وروى الطبري عن العلماء في تفسيرها أقوالا تدور كلها حول "الصدقة الواجبة١.
وجاء في روح المعاني: لا نسلم أن الزكاة ما كانت واجبة في مكة، وعن الشعبي أن هذا حق في المال سوى الزكاة٢.
ولكن سورة "المؤمنون" فيها حديث عن الزكاة. يقول الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُون﴾ ٣.
وقد وضح ابن كثير معنى الزكاة في العهد المكي وتنظيمها في العهد المدني فقال:
الأكثرون على أن المراد ههنا زكاة الأموال مع أن هذه الآية مكية, وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبا بمكة. قال الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ٤. ا. هـ.
قال الشيخ الخضري: ومما فرض بمكة الزكاة, وقلما وجد من الأوامر المكية ذكر الصلاة إلا وبجانبه إيتاء الزكاة واستشهد بآية سورة الأنعام ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ , ثم قال: إلا أن هذه الحقوق
стр. 562
الواجبة لم تفصل بمكة, فقد كان ذلك موكولا لما في النفوس من الجود وبحسب حاجة الناس١. ا. هـ.
وتلك هي السنة الطبيعية للتشريع الإسلامي حتى في عهده المدني:
﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
قال الطبري في تفسيرها: عن ابن طاوس عن أبيه كان أهل الجاهلية يستحلون أشياء ويحرمون أشياء فقال الله لنبيه قل: لا أجد فيما أوحي إلي محرما مما كنتم تستحلون إلا هذا٣.
قال الآلوسي: فيه إيذان بأن طريق التحريم ليس إلا التنصيص من الله تعالى دون التشهي والهوى٤. ا. هـ.
فدل ذلك على أن الحصر هنا مراد به مواجهة المشركين الذين جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا. وحرموا وحللوا افتراء على الله وإلا فبقية الأحكام الملحقة بهذه الآية موكولة إلى السنة النبوية على نحو ما ذكر عن الإمام الشافعي ﵁ في كتاب الأم٥:
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
стр. 563
أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١.
لقد حرم الله في هاتين الآيتين الشرك مطلقا: شرك العقيدة وشرك الربوبية، شرك الإيمان وشرك الحاكمية، فإن القاعدة الرئيسية التي يقوم عليها التصور الإسلامي والإيمان السليم هي أن يعترف الناس بالألوهية والربوبية لله وحده، والربوبية: قوامة وتوجيه وتربية، والألوهية: خالقية وحاكمية، وواجب البشر أن يقرر ويستقر في قلبه أن الله وحده هو المتصرف، وإنه وحده هو المشرع وأنهم يجب عليهم أن يخضعوا لتشريعه في كل ما يأتون ويدعون٢.
стр. 564
إنها تنقية كاملة من أوشاب الشرك والخرافات, وتطهير من استعباد الحكم البشري وارتباط كامل بالله في كل لمحة وحين.
وبالوالدين إحسانا:
تأتي رابطة الأسرة بعد رابطة العقيدة تأتي رابطة الأسرة في رحاب الإيمان بالله والخضوع لربوبيته جل شأنه فهو أرحم بالناس من الآباء بالأبناء, ويوصي القرآن في العهد المكي برعاية الأسرة والأبناء, وينهي عن قتل الأبناء لخشية الفقر أو لوجوده فالمتكفل بالرزق هو الله، إن القرآن يريد أن يخلع من قلب البشر اتكالهم على التصور الأرضي في مفهوم الحياة، إن الحياة كلها تسير في ظل ربوبية الله، فلا ينبغي أن يتصرف الفرد من عند نفسه لشهوة أو فكرة أو ذكاء، فهو مأمور أن يخضع للسلطان الإلهي، وتأتي آيات جمة في هذا الموضوع:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ١.
﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
وحرم الله الزنا والفواحش كلها:
﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قال الطبري في تفسيرها عن السدي، أما ما ظهر منها فزواني الحوانيت، وأما ما بطن فما خفي.
وعن ابن عباس قال: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأسا في السر ويستقبحونه في العلانية, فحرم الله الزنا في السر والعلانية١، وإلى مثل هذا ذهب الآلوسي.
وفي القرآن المكي آيات مستفيضة في بيان حرمة الزنا، منها قال الله تعالى:
﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ٢.
﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ٣.
﴿وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ ٤.
تحريم القتل:
﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ .
هذه هي الجريمة الثالثة٥ يحرمها الإسلام منذ العهد المكي لقد حرم جريمة الشرك ففيه قتل للفطرة التي فطر الله الناس عليها.
стр. 567
وحرم جريمة الزنا وهي قتل للجماعة الإنسانية, ثم حرم الجريمة الثالثة وهي قتل الفرد.
ومعنى هذا أن الإسلام منذ فجره يحمي الإنسان من الاعتداء عليه في فطرته وأسرته وذاته حتى يضمن الطمأنينة والانطلاق الحيوي للإنسان في ظلال ربه وكنف دستوره لا يؤذى بشيء إلا حين يتعدى هذه الحدود التي شرعها الله له، فليس على الإنسان في الأرض وصاية إلا من عند الله وليس للإنسان أن يطيع أحدا إلا في الله ودمه محترم وتصرفاته مكفول لها التحرك ما دامت في حوزة الربوبية لله رب العالمين.
وتأتي آيات في السور المكية تقوي هذا الحكم "تحريم قتل النفس دون حد شرعي" يقول الله تعالى:
﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ ١.
﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ٢.
وبهذا فقد سبق الإسلام -لأنه وحي الله- جميع القوانين البشرية في تقرير حق الإنسان في الحياة وتأكيد كرامة الجنس البشري وارتفاع مكانته على سائر المخلوفات:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ٣.
стр. 568
في شئون المال:
﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ .
ما أظن أن الجماعة الإسلامية في مكة كانت قد بلغت حدا من التجمع يمكنها من تنظيم مجتمع له سيادة وحرية كاملة في إدارة شئونه، ومع هذا فإن رعاية اليتامى والحرص على تنمية أموالهم ﴿حَتَّى يَبْلُغََ أَشُدَّهُ﴾ كانت من الأحكام التي شرعها الإسلام في مكة وهي هي بمستواها المكي توجد في العهد المدني. يقول الله تعالى:
﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ ١.
