إنهم يعدون ولادة الأنثى محنة ويرونها مخلوقا له درجة دون درجة الذكر، ثم هم يدعون أن الملائكة إناث، وأنهم بنات الله، فمن أين جاءتهم هذه الأسطورة, وهم مع الرتبة الدون؛ لأنهم وهم خلق محتاج إلى بارئه الأجل الأعظم, لا يقبلون الأنثى لهم ذرية وامتدادا لحياتهم فهل اختار الله البنات وترك لهم البنين؟ استفتهم عن هذا الزعم السقيم المتهافت.
ويسترسل القرآن في تفنيد أسطورتهم حتى الخاتمة:
﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ، مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ، إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ، وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ١.
فينفي قدرتهم على أن يضلوا من عباد الله إلا من هو محسوب من أهل الجحيم, وإنهم عاجزون عن فتنة قلب مؤمن محسوب من الطائعين.
ولكل مقامه لا يتعداه.
فالملائكة عباد من خلق الله لهم وظائف في طاعة الرحمن، يصفون للصلاة، ويسبحون بحمد ربهم، ويقف كل منهم على درجته لا يتجاوزها, والله هو الله الملك القدوس ذو الجلال والإكرام٢.
стр. 492
ومثال آخر في حياتهم المعيشية, وهو مثل واضح حاسم لا مجال للجدل فيه:
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١.
وهو مثل شامل لكل ما كانوا يتخذونه شريكا من دون الله جنا أو ملائكة أو أصناما أو أشجارا.
إنهم -في العادة الغالبة- لا يرتضون أن يشركهم مواليهم في شيء مما تحت أيديهم من مال, ولا يسوون عبيدهم بأنفسهم في شيء أفليس من العجب أن يجعلوا لله شركاء من عبيده, وهو الخالق الرازق وحده؟
إنهم يأنفون أن يجعلوا لأنفسهم من عبيدهم شركاء في أموالهم التي هي منحة الله ورزقه الذي ساقه إليهم, أفليس من الضحك أن يأنفوا ذلك لأنفسهم ثم يشركون مع الله واحدا من خلقه؟ وتعبيرات القرآن الكريم دقيقة إنها تخطو بهم رويدا رويدا في ضرب هذا المثل: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ، فهو مثل قريب لا يحتاج إلى رحلة أو جهد في تدبره ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ ؟
فهم لا يرضون أن يشاركهم العبيد في شيء من الرزق فضلا عن المساواة بينهم في ملكيته.
стр. 493
إنهم لا يرضون ذلك لأنفسهم وإذن فكيف ترضونه في حق الله وله المثل الأعلى؟
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ١.
الجانب الثاني: السلطان الإلهي.
﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٢.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ، أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ٣.
"لو" مجرد فرض جدلي تفيد امتناع وقوع اللهو؛ لأن الله جل ثناؤه لم يرده أزلا, ولن يكون أبدا هناك لهو لأن الفعل منفي منذ الأزل
стр. 494
وهذا تقرير لحقيقة أساسية هي أن اختراع البشر شركاء من دون الله, ونسبتهم ذلك إلى الله تجرؤ لا يملكه العباد؛ لأن الله خلق الكون كله حسب علمه وإرادته, ولم تتوجه إرادة الله إلى مثل هذا اللهو, فلو كانت إرادة الله توجهت للهو ما احتاج الأمر إلى اقتراح لهو من العباد ينسبونه إلى ذاته المقدسة, وذلك استنكار لما وقع منهم, وتهكم بآلهتهم أن لها قدرة على شيء من نشر, إذ من أوليات صفات الإله أن ينشر الأموات من الأرض، فإن الخالقية صفة الله وحده ومن مظاهر الخالقية أن يبعث ما في القبور، وإذن فما قالوه:
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ .
انحراف عن الطريق السواء وتبجح لا يملكون له سندا.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.
لقد استقرت شهادة التوحيد؛ استقرت في الدليل واستقرت في الاعتراف واستقرت في صدور الذين آمنوا بها.
