الرق:
﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ١.
لقد كان الرق عاما في الجزيرة العربية وفي العالم كله, وحياة الأرقاء كانت تعاني من قسوة الأسياد الجبابرة، والدعوة الإسلامية دعوة أعلنت تكريم الإنسان ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ٢.
ولكن الرق مشكلة عالمية إنه مشكلة اجتماعية ومشكلة أخلاقية كذلك, وسوف يلغيه الإسلام في المستقبل، سوف لا يسمح به الإسلام في دولته ومجتمعه القادم, فأعلن منذ العهد المكي أن العقبة التي تتحول بين المؤمن والجنة هي فك الرقبة.
وقد سبق سيدنا أبو بكر إلى اقتحام هذه العقبة, فأعتق الذين أسلموا من موالي الطغاة.
لقد كان ﵁ الأول دائما في اقتحام العقبات، ولقد كانت الملابسات الحاضرة في البيئة تجعل من العمل قاعدة لوثبات اقتحام العقبة في سبيل الله.
أما الأحكام المتعلقة بالعتق والآثار المترتبة عليه وروافد القضاء عليه والتخلص منه, فتلك مكملات سوف يتعهد بها العهد المدني, ويومها لن يجد المسلمون خصاصة ولا حرجا ولا ضيقا به, إنهم سوف يتسابقون على اقتحام العقبة وفك الرقبة حسبة وابتغاء وجه الله الكريم.
стр. 597
ثانيا: في الجماعة الإسلامية
بدأ سيدنا رسول الله ﷺ في تكوين الجماعة الإسلامية بمكة لتكون النواة والأساس والركيزة للمجتمع الإسلامي في المستقبل، وحين بدأ الرسول الأمين الخاتم ﵊ تربية هذه الجماعة كان يعلم أن مدى رسالته وهدفها هو القضاء على الجاهلية في كل اتجاهاتها وفي كل أمكنتها وأزمنتها, ومن ثم فقد أعد هذه الجماعة على مفهوم عالمية هذا الدين, لقد رباهم بالقرآن الكريم على وحدة الدين ووحدة الرسالة ووحدة المؤمنين في كل زمان ومكان.
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ ١.
وكانت التربية على هذه الوحدة من العمق والاستجابة بحيث كانت الجماعة الإسلامية تحس بالحب لجميع أهل الكتاب.
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ٢.
стр. 598
وبهذه العالمية قضى الرسول ﷺ على العصبية الجاهلية في نفوس المؤمنين وجعل آصرة العلاقة ورباط الود "لا إله إلا الله محمد رسول الله" مهما اختلفت اللغات والأوطان والجنسيات.
وهذه التربية على مفهوم العالمية للجماعة الإسلامية هي الأساس الأصيل الذي تقوم عليه دعامة المجتمع الإسلامي في المستقبل، حيث بعث محمد ﷺ للأبيض والأسود والأحمر والأصفر والناس كافة, لقد بعث محمد ﷺ ليحيي كرامة الإنسان.
ولقد كانت التربية على عالمية مفهوم الدعوة أساسها أن المجتمع لا يقوم على قاعدة واحدة وهي قاعدة العبودية لله وحده في كل أموره وشئونه.
وهذه العبودية تتمثل في التصور الاعتقادي وفي الشعائر التعبدية وفي التشريع والقانون.
وقد قرر الوحي الأمين أن التصور الاعتقادي:
﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ١.
﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ٢.
стр. 599
وليس عبد الله ألبتة من لم يجعل حياته كلها لله وحده:
﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
ولا تصح العبودية مطلقا ما دام الفرد يتلقى القوانين التي تنظم حياته من غير القرآن الكريم.
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٣.
هذه هي القاعدة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي ولكن المجتمع الإسلامي لا يقوم على هذه القاعدة في يوم وليلة أو بصيحة وحماسة، بل لا بد من نواة وجماعة من الناس تنشأ ولو صغيرة، تنشأ محققة هذه القاعدة فتقرر أن عبوديتها الكاملة لله وحده، وأنها لا تدين بالعبودية لغير الله.
