما بدأ المبشرون عام ١٨٣٤ يفتحون المدارس في بلادنا كان معظمهم يقصر التعليم على التوراة والإنجيل فقط لا يريد أن يتعداهما، إذ أن غاية المبشرين الحقيقية كانت إعداد شبان للتعليم في مدارسهم أو للعمل في مكاتبهم (٢) توسيعًا لحركة التبشير. على أن بعضهم كان يود أَنْ يُعَلِّمَ الطُّلاَّبَ شيئًا آخر سوى التوارة والإنجيل (٣). ولكن المبشرين كلهم أجمعوا على أن التعليم الديني شيء أساسي في سبيل غايتهم، واقترحوا فوق ذلك أن يوحد المبشرون مشروعهم المسيحي في التعليم (٤).
في ذلك الحين كان العلم قليل الانتشار في بلادنا. يقول (هنري جسب): «إِنَّنَا إِذَا اسْتَثْنَيْنَا القُرْآنَ وَكُتُبَ الدِّينِ (كَالتَّفْسِيرِ وَالحَدِيثِ وَالفِقْهِ) بَيْنَ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ كُتُبَ اللاَّهُوتِ (الفِقْهُ المَسِيحِيُّ) بَيْنَ النَّصَارَى، لَمْ يَكُنْ ثَمَّتَ فِي البِلاَدِ العَرَبِيَّةِ كُتُبٌ» (٥).
على أن في هذا مبالغة. لقد كان ثمت كتب لغة وكتب أدب ودواوين شعر كثيرة. ولكن هذه الكتب كلها كانت على كل حال قليلة الانتشار بين عامة الشعب. ويشهد (جسب) أنه كان في ذلك العصر كثيرون من المسلمين يقرأون (ويكتبون أيضًا)، أما بين النصارى فكان الذين يستطيعون القراءة والكتابة نفرًا قليلين. من أجل ذلك كله فكر المبشرون كلهم بأن يتخذوا من التعليم وسيلة وستارًا إلى التبشير. ولقد رتبوا ذلك على المنهاج التالي:
стр. 71
إِنَّ المُبَشِّرَ الأَوَّلَ هُوَ المَدْرَسَةُ !:
١ - يجب أن يكون ثَمَّتَ مدارس حتى يستطيع المبشر أن يتصل بالناس ويدعوهم إلى مذهبه الديني. ولذلك قال اليسوعيون: «إِنَّ المُبَشِّرَ الأَوَّلَ هُوَ المَدْرَسَةُ» (١).
٢ - ولما أراد المبشرون أن يجعلوا التعليم قاصرًا على التبشير فقط، من غير أن يطلعوا على سر ذلك أحدًا، اشترطوا أن يكون المعلم في هذه المدارس أجنبيًا غير وطني. أما إذا دعت الحاجة إلى معلم وطني فليكن مسيحيًا في الدرجة الأولى (٢)، ولكن يجب أن يكون متمرنًا على التبشير (٣). ونحن إذا راجعنا أسماء الأساتذة الذين يعملون في مؤسسة كالجامعة الأمريكية مثلاً رأينا أن جميع الذين تعهدوا هذه المؤسسة من قبل، أو عملوا فيها، كانوا مبشرين. ولا يزال إلى اليوم فيها نفر مبشرون في الدرجة الأولى. وبالأمس القريب في عام ١٩٤٥ أو ١٩٤٦ وجه أستاذ من الأساتذة الذين لا يمكن أن تظن أنهم مبشرون، كل عنايته إلى طالب وأدخله المسيحية. ثم إن الجامعة أرسلت هذا الطالب إلى أحد الأديرة في بلجيكا. وإن أحدنا ليعجب ان تكون الجامعة الأمريكية إلى اليوم أيضًا مسرحًا للتبشير (٤).
ولا تزال جميع المدارس الأجنبية تسير على سياسة الاستغناء عن المعلم المسلم ما أمكن، حتى الكلية العلمانية. أما مدارس اليسوعية والفرير (*) فلا يمكن أن يعلم فيها مسلم أبدًا، وأما الكلية العلمانية في بيروت ففيها مدرس [واحد] مسلم على ما نذكر. وأما الجامعة الأمريكية في بيروت فكانت قد مالت منذ عام ١٩٢٥ إلى أن يكون فيها عدد من المدرسين المسلمين اختارتهم من أبناء الأسر المعروفة في بيروت والقدس ونابلس وحلب وحماه ودمشق، وكانت ترسلهم قبيل بدء كل عام مدرسي إلى المدن الداخلية ليشجعوا أبناءها على الدخول في الجامعة، ثم إنها أضربت عن ذلك أيضًا.