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ٢.
стр. 495
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٢.
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٣.
٢- تصحيح التدين:
ومن هذه الثمرة الأساسية "لتوحيد الله جل شأنه" تبدو ظاهرة "التدين الصحيح" كثمرة ملحقة بالثمرة الأولى، فإن القوم لم يكفروا بالله فهم يعتقدون أنه الخالق والرازق والنافع والضار ولكنهم اتخذوا طريقا منحرفا في العبادة أسرفوا في العقيدة حتى وسع إيمانهم مخترعات آبائهم وأجدادهم, فكانت الدعوة في هذا العهد المكي تحاول أن تردهم إلى طريق الله السواء٤.
﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ٥.
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ٦.
стр. 496
﴿لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ الدين الخالص, القاعدة التي تقوم عليها الحياة كلها بل يقوم عليها الوجود كله, ومن ثم ينبغي أن ترسخ وتتضح وتعلن في هذا الأسلوب الحاسم الجازم: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ .
والقلب الذي يوحد الله هو الذي يدين لله وحده لا يحني هامته لأحد سواه ولا يطلب شيئا من غيره, ولا يعتمد على أحد من خلقه فالله وحده هو الولي الحميد, وهو وحده القوي المتين وهو وحده القاهر فوق عباده، والعباد كلهم مهازيل ضعاف لا يملكون نفعا ولا ضرا ولا موتا, ولا حياة، ولا نشورا، وإذن فلا حاجة ألبتة إلى أن يحني الإنسان هامته لواحد من المخلوقات المحتاجة بالطبع إلى الله الصمد, فهو وحده المانح والمانع, وهو وحده الغني. والناس جميعا هم الفقراء إلى الله.
والقلب الذي يوحد الله يؤمن بوحدة الناموس الإلهي الذي يصرف الوجود كله, ويؤمن إذن بأن النظام الذي اختاره الله للبشر هو طرف من ذلك الناموس الواحد الذي لا تصلح حياة البشر إلا باتباعه, ومن ثم لا يختار غير ما اختاره الله, ولا يتبع إلا شريعة الله المتسقة مع نظام الوجود كله ونظام الحياة كلها.
والقلب الذي يوحد الله يدرك القرابة بينه وبين كل ما أبدعته يد الله في هذا الكون من أشياء, ويحيا في الكون بقلب يحس بيد الله في كل ما حوله فيعيش في أنس الله ورعايته, ويشعر بالتحرج أن يشرك بالله شيئا يعلمه أو لا يعلمه.
стр. 497
وتبدو كذلك آثار التوحيد في التصورات كما تبدو في السلوك، فلا تبدو عقيدة التوحيد كلمة تقال باللسان بل تصير حالا للمرء في تفكيره وسلوكه وقلبه وعقله وجميع أنماط تصرفاته١.
وقد أعلنها القرآن كذلك فيما يتعلق بالنبي ﷺ ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ وقيمة هذا الإعلان كبيرة جدا؛ لأنها تحوي أصلا لمفهوم التدين وهو الخضوع الكامل والاستسلام التام لجناب الله الأعظم.
إن قيمة هذا الإعلان في تجريد العقيدة من كل شائبة، فالنبي ﷺ وهو المصطفى من عند الله هو في هذا المقام عبد لله وفي مقام العبادة يقف العبيد كلهم حسب مراتبهم الأمثل فالأمثل, وترتفع ذات الله متفردة فوق الجميع, وعندئذ تتميز العبودية عن الألوهية فلا يختلطان ولا يشتبهان، وتتجرد صفة الله الأحد الصمد بلا شريك ولا شبيه ولا ند، وحين يقف سيدنا محمد ﷺ في مقام العبودية لله وحده، وهو من هو في تاريخه الطويل الحافل بالقمم الشريفة من الأخلاق، تتلاشى مخترعات الذين أشركوا وتنمحي دعوى شفاعة الأصنام والملائكة ويبقى مفهوم التدين خالصا ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ، ليس فيه خلط ولا تشابه، فقد وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا
стр. 498
وما أنا من المشركين ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
إنه التجرد الكامل لله بكل خالجة في القلب ونبضة في العرق وطرفة من العين وبكل حركة في الحياة.
