بجاهلية المقاييس التي لا تقرها قواعد, ولا تقيم لها وزنا, وقد قالها الذين كفروا من قبل فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون.
٥- الحساسية:
أ- الحسد. يقول ابن هشام:
فلما جاءهم رسول الله ﷺ بما عرفوا من الحق، وعرفوا صدقه فيما حدّث، وموقع نبوته فيما جاءهم به من علم الغيوب حين سألوه عما سألوه عنه, حال الحسد منهم له بينهم وبين اتباعه وتصديقه, فعتوا على الله, وتركوا أمره عيانا, ولجوا فيما هم عليه من الكفر, فقال قائلهم:
﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ فإنكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه يوما غلبكم١.
كان التطلع إلى الشرف عامل من عوامل الانحراف، قوته مقاييس الجاهلية الأولى واستقبلته بعض النفوس بالأنانية السوداء المردية, وكان من صورتها ومن ضحاياها أمية بن أبي الصلت الذي ردد في شعره توحيدا خالصا, وتمنى نبوة تخبره بما بعد الموت:
ألا رسول لنا منا يخبرنا ... ما بعد غايتنا من رأس محيانا٢
ولكنه يكفر لأن النبوة لم تنزل عليه.
стр. 457
قال ابن كثير: إن أمية قدم المدينة بعد بدر يريد لقاء رسول الله ﷺ فلما قيل له إن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما ابنا خاله قد قتلا في غزوة بدر, وهما الآن يرقدان في القليب جدع أذني ناقته وقطع ذنبها وتهيج بشعر سفيه, ثم رجع إلى مكة وترك الإسلام١.
فيالها من تفاهة وياله من صدأ يفسد النفس التي نطقت غابرا بالتوحيد, فلما جاءها الحق الذي تعرفه حسدت الناس على ما أتاهم الله من فضله.
وما تزال الدعوة الإسلامية حتى يومنا هذا تعاني من هذا الداء الدفين "الحسد" وما أتى الله به بعض دعاته من التوفيق لخدمة رسالة نبيه محمد بن عبد الله ﷺ فهل لهؤلاء إلى خروج من سبيل؟
ب- الخوف على آبائهم في الآخرة: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ، تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ، أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ ٢.
كانت هذه الآيات ونظائرها مما يصور اليوم الآخر, وما فيه من عذاب شديد للكافرين تزعج قلب الرجل المكي؛ لأنه مرتبط في تدينه الوثني بما كان عليه الآباء والأجداد.
стр. 458
فكانت تتزلزل قوائم عقله إذا تتلى عليه آيات فيها مصير الذين مضوا على الكفر, وهي مغالطة سول لهم الشيطان بها أن يجابهوا الدعوة ويكذبوها حتى يسلم آباؤهم من هذا الوعيد الشديد.
لقد كانت المشاعر المنحرفة والعقلية الخطابية تريد أن تقاوم الدعوة بهذا الفقه الأعرج الأعمى؛ لتقنع نفسها أن آباءهم الذين مضوا كانوا على شيء من الدين, وتلك حساسية جوفاء فإن الرسالة الإسلامية قد قررت:
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ١.
وذلك قانون نظمته الدعوة حتى تخف هذه الحساسية المرهفة نحو الآباء الذين ماتوا قبل البعثة, وكانوا في حياتهم على ضلالة لعدم بعث رسول يهديهم إلى طريق الصحيح.
وهي فرصة نفسية تقدمها الدعوة ليتعرفوا منها على حقيقتها وطبيعتها؛ لينقذوا أنفسهم من الظلمات والجاهلية التي يتخبطون فيها، ولكنهم حلوا وزينوا لأنفسهم التعلل بما كان عليه الآباء وزينوا لأنفسهم بالمغالطة مجابهة الدعوة؛ لينقذوا آباءهم من يوم القيامة وما أعد فيه للكافرين فضروا أنفسهم بذلك في معمعة الشيطان, وغمرتهم الإبليسية بموجها العاتي, فغرقوا في الضلالة ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم.
стр. 459
٦- ضعف الإرادة أمام سمو التعاليم الإسلامية:
﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ١.
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٢.
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٣.
لقد كانت تعاليم الإسلام ومبادئ الدعوة في هذا العهد المكي تنقية كاملة للإنسان من أوشاب الشرك وأوشاب الخرافة, وتنقية للمجتمع من ضلالات الجاهلية, وتنقية للحياة كلها من عبودية العباد, واتجاه بالحياة كلها إلى الله وحده.
لقد كان الشرك في كل صوره هو المحرم الأول وهو المنكر الأول.