إنها لا تدين بالعبودية لغير الله في الاعتقاد والتصور، ولا تدين بالعبودية لغير الله في العبادة والشعائر، ولا تدين بالعبودية لغير الله في النظام والشرائع، ثم تأخذ في تنظيم حياتها عمليا على أساس هذه العبودية الخالصة لوجه الله، فتنقي قلبها من الاعتقاد الزائف، وتنقي
стр. 600
شعائرها من التوجه لغير جناب الله الأجل، وتنفي شرائعها من الخضوع لما سوى الله عندئذ تكون النواة قد صلحت ليبني بها المجتمع الإسلامي. ولهذا كانت مهمة الرسول ﷺ مركزة حول بناء هذه الجماعة, فآخى بين أفرادها منذ العمل المكي على المواساة وإقامة الحق والعبودية لله الأحد١.
وقد أرسى القرآن الكريم قواعد هذه العبودية فعمق في شعور الرعيل الأول أن كل شيء في الوجود مرتبط بمشيئة الله وتحت سلطانه وتصرفه وقدرته.
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢.
وإن الله وحده هو الذي يهب الرزق والعمر والولد.
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣.
﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ٤.
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ٥.
стр. 601
وقد بسط الله لهذه الجماعة في الفهم والذكاء ونورانية القلب والمشاعر مما جعلهم يفهمون حقيقة الدنيا حتى ولو كانت في أوج عظمتها وكبريائها، فإنها متاع الغرور, وهي ظل زائل, وعرض تافه قصير العمر خفيف الوزن معدوم المعنى.
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١.
فبات في ضمير الجماعة, وفي عقلها أن هذه الحياة الدنيا لا أمن فيها, ولا اطمئنان إليها ولا ثبات ولا استقرار على وجهها، ولا يملك الناس من أمرها شيئا.
هذه هي الحياة الدنيا وفي الصفحة الباقية الخالدة:
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢.
فيا لبعد الشقة بين دار تطمس في لحظة مثل طرفة عين ودار للسلام باقية خالدة يهدي إليها الله من يشاء من عباده المخلصين.
وبهذا فقد نقى رسول الله ﷺ بصيرة ومشاعر وعقلية نواة المجتمع الإسلامي من كل غرض دنيوي، لقد طهرهم من
стр. 602
فكرة التبعية لغير الله وأكد أن آجالهم وأرزاقهم وأولادهم نعمة من منح الله جل شأنه وأن دار السلام الخالدة تستقبل المخلصين, وأن الدنيا عمر هباء وزينتها زخرف براق والمغرور بها فارغ الحجر وصفر اليدين من زاد ينجيه يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومها لله الواحد القهار.
وكان على هذه الجماعة التي تعد لتكون مصدر ترعرع المجتمع الإسلامي في المستقبل كان عليها أن تقدم الدليل على هذه العبودية المجردة لله وأنها بدعوتها إلى دار السلام لا تكره ولا تحب إلا في الله فألزمها القرآن الكريم بالعفو عن ظلم الذين لا يرجون أيام الله.
يقول الله تعالى:
﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ١.
فهو توجيه كريم للذين آمنوا ليتسامحوا مع الذين لا يرجون أيام الله تسامح المغفرة والعفو وتسامح القوى والاستعلاء وتسامح الارتفاع والترفع عن مهاترات الماجنين المشركين.