إنها تسبيحة التوحيد المطلق والعبودية الكاملة تجمع الصلاة والاعتكاف والحياة والممات وتخلصها لله وحده رب العالمين، فهو المهيمن المتصرف المربي الحاكم إنها تسبيحة في إسلام كامل لا يستبقي في النفس ولا في الحياة بقية إلا يعبدها لله وحده، ولا يحتجز دونه شيئا في الواقع ولا في الضمير ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ ، فسمع ﷺ وأطاع حق السمع والطاعة حتى تفطرت قدماه, وعبد بذلك الطريق المستقيم, فبانت علامات التدين الصحيح٢ وهي مع تلك الهداية نيرة في قوله تعالى:
﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣.
﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
стр. 499
﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ١.
﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٢.
٣- مفهوم الدين وعناصره:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ٣.
إن التوحيد منهج والشرك منهج آخر مقابل ولا لقاء بين المنهجين ألبتة.
التوحيد منهج يتجه بالإنسان مع الوجود كله إلى الله وحده لا شريك له, ويحدد الجهة والمصدر الذي يتلقى منه الإنسان عقيدته وشريعته وأخلاقه وموازين آدابه وقيمه، وتصوراته كلها عن الحياة وعن الوجود.
هذه الجهة التي يتلقى المؤمن عنها هي الله وحده لا شريك له، ومن ثم تقوم الحياة كلها على هذا الأساس غير ملتبسة بالشرك في أية صورة من صوره الظاهرة والخفية.
стр. 500
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ١.
فالآية تستنكر أن يبتغي غير الله حكما في شأن من الشئون على الإطلاق, وتقرر أن الحاكمية لله وحده وتنفي أن يكون هناك أحد غير الله يجوز أن يتجه إليه البشر طلبا لحكم منه في أمر من أمور الحياة، والقرآن كثيرا ما يؤكد هذا المبدأ ويكرره في كل مناسبة.
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣.
﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٤.
وإذن فالدين هو منهج الله للبشر هو وحي الله إلى أنبيائه ليسلك العباد طريقهم إلى الله٥.
стр. 501
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ﴾ .
وإذا كان الدين هو وحي الله, فإن القرآن الكريم قد حرص على أن يبرز هذا الدين الذي حمله، موكب الأنبياء على التعاقب.
﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ٢.
﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ٤.
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٥.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ ٦.
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ٧.
стр. 502
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١.
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣.
في هذه الآيات المكية يحدد القرآن مجموعة العناصر التي يكتمل بها الدين الذي يرتضيه الله لعباده.
العنصر الأول: الموحي أو المصدر وهو الله .
العنصر الثاني: الموحى به وهو الشريعة المرسلة من قبل الله جل شأنه.
العنصر الثالث: الموحى إليه وهو الرسول النبي الذي اصطفاه الله ليبلغ رسالته إلى الناس.
العنصر الرابع: الوحي أو حامل الوحي وهو الملك الذي وكله الله تعالى بالسفارة إلى رسوله المصطفى.
﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ .
ينزل: فاعله هو الله جل شأنه.
الملائكة: الموحى معه.
بالروح: الموحى به.
стр. 503
على من يشاء من عباده: الرسول المصطفى.
أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون:
ذلك هو الهدف والغاية التي من أجلها خلق الله الجن والأنس على السواء.
٤- وحدة الدين:
وعلى هذا فإن ثمرة الدعوة الإسلامية في مكة تعلن منذ الفجر الصادق أن كل دين لا يجتمع فيه هذه العناصر فهو دين باطل:
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ ١.
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ٢.
وعلى هذا فكل ما حمله الأنبياء عن ربهم هو دين واحد، يتجه إلى غاية واحدة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣.
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ٤.
﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ ٥.
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا
стр. 504
فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ ١.