وإذن فلا غرو أن قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي: ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم.
وفي هذا الجو من رعاية أموال اليتامى يقرر العهد المكي مبدأ أساسيا في سياسية الإنفاق وهو مبدأ "الوسط في النفقة" أو الاعتدال في تصريف الأموال أو الاقتصاد وعدم التبذير، وبذلك يحفظ الإسلام الجماعة الإسلامية من هزة اقتصادية سواء كان ذلك في عهد الرخاء والسراء أو في عهد الحاجة والضراء.
وتسبق الدعوة الإسلامية بهذا المبدأ جميع أنظمة الاقتصاد إذ حجم الإنفاق له دخل في المشكلة الاقتصادية، ولقد شاء الله تعالى أن يعلم المسلمين منذ اللحظة الأولى أن التوسط في النفقة يحمى المجتمع
стр. 569
الإسلامي من الضيق الاقتصادي يقول الله تعالى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ١.
﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ٢.
ولهذا جعل القرآن الكريم في العهد المكي هذا المبدأ من سمات المؤمنين يقول الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ٣.
وقد وضح القرآن في العهد المكي أن توزيع الأرزاق، ونسب الثراء موكل إلى الله جل شأنه وحده. يقول الله تعالى:
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٤.
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ ٥.
وتلك الحقيقة غابت عن أعين الاقتصاديين في العصر الحديث فباتوا يتخبطون في تخير مذهب لتوزيع الثروات، ولن يفلحوا أبدا.
стр. 570
ثم أكد لهم أن سيادة الأمة الإسلامية هي جزء من النشاط الإسلامي في تملكهم واستخدامهم خيرات هذه الأرض التي سخرها الله تعالى لهم. يقول الله تعالى:
﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ٣.
فدلت رسالة الإسلام بهذه الثمار اليانعة في العهد المكي -عهد التدريب والتربية والإعداد- على أن موقف الجماعة الإسلامية هو موقف السيد الجليل على هذا الكون الذي سخر له.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٤.
стр. 571
الوفاء والعدل والإحسان:
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١.
لقد كان الوفاء في الكيل والميزان بالقسط من أهم الأحكام الشرعية والأخلاقية التي قررها العهد المكي. يقول الله تعالى:
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٢.
وقد استفاضت السور المكية في شرح هذه الخلفية على لسان الأنبياء السابقين, ففي سورة الأعراف قال شعيب لقومه من مدين:
﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
وقال لهم في سورة هود:
﴿وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ ٤.
стр. 572
وقال لهم في سورة الشعراء:
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ، وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ، وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ .
وقد هدد الله المطففين وتوعدهم فقال جل شأنه:
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
وإذا قلتم فاعدلوا:
لقد جعل الإسلام منذ العهد المكي العدل أساسا للعلاقات والتعامل بين المسلمين وقد حرم شهادة الزور وبرأ منها الأخلاق الإسلامية يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ ٢.
إن العدل يكفل لكل فرد وكل جماعة قاعدة التعامل القائمة على الاستقرار والثقة البريئة من الميل مع الهوى، ولا تتأثر بالحب والبغض ولا تتبدل لعلاقة النسب والمصاهرة والغنى والفقر والضعف والقوة، إنما تمضي في طريقها تكيل بمكيال واحد للجميع وتزن بميزان واحد للجميع، لهذا جاءت الآيات المكية تقرر العدل قاعدة للعلاقات الإسلامية. يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٣.
стр. 573
وهذا العدل الذي يدعو إليه القرآن في العهد المكي متفق مع عالمية الإسلام نفسه، فقد جاء القرآن الكريم لينشئ أمة وسطا وقيما ربانية وموازين ثابتة للإنسانية كلها "إنسانية واحدة" بعيدا عن التعصب لقبيلة أو أمة أو جنس، إنما هي آصرة واحدة ورابطة فريدة, "لا إله إلا الله محمد رسول الله", يجتمع عليها الأسود والأبيض والأحمر والأصفر من أجل تحقيق العبودية الكاملة نحو الله رب العالمين١.
ومن ثم كان الأمر بالعدل هو الأساس الذي ضمن به الإسلام منذ العهد المكي سلامة الآصرة التي تحقق للناس جميعا انتظام العلاقات على أساس متين ﴿وِإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ .
ويهتم الإسلام بالإحسان ففيه تلطيف من صرامة العدل الجازم ما لم تنتهك محارم الله, وهو باب مفتوح لقاعدة الإيثار والود ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ , ففي الإحسان مجال للتسامح في بعض الحقوق وتشريع لمستوى خاص من الأخلاق للذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وهو تشريع لمن شاء أن يأخذ بالرحمة، وهو أسلوب في التعايش والأخذ والعطاء، وتبادل المنافع والحقوق والواجبات، ثم هو عنصر التكافل الاجتماعي وآصرة إيتاء ذي القربى والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي.
وقد كان الوفاء بالعهد منذ العهد المكي قبل أن تولد الدولة الإسلامية وتعقد مع جيرانها معاهدات والتزامات, كان خلقية يُسأل
стр. 574
عنها الفرد المسلم وقد عُني به القرآن الكريم أيما عناية يقول الله تعالى:
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ١.
﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ ٣.
ويجعل العهد صفة من صفات المفلحين:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون﴾ ٤.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون﴾ ٥.
لقد تشادّ الإسلام في مسألة الوفاء بالعهود منذ العهد المكي، فلم يتسامح فيه أبدا، لأن الوفاء بالعهد قاعدة الثقة التي ينفرط بدونها عقد الجماعة وينهدم صرحها.
وبذلك فقد ضمن القرآن المكي للجماعة الإسلامية أسس الحياة الصحيحة, وكانت ثمار العهد المكي سواء كانت قواعد كلية كما يقول الكاتبون٦ في تاريخ التشريع, أو كانت أحكاما تنظر تدرجها على سنة
стр. 575
المنهاج القرآني فقد كانت ثمارا مرتبطة بالعقيدة كدستور للتعاشر الإنساني كله في كل زمان ومكان.
