إِنَّ المُبَشِّرَ الأَوَّلَ هُوَ المَدْرَسَةُ !:
١ - يجب أن يكون ثَمَّتَ مدارس حتى يستطيع المبشر أن يتصل بالناس ويدعوهم إلى مذهبه الديني. ولذلك قال اليسوعيون: «إِنَّ المُبَشِّرَ الأَوَّلَ هُوَ المَدْرَسَةُ» (١).
٢ - ولما أراد المبشرون أن يجعلوا التعليم قاصرًا على التبشير فقط، من غير أن يطلعوا على سر ذلك أحدًا، اشترطوا أن يكون المعلم في هذه المدارس أجنبيًا غير وطني. أما إذا دعت الحاجة إلى معلم وطني فليكن مسيحيًا في الدرجة الأولى (٢)، ولكن يجب أن يكون متمرنًا على التبشير (٣). ونحن إذا راجعنا أسماء الأساتذة الذين يعملون في مؤسسة كالجامعة الأمريكية مثلاً رأينا أن جميع الذين تعهدوا هذه المؤسسة من قبل، أو عملوا فيها، كانوا مبشرين. ولا يزال إلى اليوم فيها نفر مبشرون في الدرجة الأولى. وبالأمس القريب في عام ١٩٤٥ أو ١٩٤٦ وجه أستاذ من الأساتذة الذين لا يمكن أن تظن أنهم مبشرون، كل عنايته إلى طالب وأدخله المسيحية. ثم إن الجامعة أرسلت هذا الطالب إلى أحد الأديرة في بلجيكا. وإن أحدنا ليعجب ان تكون الجامعة الأمريكية إلى اليوم أيضًا مسرحًا للتبشير (٤).
ولا تزال جميع المدارس الأجنبية تسير على سياسة الاستغناء عن المعلم المسلم ما أمكن، حتى الكلية العلمانية. أما مدارس اليسوعية والفرير (*) فلا يمكن أن يعلم فيها مسلم أبدًا، وأما الكلية العلمانية في بيروت ففيها مدرس [واحد] مسلم على ما نذكر. وأما الجامعة الأمريكية في بيروت فكانت قد مالت منذ عام ١٩٢٥ إلى أن يكون فيها عدد من المدرسين المسلمين اختارتهم من أبناء الأسر المعروفة في بيروت والقدس ونابلس وحلب وحماه ودمشق، وكانت ترسلهم قبيل بدء كل عام مدرسي إلى المدن الداخلية ليشجعوا أبناءها على الدخول في الجامعة، ثم إنها أضربت عن ذلك أيضًا.
ولا حاجة بنا إلى القول بأن هؤلاء المدرسين لم يكونوا يعاملون، من حيث الراتب والرتبة، كالمدرسين الأمريكيين ولا كالمدرسين الوطنيين من غير المسلمين أيضًا، مع العلم بأن حال بعض المدرسين الوطنيين من غير المسلمين لم تكن حالاً تدعو إلى الغبطة. ولقد لقي بعض هؤلاء المدرسين المسلمين من الجامعة الأمريكية عنتًا شديدًا.
стр. 72
٣ - وكذلك طبقت مدارس المبشرين سياستها الضيقة على كتب التدريس، واعتمدت في أول أمرها كتابًا واحدًا هو التوراة (١). ولما أدركت أن هذا الكتاب وحده لا يكفي ورضيت أن تدرس التاريخ والجغرافية كانت تدرسهما من ناحية صلتهما بالتوراة فقط. ثم أضافت إلى ذلك كله موضوعات مشابهة (٢):
الكُتُبُ المَدْرَسِيَّةُ خَاصَّةً وَالطَّعْنُ عَلَى الإِسْلاَمِ:
وأخيرًا جاءت العلوم الحديثة، ولم يبق بالإمكان أن تتجاهل المدارس الأجنبية علومًا عظيمة نافعة كالرياضيات والكيمياء والحقوق والاجتماع والاقتصاد والرسم وما شابهها، فلجأت تلك المدارس حينئذٍ إلى سياسة جديدة، إلى سياسة الدس على الإسلام والتاريخ الإسلامي. أليست هذه المدارس مدارس تبشيرية؟ أو ليس هدفها الأول مقاومة العرب والإسلام؟ فلماذا لا تضيف إذن إلى خطتها العمل على تشويه سمعة خصمها؟ وهكذا انحدر التبشير والمبشرون إلى درك في التاريخ والعلم لا يحمدون على الانحدار إليه. فلنستعرض بعض آراء هؤلاء في الكتب التي يقررونها في مدارسهم.
لنأخذ أولاً الكتاب التالي ففيه أسوأ ما يمكن أن يقال، ثم لنفرع منه الآراء المنبثة في غيره من الكتب.
اسم الكتاب الذي أعنيه: " البحث عن الدين الحقيقي " (٣)، وهو محاضرات في التعليم الديني، تأليف (المنسنيور كولي). وقد صدر عن اتحاد مؤسسات التعليم المسيحي في باريس (طبعة ١٩٢٨). هذا الكتاب قد نال رضا (البابا ليون الثالث عشر) في عام ١٨٨٧ ثم عاش في المدارس المسيحية في الشرق والغرب إلى اليوم يطوي الصدور على الأحقاد نحو العرب والمسلمين، ويستفز شعور المسلمين استفزازًا شديدًا.
جاء على الصفحة ٢٢٠ من هذا الكتاب ما يلي:
«الإِسْلاَمُ - فِي القَرْنِ السَّابِعِ (لِلْمِيلاَدِ) - بَرَزَ فِي الشَّرْقِ عَدُوٌّ جَدِيدٌ، ذَلِكَ هُوَ الإِسْلاَمُ الذِي أُسِّسَ عَلَى القُوَّةِ وَقَامَ عَلَى أَشَدِّ أَنْوَاعِ التَّعَصُّبِ. لَقَدْ وَضَعَ مُحَمَّدٌ السَّيْفَ فِي أَيْدِي الذِينَ اتَّبَعُوهُ، وَتَسَاهَلَ فِي أَقْدَسِ قَوَانِينِ الأَخْلاَقِ، ثُمَّ سَمَحَ لأَتْبَاعِهِ بِالفُجُورِ
стр. 73
وَالسَّلْبِ. وَوَعَدَ الذِينَ يَهْلَكُونَ فِي القِتَالِ بِالاسْتِمْتَاعِ الدَّائِمِ بِالمَلَذَّاتِ. وَبَعْدَ قَلِيلٍ أَصْبَحَتْ آسِيَا الصُّغْرَى وَأَفْرِيقْيَا وَإِسْبَانْيَا فَرِيسَةً لَهُ، حَتَّىَ إِيطَالِيَا هَدَّدَهَا بِالخَطَرِ، وَتَنَاوَلَ الاجْتِيَاحُ نِصْفَ فِرَنْسَا. لَقَدْ أُصِيبَتْ المَدِنِيَّةُ. وَلَكِنَّ هَيَاجَ هَؤُلاَءِ الأَشْيَاعِ (المُسْلِمِينَ) تَنَاوَلَ فِي الأَكْثَرِ كِلاَبِ النَّصَارَى ... وَلَكِنْ انْظُرْ، هَا هِيَ النَّصْرَانِيَّةُ تَضَعُ بِسَيْفِ شَارْلْ مَارْتَلْ سَدًّا فِي وَجْهِ سِيْرِ الإِسْلاَمِ المُنْتَصِرِ عِنْدَ بْوَاتْيِهْ (٧٥٢ م). ثُمَّ تَعْمَلُ الحُرُوبُ الصَّلِيبِيَّةُ فِي مَدَى قَرْنَيْنِ تَقْرِيبًا (١٠٩٩ - ١٢٥٤ م) فِي سَبِيِلِ الدِّينِ، فَتُدَجِّجَ أُورُوبَا بِالسِّلاَحِ، وَتُنْجِي النَّصْرَانِيَّةَ. وَهَكَذَا تَقَهْقَرَتْ قُوَّةُ الهِلاَلَ أَمَامَ رَايَةِ الصَّلِيبِ، وَانْتَصَرَ الإِنْجِيلُ عَلَى القُرْآنِ، وَعَلَى مَا فِيهِ مِنْ قَوَانِيِنِ الأَخْلاَقِ السَّهْلَةِ ...» (١).
هذا نوع من الكتب التي تؤلف في الغرب عن الشرق، بل إن هذا النوع هو الغالب على أهل الغرب حينما يكتبون عن الشرق العربي أو الشرق المسلم: تعصب ذميم وتشويه للحقائق وإيقاد للأحقاد. ثم هم يأتون بهذه الكتب وَيُدَرِّسُونَهَا في الشرق العربي والشرق المسلم. ويظهر أن هذا الكتاب الذين نحن بصدده يُدَرَّسُ، أو كان يُدَرَّسُ على الأقل، في مدارس الإخوة المسيحية (الفرير) (*) في بيروت وفي جميع المدارس التابعة لهذه الرهبنة في غير بيروت.
هذا النوع من التأليف هو الذي أقلق السلام بين الشرق والغرب منذ أقدم الأزمنة، وهو الذي يهدد السلام كل يوم وخصوصًا في الشرق. وليس بعجيب أن تكون حكومة الانتداب الماضية قد حمت هذا النوع من التأليف وفرضته على البلاد بالقوة. إن قارئ أمثال هذا الكتاب هو أحد ثلاثة نفر: - إما أن يكون من الذين يُسَرُّونَ بمثل هذه الشتائم ليشفي صدرًا حقودًا، وهو خطر على الوطن لأنه يجر عليه أسوأ العواقب.
- وإما أنه رجل من سواد العامة يثار بمثل هذه الأمور فيقابلها حينئذٍ بمثلها، فيرد عليه آخرون قوله ثم تنتهي الحال بفتنة عمياء تأتي على كل شيء، وذلك أيضًا خطر على الوطن.
- وإما أنه رجل عاقل يرى في ثنايا ما يقرأ نفسًا صغيرة وغاية حقيرة فيحتقر صاحبها ثم يوسع حكمه إلى احتقار الذين يرضون عن صاحبها، فإذا هوممتلئ شكوكًا وحذرًا واشمئزازًا من الذين يعيشون معه، وفي ذلك أيضًا خطر على الوحدة الوطنية.
стр. 74
أضف إلى ذلك كله أن هذا تشويه للحقائق وكذب على التاريخ، وأن الأمم التي تريد أن تحيا نبيلة عظيمة صحيحة يجب أن تكون أرفع من تنحدر إلى ذلك.
وقد تكون المصيبة هينة لو أن صاحب هذا القول رجل من عُرض الناس، ولكنه رجل كاهن قانوني مثقف يمثل أحسن طبقات قومه. ثم إن البابا نفسه قد استحسن كتابه: قد استحسن اتجاهه واستحسن تفاصيل ما فيه من حوادث وأحكام واستحسن أسلوبه.
وَاجِبُ الحُكُومَاتِ الوَطَنِيَّةِ:
وبعد، فإن من أولويات الحكومات الوطنية أن تزيل أسباب التنافر والشقاق بإزالة هذا النوع من الكتب من بين أيدي طلاب اليوم ورجال الغد كي توجد في كل قطر وفي كل زمن وطنًا موحدًا سليمًا من الأحقاد والمخاطر؟
وهذا كتاب آخر يُدَرَّسُ مثلاً في الصف الرابع من المدرسة البطريركية في بيروت، وَيُدَرَّسُ بلا ريب في مدارس أخرى كثيرة في لبنان، وفي غير لبنان (وهو مطبوع في لبنان) والاسم الكامل لهذا الكتاب هو هذا:
" تاريخ محاضرات (ج. إيزاك). حررها (أ. ألبا) للشرق الأدنى "، لطلبة الصف الخامس (العصور الوسطى)، طبعته مطابع الآداب الفرنسية في بيروت (١).
جاء في هذا الكتاب:
ص ٣١ - «وَاتَّفَقَ لِمُحَمَّدٍ فِي أَثْنَاءِ رِحْلَتِهِ أَنْ يَعْرِفَ شَيْئًا قَلِيلاً مِنْ عَقَائِدِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الأَرْبَعِينَ أَخَذَتْ تَتَرَاءَى لَهُ رُؤَى أَقْنَعَتْهُ بِأَنَّ اللهَ اخْتَارَهُ رَسُولاً».
ص ٣٢ - «وَالقُرْآنُ مَجْمُوعُ مَلاَحَظَاتٍ كَانَ تَلاَمِيذُهُ يُدَوِّنُونَهَا بَيْنَمَا كَانَ هُوَ يَتَكَلَّمُ، وَقَدْ أَمَرَ مُحَمَّدٌ أَتْبَاعَهُ أَنْ يَحْمِلُوا العَالَمَ كُلَّهُ عَلَى الإِسْلاَمِ بِالسَّيْفِ إِذَا اقْتَضَتْ الضَّرُورَةُ».
ص ٣٦ - «وَبَيْنَمَا كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِظُ كَانَ المُؤْمِنُونَ بِهِ يُدَوِّنُونَ كَلِمَاتِهِ عَلَى عَجَلٍ».
ص ١٢٦ - «وَدَخَلَتْ فَلَسْطِينُ فِي سُلْطَانِ الكَفَرَةِ مُنْذُ القَرْنِ السَّابِعِ لِلْمِيلاَدِ».
стр. 75
وهنالك أيضًا كتاب آخر يستحق اهتمامنا. اسمه " تاريخ فرنسا " (١)، تأليف هـ. غيومان وف. لو ستير (لصفوف الشهادة الابتدائية).
هذا الكتاب يُدَرَّسُ في مدرسة القديس يوسف للبنات في بيروت وفي مدارس هذه الإرسالية في غير بيروت بلا ريب (٢) وقد جاء فيه مما نحن بصدده:
ص ٨٠ - ٨١: «إِنَّ مُحَمَّدًا، مُؤَسِسُ دِينِ المُسْلِمِينَ، قَدْ أَمَرَ أَتْبَاعَهُ أَنْ يُخْضِعُوا العَالَمَ وَأَنْ يُبَدِّلُوا جَمِيعَ الأَدْيَانِ بِدِينِهِ هُوَ. مَا أَعْظَمَ الفَرْقَ بَيْنَ هَؤُلاَءِ الوَثَنِيِّينَ وَبَيْنَ النَّصَارَى. إِنَّ هَؤُلاَءِ العَرَبِ قَدْ فَرَضُوا دِينَهُمْ بِالقُوَّةِ وَقَالُوا لِلْنَّاسِ: " أَسْلِمُوا أَوْ تَمُوتُوا "، بَيْنَمَا أَتْبَاعُ المَسِيحِ رَبِحُوا النُّفُوسَ بِبِرِّهِمْ وَإِحْسَانِهِمْ.
مَاذَا كَانَتْ حَالُ العَالَمِ لَوْ أَنَّ العَرَبَ انْتَصَرُوا عَلَيْنَا؟ إِذَنْ لَكِنَّا نَحْنُ اليَوْمَ مُسْلِمِينَ كَالجَزَائِرِيِّينَ وَالمَرَّاكِشِيِّينَ».