فالآية تقرير لوحدة الوحي، وحدة مصدره, فالموحي هو الله العزيز الحكيم والموحى إليهم هم الرسل على مدار الزمان.
والوحي واحد في جوهره على اختلاف الرسل واختلاف الزمن وهذه الحقيقة تبدو قوية في العهد المكي لتشد أواصر الصلة بين اتباع الوحي في كل زمان ومكان, فهذه أسرتهم تضرب في بطون التاريخ وتمتد جذورها في شعاب الزمن, وتتصل كلها بالله في البدء والنهاية فليتقوا جميعا، وفي مسلم: "الأنبياء إخوة من عَلات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد" ٢.
وإذا كان الذي شرعه الله من الدين للمسلمين الذين آمنوا بمحمد ﷺ هو ما وصى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى فإن الغاية العظمى هي:
﴿أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ فليقفوا جميعا تحت هذه الراية صفا واحدا، هذه الراية التي رفعها موكب الأنبياء على التوالي:
نوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله عليهم حتى انتهت إلى سيدنا محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام.
стр. 505
وقد أعلن هذه الوحدة من قبل سيدنا يوسف ﵇.
﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ١.
كما أعلنها بعد رجل من آل فرعون يكتم إيمانه:
﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ٢.
إنه دين واحد تقرره الدعوة الإسلامية منذ فجرها الصادق في مكة المكرمة، وتعلن أنها هي الخاتمة لهذا الدين، وأنها التاج الأسمى والشرف الأكمل للبشرية أجمعين.
﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
٥- عالمية الدين:
والدين الذي يدعو إليه سيدنا محمد بن عبد الله منذ أن نزل عليه ﴿اقْرَأْ﴾ هو دين الله للناس كافة وللجن كافة.
يقول الله تعالى:
﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ ٤.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٥.
وقد شهدت الجن بأنها على هذا الدين استجابة لداعي الله.
يقول الله تعالى:
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ١.
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا، وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ ٢.
٦- تصحيح فكرة أن لله ولدا:
وفي هذا العمر المتقدم للدعوة في كنف البيت العتيق بمكة ظهرت فكرة نفي الولد، سواء كان القائل بهذه الفكرة أهل الكتاب أو بعض العرب الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله.
والقرآن الكريم في هذه المرحلة المكية يصور الدعوى ثم يرد عليها.
﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
стр. 508
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا، وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا، لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ ١.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ٢.
﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ، وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٣.
ومع أن هذه الآيات تصور الدعوى, وترد عليها, إلا أن القرآن الكريم كذلك خصص الآيات؛ لنفي هذه الأسطورة التي صنعها المشركون, وهذه الآيات ترد هذه الدعوى من جانبين:
جانب السلطان الإلهي.
ثم إقرار الجن الذين جعل لهم المشركون بالرحمن نسبا.
أما فيما يتعلق بالجانب الأول, فيقول الله تعالى:
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٤.
стр. 509
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ١.
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ٣.
﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٤.
إن الذي يبدع هذا الوجود من العدم ما تكون حاجته إلى ولد؟ والولد إنما هو امتداد للفانين وهو عون للضعفاء, وقاعدة التكاثر أن يكون للكائن صاحبة من جنسه, فكيف يكون لله ولد وليست له صاحبة, فقد تفرد ﷻ بالألوهية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٥.
على أن الفرض الجدلي الذي يقبله العقل العادي أن الله لو أراد أن يتخذ ولدا لاصطفاه هو جل شأنه من بين خلقه فإرادته مطلقة،
стр. 510
والأمر لا يحتاج إلى قرار من البشر أو اقتراح منهم، ولكن مشيئة الله لم تتجه نحو هذا الاصطفاء لأنه الواحد القهار ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ , فهو صاحب السلطان المطلق فأين حاجته إلى خلف؟
وأما الجانب الثاني:
فالجن تنفي ما ادعاه البشر وتبرأ من أساطير الناس.
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١.
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا، وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ ٢.
