← История

История · id 117366

أخبار فخ وخبر يحيي بن عبد الله وأخيه إدريس بن عبد الله

أحمد بن سهل الرازي

Полный текст (380 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[أخبار فخ وخبر يحيي بن عبد الله وأخيه إدريس بن عبد الله (انتشار الحركة الزيدية في اليمن والمغرب والديلم)]ـ المؤلف: أحمد بن سهل الرازي دراسة وتحقيق: د ماهر جرار الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت الطبعة: الأولى، ١٩٩٥ م عدد الأجزاء: ١ تنبيه: أرقام الحواشي نوعان: فروق النسخ بين هلالين، وغيرها من تعليقات المحقق بين معكوفين [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

الإهداء إلى والديّ. . . دعد نور الله وزهير جرّار وفاء وإجلالا واقتداء

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

فهرس الدراسة ١. تمهيد ١١ ٢. «الصورة التاريخية» في المصادر الزيديّة ١٢ ٣. كتاب أخبار فخ ١٥ ٤. هل وصلنا الكتاب كاملا ١٨ ٥. مصادر الكتاب ١٩ ٥.١. عبد الله بن محمد بن إبراهيم الجعفري ١٩ ٥.٢. الحسن بن عبد الواحد الكوفي ٢٣ ٥.٣. المدائني ٢٤ ٥.٤. عمر بن شبّة ٢٦ ٦. الدعوة الزيديّة بعد القضاء على ثورة النفس الزكيّة ٢٨ ٦.١. سياسة المهدي ٢٩ ٦.٢. الدعوة السريّة ٣٦ ٦.٣. الحسين بن علي الفخّي ٤٤ ٦.٤. الحجاز بعد ثورة النفس الزكيّة ٤٧ ٧. ثورة فخ ٥١ ٨. مصائر إدريس ويحيى ابني عبد الله ٥٥ ٩. إدريس بن عبد الله ٥٨ ٩.١. إدريس في مصر ٦٠ ٩.٢. سنة بين إفريقية والمغرب؟ ٦١ ٩.٣. في وليلى ٦٥

стр. 5

٩.٤. مقتله ٦٧ ١٠. يحيى بن عبد الله ٦٨ ١٠.١. يحيى في اليمن ٧١ ١٠.١.١. يحيى والشافعي ٧١ ١٠.٢. الطريق إلى الديلم ٧٢ ١٠.٣. ظهوره في الديلم ومبايعته ٧٤ ١٠.٣.١. الدعاة ليحيى ٧٤ ١٠.٤. الرقّة والحجاز ٧٨ ١٠.٥. سعاية الزبيري به ٧٨ ١٠.٦. نقض الأمان وسجنه ٨٤ ١٠.٧. موت يحيى/مقتله ٨٥ ١١. الخطاب الأيديولوجي ٨٨ ١١.١. أهمية الكتاب كمصدر لدراسة «الخطاب الايديولوجي» ٨٨ ١١.٢. تصنيف المادة ٩١ ١١.٣. بيعة الحسين الفخّي ٩٢ ١١.٤. الخطب ١٠١ ١١.٤.١. خطبة الحسين الفخّي الأولى ١٠١ ١١.٤.٢. خطبة الحسين الثانية ١٠٢ ١١.٤.٣. خطبة يحيى بن عبد الله ١٠٥ ١١.٥. الرسائل ١٠٧ ١٢. وصف المخطوطات ١١٠ ١٣. كلمة شكر ١١٤

стр. 6

فهرس كتاب أخبار فخ كتاب أخبار فخ ١٢٩ مقدمة المؤلّف ١٣١ خبر الحسين بن علي الفخّي ١٣١ [هروب من فرّ من الطالبيين إلى الحبشة] ١٥٦ [عودة يحيى وإدريس من الحبشة] ١٥٨ [مقتل القاسم بن محمد بن عبد الله] ١٥٩ [مقتل الحسن بن علي بن الحسن المثلّث] ١٦٠ [العفو عن إبراهيم بن اسماعيل طباطبا] ١٦١ أخبار يحيى وإدريس إبني عبد الله ١٦٣ [بث الدّعاة والرسائل] ١٦٤ [خبر إدريس بن عبد الله] ١٦٩ [إدريس في مصر] ١٧٠ [إدريس في أرض أفريقية/القيروان] ١٧٣ [خروجه إلى جبال نفوسة] ١٧٤ [نزوله في طنجة ومبايعته] ١٨١ [ثورة عبد الله بن الجارود في القيروان] ١٨٢ [مقتل إدريس] ١٨٨ [خبر يحيى بن عبد الله] ١٩٠ [دخوله إلى بغداد] ١٩٠

стр. 7

[يحيى في اليمن] ١٩٤ [في طبرستان] ١٩٦ [في الديلم] ١٩٧ [كتاب الأمان] ٢٢٨ [عودته بعد تأمينه] ٢٣٥ [خبر يحيى مع الزيبري] ٢٣٦ [تخريق أمان يحيى] ٢٤٨ [مقتل يحيى] ٢٥٣ - ٢٧٣ كتاب المصابيح ٢٧٥ ذكر خروج الحسين بن علي الفخي ٢٧٩ خبر يحيى بن عبد الله ٣٠٣ خبر إدريس بن عبد الله ٣٢١ ثبت الأصول والمراجع ٣٢٩ الفهارس ٣٥١ ١ - فهرس الآيات القرآنية ٣٥٣ ٢ - فهرس الآثار ٣٥٥ ٣ - فهرس رجال السّند والرواة ٣٥٦ ٤ - فهرس الأعلام وتراجمهم ٣٥٩ ٥ - فهرس الأماكن ٣٧٧ ٦ - فهرس الفرق والجماعات والقبائل ٣٨٤ ٧ - فهرس الألفاظ اللغوية والحضارية ٣٨٧ ٨ - فهرس المعتقدات والإصطلاحات والمفاهيم ٣٩٠ ٩ - فهرس الكتب ٣٩٣ ١٠ - فهرس الشعر ٣٩٤ ١١ - فهرس الخطب والرسائل ٣٩٥

стр. 8

١. تمهيد بعد أقلّ من ربع قرن على إخماد ثورة النفس الزكيّة، محمد بن عبد الله في المدينة (رجب-رمضان ١٤٥/أيلول-تشرين ٢ ٧٦٢)، وثورة أخيه إبراهيم في البصرة (رمضان-ذو القعدة ١٤٥/تشرين ٢ - كانون ١ ٧٦٢) [١]، عاد الحسنيّون في الحجاز للانتقاض على الخلافة العباسيّة بقيادة الحسين بن علي بن الحسن المثلّث ابن علي بن أبي طالب (ذو القعدة-ذو الحجة ١٦٩/أيّار-حزيران ٧٨٦)؛ وقد قضى الخليفة موسى الهادي على ثورتهم في موقعة فخّ بالقرب من مكة. ولم يكن القضاء على هذه الثورة بالأمر الصعب، كما أنها لم تهدّد سلطة الدولة العبّاسيّة وهيبتها، بل كانت إحدى تلك الطفرات العلويّة المثالية وغير المنظمة التي كانت تنمّ عن اليأس. غير أنّ هذه الثورة-رغم إخفاقها-تمخّضت عن نتائج مهمة شغلت فترة خلافة الرشيد، وكان لها دور واضح في انتشار الفرقة الزيديّة: إذ استطاع أخوا النفس الزكيّة من أبيه، إدريس ويحيى إبنا عبد الله، الهرب إثر هذه الوقعة، فعمل الأول على تأسيس دولة الأدارسة في المغرب، فيما مهدّ يحيى للدعوة في الديلم ممّا أثمر قيام دولة القاسم بن إبراهيم في الديلم بعد أقل من نصف قرن.