ولم تنتقل الدعوة من مكة إلا وقد زرعت في أرض خصبة مجموعة المبادئ الإسلامية التي تشكل القانون الإلهي للإنسان حيث يكون.
المسئولية والتوبة:
كان العهد المكي عهد بناء للتصور الإسلامي الذي يحدد أبعاد المعركة التي يخوضها المسلم ليحقق عبوديته لله جل شأنه, ومع أن نظام الدولة بعد لم يكتمل له مقومه من مجتمع وحكومة وأرض يقوم عليها المجتمع وحكومته لرعاية هذا النظام الرباني, فإن الدعوة الإسلامية في مكة كانت تعلم المسلمين أبعاد المسئولية, وتدربهم على العودة إلى الله دائما في كل وقت وحين، فكانت آيات القرآن المكي دروسا مفيدة في تربية الجماعة الإسلامية على تحمل المسئولية, وهي عنصر أساسي، للجهاد في سبيل الله الذي بدأ بإعلان الصبر, وتحمل المشاق في مواجهة غضبة كاذبة محمومة من المعتدين الجاهلين.
في المسئولية:
وحول المسئولية يقول الله تعالى:
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ١.
стр. 576
﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ١.
﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٢.
﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ٣.
﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ٤.
﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٥.
ولئن كانت هذه الآيات تصور المسئولية في الدنيا والآخرة، فإن القرآن يقرر أن مبدأ هذه المسئولية, هو مبدأ ديني منذ بعث الله للناس رسلا يهدونهم إلى الصراط المستقيم. يقول الله تعالى:
﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ ٦.
стр. 577
فهو دين موصول أوله بآخره, ثابتة أصوله وقواعده, يصدق بعضه بعضا على توالي الرسالات والرسل وتباعد المكان والزمان, فهو في صحف موسى, وهو في ملة إبراهيم قبل موسى, هو هو لا تحمل نفس حمل أخرى لا تخفيفا ولا تثقيلا, ولا تملك نفس أن تتطوع, فتحمل عن غيرها شيئا من أثقالها:
﴿كَلَّا لَا وَزَرَ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ، يُنَبَّأُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ، بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ١.
فلا مفر فإنما هو الحساب والجزاء والتذكير لمن ينسى، سوف يذكر بما قدم وأخر، وسوف لا يقبل منه اعتذار فقد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، فعلى كل فرد أن يهدي نفسه إلى الخير ويقودها إلى النجاة.
التوبة:
ومع هذه الصرامة في إدراك مدى المسئولية في الدنيا والآخرة, فإن الله وهو البر الرحيم يفتح أبواب التوبة لمن أناب إليه إن عائدا من ذنب أو راغبا في تقرب. يقول الله تعالى:
﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ١.
وتقرر الآيات في سورة هود أن التوبة مبدأ ديني رحم الله به عباده وبلغته رسله وأنبياؤه إلى الناس. يقول الله تعالى:
﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ٢.
هكذا قال هود لقومه عاد.
وقال صالح لقومه ثمود:
﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ٣.
وقال شعيب لقومه مدين:
﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ ٤.
هذه التوبة من الذنوب قررها الوحي كمبدأ, وبلغها الأنبياء كما قررت ذلك آيات سورة هود، وكان سيدنا نوح قد علم قومه ذلك من قبل. يقول الله تعالى:
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ ٥.
стр. 580
ومع هذا فإن التوبة ليست من الذنب فقط، فقد تكون طاعة لله وتعبدا لجلاله, توحي بذلك الآية الكريمة في سورة المزمل:
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ١.
فالتوبة هنا لمسة التخفيف الندية تمسح على التعب والمشقة بالحنان والرأفة، وهي دعوة التيسير الإلهي على النبي الكريم ﷺ وعلى المؤمنين معه وقد علم الله منهم خلوصهم لطاعته, فهي توبة لا عن ذنب بل عن طاعة، صبروا عليها حتى انتفخت أقدامهم من القيام الطويل بالليل, فعطف ربهم عليهم وخفف عنهم وهو وحده الذي يقدر الليل والنهار, فيطيل ويقصر في أحدهما, والمؤمنون مع هذا ماضون على ما هم عليه من قيام الليل: نصفه أو ثلثه, وربهم لا يريد بهم العنت ولا المشقة٢, فتاب عليهم بعد أن تزودوا بالطاعة, وتدربوا على المشقة في عبادته, مع الحب فيها والرغبة إلى التقرب من جلاله، فكانت التوبة هنا في هذا الفجر الصادق من العام الأول لحياة الدعوة إيحاء بأن التوبة طاعة ورحمة وحنان وأنس من الله لبعض أوليائه المخلصين في طاعته، ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
стр. 581
هكذا يقدم العهد المكي مجموعة من المبادئ والنظم والأحكام والأخلاق التي تهيئ الجماعة الإسلامية لحمل رسالة الله, وقد قدمت بسلوكها دليلا عمليا في الفكر والتطبيق على أن دين الله هو قانونه الذي ارتضاه للبشر؛ ليؤدوا رسالتهم نحو ربهم كما تؤدي وحدات الكون كله رسالتها حسبما شرع الله لها من قوانين.
وموجز ما أثمرت الدعوة الإسلامية في مكة من غايات على غرار ما سلف بيانه:
أولا: حصر السلطة التشريعية في الوحي وتفويض رسول الله ﷺ في تبيين ما نزل إلى الناس.
وهذا يستدعي إلغاء سلطة البشر في التحليل والتحريم, ورفض كل دعوى يدعيها البشر أنهم حللوا أو حرموا بإذن من الله افتراء عليه.
ثانيا: أن العهد المكي امتاز بمجموعة من الأحكام بعضها له صفة الحكم الشرعي الثابت كتحريم ما ذبح على النصب ما لم يذكر اسم الله عليه.