لقد أقرت الجن بالوحدانية وكذبت الأسطورة التي تزعم أن الملائكة بنات الله جاءته من صهر من الجن.
لقد نزهت الجن وسبحت بحمد الله, فردت ترهات البشر المنحرف، وقد كان للجن أن تفخر بهذا الصهر الخرافي الأسطوري لكنها استنكرت هذا التحريف البشرى, فأعلنتها قذيفة ضخمة تحطم ذلك الزعم الذي حاكه المشركون.
стр. 511
٧- عيسى بن مريم:
وفي خضم نفي أسطورة الولد يصحح القرآن التصور عند أهل الكتاب فيما يتعلق بعيسى١. يقول الله تعالى:
﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٢.
لقد نطق عيسى ابن مريم بنفسه وبحالته: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ , ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ , فلم يبق من بعده مجال للأساطير والأوهام، وبتلك التنقية تبدو عالمية الدعوة الإسلامية في مكة بالموضوع, إنها ليست عقيدة لجنس خاص، ولا دعوة لطائفة من الناس، ولكنها إنهاء لسلطة الأساطير البشرية وإحلال للإيمان الإسلامي في الصدور والسلوك، فهي نقلة من عالم الحيوان الذي يعيش فيه البشر إلى عالم الإنسانية الذي يقدس فيه الناس ربهم، وقد حمل هذه العقيدة جعفر بن أبي طالب والذين هاجروا معه إلى الحبشة, فصادفت موقعا ملائما حيث كانت العقيدة عند النجاشي كذلك، فكان ذلك اللقاء دليلا واضحا على عالمية الدعوة بالموضوع, وهو الهدف الرئيسي لها "لا إله إلا الله" كمنهج للعقل والقلب والسلوك والوجدان.
стр. 512
وبذلك فقد قررت النصوص القرآنية منذ ذلك الفجر أنه لا أديان متعددة ولا مقارنة بين أديان، وأن الدين واحد هو نظام الله الموحي به إلى عباده عن طريق سفرائه المرسلين المصطفين الأخيار، وأن الدعوة الإسلامية شاملة للجنس البشري كله في كل صقع وحين، وقد حافظت نصوص القرآن الكريم على ذلك الهدف في العهد المدني فيما بعد، إذ كانت تنادي الناس جميعا وتهتف بهم:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ١.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ٣.
ودلالة هذا أن الهدف الأساسي للدعوة هو أن يشهد الناس جميعا "أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله" فلا يبقى لسان بشر على وجه الأرض، إلا وقد رطب بها، وصعد صوته يدوي بجلالها، ولا يشغل المسلمون أنفسهم بعوارض الحياة الدنيا, ويقبعون في زاوية من الأرض, ويتركون الأساطير تحيا والإشراك يفشو وبناة الأصنام تعيش في سلام.
стр. 513
إن "لا إله إلا الله محمد رسول الله" هي وظيفة الدعاة اليوم لا سيما هنا في جنوب شرقي آسيا, ماليزيا، سنغافورا، تايلاند، والهند الصينية، حيث توجد الأصنام في الشوارع وعلى قارعة الطريق وفي قلاعها هي وفي بيوتها هي وفي منازل الناس الذين ما زالوا يجهلون الطريق السواء إلى الله الواحد الصمد العزيز الجبار المتكبر سبحان الله وتعالى عما يشركون.
ب- محمد رسول الله ﷺ :
في صميم أفئدة القوم إقرار بأن محمدا رسول الله.
﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ١.
ولكن القوم أثاروا ضجة كان من البواعث عليها الحسد، وعبادة التقاليد.
وقد تصدى القرآن الكريم لهذه الضجة ليستخلص منهم مكنون صدورهم, وإخراج ما أسروه, وأنهم يعتقدون أن محمدا رسول الله.
والضجة التي أثاروها يمكن تركيزها في ثلاث نقاط:
﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢.
﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ ٣.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٤.