ولا حاجة بنا إلى القول بأن هؤلاء المدرسين لم يكونوا يعاملون، من حيث الراتب والرتبة، كالمدرسين الأمريكيين ولا كالمدرسين الوطنيين من غير المسلمين أيضًا، مع العلم بأن حال بعض المدرسين الوطنيين من غير المسلمين لم تكن حالاً تدعو إلى الغبطة. ولقد لقي بعض هؤلاء المدرسين المسلمين من الجامعة الأمريكية عنتًا شديدًا.
стр. 72
٣ - وكذلك طبقت مدارس المبشرين سياستها الضيقة على كتب التدريس، واعتمدت في أول أمرها كتابًا واحدًا هو التوراة (١). ولما أدركت أن هذا الكتاب وحده لا يكفي ورضيت أن تدرس التاريخ والجغرافية كانت تدرسهما من ناحية صلتهما بالتوراة فقط. ثم أضافت إلى ذلك كله موضوعات مشابهة (٢):
الكُتُبُ المَدْرَسِيَّةُ خَاصَّةً وَالطَّعْنُ عَلَى الإِسْلاَمِ:
وأخيرًا جاءت العلوم الحديثة، ولم يبق بالإمكان أن تتجاهل المدارس الأجنبية علومًا عظيمة نافعة كالرياضيات والكيمياء والحقوق والاجتماع والاقتصاد والرسم وما شابهها، فلجأت تلك المدارس حينئذٍ إلى سياسة جديدة، إلى سياسة الدس على الإسلام والتاريخ الإسلامي. أليست هذه المدارس مدارس تبشيرية؟ أو ليس هدفها الأول مقاومة العرب والإسلام؟ فلماذا لا تضيف إذن إلى خطتها العمل على تشويه سمعة خصمها؟ وهكذا انحدر التبشير والمبشرون إلى درك في التاريخ والعلم لا يحمدون على الانحدار إليه. فلنستعرض بعض آراء هؤلاء في الكتب التي يقررونها في مدارسهم.
لنأخذ أولاً الكتاب التالي ففيه أسوأ ما يمكن أن يقال، ثم لنفرع منه الآراء المنبثة في غيره من الكتب.
اسم الكتاب الذي أعنيه: " البحث عن الدين الحقيقي " (٣)، وهو محاضرات في التعليم الديني، تأليف (المنسنيور كولي). وقد صدر عن اتحاد مؤسسات التعليم المسيحي في باريس (طبعة ١٩٢٨). هذا الكتاب قد نال رضا (البابا ليون الثالث عشر) في عام ١٨٨٧ ثم عاش في المدارس المسيحية في الشرق والغرب إلى اليوم يطوي الصدور على الأحقاد نحو العرب والمسلمين، ويستفز شعور المسلمين استفزازًا شديدًا.
جاء على الصفحة ٢٢٠ من هذا الكتاب ما يلي:
«الإِسْلاَمُ - فِي القَرْنِ السَّابِعِ (لِلْمِيلاَدِ) - بَرَزَ فِي الشَّرْقِ عَدُوٌّ جَدِيدٌ، ذَلِكَ هُوَ الإِسْلاَمُ الذِي أُسِّسَ عَلَى القُوَّةِ وَقَامَ عَلَى أَشَدِّ أَنْوَاعِ التَّعَصُّبِ. لَقَدْ وَضَعَ مُحَمَّدٌ السَّيْفَ فِي أَيْدِي الذِينَ اتَّبَعُوهُ، وَتَسَاهَلَ فِي أَقْدَسِ قَوَانِينِ الأَخْلاَقِ، ثُمَّ سَمَحَ لأَتْبَاعِهِ بِالفُجُورِ
стр. 73
وَالسَّلْبِ. وَوَعَدَ الذِينَ يَهْلَكُونَ فِي القِتَالِ بِالاسْتِمْتَاعِ الدَّائِمِ بِالمَلَذَّاتِ. وَبَعْدَ قَلِيلٍ أَصْبَحَتْ آسِيَا الصُّغْرَى وَأَفْرِيقْيَا وَإِسْبَانْيَا فَرِيسَةً لَهُ، حَتَّىَ إِيطَالِيَا هَدَّدَهَا بِالخَطَرِ، وَتَنَاوَلَ الاجْتِيَاحُ نِصْفَ فِرَنْسَا. لَقَدْ أُصِيبَتْ المَدِنِيَّةُ. وَلَكِنَّ هَيَاجَ هَؤُلاَءِ الأَشْيَاعِ (المُسْلِمِينَ) تَنَاوَلَ فِي الأَكْثَرِ كِلاَبِ النَّصَارَى ... وَلَكِنْ انْظُرْ، هَا هِيَ النَّصْرَانِيَّةُ تَضَعُ بِسَيْفِ شَارْلْ مَارْتَلْ سَدًّا فِي وَجْهِ سِيْرِ الإِسْلاَمِ المُنْتَصِرِ عِنْدَ بْوَاتْيِهْ (٧٥٢ م). ثُمَّ تَعْمَلُ الحُرُوبُ الصَّلِيبِيَّةُ فِي مَدَى قَرْنَيْنِ تَقْرِيبًا (١٠٩٩ - ١٢٥٤ م) فِي سَبِيِلِ الدِّينِ، فَتُدَجِّجَ أُورُوبَا بِالسِّلاَحِ، وَتُنْجِي النَّصْرَانِيَّةَ. وَهَكَذَا تَقَهْقَرَتْ قُوَّةُ الهِلاَلَ أَمَامَ رَايَةِ الصَّلِيبِ، وَانْتَصَرَ الإِنْجِيلُ عَلَى القُرْآنِ، وَعَلَى مَا فِيهِ مِنْ قَوَانِيِنِ الأَخْلاَقِ السَّهْلَةِ ...» (١).