стр. 9

وقد حظي نشوء دولة الأدارسة بدراسات متعددة إلا أنّ هذه الدراسات تناولت في معظمها فترة التأسيس الثانية، أي فترة حكم إدريس الثاني وما يليها، ولم تمرّ الاّ عرضا بالفترة الأولى لما يكتنف المصادر من غموض ومعلومات متضاربة تبلغ أحيانا حدّ الحكايات الاسطوريّة. والأمر نفسه يصحّ على الدراسات المتعلّقة بدولة الديلم إذ أغضت هذه الدراسات بشيء من الحذر وعدم الاطمئنان عن المراحل السابقة على دعوة القاسم بن إبراهيم. والأمر في نظري يعود في كلا الحالين لعدم توفّر المصادر الكافية عن الفترة الأولى لهاتين الدولتين، ولتلوّن ما وصلنا من أخبار بألوان أسطورية لا يمكن الاعتماد عليها والوثوق بها في تشكيل تصوّر واف عن هذه البدايات. ٢. «الصورة التاريخية» في المصادر الزيدية لم تحظ المصادر التاريخية الزيدية بدراسة شاملة حتى الآن، والسبب في ذلك يعود إلى أنّ أكثرها ما زال مخطوطا ولم يفهرس إلاّ جزء يسير منها [١]. كذلك لم يلتفت الدارسون في تحقيقهم للكتب التاريخية العامّة إلى مقارنتها بالمصادر الزيدية [٢]، وهذا يعود جزئيا للسبب الذي ذكرته. فما زال الطريق أمامنا طويلا قبل أن يتاح لنا دراسة هذا التراث والبحث عن مصادره الأولى ودراسة أسانيده ورواته، ولوضع تصوّر عن الرؤية/الرؤى الزيدية للتاريخ الاسلامي وعن فهمهم لدور «جماعتهم» في سياق هذا التاريخ. وتعود أولى المؤلفات التاريخية الزيديّة لأوائل القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي بعد أن استقرّت الدولة الزيدية الأولى في الديلم على يد القاسم بن

стр. 10

إبراهيم [١] الرسّي وتبعتها الدولة الهادوية في اليمن [٢]. وكان قد مرّ قرنان من الثورات المتتالية والملاحقات من قبل الدولة العبّاسيّة، الأمر الذي أدّى إلى بقاء الدعوة سريّة وانتشارها في أرجاء العالم الاسلامي وإلى نشوء تجمعات زيدية مختلفة في طور الكمون هذا لكل منها تراثها المحلي وفهمها الخاص لمجريات التاريخ الإسلامي. ويستطيع الدارس عند قراءته للفصل الذي خصّصه الأشعري (٣٢٤/ ٩٣٥) في «مقالاته» [٣] للزيدية أن يلحظ التشرذم الواسع الذي كان ما يزال يسم الفرقة الزيدية في عصره وصعوبة تتبعه أو فهم طبيعة حركته الداخلية. كما تجدر الإشارة إلى أن هذين القرنين قد اتّسما بصراع مرير بين أطراف كانت تجمعها كتلة واحدة للمعارضة، أخذ كلّ منها بعد نجاح العباسيّين في الاستيلاء على السلطة وفي تأسيس شرعيتهم، يحاول أن ينازعهم الشرعيّة المستمدّة أساسا من «كاريزما» النبيّ والدعوة ومن فهم كل طرف للتنزيل القرآني ودوره في مجرى التاريخ، كما يحاول أن يقف في وجه بناء مؤسسات الدولة التي سوف تخدم عملية إستيعاب «مفهوم الكاريزما» في داخلها وتأطيره لتأمين استمراريتها وشرعيتها. [٤] (Verallta?glichung/perpetuation) وقد اتخذت المعارضة الزيديّة (وهي تمثل مجموعة من التيارات التي التقت عند قواسم مشتركة) شكل دعوة سريّة لها أجهزتها الخاصّة و «جماعتها» التي تلتفّ حول إمام من «أهل البيت» من

стр. 11

الفرع الفاطمي يؤكّد «كارزميته» عبر الخروج بالسيف للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولإقامة دولة العدل. ولم يكن الزيديّة هم الطرف الوحيد بل شهدت هذه الفترة صعود نجم الشيعة القائلة بإمامة «النصّ والنّسق» والتي أخذت تلتفّ حول الإمام جعفر الصادق بعد فشل ثورة النفس الزكيّة الذي خرج مدّعيا «المهدية»؛ وشهدت كذلك انتشار الدعوة الإباضيّة وغيرها. تعود المصادر التي وصلتنا إذا إلى مرحلة كان على الزيدية فيها التعايش «كدولة» إلى جانب الدولة العباسيّة القائمة، وغيرها من الدويلات التي ظهرت في تلك الفترة وصار لزاما عليها إعادة النظر في نظرتها لبداياتها ولتاريخها وللتاريخ الإسلامي بعامّة، هذا ولم تكن الزيديّة كتلة متجانسة بل اتّجاهات متحرّكة. ويمكننا أن نستخلص الصورة التاريخية العامّة-إذا جاز التعبير-للزيدية وفهمهم لأنفسهم من خلال الرسائل التي وصلتنا خاصة الرسائل المتبادلة بين محمد النفس الزكية وأبي جعفر المنصور [١]، والرسائل التي تنسب ليحيى بن عبد الله وأخيه إدريس والتي وردت في مخطوط «أخبار فخ» [٢]، وكذلك غيرها من الرسائل والكتب. ولعلّه ما زال من المبكر قليلا أن نصل إلى نتائج حاسمة قبل تحقيق المصادر الزيدية تحقيقا علميا ودرس مصادرها، غير أني أراني لا أعدو الصواب إذا قلت إنّ خطة هذه المصادر-الأولى منها على الأقل-كانت تتمثل في ملء الخطوط العامّة للتصور التاريخي كما يبدو في الرسائل المبكرة

стр. 12

هذه. مما يؤدي بالتالي لقبول النظرة التاريخيّة التي كانت سائدة في ذلك العصر-أي بعد مرور قرنين على تأسيس الدولة العباسيّة ونجاح «ايديولوجيتها» ومؤسساتها إلى حدّ بعيد، وبعد تكوّن الاتجاهات الكبرى كالشيعة الاثني عشرية وأهل السنة والجماعة وقيام دولة الإسماعيلية في مصر الخ. . . -والعمل على تحويرها بما يتلاءم مع الفهم الزيدي-كما استقرّ عند تأسيس الدولة-فما تتضمنه هذه الكتب من معلومات هو إعادة كتابة التاريخ بنظرة استرجاعيّة. ولا يمكننا أن ننفي، بالطبع، اعتماد هؤلاء على مصادر متنوعة وروايات ووثائق يعود قسم كبير منها لفترة الدعوة/الدعوات السريّة وكذلك لتراث شفهي توارثته الأجيال، إلا أنه لا يسعنا أن نفترض أنّ كل هذا التراث هو تراث صحيح، موثوق به ومتجانس! هذا ما عنيته بقولي. أننا ما زلنا في البدايات وأنه يجب دراسة هذا التراث لتمييزه وفحص مصادره كل واحد على حدة، ودراسة رواته والتأكد من صحة الوثائق وموثوقيّتها ودراسة لغتها ويناها الخ. . ٣. كتاب أخبار فخ يعد الكتاب الذي بين يدينا من أوائل الكتب التاريخيّة الزيديّة، وهو يتناول فترة محدّدة تبدأ بمعركة فخ ويتابع مصائر يحيى وإدريس ابني عبد الله، ويقدّم معلومات جديدة غنيّة ومتميّزة. عندما تمّ اكتشاف مخطوطة هذا الكتاب في برلين كان الظن أنها مخطوطة فريدة، (Uniqum) وقد ذكرها البروفسر غريغور شولر في فهرسته للمخطوطات العربية التي كانت ما تزال مركونة في الصناديق في مكتبة برلين [١]. وتحمل المخطوطة عنوان «أخبار فخ