стр. 460
وكان التوحيد على إطلاقه هو القاعدة الأولى التي لا غنى عنها ومن أجل ذلك جاءت تنقية الإنسان عقلا وقلبا, وتنقية المجتمع والحياة جميعا في ظلال هذا التوحيد, والخضوع الكامل لله وحده, فالتوحيد هو القاعدة التي يرتبط على أساسها الفرد بربه على بصيرة, وترتبط بها الجماعة بالمعيار المستقر العادل, فلا تطل فيها شهوة تعكر الأمن والإيمان, ولا تبرز نزوة تفسد المجتمع والحياة.
وكانت تلك النقلة تعني إقامة العدل لكل من في الحياة، وهو عدل قائم على أساس أن الله وحده هو المتصرف في الكون، وهنا تتصاغر النفوس التي تحب النشوز عن ربقة الخضوع لله، وتنطلق في حرية الفوضى والانزلاق لتعيش مع الشيطان والهوى، وترد دين الله ودعوته.
ولا تزال النفوس حتى اليوم وفي داخل الجماعة الإسلامية ترتعب من حكم الإسلام؛ لأنه قيد على انحرافاتها، وعدل يفضح ظلمها، وكمال يغطي نقصها ورحمة تخزي قسوتها وسمو يصغر نقصها.
ولقد تصاغرت نفوس الكفار أمام هذا السمو الجليل لمبادئ الدعوة.
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا، إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا، وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا
стр. 461
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا، وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ ١.
ولكنها أثقال على نفس الكفرة ناءت بحملها, فتثاقلوا إلى أرض الهوى ووكر الشيطان فكفروا بأنعم الله, وصدوا عن سبيله، فخطوا بذلك معالم الطريق التي تبدوا دائما كظاهرة في العمل لنشر دعوة الله.
стр. 462
ثالثا: النماذج القرآنية لمعالم الطريق
وكان من رحمة الله بالجماعة الإسلامية الأولى أن قدم لها زادا روحيا تتبلغ به حتى يأتيها نصره وفرجه, فقدم القرآن الكريم في العهد المكي للدعوة الإسلامية مجموعة من الزاد الروحاني تتزود به جماعة السابقين الأولين على مجابهة عدوها ويحدد به القرآن الكريم طبيعة الطريق ومعالمه، وأنها هكذا شاقة وصعبة وهي هكذا قد خاضها الذين سبقوا من الأمم ويخوضها في مكة مع رسول الله ﷺ بلال وسمية وعمار وزنيرة وخباب، وسيخوضها من بعدهم كل من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ويتمسك بالوفاء لهذه التعاليم فإن القضية من أولها هي اختيار الله ورسوله على قيم الحياة
стр. 463
الدنيا، وقد كانت العادة التي قضى الله بها أن يكون الذين في جانبه قلة ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ١.
وستبقى للدعوة هذه الميزة ليبلو الله الذين آمنوا ويمحصهم ويمحق الكافرين.
والنماذج التي اخترتها كقواعد تبرز معالم الطريق هي نماذج في مواجهة:
- التسلط البشرى على عباد الله المستضعفين.
- موازين المال والثراء في مواجهة تعللات الكفرة من قريش.
- الإيمان دون سؤال أو طلب دليل.
- أبعاد المعركة بين الداعية وخصومه.
١- في مواجهة السلطة:
جاءت سورة القصص المكية التي نزلت, والمسلمون مستضعفون والمشركون هم أصحاب الجاه والتسلط لنضع الحد الحقيقي لميزان القوى وميزان القيم.
لقد نزلت سورة القصص لتقرر أن هناك قوة واحدة في هذا الوجود هي قوة الله وحده، وأن هناك قيمة واحدة في هذا الكون هي قيمة الإيمان بالله وحده, فمن كانت قوة الله معه فلا خوف عليه, ولو كان مجردا من كل مظاهر القوة، ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة, ولو ساندته جميع القوى التي على ظهر هذه الأرض، ومن كانت له قيمة الإيمان كان الخير كله، ومن فقد هذه القيمة فليس ينفعه شيء ألبتة.
стр. 464
ومن ثم يقوم كيان سورة القصص على قصتين:
واحدة في البدء هي: قصة موسى وفرعون.
وواحدة في الختام هي: قصة قارون مع قومه.
والقصة الأولى تعرض قوة الحكم والسلطان, قوة الطاغية الديكتاتور المتجبر مع كمال يقظته وحذره وفي مواجهتها, في مواجهة هذه القوة الطاغية الطفل الصغير "موسى"، وهو رضيع لا حول له ولا قوة ولا ملجأ له ولا وقاية، وقد علا فرعون في الأرض واتخذ أهلها شيعا وقال لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ، وخافوه وصدقوه, ولكن قوة فرعون وجبروته وحذره ويقظته وجنوده لا تغني عنه شيئا فلم يتمكن من موسى وهو طفل، لقد رعته عناية الله ووقته قدرته ﷻ وهو طفل مجرد من كل حيلة، وفرعون عات جبار، لكن موسى كان في حراسة القوة الحقيقية ترعاه العناية الربانية, وتدفع عنه السوء وتعمي عنه العيون وتتحدى به فرعون وجنوده تحديا سافرا, فتدفع به إلى حجره وتدخل به عليه عرينه بل تقتحم به عليه قلب امرأته، وفرعون مكتوف اليدين إزاءه مكفوف الأذى عنه.