بمثل هذا الحقد يكتب المبشرون الكتب، ويضعونها في المدارس لأبنائنا ثم يزعمون أنهم جاءوا للتعليم والتهذيب. لقد صدق العرب: إن فاقد الشيء لا يعطيه. أفبمثل هذا يسعى سعاة الأمم بأن يقروا السلام في العالم والاطمئنان بين الشعوب والأمم؟ إن الاطمئنان والسلام لن يسودا ما دام هؤلاء المبشرون يزرعون أرض العالم أحقادًا وبغضاء.
٤ - ويلحق بكتب التدريس التي عني بها المبشرون والتي تتضمن تهجمًا على العرب والإسلام كتب الخلافات، وهي كتب تتضمن ردودًا على الإسلام واعتراضات على عقائده وتاريخه (٣). هذه الكتب لا تختلف كثيرًا عن النموذج الذي رأيناه قبل بضعة أسطر، ولكن يقصد بها طبقات القراء من الناس لا الذين لا يزالون على مقاعد الدراسة فقط.
٥ - ومن سياسة المبشرين إقامة الاجتماعات التي تلقى فيها الخطب وتقام فيها المناظرات والمجادلات (٤).
стр. 76
٦ - ومن سياستهم أيضًا بناء كنيسة إلى جانب كل مدرسة (١). ولا ضرر مخصوص من ذلك.
٧ - ويرى المبشرون أن يتظاهروا بدرس مشاكل الشباب المختلفة وبذلك ينفذون إلى نفوس الشباب من أهون الطرق لاجتذابهم إلى أديانهم ومذاهبهم. وإذا لم يستطع المبشرون ذلك فما عليهم إلا أن يوجهوا الشباب توجيهًا مسيحيًا (٢).
فالمبشرون إِذًا، إذا عملوا في التعليم، فإنهم لا يقصدون بذلك وجه العلم. إنهم يحاولون أن يستغلوا العلم في سبيل شيء آخر.
نَشَاطُ المُبَشِّرِينَ مِنْ طَرِيقِ التَّعْلِيمِ:
لقد أساء المبشرون إلى أشرف مبادئ الإنسانية، إلى العلم، لما اتخذوا منه وسيلة إلى التبشير. إن الأب الذي يأتمن على ابنه مدرسة ما من المدارس يقدم أثمن ما لديه وهو يعتقد أنه وضع ابنه - وهو لا يزال ساذجًا بريئًا - بين يدي أنبل الناس، بين يدي المعلمين. ولكن المعلم المبشر مخلوق قد نفرت من قلبه أجمل معاني الإنسانية، فقد نفرت من قلبه الأمانة والاستقامة والصدق. نحن نفهم أن يتعرض المبشر لرجل ناضج ويحاول أن يستميله بضروب الاستمالات، كما يتعرض الشيوعي أو الجمهوري أو الملكي أو الاشتراكي إلى الناس ليقنعهم بصواب مذهبه. أما أن يتخذ رجل أشرف ثوب أسبغه اللهُ على الإنسانية ليخادع به الأطفال ومن فوقهم قليلاً، فهذا عندنا وعند الناس كلهم منتهى الكفران للأمانة التي علقت في رقاب البشر. ألم يقل شاعرنا شوقي:
قُمْ لِلْمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلاَ ... كَادَ المُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولاَ
أَعَلِمْتَ أَشْرَفَ وَأَجَلَّ مِنَ الذِي ... يَبْنِي وَيُنْشِئُ أَنْفُسًا وَعُقُولاَ؟
هذا الذي ظنه شوقي، وظنه الناس كلهم، أشرف الناس قد جاء إلى بلادنا يلبس ثوب التقى ويتظاهر بعنون الإنسانية بينما تنطوي نفسه على أعظم قسط من الرياء يستغله في أشرف مكان على هذه الأرض، في المدرسة. وإذا نحن علمنا أن الإسلام قد قال على لسان رسول الله محمد ﷺ : «عِلْمُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةٍ» (*)، أدركنا مقدار ما في نفوس المبشرين، الذين يتخذون العلم وسيلة إلى غاية ضيقة ومستورة،
стр. 77
من النفاق والرياء والجناية على الإنسان والروح الإنسانية.
على أن المبشرين استغلوا العلم النبيل ستارًا لغايات هي بدورها ستار لغايات أخرى، لقد تظاهروا بالعلم وتظاهروا بالإحسان إلى الناس وتظاهروا بالدين، ولكنهم في الحقيقة يريدون - هم ومن استخدمهم - أن يصلوا من طريق هذا النشاط البريء في ظاهره إلى استعباد الشرق واستغلاله سياسيًا واقتصاديًا.
في عام ١٢٩٤ للميلاد ظفر (رامون لل) (١) بمقابلة من (البابا سلستين الخامس) وقدم له كتابين فيهما خطة للتبشير بين المسلمين في الأكثر. وكانت خطة (رامون لل) ذات شقين، أولهما أن تتخذ الكنيسة العلم والمدارس وسيلة للتبشير، وثانيهما أن ينصر المسلمين بالقوة إذا لم تنجح فيهم الجهود السلمية (٢).
ومع أن (البابا سلستين) هذا لم يصغ تمام الإصغاء إلى (رامون لل) (٣). فإن التبشير مشروع بابوي متميز حتى من النصرانية نفسها (٤). إن (غريغوريوس السادس عشر) الذي أصبح بَابَا عام ١٨٣١ قد شجع اليسوعيين على المجيء إلى سورية وأمر بالعمل فيها (٥). وكذلك أعطى (البابا ليون الثالث عشر) اليسوعيين في سورية عام ١٨٨١ حق منح الشهادات بأنواعها. وهكذا أصبحت جامعة القديس يوسف جامعة باباوية (٦).
أما (بيوس الحادي عشر) الذي جاء إلى عرش رومية عام ١٩٢٢ فقد كان يسمى بابا التبشير (٧). وهكذا نرى أن التبشير من طريق التعليم مشروع باباوي في أساسه وتطوره.
وللتعليم عند المبشرين غاية واحدة، هي تنصير التلاميذ الذين يحضرون إلى المدارس. في الكية الإنجليزية في القدس طلاب مسلمون ونصارى ويهود. وكانت سياسة المدرسة أن تبشر فيهم كلهم (٨). إلا أن المقصود بالتبشير هو المجموع الإسلامي.
ذلك لأن تاريخ الأعمال التبشيرية في بلاد الإسلام كان إلى حد كبير تاريخًا للتعليم التبشيري (٩).
ولقد استغل المبشرون التعليم لأن التعليم أثرًا فعالاً، بل هو أقوى وسائل التبشير. وعلى هذا الأساس بدأ المبشرون بإنشاء مدارسهم. حتى أنهم أنشأوا أول مدرسة
стр. 78
للبنات في الإمبراطورية العثمانية عام ١٨٣٠ في بيروت (١). والمبشرون يرون أيضًا أن الوسيلة التي تأتي بأحسن الثمار في تنصير المسلمين إنما هي تعليم أولادهم الصغار (٢).
من أجل ذلك لم نستغرب أن يدعو المبشرون إلى إنشاء مدارس كثيرة في البلاد الإسلامية، فإنهم بهذه الطريقة يخرجون التلاميذ المسلمين من عناية المدارس المسلمة. ففي مصر مثلاً ترى المبشرين يكثرون من مدارسهم لينتزعوا المسلمين والأقباط على السواء من مدارس الحكومة فيخروجون التلاميذ من نطاق التعليم الإسلامي إلى مدى التعليم المسيحي (٣). وهكذا رأينا البروتستانت خاصة ينشرون مدارسهم في جميع أنحاء الشرق الأدنى (٤). ويفتخر (جسب) بأن مجموع عدد التلاميذ في المدارس الأمريكية البروتستانتية كان في عام ١٨٩١ يبلغ ٧١١٧، فإذا أضيف إليهم عدد الطلاب في سائر المدارس البروتستانتية كان ثمت خمسة عشر ألف طفل في قبضة التعليم الإنجيلي (٥). وبعد ثماني عشرة سنة، أي عام ١٩٠٩، كان للأمريكان وحدهم مائة وأربع وسبعون مدرسة في سورية وحدها منثورة في المدن والقرى (٦). والمبشرون يحرصون على أن تكون المدارس هذه أجنبية لأنها هي التي تجعل المسلمين أقرب إلى التوراة (٧).
ولكي يكون التبشير كاملاً يرى المبشرون أن يتولوا هو التعليم في جميع أنواعه ودرجاته (٨). فرياض الأطفال مثلاً مهمة جدًا لأن التعليم الديني في هذه المدارس يجعلها بَابًا مفتوحًا للتبشير وللتأثير في عقول الأطفال الغضة. ثم إن الذين يشرفون على رياض الأطفال يكونون أكثر اتصالاً بأهل الطلاب من الذين يشرفون على المدارس العالية (٩). وكذلك التعليم الابتدائي وسيلة ثمينة للتبشير لأنه يمكن المبشرين من أن يثبتوا أقدامهم في القرى (١٠) تحت ستار التعليم الابتدائي الذي تحتاج إليه القرى في الدرجة الأولى. وللمدارس الابتدائية فضل على الكليات لأنها تمكن المبشر من أن يصل إلى العقول وهي لا تزال تتأثر بما يلقى إليها. ثم إن المدارس الابتدائية كرياض
стр. 79
الأطفال تساعد على أن يتصل المبشرون بأهل الطلاب (١). وأكثر ما وصل إليه المبشرون البروتستانت إنما كان عن طريق المدارس الابتدائية (٢).
أما اليسوعيين خاصة فيجعلون الصفوف الدنيا في عهدة الراهبات، لأن الطلاب «الصغار» (٣) هم فسائل (شتل) تغرس فيما بعد في الكليات، فيجب أن تكون هذه الفسائل مطبوعة طبعًا خاصًا (٤).
التَّبْشِيرُ وِفَادَةُ البِلاَدِ فِي المُسْتَقْبَلِ:
والتعليم العالي عند المبشرين لا يقل أهمية عن سائر درجات التعليم، ذلك أنه يساعدهم على الوصول إلى الطبقات المثقفة، بل لعله أهم منها كلها. ولقد أدرك المبشرون منذ زمن أن التبشير قد خاب لأن الأفراد الذين لفتهم المبشرون عن الإسلام إلى النصرانية كانوا قليلين، ولم يكن لهم الأثر المنتظر. فلما اعتقدوا أن لا قدرة لهم على جعل المسلم نصرانيًا أحبوا أن يجعلوا الآراء المسيحية تتسرب إلى المسلمين وإلى المثقفين منهم خاصة. ثم إنهم اعتقدوا أن هذه الآراء تتسرب بعدئذٍ من تلقاء نفسها إلى المجتمع الإسلامي. هذه هي الفكرة التي أقنعت المبشرين بضرورة إنشاء المعاهد العالية في البلاد الإسلامية (٥).
وكذلك كان للمبشرين غاية أخرى من التعليم العالي، هي أن يؤثروا في قادة الرأي في البلاد، وفي الجيل الناشئ في الشرق الأدنى خاصة، ذلك التأثير الذي لا يمكن أن يتحقق إذا لم يكن ثمة تعليم عال (٦). وعلى هذا الأساس أوجد المبشرون البروتستانت كلية في بيروت عام ١٨٦٢ وجعلوا على رأسها المحترم (دانيال بلس) (٧). هذه الكلية أصبحت فيما بعد: الكلية السورية الإنجيلية، ثم هي اليوم الجامعة الأمريكية في بيروت.
ومن رأي المبشرين أن تؤسس الكليات في المراكز الإسلامية، ولذلك لم يكتفوا ببيروت بل أرادوا أن يكون ثمة كلية في القاهرة نفسها إلى جانب الجامع الأزهر (٨).
стр. 80
وهكذا أصبح للمبشرين الأمريكيين الكلية الأمريكية في القاهرة، بعد كلية روبرت في استانبول أيضًا. ولم يكن رأي المبشرين الفرنسيين مخالفًا لذلك فأنشأوا كلية لهم في مدينة لاهور (١)، وهي مدينة من المدن الإسلامية الكبرى في الهند (وعاصمة مقاطعة [البنجاب] في باكستان اليوم).
نَشَاطُ المُبَشِّرِينَ فِي إِنْشَاءِ المَدَارِسِ:
لما نزل المبشرون الأمريكيون من البروتستانت في سورية حوالي ١٨٢٠ كانت الفكرة التي تراودهم منذ ذلك الحين أن يبشروا من طريق التعليم، ولذلك لا نستغرب إذا رأيناهم ينتشرون في كفرشيما (قرب بيروت) وفي بحمدون بجبل لبنان ثم في طرابلس وحمص وغيرها. إلا أن بؤرة نشاطهم التعليمي التبشيري كانت في بلدة " عبيه " الدرزية في جبل لبنان، حيث أنشأوا مدرسة لتخريج المعلمين والواعظين (المبشرين) عام ١٨٤٣ وجعلوها برئاسة الدكتور (كارنيليوس فان ديك) (٢). وفي كانون الثاني من عام ١٨٥٩ أسس البروتستانت الأمريكيون في " عبيه " أيضًا مدرسة للبنات (٣). ومثل البروتستانت فعل اليسوعيون: لقد أنشأ اليسوعيون مدرستهم الأولى في " غزير " (في كسروان - جبل لبنان) ولكنهم فيما بعد نقلوا نشاطهم إلى بيروت (٤) كما فعل الأمريكيون من قبل. وسنرى تفصيل ذلك كله (٥).
ومع كثرة المنافسة بين فرق المبشرين المختلفة في التعليم وفي غير التعليم فإن هذه الفرق اتفقت كلها على المسلمين. ففي عام ١٩١٢ كان في سورية كلها ثمان وثلاثون مؤسسة تبشيرية ما بين إنكليزية وإسكوتلندية وإيرلندية وألمانية وسويدية ودنماركية وأمريكية طبعًا، لها مدارس كثيرة. وقد كانت هذه المؤسسات، مع تضارب سياساتها ومع كل ما بينها من التنافس، متفقة على وضع التوراة في العربية بين أيدي الطلاب على أنه كتاب تدريس أساسي (٦). ولقد اتفقت المؤتمرات المحلية التي عقدت عام ١٩٢٤ في القدس وبرمانا (لبنان) و [قسنطينة] (الجزائر) وحلوان (مصر) وفي بغداد
стр. 81
على التعاون بين المبشرين كلهم للوصول إلى أهدافهم في العالم الإسلامي (١). والتبشير من طريق التعليم مقصود به المسلمون خاصة (٢).
ولقد استطاع المبشرون أن يبعثوا كثيرًا من العداوة بين الطلاب حينما اتبعوا سياسة تقضي باستخدام الطلاب النصارى في مدارسهم وسطاء إلى التبشير بين الطلاب المسلمين كما حدث في مصر (٣).
إِجْبَارُ المُسْلِمِينَ عَلَى دُخُولِ الكَنِيسَةِ فِي مَدَارِسِ التَّبْشِيرِ:
إن المدارس الأجنبية كانت تجبر جميع طلابها على دخول كنيسة المدرسة مرة كل يوم. ولا تزال مدارس الإرساليات الفرنسية تفعل ذلك إلى يومنا هذا أو أنها ظلت تفعل ذلك إلى زمن قريب على الأقل.