وبعضها احتاج إلى تفصيل أو اكتمال بعض أجزائه حسب نمو الجماعة الإسلامية مثل الصلاة والزكاة والصوم, فهي أحكام شرعية واجب على المكلف أن يفعلها غير أن عدد الصلاة في اليوم والليلة وعدد ركعات كل صلاة يحتاج إلى تفصيل يأتي فيما بعد, والزكاة والصوم كذلك هي أحكام واجبة، غير أن أنواع الزكاة ومقدارها وأيام الصوم الواجبة لما تحدد بعد، وتلك سنة الله في تربية الجماعة الإسلامية وبنائها وإعدادها.
стр. 582
كذلك حرم الزنا ما ظهر منه وما بطن، أما الآثار المترتبة عليه مما يحتاج إلى سلطة حكومية لم توجد بعد في فترة العهد المكي فقد انتظرت مناسبتها هناك في المدينة المنورة أما الحكم فهو هو الزنا حرام البتة.
وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق حكم شرعي ثابت مستقر, وبقي ما يستتبعه هذا التشريع من آثار عندما يوجد المجتمع الذي يحتاج إلى ما يستتبعه هذا الحكم من تفصيل أو عقوبات.
وحرم الله مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن وهو نفس الحكم الذي فصلته سورة النساء, فالحكم بحرمة التصرف في أموال اليتامى بغير حق ثبات والتصرف فيها بالحق قررته سورة النساء.
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ ١.
وهذا شرح وتفصيل لقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ .
فالتصرف بالتي هي أحسن مأذون فيه وذلك ما وضحته سورة النساء. و ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ تبيان للمرحلة التي لا ينبغي أن يسلط الولي يده في التصرف في أموال اليتامى، وذلك ما قررته الآيات في العهد المكي.
стр. 583
والوفاءُ بالعهد. وإقامة العدل أحكام قررها الإسلام في العهد المكي واستقرت على ما هي عليه في العهد المدني.
وكذلك رعاية الأسرة والأبناء له مثل هذا المستوى والتفصيل في سورة النور الذي يتعلق بالعورة, ومخالطة الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم بالوالدين ... إلخ, إنما استلزمته الحياة الإسلامية في المدينة حيث استقرت الأسرة الإسلامية في كنف الدولة الإسلامية التي قامت واستقرت بعد فتح مكة حيث زال الشرك نهائيا, ولم يبق إلا تأمين الحدود على الدولة الشابة ثم الانطلاق لتبليغ الرسالة إلى الأمم المجاورة.
والمسئولية التي قررها العهد المكي هي هي كما جاءت في العهد المدني وكذلك التوبة بجانبيها: توبة من الذنب، وتوبة للطاعة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين﴾ ١.
قال الإمام الشاطبي:
المشروعات المكية وهي الأولية كانت في غالب الأحوال مطلقة غير مقيدة وجارية على ما تقتضيه مجاري العادات عند أرباب العقول, وعلى ما تحكمه قضايا مكارم الأخلاق من التلبس من كل ما هو معروف عن كل ما هو منكر في محاسن العادات فيما سوى ما العقل معزول عن تقريره جملة من حدود الصلاة وما أشبهها, فكان أكثر ذلك موكولا إلى أنظار المكلفين في تلك العبادات ومصروفا إلى اجتهادهم
стр. 584
ليأخذ كل بما لاق به وما قدر عليه من تلك المحاسن الكليات، وما استطاع من تلك المكارم في التوجه بها للواحد المعبود من إقامة الصلوات فرضها ونفلها حسبما بينه الكتاب والسنة، وإنفاق الأموال في إعانة المحتاجين ومواساة الفقراء والمساكين من غير تقدير مقرر في الشريعة، وصلة الأرحام قربت أو بعدت على حسب ما تستحسنه العقول السليمة في ذلك الترتيب ومراعاة حقوق الجوار, وحقوق الملة الجامعة بين الأقارب والأجانب, وإصلاح ذات البين بالنسبة إلى جميع الخلق, والدفع بالتي هي أحسن، وما أشبه ذلك من المشروعات التي لم ينص على تقييدها بعد، وكذلك الأمر فيما نهى عنه من المنكرات والفواحش على مراتبها في القبح, فإنهم كانوا مثابرين على مجانبتها مثابرتهم على التلبس بالمحاسن، فكان المسلمون في تلك الأحيان آخذين فيها بأقصى مجهودهم وعاملين على مقتضاها بغاية موجودهم, وهكذا بعدما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة.
إلا أن خطة الإسلام اتسعت ودخل الناس في دين الله أفواجا ربما وقعت بينهم مشاحنات في المعاملات ومطالبات بأقصى ما يحق لهم في مقطع الحق، أو عرضت لهم خصوصيات ضرورات تقتضي أحكاما خاصة أو بدت من بعضهم فلتات في مخالفة المشروعات وارتكاب الممنوعات، فاحتاجوا عند ذلك إلى حدود تقتضيها العوارض الطارئة، ومشروعات تكمل لهم تلك المقدمات، وتقييدات تفصل لهم بين الواجبات والمندوبات والمحرمات والمكروهات، إذا كان أكثرها جزئيات "يعني إضافية" لا تستقل بإدراكها العقول السليمة فضلا عن غيرها
стр. 585
فأنزل الله تعالى ما بين لهم كل ما احتاجوا إليه بغاية البيان تارة بالقرآن وتارة بالسنة, فتفصلت تلك المجملات المكية, وتبينت تلك المحتملات وقيدت تلك المطلقات، ليكون ذلك الباقي المحكم قانونا مطردا واصلا مستنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وليكون ذلك تماما لتلك الكليات المقدمة, وبناء على تلك الأصول المحكمة فضلا من الله ونعمة، فالأصول الأولى باقية لم تتبدل ولم تنسخ لأنها في عامة الأمور كليات ضروريات, وما لحق بها وإنما وقع النسخ أو البيان على وجوهه عند الأمور المتنازع فيها من الجزئيات لا الكليات, وهذا كله ظاهر لمن نظر في الأحكام المكية مبينة على الاتصاف من النفس, وبذل الجهد في الامتثال بالنسبة إلى حق الله أو حقوق الآدميين، وأما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحات والرخص والتخفيفات, وتقرير العقوبات في الجزئيات لا الكليات, فإن الكليات كانت مقررة محكمة بمكة, وما أشبه ذلك مع بقاء الكليات المكية على حالها, ولذلك يؤتى بها في السور المدنية تقريرا وتأكيدا, فكملت جملة الشريعة والحمد لله بالأمرين, وتمت واسطتها بالطرفين١.
