الوالي لعشر خلون من شوال سنة ١٤٥/ ٧٦٢ وأن الثورة لم تهدأ إلا حين قدمت الخطباء إلى مصر برأس إبراهيم بن عبد الله في ذي الحجة سنة ١٤٥.
وذكر عن رواته أن عليا اختفى عند عسامة بن عمرو وأنزله هذا قرية له من طوّه فمرض علي بها فمات ودفن بها. وتبدو هذه الرواية غريبة أمام اجماع أبي الفرج والطبري وأبي نصر البخاري [١] على أن عليا حبس ببغداد ومات هناك ولا عقب له. وهذا لا ينفي أنّ ثورة زيديّة قامت بمصر وأن خالد بن سعيد وغيره من القحطانية والمعافر قد قاموا بأمر هذه الثورة، فقد كانت مصر تغصّ بأشياع العلويين منذ الفتنة الأولى زمن عثمان بن عفّان، ومنها كان يمّر دعاة العلوييّن وقد كان لأحد الحضارمة فضل في إيواء إدريس بن عبد الله إثر هروبه من موقعة فخ كما سيمر معنا. أما يزيد بن خالد القسري الوارد اسمه ضمن الدعاة فقد ذكر أبو الفرج أنّه قتل مع محمد النفس الزكيّة [٢].
ومما يؤكد أن دعوة محمد كانت قد لاقت قبولا في مصر أنّ عبد الحميد ابن جعفر [٣] أشار عليه قبل خروجه بالمدينة أن يترك المدينة لأنها «أقل بلاد الله فرسا وطعاما، وأضعفه رجالا، وأقلّه مالا وسلاحا» وارتأى عليه أن يسير بمن اتبعه إلى مصر [٤]. وعبد الحميد هذا كان على شرط محمد ثم وجّهه وجها [٥]. فهل لنا أن نفترض أنّه وجّهه إلى مصر لذلك كان عالما بأحوالها؟ -كما انتشرت دعوة النفس الزكيّة في خراسان بحسب ما ذكر المحلي:
وانتشرت دعوته بالآفاق «وظهرت بخراسان وبايعه الجمهور من أهلها واضطرب
стр. 37
أهل خراسان على أبي الدوانيق اضطرابا شديدا حتى همّوا بطرد ولاته ودعاته. . .» [١]. وقد ذكر أبو الفرج عن عقبة بن سلم أن المنصور قد دعاه وذكر له أن لبني الحسن «شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم ويرسلون إليهم بالصدقات. . .» [٢]. ومما يؤكد انتشار دعوة محمد بخراسان ومنذ وقت مبكر أن أبا جعفر أرسل برأس العثماني، محمد بن عبد الله بن فاطمة بنت رسول الله، [٣] إلى هنالك. ولا ننسى أن خراسان كانت تميل للعلوية منذ مقتل يحيى بن زيد.
ولا نعرف أسماء دعاة محمد إلى خراسان.
-ووجّه محمد النفس الزكيّة إلى المغرب دعاة اختلف في أسمائهم واضطرب الأمر على المؤرخين في تحديد هويتهم، فقد ذكرت أكثر من رحلة لأكثر من داع، ويعود سبب التخليط إلى نجاح إدريس بن عبد الله في الهرب إلى المغرب بعد معركة فخ وفي تأسيسه دولة هناك استقطبت عددا كبيرا من الحسنيين وانتشر هؤلاء في المغرب واستقلّوا بولايات فيه [٤]، فربما حاول كل من أبناء هؤلاء نسبة شرف دخول المغرب والدعوة فيه لأحد أجداده. ثم إنّ أسماء الحسنيين تتشابه وتتكرر-كأسماء الطالبيين بعامّة-مما أدّى إلى اختلاط الأمر على المؤرخين فاعتبروا اسم أحدهم-وقد يكون قد دخل المغرب في أوائل القرن الثالث الهجري-مطابقا لاسم أحد الحسنييّن من أبناء النفس الزكية أو إخوته. لهذا لا يمكن الوثوق بالروايات التي وصلتنا، خاصة روايات المتأخرين كابن الآبار وابن عذاري وابن أبي زرع وغيرهم. وأوّل من ذكر داعيا للنفس الزكيّة إلى المغرب، هو المشرقي أبو الحسن الأشعري إذ قال إنّ النفس
стр. 38
الزكيّة «وجّه أخاه ادريس إلى المغرب ولولده هناك مملكة» [١]. وقد تنبّه محمد الطالبي لهذا الإشكال فقال: «والأشعري مؤلف جاد، لكنه شرقي ولذا فهو أقل ثباتا لما يكون الأمر متعلقا بالمغرب، وفضلا عن ذلك، كان يؤلف في بداية القرن العاشر، أي حوالي سنة ٢٩١/ ٩٠٣ - ٩٠٤ وأخيرا فإن روايته الخاصة بمهمة إدريس المكلف من طرق أخيه النفس الزكية لم يؤيدها أي مصدر آخر تأييدا كاملا، ومن الثابت أن إدريس كان بالمدينة حين وقوع ثورة فخ سنة ١٦٩/ ٧٨٥ - ٧٨٦. ولا يستبعد قطعا أنه رجع إلى الشرق بعد القيام بمهمة أولى في المغرب لكن هذا الأمر قليل الاحتمال، غير أن قول الأشعري لا يحتمل أن يكون بدون أساس أيضا، رغم ظهور التباس في الاشخاص، وبعبارة أخرى، لا يستبعد أن يكون محمد النفس الزكيّة قد وجّه داعيا آخر إلى المغرب» [٢].
هذا ويذكر ابن أبي زرع [٣] أن النفس الزكيّة أرسل أخاه عيسى إلى افريقية فأجابه بها خلق كثير.
ثم يذكر أنه بعث أخاه «سليمان إلى بلاد مصر داعيا للبيعة، ولما اتصل به قتل أخيه وسار إلى بلاد النوبة ثم إلى بلاد السودان ثم خرج إلى زاب افريقية ثم سار إلى تلمسان من بلاد المغرب فنزلها واستوطنها، وذلك في أيام أخيه إدريس فكان له بها أولاد كثيرون [٤]. غير أن الطبري وأبا الفرج يذكران أن سليمان قتل في معركة فخ [٥].
стр. 39
بعد مقتل النفس الزكيّة وأخيه إبراهيم وتواري عيسى بن زيد الذي بثّ دعاته في الأمصار كما مرّ معنا [١]، يبدو أن الزيديّة أخذت تلتف حول الحسين ابن علي بن الحسن المثلث بن علي بن أبي طالب، خاصة بعد وفاة عيسى بن زيد سنة ١٦٦/ ٧٨٢.
ويمكننا أن نستشف من المصادر أن الحسين هذا كان سيّد قومه فهو الذي شفع لعلي بن العبّاس بن الحسن عند المهدي فوهبه له بعد أن كان علي قد دعا لنفسه ببغداد، وهو الذي قدم على المهدي وطلب صلته ورفده لسداد دين كان قد ركبه. ويحدس المتأمّل في أخبار الحسين بن علي أن انفاقه الضخم [٢]-وإن كان يشير إلى رغبة الرواة في إظهار كرمه والمبالغة فيه- يوحي بأنه كان ينفق في سبيل الدعوة وجمع الرجال، وهذا قد يفسر لنا شفاعته في علي بن العباس، الذي كان خرج في خلافة المهدي، لاحتوائه ومن بايعه. ولا نعلم دعاة للحسين الفخّي، غير أنّ أبا الفرج يذكر أن سبعين رجلا من الشيعة-ولم يذكر بلادهم-وافوه موسم الحج سنة ١٦٩/ ٧٨٥ [٣].
ويذكر أحمد بن سهل الرازي صاحب «أخبار فخ» [٤] أن نحوا من ثلاثين ألف رجل من أهل البصائر والثبات بايعوا الحسين وأنه واعدهم عرفات وجعل الأمارة بينه وبينهم صاحب الجمل الأحمر. . . وأن يحيى بن عبد الله صار إلى مكة مسيرا، فوقف على الصفا فجعل ينادي: رحم الله من يعرف الجمل الأحمر، فكان يمرّ به من بايعه فيعرفه يحيى فيعرض عنه وقد رآه وسمع صوته [٥].
стр. 40
وبعد موت الحسين بن علي صار الأمر ليحيى بن عبد الله-أخي النفس الزكيّة لأبيه-وكان ليحيى دعاة نؤجّل ذكرهم إلى موضع آخر.
يمكننا أن نستخلص مما تقدم أن الدعوة «إلى الرضا من آل البيت» [١] قد بدأت منذ زمن الأمويين على يد زيد بن علي وأنّه انتظمت تحت لوائها اتجاهات مختلفة وامتدت في أقطار الدولة الإسلامية، وأن العباسييّن الذين انضموا إلى هذه الدعوة واستفادوا منها بداية كانت لهم شبكة دعاية خاصة وانفصلوا عن هذه الدعوة وعملوا على تأسيس «ايديولوجية» خاصة بهم بعد نجاح ثورتهم على الأمويين. وأن نستخلص أيضا أنّ الفرع الحسني كانت له منذ اجتماع الأبواء دعوة خاصة بقيت تنافس «الايديولوجية» العباسيّة في خراسان وتشكل تهديدا لها وامتدت كذلك إلى مناطق وأطراف أخرى؛ وأنّ الدعوة الزيدية استفادت في البداية من دعاة المعتزلة إلى الأمصار. ولا نستطيع تبيّن مدى العلاقة بين الدعوتين ومتى انفصلتا، ولكن يمكننا بشيء من الاطمئنان أن نعتبر فشل ثورتي محمد النفس الزكيّة وأخيه إبراهيم نقطة حاسمة في افتراق الدعوتين والتغيير في سياستيهما وإن بقي التأثير الفكري والعقائدي كبيرا بينهما. وقد استمرت الدعوة الزيديّة بعد موت النفس الزكيّة ونشطت في الأمصار؛ يضاف إلى هذا أنه من الصعوبة بمكان تحديد أسماء الدعاة والأقطار التي توجهوا إليها، إذ إنّ المصادر لا تسعفنا بذلك، خاصة أن الدعوة كانت سريّة وأن المؤرخين لم يبدأوا بتدوين الأحداث إلاّ في أواخر القرن الثاني الهجري أوائل القرن الثالث (مثال الجعفري المذكور سابقا، وبكر بن صالح الرازي، والحسن بن زبالة، وعلي بن محمد النوفلي، والمدائني) وكانت الدعوة ما تزال ناشطة، فلم يكشف عن تنظيمها وأسماء دعاتها، وقد
стр. 41
ضاعت كتب هولاء الاخباريين واعتمد الجيل اللاحق من المؤرخين على مصادر متعددة الأهواء والمشارب طمست الكثير من الأسماء والوقائع، كما ضاع عدد من مصادر هؤلاء المؤرخين ككتب المدائني وعمر بن شبّة ولم يصلنا منها إلاّ روايات قليلة مبثوثة في مصادر القرن الرابع. وتشكل كتب الفرق مصدرا أساسيا في دراسة الدعوة الزيديّة، غير أن أكثر مؤلّفي هذه الكتب إما من الإماميّة أو من المتأخرين عن زمن الأحداث. وتبقى مشكلة تشابه أسماء الطالبيين وتكرّرها أساسية في عدم تمكننا من التحقق من أسماء هؤلاء الدعاة أو من أنسابهم.