والقصة الثانية تعرض قيمة المال ومعها قيمة العلم، المال الذي يستخف القوم, وقد خرج عليهم قارون في زينته, وهم يعلمون أنه أوتي من المال ما إن مفاتحه لتعيي العصبة من الرجال الأقوياء.
والعلم الذي يعتز به قارون, ويحسب أنه بسببه وعن طريقه أوتي ذلك المال, ولكن الذين أوتوا العلم الصحيح من قومه لا تستخفهم
стр. 465
خزائنه ولا تستخفهم زينته, بل يتطلعون إلى ثواب الله, ويعلمون أنه خير وأبقى, ثم تتدخل يد الله فتخسف بقارون وبداره الأرض لا يغني عنه ماله ولا يغني عنه علمه, وتتدخل تدخلا مباشرا سافرا واضحا كما تدخلت في أمر فرعون, فألقته في اليم هو وجنوده, فكان من المغرقين.
وإذن فإلى أين يتجه كفار مكة بثرائهم وأموالهم؟
ومن يحميهم أن تخطفهم الناس من حول البيت العتيق؟
لقد ساق الله لقريش ومن يسير على دربها هذا النموذج ليبين الله أين يكون الأمن وأين تكون المخافة؟ ويعلم الله البشر أن الأمن إنما هو في جوار الله, ولو فقدت كل أسباب الأمن الظاهرة التي تعارف عليها الناس.
وإن الخوف إنما هو في البعد عن جوار الله, ولو تظاهرت أسباب الأمن التي تعارف عليها الناس وجاءت قصة قارون في سورة القصص تقرر وتؤكد هذه الحقبة في صورة الغرور بالمال والعلم الزائف١، فبقي ذلك نموذجا دائما لعلامات الطريق.
٢- في مواجهة الثراء والمادة:
وها هو ذا صاحب الجنتين في سورة الكهف المكية تمتلئ نفسه بهما زهوا, فينفض كالديك ويختال كالطاووس ويتعالى على صاحبه الفقير ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ ٢.
стр. 466
ويخطوان معا إلى الجنتين وملء نفسه البطر وملء جنبيه الغرور وملء قلبه العتو، لقد نسي الله, ونسي شكره على نعمه, وظن أن هاتين الجنتين لن تبيدا أبدا, وأنكر قيام الساعة, وافترض أنها ستجيء, فساعتها سيجد هنالك الرعاية والإيثار، أليس هو من أصحاب الجنان في الدنيا فلا بد وأن يكون جنابه في الآخرة ملحوظا.
ودخل جنته -هكذا- وهو ظالم لنفسه فقال: ما أظن أن تبيد هذه أبدأ وما أظن الساعة قائمة, ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا.
غرور يخامر عقول ذوي الجاه والسلطان والثراء، إن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى فما داموا يستطيلون على أهل هذه الأرض فلا بد أن يكون لهم عند السماء مكان محفوظ ملحوظ، إنه جهل وأحلام أطفال، وعقول عصافير.
فأما صاحبه الفقير الذي لا مال له ولا نفر ولا جنة عنده ولا ثمر, فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى، معتز بعقيدته وإيمانه, معتز بالله الذي تعنو له الجباه، فهو يجيب صاحبه المتبطر المغرور منكرا عليه كبره وبطره يذكره بمنشئه المهين من ماء وطين, ويوجهه إلى الأدب الواجب في حق المنعم ﷻ , وينذره عاقبه البطر والكبر، ويرجو عند ربه ما هو خير من جنته وثمارها.
﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ .
стр. 467
﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا, وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا, فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ١.
وهكذا يبرز النص انتفاضة عزة الإيمان في النفس المؤمنة, فلا تبالي بالمال والنفر, ولا تداري الغني والبطر, ولا تتلعثم في الحق, ولا تجامل فيه الأصحاب, ولا تجهل في التعبير عن عزتها وإيمانها بربها.
وهكذا يرتسم في طريق الدعوة أن المؤمن لا بد وأن يستشعر أمام الجاه والمال، أنه عزيز وأن ما عند الله خير وأبقى، خير من الحياة بقضها وقضيضها، وأن فضل الله عظيم, وأن نقمة الله جبارة, وأنها وشيكة أن تصيب المتبطرين ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ ٢.