стр. 13

وخبر يحيى بن عبد الله»، وكنت قد عرّفت بمادّتها ودرست أسانيدها في مقالة صدرت مؤخّرا (١). وهي من تأليف أحمد بن سهل الرازي الذي يبدو أنّه كان يكبر أبا الفرج الأصفهاني (-٣٥٦/ ٩٦٦) مؤلّف «مقاتل الطالبيين» بجيل، أيّ أنّه عاش في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي والربع الأوّل من القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، كما تدلّ على ذلك دراسة أسانيده. وباستثناء هذا فإنّنا لا نكاد نعرف عن هذا المؤلف شيئا على الإطلاق. وتقع المخطوطة ضمن مجموع زيدي يحتوي على رسائل وأخبار زيديّة، وتشغل الورقات ١٥٤ ب-١٨٤ أمنه؛ وناسخ المجموع هو العلاّمة الزيدي حميد ابن أحمد المحلّي (-٦٥٢/ ١٢٥٤) [٢]، صاحب كتاب «الحدائق الوردية» وقد كان هذا الكتاب أحد مصادره في الحدائق وإن لم يسمّه. ويذكر المحلّي أنه ينقل عن نسخة ضعيفة غير مهذّبة دون أن يذكر تاريخها. كنت قد أنهيت تحقيق المخطوطة اعتمادا على نسخة برلين معتقدا أنّها نسخة فريدة، ثم اكتشفت عن طريق الصدفة أثناء مطالعتي لفهرست مخطوطات الجامع الكبير بصنعاء وجود نسخة أخرى ضمن مخطوطات الجامع، فعدلت عن نشر المخطوطة منتظرا أن أحصل على مصوّرة عن مخطوطة صنعاء، وقد تيسّر لي الحصول عليها، وهي تعود لأوائل القرن الرابع عشر الهجري، وعلى مخطوطة أخرى يرجع تاريخها للقرن الحادي عشر [٣].

стр. 14

وتقع مادّة الكتاب في ٤ أقسام: أ-معركة فخ؛ ب-هروب إدريس ويحيى إلى الحبشة ثم عودتهما وتخفيهما؛ ج-أخبار إدريس في إفريقية والمغرب حتى وفاته مسموما؛ د-تجوّل يحيى في البلدان وهروبه إلى الديلم وأمان هارون الرشيد له ثم سجنه ومقتله. وتكمن أهمية المخطوطة في أنها تضمّ مجموعة من أقدم المرويّات التي وصلتنا عن معركة فخّ وعن حركة إدريس ويحيى ابني عبد الله. والعدد الأكبر من الرواة هم من زيديّي القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، والمؤلف كما يدل اسمه وكما نستنتج من بعض أسانيده مرويّ وله علاقة بزيديّة الكوفة [١]. وثمّة رواية واحدة في المخطوطة ترد عند الطبري، وكلا الرازي والطبري ينقل عن مصدر مشترك وكانا متعاصرين، فالطبري توفي سنة (-٣١٠/ ٩٢٢) وأحمد بن سهل الرازي توفي قريبا من هذا العام [٢]، وهو يكبر أبا الفرج (-٣٥٦/ ٩٦٧) بجيل، وكلاهما يعتمد أحيانا مصادر واحدة استطعت التعرّف على بعضها، كما أنّ كليهما كان زيديا [٣].

стр. 15

٤. هل وصلنا الكتاب كاملا ؟ إن ما حدا بي لطرح هذا السؤال هو ورود خبر عن أحمد بن سهل الرّازي في «كتاب المصابيح» (وعنه في «تيسير المطالب» (انظر ما يلي ص ٢٨٤)، لم يرد في النسخ الثلاث المخطوطة التي اعتمدتها. والخبر يتناول ما عرف عن سخاء الحسين بن علي الفخي ويرد ضمن أخبار مذكورة في المصادر الأخرى قبل الدخول في تفاصيل معركة فخ عند الحديث عن الحسين ابن علي. وأجد نفسي أمام احتمالين: ١) إمّا أن يكون الخبر من كتاب آخر لأحمد بن سهل الرازي لم يصلنا. ٢) أو أن يكون أحمد بن سهل لم يدخل هذا الخبر في كتابه-إذ أنّه لم يترجم فيما وصلنا من كتابه لا للحسين بن علي قبل خروجه ولا ليحيى وادريس-فيكون سماع أبي العبّاس الحسني-لهذا الخبر-منه عن طريق الرواية (الشفاهيّة على الأرجح) إذ أنّهما كانا متعاصرين. والمخطوطة الأقدم التي وصلتنا من كتاب «أخبار فخ» انتسخها حميد بن أحمد المحلّي صاحب كتاب «الحدائق الورديّة» سنة ٦٣٨/ ١٢٤٠ وقد صرّح المحلّي أنها نسخة ضعيفة غير مهذّبة وأنّه اجتهد في تصليحها على العجلة ثم قابلها على نسخة أخرى، مما يعني أن هذا الخبر لم يوجد في كلا الأصلين اللذين اعتمدهما المحلّي. وثمّة أمر آخر تجدر الإشارة إليه، وهو أنّ أخبار الحسين الفخي ويحيى وإدريس في «كتاب المصابيح» هي من القسم الذي أتمّه علي ابن بلال. وقد وردت رسالة إدريس بن عبد الله إلى البربر في بعض المصادر بسند أبي العباس الحسني إلى أحمد بن سهل الرازي، غير أننا لا نجدها في «كتاب المصابيح» كما وصلنا وإنّما ترد فيه رسالة له إلى «أهل مصر»، بيّنت

стр. 16

في موضع آخر أنّها موضوعة ومنسوبة له على الأرجح [١]. كل هذا يعود بي إلى ما ذكرته سابقا من صعوبة الاعتماد على المصادر الزيديّة قبل أن تحقق تحقيقا علميا وتدرس موادها وأصولها والعلاقات بينها دراسة متأنيّة. ٥. مصادر الكتاب كنت قد درست في موضع آخر مصادر هذا الكتاب وأسانيده، وسوف أكتفي هنا بذكر أهمها، مؤجّلا الدراسة التفصيليّة للأسانيد إلى حين ورودها في هذا البحث: ٥.١. عبد الله بن محمد بن إبراهيم الجعفري ويعتمد عليه المؤلف في رواية جزء كبير من أخباره. ويتصّل إسناد المؤلف به عن طريق: الحسن بن عبد الواحد الكوفي محمد بن علي بن إبراهيم بكر بن صالح الرازي. وليس من السهل التعرّف على شخصيّة عبد الله بن محمد بن إبراهيم الجعفري هذا، فثمّة أكثر من جعفري ورد اسمه في كتب الرجال كمؤلّف لكتب تعنى بموضوع ثورات الطالبيّين، قد يكون هو المقصود. واسم هذا الجعفري كما يرد في مخطوطة «أخبار فخّ» هو: عبد الله بن محمد بن إبراهيم [بن محمد] بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. غير أنّه لا وجود لهذا الاسم في المصادر بهذه الصيغة التي يرد بها هنا:

стр. 17

أ-فثمّة عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب، وهو مؤلّف كتابين، أحدهما بعنوان «كتاب خروج صاحب فخّ ومقتله» والآخر «كتاب خروج محمد بن عبد الله ومقتله» [١]. ويروي عنه هذه الكتب بكر بن صالح [٢]. وبكر هذا هو مولى لضبّة وتذكره المصادر الإمامية فيمن روى عن الإمام السابع موسى الكاظم (-١٨٣/ ٧٩٩)، ويبدو أنه هو الذي وضع مرويات شيخه الجعفري هذا على شكل كتب. ولا نعرف تاريخ وفاة عبد الله بن إبراهيم الجعفري، غير أنّه يمكننا أن نفترض أنّه كان مجايلا للإمام موسى الكاظم، أي أنه توفي في الربع الأخير من القرن الثاني. ب-يورد الطبري خمس روايات [٣] عن عمر بن شبّة (-٢٦٣/ ٨٧٦) عن إبراهيم بن محمد بن عبد الله الجعفري تدور كلها حول أحداث ثورة النفس الزكية وأخيه إبراهيم، ويورد أبو الفرج الأصفهاني كذلك ست روايات [٤] عن هاتين الثورتين بسنده عن عمر بن شبّة عن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن أبي الكرام الجعفري. أما ابن أبي الكرام، فهو أبو المكارم محمد الأصغر ابن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر الطيّار بن أبي طالب، وهو حامل رأس النفس الزكيّة إلى مصر [٥]. ويصدّر ابن شبّة رواياته عند أبي الفرج بالألفاظ: «حدّثني، حدّثنا، وأخبرني»، وينصّ عند الطبري على أنّه ساءله، قال: «فحدّثت