والواقع أن القرآن الكريم هنا يلفت نظر الجماعة الإسلامية إلى أن الذين لا يرجون أيام الله مساكين ضعاف العقل والبصيرة، ولهذا فهم يستحقون العطف أحيانا لأنهم حرموا من رحيق النبع الفياض
стр. 603
الذي يزخر بالنداوة والرحمة والأنس والقوة والعزة والثراء، نبع الإيمان بالله والطمأنينة إليه, والتوكل عليه, والاحتماء بركنه الشديد، واللجوء إلى مدد في ساعات الضيق والكربة، ومن جانب آخر فهو توجيه إلى الجماعة الإسلامية لتترك الأمر كله لله يتولى القضاء والفصل فيه، وبذلك يهون تحمل المساءات والنزوات الحمقاء من المطموسين عن النبع الإيماني السلسبيل المؤنس.
وتمضي الجماعة الإسلامية في غير ما ضيق ولا ثقل, وهي تحمل المشعل الهادي وتسير تدعو إلى الله على بصيرة, وهي تستعذب هذه الرحلة في سبيل الله, وقد جاءتها النداءات الربانية تملؤها يقينا وثباتا.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ١.
فتدرك الجماعة الإسلامية أن النهوض بواجب الدعوة إلى الله في مواجهة الجاهلية التي تعتز بقوميتها وثقافتها وعنصريتها واستكبارها على الحق أمر شاق, ولكن شأنه عند الله عظيم، فما أحسنها من كلمة وما أعظمها من رسالة.
﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
стр. 604
فكلمة الدعوة هي أحسن كلمة تقال على وجه الأرض, وتصعد إلى الله في مقدمة الكلم الطيب, ولكن شرط ذلك العمل الصالح الذي يصدق الكلمة, ويكون لها دليلا, ثم استسلاما تتوارى مع الذات, والأماني حتى تصبح الدعوة وحدها خالصة لله ليس للداعية فيها شيء غير التبليغ, ولا على الداعية بعد ذلك أن تتلقى كلمته بالإعراض أو بسوء الأدب أو بالإنكار, فهو إنما يتقدم بالحسنة ويضيء الطريق ويحنوا على المحجوبين المطموسين، ويعطف عليهم، ويود لهم رحيقا سلسبيلا يروي ظمأ قلوبهم، ويجلو صدأ نفوسهم، ويرجعهم إلى الله، فهو إذن في المقام الرفيع فلا تستوي حسنته إذن بسيئات العميان, ولذا فقد علم القرآن هذه الجماعة ألا ترد على سيئات القوم إلا بحسنات الأبرار.
وهذه الجماعة الأولى التي تعهدها القرآن الكريم والرسول العظيم بهذه التربية كانت سمات وخصائص قيادية تدربت عليها وتعلمتها حتى إذا انتقلت إلى طور آخر من أطوار الجهاد في تبليغ الدعوة لم تحتج إلى تنظيم, فقد كانت مرحلة مكة مرحلة الإعداد والتربية، وكان من مقدمات هذه الخصائص قوله تعالى:
﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ، وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ،
стр. 605
وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
لقد كانت البشرية في حاجة إلى قيادة راشدة تنقذ الناس من الجاهلية العمياء التي كانت تخوضها لا سيما بعد أن تفرق الذين أوتوا الكتاب واختلفوا لا عن جهل بما أنزل الله إليهم بل عن معرفة ويقين، ولكنهما اختلفوا بغيا بينهم وحسدا فضلوا وأضلوا, فاحتاجت البشرية إلى قيادة جديدة راشدة، تأخذ بيدها إلى العروة الوثقى إلى الصراط المستقيم، وتقود ركب الحياة إلى طريق السعادة ورضوان الله ورحمته, وكانت الجماعة الإسلامية في مكة هي القافلة التي أعدت وربيت وجهزت لتحمل هذا الشرف, وجاءت هذه الآيات المكية في سورة الشورى تصور خصائص هذه الجماعة التي ولاها الله مهمة هذا الإصلاح، ومع أن هذه الآيات مكية نزلت قبل قيام الدولة لكننا نجد أن مميزات الجماعة هنا لتحمل خصائص المجتمع الذي ستبنيه هي, ستبنيه بما لديها من أخلاق ومعرفة وسلوك وتطبيق أبرزت به العبودية الخالصة لله وأعلنت به سمات المجتمع الذي سيولد في المستقبل إن شاء الله.