٦.٣. الحسين بن علي الفخّي [ ١] تكاد المصادر تغفل أوليّة الحسين بن علي، فكل ما نعرفه عنه أنّه قتل وله واحد وأربعون عاما وذلك في الثامن من ذي الحجة يوم التروية سنة ١٦٩/ ٧٨٥، أي أنّه ولد حوالي سنة ١٢٨/ ٧٤٥. وأبوه هو علي بن الحسن المثنّى كان يعرف بعلي الخير وعلي الأغر وعلي العابد مات في حبس المنصور بعد أن ضيّق الخناق على الحسنيين وحملهم إلى المطبق قبل ثورة النفس الزكيّة. وكان أبوه ابن عمّ محمد النفس الزكيّة وتزوّج أخته زينب [٢] ورزق منها عليا هذا، فالنفس الزكيّة وإخوته إبراهيم وموسى لأمّه وأبيه هم أخواله. وكان عمره حين مات أبوه وثار أخواله حوالي سبعة عشر عاما. وقد فجعت والدته زينب بمقتل زوجها وأبيها وإخوتها
стр. 42
وعمومها وبنيهم وكانت تلبس المسوح ولا تجعل بين جسدها وبينها شعارا حتى لحقت بالله، وكانت تندبهم وتبكي حتى يغشى عليها [١].
ولا نعرف إذا ما كان الحسين بن علي الفخي قد شارك أخواله في ثورتهم ويروي أبو الفرج عن علي بن إبراهيم العلوي [٢]-وهو مؤلف كتاب «أخبار صاحب فخ»، وكتاب «أخبار يحيى بن عبد الله بن الحسن» -بسنده إلى الحسين صاحب فخ قوله [٣]: «لما خرجت مع محمد بن عبد الله قال لي: يا بني ارجع لعلك تقوم بهذا الأمر من بعدي». ولا يشير هذا الخبر إلى خروجه معه أو عدمه، ولا نعلم إذا ما كان خرج مع إبراهيم بن عبد الله بعد ذلك أو أنه تخفّى أو سجن فيمن سجن بعد القضاء على الثورتين. وإذا افترضنا أنه سجن فيكون في عداد من أطلقهم المهدي من سجن المنصور بعد توليته الخلافة واستعماله سياسة اللين والمهادنة مع العلويين، ويكون عمره آنذاك ثلاثين عاما. على أن هذا الخبر يحمل في طياته علائم الوضع المتأخر، وكأنه يلمح إلى أنّ النفس الزكيّة قد بارك خروج الحسين بن علي وتنبأ به قبل وقوعه بربع قرن وأنه يفوّضه غيابيا تولي أمور بني الحسن، وكأن محمد ابن عبد الله النفس الزكيّة الذي كان يرى أنه المهدي، استشرف هزيمته وهزيمة أخيه قبل وقوعها.
على أي حال فقد سكتت المصادر عن ذكر الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله وادريس بن عبد الله، أخوي النفس الزكيّة، في عداد من خرج مع النفس الزكيّة، كما سكتت عن أخبارهم قبل موقعة فخ. فلا يطالعنا ذكرهم إلا عند الحديث عن خروج الحسين بن علي، وهنا يشار إلى الحسين بن علي بأنه كبير القوم ورئيسهم،
стр. 43
فيذكر اليعقوبي [١] أن الهادي لما ألحّ في طلب الطالبيين وأخافهم خوفا شديدا. . .
«عزم الشيعة وغيرهم إلى الحسين بن علي وكان له مذهب جميل وكمال ومجد وقالوا له أنت رجل أهل بيتك وقد ترى ما أنت وأهلك وشيعتك فيه من الخوف والمكروه. . . الخ»، وهنا يقف الدارس ليتساءل لماذا اتجهت الانظار إلى الحسين بن علي وليس إلى غيره من الطالبيين، ولا سيّما يحيى بن عبد الله أو إدريس بن عبد الله، وكانا أكبر من الحسين بن علي، وهما أخوا النفس الزكيّة لأبيه؟ وهنا لا يسعنا إلا طرح افتراضات، يبقى نصيبها من الصحة أو عدمها ينتظر اكتشاف مصادر جديدة:
-فإمّا أن يكون الحسين بن علي الفخي لم يشترك في ثورة النفس الزكيّة لصغر سنّه (حوالي سبعة عشر عاما) ولأنه كان وحيد أمه التي فجعت بموت أبيها وعمومتها وزوجها قبل الثورة [٢]، ولهذا لم يكن فيمن سجن وضيّق عليه بعد الثورة؛
-أو أن يكون قد اشترك في الثورة ولم يسجن،
-أو أن يكون يحيى وإدريس اشتركا في الثورة وسجنا بعدها. ويذكر إدريس في رسالة له إلى أهل مصر أنه سجن زمن المهدي [٣].
-أو أن يكون يحيى وإدريس لم يشتركا في الثورة، إذ كانا ضمن الدعاة الذين أرسلهم محمد بن عبد الله إلى الآفاق، وقد ذكر الأشعري أن إدريس كان قد أرسله أخوه محمد إلى المغرب ليدعو له [٤]. ومن المحتمل كذلك أن يحيى قد كان خارج
стр. 44
الحجاز في مهمة مماثلة عند وقوع الثورة؛ وانهما ظلا متخفيين حتى زمن المهدي الذي اتبع سياسة مهادنة كما مرّ معنا.
-وقد تتعدّد الافتراضات، إلا أنّي أميل إلى القول أن الحسين بن علي لم يكن في عداد من سجن، ولذلك اتجهت إليه الأنظار رغم صغر سنّه، لأنه كان يتمتع بحريّة في الحركة الأمر الذي أتاح له تولّي أمور الطالبيين والدفاع عنهم. خاصة أن عيسى بن زيد الذي تذكر المصادر أن الأمر عهد له بعد وفاة النفس الزكيّة وإبراهيم، تخفّى حتى مماته [١]. وقد مرّ معنا أن الحسين الفخي هو الذي قدم على المهدي وتوسّط في إطلاق علي بن العباس بن الحسن المثنى، ثم وفد عليه مرّة أخرى ليقضي له دينا كان قد ركبه فأكرم المهدي وفادته وتلطّف به ووصله [٢]. وتبالغ الأخبار التي أوردها كتاب المصابيح عن المدائني وأوردها أبو الفرج عن علي بن إبراهيم العلوي مؤلّف كتاب «أخبار صاحب فخ» [٣] بذكر كرم الحسين بن علي وسعة ذات يده [٤]، مما يشير كما سبق أن ذكرت، إلى أنّه كان ينفق في سبيل الدعوة وسداد ديون الطالبيين وإصلاح شؤونهم! وما كان للحسين أن يضطلع بهذا الدور لو أن يحيى أو إدريس كانا طليقين أو في وضع يسمح لهما بالتحرّك.
٦.٤. الحجاز بعد ثورة النفس الزكيّة
كان الحجاز قد بدأ يفقد مركزه السياسي منذ مقتل الخليفة الثالث عثمان ابن عفّان وانتقال الخلافة إلى الكوفة ثم إلى الشام، وجاءت حركة الفتوح وما صاحبها من هجرة واسعة للقبائل العربيّة وللارستوقراطية الحجازيّة نحو الأمصار الجديدة كعامل إضافي أدّى إلى إضعاف هذا الإقليم وتفريغه من
стр. 45
العنصر البشري والثقل السياسي ثم كانت معركة الحرّة سنة ٦٣/ ٦٨٢ [١] وثورة ابن الزبير ٦٤/ ٦٨٣ - ٧٥/ ٦٩٤ [٢] اللتان أدّتا إلى الضربة السياسية القاسمة بالنسبة لدور الحجاز في الدولة الاسلامية، فخضع للحكم الأموي بشكل كامل واستكان إلى الهدوء والدّعة [٣]، وقد أغدق خلفاء بني مروان الأعطيات على اشراف الحجاز لضمان سكوتهم. وقد بقي الحجاز مركز الطالبيين ومستقرّهم طوال حكم الأمويين وكانت لهم فيه أملاك كثيرة خاصة في مكة والمدينة وأنحائهما [٤]، ومن الحجاز كانت تنطلق دعوتهم وإليه كانت تأتي شيعتهم، واستمر الحال على هذا زمن العباسيين.