وكذلك كانت الكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأمريكية اليوم) تفعل ذلك فتجبر جميع طلابها على دخول الكنيسة وعلى حضور درس التوراة. فلما أعلنت الحرية عام ١٩٠٨ أقسم عدد من الطلاب ألا يحضروا دروس الدين المسيحي وألا يدخلوا الكنيسة. وعجزت الكلية عن أن تطردهم لأن عددهم كان مائة وستين تليمذًا. فاضطرت إلى أن تعفيهم من حضور دروس التوراة ومن دخول الكنيسة مَعًا.
في ذلك الحين كان (هوارد بلس)، مدير الكلية، غائبًا. فلما عاد عمد إلى تسوية مبنية على أن الطلاب غير النصارى معفون من دخول الكنيسة، ولكنهم غير معفين من دروس التوراة. وهذا هو الذي أبقى في رأي المبشرين على الشخصية الدينية للكلية (٤).
وفي سنة ١٩١٢ كان على جميع الطلاب أن يحضروا قداس الوعظ يوم الأحد. وكان ثمت اجتماعات دينية يتوجب حضورها على بعض طبقات الطلاب (٥).
وحتى عام ١٩٢٢ كانت الجامعة الأمريكية لا تزال تصر على تعليم التوراة في صفوفها إذا استطاعت. في العام المدرسي ١٩٢١ - ١٩٢٢ انتقلت (٦) من مدرسة رأس بيروت التابعة لجامعة بيروت الأمريكية إلى الجامعة نفسها ودخلت إلى الصف الثالث الاستعدادي.
стр. 82
كانت الجامعة لا تزال يومذاك في عهدها المخضرم تخير طلابها بين أن يحضروا صفوف التوراة وبين أن يتلقوا دروسًا في الأخلاق. ولم يكن مستغربًا أن تختار الفرقة التي كنت أنا فيها دروس الأخلاق. على أننا فوجئنا بكتاب وضعته الجامعة بين أيدينا لا يختلف عن التوراة في شيء إلا في اسمه فقط، أما موضوعاته فقصص مأخوذة من التوراة ومن أخبار القديسين. فرفضنا نحن شراء الكتاب أو قبول تعيين درس منه.
ولقد أحسنت إدراة الدائرة الاستعدادية يومذاك الاختيار فاستدعتني أنا وألقت علي تهمة تحريض الصف - مع أن هذا الشرف لم يكن لي وحدي - وخاطبني الرئيس (وليم هول) بكلام قاس، ثم قال لي: «بِمَا أَنَّ اعْتِرَاضَكَ كَانَ حَقًّا فَقَدْ أَلْغَيْنَا الكِتَابَ، وَلَكِنْ بِمَا أن رَدَّكَ على (المِسْتِرْ كْلاَتِسْ) فِي أَثْنَاءِ الصَّفِّ كَانَ خَارِجًا عَنْ اللِّيَاقَةِ المَدْرَسِيَّةِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْكَ " الجَجْزُ " بَعْدَ ظُهْرِ الأَرْبِعَاءِ. وَلَقَدْ كَانَ مُرَاقِبُ الحَجْزِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ الأُسْتَاذُ (فريد مدور)».
وكان من الحكمة أن أتقيد بأمر الرئيس (وليم هول) طائعًا مختارًا، لأن حجزي ألقي علي قضية الاختيار بين دروس التوراة ودروس الأخلاق نورًا فاضحًا. بعد أسبوع دعا الأستاذ (كلاتس) تلاميذ الفرقة التي أنا فيها وأقام لنا في غرفته حفلة بسيطة دلت على أن الهيئات التبشيرية قد تستطيع أحيانًا أن تسدل دون الضمير الإنساني ستارًا، ولكنها لا تستطيع أن تميته. إن هذ الحجز القصير قد ربح قضية لم تكن تافهة على الإطلاق: لقد ألغي منذ ذلك اليوم درس التوراة نهائيًا في الجامعة الأمريكية واستعيض عنه بدرس للأخلاق والتربية المدنية علمنا إياه في العام التالي المستر (بيارد ضودج) (الرئيس ضودج فيما بعد).
التَّبْشِيرُ بَيْنَ الأُمِّيِّينَ:
يستطيع المبشرون من طريق المدارس أن يصلوا إلى المتعلمين. أما الأميون فلا سبيل إلى الوصول إليهم من هذه الطريق. ولقد عد المبشرون ذلك صعوبة بالغة (١)، ثم تفتقت قريحتهم عن أن يعمد المبشر إلى الاتصال الشخصي بالأميين وأن يبدأ الكلام معهم على مقام عيسى ﵇ في " القرآن الكريم "، فيتكلم مثلاً عن المسيح بأنه روح الله كما جاء في القرآن، أو يقول عنه: «حضرة عيسى» كما يقال في الهند. وعلى المبشر
стр. 83
أن يقول أمام الأميين " القرآن الكريم "، وأن يذكر الشفاعة والجنة وما إلى ذلك من الألفاظ الإسلامية استمالة للسامعين الأميين. فإذا وثق من آذانهم صب فيها تبشيره (١).
ولقد وسع (لويس ماسينيون) أستاذ جامعة فرنسا في باريس والداعية المبشر في قسم الشؤون الشرقية في وزارة المستعمرات الفرنسية على هذه الطريقة فمضى يقول بها في خطبه ومقالاته وأحاديثه. إلا أن لغته في هذا الباب لغة مثقلة بالاستعارات والرمز لا تعذب أحيانًا في السمع. ومع أن هذه الخطب والمقالات والأحاديث تدل على اطلاع واسع، فإنها لا تدل على صفا في التفكير أو على صفاء في الضمير على الأصلح. يتمنى (ماسينيون) في إحدى مقالاته أن يعود الاعتقاد الإسلامي في رجوع عيسى ابن مريم فيتفق مع الحادث الثاني للمسيح النصراني الذي يعمل المهدي العربي على انتصاره (٢). ويقصد (ماسينيون) بكلمة ثانية أوضح أن يعود المسلمون عن قولهم: عيسى ابن مريم إلى القول: «عيسى ابن الله»، تعالى اللهُ عن ذلك علوًا كبيرًا. وفحوى مقال (ماسينيون) كله أنه ما دام لدى المسلمين أخبار برجوع المسيح عيسى ابن مريم، فلماذا لا يكون هذا المسيح الراجع هو المسيح الذي يعتقد به النصارى اليوم؟.
ولقد ردد (ماسينيون) هذه الفكرة المأخوذة عن غيره والمدخولة في نفسها وجعلها عمدة عبقريته في الدعوة إِلَى أَنْ يُحْمَلَ المسلمون على ترك دينهم حتى يسهل استعمارهم على أهل الغرب. أقول (٣) هذا وأنا أتألم إذ قوله عن رجل عرفته أستاذًا لي أستمع منه (٤). ولكن الحق أكبر من (ماسينيون)، وَمَنْ عَلَّمَنِي حَرْفًا كُنْتُ لَهُ عَبْدًا فِي الحَقِّ لاَ فِي البَاطِلِ.
التَّعْلِيمُ الرَّسْمِيُّ وَالتَّبْشِيرُ:
رأى المبشرون أن المدارس الرسمية في البلاد التي تكثر فيها المذاهب الدينية لا تتشدد في تعليم الدين، بل تتساهل حتى لا تنفر أحدًا من مواطنيها، وحتى لا يحمل بعض المواطنين كرهًا لبعض. ولقد رأى المبشرون في ذلك ثغرة أحبوا أن ينفذوا منها إلى عقائد الطلاب في مثل هذه المدارس. قال (وليم هول) (٥)، مدير الدائرة الاستعدادية في الجامعة الأمريكية في
стр. 84
بيروت (١٨٩٦ - ١٩٢٧) في شأن هذه المدارس:
«وَالتَّعْلِيمُ فِي نَفْسِهِ قُوَّةٌ تَبْشِيرِيَّةٌ أَسَاسِيَّةٌ». إن مؤتمر شمالي أفريقيا قد ذكر أن مدارس الحكومة (المدارس الرسمية) تمهد الطريق أمامنا بنفي التحزب ثم بفتح آفاق جديدة. تلك هي نتائج جميع التعليم الحديثة. إن مدارس الإرساليات المسيحية الغربية يجب أن تتقدم (على كل ما سواها) في الاحتفاظ بهذه الزعامة: ويجب على المبشرين أن يحتفظوا في كل زمن بوجهة نظر المسيح فيما يتعلق بالحياة الفياضة.
لما فُرِضَ الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان عام ١٩١٩ فرض معه منهاج التعليم الرسمي. وكان هذا التعليم الرسمي في مناطق الانتداب يساعد المبشرين في أعمالهم. لقد كان المبشرون في أول أمرهم (قبل الانتداب) ينشئون المدارس في جبل الدروز (على الأخص) بطلب من بعض زعماء الجبل. ولكنهم كانوا يغلقون تل المدارس إذا قصرت مواردهم عن إدارتها (أو إذا لم يستطيعوا التبشير فيها بنجاح على الأصح). أما بعد الانتداب فقد أصبح التعليم، وعلى الأخص في جبل الدروز، موضع تعاون وثيق بين المبشرين وبين السلطات العامة (١).
وبما أن الحكومة الفرنسية كانت تساعد الإرساليات الكاثوليكية في عملها، فإن مدارس تلك الإرساليات كانت تحبب فرنسا إلى التلاميذ النصارى (٢).
ولم يكتف الفرنسيون طوال مدة انتدابهم، بأن يساعدوا اليسوعيين في أعمالهم المستقلة، بل فسحوا المجال ليكون لليسوعيين نفوذ كبير في توجيه المستشارين الإفرنسيين المشرفين على التعليم في منطقة الانتداب، وخصوصًا فيما يتعلق بالمناهج ومنح الشهادات الرسمية. وهذا ما جعل المناهج الرسمية كأنها خاضعة لليسوعيين مباشرة، ما لا صلة له ببحثنا. ولكننا نود أن نقول كلمة واحدة في سياسة الإفرنسيين في التعليم الرسمي في منطقة انتدابهم وسنستعير ما نقوله من " تقارير عن أحوال المعارف في سورية خلال سنة ١٩٤٥" وضعها ساطع الحصري (٣).
لما درس العالم الاجتماعي ساطع الحصري مناهج التعليم في الجمهورية السورية لفت نظره أشياء كثار تدعو إلى الغرابة فقال (٤):
«هَذَا، وَيَجْدِرُ بِنَا أَنْ نَتَسَاءَلَ فِي هَذَا المَقَامِ: كَيْفَ تَأَسَّسَتْ هَذِهِ النُّظُمُ الغَرْبِيَّةُ فِي
стр. 85
سُورِيَّةَ؟ وَكَيْفَ دَخَلَتْ فِي عِدَادِ تَقَالِيدِ دَوَائِرِهَا الحُكُومِيَّةِ؟.
إِنَّنِي كُنْتُ عَثَرْتُ عَلَى جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ خِلاَلِ التَّصْرِيحَاتِ التِي كَانَ أَدْلَى بِهَا إِلَيَّ أَحَدُ المُطَّلِعِينَ عَلَى هَذِهِ النُّظُمِ وَدَخَائِلَهَا. إِنَّ هَذِهِ النُّظُمَ إِنَّمَا وُضِعَتْ لِغَايَاتٍ تَحَكُّمِيَّةٍ، خِدْمَةً لِمَصَالِحِ الدَّوْلَةِ المُنْتَدَبَةَ وَحْدَهَا.
فَإِنَّ رِجَالَ الاِنْتِدَابِ عِنْدَمَا شَعَرُوا بِضَرُورَةِ إِعْطَاءِ بَعْضِ السُّلُطَاتِ إِلَى الحُكُومَاتِ المَحَلِّيَّةِ وَالمُوَظَّفِينَ الوَطَنِيِّينَ، أَرَادُوا أَنْ يُوجِدُوا نِظَامًا إِدَارِيًّا خَاصًّا يَضْمَنُ لَهُمْ تَحْقِيقَ الغَايَتَيْنِ التَّالِيَتَيْنِ:
آ - إِلْهَاءُ المُوَظَّفِينَ بِمُعَامَلاَتٍ قِرْطَاسِيَّةٍ مُطَوَّلَةٍ وَمُعَقَّدَةٍ لاَ تَتْرُكُ لَهُمْ مَجَالاً لِلاِلْتِفَاتِ إِلَى الأُمُورِ الجَوْهَرِيَّةِ مِنْ جِهَةٍ، ثُمَّ تُخْفِي عَنْ الأَنْظَارِ زِمَامَ السُّلْطَةِ الحَقِيقِيَّةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.
ب - تَنْظِيمُ مَجَارِي المُعَامَلاَتِ الإِدَارِيَّةِ عَلَى أَسَاسِ " مَرْكَزِيَّةٍ مُفْرِطَةٍ " لاَ تَتْرُكُ مَجَالاً لإِفْلاَتِ مُعَامَلَةٍ مِنَ المُعَامَلاَتِ عَنْ نِطَاقِ اطِّلاَعِ رِجَالِ الاِنْتِدَابِ، وَشَبَكَةِ سَيْطَرَتِهِمْ السَّافِرَةَ أَوْ المُقَنَّعَةَ.
هَذَا هُوَ السِّرُّ الحَقِيقِيُّ فِي نَشْأَةِ البِيرُوقْرَاطِيَّةِ المُضْحِكَةَ وَالمَرْكَزِيَّةَ الغَرْبِيَّةَ التِي تُشَاهَدُ فِي جَمِيعِ نُظُمِ الإِدَارَةِ السَّائِدَةِ فِي سُورِيَّةَ. إِنَّ هَذِهِ النُّظُمُ التِي تُخَالِفُ أَبْسَطَ قَوَاعِدِ الإِدَارَةِ السَّلِيمَةِ وَأَوْضَحِ مَبَادِئِ العَقْلِ وَالمَنْطِقِ - إِنَّمَا وُضِعَتْ لِهَذَا السَّبَبِ وَلِهَذِهِ الغَايَةِ.
إِنَّ انْسِحَابَ الأَيْدِي الأَجْنَبِيَّةِ التِي كَانَتْ تُحَرِّكُ أَهَمَّ عَتَلاَتِ هَذِهِ المَاكِينَةِ، وَانْتِقَالِ هَذِهِ المُعَامَلاَتِ إِلَى الأَيْدِي الوَطَنِيَّةِ لاَ يُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ حَقِيقَةِ الحَالِ. إِنَّ هَذِهِ المَاكِينَةَ - لاَ تَزَالُ كَمَا كَانَتْ - مَاكِينَةً مُرَتَّبَةً لِخِدْمَةِ المَصَالِحِ الأَجْنَبِيَّةِ - بَعِيدَةً عَنْ خِدْمَةِ مَصَالِحِ البِلاَدِ الحَقِيقِيَّةِ.