الثمر كله مدمر والجنة خاوية محطمة وصاحبها يقلب كفيه ندما وحزنا وأسفا، إنه نادم على إشراكه بالله, وهو الآن يعترف
стр. 468
بربوبيته ووحدانيته فهل كان في هذا النموذج ردع لريحانة قريش وصاحبه الوليد بن المغيرة صاحب بساتين الطائف وعروة بن مسعود الثقفي, وقد اختالا بحدائقهما وما لهما؟
هل في ذلك ردع لكل ريحانة من أساطين الجاه والثروة؟
والمبطرين نعمة الله من القوارين الكثيرين في العصر الحديث؟
وهكذا كانت تتغذى قلوب المسلمين الأوائل: بلال وصهيب وعمار وخباب, فاحتقرت موازين أبي جهل والوليد وأبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط، وارتفعوا بإيمانهم فوق قيم الأرض التي ارتبطوا فيها.
وكان جاه الله أعظم من جاههم.
وصبر الضعفاء أقوى من تجبر الأقوياء.
فانفردوا بحلاوة الإيمان ونصر الله القريب١.
٣- في مواجهة المهاترات:
نوع فريد من البشر إذا سمع الحق اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب وكانت له استجابة لا يتلوى فيها:
﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ، وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ،
стр. 469
أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ﴾ ١.
إنها استجابة فطرية سليمة مستقيمة فيها الصدق والبساطة والحرارة, وفيها استقامة الفهم, واستقامة الإدراك, ثم فيها التلبية الروحية متينة الوعي واضحة الصراط.
إنه رجل من أقصى المدينة يسمع دعوة الله, فيأتي مسرعا مجيبا ملبيا ولم يطق عليها سكوتا, ولم يقبع في داره وهو يرى الضلال والجحود، ولكنه يسعى بالحق الذي استقر في وعيه وفي ضميره وتحرك في شعوره يسعى به إلى قومه الذين يكذبون ويجحدون، لقد جاء يسعى من أقصى المدينة ليؤدي واجبه ليوجه قومه إلى الحق أو يقاوم اعتداءهم الذي سيصبونه على المرسلين.
إنها استجابة دون مهاترات بطلب دليل أو خارق مادي.
وهي استجابة سعى بها الرجل صاحب الفطرة السليمة.
وإذن فما بال قريش وقد سعى إليها محمد ﷺ وعرض هو نفسه عليها قبيلة قبيلة وفردا فردا, وهو من هو نسبا وخلقا ووفاء وعهدا وأدبا وأمانة وحلما، وهو منهم، يعرفون عن حياته كل شيء، وهي كلها سنام في ذروة الطهارة والعفاف والكمال الفريد.
بذلك تغذت أرواح الأوائل من المسلمين, فكان لها سلوى من سطوة جبار عنيد مناع للخير معتد أثيم.
стр. 470
٤- أبعاد المعركة:
كانت موجة الإرهاب, والتعذيب التي نشرتها قريش, وإشاعتها فائقة حدود الأخلاق والقدرة العظيمة، ولقد استشهدت فيها أم ياسر وأبوه، وعدد آخر هاجر إلى الحبشة, واستمرت معركة العقيدة ثلاثة عشر عاما, إذا حسبت بمقاييس الزمن في نظر الإنسان العجول كانت فطرة طويلة, وكانت لا تبشر ولا يرتجي من ورائها نصر، وهنا تبدو أبعاد المعركة كواحدة من المعالم في الطريق.
إن رسالة الإسلام هي رسالة السلطان الإلهي الذي ينبغي أن يستقر في الأرض ليعبد الناس ربهم على هدى وبصيرة وما على الداعية إلا أن يبلغ دعوة الله بمنهجها وقواعدها وغاياتها، أما أبعاد المعركة بينه وبين أعداء الدعوة فهي أبعاد بعيدة حتما سيكون له فيها النصر إن شاء الله.
وسورة البروج تأتي في الدور المكي لتقدم للفكر الإسلامي أبعاد المعركة.
إن الرواية تنتهي أحداثها في أيام قصار تملأ القلب بشحنة من الكراهية لبشاعة الفعلة وفاعليها, كما تستجيش فيه التأمل فيما وراء الحادث ووزنه عند الله, وما استحقه فاعلوها من نقمته وغضبه فهو أمر لم ينته بعد عند هذا الحد فوراءه حساب الله، "ذلك الفوز الكبير" بهذه الخاتمة يستقر الأمر في نصابه وهي الخاتمة الحقيقية للموقف, فلم يكن ما وقع منه إلا طرفا من أطرافه لا يتم به تمام، وهذه هي الحقيقة التي يهدف إليها هذا التعقيب على حادث أصحاب البروج؛ لتستقر في قلوب القلة المؤمنة في مكة وفي قلوب فئة مؤمنة تتعرض فيما بعد للفتنة والتعذيب على مدى القرون.
стр. 471
ويكون من معاني النصر التي يتشرف بها الداعية أنه استعلى على الفتنة وانتصر لعقيدته على الحياة الطاغية وانتصر على أوهام الجسم وجاذبية الأرض, فقد كان في مكة المؤمنين في سورة البروج أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم والخسف بعقيدتهم، ولكن كم كانوا هم يخسرون أنفسهم في الدنيا وفي الآخرة.