стр. 514
ويتولى القرآن الكريم الإجابة على ضجيجهم وتمتلئ السور المكية بحشد جليل من الآيات التي تفند هذه المزاعم الصغيرة في دوافعها وغاياتها.
أما فيما يتعلق بالضجة الأولى:
﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ فإن القرآن الكريم يردها من زاويتين:
١- زاوية اعترافهم بأهل الكتاب.
٢- وزاوية الأساس الدافع لهذه الضجة.
١- أما الزاوية الأولى فيقول الله تعالى:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ، وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ١.
لقد كان المشركون في معرض العناد واللجاج يزعمون أن الله لم يرسل رسولا من البشر, ولم ينزل كتابا يوحى به إلى البشر بينما كان إلى جوار هؤلاء المشركين أهل الكتاب من اليهود الذين يتعاملون معهم
стр. 515
في التجارة ويلتقون معهم في الأسواق, ولم يكونوا ينكرون عليهم أنهم أهل كتاب، فلم يقولون: ما أنزل الله على بشر من شيء؟ ذلك منطق العناد واللجاج.
وتمضي آيات أخرى من السور المكية تقرر أن الأنبياء بشر أوحي إليهم من عند الله.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ٢.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ, وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ, ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ ٣.
٢- وأما زاوية الأساس الذي دفعهم ليختلفوا هذا الزعم, فهي السنة المشئومة التي وجدوا عليها آباءهم، فقد كانت تلك التعلة هي الداء الدفين الذي جعل الناس من قبل يردون دين الله.
ويقرر القرآن أن هذه التعلة واحدة من أسباب الكفر:
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ١.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ٢.
والذين في الأرض بشر, وليسوا ملائكة, ولقد كفر أصحاب القرية في سورة يس لهذا المنطق.
﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ، قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ ٢.
فارتدت الضجة واستقرت النبوة اصطفاء من الله لمن شاء من عباده المكرمين.
﴿أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ .
ذلك دافع الحسد فـ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ , وتلك إرادة الله لا مدخل لواحد من الخلق فيها ألبتة، ويجيب القرآن في بساطة وسهولة:
стр. 518
﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ، أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ، أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ، جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ ١.
إنه الحسد وضيق الصدر دون داع، وبغض الخير دون مبرر، وقد ظهر ذلك في اقتراحهم.
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ٢.
فرد عليهم القرآن الكريم مستنكرا هذا الاقتراح فهو خروج على الأدب مع جناب الله يقول الله تعالى:
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٣.
إنهم لا يملكون لأنفسهم شيئا فمعيشتهم منحة من الله, ومراتبهم الاجتماعية تكريم لهم من عند الله لغاية تدبر بها شئون الحياة فدولاب الحياة لا يدور إلا بهذا التفاوت في الرزق وفي المراتب الاجتماعية.
ومحمد ﷺ من ذؤابة قريش ثم سن ذؤابة بني هاشم وهم في العلية الرفيعة من العرب، وكانت ذاته الشريفة ﵊ فيما قبل البعثة على الأمثل الرفيع جدا من مكارم الأخلاق
стр. 519
نعم لم يكن زعيما لقبيلة ولا رئيسا لعشيرة, وتلك هي موازين القوم التي دفعتهم ليعترضوا أو ليقترحوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ .
وهم أنفسهم يشهدون بذلك قال عتبة بن ربيعة: يابن أخي! إنك منا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب١.
وقالها أبو سفيان لهرقل: هو من أوسطنا نسبا٢.
فأي دافع لهم إذن على هذا الاقتراح؟ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ , ولقد اختار لها من يعلم أنه لها أهل, وهم يعلمون أنه كذلك أهل لها, فلماذا يقترحون؟ إنه الحسد الذي حاك في الصدور.
ولم يترك القرآن القضية تمر دون أن يثبت النبوة لسيدنا محمد ﷺ لتبقى في التاريخ والذمة أن القوم كفروا حسدا وتعنتا ولجاجا.