وجنح الحجاز للمسالمة في بداية الدولة العباسيّة رغم شعور الطالبيين بالغبن الذي لحق بهم واعتقادهم أنّ العبّاسييّن قد خدعوهم وسلبوهم حقّا مشروعا. وقد شغل أبو العبّاس السفّاح بأمر تثبيت الدولة في الشام والعراق ومصر والأقاليم الشرقيّة فعمد إلى ممالأة الطالبيين وتهدئتهم ومسايرتهم، خاصّة آل الحسن الذين أكرمهم غاية الإكرام [٥]. وقد حرص العبّاسيّون على تولية أقربائهم ولايتي مكة والمدينة ليضمنوا ضبط الوضع ولما لهاتين المدينتين من مكانة دينيّة رمزيّة، إلا في حالات خاصّة. فقد عيّن المنصور رياح بن عثمان المري على المدينة وهو من عائلة معروفة بكرهها
стр. 46
للطالبيّين وأمره بالتشديد على محمد وأخيه إبراهيم حتى يظهرا [١]، كما عيّن الرشيد عبد الله بن مصعب الزبيري على المدينة ثم ابنه بكارا من بعده [٢].
اقتصاديا تضاءل دور الحجاز بعد استقرار الدولة العربية في الشام ثم في العراق وبعد سيطرة العرب على مصر وشمال افريقيا، إذ أصبحت التجارة التي كانت تربط جنوب الجزيرة العربية، خاصة اليمن بالطريق التجاري الآتي من الهند والصين، غير ذات شأن فقد أصبح هذا الطريق يمر عبر البصرة آتيا من الشرق، وأصبح البحر الأحمر مفتوحا أمام التجارة الذاهبة إلى مصر [٣]، فأخذت أهمية اليمن كمركز تجاري تتضاءل تدريجيا وأخذ اليمن يشعر بعزلة قوية الأمر الذي انعكس على قوافل التجارة البريّة التي كانت تمرّ عبر الحجاز.
وقد كان اقتصاد الحجاز يعتمد كليا على التجارة المجلوبة، وكانت أهم المواد الغذائية والسلع الأساسيّة تستورد من مصر والشام واليمامة خاصة الزيت والحنطة والشعير والزبيب والأقمشة والأسلحة وغيرها من المواد التي هي قوام الحياة. ورغم وجود زراعة في الحجاز إلا أنّها كانت تقتصر على التمور وبعض أصناف الخضار والفواكه، أما الكميات القليلة من الحنطة فكانت تزرع في أملاك القرشيين الخاصة ولم تكن تكفي الاستهلاك المحليّ بحال [٤].
وقد كان من أسباب فشل ثورة النفس الزكيّة أنه خرج «في أقل بلاد الله غرسا وطعاما وسلاحا وأضعفها رجالا. . .»، كما أشار عليه عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم [٥]. وقد تنبّه قوّاد المنصور كذلك لوضع المدينة الضعيف
стр. 47
استراتيجيا [١]، ورغم الأسئلة التي قد تطرح حول صحّة هذه الأخبار فإنها تشير إلى سوء اختيار الحجاز كمنطلق لثورة جديّة تهدّد الدولة العباسية [٢].
وقد كان أهل المدينة مدركين لقلّة موارد البلاد وما قد تسببه الثورة لهم من ضائقة فيذكر الحارث بن اسحاق أنه لما «تحدث أهل المدينة بظهور محمد، فأسرعنا في شراء الطعام حتى باع بعضهم حليّ نسائه» [٣].
وكان محمد بن خالد القسري قد نبّه كذلك النفس الزكيّة على قلّة موارد الحجاز «يا أمير المؤمنين إنك قد خرجت في هذا البلد، والله لو وقف على نقب من أنقابه مات أهله جوعا وعطشا. . .» [٤]. وقد كان طعام الحجاز يأتي بالبحر من مصر فلما ثار السودان بالمدينة بعد فشل ثورة النفس الزكيّة أغاروا على دار مروان، وهي مقرّ الوالي، ودار يزيد وفيها طعام كان حمل للجند في البحر فلم يدعوا فيها شيئا» [٥]. وكان من نتائج ثورة النفس الزكيّة أن فرض المنصور حصارا اقتصاديا على الحجاز فأقفل البحر على أهل المدينة فلم يحمل إليهم من ناحية البحار شيء، حتى كان المهدي فأمر بالبحر ففتح لهم وأذن في الحمل» [٦].
كما صادر موسى بن عيسى أموال بني حسن وغيرهم من الطالبييّن وأمرّه الخليفة على ذلك. وقد شهدت المدينة مباشرة إثر فشل ثورة النفس الزكيّة انتفاضا من قبل السودان أشبه بالهيج له دلالة عميقة على تردّي الأحوال الاقتصادية في المدينة نتيجة الحصار الذي كان مضروبا عليها ونتيجة سوء تصرّف الجند الخراساني،
стр. 48
كما تشير إلى معاناة هذه الطبقة المعدمة التي كانت تنتظر خلاصا ربّما اعتقدت أنها وجدته في النفس الزكيّة، وقد رأى ابن أبي سبرة [١] أنهم إنّما أخرجتهم الحمية [٢].
وينسب إلى رؤوس السودان قولهم إنهم ما قاموا إلا أنفة لمواليهم ممّا حلّ بهم على يد العباسيّين [٣].
إزاء هذا الوضع السائد في الحجاز وبسبب تشتّت فئات المعارضة وتوزّع الطالبيين أنفسهم على عدد من البلدان والأمصار، يجد الدارس نفسه متسائلا عن السبب أو الأسباب التي حدت بالطالبيين لإعلان الثورة قبل أن يتمّ الاعداد لها بشكل جيّد ومنظّم. ثم لماذا الحجاز بالذات، خاصة أنّ العباسيين كانوا قد ضبطوا الوضع فيه إثر ثورة النفس الزكيّة واستمالوا أهله واستوعبوا الأشراف في مناصب الدولة؟.
٧. ثورة فخ
يذكر اليعقوبي أن «موسى [الهادي] ألحّ في طلب الطالبيين وأخافهم خوفا شديدا وقطع ما كان المهدي يجريه لهم من الأرزاق والأعطية وكتب إلى الآفاق في طلبهم وحملهم، فلما اشتدّ خوفهم وكثر من يطلبهم ويحث عليهم فعزم الشيعة وغيرهم إلى الحسين بن علي. . .» [٤].
وكان بين خروج الحسين بن علي وتولّي الهادي حوالي عشرة أشهر [٥]، مما يعني أن الهادي ابتدأ حكمه بتغيير سياسة المهدي تجاه الطالبييّن وبالتضييق عليهم.
стр. 49
وتوحي روايات المدائني في «كتاب المصابيح» [١] أن الربيع [بن يونس] [٢] كان له يد في تنبيه الهادي، والمهدي قبله، على الانفاق الضخم الذي ينفقه الحسين بن علي، وأنّه خوّفه من ثورته. ويذكر المدائني كذلك أن الحسين بن علي الفخي قدم إلى الهادي عند توليه، ولما خرج من عنده «قدم الكوفة فجاء عدّة من الشيعة في جماعة كثيرة فبايعوه ووعدوه الموسم للوثوب بأهل مكّة، وكتبوا بذلك إلى ثقاتهم بخراسان والجبل وسائر النواحي» [٣]، الأمر الذي يوحي أنّ الإعداد للثورة كان سابقا على تضييق الهادي عليهم، وأنه كان قد بدئ بالاعداد لها في زمن المهدي، وما الانفاق الكبير من قبل الحسين بن علي إلا دليل على هذا.
ويذكر أحمد بن سهل الرازي أن الحسين كان قد بايعه ثلاثون ألف رجل من أهل البصائر والثبات وواعدهم عرفات وجعل الأمارة بينه وبينهم صاحب الجمل الأحمر [٤]، كما يذكر في موضع آخر أنّه لما بلغ فخ ولقيته عساكر العباسيين بسرف «حاجزهم مدافعا إلى قرب مكّة ليصل إليه من أراده من أهل بيعته ومن واعده بها. . .» [٥]. وكل هذه الأخبار تميل إلى دعم وجهة النظر التي ترى أنّ الثورة كان قد اعدّ لها منذ زمن.
غير أنّ رواية أخرى عند أحمد بن سهل الرازي بسنده عن عبد الله بن محمد الجعفري توحي أن الخروج ما كان إلا ردّة فعل سريعة على تضييق والي المدينة على الطالبيين، وأنّ مبايعة الحسين بن علي لم تتمّ إلا في ذلك الوقت، وأن الحسين أراد مبايعة يحيى بن عبد الله أوّلا، إلا أنّ يحيى أبى ذلك، ثم يذكر أنهم اجتمعوا تسعين
стр. 50
رجلا [١] «. . . فلم تمنعهم قلّتهم والنهوض بما وجب لله عليهم من الوفاء بالبيعة والمدافعة عن الذي وجبت المدافعة عنه» [٢].
تشعرنا هذه الروايات بأنّ ثمة تناقضا فيما بينها، بيد أنّه يمكننا أن نجزم أن الدعوة الطالبية حاولت إعادة تنظيم صفوفها إثر ثورة محمد النفس الزكيّة وأنّ الدعاة عادوا يعملون بنشاط. وتوحي الروايات أن التنظيم كان قد بلغ حدا بعيدا سنة ١٦٩/ ٧٨٥ وأنّ اللّقاء في موسم الحج كان لقاء تنظيميا-فيما يبدو لي-وهذا ما يفسّر قدوم سبعين رجلا من شيعة الكوفة في أوائل ذي القعدة، نزلوا دار ابن أفلح بالبقيع [٣]، ولم يكن هذا اللقاء للجهر بالخروج. ولكن شعور العمري بالخطر وتضييقه على الطالبيين بسبب ذلك [٤]، هو الذي حدا بردّة الفعل المتسرّعة هذه.
استدل على هذا بأنّ الطالبيين لم يكونوا قد بايعوا أحدا منهم بعد كما مرّ معنا.