هكذا يقرر الشاطبي أن الأحكام في مكة كانت كلية؛ فالصلاة حكم شرعي كلي، والصوم حكم شرعي كلي، والزكاة حكم شرعي كلي، بمعنى أنه يحتاج في المستقبل إلى تفصيل غير أنه يؤخذ على تعبيرات الشاطبي أنه ذكر أن تنفيذ هذه الأحكام كان موكولا إلى اجتهادهم
стр. 586
وهذا لا يتفق مع غاية التشريع في العهد المكي الذي رفض أن يكون للبشر سلطة تشريعية, والأليق أنه كان يقول: ومصروف ذلك إلى طاقتهم ليأخذ كل بما لاق به، إذ إن هذه الطاقة التي تربى عليها سيدنا أبو بكر وعمر وعثمان قد دربتهم على التبرع السخي في سبيل الله حتى بعد فرض الزكاة, فسيدنا أبو بكر ﵁ تبرع بكل ماله في غزوة العسرة, وعمر تبرع بنصف ماله, وعثمان جهز ثلث الجيش١, فغاية العهد المكي من تشريع الزكاة هي تدريب الطاقة المؤمنة في نفس الفرد المسلم على مثل هذا التصرف عندما تحل الدولة المسلمة أزمة يجد المسلم طاقته فوق تنفيذ الحكم الشرعي الذي لا يسعفه الدولة أو المجتمع في ظروف الحرج والضيق والشدة.
كذلك فإني لا أوافق على تعبير الإمام الشاطبي: "على حسب ما تستحسنه العقول السليمة في ذلك الترتيب إذ ليس للعقل في مجال الشرع استحسان أو استقباح, وإنما مجاله التنفيذ والخضوع".
وهذا هو مراد الإمام الشاطبي: إن الأحكام التي شرعت مطلقة في العهد المكي وترك تنفيذها لدى الجهد للفرد المسلم, وخضوع عقله للنص الشرعي, وهذا ما شرحه بعد إذ يقول:
"وإذا نظرت إلى أوصاف النبي ﷺ وأفعاله تبين لك فرق القسمين وبين ما بين المنزلتين، وكذلك ما يؤثر من شيم الصحابة وانصافهم بمقتضى تلك الأصول وعلى هذا القسم
стр. 587
عول من شهر من أهل التصوف, وبذلك سادوا غيرهم ممن لم يبلغ مبالغهم في الاتصاف بأوصاف الرسول وأصحابه، وأما غيرهم ممن حاز من الدنيا نصيبا فافتقر إلى النظر في هذه الجزئيات، والوقائع الدائرة بين الناس في المعاملات والمناكحات فأجروها. بالأصول الأولى على حسب ما استطاعوا وأجروها بالفروع الثواني حين اضطروا إلى ذلك فعاملوا ربهم في الجميع ولا يقدر على ذلك إلا الموفق الفذ"١.
ويمضي الإمام الشاطبي في بيان استمساك الصحابة بتنفيذ هذه المبادئ الكلية كأحكام شرعية مقررة, فيقول:
"كان المسلمون قبل الهجرة آخذين بمقتضى التنزيل المكي على ما أداهم إليه احتياطهم, فسبقوا غاية السبق حتى سمعوا السابقين بإطلاق، ثم لما هاجروا إلى المدينة، لم تزحزحهم الرخص المدنيات عن الأخذ بالعزائم الكليات, ولا صدهم عن بذل المجهود في طاعة الله ما منعوا به من الأخذ بحظوظهم, وهم منها في سعة ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ , فعلى تقرير هذا الأصل من أخذ بالأصل الأول واستقام فيه كما استقاموا فطوبى له, ومن أخذ بالأصل الثاني فبها ونعمت، وعلى الأول جرى الصوفية الأول، وعلى الثاني جرى من عداهم، ومن هنا يفهم شأن المنقطعين إلى الله فيما امتازوا به من نحلتهم المعروفة.
فإن الذي يظهر لبادئ الرأي منهم أنهم التزموا أمورا لا توجد عند العامة، ولا هي مما يلزمهم شرعا, فيظن الظان أنهم شادّوا على أنفسهم
стр. 588
وتكلفوا ما لم يكلفوا ودخلوا على غير مدخل أهل الشريعة، وحاشا لله ما كانوا ليفعلوا ذلك، وقد بنوا نحلتهم على اتباع السنة، وهم باتفاق أهل السنة صفوة الله من الخليقة، لكن إذا فهمت حالة المسلمين في التكليف أول الإسلام, ونصوص التنزيل المكي الذي لم ينسخ، وتنزيل أعمالهم عليه تبين لك أن تلك الطريق هي التي سلك هؤلاء, وباتباعها عنوا على وجه لا يضاد المدني المفسر, فإذا سمعت مثلا أن بعضهم سئل عما يجب من الزكاة في مائتي درهم فقال: أما على مذهبنا فالكل لله وأما على مذهبكم فخمسة دراهم، وما أشبه ذلك علمت أن هذا يستمد مما تقدم, فإن التنزيل المكي أمر فيه بمطلق إنفاق المال في طاعة الله, ولم يبين فيه الواجب من غيره١.
أقول على هامش الموضوع: ومن هنا كانت دعوة أبي ذر الغفاري ﵁, ومن هنا تأثر أبو ذر بالعهد المكي, فقال بوجوب إنفاق الفائض في سبيل الله، وليس دون ذلك مؤثر أو دافع له على دعوته.