نجد في هذه الآيات المكية ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ مما يوحي أن وضع الشورى في حياة الجماعة الإسلامية أعمق من مجرد كونها فكرة سياسية، فالشورى طابع أساسي للجماعة الإسلامية كلها،
стр. 606
يقوم عليها أمر المسلمين، ولا ينبغي لمسلم, ولا لجماعة مسلمة أن تخرج على هذا المبدأ.
فرسول الله ﷺ في غزوة أحد نزل على مشورة الشباب المتحمس يوم مناقشة خطة الدفاع عن المدينة, ولما لبس لأمة الحرب, وأحس الشباب أنهم مارسوا أسلوبا قاسيا في مناقشة الرسول ﵊ قالوا استكرهنا رسول الله ﷺ فلنرد الأمر إليه, فلما خرج إليهم متقلدا سيفه ندم الطالبون لخروجه على ما صنعوا وقالوا ما كان ينبغي لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت, فقال ﵊: "ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه" ١.
يقول الآلوسي عن علي كرم الله وجهه قال: قلت: يا رسول الله! الأمر ينزل بنا بعدك فيه قرآن, ولم يسمع منك فيه شيء؟ قال: "اجمعوا له العابد من أمتي واجعلوه بينكم شورى ولا تقضوه برأي واحد" ٢، ومن ثم كانت الجماعة الإسلامية في مكة تحمل من خصائصها الذاتية مبدأ الشورى كطابع أصيل للجماعة فوق أنه نظام سياسي للدولة فيما بعد.
ونجد في هذه الآيات المكية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ .
стр. 607
وقد كانوا في مكة مأمورين بالصبر في مواجهة الأذى وكف الله أيديهم عن الظالمين تخليصا لعقيدتهم من الاتهام بالفوضى، وفرصة للمعاندين أن يثوبوا إلى رشدهم فما يتحمل هؤلاء العذاب وهم قادرون على رد العدوان بمثله إلا لأنهم لا يبتغون من وراء عقيدتهم شياء إلا تحقيق العبودية لله وحده، ولكن الآية هنا في مكة تبرز صفة الجماعة الإسلامية بأنهم إذا بغى عليهم ينتصرون، وفيه يلمح المسلم اليقظ أن انتصار المسلمين في مكة على بغي الكافرين قد بدأ بالصبر وتحمل الأذى وأن طبيعة الدعوة الإسلامية دائما أن ترد الاعتداء ولا تعتدي أبدأ حتى في العهد المدني ما كان القتال وهو صورة من صور الجهاد إلا ردا على اعتداء الكافرين، وتثبت القاعدة ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ وقاعدة الجهاد في المدينة "ولا تعتدو إن الله لا يحب المعتدين".
والجهاد بصورتيه الماضيتين: في مكة والمدينة أساسه تحقيق العبودية لله من جميع البشر ليس وراء ذلك طمع في مال أو شرف أو جاه أو سمعة..
وتقع هاتان الصفتان وسط صفات أساسية حقوقوها نأصبحوا في حظيرة العبودية لله واعترفوا بسلطانه الجليل فأطاعوه طاعة عمياء مطلقة، وأعطوه من أنفسهم المقادة واستسلموا لحكمه وجعلوا أهواءهم
стр. 608
فيما يريده منهم حتى أصبحوا له عبيدا لا يملكون مالا ولا نفسا ولا تصرفا ما إلا برضاه، فهم لا يحاربون ولا يصالحون إلا لله وبإذنه، ولا يرضون ولا يسخطون، ولا يعطون ولا يمنعون إلا من أجله وفي سبيله ولا يصلون ولا يقطعون شيئا إلا إذا وافق أمره، هذا هو الإيمان الذي تشير إليه الآيات المكية، وتجعله صفة أساسية للجماعة التي رباها رسول الله ﷺ واختارها الله جل شأنه لقيادة البشر.