стр. 18

إبراهيم بن محمد بن عبد الله الجعفري أن محمدا أحرج فخرج قبل وقته الذي فارق عليه أخاه إبراهيم، فأنكر ذلك. . .» [١]. فهل لنا أن نفهم من طريقة ابن شبّة في التحديث أنه يروي مباشرة عن إبراهيم بن محمد بن عبد الله ابن أبي الكرام الجعفري هذا؟ لقد عمّر ابن شبّة طويلا، فقد ولد سنة ١٧٣/ ٧٨٩ أي أنه كان قد بلغ تسعين سنة قمريّة عند وفاته، ممّا أتاح له العلو في أسانيده، فلا يعود احتمال سماعه المباشر من أحد أولاد ابن أبي الكرام-أو أحد أحفاده-بالأمر المستغرب [٢]. غير أن رواية لابن شبّة عند الطبري تظهر أنّه يتّصل بإبراهيم بن محمد الجعفري عن طريق ابن زبالة، وقد ألّف ابن زبالة كتابا في «أخبار المدينة» سنة ١٩٩/ ٨١٤ [٣]. والسند المذكور عند الطبري: «حدّثني محمد بن الحسن بن زبالة، قال: حدّثني إبراهيم بن محمد، قال:. . .» [٤]. ولا نعرف لمن تعود «حدّثني» الأولى، والأغلب أن القائل هو عمر بن شبّة، فقد كان الطبري يروي عنه قبل ذلك. يبقى علينا الآن أن نتحقق إن كان المقصود واحدا عند ذكر هؤلاء الجعفريين الثلاثة: ١) عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله (المذكور في

стр. 19

[١] [٢] [٣] [٤] [٥] [٦] [٧] [٨] [٩] [١٠]

стр. 20

مخطوطة «أخبار فخ». ٢) وعبد الله بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله (صاحب كتابي «خروج محمد بن عبد الله ومقتله» و «خروج صاحب فخ ومقتله»)، ٣) وإبراهيم بن محمد بن عبد الله بن أبي الكرام (الذي يروي عنه عمر بن شبّة). الملاحظة الأولى هنا أن الثلاثة ليسوا من جيل واحد بحسب سلاسل النسب؛ والثانية أن بكر بن صالح الرازي هو الراوي عن الأول والثاني (١٠ و ٥) رغم الاختلاف في ترتيب أسمائهما؛ أما الملاحظة الثالثة فهي أن الأخبار التي تروى عنهم جميعا في المصادر تتعلق بثورات الطالبيين: محمد بن عبد الله، وأخيه إبراهيم، والحسين الفخّي. ويبدو لي مما تقدّم أنّ الأسماء الثلاثة تعود لشخص واحد من أولاد ابن أبي الكرام-أو أحد أحفاده-اشتبه اسمه على الرواة. وقد اختلطت أنساب الطالبيين لتكرر أسماء الآباء والأبناء وتشابهها، وقد تبيّن النّسابة ابتداء من القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي صعوبة التعرّف على هؤلاء الأشخاص [١]. ٥.٢. أما الحسن بن عبد الواحد الكوفي ، الذي عبره يتصل إسناد المؤلّف بعبد الله بن محمد بن إبراهيم الجعفري، فينقل المؤلف-أحمد بن سهل الرازي- عنه قسما أساسيا من أخبار كتابه. ويرد اسمه كذلك عند أبي الفرج الأصفهاني في مقاتله حيث ينقل عنه خمس روايات حول ثورة النفس الزكيّة وأخيه إبراهيم وثورة فخ [٢]. وينقل عنه أبو الفرج بواسطة راويين: علي بن أحمد

стр. 21

ابن حاتم [١]، وعلي بن العباس المقانعي [٢]؛ ويروي عنه مرّة عن طريق أحمد ابن محمد بن سعيد، أبي العباس بن عقدة (-٣٣٢/ ٩٤٤) [٣] محمد بن منصور المرادي (٢٩٠/ ٩٠٣) [٤] الحسن بن عبد الواحد [٥]. وهذا يشير إلى أن وفاة الحسن بن عبد الواحد كانت قبل ٢٩٠/ ٩٠٣، وأنه يكبر محمد بن منصور المرادي بجيل. ونراه يروي أخباره هذه عن رجال متعددين مما يوحي بأنه قد جمع هو هذه الأخبار حول موضوع معيّن وصنّفها على شكل كتاب (أو أوراق/قراطيس)، وكلها يدور حول ثورات الطالبيين: زيد بن علي، محمد وأخيه إبراهيم، فخّ وثورة أبي السرايا. ٥.٣. المدائني، علي بن محمّد (- بين ٢١٥/ ٨٣٠ - ٢٢٨/ ٨٤٢) [٦]. يرد اسمه إحدى عشرة مرة [٧]. والمؤلف ينقل عنه عن طريق عمر بن شبّة وهو يصرّح

стр. 22

بذلك في خمسة مواضع [١]؛ وفي موضع واحد ينقل عنه عن طريق أبي النطّاح (كذا): «وحدّثني أبو النطّاح عن المدائني، قال. . .» [٢]. ويخيّل لي أنّ «أبو النطّاح» إنما هي سبق قلم من الناسخ، والمقصود ابن النطّاح، محمد ابن صالح بن مهران (-٢٥٢/ ٨٦٦) [٣] الذي ينسب إليه كتاب «أخبار العباس وولده»؛ وهو من الرواة عن المدائني [٤]. ويبدو أن تعبير «حدّثني» في بداية الإسناد يعود لعمر بن شبّة، وقد روى ابن شبّة عن ابن النطّاح في كتابه «أخبار المدينة» [٥]، وليس من المحتمل أن يكون المؤلف أحمد بن سهل الرازي قد روى مباشرة عن ابن النطّاح للفارق الزمني بينهما. وليس بوسعنا أن نجزم عن أي كتاب من كتب المدائني ينقل ابن شبّة، وقد يتبادر إلى الذهن أكثر من كتاب له مثل: كتاب أخبار أبي طالب وولده، وكتاب أسماء من قتل من الطالبيين، وكتبه في أخبار المنصور والمهدي والهادي [٦]. وينقل أبو الفرج الأصفهاني أخبارا عن المدائني عن طريق أحمد ابن الحارث الخرّاز [٧] وهي لا ترد في مخطوطة «أخبار فخ».