هذا نوع من الكتب التي تؤلف في الغرب عن الشرق، بل إن هذا النوع هو الغالب على أهل الغرب حينما يكتبون عن الشرق العربي أو الشرق المسلم: تعصب ذميم وتشويه للحقائق وإيقاد للأحقاد. ثم هم يأتون بهذه الكتب وَيُدَرِّسُونَهَا في الشرق العربي والشرق المسلم. ويظهر أن هذا الكتاب الذين نحن بصدده يُدَرَّسُ، أو كان يُدَرَّسُ على الأقل، في مدارس الإخوة المسيحية (الفرير) (*) في بيروت وفي جميع المدارس التابعة لهذه الرهبنة في غير بيروت.
هذا النوع من التأليف هو الذي أقلق السلام بين الشرق والغرب منذ أقدم الأزمنة، وهو الذي يهدد السلام كل يوم وخصوصًا في الشرق. وليس بعجيب أن تكون حكومة الانتداب الماضية قد حمت هذا النوع من التأليف وفرضته على البلاد بالقوة. إن قارئ أمثال هذا الكتاب هو أحد ثلاثة نفر: - إما أن يكون من الذين يُسَرُّونَ بمثل هذه الشتائم ليشفي صدرًا حقودًا، وهو خطر على الوطن لأنه يجر عليه أسوأ العواقب.
- وإما أنه رجل من سواد العامة يثار بمثل هذه الأمور فيقابلها حينئذٍ بمثلها، فيرد عليه آخرون قوله ثم تنتهي الحال بفتنة عمياء تأتي على كل شيء، وذلك أيضًا خطر على الوطن.
- وإما أنه رجل عاقل يرى في ثنايا ما يقرأ نفسًا صغيرة وغاية حقيرة فيحتقر صاحبها ثم يوسع حكمه إلى احتقار الذين يرضون عن صاحبها، فإذا هوممتلئ شكوكًا وحذرًا واشمئزازًا من الذين يعيشون معه، وفي ذلك أيضًا خطر على الوحدة الوطنية.
стр. 74
أضف إلى ذلك كله أن هذا تشويه للحقائق وكذب على التاريخ، وأن الأمم التي تريد أن تحيا نبيلة عظيمة صحيحة يجب أن تكون أرفع من تنحدر إلى ذلك.
وقد تكون المصيبة هينة لو أن صاحب هذا القول رجل من عُرض الناس، ولكنه رجل كاهن قانوني مثقف يمثل أحسن طبقات قومه. ثم إن البابا نفسه قد استحسن كتابه: قد استحسن اتجاهه واستحسن تفاصيل ما فيه من حوادث وأحكام واستحسن أسلوبه.
وَاجِبُ الحُكُومَاتِ الوَطَنِيَّةِ:
وبعد، فإن من أولويات الحكومات الوطنية أن تزيل أسباب التنافر والشقاق بإزالة هذا النوع من الكتب من بين أيدي طلاب اليوم ورجال الغد كي توجد في كل قطر وفي كل زمن وطنًا موحدًا سليمًا من الأحقاد والمخاطر؟
وهذا كتاب آخر يُدَرَّسُ مثلاً في الصف الرابع من المدرسة البطريركية في بيروت، وَيُدَرَّسُ بلا ريب في مدارس أخرى كثيرة في لبنان، وفي غير لبنان (وهو مطبوع في لبنان) والاسم الكامل لهذا الكتاب هو هذا:
" تاريخ محاضرات (ج. إيزاك). حررها (أ. ألبا) للشرق الأدنى "، لطلبة الصف الخامس (العصور الوسطى)، طبعته مطابع الآداب الفرنسية في بيروت (١).