فردهم إلى حاله وحثهم على دراسة أسراره أنه منذ المولد حتى المبعث وهو معروف السريرة, مكشوف الخطوات في شرف سامق، وعزة أبية، وكما محترم، وما كان يقول هذا القول من قبل, أفإذا جاءهم بالهدى، قالوا: ﴿أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ .
стр. 520
يقول الله تعالى:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ, قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ١.
لقد لبث فيهم من قبل ذلك أربعين عاما ما حدثهم عن نبوة أو رسالة ولا كان يتلو من كتاب.
يقول الله تعالى:
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ، بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ ٢.
إن الحق الذي جاء به محمد ﷺ يشهد حاله ويشهد له تاريخه فهو أمي لم يقرأ ولم يكتب وقضى في هذا المستوى أربعين عاما, فإذا ما طلع بين عشية وضحاها فكلم الناس بالوحي وحمل إليهم قانون ربهم إليهم ليعبدوا الله على بصيرة, أفي مثل هذا يقول قائل: إنه ليس بنبي؟
стр. 521
إننا إذا وقفنا قليلا عند هاتين الآيتين, فإننا نجد أن الآية الأولى تنفي وقوع الارتياب من عاقل على فرض أن رسول الله ﷺ كان يقرأ ويكتب ذلك؛ لأن معاني القرآن الكريم ومفاهيم الدعوة آيات بينات في صدور أهل العلم١, وقد جعل الله لها من قبل علامات وبشائر، وهي فيما تدعو إليه إنما تتفق مع مطالب الفطرة وتتلاءم مع العقل السليم. يقول أكثم بن صيفي:
إن الذي يدعو إليه محمد لو لم يكن دينا لكان في أخلاق الناس حسنا٢.
وقد استدل هرقل على صدق الدعوة بحال الداعية يقول:
فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله٣ وكذلك النجاشي قالها مؤمنا:
إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة٤.
وقالتها السيدة خديجة راضية مرضية.
وقالها أبو سفيان رغم أنفه٥.
ولهذا يركز القرآن الكريم على أن استيعاب حال الداعية كدليل على صدق النبوة يقول الله تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ،
стр. 522
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ ١.
ليست هناك شبهة من هذه الشبهات قائمة على أصل محترم, إنما هي كراهيتهم للحق؛ لأن الرسالة ستسلبهم قيمهم الاجتماعية الباطلة وتلغي أهواءهم المغرورة، والحق لا يمكن أن يدور مع هواهم، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن.
ثم يتصدى القرآن بعد أن أثبت النبوة عن طريق حال الداعية, فيجابه أسئلتهم التي يشاغبون بها ويصدون عن دين الله ببريقها يقول الله تعالى:
﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ, وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ٢.
﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ٣.
فرد عليهم في صرامة:
﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٤.
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ
ولا يترك القرآن الجانب التاريخي كدليل على إثبات النبوة يقول الله تعالى:
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ١.
هل كان رسول الله ﷺ شاهدا ميقات موسى مع ربه؟ حتى يعلم نبأه المفصل كما ورد في سورة الأعراف، وأن بينه وبين هذا الحادث لقرون وأجيال متطاولة.
هل كان رسول الله ﷺ مقيما في أهل مدين يتلقى عنهم أخبارهم؟ هل سمع رسول الله ﷺ نداء لسيدنا موسى٢.
إنه الوحي وإنها الرحمة التي شاءها الله جل شأنه لعباده لمن شاء منهم أن يستقيم.
يقول ابن خلدون:
النفوس البشرية على ثلاثة أصناف: صنف عاجز بالطبع عن الوصول إلى الإدراك الروحاني.
стр. 525
وصنف متوجه بالحركة الفكرية نحو العقل الروحاني والإدراك الذي لا يفتقر إلى الآلات البدنية بما جعل فيه من الاستعدادات لذلك ... إلخ.
وصنف مفطور على الانسلاخ من البشرية جملة جسمانيها وروحانيها إلى الملائكة من الأفق الأعلى, ليصير في لمحة من اللمحات ملكا بالفعل ويحصل له شهود الملأ الأعلى في أفقهم وسماع الكلام النفساني والخطاب الإلهي في تلك اللمحة, وهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم١.