стр. 23

كما يضم «كتاب المصابيح» أخبارا عن المدائني دون ذكر لمصدره، وهذه الأخبار ممّا ينفرد به الكتاب وليس كلّها مما يرد في مخطوطة «أخبار فخ» ولا في «مقاتل الطالبيين». فالمادة التي ينقلها أحمد بن سهل الرازي عن المدائني بواسطة عمر بن شبّة، مادة جديدة تلقي ضوءا على أسلوب المدائني المؤرخ وعلى مصادره. ٥.٤. عمر بن شبّة (-٢٦٣/ ٨٧٦) (١). يرد اسمه ثماني مرّات وقد مرّ معنا أن المدائني هو مصدره الرئيس. وقد روى مرّة عن ابن النطّاح، كما روى خبرا عن ابن زبالة ويبدو أن هذا الخبر هو من كتاب «أخبار المدينة» لابن زبالة، إذ إنّه يدور على الأموال التي وزّعها يحيى بن عبد الله في الحجاز بعد أن أمّنه الرشيد ووصله [٢]. ويروي ابن شبّة في كتابه «أخبار المدينة» خبرين عن ابن زبالة [٣]. وقد لاحظ تلمن ناغل أن أخبار ابن زبالة تشير إلى ميول علويّة [٤]. ومن الصعب أن نحدّد كتاب ابن شبّة الذي ينقل عنه أحمد بن سهل الرازي أخباره، إلاّ أنّنا نرجح أن يكون الكتاب هو «أخبار المدينة». وتجدر الإشارة هنا إلى أنه في الفترة نفسها تقريبا التي عاش فيها مؤلف المخطوطة أحمد بن سهل الرازي، ألّف علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب العلوي الجواني كتابيه:

стр. 24

«أخبار صاحب فخ» و «أخبار يحيى بن عبد الله بن الحسن» [١]؛ وهو كوفي، ونسبته الجوّانّي إلى قرية الجوّانيّة من قرى المدينة، قال النجاشي عنه: «إنّه ثقة صحيح الحديث وإنه خرج مع الإمامين موسى بن جعفر الكاظم وعلي بن موسى الرضا إلى خراسان». وهو من مصادر أبي الفرج المهمة في مقاتله، وقد نقل عنه خمسة وثلاثين خبرا [٢] خاصة فيما يتعلق بأخبار فخ وأخبار يحيى بن عبد الله. يمكننا أن نستخلص من هذا العرض أنّ أحمد بن سهل الرازي قد جمع مادّة كتابه من ثلاثة مصادر كتابية رئيسة هي: ١ - كتاب الجعفري: الذي رجّحنا أن يكون عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب صاحب «خروج صاحب فخّ ومقتله». ٢ - كتاب للحسن بن عبد الواحد الكوفي حول ثورات الطالبيين جمع فيه، بالإضافة إلى ما أخذه عن الجعفري المذكور سابقا من طريق بكر بن صالح الرازي، أخبارا من مصادر أخرى. ٣ - كتب لعمر بن شبّة وللمدائني، ولم نستطع أن نجزم إذا ما كانت نقوله عن المدائني تتمّ مباشرة أم عن طريق كتب عمر بن شبّة. يضاف إلى هذه المصادر روايات-يبدو أنّه أخذها-شفاها عن رواة زيديّين بعضهم معروف مثل محمد بن القاسم بن إبراهيم الرّسّي ومحمد بن منصور المرادي، وبعضهم مغمور أو مجهول بالنسبة لنا اليوم.

стр. 25

٦ الدعوة الزيدية بعد القضاء على ثورة النفس الزكية لم يكن القضاء على ثورة محمد النفس الزكيّة وثورة أخيه إبراهيم بالأمر الهيّن، فقد شكّلت هذه الثورة تحديا جدّيا لشرعية الدولة العبّاسيّة الفتيّة [١]، وكانت نتيجة دعوة منّظمة امتدت إلى خراسان ومصر واليمن وغيرها من الأقاليم، كما أنّها كانت تقوم على الدعوة إلى عقيدة مهدويّة [٢]، واستطاعت أن تؤلب حولها، علاوة على جموع العلويّة والطالبيين الناقمين على اغتصاب بني العبّاس للسلطة، عددا كبيرا من الفئات المعارضة والعلماء والمعتزلة الأوائل [٣]. وقد شغلت هذه النائبة السنوات التسع الأولى من خلافة المنصور،

стр. 26

ودار الصراع فيها حول شرعية السلطة الجديدة يطرحها خصم قوي يتمتع برصيد كبير ودعوة تصدر عن إجماع يحقّق مصالح المعارضة وفئات واسعة من عصبيّات الدولة، ويلجأ إلى تجربة طويلة في الصراع ضد الأموييّن. وقد قضّت هذه الثورة مضجع المنصور قبل أن يتاح له السيطرة عليها، ليتتبّع العلويّين قتلا وتحبيسا، ويشدّد على من شاركهم الثورة من العلماء والأعيان. وقد أحكم إثرها نظام البريد في أرجاء الدولة ليتسقّط أخبار من هرب من العلوييّن ويرصد تحرّكاتهم [١]. ٦.١. سياسة المهدي وعن عمر بن شبّة [٢] أن المنصور أوصى وليّ عهده المهدي في حجّته الأخيرة بالحذر من رجلين: أوّلهما عيسى بن موسى، ابن أخيه وولي عهده قبل المهدي وكان أبو جعفر قد توعّده وهدّده ثم استرضاه بالمال وعهد بولاية العهد لابنه المهدي، والثاني عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب [٣]، الذي خرج مع النفس الزكيّة ومع أخيه إبراهيم ثم توارى في الكوفة. وكان من وصيّة أبي جعفر فيه. . «وأما عيسى بن زيد فأنفق هذه الأموال واقتل هؤلاء الموالي واهدم هذه المدينة حتى تظفر به، ثم لا ألومك» [٤]. فقد ظل الخوف من العلويين هاجس أبي جعفر قبل وفاته بعد أن أمن جانب أهل بيته العباسيين وأمن ولاء جند خراسان وموالي الدولة، عبر سياسة البطش من جهة والترغيب من جهة أخرى.

стр. 27

وقد آثر المهدي جانب المهادنة مع العلوييّن بعد أن كفاه المنصور خطرهم المباشر، فلجأ إلى الوسائل السياسيّة السلميّة وإلى رصد تحرّكاتهم لاحتوائها. وتحاول بعض الروايات أن تبرز جانب اللّين في سياسة المهدي، فيذكر الطبري عن مصدره [١] أن المنصور كان دفع إلى ربطة زوجة المهدي مفاتيح الخزائن وعهد لها ألاّ تفتح بعض تلك الخزائن بعد موته ولا تطلع عليها أحدا إلاّ المهدي، فلما فتحها المهدي ومعه ربطة «فإذا أزج كبير فيه جماعة من قتلاء الطالبيين وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم، وإذا فيهم أطفال، ورجال شباب ومشايخ عدة كثيرة، فلما رأى ذلك المهدي ارتاع لما رأى وأمر فحفرت لهم حفيرة فدفنوا فيها، وعمل عليهم دكّان». ولهذا الخبر-رغم بنيته القصصيّة ويصرف النظر عن صحّته-دلالة مهمّة إذ يظهر شدّة المنصور وعنفه من جهة، ويشير إلى طبع المهدي الرقيق وارتياعه من جهة أخرى. هذا وتجمع المصادر [٢] على أن المهدي عمل على اتّباع سياسة مهادنة: فقد أطلق المساجين ووصل كل من أطلقه، كما حاول استرضاء العلوييّن فأخرج كل من كان منهم في السجن وأمر لهم بصلات وأرزاق دارّة، وكان ممن أخرجه الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وكان ممن خرج مع النفس الزكيّة واستعمله الأخير على مكة [٣]؛

стр. 28

والحسن بن زيد [١]؛ كما أطلق موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، فيما روي [٢]. أمّا عيسى بن زيد، وكان النفس الزكيّة قد عهد إليه بالأمر بعد أخيه إبراهيم [٣]، فقد ظلّ متخفّيا وتوارى بالكوفة في دار علي بن صالح بن حيّ [٤]، أخي الحسن بن صالح أحد كبار رجالات الزيديّة ومحدّثيهم [٥]، وتزوّج ابنة له [٦]. وقد جدّ المهدي-بحسب وصيّة أبيه أبي جعفر-في طلبه وتتبع أخباره، وأمّنه ونودي بالأمان في الأمصار غير أن عيسى بقي في اختفائه. ويذكر عليّ بن بلال-وهو أتمّ كتاب المصابيح الذي كان أبو العباس الحسني قد ابتدأ به- أنّ عيسى بن زيد بويع سنة ١٥٦/ ٧٧٢ وهو متوار بالعراق، بايعه أهل الكوفة والسواد والبصرة والأهواز وواسط، وورد عليه بيعة أهل الحجاز: مكة والمدينة وتهامة، والجبال، وأنّه وجّه دعاته إلى مصر والشام، ثم عقد عزمه على الخروج في غرّة رمضان سنة ١٦٦/ ٧٨٢ إلاّ أنّ المهدي بعث إليه من سمّه فمات في سواد الكوفة وكان له من العمر خمسة وأربعون عاما، وبويع وهو ابن ثلاثين [٧]. أمّا أبو الفرج فينقل عن أحمد بن عبيد الله بن