وكم كانت البشرية كلها تخسر عندما يقتل معنى زهادة الحياة بلا عقيدة وبشاعتها بلا حرية وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد؟ إنه لمعنى كريم جدا ومعنى كبير جدا أن ينهزم الطغاة أمام أرواح الشهداء وإنه لربح كبير جدا ألا تحرق النار عقيدتهم وإن وجدوا مسها في أجسادهم لتنتصر العقيدة ولو حرق الجسد.
وهذا المعنى الجليل نفسه نصر مؤزر للشهداء, وبعد ذلك لهم عند ربهم حساب كريم, ولأعدائهم الطغاة حساب عقيم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ, إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ ١.
стр. 472
إن الذي حدث في الأرض وفي الحياة الدنيا ليس خاتمة الحادث وليس نهاية المطاف، فالبقية آتية هناك والجزاء الذي يضع الأمر في نصابه والفصل فيما كان بين المؤمنين والظالمين آت, وهو مقرر مؤكد وواقع في يوم الدين.
وهكذا عرفت الجماعة الأولى في مكة المكرمة, وتعرف كل جماعة بعدها تتحمل نفس الشرف الذي تحملته الجماعة الأولى أن مجال المعركة ليس هو الأرض فما هي إلا جزء بسيط وفي الآخرة خير لمن اتقى وآثر لقاءه ربه, وعندئذ فلا خوف ولا فزع ومرحبا بالموت في سبيل الله ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ١.
ب- العالمية:
من معالم الطريق للدعوة في هذه المرحلة أنها بدأت عالمية، وأن عالميتها كانت بالنص وبالتطبيق.
النص:
مضى فيما نقلته من النصوص أن صاحب الحلبية نقل نصا وهو يشرح مرحلة ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال فيه:
قال علي: ثم جمعتهم له ﷺ فأكلوا حتى شبعوا وشربوا حتى نهلوا ثم قال لهم: "يا بني عبد المطلب إن الله قد بعثني إلى الخلق كافة وبعثني إليكم خاصة" ٢.
стр. 473
ومعنى هذا أن عالمية الدعوة بالنص كانت مذكورة مبلغة والنبي ﷺ ما زال في مكة, وفي سنواتها الأولى, فكانت عالميتها مقرونة بحياتها منذ أن بلغها الرسول ﷺ في مكة.
التطبيق:
في الدراسات السالفة وقفنا جميعا على خبر وفد نجران:
لقد قدموا على النبي ﷺ وهو بمكة وهم قوم من النصارى وبلدهم بين مكة, واليمن على نحو من سبع مراحل من مكة وكانت منزلا للنصارى, فلما بلغهم خبر النبي ﷺ من المهاجرين إلى الحبشة وفدوا عليه ﷺ فوجدوه في المسجد, فجلسوا إليه وكلموه وتلا عليهم القرآن, فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع, ثم استجابوا له وآمنوا به, وعرفوا منه ما هو موصوف في كتابهم١.
إن إيمان هؤلاء النصارى يوضح إدراكهم لوحدة الدين في مفهومه، وأن رسالة محمد ﷺ كانت عامة لجميع الناس وأن كل ملة قبله قد بطلت بدعوته، ووفودهم على رسول الله ﷺ ثمرة من ثمرات الهجرة إلى الحبشة مما يقوي
стр. 474
الرأي أن الهجرة إلى الحبشة كانت أسلوبا من أساليب تبليغ الدعوة في مرحلة عالميتها, وأن دخول النجاشي نفسه في الإسلام علامة من علامات أن عالمية الدعوة مصاحبة لبدئها لا تنفصل عنه أبدا.
قال النجاشي:
يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان ما يزيدون على ما تقولون أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى في الإنجيل.
النجاشي حبشي الجنسية نصراني التدين ليست بينه وبين العرب صلة جامعة ولا نسب في الديار, فلماذا يؤمن؟
إنه أدرك أن كل ما على الأرض من دين, وكل ما عليها من جنس بشرى لا بد وأن يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فتلك واجب البشر أجمعين.
стр. 475
رابعا: المجابهة الثقافية
إذا كانت الدعوة الإسلامية في العصر الحديث تعان من الغزو الفكري بأنواعه المتعددة, فقد كانت الدعوة منذ عهدها المكي مستهدفة لمثل هذا اللون من المجابهة.
إذا جابه الغزو الفكر الشيوعي الكذاب، والصليبي الحقود, واليهودي الماكر الخبيث دعوا لله الخاتمة التي جاء بها سيدنا محمد ﷺ فإن هذه المواجهة استمرار لأسلوب طبيعي في معاندي لا فرق بين قديم فيه أو حديث.