وهناك خبر عن النوفلي [٥] في «كتاب المصابيح» يظهر أن الحسين لم يكن مستعدا للخروج في ذلك الموسم [٦]: «وتهيأ الحسين فيمن بايعه ودفع مالا إلى مولى لآل الحسين يقال له يوسف، وكانت جدّته مولاة فاطمة بنت الحسين، وأمره أن يكتري له ولأصحابه، وهو يريد في تقديره أن يسبق الجيوش إلى مكة، فأقام أيّاما ويوسف يخبره أن قد اكترى له. ثم توارى عنه وذهب بالمال، قال أبو الحسن النوفلي: فلما
стр. 51
وقف حسين على ما صنع يوسف طلب الكراء فلم يجده لضيق الوقت، فلم يزل يحتال للمال والإبل حتى وجد من ذلك ما وجد وفاته الوقت».
فلو كان الخروج متواعدا عليه في الموسم، لما كان لهذا الارتجال في التحضير أن يحصل. ومهما يكن من أمر فقد كان الخروج في الحجاز خطأ تكتيكيا فادحا، فباستثناء ما ذكرته من أسباب عن عدم صلاحية الحجاز كمنطلق الثورة، لا تخبرنا المصادر عن اشتراك للقبائل الحجازية في الثورة إذ يبدو أنها كانت مغيّبة عن دعوة الطالبيين واستراتيجيتهم. أمّا أهل المدينة فقد لزموا منازلهم بل وسألوا الحسين عدم إزعاجهم والكفّ عن التردد عليهم [١].
لقد تم القضاء على هذه الثورة بسرعة وأعقبها قتل عدد كبير من الطالبيين الذين اشتركوا فيها، وأتيح لبعض الثوار، ومن هؤلاء يحيى بن عبد الله وأخيه إدريس وإبراهيم بن إسماعيل طباطبا، أن يهربوا ليكون لهم دور فاعل في تاريخ الحركة الزيديّة.
وكان لمجموعة من العوامل دور حاسم في فشل هذه الثورة: منها أولا اليأس الذي حدا بالطالبيين بالخروج قبل أن يكتمل التنظيم وتهيأ العدّة لذلك؛ وموقع الحجاز غير الملائم للخروج؛ ولا ننسى أنّ الهادي عمد في فترة حكمه على اتّباع سياسة أبيه فيما يخص الحجاز والتي تتمثل-كما ذكرت-باستمالة الأشراف وإغداق العطاءات وتعيين أهل المدينة في مناصب هامة في الدولة، وقد اعتمد العباسيّون على الزبيريين والانصار بشكل خاص وأذكوا عداوتهم على الطالبيين، مع أن الأنصار عامّة كانوا إلى جانب
стр. 52
الإمام علي في حروبه [١]. كما لم يستطع الطالبيون استقطاب القبائل، أو تطوير دعوة واضحة المعالم مرتبطة مباشرة بهموم الناس وأوضاعهم المعيشية والاقتصادية في المدن والامصار وبقيت دعوتهم عامّة ومبهمة كدعوات القرن الأول ومنتصف القرن الثاني مثل الدعوة إلى كتاب الله وسنّة نبيّه والقسم بالسّويّة وإشباع الأرملة. . . الخ [٢]. هذا ولم تظهر شخصية «كارزمية» بين الطالبيين يمكن أن تجمع حولها الأتباع، خاصة أن دعوة المهدي قد خبا بريقها إلى حين مع مقتل محمد النفس الزكيّة، وكنت قد أشرت إلى أنّ المعارضة العريضة التي التفّت حول النفس الزكيّة قد تشتّتت وتباعدت اتجاهاتها، فقسم من المعتزلة اتجه للعمل في ظل الدولة، والشيعة أخذت تلتفّ حول جعفر الصادق، وأطراف أخرى من البيت العلوي خرجت من الصراع تماما فإما أنها آثرت الاعتزال أو عملت مع السلطة.
٨. مصائر يحيى وإدريس ابني عبد الله
تفيدنا مخطوطة أخبار فخ بأن يحيى وإدريس وغيرهما ممن نجا من المعركة لجأوا إلى رجل من خزاعة فآواهم زمنا عنده حتى سكنت جراحهم وكفّ الطلب عنهم، ثم استقرّ رأيهم على الخروج إلى الحبشة، فخرجوا في مركب للخزاعي وعبروا إلى عيذاب [٣]. وخزاعة كانت تلي الكعبة وأمر البيت، ثم أخرجها قصي عن مكة فأوطنت تهامة بأسياف البحر غربي مكة وكان لها الساحل من عسفان إلى قديد، وكان بعض خزاعة في مكة ومنها في المدينة [٤]. وقد أسلمت خزاعة باكرا واشتركت في مشاهد الرسول ﵇ ومغازيه [٥]؛ ويبدو أن خزاعة كانت قد نقمت على عثمان
стр. 53
في أواخر أيام حكمه [١]، وكان عظمها مع علي في معاركه [٢] كما اشترك الخزاعيون في الفتوح وكان منهم قوم في خراسان ولهم قرى هناك [٣] وبقي ولاؤهم لآل البيت، ونجد عددا من الخزاعيين كان لهم دور هام في الدعوة العباسيّة [٤]، ويبدو أن قسما مهما من خزاعة بقي على ولائه لآل البيت بعد نجاح الثورة العبّاسيّة. اختفى هؤلاء إذا عند رجل من خزاعة في ساحل مكة (ومكة من تهامة)، لفترة غير محددة قد تكون امتدت لأسابيع طوال (حتى برئت كلمهم وكفّ الطلب عنهم)، قبل أن يرتحلوا بحرا إلى عيذاب على الشاطئ الإفريقي (وتقع على اثني عشر ميلا شمالي حلايب في بلاد النوبة من السودان اليوم [٥] وتقابل قفط وقوص من صعيد مصر). ويذكر ابن سهل الرازي انّهم غادروا إلى الحبشة من «معتك» ولم أستطع أن أهتدي إلى هذا الموضع على ساحل عسفان [٦]، وينبغي أن يكون شمال جدّة في مكان ما بين رأس حاطبة والقديمة ورابغ؛ والمجاز بالبحر إلى عيذاب مجرى يوم وليلة [٧]، وبعيذاب قوم من البجة من الأحباش. وتوجهوا من هناك إلى ملك الحبشة «فأعظمهم وأكبر أمرهم وأجزل جوائزهم فأقاموا عنده خير إقامة». وقد يكون المعني بملك الحبشة ملك إحدى النواحي، وعلى أيّ حال فإن تاريخ الحبشة في تلك الفترة غامض جدا، وقد أورد بدج (Budge) قائمة بأسماء ملوك الحبشة في الفترة الممتدة من سنة ٦٠٠ - ٩٣٠ (منذ ما قبل البعثة حتى سنة ٣٦٠ للهجرة) ولم يستطع تحديد سنوات ملكهم [٨].
стр. 54
ولا يذكر مصدر أحمد بن سهل [١] إلى متى امتدت إقامتهم في الحبشة ولكنه يقول إنّ يحيى وإدريس كانا آخر من بقي في الحبشة، وإنّهما خرجا منها إلى فرع المسور حيث أقاما زمنا يتشاوران في أمرهما بعد أن تناهى إليهما ما كان حلّ بمن خرج قبلهم من الحبشة. ثم يفرد بعض الصفحات لذكر أخبار هؤلاء، فنجد أنهم جميعا قتلوا أو انتهوا في المطبق زمن موسى الهادي، وهذا يتيح لنا أن نفترض أنّهم بقوا في اختفائهم حتى انتهاء خلافة الهادي، وكان موته لأربع عشرة ليلة خلت في شهر ربيع الأوّل سنة ١٧٠/ ٧٨٦. ممّا يعني أنّ الآخرين بقوا في الحبشة أقلّ من ثلاثة أشهر. وثمة اضطراب زمني في هذه الرواية، فهي تذكر أنّ إبراهيم بن إسماعيل طباطبا عاد من الحبشة وقد ولد له أكابر ولده فيها، ثم صار إلى المدينة متخفيا حينا وولد له بقية ولده ثم نزع إلى الكوفة حيث وشي به وطرح في السجن. ولا يعقل أن يكون كل هذا قد تمّ في فترة لا تتجاوز الثلاثة أشهر [٢]! على أية حال نجد أن الأخبار عمّن قتل من الطالبيين على يد موسى الهادي فيها الكثير من «الدرامية» في تصوير مصارعهم وبطولتهم في وجه الطغيان.
أمّا فرع المسور [٣] حيث أقام يحيى وإدريس بعد عودتهما من الحبشة فهو على مرحلة من المدينة قرب سويقة بني الحسن، وينسب إلى المسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف [٤]. وقد عمدا بعد عودتهما إلى ترتيب أمورهم ولقاء الدعاة، فنجدهم بعد حين في شعب الحضارمة-ولم أجد ذكرا لهذا الموضع-وفي أخبار
стр. 55
فخ أنّه من شعاب مكة وأقدر أنّ أهل حضرموت كانوا ينزلونه أثناء الموسم. وكان في الحضارمة عدد كبير من شيعة آل البيت، ونزلت بطون منهم في مصر وتبؤوا عددا كبيرا من المناصب المهمة خاصة في القضاء [١]، وكانوا ممّن دعم ثورات الطالبيين فيها. كان اللقاء في الموسم لقاء تنظيميا، كما يصرّح أحد الدّعاة وهو عبد العزيز بن يحيى الكناني [٢] قال «فوافاه [يعني يحيى] سبعون رجلا من خيار أهل الأرض في ذلك الزمان وكان فيهم جماعة من أهل مكة»؛ وعبد العزيز نفسه كان مكيا واتفق رأيهم على توجيه الدعاة في الامصار فوجّه إلى أهل العراق ثلاثة وإلى أهل المغرب ثلاثة وفيهم أخوه إدريس [٣].
٩. إدريس بن عبد الله
انطلق إدريس من شعب الحضارمة بصحبة رجلين إلى مصر يحمل رسالة معه إلى أبي محمد الحضرمي من الشيعة كتبها إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى [٤]. ولم أستطع التعرّف على أبي محمد الحضرمي هذا وواضح أنّه من الحضارمة الذين كان لهم مركز مهم في مصر وممن كان ينظر إليه بين الحضارمة فيها. ولم يذكر أحمد بن سهل إلا اسم رجل واحد ممن خرج مع إدريس وهو اسحاق بن راشد مولاه، وأورد الخبر برواية المدائني [٥]، فيما تجمع المصادر أن اسمه كان راشدا. ويذكر أبو العباس
стр. 56
الحسني بسنده عن سليمان الأسود مولى آل الحسن أن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن، ابن أخي إدريس كان فيمن خرج معه إلى المغرب [١].