стр. 29

عمّار [١] عن رجاله أن عيسى مات عند الحسن بن صالح وأنّ الأخير كتم خبر موته [٢]. وما يذكره علي بن بلال دون ذكر سند عن قضية سمّه، هو أمر مشكوك فيه، وقد ذكر في بداية حديثه أنّ عيسى خرج مع الحسين بن علي صاحب فخ ثم نجا وتوارى، وهذا خلط واضح. ويبقى تاريخ وفاته مقبولا إذ ذكر أبو الفرج كذلك أنه مات عند الحسن بن صالح والأخير توفي سنة ١٦٧ أو ١٦٨/ ٧٨٣. وقد يسّرت له فترة الكمون هذه بثّ علمه [٣] ونشر الدعوة الزيديّة [٤]. ولمّا مات ضمّ المهدي ابنيه أحمد وزيد إليه [٥]. كما أطلق المهدي يعقوب بن داود [٦] من سجنه، وكان شارك في ثورة النفس الزكيّة وسجن مع الحسن بن إبراهيم بن عبد الله المحض، ووصله وقرّبه وولاّه الوزارة «ليدخل بينه وبين آل حسن وعيسى بن زيد» [٧]، وكانت هذه بادرة منه ليطّلع عن كثب على مخططات العلويين. وقد استأمن يعقوب

стр. 30

الخليفة المهدي للحسن بن إبراهيم، وكان فرّ من السجن، وجمع بينهما بمكّه سنة ١٦٠/ ٧٧٦ [١]. ولا يسع الدارس إلاّ أن يلتزم جانب الحذر تجاه بعض هذه الأخبار عن يعقوب بن داود، خاصة ما أورده الطبري عن علي بن محمد النوفلي [٢]، من أن أمر يعقوب بن داود «لم يزل يرتفع عند المهدي ويعلو حتى استوزره وفوّض إليه أمر الخلافة، فأرسل إلى الزيديّة فأتى بهم من كل أوب وولاهم من أمور الخلافة في المشرق والمغرب كلّ جليل وعمل نفيس، والدّنيا كلها في يديه» [٣]. فقد كان النوفلي، على ما ذكره أبو الفرج في مقاتله [٤] «يقول بالإمامه فيحمله التعصّب لمذهبه على الحيف فيما يرويه، ونسبة من روى خبره من أهل هذا المذهب إلى قبيح الأفعال». ولا بدّ من التنبّه هنا إلى أن تعبير «كان يقول بالإمامة» الذي يطلقه أبو الفرج على النوفلي يعني أنّه كان ممن يقول بإمامة موسى الكاظم بعد أبيه جعفر الصادق وبإمامة علي الرضى بعدهما-وقد توفي النوفلي بعد الرضا بعام -أيّ أنه من أصحاب الإمامة القائلين بالنّسق والنصّ، وهو التيّار الشيعي الذي أخذ يتبلور حول الإمام الصادق الذي آثر القعود ومهادنة السلطة ولم يشارك الحسنيين ثوراتهم، والذي استمدّ من شخصيّة الصادق «الكارزماتيّة» قوّة ودفعا [٥]. وقد ابتعد هؤلاء عن الزيديّة (أو بعض تيّاراتها) وحاولوا جمع شتات التيار

стр. 31

الشيعي وتنظيم صفوفه. وأرى أن خبر النوفلي يرمي إلى الحط من الزيديّة في الإطار الذي يتبعه أصحاب المذاهب المتنافسة، وإلى اتهامهم بالعمل مع السلطة. وقد كانت مسألة العمل مع الإمام غير الشرعي، أو الجائر، تشغل الشيعة في ذلك الوقت وكانت موضع نقاش واستفتاءات شرعية، ونحن نعلم أن بعض الشيعة ممن يقول بالإمامة قد قبل مناصب في الدولة كما تدل حالة علي بن يقطين (-١٨٢/ ٧٩٨) [١]. وقد يكون خبر النوفلي هذا من قبيل تبرير عمل أصحابه تحت لواء الدولة العبّاسيّة. ونحن لا نجد في كتب الزيديّة الفقهيّة المتأخرة ما يشير إلى أن هذه المسألة كانت تقلقهم. ولا نستبعد أن يكون بعض الشيعة ممن يميلون للزيديّة قد قبلوا بالعمل مع السلطان وتولّوا بعض المناصب المهمة، وسوف نرى أن أحد عمّال العباسيين على مصر، وكان ممّن يميل للزيديّة، قد سهل فرار إدريس إلى المغرب بعد هرويه من موقعة فخ، ولا ننسى أن بعض اتجاهات البترية لم تكن تقول بالخروج. ولا نستبعد أن يكون المهدي قد اتّبع سياسة تولية بعض الزيديّة من ذوي الاتجاهات المهادنة للسلطة مناصب في الدولة وأن يكون قد استرضاهم بالمال ليتسقّط عبرهم أخبار العلويين وليكشف مخططاتهم كما تدلّ حالة يعقوب بن داود، أما أن يكون قد بلغ في ذلك حد توليتهم «كل نفيس من أمور الخلافة» فهو أمر صعب التصديق. ويذكر الطبري في خبره عن النوفلي أن آل الحسن، استوحشوا من صنيع يعقوب. ويجدر التنبيه هنا على أنّ الطبري اعتمد في روايته عن الزيديّة أخبارا عباسيّة الهوى [٢]، علاوة على تعويله بشكل كبير على أخبار علي بن محمد النوفلي.

стр. 32

وفي خلافة المهدي دعا علي بن العباس بن الحسن المثنّى لنفسه سرا ببغداد فاستجاب له جماعة من الزيديّة، وبلغ المهدي خبره فأخذه ولم يزل في حبسه حتى قدم الحسين بن علي الفخي فكلّمه فيه واستوهبه منه، ويذكر أبو الفرج أنّ المهدي دسّ له شربة سمّ فمات بعد دخوله المدينة بثلاثة أيام [١]. وعندما علم عبد الله بن محمد بن مسعدة، مؤدب أولاد النفس الزكيّة، بوفاة المنصور وتولي المهدي أمن أن ينزل بمحمد بن عبد الله الأشتر بن النفس الزكيّة ويأمه من قلعة كانوا قد لجأوا إليها بالسند بعد مقتل عبد الله الأشتر، فقدم بهم إلى المدينة [٢]. وقد أحسن المهدي وفادة الحسين بن علي الفخّي ووهبه علي بن العباس كما مرّ معنا، وهذا يشير إلى صلة إيجابية بينهما، إذ وفد الحسين بن علي على المهدي وكان قد ركبه دين، فأذن له المهدي وأمر بادخاله حتى أناخ جمله في وسط الدار ووثب إليه وعانقه وتلطّف وأمره برفع حوائجه فأعلمه بحاجته للمال فأجابه المهدي ووصله [٣]. وعندما حجّ المهدي سنة ١٦٠/ ٧٧٦ مع ابنه هارون وجماعة من أهل بيته ومعه يعقوب بن داود-وهي الحجّة التي استأمن فيها يعقوب المهدي للحسن بن إبراهيم-وزّع على أهل الحجاز أموالا طائلة لاسترضائهم، وأرجع إليهم جرايات الحبوب من مصر بعد أن كان المنصور قد قطعها عنهم عقب ثورة