فلقد أعلنت قريش مجابهة ثقافية ضد الدعوة الإسلامية, وكان لها جانبان كلاهما أخطر من الآخر في محاولة هدم الدعوة.
وهذان الجانبان هما: الجانب السلبي.
والجانب الإيجابي.
أما الجانب السلبي: فقد اتفقت كلمة قريش على اللغو في القرآن الكريم, ولقد حكى الله تعالى عنهم هذا الموقف, إذ يقول الله تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] .
يقول ابن هشام في تصوير هذا الموقف:
وكان رسول الله ﷺ إذا تلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله، قالوا وهم يهزءون به: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه، لا نفقه ما تقول، وفي آذاننا وقر لا نسمع ما تقول، ومن بيننا وبينك حجاب قد حال بيننا وبينك, فاعمل بما أنت عليه، إننا عاملون بما نحن عليه، إنا لا نفقه عنك شيئا، فأنزل
стр. 476
الله تعالى في ذلك: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ ١.
وقد تخطوا في سياستهم السلبية هذه دعوة أنفسهم باللغو في القرآن الكريم, وتجاوزوا بها أفراد مكة إلى أفراد المجتمع الخارجي، فعندما حضر الطفيل بن عمرو الدوسي مكة نصحه أصحاب الثورة الثقافية المخاصمون للدعوة الإسلامية بألا يستمع إلى القرآن الكريم حتى ملأ صماخ أذنيه بالقطن كي لا يسمع القرآن إذا حضر إلى الكعبة، وكان ذلك الفعل من الطفيل نتيجة الإلحاح الفكري الغازي المواجه للدعوة الإسلامية من كفار قريش، ولقد فعل الرجل ذلك حرصا منه على عدم سماع شيء من القرآن، غير أن الطبيعة الخيرة لا تملك أمام فطرتها إلا أن تتلألأ مهما حجب لألاءَها ثيابٌ بالية من نسيج الفكر الجاهلي العاري التائه.
يقول الطفيل بن عمرو الدوسي مصورا حالته:
فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا, ولا أكلمه حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا -قطنا- فرقا من أن يبلغني شيء من قوله, وأنا لا أريد أن أسمعه، قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة. قال: فقمت قريبا منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، قال: فسمعت كلاما حسنا، قال: فقلت في نفسي: وَا ثكل أمي والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح, فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته.
قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله ﷺ إلى بيته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت: يا محمد إن قومك قد قالوا كذا وكذا للذي قالوا.
стр. 477
والله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك, ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك, فسمعت قولا حسنا, فاعرض عليّ أمرك, قال: فعرض عليّ رسول الله ﷺ الإسلام, وتلا عليّ القرآن فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق وقلت: يا نبي الله، إني امرؤ مطاع في قومي, وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: "اللهم اجعل له آية" ١.
وأما الجانب الإيجابي فهو: أن النضر بن الحارث كان يحاول أن يلهي شباب العرب بأنواع من الأدب والشعر والحكايات والقصص كي لا ينتبهوا إلى رواء التلاوة وجاذبية الأسرار في آيات الذكر الحكيم، فهو عمل توجيهي ثقافي إيجابي, فقد كان ينقل قصص فارس وأدبها وحكاياتها ليغري الفكر العربي بهذا اللون من المتع الأدبية حتى لا يجد في فكره ومشاعره مكانا باقيا ليشعر بلذة القرآن الكريم تلك اللذة التي وصفها كبيرهم عتبة بن ربيعة بقوله:
لقد سمعت قولا فلا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش! أطيعوني واجعلوها بي, وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه, فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم٢.
ووصفها الارستقراطي المدلل الوليد بن المغيرة:
والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة.
стр. 478
ومع أن الأريبين: عتبة بن ربيعة، والوليد بن المغيرة يصدران حديثهما من القرآن الكريم بالقسم إلا أن طبيعتهما كانت سبخة, فما زالوا على الكفر حتى طهرت سيوف المسلمين وجه الأرض منهم يوم بدر.
كانت قريش تدرك مقدار جاذبية القرآن الكريم للنفس الإنسانية الصافية, فأرادوا أن يعكروها, وأن يشوشوا على الفطرة بشعر فارس وأدبها, فكان النضر بن الحارث يسافر إلى بعيد في بلاد فارس ليجلب أدبا خليعا وشعرا رخيصا؛ ليفسد به فطرة الشباب حتى لا يستمعوا إلى حلاوة القرآن الكريم، وحسن إعجازه.
يقول ابن هشام:
وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله ﷺ وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك فارس، وأحاديث رستم وأسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله ﷺ مجلسا فذكر الله فيه وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه فهلم إليّ، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وأسفنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا مني؟ ١
ولقد وضع القرآن الكريم صورة هذه المواجهة في شكل قرار لتتعلم القيادات العاملة في حقل الدعوة الإسلامية أن هذه المجابهة الثقافية واحدة من ضمن المجابهات العديدة التي يجب أن يتنبه لها المسلمون في كل زمان ومكان.