فهم: على ربهم يتوكلون.
فتوكلهم في كل ضرب من ضروب الحياة مقصور على ربهم الذي اختارهم ورباهم ورضي عنهم ورضوا عنه, فهم مستيقنون أن لا أحد في الوجود يفعل فعلا ما إلا بمشيئته ولا يمكن أن يقع شيء ما في ملكه إلا إذا أراده.
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ١.
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ ٢.
وهذا الشعور ملازم لمعنى لا إله إلا الله ثم هو ضروري لكل أحد يتصدى العمل في الدعوة الإسلامية عليه أن يقف رافع الرأس لا يحنيها إلا الركوع أو سجود لله, وهو مطمئن القلب لا يرجو ولا يرهب أحدًا سوى الله.
стр. 609
وهم ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ إنهم أطهار القلب نظفاء السلوك، وذلك أثر طبيعي للإيمان، وضرورة أساسية من ضروريات القيادة الراشدة، وقد حققت الجماعة الأولى هذه الصفات, فارتفعت بالإيمان المرهف فوق كل بريق الحياة حتى بلغت مستواها القيادي وحققت معنى العبودية لله واكتمل لها الإيمان الصافي والتوكل الثابت واجتناب الفواحش, وحققت المغفرة عند الغضب والاستجابة لله، وإقامة الصلاة والشورى والإنفاق والانتصار، والعفو والإصلاح والصبر.
ومما رزقناهم ينفقون، فالجهاد في كل مرحلة يحتاج إلى بذل وإنفاق ولا بد منه تطهيرا للقلب من الشح، وتنظيفا له من هواية عده وجمعه واستعلاء على حبه وتملكه, وتوكلا على الله وثقة فيما عنده ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ .
وهذه صفة لازمة للجماعة التى ستتولى القيادة الراشدة لتحقيق العبودية.
إن البذل في سبيل الدعوة له مهمتان:
١- إقامة التكافل الاجتماعي بين أفراد الدعوة.
٢- تمرين النفس على التخلص من شهوة المال والتوكل على الله والثقة فيما عنده حتى تطهر النفس من كل علائق الدنيا التي تشوب الجهاد أو تعوقه أو تضعف العزم عليه.
وهكذا نؤسس الجماعة الإسلامية الأولى التي نيط بها الجهاد المقدس لبناء المجتمع، الإسلامي في المدينة المنورة.
стр. 610
لقد تحلت بكل صفات القيادة الراشدة حتى إذا ما تحركت فيما بعد لتحقيق العبودية لله ما كان يمكن أن يتوجه إليها اتهام من عاقل.
فهي جماعة حققت في ذاتها الخضوع الأمثل للسلطان الإلهي.
وهي الجماعة التي طهرها الله من كل ذنب وإثم ونقاها من كل سوء وعيب.
وهي الجماعة التي غفرت سيئات المعتدين.
وهي الجماعة التي أقامت الصلاة لذكر الله وحده.
وهي الجماعة التي تدربت على الشورى في كل أمر يحز بها، فهي بعيدة عن الغوغائية والثورية والتهريجية.
وهي الجماعة التي إذا طهرت قلبها من الشح وحب المال وأنفقت ما عندها ابتغاء مرضات الله.
وهي الجماعة التي إذا أصابها البغي انتصرت بالصبر على جحافل أذى المشركين؛ لأنها وحدها التي تعرف كرامة الإنسانية.
وهي الجماعة التي غضت بصرها عن سيئات المحجوبين عن نور الحقيقة لأنها تحقق العبودية لله.