стр. 33

النفس الزكيّة، وأمر بإثبات خمسمائة رجل من الأنصار ليكونوا معه حرسا له بالعراق وأنصارا [١]. كما أذن المهدي لعبّاد بن العوّام [٢] بالظهور والتحديث، وكان خرج مع إبراهيم بن عبد الله فاستشفع فيه المهدي عند المنصور، ولم يزل متواريا من حينها حتى أذن له بالظهور، فظهر وحدّث [٣]. يمكننا بشيء من الاطمئنان-اعتمادا على العرض السابق-أن نرى في فترة حكم المهدي محاولة حذرة من جانبه لمهادنة الطالبيين وإغداق الأعطيات عليهم، وتخفيف التضييق عنهم، غير أنه كان شديد الوعي لحسن تنظيمهم وقد حاول عبر سياسة المهادنة هذه تتبّع حركاتهم للالتفاف على وسائل دعوتهم السريّة وكشفها. ٦.٢. الدعوة السريّة ترى كيف كان موقف الطالبيين من هذه السياسة؟ لقد تلقّى هؤلاء ضربة مؤلمة إثر القضاء على ثورة النفس الزكيّة، وتبع ذلك انحسار في تأييد التكتّلات التي كانت قد التفّت حول هذه الحركة نتيجة سياسة السلطة العبّاسيّة، فمع أن المنصور قد استخدم العنف مع العلويّين والتضييق عليهم إلاّ أنّه عفا عن عدد ممن ساندهم، خاصة من القرشيين، ثمّ كانت سياسة المهدي المهادنة، فتوجّهت بعض القوى المعارضة التي كانت قد أيّدت هذه الحركة لاتخاذ منطلقات جديدة تمثلت في اتجاه أطراف من الفقهاء والمحدّثين إلى العمل مع الدولة؛ كذلك آثرت أجنحة من المعتزلة الدفاع عن

стр. 34

تسلّط الدولة في وجه الأخطار المحدقة بالجماعة الإسلامية ودعوتها، والمتمثلة في «الزنادقة»، بما يمثله هذا من فهم جديد لمبدأ «تغيير المنكر» الذي التقت عليه الزيدية والمعتزلة. كما أخذ الحسينيون الملتفّون حول إمامة جعفر الصادق والقائلون بالنص وإمامة النسق يعيدون تكتل الحركات الشيعية حول أئمتهم. رغم هذه الارتكاسات فقد أكمل العلويون دعوتهم السريّة وعملوا على إعادة تنظيم صفوفهم وبثّ دعوتهم في بلدان الخلافة. وكان زيد بن علي قد بث الدعاة في الأقطار [١] للدعوة «إلى الرضا من آل محمد» [٢]، وقد تابع بعده محمد النفس الزكيّة الدعوة لنفسه إثر اجتماع الأبواء [٣]، وعن ابن دأب [٤] «لم يزل محمد بن عبد الله منذ كان صبيا يتوارى ويراسل الناس بالدعوة إلى نفسه ويسمّى بالمهدي» [٥]، وقد عجّل بالخروج قبل أن يتم أمر دعاته الذين أنفذهم إلى الآفاق [٦]. وتسعفنا المصادر في تتبّع أسماء بعض دعاته: -فقد استعمل القاسم بن اسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب على اليمن، وأخاه موسى بن عبد الله بن الحسن على الشام، يدعوان إليه

стр. 35

فقتل قبل أن يصلا [١]، وقد انصرف موسى إلى البصرة بعد ذلك [٢]. وأورد صاحب العيون والحدائق [٣] خبرا مفاده أنّ محمد بن خالد بن عبد الله القسري هو الذي غدر بمحمد ليبعث بموسى مع نذير بن يزيد بن خالد إلى الشام ليدعو الناس إلى طاعته فخلفاه بدومة الجندل ووشا به، إلاّ أنّ موسى انصرف ولم يقم. -ووجه ابنه عليا ومعه أخاه موسى بن عبد الله ومطرا صاحب الحمام ويزيد بن خالد القسري إلى مصر، فقبض على عليّ ونجا موسى. وقد أورد أبو الفرج هذا الخبر وذكر أنّ المنصور حبسه مع أهله فمات [٤]. وقال الطبري [٥] إنه اعترف لجعفر وسمّى أصحاب أبيه «فكان فيمن سمّى عبد الرحمن ابن أبي الموالي [٦] وأبو حنين، فأمر بهما أبو جعفر فحبسا وضرب أبو حنين مائة سوط». ويبدو أنّ إرسال موسى بن عبد الله إلى مصر كان قبل بعثه داعيا إلى الشام إذ أن النفس الزكيّة قتل أثناء رحلة موسى إلى الشام. أمّا بالنسبة لعلي ابن محمد فقد ذكر الكندي [٧] أنّه أوّل علوي قدم مصر زمن ولاية يزيد بن حاتم بن قبيصة (من يوم الاثنين للنصف من ذي القعدة سنة ١٤٤/ ٧٦١ - إلى آخر شهر ربيع الآخر سنة ١٥٢/ ٧٦٩) وأنّ كثيرا من الناس بايع له، وقام بأمر دعوته خالد بن سعيد بن ربيعة بن حبيش الصدفي وأن خالدا خرج على

стр. 36

الوالي لعشر خلون من شوال سنة ١٤٥/ ٧٦٢ وأن الثورة لم تهدأ إلا حين قدمت الخطباء إلى مصر برأس إبراهيم بن عبد الله في ذي الحجة سنة ١٤٥. وذكر عن رواته أن عليا اختفى عند عسامة بن عمرو وأنزله هذا قرية له من طوّه فمرض علي بها فمات ودفن بها. وتبدو هذه الرواية غريبة أمام اجماع أبي الفرج والطبري وأبي نصر البخاري [١] على أن عليا حبس ببغداد ومات هناك ولا عقب له. وهذا لا ينفي أنّ ثورة زيديّة قامت بمصر وأن خالد بن سعيد وغيره من القحطانية والمعافر قد قاموا بأمر هذه الثورة، فقد كانت مصر تغصّ بأشياع العلويين منذ الفتنة الأولى زمن عثمان بن عفّان، ومنها كان يمّر دعاة العلوييّن وقد كان لأحد الحضارمة فضل في إيواء إدريس بن عبد الله إثر هروبه من موقعة فخ كما سيمر معنا. أما يزيد بن خالد القسري الوارد اسمه ضمن الدعاة فقد ذكر أبو الفرج أنّه قتل مع محمد النفس الزكيّة [٢]. ومما يؤكد أن دعوة محمد كانت قد لاقت قبولا في مصر أنّ عبد الحميد ابن جعفر [٣] أشار عليه قبل خروجه بالمدينة أن يترك المدينة لأنها «أقل بلاد الله فرسا وطعاما، وأضعفه رجالا، وأقلّه مالا وسلاحا» وارتأى عليه أن يسير بمن اتبعه إلى مصر [٤]. وعبد الحميد هذا كان على شرط محمد ثم وجّهه وجها [٥]. فهل لنا أن نفترض أنّه وجّهه إلى مصر لذلك كان عالما بأحوالها؟ -كما انتشرت دعوة النفس الزكيّة في خراسان بحسب ما ذكر المحلي: وانتشرت دعوته بالآفاق «وظهرت بخراسان وبايعه الجمهور من أهلها واضطرب