جاء في هذا الكتاب:
ص ٣١ - «وَاتَّفَقَ لِمُحَمَّدٍ فِي أَثْنَاءِ رِحْلَتِهِ أَنْ يَعْرِفَ شَيْئًا قَلِيلاً مِنْ عَقَائِدِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الأَرْبَعِينَ أَخَذَتْ تَتَرَاءَى لَهُ رُؤَى أَقْنَعَتْهُ بِأَنَّ اللهَ اخْتَارَهُ رَسُولاً».
ص ٣٢ - «وَالقُرْآنُ مَجْمُوعُ مَلاَحَظَاتٍ كَانَ تَلاَمِيذُهُ يُدَوِّنُونَهَا بَيْنَمَا كَانَ هُوَ يَتَكَلَّمُ، وَقَدْ أَمَرَ مُحَمَّدٌ أَتْبَاعَهُ أَنْ يَحْمِلُوا العَالَمَ كُلَّهُ عَلَى الإِسْلاَمِ بِالسَّيْفِ إِذَا اقْتَضَتْ الضَّرُورَةُ».
ص ٣٦ - «وَبَيْنَمَا كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِظُ كَانَ المُؤْمِنُونَ بِهِ يُدَوِّنُونَ كَلِمَاتِهِ عَلَى عَجَلٍ».
ص ١٢٦ - «وَدَخَلَتْ فَلَسْطِينُ فِي سُلْطَانِ الكَفَرَةِ مُنْذُ القَرْنِ السَّابِعِ لِلْمِيلاَدِ».
стр. 75
وهنالك أيضًا كتاب آخر يستحق اهتمامنا. اسمه " تاريخ فرنسا " (١)، تأليف هـ. غيومان وف. لو ستير (لصفوف الشهادة الابتدائية).
هذا الكتاب يُدَرَّسُ في مدرسة القديس يوسف للبنات في بيروت وفي مدارس هذه الإرسالية في غير بيروت بلا ريب (٢) وقد جاء فيه مما نحن بصدده:
ص ٨٠ - ٨١: «إِنَّ مُحَمَّدًا، مُؤَسِسُ دِينِ المُسْلِمِينَ، قَدْ أَمَرَ أَتْبَاعَهُ أَنْ يُخْضِعُوا العَالَمَ وَأَنْ يُبَدِّلُوا جَمِيعَ الأَدْيَانِ بِدِينِهِ هُوَ. مَا أَعْظَمَ الفَرْقَ بَيْنَ هَؤُلاَءِ الوَثَنِيِّينَ وَبَيْنَ النَّصَارَى. إِنَّ هَؤُلاَءِ العَرَبِ قَدْ فَرَضُوا دِينَهُمْ بِالقُوَّةِ وَقَالُوا لِلْنَّاسِ: " أَسْلِمُوا أَوْ تَمُوتُوا "، بَيْنَمَا أَتْبَاعُ المَسِيحِ رَبِحُوا النُّفُوسَ بِبِرِّهِمْ وَإِحْسَانِهِمْ.
مَاذَا كَانَتْ حَالُ العَالَمِ لَوْ أَنَّ العَرَبَ انْتَصَرُوا عَلَيْنَا؟ إِذَنْ لَكِنَّا نَحْنُ اليَوْمَ مُسْلِمِينَ كَالجَزَائِرِيِّينَ وَالمَرَّاكِشِيِّينَ».
بمثل هذا الحقد يكتب المبشرون الكتب، ويضعونها في المدارس لأبنائنا ثم يزعمون أنهم جاءوا للتعليم والتهذيب. لقد صدق العرب: إن فاقد الشيء لا يعطيه. أفبمثل هذا يسعى سعاة الأمم بأن يقروا السلام في العالم والاطمئنان بين الشعوب والأمم؟ إن الاطمئنان والسلام لن يسودا ما دام هؤلاء المبشرون يزرعون أرض العالم أحقادًا وبغضاء.
٤ - ويلحق بكتب التدريس التي عني بها المبشرون والتي تتضمن تهجمًا على العرب والإسلام كتب الخلافات، وهي كتب تتضمن ردودًا على الإسلام واعتراضات على عقائده وتاريخه (٣). هذه الكتب لا تختلف كثيرًا عن النموذج الذي رأيناه قبل بضعة أسطر، ولكن يقصد بها طبقات القراء من الناس لا الذين لا يزالون على مقاعد الدراسة فقط.
٥ - ومن سياسة المبشرين إقامة الاجتماعات التي تلقى فيها الخطب وتقام فيها المناظرات والمجادلات (٤).