أَعْتَقِدُ أَنَّ التَّخَلُّصَ مِنْ هَذِهِ المَاكِينَةِ - البَاقِيَةِ مِنْ عَهْدِ الاِنْتِدَابِ - وَالاِسْتِعَاضَةِ عَنْهَا بِمَاكِينَةٍ إِدَارِيَّةٍ جَدِيدَةٍ مُرَتَّبَةً تَرْتِيبًا تَخْدِمُ مَصَالِحَ البِلاَدِ الحَقِيقِيَّةِ - وِفْقًا لِلْقَوَاعِدِ المَأْلُوفَةِ فِي البِلاَدِ المُسْتَقِلَّةِ - يَجِبُ أَنْ يُعْتَبِرَ مِنْ أَوْجَبِ الوَاجِبَاتِ التِي تَتَرَتَّبَ عَلَى رِجَالِ سُورِيَّةَ فِي عَهْدِهَا الاِسْتِقْلاَلِيِّ هَذَا».
هذه كلمة عامة قالها ساطع الحصري في تنظيم الإدارة لخدمة مصلحة الانتداب يوم كان الانتداب السافر موجودًا. ثم هو يعتقد أن زوال الانتداب لَمْ يُزَلْ آثَارُهُ. وأما فيما يتعلق بالثقافة خاصة فقد بسط ساطع الحصري رأيه في نحو ثلاثين صفحة من " تقاريره ". ولقد بين في أثناء ذلك أن الانتداب لم يسخر التعليم الرسمي لأغراض فرنسا المنتدبة فقط،
стр. 86
بل سَخَّرَهُ أيضًا لأغراض المعاهد التعليمية الفرنسية ثم تحيز لها تحيزًا مفرطًا جعلها في الحقيقة صاحبة «امتياز»، أو صاحبة «احتكار» على الأصح. قال (١): «إِنَّ النُّظُمَ العَدِيدَةَ التِي وَضِعَتْ فِي سُورِيَّةَ فِي عَهْدِ الاِنْتِدابِ الفِرَنْسِيِّ إِنَّمَا كَانَتْ وُضِعَتْ تَنْفِيذًا لِسِيَاسَةٍ مَرْسُومَةٍ بِوُضُوحٍ وَإِتْقَانٍ. وَنَسْتَطِيعُ أَنْ نَقُولَ إِنَّ غَايَةَ هَذِهِ السِّياسَةِ كَانَتْ تَأْمِينُ سَيْطَرَةِ الثَّقَافَةِ الفِرَنْسِيَّةِ وَالنُّظُمِ الفِرَنْسِيَّةِ عَلَى مَعَارِفِ البِلادِ سَيْطَرَةَ مُطْلَقَةً مِنْ غَيْرَ الْتِفَاتٍ إِلَى مَا تَتَطَلَّبُهُ أَصُولُ التَّرْبِيَةَ السَّلِيمَةِ وَالعِلْمِ الصَّحِيحِ. إِنَّهَا كَانَتْ تُعْطِي لِلُّغَةِ الفِرَنْسِيَّةِ وَلِلْشَّهَادَاتِ الفِرَنْسِيَّةِ اِمْتِيازَاتٍ هَامَّةٍ، وَتَتَحَيَّزُ لِلْمَعَاهِدِ التَّعْلِيمِيَّةِ الفِرَنْسِيَّةِ تَحَيُّزًا مُفْرِطًا، يَجْعَلُهَا أَحْيَانًا لَيْسَتْ صَاحِبَةَ اِمْتِيازٍ فَحَسْبَ بَلْ صَاحِبَةُ اِنْحِصَارٍ وَاِحْتِكَارٍ أَيْضًا».
بعدئذٍ يمضي ساطع الحصري مؤيدًا حكمه هذا بوقائع من نظم المعارف السورية في أيام الانتداب (ص ٦٩ إلى ٩٠).
وهكذا ترى بجلاء أن الانتداب الفرنسي قد سخر التعليم كله لأغراض المدارس التبشيرية: والمدارس الفرنسية منها خاصة.
التَّعْلِيمُ النِّسَائِيُّ خَاصَّةً:
إن للتعليم النسائي أهمية خاصة في بناء المجتمع. هذه الأهمية لم تغب طبعًا عن أعين المبشرين فأولوها عناية عظيمة. ولن يتعرض هنا لموضوع المرأة من التبشير، فذلك له فصل خاص، ولكن سيقتصر هذا الفصل على تعليم البنات فقط.
وكذلك نرى من إضاعة الوقت أن نعيد الكلام عن التعليم النسائي ما ذكرناه في باب تعليم الصبيان. من أجل ذلك سنقتصر في هذا الفصل أيضًا على ما هو خاص بتعليم البنات مما لم يرد في تعليم الصبيان.
لما جاء المبشرون إلى العالم العربي كان العلم بين الرجال قليل الانتشار، أما بين النساء فكان أقل انتشارًا. وأدرك المبشرون أن هذه حال لا يمكن أن تدوم، وإن المرأة ذات أثر في التربية أكثر من الرجل فأولوها اهتمامًا عظيمًا، حتى قال (جسب): «إِنَّ مَدْرَسَةَ
стр. 87
البَنَاتِ فِي بَيْرُوتَ هِي بُؤْبُؤُ عَيْنِي. لَقَدْ شَعُرْتُ دَائِمًا أَنَّ مُسْتَقْبِلَ سُورِيَّةَ إِنَّمَا هُوَ بِتَعْلِيمِ بَنَاتِهَا وَنِسَائِهَا. لَقَدْ بَدَأَتْ مَدْرَسَتُنَا (لِلْبِنَاتِ)، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهَا بَعْدُ بِنَاءٌ خَاصٌّ بِهَا. وَهَا هِيَ قَدْ أَثَارَتْ اِهْتِمَامًا شَدِيدًا فِي أَوْسَاطِ الجَمْعِيَّاتِ التَّبْشِيرِيَّةِ» (١).
إن المبشرين لم يتأخروا في فتح مدارس البنات. إن أول مدرسة للبنات في الإمبراطورية العثمانية فتحها المبشرون في بيروت عام ١٨٣٠ (٢). ولقد فتح المبشرون مدارس كثيرة للبنات في مصر والسودان وسورية كلها وفي الهند والأفغان (٣).
وكان اهتمام المبشرين بالمدارس الداخلية للبنات أشد. قالوا: إن التبشير يكون أتم حبكًا في مدارس البنات الداخلية لما يكون فيها من الأحوال المواتية والفرص السانحة.
إن المدرسة الداخلية تفضل المدرسة الخارجية لأنها تجعل الصلة الشخصية بالطالبات أوثق، ولأنها تنتزعهن من نفوذ حياة بيتية غير مسيحية (٤). ويفرح المبشرون إذا اجتمع في مدارسهم الداخلية بنات من أسر معروفة، لأن نفوذ هؤلاء يكون حينئذٍ في بيتهن أعظم.
وتتكلم المبشرة (أَنَّا مِيلِيغَانْ) فتقول: «فِي صُفُوفِ كُلِّيَّةِ البَنَاتِ فِي القَاهِرَةِ بَنَاتٌ آبَاؤُهُنَّ بَاشَوَاتْ وَبَكَوَاتْ. وَلَيْسَ ثَمَّةَ مَكَانٌ آخَرَ يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ مِثْلُ هَذَا العَدَدِ مِنَ البَنَاتِ المُسْلِمَاتِ تَحْتَ النُّفُوذِ المَسِيحِيِّ، وَلَيْسَ ثَمَّةَ طَرِيقٌ إِلَى حِصْنِ الإِسْلاَمِ أَقْصَرَ مَسَافَةً مِنْ هَذِهِ الدِّرَاسَةِ» (٥).
من أجل ذلك طلب المبشرون الأمريكيون منذ عام ١٨٧٠ مبلغ ثلاثين ألف دولار لمدرسة دينية للبنات في بيروت وعللوا طلبهم هذا بقيمة المرأة في الحياة البيتية وأن تلك المدرسة ستساعد على تنصير سورية في المستقبل (٦).
التَّبْشِيرُ بَيْنَ الدَّارِسِينَ فِي الخَارِجِ:
على الرغم من كل ما ادعى المبشرون من أنهم جعلوا طلابًا مسلمين يصبأون إلى النصرانية، فإنهم يبالغون كثيرًا في نجاحهم. نحن لا نشك في أن أفرادًا مسلمين قد انقلبوا بعد إيمانهم. ولكن هؤلاء أفراد قليلون جِدًّ، ثم إنهم يعيشون في عزلة أو شبه
стр. 88
عزلة لا يستطيعون أن يتحدوا [مع] المجتمع الذي يعيشون فيه.
ولقد أدرك المبشرون ذلك كله. وبما أن غاية المبشرين ليست دينية في الدرجة الأولى بل هي «إفسادية»: يحاولون بها أن يفككوا وحدة الأمة الإسلامية ليحكموا شعوبها، فإنهم قنعوا أن يفسدوا هذه الشعوب، لأن إفساد الشعوب يصل بالمبشرين إلى غايتهم القصوى وهي تمكين الدول الغربية من حكم البلاد الإسلامية. أما النصرانية فإن الذين يمولون المبشرين لا يهتمون بها البتة. إن هؤلاء المبشرين الذِينَ يُرْسَلُونَ إلى الشرق لاكتساب نفوس جديدة إلى صفوف النصرانية - في الظاهر - يصرخون في كل مكان: «أَعِيدُوا أَوَّلاً إِلَى الكَنِيسَةِ طُلاَّبَنَا نَحْنُ، وَفِي أَمِرِيكَا نَفْسَهَا» (١).
إذن يجب على المبشرين أن يفسدوا الطلاب المسلمين، يقول المبشر (تكلي) (٢): «يَجِبُ أَنْ نُشَجِّعَ إِنْشَاءَ المَدَارِسِ، وَأَنْ نُشَجِّعَ عَلَى الأَخَصِّ التَّعْلِيمَ الغَرْبِيَّ. إِنَّ كَثِيرِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ قَدْ زُعْزِعَ اِعْتِقَادُهُمْ حِينَمَا تَعَلَّمُوا اللُّغَةَ الإِنْجْلِيزِيَّةَ. إِنَّ الكُتُبَ الغَرْبِيَّةَ تَجْعَلُ الاِعْتِقَادَ بِكِتَابٍ شَرْقِيٍّ مُقَدَّسٍ أَمْرًا صَعْبًا جِدًّا».
ويبدو بوضوح أن المبشرين لم يستطيعوا إفساد المسلمين بالقدر الذي تمنوه فقنعوا بأن «يُلَوِّنُوا» الطلاب المسلمين بالنصرانية تلوينًا يبعدهم بعض البعد عن عقيدتهم الأولى ثم يدنيهم بعض الدنو من النصرانية.
• • •
مما لا ريب فيه أن ذهاب الطلاب الشرقيين إلى أوروبا وأمريكا يكسبهم شيئًا من أساليب الحياة الغربية ومن الاتجاه الغربي في التفكير والعلم والسلوك وما إلى ذلك. ولا ريب أيضًا في أن لذلك حسناته وسيئاته. ولكن المبشرين يريدون أن يفيدوا من دراسة الطلاب الشرقيين في الخارج أمرًا آخر. إنهم يريدون أن يجعلوا من هؤلاء الطلاب «نَصَارَى» بالفعل أو مماثلين للنصرانية (٣).
ويدخل في هذا الباب زواج المسلمين بالغربيات، الأوروبيات والأمريكيات، وسيأتي الكلام عليه مبسوطًا في مكانه.
وتطيب هذه الفكرة للمستشرق المبشر وللمستشار الشرقي في وزارة المستعمرات
стр. 89
الفرنسية، (لويس ماسينيون)، فيدبج المقالات الطوال ويقول لقومه: «إِنَّ الطُّلاَّبَ الشَّرْقِيِّينَ الذِينَ يَأْتُونَ إِلَى فِرَنْسَا يَجِبُ أَنْ يُلَوَّنُوا بِالمَدَنِيَّةِ المَسِيحِيَّةِ» (١).
• • •
وهكذا يجب أن نخرج من هذا الفصل بهذه الفكرة: أن المبشرين والذين هم وراء المبشرين، يبذلون كل جهد لاستخدم العلم والتعليم في سبيل التبشير. غير أن لتبشيرهم ظاهرًا وباطنًا. أما ظاهره فدعوة إلى سلوك هم لا يسلكونه. وتلك دعوة على كل حال لم تم: إن الذين يريدون أن يبشروا بالنصرانية بين غير النصارى، هم أنفسهم قليلو الاحتفال بالدين لكه. وإن من عاش مدة يسيرة في أوروبا والولايات المتحدة يدرك ذلك تمام الإدراك. وأما باطن التبشير فهو تفكيك أواصر القربى الروحية في الأمة الإسلامية خاصة ختى يستطيع الغرب أن يحكم الشعوب الإسلامية ويستغل بلادها اقتصاديًا وحربيًا.
стр. 90
الفَصْلُ الرَّابِعُ: التَّعْلِيمُ مَيْدَانٌ فَسِيحٌ لِلْتَّبْشِيرِ:
[٢] المؤسسات التبشيرية: الكليات والجامعات خاصة.
نشأ في الجمهورية اللبنانية أحزاب ومنظمات كثيرة لا يحصيها العد من هذه الأحزاب والمنظمات حزب (محلول اليوم) اسمه الحزب القومي السوري أنشأه عام ١٩٣٢ شاب اسمه أنطوان سعادة وبنى عقيدته على أن سورية بحدودها الطبيعية وحده جغرافية. هذه الوحدة الجغرافية يجب أن تؤلف يومًا ما دولة قومية. لأن السوريين أمة. «وَعَلَى هَذَا تُؤَلِّفُ المَسْأَلَةُ اللُّبْنَانِيَّةُ جُزْءًا مُتَمِّمًا لِلْقَضِيَّةِ السُّورِيَّةِ. وَجَمِيعُ المًسَائِلِ السُّورِيَّةِ، بِمَا فِيهَا المَسْأَلَةُ اللُّبْنَانِيَّةُ يَجِبُ أَنْ تُوَحَّدَ فِي بَرْنَامَجٍ وَاحِدٍ وَقَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ» (١).
وبعد أربعة أعوام، أي في عام ١٩٣٦، نشأ على الضفة الثانية لهذا الكفاح السياسي منظمة اسمها «الكَتَائِبُ» اللبنانية (وهي أيضًا محلولة اليوم كمنظمة وموجودة كحزب). هذه المنظمة تقول: «إِنَّ لُبْنَانَ وَحْدَةٌ سِيَاسِيَّةٌ وَتَارِيخِيَّةٌ وَجُغْرَافِيَّةٌ (٢)، وَإِنَّ اللُّبْنَانِيَّينَ أُمَّةٌ» (٣). ولذلك قالت منظمة الكتائب أيضًا (٤): «نَأْبَى التَّسْلِيمَ (بِنَظَرِيَّةِ سُورِيَّةَ الجُغْرَافِيَّةَ) لأَنَّهَا لاَ تُقِرُّ بِحَقِيقَةِ لُبْنَانَ الطَّبِيعِيَّةَ، فَضْلاً عَنْ أَنَّ هَذِهِ " النَّظَرِيَّةَ " - وَهِيَ مِنْ صُنْعِ المُسْتَشْرِقِينَ المُسَخِّرِينَ لِسِيَاسَاتِ الاِسْتِعْمَارِ - لاَ تَرْتَكِزُ إِلَى أَسَاسٍ تَارِيخِيٍّ ...».