إنها أخلصت حياتها كلها لله، وطهرت قلبها من كل وسوسة تحجبه عن نور الحق، وارتفعت بإيمانها فوق مغريات المشركين، واستجابت لله في نفسها ومالها وكل شئون حياتها، وصبرت على أذى
стр. 611
المعتدين حسبة لله، وقد كانت تستطيع أن تقاوم, وأن ترد الكيل بالكيل والصاع بالصاع، ولكنها خضعت لسلطان ربها، فهي لم تؤذن بعد بالقتال كأسلوب للجهاد، لقد جاهدت مجاهدة شاقة وجابهت قسوة الاعتداء باليقين الثابت، وحققت لا إله إلا الله منهجا سلوكيا. فأبرزت خصائص هذه الدعوة كما شاهدها الله فيهم فأعلنوا بسلوك عملي
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ ١.
ولكن المجتمع الجاهلي كان لا يريدها, وآثر ما كان يعبده آباؤه, فصارت المحاولة عسيرة لإيجاد مجتمع إسلامي من عناصر هؤلاء القوم, فلم يبقى إلا نقلة مجتمع خصب تؤدي فيه الجماعة الإسلامية دورها في قيادة رشيدة؛ لتحقيق العبودية لله على وجه الأرض كلها, ومن هنا انتظر المسلمون الأوائل مع رسول الله ﷺ الإذن لهم بالهجرة إلى وطن٢ جديد؛ ليستعدوا للموقف الفاصل.
قطعت الدعوة الإسلامية في مكة عقدا كاملا جاهدت فيه جهادا قاسيا لتعلم الناس وظيفتهم التي خلقوا لها، وأكدت الدعوة في هذه الحقبة أنها تريد أن يحقق الناس عبوديتهم لله وحده.
عبودية العقيدة والتوحيد.
стр. 612
عبودية التحليل والتحريم.
عبودية التقاليد والعادات.
عبودية القلب والجوارح.
اعترافا منهم بالجميل للخالق الأعظم الذي بيده مقاليد السموات والأرض, وهو على جمعهم إذا يشاء قدير. وتكريما لذواتهم وارتقاء بكرامتهم.
وأعلنت الدعوة طول هذا العقد من الزمن أنها بالناس كافة, إنها ربانية، إنها قانون الله لكل من على الأرض إلى يوم القيامة، ورفضت الدعوة أن تنضوي تحت لواء قبلي عنصري قومي، ومع أن القوم كانوا على معرفة بحقيقتها وصدقها وربانيتها، إلا أنهم جابهوها حسدا وعلوا وظلما وعتوا وبغيا واستعلاء وما تركوا نوعا ما من أساليب الاضطهاد والتنكيل والتعويق إلا مارسوه.
لقد مارسوا التعذيب البدني والأدبي.
ومارسوا الحصار الاقتصادي.
وما ازداد الداعية منهم قربا إلا فروا منه فرارا، ولم يشأ الله جل شأنه أن يشرع الجهاد بالسيف في هذه الآونة, والله أعلم حيث يشرع, ولا يملك عالم أن يجزم بما أراده الله من حكمة في عدم تشريع القتال للجماعة الإسلامية في مكة ما دام القرآن الكريم لم يكشف لنا عن أسرار تلك الحكمة.
стр. 613
والاحتمال الذي يمكن أن يدرك مع الاستغفار من الخوض في ذكر هذه الاحتمالات أنه:
١- يا ربما كانت الجماعة الإسلامية في هذه الفترة لو شرع لها القتال لانسابت في غرائزها الأولى, فقامت حرب جاهلية مثل حرب داحس والغبراء.
ومهمة الدعوة في هذا العهد المكي تربية قيادة تصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم حتى يخلص المسلم من دوافع ذاته, ويتجرد من شخصه, فلا تعود ذاته ولا دوافع نفسه هي محور الحياة في نظره, فإن محور الحياة الجديدة هو العقيدة فلا يندفع ولا يتهيج إلا إذا مست العقيدة، أما هو فلا يتأثر بشيء كما كانت طبيعته من قبل، ويؤثر هذا في تكوين الجماعة فيما بعد حيث يتمرن كل فرد على ضبط أعصابه واحترام انتسابه للجماعة, فلا يتحرك إلا بعد إذن من القيادة التي يجب أن يرجع إليها في كل أمر من شئون حياته.