هكذا شاء الله جل شأنه أن تكون أغلب الأحكام الشرعية في هذا الطور المكي كلية عامة لتربي الجماعة الإسلامية على أبعد مدى يفهم من الحكم الكلي، ولتدخر هذه الطاقة التي دربوا عليها لمستقبل الأمة يوم نحتاج إلى ذلك.
وبهذا يسبق الإسلام جميع نظريات علم الاجتماع, والقانون البشري التي تتحدث عن السلطة في المجتمع, فلم يشاء الله تعالى أن ينزل التشريع الإسلامي مفصلا، ليختزنه المسلمون حتى يطبق مرة واحدة بمجرد النقلة
стр. 589
إلى المدينة وقيام الدولة الإسلامية في طابة فإن هذا المسلك ليس منهاجا للقرآن ولا للإسلام, فإن الإسلام لا يفترض المشكلات افتراضا, ثم يقدم لها الحلول.
ولكنه يواجه الواقع حيث يكون, ويهذب الأمة في المجتمع حين يوجد المجتمع, ويتكون من اللبنات الصالحة التي يربيها على الأكمل والأمثل من الخلق والفهم والإدراك والعقيدة الصافية، وبناء المجتمع الإسلامي لا يقوم بصيحة أو بتكوين سياسي إنما يقوم صرحه على العقيدة والأخلاق, فمتى استقرت لا إله إلا الله محمد رسول الله في الأعماق الغائرة استقر بها في نفس المؤمن النظام الذي تتمثل فيه هذه العقيدة, وتغذيه بنظامها الذي ترتضيه النفوس وتستسلم له حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلات هذا النظام، فالمطلوب أولا هو الاستسلام لله، وبمقتضى هذا الاستسلام بالرضى والقبول والانشراح لا تجد صدور المسلمين حرجا فيما فرض لله عليهم بعد ذلك، ولا تتلكأ الجماعة الإسلامية في تنفيذ ما حلل لها أو حرم عليها فيما بعد.
وهكذا نجح الإسلام في العهد المكي بخلق هذا الاستسلام يغرس لا إله إلا الله محمد رسول الله كأساس للحياة يتقبل معه المسلمون كل ما يشرعه الله من حلال أو حرام.
وهكذا كان هذا العهد المكي عاملا مساعدا في بناء المجتمع الإسلامي فيما بعد بالمدينة, ونجاحه في إلغاء الخمر والربا والميسر والرق والتقاليد الجاهلية كلها، دون مضاعفات تهز المجتمع أو ثورات تشوشر على التشريع أو تكره الناس في القانون نفسه.
стр. 590
لقد نجح الإسلام في المدينة في محاربة هذه الأمراض دون كثير من الجهد والسلطة والإعلام كما تفعل الحكومات الأرضية الحديثة؛ ذلك لأن ثلاثة عشر عاما كانت تجاهد فيها الدعوة الإسلامية لخلق إيمان في صدور الجماعة الإسلامية يملك على المسلمين كل شيء في صدورهم وجوارحهم ويستسلمون لله رب العاملين, وهم راغبون إلى الله مؤتنسون برضوانه، وقد تدربوا على سمو كامل من الخلق والأحكام التي تقبلوها بكلياتها فربت فيهم الطاعة إلى غير ما حدٍّ, ما دام ذلك يرضي الله ورسوله وجماعة المسلمين.
ومن هنا فإن الدعوة الإسلامية في العصر الحديث ينبغي أن ترجع إلى هذا المنهج حيث تعمل على إيجاد "لا إله إلا الله" في الصدور كنور يجذب الوجدان والأعضاء إلى خضوع كامل للسلطان الإلهي، ورغبة جياشة في الخضوع لتشريع الله وحده, وإنكار كل سلطان بشري ونظام أرضي يريد أن يفتن الناس عن هذا الصراط المستقيم.
إن القلوب يجب أن تخلص لله أولا وتعلن عبوديتها لجلاله وحده, وتقبل عن حب ورغبة في قبولها شرعه على ما يريده ويشاؤه وترفض أي شرع آخر غيره من ناحية المبدأ والموضوع والغاية، فإذا ما اكتمل لهذا التصور أبعاده في القلب والسلوك قامت الجماعة الإسلامية١ التي تخاطب بتفصيلات ذلك الشرع لتنفذه برغبتها المنبثقة من إخلاصها في العبودية لله وحده، والتحرر من ربقة السلطان البشري، وذلك ما ينبغي أن تتوجه إليه الدعوة الإسلامية في العصر الحديث لا سيما في
стр. 591
جنوب شرقي آسيا حيث توجد مع النعرة الإسلامية الدائبة في الصباح جحافل الأصنام التي تعبد من دون الله، دون أن تسمع صيحة واحدة "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" , وكسروا الأصنام واعبدوا الله ربكم وحده لا شريك له.
إنها صيحات خرساء مشوبة بعواطف ممزوجة بكثير من الطيش، "نريد دولة إسلامية" والأكثرية هنا بوذية رسمية يحميها القانون والمجتمع الذي يعبدها من دون الله.
ما أحوج الأمة الإسلامية إلى العودة إلى هذا المنهاج حتى تستعيد من جديد ذاتيتها: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ١ " ,
وليت شعري لو أنصف المتحمسون للدعوة الإسلامية هنا في جنوب شرقي آسيا، فأخذوا أنفسهم بعهد مكة الجليل فكسروا الأصنام، وربوا جماعة الإيثار، واتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم وصبروا حتى تعلو كلمة الله، وتنظف الشوارع والحدائق والبساتين والحقول من قصور الأصنام، ويسمع الوجود كله نداء خاشعا تستجيب له القلوب والعقول.
إنه لا إله إلا أنا فاعبدون، فذلك أنقع للإسلام من الخبط السياسي المشبوه.