ومع أن الحزب القومي السوري ولمنظمة الكتائب اللبنانية شروحًا لمبادئهما كثارًا،
стр. 91
فإن الذي يهمنا هنا شيء آخر. إن الذي يهمنا هنا أن الاحتكاك والتراشق بينهما لم يفتر قط، بل كان يقوى كلما تقدم بهما الزمن وزاد أنصارهما. ومنذ أواخر عام ١٩٤٣، أي بعد أن خرجت الجمهورية اللبنانية من قيود الانتداب الفرنسي إلى بحبوحة الاستقلال برزت العداوة بين الحزب القومي وبين الكتائب اللبنانية بروزًا ظاهرًا تراءى في الانتخابات النيابية وفي الأعياد المحلية وفي حفلات الخطابة. وفي أواخر حزيران وقع الاحتكاك العلني الأول بين أفراد الحزب القومي وبين أفراد منظمة الكتائب في بيروت، فقبضت الحكومة اللبنانية على نفر من هؤلاء ونفر من هؤلاء. إلا أن المقبوض عليهم من أفراد الحزب القومي السوري كانوا أكثر عددًا. ثم اتسعت حركة الاعتقال بين القوميين بتهمة تدبير انقلاب سياسي بقوة السلاح.
ولم يكد ينتهي حزيران حتى أخذ أفراد الحزب القومي السوري يهاجمون المخافر اللبنانية في ضواحي بيروت وفي أماكن متفرقة في جبل لبنان والبقاع. ثم إنهم وسعوا حركتهم الثورية حتى اضطرت الحكومة اللبنانية إلى أن تجرد عليهم قطعة من الجيش، فاستطاعت في أيام قلائل أن تحبط حركتهم، ثم قبضت على عدد غفير منهم. وأخيرًا تمكنت من القبض على زعيم الحزب أنطوان سعادة وحاكمته محاكمة عسكرية ثم أعدمته رميًا بالرصاص (فجر الجمعة ٨ تموز ١٩٤٩).
وفي صباح اليوم التالي صدرت جريدة " العمل " (١)، لسان منظمة الكتائب اللبنانية، وفي صدر صفحتها الأولى مقال افتتاحي عنوانه «كُونُوا مُتَيَقِّظِينَ». كان في هذا المقال الافتتاحي مقطع هو:
«وَلَكَمْ أَشَرْنَا إلى أن الكلية الأمريكية في بيروت بؤرة ملأى بالدس على لبنان وعلى كيانه. إن أكثر الضالين من اللبنانيين ضلوا بين أحضانها، وكل المهوشين علينا من جيراننا تلقنوا بُغْضَ لُبْنَانَ وأساليب السعي ضده تحت أكنافها. وهل كانت حركة أنطوان سعادة تمكنت لو لم يجد لها أرضًا خصبة في تلاميذ الجامعة الأمريكية، لبنانيين وغير لبنانيين.
فإلى متى هذا الإغضاء؟
إن المحنة التي اجتازتها البلاد ينبغي ألا تتجدد ولو اقتضى الأمر إلى اعتقال كل اللاجئين الأشرار (٢) وإلى إقفال الجامعة الأمريكية».
стр. 92
وفي اليوم التالي (١٠ تموز ١٩٤٩) صدرت جريدة " الديار " (١) بمقال افتتاحي عنوانه: " فَضْلُ الجَامِعَةِ الأَمِرِيكِيَّةِ عَلَيْنَا " ردت فيه على جريدة " العمل " فقالت، بعد أن قدمت لمقالها بالمقطع السابق الذي اقتطعناه نحن من مقال " العمل ". قالت جريدة " النهار ":
«فإذا كان المقصود من الضلال أرباب العقيدة العربية السليمة فإن طلبة الجامعة ليفتخرون بمعهد أيقظ فيهم روح العزة العربية، وجمع أبناء البلاد العربية في حظيرة هذه القومية. وإنهم يشفقون على معتنقي قوميات شعوبية سواء كانت قوميات لبنانية أو فينيقية أو سورية.
وإذا كانت " العمل " متأثرة من الحزب القومي السوري فعليها أن تدرس بدقة فيتبين لها أن مقاومة مبدأ (هذا) الحزب في دنيا العرب تقوم على أكتاف طلاب الجامعة الأمريكية. إن مليون حجة تبنى على قومية محلية لا تقنع سوريًا أو عراقيًا بفساد نظرية القومية السورية، بل الإقناع يأتي من التطلع إلى قومية واسعة ناسخة، هي القومية العربية. إن هذه المهمة يتبرع بها طلاب الجامعة الأمريكية، وهو رسل القومية العربية في أنحاء الشرق العربي وحملة أعلام التحرر والاستقلال، يوم كان طلاب المعاهد الأخرى يغوصون في عبادة الاستعمار إلى ما فوق الرقاب».
وفي اليوم نفسه (١٠ تموز ١٩٤٩) عقدت جريدة " بيروت " مقالاً افتتاحيًا (٢) في الرد على جريدة " العمل " عنوانه " إِلَى الكَتَائِبِ! " قالت فيه تنعت مقال " العمل " الاقتتاحي المذكور: «أقول جارفة لم يتعود أبناء الجامعة أن يطلقوها جزافًا، فأين الأسلوب (العلمي في التفكير ... وأين البحث والنظر ... وأين أعينكم وعقولكم يا رجال الكتائب؟). ولكن المعرفة سهلة والعمل عسير. والناس لا يتفاوتون كثيرًا في معرفة القانون، ولكنهم يتفاوتون جد التفاوت في تطبيق القانون. فما بال رجال الكتائب، وجلهم من رجال المعرفة، يهرفون بما لا يعرفون، وأين برهانهم وهم يكتبون ما يكتبون؟ إنهم يكتبون ما تمليه عليهم الظنون والأوهام، وتسطره الأذهان غير العملية، وما تفرضه السياسة ذات الاتجاه الواحد .. أنحن، شباب الجامعة , الضالون وأنتم المهتدون، لأن رجلاً كالزعيم أنطوان سعادة تبنى عقيدة ما؟ لقد استنكرنا هذه العقيدة قبل
стр. 93
الكتائبيين، وحاربناهم قبلهم. غير أن واحدًا لا يستطيع أن ينكر أن هذه العقيدة، مهما تكن أسسها واهية، ألفت بين المسيحي والمسلم وأذابت الطائفية التي نشكو منها جميعًا، والكتائب التي لم توفق عمليًا إلى هذا، أو إلى شيء من هذا فظلت على الرغم من جهاد استمر اثنتي عشرة سنة ذات لون واحد وصبغة واحدة. فهل تبنى الأوطان على عنصر (واحد) من المواطنين يحيا مع عناصر كثيرة؟.
لسنا هنا في مقام الموازنة بين عقيدة الحزب القومي وبين عقيدة الكتائب، ولا نحن في مقام المقارنة بين شكل المقالات الثلاث التي استشهدنا بها. غير أننا نريد أن نوجه البحث إلى صلب الموضوع: «الجامعة الأمريكية» من حيث هي جامعة أجنبية، ثم «الجامعة اليسوعية» من حيث هي جامعة أجنبية أيضًا. إن مقال جريدة " بيروت " ومقال جريدة " الديار " قد مَسَّا هَذَا المَوْضُوعَ مَسًّا، ولكن مقال جريدة " بيروت " كان أكثر رفقًا - كما هو معروف من سياسة هذه الجريدة - أما مقال " الديار " فكان أوضح قليلاً.
جريدة " العمل " تقول: «إن الجامعة الأمريكية يجب أن تزول لأن الكثيرين من الذين ينتمون إلى الحزب القومي السوري - عدو الكتائب - كانوا من الجامعة الأمريكية».
فتقبل جريدة " الديار " هذا التحديث شكلاً وتقول: «إن نظرة طلاب الجامعة الأمريكية أوسع من ذلك. إنهم " أرباب عقيدة عربية "» .. ثم إنها تغمز الكتائب في ميلهم إلى القومية الفينيقية، وتغمز طلاب المعاهد الأجنبية الأخرى غمزة شديدة فتقول: «يوم كان طلاب المعاهد الأخرى يغوصون في عبادة الاستعمار إلى ما فوق الرقاب».
هذا هو مجال المقارنة: ما مقام المدارس الأجنبية في حياتنا القومية؟
قد تتفاضل المعاهد الأجنبية في ذلك كثيرًا أو قليلاً، ولكن المعاهد الأجنبية معاهد أجنبية قبل كل شيء. ولقد اتفق للجامعة الأمريكية أن اعتنقت فكرة قومية أوسع، لأن أفقها كان أوسع، ولأن طلابها كانوا من بلاد أوسع انتشارًا في الأرض، ولأن الولايات المتحدة بلد مساحته ثمانية ملايين كيلومتر مربع، بينما الجامعة اليسوعية وجدت لتحبب فرنسا إلى أهل لبنان، أو إلى قسم من أهل لبنان على الأصح. ومع ذلك فإن هذا لا دخل له في موضوعنا الأساسي، فلنلتفت إلى ما كان لهذه المؤسسات الأجنبية كلها من مضار على حياتنا القومية والدينية والثقافية والاجتماعية، وإلى ما كان لها من نفع.
أما نحن فنرى أن الجامعات أداة توجيه في البلاد، من أجل ذلك لا يجوز أن تكون
стр. 94
أداة لتوجيه هذه في أيد أجنبية. مهما كانت هذه الأيدي الأجنبية رفيقة نظيفة خَيِّرَةً! ولكن الإنسان قد يُدْفَعُ أحيانًا إلى اختيار أهون الشَّرَيْنِ عَمَلِيًّا، وإن كان لا تفاضل في الشر من الناحية النظرية على الأقل.
• • •
يعترف القائمون على المؤسسات الأجنبية بأن هذه المؤسسات كانت في أول أمرها تبشيرية، ولكنها اليوم لاَ تُعْنَى بالتبشير. على أن هذا مخالف للواقع، وإنما هو قول يتسترون به لأن العصر الذي نعيش فيه أصبح يأبى هذا التعبير: «في سبيل التبشير». وحتى نستطيع أن ندل على أن هذه المؤسسات لا تزال إلى اليوم تبشيرية فإننا سنقص طرفًا من تاريخ عدد منها، وسنتوسع في تاريخ الجامعة الأمريكية ونتخذه نموذجًا للمؤسسات الأجنبية كلها.
رأى المبشرون أن التبشير يجب ألا يقف عند انتهاء مرحلة التعليم الابتدائي أو الثانوي، بل يجب أن يستمر إلى مرحلة التعليم العالي لأنه هو الذي يهيئ قادة الشعوب. فإذا استمال المبشرون، إذن، بعض هؤلاء الذين ينتظر أن يكونوا قادة في بلادهم، فقد كفلوا التأثير على الشعب كله. من أجل ذلك تبلورت سياسة الإرساليات الأمريكية حول إقامة كليات مجهزة تجهيزًا جيدًا في إستنبول وإزمير والقاهرة وغيرها من مراكز البلاد الشرقية (١).
ومع الأيام أصبح الأمريكيون يعتقدون أن المؤسسات التبشيرية، سواءً أكانت معاهد علمية أم مؤسسات أخرى، إنما هي «مصالح أمريكية» تجب المحافظة عليها.
وهم لا ينكرون أن هذه «المصالح» كلها قد نشأت من التبشير وعلى أيدي المبشرين (٢).
١ - " مَدْرَسَةُ عَبِيهْ " (لُبْنَانُ):
اهتم المبشرون الأمريكيون ببلدة " عبيه " منذ نزولهم بسورية لأنها بعيدة عن مراقبة الحكومة المركزية في بيروت ولأنها في وسط ظنوه يسهل عليهم عملهم التبشيري: بُعْدٌ عَنْ العِمْرَانِ السِّيَاسِيِّ ووجود طوائف مختلفة في " عبيه " وما جاورها. من أجل ذلك نزل فيها (دانيال بلس) وزوجته ومكثا فيها في أول الأمر عامين ونصف عام (٣).
стр. 95
وفي عام ١٨٤٣ انتقل الدكتور (طومسون) والدكتور (كرنيليوس فان ديك) إلى " عبيه " وَأَدَارَا مدرسة دينية للصبيان. ثُمَّ ظَلاَّ يعلمان ويعظان حتى نُقِلاَ إلى صيدا عام ١٨٥١ (١).
على أن مدرسة " عبيه " نفسها تأسست في الرابع من تشرين الثاني عام ١٨٤٦ على يد الدكتور (كرنيليوس فان ديك) (٢). وفي عام ١٨٤٩ انتقلت إدارة هذه المدرسة إلى عهدة المبشر (سيمون كالهون). وهكذا استطاعت مدرسة " عبيه " أن تساعد كثيرًا على الغاية التي جاءت الإرساليات من أجلها (٣). لقد ظلت مدرسة " عبيه " تمثل دورها حتى تأسست الكلية السورية عام ١٨٦٥ في بيروت (٤). لقد كانت مدرسة " عبيه " سلفاً الإنجيلية (٥).
وكذلك أنشأ المبشرون الأمريكيون مدرسة للبنات في " عبيه " أيضًا عام ١٨٤٧ بإدراة السيد (دي فورست) وزوجته (٦).
٢ - " كُلَّيَّةُ رُوبَرْتْ " فِي اسْتَانْبُولْ:
وهي كلية مسيحية غير متسترة لا في تعليمها ولا في الجو الذي تهيئه لطلابها (٧). ويقول (دانيال بلس): «إِنَّ كُلِّيَّةَ بَيْرُوتْ وَكُلِّيَّةَ اسْتَانْبُولْ لَيْسَتَا أُخْتَيْنِ فَقَطْ بَلْ تَوْأَمَانِ» (٨). إن هذه الكلية قد أنشأها مبشر ولا تزال إلى اليوم لا يتولى رئاستها إلا مبشر (٩).
٣ - " الجَامِعَةُ الأَمِرِيكِيَّةُ " فِي بَيْرُوتْ:
ومع أن المبشرين الأمريكيين قد أنشأوا في " عبيه " مدرسة للصبيان وأخرى للبنات، فإنهم لم يعفوا بيروت من نشاطهم، فقد أسس (سيمون كالهون) منذ عام ١٨٣٥ مدرسة في بيروت ليساعد حملة التبشير (١٠) التي شنها البروتستانت على سورية. ولكن لما تأسست الكلية السوية الإنجيلية (الجامعة الأمريكية اليوم) في بيروت (عام ١٨٦٥) لم يبق من
стр. 96
حاجة إلى مدرسة " عبيه " ولا إلى مدرسة (كالهون)، فإن الكلية السورية الإنجيلية أخذت مكانهما.