وينقسم خبر إدريس في قسمين رئيسين، يتناول الأول خروجه من مصر وتجوله في المغرب حتى نزوله طنجة، ويروى هذا القسم بالسند التالي: حدثني محمد بن خالد أبو علاثة، قال: حدثي أخي أبو خيثمة علي بن عمرو بن خالد، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي أيوب. ولم أوفّق إلى التعرف على هؤلاء الرواة [٢].
أما القسم الثاني فهو برواية: عيسى بن إدريس عن أبيه عن إسحاق بن راشد مولاهم [٣]؛ ونلاحظ مرّة أخرى هنا أن اسم المولى هو اسحاق بن راشد، كما في خبر المدائني، مما قد يحدو بنا للافتراض أن الخبر من رواية المدائني؟ ويبدو الاسناد إسنادا عائليا هنا، فمن هو عيسى بن إدريس هذا؟ هل هو ابن إدريس الثاني (-٢١٣/ ٨٢٨) ابن إدريس الأول، الذي ولي شالة وازقّور [وازمور؟] وتامسنا، أي المنطقة الساحلية في شمال المغرب اليوم تقريبا، لأخيه محمد ثم ثار على محمد فأرسل إليه محمد أخيهم عمر الذي هزمه وأخرجه عن شالة؟ والسؤال كيف يمكن للمدائني-إذا صحّ افتراضنا أنّه هو راوي الخبر-أن يلتقي بعيسى بن إدريس هذا؟ يبقى السؤال دون جواب ويجدر بي أن ألمح إلى أن النوفلي، وهو مشرقي وقد روى أكثر خبر الأدارسة في المغرب عن مصادر مغربية [٤]، يذكر أن اسم المولى هو راشد.
أعني أن الأخبار عن المغرب كانت معروفة في ذلك الوقت من طريق رواة مغاربة رغم أنّه لا يمكننا الجزم أن السند ينتهي إلى المدائني، وإن كان ترجيحنا للمدائني يعود إلى ذكر اسم اسحاق بن راشد في كلا الخبرين.
стр. 57
٩.١. مصر
لا يذكر أي من المصادر الطريق التي سلكها إدريس ورفيقاه إلى مصر ولا تاريخ وصوله. وانفرد أبو الفرج الاصبهاني بقوله إنّ إدريس «أفلت من وقعة فخ ومعه مولى له يقال له راشد، فخرج به في جملة حاج مصر وإفريقية. . .» [١] وقد يفهم من نصّ أبي الفرج أنّ إدريس أفلت مبشارة بعد معركة فخ [٢]. بيد أنّه من غير المعقول أن يكون وصوله إلى مصر قد تأخّر حتى شهر ربيع الأول من سنة ١٧١/ ٧٨٧، أي أنّه قضى حوالي خمسة عشر شهرا في الطريق، إذ إنّ المصادر تقرن قدومه إلى مصر بعزل واليها الذي اتّهم بأنّه غضّ الطرف عن إدريس. وتفسّر لنا فترة الكمون والاستخفاء التي قضاها مترددا بين الحبشة والحجاز هذا الفارق الزمني، وبذلك يكون خروجه مع قافلة الحاج الافريقي قد تمّ بعد موسم سنة ١٧٠، أي أن طريقه إلى مصر مع قافلة الحاج لم تتعد شهرا أو يزيد [٣]. والوالي الذي ذكرت بعض المصادر أنّه كان على مصر وعزل بسبب إدريس بن عبد الله هو سليمان بن علي [٤] (وليها من شوال ١٦٩ حتى أواخر ربيع الأول ١٧١)، بيد أنّ أحمد بن سهل يذكر في خبره أنّ إدريس قدم مصر وعليها موسى بن عيسى، وقد ولي موسى مباشرة بعد عزل سليمان بن علي وامتدت ولايته حتى رمضان من سنة ١٧٢. في مصر نزل إدريس على أبي محمد الحضرمي فيما يبدو فتولّى أمر إخفائه وتدبير أموره وربما أيضا أمر الاتصال بالشبكة السريّة الممتدة في الشمال الإفريقي، لتهيئة الأجواء لقدومه. وقد
стр. 58
كان له في واضح، مولى المنصور، خير معين إذ كان على بريد مصر وهو منصب خطير يعنى برصد الطرقات والاتصالات، وكان واضح يتشيّع، فيما تجمع عليه المصادر، والأرجح أنّه كان زيدي الهوى [١]. ويذكر أحمد بن سهل أنّ إبراهيم بن أبي يحيى كتب رسالة لواضح يسأله فيها تدبير رحيل إدريس إلى المغرب.
ونستطيع أن نفترض أنّ إقامة إدريس في مصر لم تكن طويلة لأنّه كان يزمع الخروج إلى المغرب، ولأنّ الطلب اشتدّ عليه وبذلك يكون تحديد تاريخ خروجه في أحد شهري ربيع سنة ١٧١ أمرا معقولا، يعني إما في أواخر ولاية سليمان بن علي أو أوائل ولاية موسى بن عيسى.
٩.٢. سنة بين إفريقية والمغرب ؟
ثمة شبه إجماع بين المصادر على أنّ وصول إدريس بن عبد الله إلى وليلى-وهي المرحلة الثالثة من مراحل تغريبته-كان سنة ١٧٢/ ٧٨٨ ويحدد ابن أبي زرع التاريخ بدقّة أكبر فيذكر انّه دخلها في ربيع الأول سنة ١٧٢ وأنّ بيعته فيها كانت في رمضان ١٧٢ [٢]. وقد تنبّه محمد الطالبي بحق إلى غموض هذه الفترة وتناقض التواريخ
стр. 59
فيما يخص ما أسماه بملحمة إدريس [١]. ويمدنا «كتاب أخبار فخ» بمعلومات جديدة قد تزيد الغموض، إلا أن الدارس المتعمق يجد فيها توضيحا لكثير من المشكلات، مما يضع الأمور في سياقها التاريخي، رغم أنّ روايتها الداخلية للأحداث ليست دائما متسقة تماما كما سوف نرى، ولهذا فإنه لا يمكننا الاعتماد بثقة كبيرة على ما ورد فيها من معلومات دون معارضتها بالمصادر الأخرى. وقد استطاع محمد الطالبي أن يقارن بين الروايات ويميّز بينها خطا واضحا يمكن الاعتماد عليه، وسوف يكون تعويلي الأكبر على نتائجه [٢].
في رواية «أخبار فخ» أنّ إدريس وصل إلى إفريقية وكان عليها روح بن حاتم، وقد ولي روح إفريقية في جمادى الثانية سنة ١٧١، أي أنّ إدريس قدمها بعد هذا التاريخ، ولم تصرح الرواية بوضوح أين كان نزول إدريس من أرض إفريقية، ويذكر ابن أبي زرع أنّه أقام في القيروان مدّة قبل خروجه إلى المغرب الأقصى [٣]. عند هذا الحدّ يمدنّا «أخبار فخ» بمعلومات جديدة لم تذكرها المصادر التي تناولت سيرة إدريس، وهي قد توضح لنا مجريات حياته في هاتين السنتين اللتين غفلت أكثر المصادر عن ذكرهما.
فقد توجّه إدريس إلى جبال نفّوسة «وأهلها خوارج» بعد أن وجّه روح في طلبه، وقد كان جبل نفوسة معقلا مهما لإباضية شمال إفريقيا. وفي ضوء هذا الواقع الجديد لم يجد روح بن حاتم بدّا من اعتماد السياسة الواقعية فكاتب عبد
стр. 60
الوهّاب بن رستم إمام الدولة الإباضية في تاهرت لافتا إيّاه لخطورة وجود إدريس في جبل نفّوسة «لعداوته لك ولمن مضى من سلفك، ولو ظفر بك لتقرّب بدمك إلى الله. . .» [١]، وتضيف رواية «أخبار فخ»: «وكان إدريس قد دعا أهل نفوسة إلى حقّه وبيّن لهم خطأ ما هم عليه من البراءة من علي بن أبي طالب، فاستجاب له منهم خلق وأبى ذلك أكثرهم. .».
وللدارس أن يتساءل عن مدى دقّة هذه المعلومات التي تقدمها المخطوطة، فلماذا يتّجه إدريس للحلول بين جماعة الإباضيّة في جبل نفّوسة لبثّ الدعوة بينهم واستمالتهم إلى جانبه رغم عدائهم «الإيديولوجي» المعروف؟ ألم يكن في جبال المغرب وواحاته ومستقراته متّسع له ولدعوته؟ ثم أليس في هذا المخطط تسرّع وعدم إدراك لطبيعة العلاقات السياسيّة في البلاد؟ فقد أدّت هذه الخطوة لتحالف ولاة العباسيين-آل المهلب الطامحين في السلطة-مع الإباضيّة ضدّه. وقد كانت الخريطة السياسية والقبلية شديدة التنوع في المغرب في ذلك العصر الذي اتسم بالغموض، وكان ممكنا لإدريس في غمرة هذا التنوع وهذه الفوضى أن يجد لدعوته منفذا بعيدا عن الخلافات والمراكز التي انتشرت فيها الإباضية الذين كانت دعوتهم قد وجدت طريقا لها من بداية القرن والذين كانوا قد أعلنوا إمامتهم على رأس الأربعين ومائة أي قبل ما يزيد عن ربع قرن على قدوم إدريس. ثم إنّ راشد [اسحاق بن راشد في مخطوطة أخبار فخ]، كان معتزليا ومن قبيلة أوربة-بحسب المصادر-أي أنّه من أبناء البلاد، كما أننا نفترض أنّه كان للزيدية دعاة مبثوثون في إفريقية والمغرب وأنهم كانوا على معرفة بالبلاد وأوضاعها. وسوف أستعرض باختصار الأخبار التي وردت في المخطوطة: فقد بثّ إدريس دعوته ضمن قبائل نفوسة واستجاب له منهم خلق، فكاتبهم عبد الوهاب بن رستم وأمرهم بتسليم إدريس فانقسم رأيهم وجملوه إلى حيث يأمن وخرج معه ألف من أهل نفوسة حتى بلغ مليانة، وكان إدريس كاتب
стр. 61
أهل شلف وتاهرت وزناتة وزواغة وصنهاجة ولواته وبث دعوته فيهم. وتحصّن إدريس في مليانة، فعاجله عبد الوهاب بن رستم «وتقاتلا مدة طويلة وتفانى بينهم آلاف من الناس»، فلما أيقن إدريس دقّة موقفه انحاز إلى طنجة فنزل وليلى، وكان أهلها من الصفرية والمعتزلة فأجابوه وبايعوه.