стр. 37

أهل خراسان على أبي الدوانيق اضطرابا شديدا حتى همّوا بطرد ولاته ودعاته. . .» [١]. وقد ذكر أبو الفرج عن عقبة بن سلم أن المنصور قد دعاه وذكر له أن لبني الحسن «شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم ويرسلون إليهم بالصدقات. . .» [٢]. ومما يؤكد انتشار دعوة محمد بخراسان ومنذ وقت مبكر أن أبا جعفر أرسل برأس العثماني، محمد بن عبد الله بن فاطمة بنت رسول الله، [٣] إلى هنالك. ولا ننسى أن خراسان كانت تميل للعلوية منذ مقتل يحيى بن زيد. ولا نعرف أسماء دعاة محمد إلى خراسان. -ووجّه محمد النفس الزكيّة إلى المغرب دعاة اختلف في أسمائهم واضطرب الأمر على المؤرخين في تحديد هويتهم، فقد ذكرت أكثر من رحلة لأكثر من داع، ويعود سبب التخليط إلى نجاح إدريس بن عبد الله في الهرب إلى المغرب بعد معركة فخ وفي تأسيسه دولة هناك استقطبت عددا كبيرا من الحسنيين وانتشر هؤلاء في المغرب واستقلّوا بولايات فيه [٤]، فربما حاول كل من أبناء هؤلاء نسبة شرف دخول المغرب والدعوة فيه لأحد أجداده. ثم إنّ أسماء الحسنيين تتشابه وتتكرر-كأسماء الطالبيين بعامّة-مما أدّى إلى اختلاط الأمر على المؤرخين فاعتبروا اسم أحدهم-وقد يكون قد دخل المغرب في أوائل القرن الثالث الهجري-مطابقا لاسم أحد الحسنييّن من أبناء النفس الزكية أو إخوته. لهذا لا يمكن الوثوق بالروايات التي وصلتنا، خاصة روايات المتأخرين كابن الآبار وابن عذاري وابن أبي زرع وغيرهم. وأوّل من ذكر داعيا للنفس الزكيّة إلى المغرب، هو المشرقي أبو الحسن الأشعري إذ قال إنّ النفس

стр. 38

الزكيّة «وجّه أخاه ادريس إلى المغرب ولولده هناك مملكة» [١]. وقد تنبّه محمد الطالبي لهذا الإشكال فقال: «والأشعري مؤلف جاد، لكنه شرقي ولذا فهو أقل ثباتا لما يكون الأمر متعلقا بالمغرب، وفضلا عن ذلك، كان يؤلف في بداية القرن العاشر، أي حوالي سنة ٢٩١/ ٩٠٣ - ٩٠٤ وأخيرا فإن روايته الخاصة بمهمة إدريس المكلف من طرق أخيه النفس الزكية لم يؤيدها أي مصدر آخر تأييدا كاملا، ومن الثابت أن إدريس كان بالمدينة حين وقوع ثورة فخ سنة ١٦٩/ ٧٨٥ - ٧٨٦. ولا يستبعد قطعا أنه رجع إلى الشرق بعد القيام بمهمة أولى في المغرب لكن هذا الأمر قليل الاحتمال، غير أن قول الأشعري لا يحتمل أن يكون بدون أساس أيضا، رغم ظهور التباس في الاشخاص، وبعبارة أخرى، لا يستبعد أن يكون محمد النفس الزكيّة قد وجّه داعيا آخر إلى المغرب» [٢]. هذا ويذكر ابن أبي زرع [٣] أن النفس الزكيّة أرسل أخاه عيسى إلى افريقية فأجابه بها خلق كثير. ثم يذكر أنه بعث أخاه «سليمان إلى بلاد مصر داعيا للبيعة، ولما اتصل به قتل أخيه وسار إلى بلاد النوبة ثم إلى بلاد السودان ثم خرج إلى زاب افريقية ثم سار إلى تلمسان من بلاد المغرب فنزلها واستوطنها، وذلك في أيام أخيه إدريس فكان له بها أولاد كثيرون [٤]. غير أن الطبري وأبا الفرج يذكران أن سليمان قتل في معركة فخ [٥].

стр. 39

بعد مقتل النفس الزكيّة وأخيه إبراهيم وتواري عيسى بن زيد الذي بثّ دعاته في الأمصار كما مرّ معنا [١]، يبدو أن الزيديّة أخذت تلتف حول الحسين ابن علي بن الحسن المثلث بن علي بن أبي طالب، خاصة بعد وفاة عيسى بن زيد سنة ١٦٦/ ٧٨٢. ويمكننا أن نستشف من المصادر أن الحسين هذا كان سيّد قومه فهو الذي شفع لعلي بن العبّاس بن الحسن عند المهدي فوهبه له بعد أن كان علي قد دعا لنفسه ببغداد، وهو الذي قدم على المهدي وطلب صلته ورفده لسداد دين كان قد ركبه. ويحدس المتأمّل في أخبار الحسين بن علي أن انفاقه الضخم [٢]-وإن كان يشير إلى رغبة الرواة في إظهار كرمه والمبالغة فيه- يوحي بأنه كان ينفق في سبيل الدعوة وجمع الرجال، وهذا قد يفسر لنا شفاعته في علي بن العباس، الذي كان خرج في خلافة المهدي، لاحتوائه ومن بايعه. ولا نعلم دعاة للحسين الفخّي، غير أنّ أبا الفرج يذكر أن سبعين رجلا من الشيعة-ولم يذكر بلادهم-وافوه موسم الحج سنة ١٦٩/ ٧٨٥ [٣]. ويذكر أحمد بن سهل الرازي صاحب «أخبار فخ» [٤] أن نحوا من ثلاثين ألف رجل من أهل البصائر والثبات بايعوا الحسين وأنه واعدهم عرفات وجعل الأمارة بينه وبينهم صاحب الجمل الأحمر. . . وأن يحيى بن عبد الله صار إلى مكة مسيرا، فوقف على الصفا فجعل ينادي: رحم الله من يعرف الجمل الأحمر، فكان يمرّ به من بايعه فيعرفه يحيى فيعرض عنه وقد رآه وسمع صوته [٥].

стр. 40

وبعد موت الحسين بن علي صار الأمر ليحيى بن عبد الله-أخي النفس الزكيّة لأبيه-وكان ليحيى دعاة نؤجّل ذكرهم إلى موضع آخر. يمكننا أن نستخلص مما تقدم أن الدعوة «إلى الرضا من آل البيت» [١] قد بدأت منذ زمن الأمويين على يد زيد بن علي وأنّه انتظمت تحت لوائها اتجاهات مختلفة وامتدت في أقطار الدولة الإسلامية، وأن العباسييّن الذين انضموا إلى هذه الدعوة واستفادوا منها بداية كانت لهم شبكة دعاية خاصة وانفصلوا عن هذه الدعوة وعملوا على تأسيس «ايديولوجية» خاصة بهم بعد نجاح ثورتهم على الأمويين. وأن نستخلص أيضا أنّ الفرع الحسني كانت له منذ اجتماع الأبواء دعوة خاصة بقيت تنافس «الايديولوجية» العباسيّة في خراسان وتشكل تهديدا لها وامتدت كذلك إلى مناطق وأطراف أخرى؛ وأنّ الدعوة الزيدية استفادت في البداية من دعاة المعتزلة إلى الأمصار. ولا نستطيع تبيّن مدى العلاقة بين الدعوتين ومتى انفصلتا، ولكن يمكننا بشيء من الاطمئنان أن نعتبر فشل ثورتي محمد النفس الزكيّة وأخيه إبراهيم نقطة حاسمة في افتراق الدعوتين والتغيير في سياستيهما وإن بقي التأثير الفكري والعقائدي كبيرا بينهما. وقد استمرت الدعوة الزيديّة بعد موت النفس الزكيّة ونشطت في الأمصار؛ يضاف إلى هذا أنه من الصعوبة بمكان تحديد أسماء الدعاة والأقطار التي توجهوا إليها، إذ إنّ المصادر لا تسعفنا بذلك، خاصة أن الدعوة كانت سريّة وأن المؤرخين لم يبدأوا بتدوين الأحداث إلاّ في أواخر القرن الثاني الهجري أوائل القرن الثالث (مثال الجعفري المذكور سابقا، وبكر بن صالح الرازي، والحسن بن زبالة، وعلي بن محمد النوفلي، والمدائني) وكانت الدعوة ما تزال ناشطة، فلم يكشف عن تنظيمها وأسماء دعاتها، وقد
следующие страницы →