وجاء في تقرير لـ (دانيال بلس)، الرئيس الأول للكلية السورية الإنجيلية في بيروت هذه الحقائق نثبتها موجزة فيما يلي (١):
في عام ١٨٦١ و ١٨٦٢ كان (دانيال بلس) والدكتور (وليم طومسون) يبحثان في ضرورة إيجاد معهد عال لسورية ولسائر العالم العربي في الشرق الأدنى، فإن ذلك أفضل من أن يتعلم الطلاب علومهم العالية في الخارج: في أمريكا وانكلترا مثلاً. ذلك لأن ثمت أفرادًا تعلموا قليلاً أو كثيرًا في انكلترا وأمريكا ثم إنهم استقروا نهائيًا حيث تلقوا علومهم، أو أنهم رجعوا إلى بلادهم في الشرق الأدنى من غير أن يؤثروا في قومهم قط (أي لم يساعدوا المبشرين على التبشير بين أهل البلاد)، بينما الذين تعلموا في مدرسة " عبيه " قد اتخذ منهم المبشرون مُدَرِّسِينَ لمدارس التبشير وواعظين ومساعدين في أعمال مختلفة ...
واعتمدت الكلية السورية الإنجيلية في تأسيسها على الرجال الذين يمولون التبشير، وخصوصًا من الإنجليز والأمريكيين.
في ٢٣ كانون الثاني من عام ١٨٦٢ اقترح الدكتور (طومسون) أن يكون (دانيال بلس) رئيسًا للكلية. وفي ٢٧ كانون الثاني اقترح (طومسون) و (بلس) مَعًا أن يكون الاعتماد الأول على الإرسالية الأمريكية للتبشير (٢). وقد وافقت الإرسالية على ذلك وعلى أن يكون (دانيال بلس) رئيسًا للكلية أيضًا ... على ألا يتعارض ذلك مع عمل الإرسالية في سورية ...
وعلى هذا الأساس سافر (دانيال بلس) في ١٤ آب ١٨٦٢ إلى نيويورك فوصل إليها في ١٧ أيلول. وفي أيار من عام ١٨٦٣ خطب (دانيال بلس) في الكنيسة المشيخية (٣) في نيويورك فأكد الحاجة في الشرق الأدنى إلى أطباء وإلى تعليم ديني تكون التوراة فيه كتاب تدريس دائم. أما عمل الكلية فيجب أن يكون وضع كتب مسيحية تساعد على الاتصال بملايين الناس في آسيا وفي أفريقيا وعلى إسباغ النعمة (المسيحية) عليهم.
وبعد أن عاد (دانيال بلس) من الولايات المتحدة ببضعة أشهر انعقد اجتماع في بيت الدكتور (فان ديك) في الثلاثين من كانون الأول ١٨٦٣ حضره (فان ديك) نفسه و (فورد) و (جسب) و (هرتر) من الإرسالية الأمريكية. ثم حضر (جونسون) قنصل الولايات المتحدة في بيروت.
стр. 97
وقد قرر المجتمعون يومذاك، بعد أن تذاكروا في إنشاء الكلية السورية الإنجيلية، اتجاه تلك الكلية فقالوا: «نَحْنُ نُصِرُّ عَلَى الطَّابِعِ التَّبْشِيرِيِّ لِلْكُلِّيَّةِ، وَعَلَى أَنْ يَكُونَ كُلُّ أُسْتَاذٍ فِيهَا مُبَشِّرًا مَسِيحِيًّا». وكذلك تبنى المجتمعون شرعة الاتحاد التبشيري على أن تكون تلك الشرعة هي الخطة التي يجب أن يعمل كل أستاذ عليها. وفي عام ١٩٠٢ - أي في العام الذي اعتزل فيه (دانيال بلس) رئاسة الكلية - زال الإصرار على الفقرة فقط (١).
وهكذا نرى أن الكلية السورية الإنجيلية قد ولد في رؤوس المبشرين ثم تعهدها المبشرون بعد ذلك أيضًا. ولقد اشترط المبشرون على القائمين بأمر الكلية ألا تفسد هذه الكلية عليهم عملهم (أي ألا [تعمل] ما يناقض مبدأهم التبشيري] وأن تكون مؤسسة بروتستانتية (٢).
وهكذا نرى بكل وضوح أن الكلية السورية الإنجيلية كانت نتاج التعليم البروتستانتي ووليد الإرسالية الأمريكية للتبشير (٣). ومع أن الكلية كانت تعتمد في أول أمرها فقط على مساعدة الإرسالية المادية، فإنها كانت دائمًا تتفق معها في الغاية: في السياسة التبشيرية وفي العمل معها في هذه السبيل (٤).
وفي أول الأمر مالت الكلية إلى كتمان جهودها التبشيرية - وإن ظلت تبذلها - تجنبًا لسخط الحكومة العثمانية، ولذلك قال (دانيال بلس) نفسه: «إِنَّ السَّنَوَاتِ الأُولَى التِي شَهِدَتْ تَطَوُّرَ الكُلِّيَّةِ فِي مَجْرَاهَا بِهُدُوءٍ قَدْرَ الإِمْكَانِ، فَلاَ تُلْفِتُ إِلَيْهَا نَظَرَ رِجَالِ الحُكْمِ قَبْلَ أَنْ تُثَبِّتَ جُذُورَهَا فِي الأَرْضِ» (٥).
فلما ثبتت جذورها تركت التستر وأصبح لها اجتماعات دينية ظاهرة فأجبرت جميع الطلاب على حضور الصلوات في الكنيسة كل يوم، وأجبرت الطلاب الداخليين خاصة على أن يحضروا صلاة يوم الأحد أيضًا.
ولما زار المبشر (جون موط) الكلية السورية الإنجيلية عام ١٨٩٥ أسست الكلية فرعًا لجمعية الشبان المسيحيين (٦). إلا أن الاسم كان محرجًا أمام غير النصارى، فغيرته الكلية
стр. 98
وجعلته «الأَخَوِيَّةَ» (١).وهذه الأخوية لا تزال قائمة إلى اليوم ولكنها كانت تدعى بأسماء مختلفة في الأدوار المختلفة. ومع أن الدخول في هذه الجمعية، «جَمْعِيَّةُ الأَخَوِيَّةِ»، كان اختياريًا لجميع الطلاب، فإن أساتذة الكلية السورية الإنجيلية (٢) كانوا كثيرًا ما ينحدرون إلى مستوى يعطفون فيه على التلاميذ المتأخرين في التحصيل إذا كانوا أعضاء في هذه الأخوية.
وتخرج أحدنا عام ١٩٢٨ وكان كل طالب لا يزال يشعر هذا الشعور. ولقد اصطدمتُ (٣) أنا بعقبات كثيرة ذللتها بجهد شخصي، ولو أنني كنت أحضر الصلوات في الكنيسة أو أنني كنت عضوًا في الأخوية لوفرت على نفسي كثيرًا من الإزعاج:
لقد كان اجتماع الصباح إجباريًا إما في الكنيسة وإما في منتدى " وست هول ". وكان بديهيًا أن أختار الحضور في " وست هول " حيث تكون الاجتماعات بعيدة عن الدين قليلاً أو كثيرًا. وفي يوم من الأيام دعاني عميد الدائرة العلمية الأستاذ (إدوارد نيقولي) وسألني: «لِمَاذَا كُنْتَ غَائِبًا عَنْ الكَنِيسَةِ؟». فقلتُ له: «أَنَا لاَ أَحْضُرُ الكَنِسَةَ وَلَكِنْ أَحْضُرُ اجْتِمَاعَاتِ " وَسْتُ هُولْ "»، فصرفني. ولكن في اليوم التالي دعاني ثم ذكر أنه يستغرب كثرة غيابي عن الكنيسة، فأعدت عليه القول بأنني منذ أول العام قد اخترت الحضور في " وست هول ". وأخيرًا أدرك الأستاذ (نيقولي) أن الإيحاء إِلَيَّ بحضور الكنيسة غير ممكن، فتركني وشأني.
ولا يزال الإصرار على الطابع الديني التبشيري للكلية السورية الإنجيلية قائمًا إلى اليوم. نشر الكاتب (لدفيك برنهارد) في الكتاب السنوي الروسي لعام ١٩٠٥ مقالاً عنوانه " أمريكة في الشرق " صور فيه الكلية السورية الإنجيلية على أنها محاولة مدروسة لتمهيد الطريق أمام المصالح الأمريكية، والتجارية منها خاصة. فرد عليه (رشتر) (٤) بقوله: «إِنَّ مِثْلَ هَذَا الرَّأْيِ فِي هَذِهِ المُؤَسَّسَةِ يَصْدُقُ عَلَى نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَيُضَلِّلُ عَنْ هَدَفِهَا الحَقِيقِيِّ. إِنَّ الكُلِّيَّةَ مُؤَسَّسَةٌ تَبْشِيرِيَّةٌ». وليس هذا فقط، بل هي كما يقول (جسب) (٥): «أَوْضَحُ سِيَاسَةً دِينِيَّةً وَتَبْشِيرِيَّةً مِنْ سَائِرِ المَدَارِسِ الأَمِرِيكِيَّةِ فِي الشَّرْقِ، كَكُلِّيَّةِ رُوبَرْتْ فِي اسْتَانْبُولْ مَثَلاً».
أما (رشتر) فقال عنها (٦): «إِنَّهَا أَرْقَى مَدْرَسَةٍ فِي الإِمْبْرَاطُورِيَّةِ العُثْمَانِيَّةِ. إِنَّ عَمَلَ الكُلِّيَّةِ التَبْشِيرِيَّ يَتَنَاوَلُ المُسْلِمِينَ فِي الدَّرَجَةِ الأُولَى، وَهَذَا مَا يَجْعَلُهَا بَارِزَةً فِي ذَلِكَ بَيْنَ جَمِيعِ
стр. 99
المَدَارِسِ الأَمِرِيكِيَّةِ فِي الإِمْبْرَاطُورِيَّةِ العُثْمَانِيَّةِ وَإِيرَانْ (١) إِذْ هِيَ التِي تُهَيِّئُ المُدَرِّسِينَ المُبَشِّرِينَ لِلْمَدَارِسِ الأَمِرِيكِيَّةِ المَنْثُورَةِ فِي الشَّرْقِ الأَدْنَى كُلَّهُ» (٢).
فالجامعة الأمريكية في بيروت كانت عند إنشائها مؤسسة تبشيرية، ولم تؤسس للتعليم العلماني، ذلك لأنها كانت نتاج حركة التبشير الأمريكية (٣). هذا ما أجمع عليه الذين كتبوا عن هذه الجامعة (٤).
على أن الغريب أن الجامعة الأمريكية لا تزال إلى الآن تبشيرية. يقول (ستيفن بنروز) (٥): «وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ (الجَامِعَةَ الأَمِرِيكِيَّةَ) كَانَتْ وَلاَ تَزَالُ مُؤَسَّسَةً تَبْشِيرِيَّةً». ثم إنه يصر على أنها «تَبْشِيرِيَّةٌ، بَلْ إِنَّ التَّبْشِيرَ كَانَ المُبَرِّرَ الوَحِيدَ لِتَأْسِيسِهَا» (٦). وذلك بعد أن صرح فقال: «إِنَّ الغَايَةَ القُصْوَى لِلْكُلِّيَّةِ (السُّورِيَّةِ الإِنْجِيلِيَّةَ) أَنْ تَحْتَضِنَ التَّبْشِيرَ المَسِيحِيَّ وَتَبْذُرَ بُذُورَ الحَقِيقَةَ الإِنْجِيلِيَّةَ». وعلى هذا الأساس ذهب (دنيال بلس) إلى أمريكا ليثير رغبة الجمهور المسيحي لمحاولة تأسيس معهد أدبي يعمل على نشر الإرساليات البروتستانتية والمدنية المسيحية في سورية والأقطار المجاورة (٧).
ولما اعتزل (دنيال بلس) إدارة الكلية عام ١٩٠٢، وقد بلغ يومذاك ثمانين عامًا (٨)، خلفه ابنه (هوارد بلس) .
هَوَارْدْ بْلَسْ:
ولد (هوارد بلس) عام ١٨٦٠ في سوق الغرب بجبل لبنان (٩)،ولكنه نشأ في الولايات المتحدة، وكان قسيسًا راعيًا (١٠). ظل (هوارد بلس) بعد أن تولى الكلية السورية الإنجيلية قسيسًا مبشرًا ومعلمًا مبشرًا (١١). ولقد حضر، وهو رئيس للكلية، مؤتمرًا لاتحاد الطلاب المسيحيين في العالم عقد في كلية روبرت في استانبول عام ١٩١١، وحضر معه
стр. 100
من الأشخاص (١) الآنسة (مريم بارودي)، الدكتور (فيليب حتي) وأخوه (حبيب حتي)، الآنسة (ماري كساب) (مؤسسة المدرسة الأهلية للبنات في بيروت)، والأستاذ (بولص الخولي)، (طانيوس سعد) (٢) و (إدوارد نيقولي) عميد الدائرة العلمية (ت ١٩٣٧) ..
أما غاية هذا المؤتمر فهي مثبتة على الصفحة الأولى من المتن (٣): إنها توحيد حركات الطلاب المسيحيين ومنظماتهم في العالم ... وجمع المعلومات المتعلقة بالأحوال الدينية للطلاب في كل العالم ... وقيادة الطلاب حتى يصبحوا تباعًا ليسوع المسيح على أنه مخلصهم الوحيد وربهم ... ثم ضم جهود الطلاب للتعاون على مد مملكة المسيح في جميع العالم ... وعلى الأخص في البلدان غير المسيحية. ولقد تكلم في هذا المؤتمر (هوارد بلس) نفسه (ص ١٣١ - ١٣٨) والدكتور (فيليب حتي) (ص ٢٢٩ - ٢٣٠).
بْيَارْدْ ضُودْجْ:
ولما توفي (هوارد بلس) عام ١٩٢٠ بقيت الجامعة الأمريكية في بيروت بلا رئيس أصيل حتى عام ١٩٢٣ حين عُيِّنَ لَهَا (بيارد ضودج).
كان (بيارد ضودج) في الأصل تلميذ لاهوت ثم نال شهادة دكتور في اللاهوت (٤)، ولقد بقي سبع سنوات رئيسًا مساعدًا لـ «جَمْعِيَّةِ الشُّبَّانِ المَسِيحِيِّينَ» (١٩١٣ - ١٩٢٠)، ومع ذلك فإنه لم يتسامح في أن يصبح أحدنا: الدكتور مصطفى خالدي رئيسًا لـ «جَمْعِيَّةِ الشُّبَّانِ المُسْلِمِينَ» في بيروت وأن يظل في الوقت نفسه أستاذًا في الجامعة. ولقد صارحه (ضودج) بأن جهوده في سبيل فلسطين وفي سبيل الشبان المسلمين لا يمكن أن ترضى عنها الجامعة. ولم يكن من المعقول أن يتخلى الدكتور مصطفى خالدي عن خدمة اجتماعية، في رئاسة «[جَمْعِيَّةِ] الشُّبَّانِ المُسْلِمِينَ وَالشَّابَّاتِ المُسْلِمَاتِ»، تشبه الخدمة الاجتماعية (٥) التي يقوم بها (بيارد ضودج) نفسه في رئاسة «جَمْعِيَّةِ الشُّبَّانِ المَسِيحِيَّةِ» (٦)! وكذلك لم يكن من المعقول أن يتخلى الدكتور مصطفى خالدي عن الاهتمام بقضية فلسطين وهي القضية التي كان يهتم لها الرئيس (ضودج) نفسه.