وهذا ما اصطلحت عليه سالفا بالبشرية السوية الخاصة بالأنبياء وذلك ما أثبته القرآن الكريم واستدلت بأحواله العقول الكريمة الفياضة بالنور والسناء الوضيء، ولقد كان سيدنا محمد ﷺ هو قلادة هذا العقد النبوي, وكان هو وحده ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين٢.
إن هذا إلا قول البشر:
النبوة والقرآن نعمتان اختص الله جل شأنه بهما حبيبه سيدنا محمد ﷺ وكلاهما مستند إلى الآخر في الإثبات والتقرير فإذا ما ثبتت النبوة فقد ثبت أن القرآن من عند الله, فلا نبوة بغير قرآن ولا قرآن لغيره نبوة.
وقد استفاض القرآن الكريم في إثبات النبوة لسيدنا محمد ﷺ وكانت تلك الاستفاضة كافية في إثبات
стр. 526
أن القرآن من عند الله غير أن لجاج القوم وعنادهم كان قد ملأ الدنيا بالصخب والضجيج مما ادعوه بهتانا, وما نشروه بين القبائل في المواسم والأعياد فأخذ القرآن الكريم يواجه هذه الجحافل الظلماء ليكشف عن الحق.
وللقرآن منهجه الخاص في معالجة الأمور والقضايا:
- فهو يصور أولا ما يدعيه المعارضون.
- ثم يصور موقف النبي ﷺ وهو موقف كاف في الرد على المعاندين.
- ثم يقيم البيان على أن القرآن وحي من عند الله جل شأنه بطريقين:
الأول: طريق النص، أنه من عند الله، وأن لا مدخلية للرسول فيه.
الثاني: وطريق التحدي وبهذا يقرر حقيقة القرآن.
ثم يأمر النبي ﷺ أن يستمر على ما هو عليه من الحق واتباع ما يوحى إليه من عند ربه, ويؤكد الذين أوتوا العلم من قبله أنه الحق من ربهم.
أ- أما فيما يتعلق بالنقطة الأولى, فقد جمع القرآن الكريم دعاوى القوم وصورها فقال الله تعالى:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ
стр. 527
نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٢.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ٣.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ ٤.
﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ٥.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٦.
وهي كلها آمال جوفاء وصخب أطفال لا يدركون مستوى مسئولية الخطاب والتعقل٧ ويكفي في هذه المواجهة أن الرسول ﷺ يقرأ القرآن وحيا من عند الله. يقول فضيلة المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز:
стр. 528
والحق أن هذه القضية لو وجدت قاضيا يقضي بالعدل لاكتفى بسماع هذه الشهادة التي جاءت بلسان صاحبها على نفسه، ولم يطلب وراءها شهادة شاهد آخر من العقل أو النقل، ذلك أنها ليست من جنس الدعاوي فتحتاج إلى بينة, وإنما هي من نوع الإقرار الذي يؤخذ به صاحبه.
ولا يتوقف صديق ولا عدو في قبوله منه, إذ أي مصلحة للعاقل الذي يدعي لنفسه حق الزعامة, ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد تلك الزعامة؟ نقول: أي مصلحة في أن ينسب بضاعته لغيره وينسلخ منها انسلاخا؟ على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها, فيزداد بها رفعة شأنه، ولو انتحلها لما وجد من البشر أحدا يعارضه ويزعمها لنفسه.
الذي نعرفه أن كثيرا من الأدباء يسطون على آثار غيرهم فيسرقونها أو يسرقون منها ما خف حمله, وغلت قيمته, وأمنت تهمته حتى إن منهم من ينبش قبور الموتى, ويلبس من أكفانهم ويخرج على قومه في زينته من تلك الأثواب المستعارة.
أما إن أحدا ينسب لغيره أنفس آثار عقله وأغلى ما تجود به قريحته فهذا ما لم يلده الدهر بعد١.