ويجدر بنا أن نتوقّف قليلا هنا لنقارن هذه المعلومات بالمصادر التاريخية؛ وليس بين أيدينا نصوص تؤكد هذه المعلومات. بيد أنّ ابن الصغير وهو مؤرخ الدولة الرستميّة-ويرى بعض الدارسين ميولا شيعية معتدلة عنده [١]-لا يأتي على ذكر هذه الأخبار ولا يذكر الأدارسة من قريب أو بعيد في كتابه. وجلّ ما يمكن استفادته من تاريخه [٢] أنّ الإباضيّة افترقوا زمن إمامة عبد الوهّاب بن رستم، والسبب في ذلك كان شكوى بعضهم خاصة قبائل مزاتة وسدراتة [٣] من عمّالهم: «قاضينا جائر وصاحب بيت مالنا خائن وصاحب شرطتنا فاسق وإمامنا لا يغيّر من ذلك شيئا»، فقاتلهم عبد الوهّاب وهزمهم. ويفصّل أبو زكرياء في خبر هذا الافتراق ويذكر أنّهم أخذوا عليه من جملة ما أخذوه «أنه لا تجوز تولية رجل إذا كان في جماعة المسلمين من هو أعلم منه» [٤]، أي أنّه لا تجوز تولية المفضول مع وجود الأفضل، وهذا القول من آراء الزيديّة [٥].
والسؤال: هل يمكننا أن نربط هذا الافتراق بما يذكره أحمد بن سهل الرازي عن إدريس، أي هل نستطيع أن نفترض أنّ إدريس استغلّ وجود فرقة بين إباضية الجبل
стр. 62
استغلها واستطاع أن ينفذ منها لبثّ دعوته؟ لا يمكن الجزم بشيء من هذا أمام النزر اليسير من المعلومات التي تذكرها المصادر. ويعطي ابن أبي زرع طريقا آخر سلكه إدريس وراشد قبل نزولهما بوليلي سنة ١٧٢ بالمغرب [١]، وهذا الطريق هو: برقة- القيروان (أقاما بها مدّة) -تلمسان (استراحا بها أياما) -طنجة عبر وادي ملوية والسوس الأدنى (وأقاما بطنجة أياما) -وليلى [٢].
٩.٣. في وليلى
ثمة إجماع بين المصادر-كما ذكرت-على أنّ إدريس نزل وليلى في ربيع الأوّل سنة ١٧٢ وأن بيعته تمت في رمضان من السنة نفسها، ولا تذكر رواية «أخبار فخ» أي تواريخ. غير أنّها تتّفق مع بقية المصادر في الصلة بين الاعتزال ونجاح مهمة إدريس «فنزل وليلة وكان أهلها من الصفرية والمعتزلة فأجابوه وبايعوه»؛ وتربط المصادر نجاح إدريس في وليلى برئيس قبيلة أوربة التي تنزل في منطقة وليلى وهو إسحاق بن عبد الحميد الذي كان معتزليا [٣]، وإلى هذه القبيلة ينتمي راشد-أو اسحاق بن راشد-مولى إدريس؛ وربّما كان لنا أن نفترض أن الصلة القبليّة هنا كانت أكثر تأثيرا من الصلة العقائدية، وتعبير «كان معتزليا» يبقى تعبيرا غامضا وإن أشار بالطبع إلى صلة ما لهذا الزعيم بمذهب الاعتزال، إلى أنّه من الصعب تحديد زمن تبنيه هذا المذهب وطبيعة عقائده. هذا وقد ذكرت أهمية الاعتزال في تمهيد الطريق لإدريس في إفريقية في موضع آخر من كتاب «أخبار فخ» أوّل نزول إدريس بإفريقية إذ قال المؤلّف: «. . . فوقعوا بأرض أفريقية وكان الغالب على أهلها الخوارج والمعتزلة، وكان أحد الرجلين اللذين مع إدريس من أهل البصرة من شيعة
стр. 63
أخيه إبراهيم بن عبد الله، معتزليا بليغا خطيبا، فكاتبهم إدريس وكلّمهم البصري وكان حسن البيان فسارع الناس إلى إدريس واتبعوه». فالمعتزلي هنا رجل من المشرق، ولا ذكر للقبائل التي كاتبها إدريس «وكلّمها البصري» ولا لمواطن نزولها والكلام كلام عام إلا أنّه يؤكد وجود هذه الصلة أو الرابط بين نجاح دعوة إدريس وانتشار مذهب الاعتزال في افريقية والمغرب، وهذا ما تظهره الرسالة المنسوبة إلى إدريس والتي أرسلها لقبائل البربر [١].
أما بالنسبة للصفرية الذين ورد ذكرهم في النصّ، فنحن نعرف أن مذهبهم انتشر بين القبائل البربرية خاصة قبائل المغرب الأقصى مطغرة وزناته وبرغواطة وأن نفوذهم امتدّ في المغربين الأدنى والأقصى وقاموا بثورات عدّة قضى عليها آل المهلّب، وأنهم بقوا منتشرين في الزاب وتلمسان وقامت لهم دولة في سجلماسة هي دولة بني مدرار. وكان بين الصفرية والإباضية معارك عدّة، ويبدو أن هؤلاء الصفرية-أو أوزاعهم كما يسميهم ابن خلدون-قد انضموا إلى إدريس وشاركوا في معاركه، خاصة بطون من مكناسة. أما صفرية تلمسان فقد حاربهم إدريس ودخل بلدهم سنة ١٧٤ وبنى مسجدها.
إن معلوماتنا قليلة جدا عن سيرة إدريس ونشاطه في وليلة-أي في المرحلة الثالثة من مراحل دعوته في المغرب-وتكاد رواية ابن أبي زرع تكون الأكثر تفصيلا، فهو يذكر فتوحاته في السنوات ١٧٢ و ١٧٣ في بلاد تادلة وتامسنا ومحاربته لمن بقي في قبائل البربر على دين اليهودية والنصرانية، ويذكر فتحه لتلمسان سنة ١٧٤ صلحا، وبناء جامعها، غير أنّه لا يذكر شيئا عن تعرّضه للإباضية.
أما مخطوطة «أخبار فخ» فتنحو منحى آخر وتشير إلى أنّ إدريس جعل همته في قتال الخوارج-يعني عبد الوهاب بن رستم- «وهذا بعدما أقام بطنجة سبع سنين» (؟)؛ ويغلب على الظن أن المقصود بالسنين السبع هو مدّة إقامته
стр. 64
بطنجة/وليله من وقت نزوله وبيعته سنة ١٧٢ إلى حين وفاته سنة ١٧٩ أي أنّه انصرف لقتال الخوارج طوال هذه السنين السبع.
ثم تنتقل الرواية لذكر حروب روح بن حاتم وابنه الفضل مع عبد الله بن الجارود الذي ثار بالجند العباسي والأبناء على حكم المهلبيين ولاة إفريقية للعباسيين، وهي أخبار وردت بالتفصيل في المصادر التاريخية خاصة في تاريخ الرقيق [١]؛ ورواية «أخبار فخ» توافق رواية الرقيق في تفاصيلها إلا أنها تشير إلى دور مفترض لإدريس في تلك الأحداث ممّا يوحي أنّه كان محرّكا لها أو أنّه استغلّها على الأقل، فتذكر أنّ مالك بن المنذر الكلبي لمّا ثار على عبد الله بن الجارود دعا إلى إدريس بن عبد الله؛ وتضيف أن عبد الله بن الجارود حين شعر بالهزيمة كان في نيّته الهرب إلى إدريس بطنجة. وهنا تنتهي الرواية دون أن تتطرق لحروبه مع الإباضيّة أو لفتوحاته في المغرب؛ وتمرّ بسرعة بخبر مقتله.
٩.٤. مقتله
أجمعت المصادر على أنّ إدريس مات مسموما، بيد أنّها اختلفت في ثلاثة أمور: أ-من الذي سمّه؛ ب-كيف تمّ سمّه؛ ج-في أي سنة كان ذلك؟ بالنسبة للأمر الأوّل فقد ورد اسما الشماخ اليمامي وسليمان بن جرير الرقّي وهو من وجوه الزيديّة [٢]؛ أما بالنسبة للأمر الثاني فقيل إنّه سمّ بسنون وقيل ببطيخة وقيل بسمكة؛ ووردت بعض الروايات بصيغة قصصيّة بطولية، وقد عالجت هذه الأمور بشيء من
стр. 65
التفصيل في موضع آخر (١). تبقى سنة وفاته، فقد ورد ذكر سنتي ١٧٧/ ٧٩٣، وهي الأكثر ترجيحا [٢]، و ١٧٥/ ٧٩١ التي كان أكثر الدارسين المحدثين على وعي بضعفها فأمرّوها بصيغة التمريض. وقد تمكن محمد الطالبي من تحديد سنة وفاته بعد دراسة متأنية ودقيقة للمصادر [٣] وتوصل إلى تاريخ ١٧٩/ ٧٩٥. وهذا ما تؤكده المخطوطة التي بين يدينا إذ تقرن بين دخول هرثمة بن أعين القيروان في جمادى سنة ١٧٩ وبين مقتل إدريس «فلم يزل يدس إلى إدريس ويحتال ليوجه إلى النفر الذين كان هارون وجههم إلى إدريس إلى طنجة ليسقوه السمّ حتى فعلوا».