стр. 101
وهكذا فضل الدكتور مصطفى خالدي أن يعتزل التدريس بالجامعة.
ولا ريب في أن شعور الطلاب بالتبشير المكشوف كان قليلاً جِدًّا في رئاسة الدكتور (بيارد ضودج)، وذلك لسببين اثنين:
- أولهما بلا ريب أن شخصية الرئيس (بيارد ضودج) لم تكن شخصية مهاجمة قهارة، كالذي يروى عن (دنيال بلس) مثلاً. وكان في الرئيس (ضودج) تسامح كبير، إلا أننا نعلم أن في الجامعة وللجامعة أناسًا كان الرئيس (ضودج) مضطرًا إلى تنفيذ رغباتهم: ثم إن الجامعة لم تتخل بعد عن سياسة التبشير قط. ويكفينا دليل واحد على ذلك: أن الجامعة قد استغنت عن العدد الأكبر من المدرسين المسلمين في رئاسة الرئيس (ضودج)، وأن النشاط اليهودي كان في أيامه كبيرًا. وإذا نحن رجعنا إلى المساعدات المالية التي تعطيها الجامعة رأينا قسمًا منها بلا ريب خاصًا بأفراد مسلمين أو بمؤسسات تساعد أفرادًا مسلمين، ولكننا إذا نظرنا إلى (المساعدات المنظمة) نراها شيئًا آخر.
- وثاني السببين أن اليقظة العربية تطورت تطورًا كبيرًا في مدة رئاسة الدكتور (ضودج) (١٩٢٣ - ١٩٤٧)، فمن الثورة السورية إلى قضايا فلسطين إلى استقلال البلاد العربية إلى ولادة جامعة الدول العربية، كل ذلك غمر العالم العربي حتى أصبحت كل سياسة تبشيرية مكشوفة بجانبه تدعو إلى كثير من الاستغراب.
على أن هذا كله ينسينا الأعمال العظيمة التي عملتها جامعة بيروت الأمريكية، ولا الرجال الذين نثرتهم في العالم نجومًا للسارين وَشُهُبًا للظالمين المستبدين وعلماء وأدباء، ولكننا كنا نحب أن لو كانت هذه الأعمال خالصة من غاية لم يبق لها اليوم قيمة في عالم العقل والقومية.
سْتِيفَنْ بَنْرُوزْ:
والدكتور (بيارد ضودج) لم يكن قليل الذكاء، ولكن القصة التي يرويها عنه (ستيفن بنروز) (١) الرئيس السابق للجامعة الأمريكية في بيروت، بعيدة عن المعقول. قال (بنروز): «كَانَ الدُّكْتورُ (ضُودْجْ) كَثِيرًا مَا يُرْوَى أَنَّه رَأَّى مَرَّةً فِي القِطَارِ الكَهْرَبَائِيِّ فِي بَيْرُوتَ رَجَلاً مُسْلِمًا مُسِنًّا يُحَاوِلُ أَنْ يُصَلِّيَ. كَانَ هَذَا الرَّجُلُ المُسِنُّ لاَ يَكَادُ يُوجِّهُ نَفْسَهُ فِي وُقُوفِهِ نَحْوَ مَكَّةَ (الْقِبْلَةَ) حَتَّى يَكُونَ القِطَارُ قَدْ دَارَ حَوْلَ مُنْعَطَفٍ فِي الشَّارِعِ فَيَضْطَرُّ المِسْكِينُ إِلَى أَنْ يُصَحِّحَ اِتِّجَاهَهُ. وَقَبْلَ أَنْ يَمْضِي وَقْتٌ طَوِيلٌ كَانَ هَذَا المِسْكِينُ قَدْ اِضْطَرَبَ تَمَامًا
стр. 102
وَأَخَذَ يَنْظُرُ إِلَى الرَّاكِبِينَ بِذُلَّةٍ وَاِنْكِسارٍ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُمْ مَعُونَةً لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُسْدُوهَا إِلَيْهِ. إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ - وَالْكِلاَمَ لِلْدُكْتورِ (ضُودْجْ) كَمَا يَزْعَمُ (بَنْرُوزْ) - كَانَ يُمْثِّلُ الصُّعُوبَةَ التِي تُوَاجِهُهَا التَّقَالِيدُ الإِسْلاَمِيَّةُ فِي عَصْرٍ يَتَبَدَّلُ بِسُرِعَةٍ لاَ تُصَدَّقُ».
واستغربتُ أنا (١) هذه القصة يرويها الدكتور (ضُودْجْ) لأنني أعرفه معرفة تامة، فلقد كان يعلمنا " دروس الأخلاق " في الدائرة الاستعدادية، قبل أن يصبح رئيسًا للجامعة. من أجل ذلك كتبتُ إلى (بنروز) أسأله إذا كان قد نقل هذه الحكاية من كتاب مطبوع أو أنه سمعها سمعًا فقط. فتلقيت من (بنروز) الرسالة التالية (أنقلها أولاً إلى اللغة العربية ثم أثبتها بنصها الإنجليزي مصورًا بالزنكوغراف).
الجامعة الأمريكية في بيروت والكلية الثانوية
دائرة الرئيس
١٣ أيار ١٩٥٢
الدكتور عمر فروخ
ص. ب: ٩٤١ - بيروت، لبنان
عزيزي الدكتور عمر فروخ:
تلقيت رسالتك المؤرخة في ١٢ أيار تسألني عن قول استشهدت به في كتابي " كيما تكون لهم الحياة ". إن هذا القول قد أخذته من طريق السماع. والذي أذكره أنني سمعت الرئيس (ضُودْجْ) يقوله في خطاب له، ولكني لا أتذكر متى كان ذلك ولا أين كان.
المخلص لك كثيرًا
الإمضاء: ستيفن ب. ل. بنروز.
الرئيس
стр. 103
[صورة من رسالة (بنروز) إلى الدكتور عمر فروخ].
ــ
إن مثل هذه القصة، قصة المسلم العجوز الذي يصلي في حافلة القطار الكهربائي لا يمكن أن تجد إلا راويًا أمريكيًا. والذين يعرفون بيروت والقطار الكهربائي في بيروت ويرون المسلمين في الشوارع يستطيعون أن يدركوا إلى أي حد بلغ الخيال بواضع هذه القصة.
أما نحن فنستغرب أن يشترك رئيسان لأعظم جامعة في الشرق الأدنى في رواية مثل هذه القصة التي لا يمكن أن تكون إلا سخيفة. نقول هذا بقطع النظر عن أنها بعيدة عن الحقيقة، وخصوصًا إذا قبلنا أن تكون منسوبة إلى الدكتور (بيارد ضودج) الذي قضى في الشرق خمسة وثلاثين عامًا، ودرس اللغة العربية والدين الإسلامي على العلامة الشيخ أحمد عمر المحمصاني، تلميذ المصلح الكبير الشيخ محمد عبده - رَحِمَهُمَا اللهُ -. على أننا نحب أن نقول رأينا في هذه الحادثة.
إن أغلب الظن أن الدكتور (بنروز) قد اختلق هذه القصة رأسًا من أساسها، بعد أن دله مبشر جاهل على المسألة الفقهية المتعلقة بها، أو أنه هو قد قرأ هذه المسألة الفهقية
стр. 104
ولكن لم يفهمها:
«في الفقه الإسلامي، إن المسلم إذا كان سائرًا (على جمل أو في واسطة أخرى للنقل وأراد الصلاة ثم اتجه إلى القبلة، فإنه يلزم اتجاهه هذا مَهْمَا تبدل اتجاه الواسطة التي يستعملها».
إن الذين يأتون إلى الشرق ليعلمونا يجب أن يكونوا هم أنفسهم أكثر علمًا منا، أو يجب ألا يتعرضوا لما لا يعرفون على الأقل! وبعد، فأي وزن لحادثة يذكرها المؤرخ أو العالم الاجتماعي إذا كان لا يعرف أين وجدها ولا متى سمعها. ولكن المستر (بنروز) اختلق القصة ثم جعل يزعم، بالاستناد إليها، أن المسلمين متأخرون جهلة أغبياء! على أن المستر (بنروز) لَيْسَ مُلِمًّا لأنه صرح في كتابه بأن الغاية الأولى من تأسيس الجامعة لم يكن تعليم العلم وبث الأخلاق الحميدة، بل نشر المذهب البروتستانتي. ولكن نسي أن الجامعة قد أعلنت منذ مدة طويلة أنها غيرت سياستها هذه!
وهنا نحب أن نشير إلى أن القائمين على أمر الجامعة الأمريكية في بيروت لم يكتفوا، من أول أمرهم، بأن يكون رئيس هذه المؤسسة مبشرًا، بل أصروا على أن يكون جميع المدرسين فيها مبشرين. إن الدكتور (جورج بوست) جاء إلى الشرق الأدنى مبشرًا كزملائه ثم ذهب إلى طرابلس عام ١٨٦٣ كطبيب مبشر (١). وكذلك كان (كورنيليوس فان ديك)، وابنه (هنري فان ديك)، و (يوحنا) و (رتبات) كلهم أطباء مبشرين (٢).
وكان على هؤلاء المدرسين أن يوقعوا يمينًا يقسمون فيها بأن يوجهوا جميع أعمالهم نحو هدف واحد، هو التبشير، ولم يقبل منهم أن يكونوا نصارى بروتستانتيين فقط، بل وجب أن يكونوا مبشرين أيضًا (٣). ومع الأيام ألغت الجامعة توقيع هذه اليمين، ولكنها لم تلغ مؤداها.
وكانت الجامعة تحرص على أن يظهر جميع أساتذتها بمظهر المبشرين ثم تحملهم على أن يحضروا المؤتمرات التبشيرية. ولعل المرحوم الأستاذ (بولص الخولي) لَمْ يُعْنَ بالتبشير - مما نعرفه نحن - ولكنه حُمِلَ بِلاَ رَيْبٍ هو والدكتور (فيليب حتي) على أن يحضرا مؤتمر استانبول مع الدكتور (هوارد بلس) عام ١٩١١، تكثيرًا للأسماء الوطنية.
ومع أن الجامعة الأمريكية لم تعلن سياسيتها التبشيرية في مطلع حياتها خوفًا من أن يغلقها العثمانيون، فإنها لم تأل جهدًا في التبشير في كل درس. حتى في الدروس التي لا
стр. 105
صلة خاصة بينها وبين الدين، كانت المبادئ المسيحية موضع تأكيد وتزيين كلما سنحت لذلك فرصة. فمن أمثال ذلك مثلاً أن درس اللغة الإنجليزية كان يستغل في نقل نصوص التوراة الإنجليزية إلى اللغة العربية. وفي هذه الأثناء كان الأستاذ ينتقل إلى مناقشة المشاكل الدينية، من الزاوية التبشيرية طبعًا (١).
وهذا أمر غير مستغرب في المدارس التبشيرية. لقد قرر مؤتمر القدس المنعقد عام ١٩٣٥ أن يستغل كل درس في سبيل تأويل مسيحي لفروع العلوم كالتاريخ وعلم النبات ... الخ (٢).
ومع أن الجامعة الأمريكية، كما يقول (بنروز)، لم تفكر بأن تفرض المذهب البروتستانتي على طلابها فرضًا، فإنها كانت تستغل كل فرصة سانحة ليعرف أولئك الطلاب الحقيقة كما تريدها النصرانية البروتستانتية. وكان الدخول إلى الكنيسة فرضًا على كل تلميذ (٣).
واتفق في عام ١٩٠٩ أن احتج الطلبة المسلمون على إجبارهم على الدخول إلى الكنيسة فاجتمعت عمدة الجامعة الموقرة وأصدرت منشورًا طويلاً جدًا، جاء في مادته الرابعة ما يلي (٤):
«إِنَّ هَذِهِ كُلِّيَّةٌ مَسِيحِيَّةٌ، أُسِّسَتْ بِأَمْوَالِ شَعْبٍ مَسِيحِيٍّ: هُمْ اِشْتَرَوْا الأَرْضَ وَهُمْ أَقَامُوا الأَبْنِيَةَ، وَهُمْ أَنْشَأُوا المُسْتَشْفَى وَجَهَّزُوهُ، وَلاَ يُمْكِنُ لِلْمُؤَسَّسَةِ أَنْ تَسْتَمِرَّ إِذَا لَمْ يُسْنِدْهَا هَؤُلاَءِ. وَكُلُّ هَذَا قَدْ فَعَلَهُ هَؤُلاَءِ لِيُوجِدُوا تَعْلِيمًا يَكُونُ الإِنْجِيلُ مِنْ مَوَادِّهِ، فَتُعْرَضُ مَنَافِعُ الدِّينِ المَسِيحِيِّ عَلَى كُلِّ تِلْميذٍ ... وَهَكَذَا نَجِدُ أَنْفُسَنَا مُلْزَمِينَ بِأَنْ نَعْرِضَ الحَقِيقَةَ المَسِيحِيَّةَ عَلَى كُلِّ تِلْميذٍ ... وَإِنَّ كُلَّ طَالِبٍ يَدْخُلُ إِلَى مُؤَسَّسَتِنَا يَجِبُ أَنْ يَعْرِفَ مُسْبَقًا مَاذَا يُطْلَبُ مِنْهُ».
وكان هذا التهديد المجرد من الذوق والروح العلمية كافيًا لأن يعلن الطلاب الإضراب.
إلا أن العمدة تصلبت في ظاهر أمرها، فترك ثمانية طلاب العلم في المؤسسة المتعصبة (٥). ولم تتأخر الكلية عن أن تعلن بلسان مجلس الأمناء أن الكلية لم تؤسس للتعليم العلماني ولا لبث الأخلاق الحميدة (كذا)، ولكن من أولى غاياتها أن تعلم الحقائق الكبرى التي في التوراة، وأن تكون مركزًا للنور المسيحي وللتأثير المسيحي، وأن تخرج بذلك
стр. 106
على االناس وتوصيهم به (١).
إلا أن الروح الحرة لم تلبث أن انتصرت فَثَابَتْ الجامعة الأمريكية إلى نفسها ورأت، ولو بعد حين، وجه الصواب فتنازلت حينئذٍ عن رأيها الذي لم يكن من العلم في شيء، ولا من الحرية في شيء، ولا من الإنسانية في شيء.
لقد شاهدت الجامعة الأمريكية يقظة العرب على هذا التراب الطاهر في الشرق الأدنى، وشاهدت جميع الشرقيين والعرب يتجهون أفواجًا نحو هيكل العلم النبيل، في أفق يسع المشرق والمغرب ويسع الأديان كلها والألوان جميعها. فأي فضل للجامعة بعد ذلك إذا اعترضت هذا الموكب الفخم المهيب لتسوق جزءًا منه نحو الكنيسة البروتستانتية! أما حجتها فكانت أوهى من عملها. إنها احتجت بأن نفرًا من المتمولين الأمريكيين لا يعينون الجامعة بأموالهم التي جمعوها إلا إذا علموا بأنها تزيد عدد البروتستانت في الشرق. وهكذا حكمت الجامعة الأمريكية على نفسها بأنها مسوقة في تيار قوم آخرين، وأنها مستأجرة لتنفيذ رغبات لا تشرف صاحبها فضلاً عن منفذها.