стр. 592
بدء التدرج في الأحكام:
جـ- بدء التدرج في أحكام تتعلق بنظام المجتمع الإسلامي مستقبلا:
على طبيعة المنهاج القرآني في التربية والبناء حيث يأخذ النفوس
بالهوينى، ويربت عليها بالحنان، ويقودها إلى السعادة في رفق يخطو بها واحدة واحدة، ويسير معها رويدا رويدا لا يفاجئها ولا يكرهها، ولكنه يمهد ويقدم ويخطو, ثم يعلو بها قليلا قليلا حتى تكتمل الدوحة، ويزهر البستان، وينتج الثمر المبارك، وتؤتي الحديقة أكلها بإذن ربها، تلك هي طبيعة المنهاج القرآني في البناء والتأسيس وتبليغ الدعوة وبناء الجماعة، وقد شاء الله تعالى أن يمهد للتشريع منذ العهد المكي، يمهد للتشريع الذي يعالج قضايا المجتمع فإن معنى الدخول في الإسلام هو قبول التقاليد والعادات الإسلامية التي سيبدل الله بها تقاليد وعادات الصناعة البشرية التي قامت على تصورات ليس لله فيها نصيب.
والدخول في الإسلام هو دخول في نظامه ورضا بكل ما جاء به, وقبول لكل ما ينهى عنه وفي المستقبل سوف يقوم مجتمع رباني تبنى لبناته في مكة, وسوف يحتاج هذا المجتمع إلى تغيير في التقاليد الموروثة عن الجاهلية التي زعمت أن لها حقا في التشريع للأخلاق والعبادة، وكان في أمس ما يحتاجه المجتمع مستقبلا القضاء على ثلاثة أمراض اجتماعية وهي:
الخمر، والربا، والرق.
وكان لا بد للجماعة الإسلامية في مكة أن تتهيأ منذ حياتها الأولى, وهي قوية التمسك بالعقيدة، وهي شديدة التمسك بشهادة التوحيد, وهي عزيزة قوية في صبرها على مجابهة المبغضين للربانية التي حققوها بالخضوع للمنهاج الإسلامي، كان لا بد وأن تعطي صورة ما عن
стр. 593
مستقبل هذه الأمراض الثلاثة, فجاءت الآيات القرآنية في مكة تمهد لذلك وتهيئ العقول لخطوات تثري فيما بعد.
الخمر:
أما فيما يتعلق بالخمر يقول الله تعالى:
﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١.
فيلقي ظلالا ذات معنى رفيع على الثمرات المنبثقة عن الحياة التي وهبها الله بالماء الذي أنزله من السماء، ثم يتخذ الناس منه سكرا ورزقا حسنا فيلمح إلى أن الرزق الحسن غير الخمر، وأن الخمر ليس لها نصيب من الاتصاف بالرزق الحسن، والعربي يفهم أن في المعاريض مندوحة عن التصريح, فيلحظ من خلال تفيؤ ظلال هذا المعنى أن هذه توطئة لحكم سيأتي، ويرشح لهذه التوطئة لفظ ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ فالسكر من الثمرات الطيبات, فيه تدخل إرادة الإنسان وهو مشاهد معروف، وعجز الآية ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ مرشح ثان يفيد أن هذه التوطئة للحكم القادم, إنما يلحظها ويدركها العاقلون الذين يدركون أن الله الذي صنع لهم هذا الرزق, ووهبهم أسباب الحياة, هو الذي يستحق العبودية لجلاله وحده٢.
يقول فضيلة المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز:
ذلك أن القرآن في معالجته لهذه الأمراض المزمنة لا يأخذها بالعنف والمفاجأة بل يتلطف في السير على مراحل مترتبة متصاعدة.
стр. 594
كلنا نعرف ما كان منه في شأن الخمر، وأنه لم يبطله بجرة قلم بل لم يحرمه تحريما كليا إلا في المرحلة الرابعة من الوحي، أما المرحلة الأولى التي نزلت في مكة, فإنها رسمت الوجهة التي سيسير فيها التشريع، وأما المراحل الثلاث التي نزلت بالمدينة, فكانت أشبه بسلم أولى درجاته بيان لآثار الخمر، وأن إثمه أكبر من نفعه ... إلخ١.
فالعقلية الإسلامية وهي في حرارة العقيدة تتحمس لقانون الله تدرك أن السكر في أقل درجاته لا يستحق أن يوصف بالرزق الحسن إنه إنتاج صناعة بشرية تدخلت فيه إرادة البشر, فمنعته من هذا الوصف الجميل, وقد أنشأ الإسلام مزاجا ومذاقا خاصا عند الجماعة الإسلامية في مكة جعلها تتأفف من كل شيء لا يذكر اسم الله عليه، فهي عندما تسمع هذه المقابلة قد يتهيج مزاجها فتتأفف من السكر لأنه ليس رزقا حسنا، وتبقى المسألة هكذا في الحسن والتذوق والمزاج حتى تثري بعد ذلك الخطوات التالية في العهد المدني الحازم.
الربا:
كان من عادة الجاهلية تنمية أموالهم عن طريق الربا, وهذا الربا به نوعان٢: ربا البيع، وربا الهدية, فكان بعضه يهدي جزءا من ماله إلى الأغنياء الأثرياء طمعا في أن ترد له الهدية مضاعفة، نوع من أساليب تنمية المال في الجاهلية, ولفظ الربا عام يشمل أنواعه كلها, وهو عمل ممقوت أخلاقيا واجتماعيا واقتصاديا؛ لأنه يجعل الحياة جيفة
стр. 595
يتقاسمها المتصارعان عليها من أرباب الملكية وعمال الصناعة أو من الغني المرابي والفقير المضطر، إنه نظام عقيم لا يلد، وهو نظام لا يحترم أخوة ولا عطفا ولا إنسانية، فهو نظام فاسد من كل وجه قل أو كثر، إنه عقيم رديء لا بركة فيه ولا خير.
ومنذ العهد المكي والقرآن يحاول بطريقته الهادئة الرقيقة أن يحث الناس بأن طريق الربا طريق فاشل غير مرغوب فيه دينيا من الله ، كأسلوب تتعامل به الجماعة الإسلامية وجاءت آية الروم تنفي في صراحة أن الربا مرضي عنه من الله تعالى، يقول الله تعالى:
﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ١.