١٠. يحيى بن عبد الله
لا نعرف ما هي الخطة التي وضعها يحيى وإدريس مع الدّعاة في شعب الحضارمة وقد عادت الدعوة إلى مرحلة السريّة والكمون بعد أن منيت بفشل ذريع وتمّ ضرب المعارضة المتعاطفة معها وكشف بعض مواقعها في الأمصار. ولعل قرار إرسال إدريس إلى المغرب كان القرار الأكثر حكمة وتخطيطا بعد عقود من العمل الفاشل في الحجاز والعراق.
وتكاد المصادر تغفل كل أخبار يحيى قبل ظهوره في الديلم. وكانت بداية تحرّكه في الديلم سنة ١٧٥/ ٧٩١ بحسب ما أورده الطبري [٤]، وكنا قد رأينا أنّ انطلاق إدريس نحو مصر والمغرب كان إثر موسم الحج سنة ١٧١/ ٧٨٧ أي في آخر العام
стр. 66
وأوائل سنة ١٧٢/ ٧٨٨، مما يعني أنّ ثمة ثلاث سنوات بين هذا التاريخ وبين ظهور يحيى في الديلم، فأين كان طوال هذه السنوات؟ هنا تختلف المصادر-وكلّها مصادر زيدية: أمّا أبو الفرج فيذكر نصا عاما [١]: «استتر مدّة يجول في البلدان ويطلب موضعا يلجأ إليه، وعلم الفضل بن يحيى بمكانه في بعض النواحي فأمره بالانتقال عنه وقصد الديلم وكتب له منشورا لا يتعرض له أحد». أمّا «كتاب المصابيح» فروايته أكثر تفصيلا إلاّ أنّه لا يمكن الوثوق بها تماما [٢]، فهو يذكر أنّ يحيى خرج في سنة ١٧٠ في ولاية موسى وبايعه أهل الحرمين وجميع أهل الحجاز وتهامة وأرض اليمن وأرض مصر والعراقين وبث دعاته في جميع الافاق. . . الخ، ثم يذكر أنّه صار إلى اليمن وأقام بها مدّة ثم صار إلى مصر وأرض المغرب ونواحيها. . . ثم دخل بغداد فخرج إلى الريّ فأقام شهرا أو زيادة، ثم صار إلى خراسان فأقام قريبا من ثلاث سنين، ثم إلى خاقان ملك الترك وأقام عنده سنتين وستّة أشهر ومن هناك خرج إلى طبرستان والديلم [٣]. وقصّة الخروج هذه ليست بحاجة لتعليق كي تظهر أنها موضوعة، إذ أنّ يحيى اعتبر من أئمة الزيديّة ولا تصح الإمامة إلا بالخروج؛ ومبايعة أهل الأمصار له أوهى من أن تضعّف خاصة بعد فشل معركة فخ، أما هذا التجوال فجزء منه صحيح إذا استثنينا مصر وأرض المغرب وإذا صححنا التواريخ. وتبقى رواية «أخبار فخ» التي سوف أعالجها هنا [٤]، وخطوطها
стр. 67
العامّة أنه دخل اليمن فطلب ففرّ إلى بلاد الجزيرة وأرمينية ثم ألجأه الطلب إلى أن دخل بغداد حيث ضيّق عليه فتوجه إلى صنعاء وبقي فيها ثمانية أشهر ثم خرج إلى خراسان ثم طبرستان فالديلم. ويبدو خروجه إلى اليمن بعد موسم سنة ١٧١/ ٧٨٧ معقولا، وخاصة أنّه التقى أثناء الموسم بجماعة من الحضارمة قد يكون لهم دور في إقناعه بالتوجّه معهم إلى بلادهم البعيدة عن مركز الخلافة والتي كانت مضطربة، كما أنّ لآل البيت أتباعا ومحبّين في اليمن ومنه انطلقت دعوات كثيرة.
المصدر ما ذكره عن تجوال يحيى أثناء اختفائه
أخبار فخ [١] الحبشة، الحجاز، اليمن، الجزيرة الفراتيّة، أرمينية، بغداد، اليمن، خراسان، طبرستان، الديلم.
مقاتل الطالبيين [٢] استتر مدّة يجول في البلدان، الديلم.
المصابيح [٣] اليمن، مصر وأرض المغرب ونواحيها، بغداد، الري، خراسان، جوزجان وبلخ، ماوراء النهر، الديلم.
الإفادة [٤] استتر مدّة وبلغ بلاد الترك ثم اختار جبل الديلم.
الحدائق الوردية [٥] أقام مستترا مدة طويلة يطوف في الآفاق، صنعاء، الحبشة، بلاد الترك، الديلم
المعرفة والتاريخ [٦] (مصدر غير زيدي) فارس، فسا، الديلم
стр. 68
١٠.١. يحيى في اليمن
ويستحيل علينا في الواقع ضمن المعلومات المتوافرة لدينا في المصادر أن نتوصل لمعرفة دقيقة عن هذه المرحلة من حياة يحيى بن عبد الله ونشاطه، أو عن تواريخ تنقّله بين اليمن والجزيرة الفراتية وأرمينية قبل عودته إلى اليمن. أما دخوله إلى اليمن، فقد ذكر في «كتاب المصابيح» [١] أنّه دخلها مرّة واحدة في بدء هروبه ثم صار بعدها إلى مصر؛ فيما يذكر ابن سهل الرازي [٢] أنّه دخلها مرّتين، مرّة بعد خروجه من الحبشة ومرّة أخرى بعد هروبه من بغداد متخفيّا [٣]، ويذكر عن سعيد ابن بهلول من الأبناء أنّ يحيى أقام في المرّة الثانية ثمانية أشهر وأنّ الإمام الشافعي لقيه ودرس عليه. أمّا المحلّي [٤] فيذكر أنّ يحيى «أقام مستترا مدّة طويلة يطوف في الآفاق خوفا على نفسه ووصل صنعاء وأقام بها شهورا، وأخذ علماء صنعاء عنه علما كثيرا مثل يحيى بن زكرياء ويحيى بن إبراهيم؛ ثم دخل بلاد الحبشة وخرج منها وصار إلى بلاد الترك. . .». ورواية المحلّي متأخرة وهو يعتمد في كتابه على «أخبار فخ» ولا يذكره، و «مقاتل الطالبيين» و «كتاب المصابيح»، فروايته ملفّقة ولا يعتدّ بها.
١٠.١.١. يحيى والشافعي
فلنعد إلى رواية «أخبار فخ» التي تذكر دخوله مرّتين إلى اليمن وأنّه أقام في الثانية منهما ثمانية أشهر حيث درس عليه الإمام الشافعي. ونجد أنفسنا في حيرة من أمرنا إذ لا يمكن التأريخ بدقّة لرحلة/رحلات الإمام الشافعي إلى اليمن رغم أنّ
стр. 69
الأخبار تدلّ على أنّه كان للشافعي صلة وثيقة باليمن [١]، كذلك لا يمكننا التأريخ لدخول يحيى إلى اليمن، فكيف لنا أن نجمع بين الروايتين وكلتاهما تندرج في إطار «المناقب»، ما ذكر منها عن الإمام الشافعي وما يذكر هنا عن تتلمذه على يحيى.
غير أن المصادر قد أجمعت على صلة للشافعي بالعلويّة وعلى ميول علويّة عنده، وقرنت ذلك برحلة له إلى اليمن [٢].
وفي رواية عن ابن بنت الشافعي أنّ الإمام الشافعي تزوّج بصنعاء من زوجته أمّ ولده، وتذكر هذه الرواية أنّه خرج من مكّة إلى صنعاء بقحط وقع بمكّة، «فخرج الناس إلى البوادي والمخاليف والمدن. . وقدم الشافعي وقد تزوّج العثمانية بصنعاء. .» [٣]. ويذكر الفسوي والطبري أنّ الوباء وقع بمكة سنة ١٧٤ [٤]. فهل لنا أن نفترض أنّ الشافعي خرج إلى صنعاء أثناء هذا الوباء وأنّه تزوّج في تلك السنة.
وكان عمره أربع وعشرون عاما، وأنّه التقى بيحيى-أثناء إقامته الثانية في اليمن- في سفرته تلك؟ وقد كان يحيى-بحسب رواية «أخبار فخ» -مقيما عند زكرياء بن يحيى بن عمر بن سابور من الأبناء، وغادر اليمن حينما طلب إلى خراسان فصار إلى الديلم سنة ١٧٥/ ٧٩١ كما ذكر الطبري، أي أنّه كان ما يزال في اليمن عام ١٧٤.
١٠.٢. الطريق إلى الديلم
لم يمكث يحيى في اليمن في المرّة الثانية سوى ثمانية أشهر-بحسب رواية ابن سهل الرازي-ثم طلب فتوجّه إلى خراسان ومنها إلى طبرستان ولم يطل مقامه هناك بل قصد جستان ملك الديلم. أمّا رواية «كتاب المصابيح» -التي لم تذكر إلا
стр. 70
رحلة واحدة له إلى اليمن في بدء هروبه-فتذكر [١] أنه خرج من بغداد إلى الريّ فأقام فيها شهرا وزيادة، ثم صار إلى خراسان ومنها إلى ناحية جوزجان وبلخ حيث أقام قريبا من ثلاث سنين، ثم صار إلى خاقان ملك الترك ومعه مقدار مائة وسبعين رجلا من دعاته وأوليائه، وأن الرشيد أنفذ رسولا إلى خاقان يقال له النوفلي، فأبى خاقان تسليمه فصار يحيى إلى الديلم. ويمدّنا الفسوي [٢] (-٢٧٧/ ٨٩٠)، وهو مصدر مبكّر غير زيديّ، بمعلومات جديدة، فيذكر أن يحيى بعد أن نجى من معركة فخ «قدم فارس ومرّ بفسا فأقام بها وذلك في عمل عمّار بن علي على فسا. فسمعت حمّاد بن حفص يقول: كان سبب خروج يحيى من فسا ولحوقه بالجبل أنّ تابعا لعدوية بن علي جاء إليه فقال له: أخو الأمير عدوية يدعوك، فاستخفّ بكلامه وقال: وما عدويه؟ فآذاه الرسول فكأنه استعظم ذلك، فكان هذا سبب خروجه من فسا ولحوقه بالجبال».