٢- وربما كان ذلك؛ لأن حرية التحرك للداعية وتبليغ الدعوة ما زالت مباحة والرسول ﷺ تحميه سيوف بني هاشم، وتجواله وتحركه إلى الطائف ومواسم الحج ومقابلة الأفراد ما زال طليقا وتشريع الحرب في هذه الآونة يثير فوضى تشوه الدعوة وأهدافها.
٣- وربما كان للبيت العتيق من الحرمة ما لا يجوز معه تشريع قتال تستباح فيه حرمة الكعبة, وتدور رحى الحرب في كنفها شهورا
стр. 614
وسنوات وقد حبس الله عنها الفيل من قبل، وما أحلت لنبي من قبل اللهم إلا ساعة من نهار يوم فتحها.
٤- ويا ربما كانت قلة المسلمين يوم ذلك لا تسعف السياسة العسكرية اللهم إلا إذا عاد المسلمون من الحبشة, وانضم عدد المسلمين في البطحاء, فينكمش المسلمون في رقعة, ويا ربما انتهت الجماعة الإسلامية يومها, فلم يقم على الأرض للإسلام فيما بعد دولة.
هذه الاحتمالات التي لا يمكن أن يقطع بها عالم مهما بلغت ثقته بعلمه وعقله وتدبره لأحكام الله, ومقاصد شرعه هي في نظري -والله أعلم- من الأسباب التي جعلت الجماعة الإسلامية في مكة تكف يدها عن القتال, وتقيم الصلاة, وتؤدي الزكاة وتصبر على ما يقدم لها من الأذى ولا تستعجل١.
والدعوة الإسلامية في هذا العهد المكي كانت قد نجحت في إعداد قيادات انتشرت في رحاب الأرض تنتظر يوم اللقاء.
لقد كان النجاشي في الحبشة وعنده كتيبة من كتائب الله يؤمنون بالإسلام, وهي قاعدة أمنية آمنة مستقرة.
وكان الطفيل بن عمرو الدوسي وأهله وذووه دعاة لدين الله في شرقي الجزيرة على شاطئ خليج عمان.
وكان أبو ذر الغفاري في غفار "كنانة" مسلما داعيا متحمسا مجاهدا مجاهرا يقدر على قطع طريق تجارة قريش لو شاء.
стр. 615
وكان ضماد من أزد شنوءة يعلن في قومه مبايعته رسول الله ﷺ .
وهناك عمر بن عبسة في عبس بالشمال.
وكان الناس في نجران قد أسلموا وقالوها صريحة: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين.
إذن هناك صفحتان متقابلتان متضادتان:
صفحة الوجود الإسلامي في مكة حيث أفسد الناس صدورهم.
وصفحة الكواكب المضيئة المنتشرة في ربوع البلاد١ تنتظر يوم اللقاء بالقيادات الراشدة.
وإذن فلا بد من قاعدة ومهجر.
كان الحال في مكة قد بلغ غايته في القسوة والانحراف لقد مات أبو طالب وهو سند كبير للدعوة, وماتت السيدة خديجة ﵂ وهي الأنس للداعية، والممول للعمل الإسلامي، وأول الناس على الإطلاق تصديقا وإيمانا وإسلاما, وكان لموتهما عند المشركين فرحة، فقد غاب عمودان أساسيان من أعمدة التحرك الإسلامي, فزاد القوم في التنكيل بالداعية وأصحابه, وكان حادث الطائف في قسوته وصفاقته وعمهه، فأصبحت حياة الدعوة في مكة كشجرة طيبة في أرض جدباء, وإذن فلا بد من نقلة بعيدة عن هذا الجو، لا بد من جو خالص من
стр. 616
الخضوع للإبليسية لا بد من جو صافي هادئ, أناسه أبرياء من أمراض أهل مكة عسى أن تقدم الدعوة به دليلا عمليا على اتساقها وانسجامها مع طبيعة البشر كأصل أصيل؛ لسعادة الناس في الدنيا والآخرة.