يقول الله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦] .
стр. 479
وهكذا منذ العهد المكي تبدو المجابهة الثقافية علامة من علامات الحذر التي ينبغي أن يفطن لها المسلمون، وأن يأخذوا حذرهم منها ومن أساليب تنفيذها, ومن وسائل التنفيذ, ومن أصحاب الكلمات المعسولة من قيادات المجابهة الثقافية التي تتخذ أسلوب العلم تارة, وأسلوب الانقلاب الثوري تارة أخرى, وأسلوب التقدم الحضاري في صيغ متجددة للإغراء والتضليل والتعمية, وقد يكون للضحك على أصحاب اللحى في كثير من الأحايين.
إن الحركة الإسلامية المعاصرة تحتاج إلى تخطيط بقدر ما تحتاج إلى تبعية لفرقة من الفرق الإسلامية القديمة أو الحديثة.
إنها ليست في حاجة إلى أن تتبع مذهبا لواحد من قادة الدعوة في قرن من القرون سواء كان ذلك القائد في القرون السحيقة أو في القرن المنصرم.
إنما الحركة الإسلامية في حاجة إلى:
أ- إدراك أساليب الأعداء المعاصرين وهم:
- العلمانيون.
- الشيوعيون.
- الصليبيون.
- اليهود.
ب- وضع خطة تشمل مجال:
- التربية.
- والاقتصاد.
- ورياسة العمل العلمي بالجامعات.
- والنقابات المهنية والصناعية.
- والتجارية.
стр. 480
جـ- تحقيق مبادئ الإسلام من القرآن الكريم والسنة الإسلامية كحقيقة حضارية.
د- الابتعاد عن مجالات الاختلاف والجدل والتفرقة.
هـ- محاولة محاصرة التيارات المعاصرة وإفساد مفعول أساليبها.
وتحقيق ذلك سهل إذا:
أ- خلصت النية لله.
ب- لم تتخذ الدعوة وسيلة للإثراء وجمع المال، وطريقا للمناصب والشهرة والجاه.
стр. 481
الباب الثاني: الغايات ثمار العهد المكي وخاتمته
الفصل الأول: في العقيدة الإسلامية
لا إله إلا الله
مدخل
...
الباب الثاني: الغايات, ثمار العهد المكي وخاتمته:
الفصل الأول: في العقيدة الإسلامية
أ- لا إله إلا الله:
كانت معركة انتقال المجتمع المكي من الجاهلية إلى الإسلام -على الرغم من ضخامة المجابهة وطول الزمن- ذات أثر إيجابي أثمرت فيه الدعوة ثمارا طيبة بقيت ركائز للحياة الإسلامية حتى يرث الله الأرض ومن عليها وفي مقدمة هذه الثمار:
إثبات التنزيه والوحدانية لله ﷻ .
وإثبات النبوة والقرآن لسيدنا محمد ﷺ .
وأن البعث حق ... إلخ.
١- وأنه بالإضافة إلى ما عالجته في الباب السابق عند الحديث على منهاج التفكير ورأينا كيف أثبت القرآن الوحدانية لله ﷻ : وحدانية الذات والسلطان والتدبير، فإن القرآن الكريم قد عمق مناقشة هذه القضية مع مشركي العرب فلم ينته العهد المكي إلا وقد استقرت فكرة التوحيد في جلاء جلي ووضوح واضح، ولم يبق لمعاند فيها أدنى شبهة، وسأعتصم بإذن الله بقدر الإمكان بالجو القرآني المكي في عرض مناقشات القرآن الكريم للشبهات التي أثارها القوم.
стр. 482
لقد قالوا:
﴿وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ .
﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ ١.
﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢.
وادعوا أنهم ما يعبدونها إلا زلفى:
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٣.
والقرآن الكريم يفند هذه الدعوى في موجتين من المناقشة:
стр. 483
الموجة الأولى تتجه نحو ما يشركون به:
ماذا خلقوا من السموات والأرض؟
ماذا يملكون للبشر من ضرر أو نفع أو رزق؟
ماذا يملكون للبشر من شيء إن جاء عذاب الله؟
وآيات القرآن الكريم حول هذه الأسئلة كثيرة انتخب منها باقة ميسرة كنموذج يصور هذه الموجة التي جابه بها القرآن الكريم ادعاءات المشركين.
الموجة الثانية: في تسميتهم الملائكة بنات الله، وقالوا اتخذ الله ولدا
وقد ناقشهم القرآن الكريم في هذه المسألة من عدة جوانب.