• • •
على أن استغرابنا قد زاد عام ١٩٤٨ ولم ينقص. إن الجامعة الأمريكية تعترف بأنها بدأت تبشيرية ثم تخلت عن التبشير في عصر القومية الواسعة والتسامح العظيم والتعاون الشامل.
إلا أن الدكتور (ستيفن بنروز) - رئيس الجامعة الأمريكية السابق - قد أتى، مما هو ظاهر واضح في كتابه، بعقلية (دانيال بلس) لا بعقلية (بيارد ضودج) على الأقل: لَقَدْ جَاءَ مُبَشِّرًا لاَ مُعَلِّمًا. وَلَوْ أَنَّهُ جَاءَ مُعَلِّمًا لاَ مُبَشِّرًا لأرخ الجامعة الأمريكية في بيروت تأريخًا مختلفًا - من حيث الاتجاه والتوجيه على الأقل، لا من حيث المادة.
ولكننا نعود فنقول: إننا نحن نعرف الجامعة الأمريكية ونعرف الرجال العظام الذين نثرتهم في العالم العربي خاصة، فلا نحكم عليها بما فعل (دانيال بلس) ولا بما يقول (ستيفن بنروز). ولكننا كنا نود أن لو كان الذين تولوا أمر الجامعة أصدق في التعبير عن حقيقة أنفسهم وأبصر بمقام الجامعة الحقيقي.
لما صدر هذا الكتاب أثار ضجة شديدة في الجامعة الأمريكية خاصة. ولقد توجه
стр. 107
إلينا عتبان أساسيان، لا سيما ونحن مؤلفي هذا الكتاب، من خريجي الجامعة الأمريكية.
أما العتبان فهما:
١ - أننا حملنا من اللوم على الجامعة الأمريكية أكثر مما حملنا على الجامعة اليسوعية مثلاً.
٢ - أن الجامعة الأمريكية نشأت نشأة تبشيرية، ولكنها اليوم ليست مؤسسة تبشيرية.
أما العتب الأول، أو الاعتراض الأول على الأصح، فالرد عليه يسير جدًا. إن الكتب التي كتبها المبشرون الأمريكان أكثر من تلك التي كتبها المبشرون الفرنسيون. ومن هنا فقط جاء عدد الصفحات التي خصصنا بها الجامعة الأمريكية. هذا من ناحية. أما من الناحية الثانية فإن المادة التبشيرية التي جمعناها عن اليسوعيين لا تقل من حيث الأهمية ولا من حيث الأذى السياسي الذي نزل ببلادنا عن تلك التي جمعناها عن الأمريكان، بقطع النظر عن عدد الصفحات. وأما العتب الثاني فالكلام عنه أشد تعقيدًا.
لا شك في أن سياسة الجامعة الأمريكية اليوم تختلف عما كانت عليه في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. إن النظر إلى التبشير قد تبدل عند المبشرين أنفسهم. فليسمح لنا أصدقاؤنا في الجامعة الأمريكية في بيروت أن نضع أمامهم الحقائق التالية:
١ - هناك شاب من صيدا كان طالبًا في الجامعة الأمريكية في بيروت وتخرج فيها برتبة بكالوريوس علوم عام ١٩٤٣، وقد صبأ هذا الطالب إلى النصرانية في أثناء وجوده تلميذًا في الدائرة العلمية. هنالك شاب آخر من جنوبي لبنان [كان] طالبًا في الجامعة الأمريكية تخرج فيها برتبة بكالوريوس علوم ١٩٤٤ وبرتبة أستاذ علوم عام ١٩٤٧. وكان قد علم في الجامعة الأمريكية في بيروت من عام ١٩٤٤ إلى العام ١٩٤٧. ثم إنه نال شهادة الدكتوراه عام ١٩٤٩ من جامعة أدنبرة. ولقد صبأ أيضًا إلى النصرانية وهو اليوم أستاذ في الجامعة. هذان تلميذان في الجامعة الأمريكية في بيروت صَبَأَ صَبَأً! إلى النصرانية بالأمس القريب وبين جدران الجامعة، فقول القائلين بأن الجامعة تركت سياسة التبشير القديمة بين طلابها قول تقوم الشواهد على خلافه.
٢ - إن مفهوم التبشير قد تبدل الآن. في العاشر من تشرين الثاني عام ١٩٥٤، وكنت قد بدأت أنا والدكتور خالدي بجمع مَوَادَّ جَدِيدَةٍ للطبعة الثانية، كتبت إلى الدكتور (بنروز) رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت أسأله عما إذا كانت الجامعة الأمريكية مؤسسة علمية بحت أو أن لها طابعًا علميًا وتبشيريًا مَعًا. وقد أجابني الدكتور (بنروز) في الثاني من الشهر المذكور جوابًا مطولاً قال فيه: إن الجامعة الأمريكية في بيروت لم تكن
стр. 108
على الحصر مؤسسة «تبشيرية»، مع أن الإرسالية الأمريكية البروتستانتية هي التي أنشأت تلك الجامعة. ثم قال الدكتور (بنروز): إن جميع رؤساء الجامعة قبله كان قِسَسًا، أما هو شخصيًا فلم يكن قسيسًا، وأن أطروحته لنيل الدكتوه كانت في الفلسفة ولم تكن في الفقه أو اللاهوت.
أما فيما يتعلق بسؤالي عن الطابع التبشيري للجامعة فقد قال الدكتور (بنروز) في رسالته المذكورة إِلَيَّ: «إِنَّ الجَامِعَةَ ... لاَ تَقُومُ بِجُهْدٍ لِتَجْعَلَ الطُّلاَّبَ يَصْبَأُونَ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ ... إِنَّنَا عَلَى كُلِّ حَالٍ نَهْتَمُّ بِأَنْ نُثِيرَ فِي طُلاَّبِنَا الاِهْتِمَامَ بِالأُمُورِ التِي تَتَّصِلُ بِالدِّينِ عُمُومًا (لاَ بِدِينٍ خَاصٍّ) ... فَإِذَا كُنْتَ تُعِدُّ هَذَا نَشَاطًا تَبْشِيرِيًّا، وَجَبَ عَلَيَّ أَنْ أَقُولَ إِنَّنَا تَبْشِيرِيُّونَ وَلَكِنْ بِهَذَا المَعْنَى فَقَطْ ...».
ثم يقول الدكتور (بنروز): «إِنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُعَقَّدَةٌ، وَأُحِبَّ أَنْ لَوْ نَجْتَمِعَ لِنَبْحَثَ فِيهَا بِتَفْصِيلٍ أَوْفَى» .. ولكني أنا لم أجد ضرورة للإسراع بضرب موعد لكثرة العمل المدرسي في مطلع السنة الدراسية - تشرين الثاني. وَجَاءَ أَمْرُ اللهِ وتوفي الدكتور (بنروز) في التاسع من كانون الأول من العام ١٩٥٤ نفسه. وحاولت بعد ذلك أن أثير الموضوع مع بعض خلفه فلم أجد عنده قبولاً للخوض فيه. ثم باحثت الأستاذ (فؤاد صروف)، نائب رئيس الجامعة الأمريكية المولج بالصلات الاجتماعية، فأكد اهتمام الجامعة بإذكاء الحياة الروحية بين الطلاب.
ومما يتصل بموضوعنا هنا أن الجامعة الأمريكية في بيروت تحتضن حركتين متصلتين اليوم بالاستعمار اتصالاً وثيقًا: حلف بغداد (أو سياسة المعسكر الغربي) ثم الدعوة إلى اللغة العامية مكتوبة بالحروف اللاتينية. أما الدعوة العامية فالبحث فيها سيأتي في فصل يتلو. وأما سياسة المعسكر الغربي فمكان البحث فيها هنا.
تُجْمِعُ البلاد العربية، باستثناء حكومة العراق قبل تأميم قناة السويس، على أن سياسة الأحلاف الأجنبية أمر يجلب الأذى على العرب. ولكن الجامعة وأساتذة الجامعة - والمعنى واحد - تقف إلى جانب حلف بغداد لأنه أمريكي وتسفه رأي خصومه. وقد نشر (جورج كيرك)، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في الجامعة، مقالاً في " مجلة الكلية " يسفه فيه رأي العرب - أو مصر خاصة والعرب عامة - لأن العرب لما أيسوا من التسلح من دول الغرب التي سلحت اليهود وتسلح دولتهم اليوم بكل كرم وتعينها في اعتداءاتها المتكررة على تخوم البلاد العربية، بدأوا يعقدون صفقات لشراء أسلحة تشيكوسلوفاكية على أسس تجارية بحت. ولكن (جورج كيرك)، الأستاذ في الجامعة الأمريكية، نصب
стр. 109
نفسه هازئًا بالعرب وبقصر نظرهم في السياسة، ثم أخذ يهول على العرب بالنتائج الوخيمة التي ستنال العرب من جرأة صفقة الأسلحة هذه.
نحن لا نطلب من (جورج كيرك) أن يتبنى نظر العرب ولا أن يستيقظ ضميره من هول الجريمة البريطانية الأمريكية في فلسطين، ولكننا كنا ننتظر من أستاذ الجامعة الأمريكية أن يترك هذا الموضوع للجرائد وألا ينغمس هو فيه ويغمس معه الجامعة الأمريكية. على أن الجامعة الأمريكية ستقول إن (جورج كيرك) يمثل نفسه، وهو حر في أن يكتب ما يشاء ولا صلة للجامعة بما كتب. ولكن هذا القول مردود رأسًا. إن الجامعة الأمريكية لن تسمح لـ (جورج كيرك)، ولا لغيره (جورج كيرك)، من أساتذتها، بأن يشجبوا حلف بغداد وأعمال النقطة الرابعة أو أعمال لجنة الإغاثة أو أن يدللوا على جريمة الولايات المتحدة في خلق إسرائيل ومدها بأسباب الحياة، أو أن يكتبوا عن همجية الشعب الأمريكي في معاملته للأمريكيين الزنوج والحمر. إن الجامعة الأمريكية، وإن كل مؤسسة كالجامعة الأمريكية، مسؤولة عن رأي أساتذتها في الأمور العامة، وإلا فأي ضرورة تبقى لوجودها بعد ذلك؟.
حينما كنا طلابًا كنا نتخذ القرار بالإضراب السياسي في قلب الجامعة الأمريكية، وكانت المظاهرات تتحرك من الجامعة الأمريكية - معقل الوطنية - ثم كان الطلاب يعودون من المظاهرات ويدخلون إلى صفوفهم في اليوم التالي كَأَنَّهُمْ آتُونَ مِنْ عُطْلَةٍ أو راجعون من رحلة أو عائدون من مباراة في كرة القدم. وأذكر مرة أن طالبًا من ضعاف الإيمان لم يشأ أن يضرب في يوم إضراب فدخل إلى الصف. ولكن المعلم الأمريكي قال له: «اخْرُجْ إِلَى رِفَاقِكَ، إِنَّهُ عَارٌ عَلَيْكَ أَنْ تَدْخُلَ إِلَى الصَّفِّ وَهُمْ مُضْرِبُونَ». أما اليوم فإن الطلاب الذِينَ يُضْرِبُونَ يُعَاقَبُونَ وَيُطْرَدُونَ، لأن الإضراب اليوم في أكثر الأمور معناه الاستياء من السياسة الأمريكية في الشرق العربي
• • •
٤ - سَائِرُ المَدَرِاسِ الأَمِرِيكِيَّةِ:
إن الكلمة المفصلة التي سبقت في الكلام على الجامعة الأمريكية (والكلية السورية الإنجيلية سابقًا) تغنينا عن التفصيل في الكلام على المؤسسات التعليمية التي نثرها الأمريكيون في بلدان الشرق. وسنقتصر في هذا الكتاب على ذكر " كلية جيرارد " في صيدا في الجمهورية اللبنانية.
стр. 110
نشأت " كلية جيرارد "، أو كلية الأمريكان في صيدا (١) من حاجة تبشيرية خاصة. إن المبشرين الأمريكيين كانوا قد أدركوا، بعد خمس عشرة سنة من التجارب، أن المتخرجين من الكلية السورية الإنجيلية في بيروت لا يصلحون لأعمال التبشير في القرى، ذلك لأنهم يأتون عادة من بيئة بعيدة عن القرى ثُمَّ يَقْضُونَ سِنَّيْ تَعْلِيمِهِمْ وتدريبهم في بيئة حضرية. من أجل ذلك قرر المبشرون الأمريكيون إنشاء مدرسة عالية في مكان قريب من البيئة القروية لإعداد معلمين ومساعدين على التبشير في القرى نفسها (٢).
ومثل هذا يقال في الكليات الأمريكية المختلفة في خربوط وعينتاب ومرعش وطرسوس (٣)، وفي طرابلس والقاهرة وحلب وسواها.
٥ - " كُلِّيَّةُ غُورْدُنْ " فِي الخُرْطُومِ (الإِنْجْلِيزِيَّةِ):
ومن أطرف ما يمكن أن يستشهد به هنا موقف المبشر (هنري جسب) ورأيه في " كلية غوردن " في الخرطوم بالسودان المصري.
أسس الإنجليز عام ١٩٠٣ كلية في الخرطوم سموها " كلية غوردن " باسم ضابط إنكليزي هو (تشارلس غوردن)، ويعرف أيضًا باسم (غودرن باشا). وكان (غوردن) قد قُتِلَ فِي السودان لما استولى المهدي على الخرطوم عام ١٨٨٥.
عرض المبشر (جسب) لسياسة الحكومة الإنجليزية في هذه المؤسسة فسماها «فضيحة " كلية غوردن "» ثم قال: «إِنَّ الحُكُومَةَ الإِنْجْلِيزِيَّةَ لَمَّا قَرَّرَتْ فَتْحَ هَذِهِ الكُلِّيَّةَ جَمَعَتْ لَهَا مِائَةَ أَلْفَ جُنَيْهٍ مِنَ إِنْكْلِتْرَا، وَلَكِنَّهَا أَغْلَقَتْهَا فِي وَجْهِ التَّبْشِيرِ المَسِيحِيِّ». ثم يستغرب (جسب) كيف أن هذه الكلية تعلم القرآن ولا تعلم التوراة والإنجيل، ثم تفتح أبوابها يوم الأحد وتعطل دروسها يوم الجمعة. بعدئذٍ يتابع (جسب) حملته الشعواء فيقول: «وَمَا دَامَ (غُورْدُنْ) مَسِيحِيًّا فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الكُلِّيَّةُ التِي سُمِّيَتْ بِاسْمِهِ تَبْشِيرِيَّةً مَسِيحِيَّةً، لاَ أَنْ تَكُونَ حِجَابًا بَيْنَ السُّودَانِيِّينَ وَبَيْنَ التَّوْرَاةِ» (٤).
إن (جسب) يريد أن تكون المدرسة المسلمة بتلاميذها والمسلمة بالإدارة في بلادها، لأن