ولم أستطع أن أهتدي لترجمة لعمّار بن علي أو لعدوية بن علي، غير أن سياق الخير يظهر أنّه ترك فسا إلى الديلم مباشرة، أي أن خروجه من فسا كان في سنة ١٧٥/ ٧٩١.
وينفرد أبو الفرج الإصبهاني بذكر خبر أجمعت عليه مصادره جميعها [٣]، وأورده أبو الفرج كخبر متّسق «إلا ما عسى أن يكون من خلاف بينهم فأفرده وأذكر رواته؛ قالوا: إنّ يحيى بن عبد الله بن الحسن لمّا قتل أصحاب فخ كان في قبلهم فاستتر
стр. 71
مدّة يجول في البلدان ويطلب موضعا يلجأ إليه، وعلم الفضل بن يحيى بمكانه في بعض النواحي فأمره بالانتقال عنه وقصد الديلم، وكتب له منشورا لا يتعرّض له أحد، فمضى متنكّرا حتى ورد الدّيلم. .»، ويظهر هذا الخبر تواطئا واضحا من الفضل بن يحيى، وقد عزت بعض المصادر نكبة البرامكة إلى مساعدتهم للعلويين [١].
على أي حال، من المؤكد أن يحيى وصل الديلم سنة ١٧٥ وأنّ خروجه هناك كان في سنة ١٧٦/ ٧٩٢ [٢].
١٠.٣. ظهوره في الديلم ومبايعته
وفي رواية ابن سهل الرازي بسنده عن عمر بن شبة عن المدائني [٣] أن يحيى لمّا ظهر بالديلم «علا صوته في الآفاق وكثر الدّعاة إليه وأجابه الناس. . . وكان له سبعون رجلا من علماء زماننا دعاة إليه وإلى نصرته يتفرقون القرى، يدعون إلى حكم الكتاب ونصرة الدين ودفع الجور ومنع الظالمين وإظهار الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. . .»، وذكر ستة عشر رجلا فيهم الإمام الشافعي، وهم بحسب ترتيبهم الألفبائي:
١) إبراهيم بن إسحاق: لم استطع الاهتداء إليه.
٢) بشر بن المعتمر: الأرجح أنّه المعتزلي (-٢١٠/ ٨٢٥)؛ ولم يذكر بشر بن المعتمر في الزيدية، وذكر ابن المرتضى أنّه اتّهم بالرفض فحبسه الرشيد فقال رجزا بيّن فيه موقفه. وذكر الأشعري قوله في التحكيم فقال: «قالت الزيدية وكثير من المرجئة وابراهيم النظّام وبشر بن المعتمر. . .»، فلم يعده مع الزيديّة [٤].
стр. 72
٣) حبيب بن أرطاة؛ ويبدو أن الاسم اختلط هنا والأصح أرطاة بن حبيب كما في مقاتل الطالبيين (حيث ورد أرطاة فقط). وهو من الرواة عن جعفر الصادق، كما روى عن إبراهيم بن أبي يحيى أحد دعاة يحيى بن عبد الله [١].
٤) حسن بن حسين العرني: له كتاب عن جعفر بن محمد في الرجال، وروى عن شريك وجرير [٢].
٥) سعيد بن خثيم: توفي بين ١٨٠/ ٧٩٦ و ١٩٠/ ٨٠٥، كان من دعاة زيد بن علي وخرج معه، وعمّر طويلا فيما يبدو فخرج مع إبراهيم بن عبد الله أخي النفس الزكيّة ومع الحسين الفخّي. روى عنه الإمام أحمد بن حنبل ووثقه ابن معين، رغم ما اتهم به من تشيع وقول بالقدر [٣].
٦) سليمان بن جرير: يبدو أنّه الرقي أحد متكلمي الزيدية ورؤوسهم، واتّهم بأنه هو الذي سم إدريس بن عبد الله [٤].
٧) عبد العزيز بن يحيى الكناني: الأرجح أنّه هو صاحب «كتاب الحيدة»، توفي في حدود سنة ٢٤٠/ ٨٥٤. درس على الشافعي واشتهر بصحبته وذهب معه إلى اليمن [٥].
стр. 73
٨) فليت بن إسماعيل: لم أستطع التعرّف إليه؛ وكنت في مقالتي السّابقة لمحّت إلى احتمال أن يكون هو نفسه تليد بن سليمان وإن لم تكن القرائن واضحة تماما [١].
٩) محمد بن عامر: لم أستطع الاهتداء إليه [٢].
١٠) محمد بن أبي نعيم: قد يكون ابن موسى الواسطي (-٢٢٣/ ٨٣٧) (٢).
١١) مخوّل بن إبراهيم: هو ابن راشد الكوفي (٢).
١٢) منصور البخاري: لم أستطع الاهتداء إليه.
١٣) يونس بن إبراهيم الرازي: لم أستطع الاهتداء إليه.
١٤) يونس البجلي: لم أستطع الاهتداء إليه.
١٥) ابن عون اللهبي: لم أستطع الاهتداء إليه.
١٦) وكان ابن سهل الرازي قد ذكر محمد بن أبي إبراهيم في الدعاة ليحيى، وهو الذي كتب الرسالة إلى محمد الحضرمي بمصر.
كما ذكرت المصادر الزيديّة بين دعاته:
١٧) عبد ربّه بن علقمة [٣].
وعدّد أبو الفرج الإصبهاني (والناطق بالحق في الإفادة) ثلاثة أسماء أخرى:
١٨) سهل بن عامر البلخي [٤].
١٩) عامر بن كثير السرّاج [٥].
٢٠) يحيى بن مساور (٥).
стр. 74
والديلم هي المنطقة الجبلية التي تمتد على طول الساحل الجنوبي لبحر الخزر (Caspian sea) من جيلان إلى مازندران وجرجان شمال همدان والرّي، وهي في الإقليم الرابع طولها ٧٥ درجة وعرضها ٣٦ درجة و ١٠ دقائق. وقد سكن هذه المنطقة أقوام كثر من غير الشعوب الآرية وهم القادوسيّون (Cadusians) ومنهم الجيل أو الجيلان (Geloi) والديلم ومن بينهم قامت مملكة آل جستان وكان مركزها طرّم (Ta?rum) أو روذبار [١]. نزل يحيى عند جستان ملك الديلم وأعلن دعوته هناك، فأهمّ الرشيد الأمر وعيّن الفضل بن يحيى على كور الجبال والري وجرجان وطبرستان وولاه أمر يحيى بن عبد الله، فتوجّه الفضل إلى الجبال ونزل بالنهرين وواتر كتبه على يحيى وكاتب صاحب الدّيلم، واستخلف كاتبه منصور بن زياد في الرّقة مسؤولا عن كل ما يرده من الفضل بخصوص يحيى [٢]. ففرّق الفضل الأموال ووالى برّه لجستان وراسل يحيى إلى أن أجابه إلى الصلح [٣]. ويذكر ابن سهل الرّازي بسنده عن المدائني رسالة طويلة ليحيى أرسلها إلى الرشيد تناول فيها تاريخ العلوييّن وأحقّيتهم بالخلافة وثوراتهم ضد الأمويين والعباسيين ودعواهم مقابل الدعوة العباسيّة [٤]؛ كما يذكر في روايته خبر إرسال الرشيد لأبي البختري وهب بن وهب، قاضي القضاة، واحتياله في القبض
стр. 75
على يحيى [١]. ويذكر في سياق خبره روايتين عن مصدرين محلييّن يكمل بهما رواية المدائني؛ ويتفرّد بذكر نصّ كتابي الأمان اللذين أملاهما يحيى على الرشيد والفضل [٢].
وتدعم المصادر ما يذكره ابن سهل الرازي، وإن كان خبره أكثر تفصيلا وأغنى معلومات، إذ يتفرّد بذكر رواية طويلة عن المدائني وعن مصادر محليّة.
١٠.٤. الرّقة والحجاز
لم يقم يحيى في الرقّة/أو بغداد طويلا بعد حصوله على الأمان، بل اتّجه إلى الحجاز يحمل معه عطايا الرشيد والفضل بن يحيى وغيره من البرامكة. ويذكر ابن سهل الرازي عن الإمام محمد بن القاسم الرسّي أنّ نزوله كان ناحية سويقة.
ويجمع كلا ابن زبالة والإمام محمد بن القاسم على أنّ يحيى أخذ يفرّق الأموال على أشراف الحجاز وأنّ الناس أخذوا يختلفون إليه. ويذكر كلاهما أن بكّار بن عبد الله بن مصعب، وكان واليا على المدينة، قد سعى بيحيى عند هارون الرشيد وأوغر صدره عليه. وذكر محمد بن القاسم عن أبيه أنّ بكارا كتب إلى الرشيد: «أن بالحجاز خليفة يعظمه الناس ويختلفون إليه من جميع الآفاق ولا يصلح خليفتان في مملكة واحدة، وذكر أنه يكاتب أهل الآفاق وكثّر عليه في أمره، وهو على الغدر فليحذره أمير المؤمنين وأشار برفعه إليه وإلا فتق عليه فتقا عظيما، فوقع الثانية بهذا السبب فكان في الحبس حتى كان من أمره ما كان».
١٠.٥. سعاية الزبيري به
ويجدر بنا هنا أن نتوقّف قليلا كي نحاول تحديد التواريخ؛ لقد خرج يحيى بالديلم سنة ١٧٦، ولا نعلم متى كان صلحه مع الرشيد. فقد أورد الطبري خبر يحيى