فنفت الآية الكريمة أسلوب التعامل الربوي كنظام لتنمية المال ووضعت بديلا مباركا هو الزكاة فإن العقيدة التي ما زالت حارة في نفوس القوم تحملهم على إدراك أبعاد ﴿وَجْهَ اللَّهِ﴾ إنه غايتهم القصوى وأمنيتهم العزيزة ورجاؤهم الفريد, وما دامت الزكاة هي التي ستقربهم من غايتهم وأملهم ورجائهم, فكم تكون فرحتهم وكم يكون تسارعهم إلى الامتثال؟
وكذلك كم يكون بغضهم للربا وكرههم للمرابين؟
وبذلك تتهيأ النفوس المؤمنة الصادقة لاستقبال خطوات الحكم الحازم الأخير في الربا وهي مستسلمة راضية قريرة العين مطمئنة الفؤاد، قوية الاعتقاد والثقة والطمأنينة بالله العلي العظيم.
стр. 596
الرق:
﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ١.
لقد كان الرق عاما في الجزيرة العربية وفي العالم كله, وحياة الأرقاء كانت تعاني من قسوة الأسياد الجبابرة، والدعوة الإسلامية دعوة أعلنت تكريم الإنسان ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ٢.
ولكن الرق مشكلة عالمية إنه مشكلة اجتماعية ومشكلة أخلاقية كذلك, وسوف يلغيه الإسلام في المستقبل، سوف لا يسمح به الإسلام في دولته ومجتمعه القادم, فأعلن منذ العهد المكي أن العقبة التي تتحول بين المؤمن والجنة هي فك الرقبة.
وقد سبق سيدنا أبو بكر إلى اقتحام هذه العقبة, فأعتق الذين أسلموا من موالي الطغاة.
لقد كان ﵁ الأول دائما في اقتحام العقبات، ولقد كانت الملابسات الحاضرة في البيئة تجعل من العمل قاعدة لوثبات اقتحام العقبة في سبيل الله.
أما الأحكام المتعلقة بالعتق والآثار المترتبة عليه وروافد القضاء عليه والتخلص منه, فتلك مكملات سوف يتعهد بها العهد المدني, ويومها لن يجد المسلمون خصاصة ولا حرجا ولا ضيقا به, إنهم سوف يتسابقون على اقتحام العقبة وفك الرقبة حسبة وابتغاء وجه الله الكريم.
стр. 597
ثانيا: في الجماعة الإسلامية
بدأ سيدنا رسول الله ﷺ في تكوين الجماعة الإسلامية بمكة لتكون النواة والأساس والركيزة للمجتمع الإسلامي في المستقبل، وحين بدأ الرسول الأمين الخاتم ﵊ تربية هذه الجماعة كان يعلم أن مدى رسالته وهدفها هو القضاء على الجاهلية في كل اتجاهاتها وفي كل أمكنتها وأزمنتها, ومن ثم فقد أعد هذه الجماعة على مفهوم عالمية هذا الدين, لقد رباهم بالقرآن الكريم على وحدة الدين ووحدة الرسالة ووحدة المؤمنين في كل زمان ومكان.
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ ١.
وكانت التربية على هذه الوحدة من العمق والاستجابة بحيث كانت الجماعة الإسلامية تحس بالحب لجميع أهل الكتاب.
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ٢.
стр. 598
وبهذه العالمية قضى الرسول ﷺ على العصبية الجاهلية في نفوس المؤمنين وجعل آصرة العلاقة ورباط الود "لا إله إلا الله محمد رسول الله" مهما اختلفت اللغات والأوطان والجنسيات.
وهذه التربية على مفهوم العالمية للجماعة الإسلامية هي الأساس الأصيل الذي تقوم عليه دعامة المجتمع الإسلامي في المستقبل، حيث بعث محمد ﷺ للأبيض والأسود والأحمر والأصفر والناس كافة, لقد بعث محمد ﷺ ليحيي كرامة الإنسان.
ولقد كانت التربية على عالمية مفهوم الدعوة أساسها أن المجتمع لا يقوم على قاعدة واحدة وهي قاعدة العبودية لله وحده في كل أموره وشئونه.
وهذه العبودية تتمثل في التصور الاعتقادي وفي الشعائر التعبدية وفي التشريع والقانون.
وقد قرر الوحي الأمين أن التصور الاعتقادي:
﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ١.
﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ٢.
стр. 599
وليس عبد الله ألبتة من لم يجعل حياته كلها لله وحده:
﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
ولا تصح العبودية مطلقا ما دام الفرد يتلقى القوانين التي تنظم حياته من غير القرآن الكريم.
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٣.
هذه هي القاعدة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي ولكن المجتمع الإسلامي لا يقوم على هذه القاعدة في يوم وليلة أو بصيحة وحماسة، بل لا بد من نواة وجماعة من الناس تنشأ ولو صغيرة، تنشأ محققة هذه القاعدة فتقرر أن عبوديتها الكاملة لله وحده، وأنها لا تدين بالعبودية لغير الله.
إنها لا تدين بالعبودية لغير الله في الاعتقاد والتصور، ولا تدين بالعبودية لغير الله في العبادة والشعائر، ولا تدين بالعبودية لغير الله في النظام والشرائع، ثم تأخذ في تنظيم حياتها عمليا على أساس هذه العبودية الخالصة لوجه الله، فتنقي قلبها من الاعتقاد الزائف، وتنقي
стр. 600
شعائرها من التوجه لغير جناب الله الأجل، وتنفي شرائعها من الخضوع لما سوى الله عندئذ تكون النواة قد صلحت ليبني بها المجتمع الإسلامي. ولهذا كانت مهمة الرسول ﷺ مركزة حول بناء هذه الجماعة, فآخى بين أفرادها منذ العمل المكي على المواساة وإقامة الحق والعبودية لله الأحد١.
وقد أرسى القرآن الكريم قواعد هذه العبودية فعمق في شعور الرعيل الأول أن كل شيء في الوجود مرتبط بمشيئة الله وتحت سلطانه وتصرفه وقدرته.
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢.
وإن الله وحده هو الذي يهب الرزق والعمر والولد.
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣.
﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ٤.
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ٥.