الجانب الأول:
جانب تقاليدهم هم وعاداتهم فهل هم يستبشرون خيرا إذا بشر أحدهم بالأنثى؟
لقد وضح القرآن الكريم بل فضح أساريرهم الحزينة إذا بشر أحدهم بالأنثى يقول الله تعالى:
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ، وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١.
إنهم يعدون ولادة الأنثى محنة ويرونها مخلوقا له درجة دون درجة الذكر، ثم هم يدعون أن الملائكة إناث، وأنهم بنات الله، فمن أين جاءتهم هذه الأسطورة, وهم مع الرتبة الدون؛ لأنهم وهم خلق محتاج إلى بارئه الأجل الأعظم, لا يقبلون الأنثى لهم ذرية وامتدادا لحياتهم فهل اختار الله البنات وترك لهم البنين؟ استفتهم عن هذا الزعم السقيم المتهافت.
ويسترسل القرآن في تفنيد أسطورتهم حتى الخاتمة:
﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ، مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ، إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ، وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ١.
فينفي قدرتهم على أن يضلوا من عباد الله إلا من هو محسوب من أهل الجحيم, وإنهم عاجزون عن فتنة قلب مؤمن محسوب من الطائعين.
ولكل مقامه لا يتعداه.
فالملائكة عباد من خلق الله لهم وظائف في طاعة الرحمن، يصفون للصلاة، ويسبحون بحمد ربهم، ويقف كل منهم على درجته لا يتجاوزها, والله هو الله الملك القدوس ذو الجلال والإكرام٢.
стр. 492
ومثال آخر في حياتهم المعيشية, وهو مثل واضح حاسم لا مجال للجدل فيه:
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١.
وهو مثل شامل لكل ما كانوا يتخذونه شريكا من دون الله جنا أو ملائكة أو أصناما أو أشجارا.
إنهم -في العادة الغالبة- لا يرتضون أن يشركهم مواليهم في شيء مما تحت أيديهم من مال, ولا يسوون عبيدهم بأنفسهم في شيء أفليس من العجب أن يجعلوا لله شركاء من عبيده, وهو الخالق الرازق وحده؟
إنهم يأنفون أن يجعلوا لأنفسهم من عبيدهم شركاء في أموالهم التي هي منحة الله ورزقه الذي ساقه إليهم, أفليس من الضحك أن يأنفوا ذلك لأنفسهم ثم يشركون مع الله واحدا من خلقه؟ وتعبيرات القرآن الكريم دقيقة إنها تخطو بهم رويدا رويدا في ضرب هذا المثل: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ، فهو مثل قريب لا يحتاج إلى رحلة أو جهد في تدبره ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ ؟
فهم لا يرضون أن يشاركهم العبيد في شيء من الرزق فضلا عن المساواة بينهم في ملكيته.
стр. 493
إنهم لا يرضون ذلك لأنفسهم وإذن فكيف ترضونه في حق الله وله المثل الأعلى؟
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ١.
الجانب الثاني: السلطان الإلهي.
﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٢.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ، أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ٣.
"لو" مجرد فرض جدلي تفيد امتناع وقوع اللهو؛ لأن الله جل ثناؤه لم يرده أزلا, ولن يكون أبدا هناك لهو لأن الفعل منفي منذ الأزل
стр. 494
وهذا تقرير لحقيقة أساسية هي أن اختراع البشر شركاء من دون الله, ونسبتهم ذلك إلى الله تجرؤ لا يملكه العباد؛ لأن الله خلق الكون كله حسب علمه وإرادته, ولم تتوجه إرادة الله إلى مثل هذا اللهو, فلو كانت إرادة الله توجهت للهو ما احتاج الأمر إلى اقتراح لهو من العباد ينسبونه إلى ذاته المقدسة, وذلك استنكار لما وقع منهم, وتهكم بآلهتهم أن لها قدرة على شيء من نشر, إذ من أوليات صفات الإله أن ينشر الأموات من الأرض، فإن الخالقية صفة الله وحده ومن مظاهر الخالقية أن يبعث ما في القبور، وإذن فما قالوه:
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ .
انحراف عن الطريق السواء وتبجح لا يملكون له سندا.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.
لقد استقرت شهادة التوحيد؛ استقرت في الدليل واستقرت في الاعتراف واستقرت في صدور الذين آمنوا بها.
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ٢.
стр. 495
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٢.
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٣.
٢- تصحيح التدين:
ومن هذه الثمرة الأساسية "لتوحيد الله جل شأنه" تبدو ظاهرة "التدين الصحيح" كثمرة ملحقة بالثمرة الأولى، فإن القوم لم يكفروا بالله فهم يعتقدون أنه الخالق والرازق والنافع والضار ولكنهم اتخذوا طريقا منحرفا في العبادة أسرفوا في العقيدة حتى وسع إيمانهم مخترعات آبائهم وأجدادهم, فكانت الدعوة في هذا العهد المكي تحاول أن تردهم إلى طريق الله السواء٤.
﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ٥.
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ٦.