ولهذا جاءت آيات مكية ترشح لهذه النقلة إذ يأذن الله لرسوله الكريم يقول الله تعالى:
١- ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ ١.
يعني المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة٢.
قال الآلوسي: والمراد بهم على ما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعبد بن حميد عن سعد بن المسيب, أهل المدينة من الأنصار٣ وفي الطبري عن ابن عباس:
﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ﴾ يعني أهل مكة، يقول: إن يكفروا بالقرآن ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ يعني أهل المدينة والأنصار٤.
٢- ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ٥.
قال ابن كثير: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة
стр. 617
حيث يمكن إقامة الدين بأن يوحدوا الله, ويعبدوه كما أمرهم وعبارات الآية الكريمة تمسح هاجس الأسى عن نفوس المسلمين, ففي مفارقة الوطن وحشة١. ومن هنا تمس ألفاظ الآية الكريمة قلوب الجماعة الإسلامية بهذا النداء الحبيب ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ , ثم تمليها مرة أخرى بهذا الأمل المشرق ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ وما دامت كلها أرض الله, فإن أحب بقعة منها إلى نفس المؤمن هي البقعة التي يجد فيها السعة لعبادة الله وحده دون سواه٢.
٣- ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٣.
قال مجاهد: فهاجروا فيها وجاهدوا واعتزلوا الأوثان.
قال الطبري: يقول الله تعالى جل ذكره: وأرض الله فسيحة واسعة فهاجروا من أرض الشرك إلى دار الإسلام، ثم روي عن مجاهد قوله: فهاجروا واعتزلوا الأوثان٤.
فبات في ذهن الجماعة الإسلامية أنها بعد اكتمال فترتها التدريبية في مكة سوف تنقل إلى أرض واسعة فسيحة تحقق فيها العبودية
стр. 618
الكاملة لله رب العالمين, وإذن فليتجهز القوم إلى نقله سيؤذن لهم بها إن شاء الله.
وقد اتخذت مرحلة التجهيز إلى هذه النقلة خطوتين رئيستين:
الخطوة الأولى: ربانية أعدها الله وجهزها لتصفية الجماعة الإسلامية حتى تتحمل بصدق وإخلاص القيادة الراشدة لبناء المجتمع الإسلامي في المدينة وهي الإسراء والمعراج.
الخطوة الثانية: نبوية من تحرك الداعية نفسه, وهي لقاء العقبة مع نواة المجتمع الإسلامي من أهل المدينة الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل يحبون من هاجر إليهم من رحاب البيت العتيق، ثم لا يجدون في صدروهم حاجة نحو ضيافة كتيبة الله التي صبرت على جهاد مرير زهاء ثلاثة عشر عاما، ويؤثرون على أنفسهم في المال والأرض والأهل، إرضاء وحسبة وحبا في الله العلي العظيم.
والذي أود أن أذكره بسرعة هنا أن العنصرية التي كانت تشكل الجو الاجتماعي في مكة من ثلاث مجموعات:
١- مجموعة بني هاشم وأحلافهم.
٢- ومجموعة بني عبد شمس وأحلافهم.
٣- ومجموعة بني مخزوم وأحلافهم١.
стр. 619
وقد اندحرت كلها واستطاعت حركة الجهاد الإسلامي بالثبات والصبر على تبليغ مبادئ الدعوة. أن تلغي هذه المجموعات وأن تستعلي عليه بعالمية الدعوة الإسلامية وسمو رسالتها١, فكان من كل مجموعة قيادة ورعيل مسلم مؤمن موحد بالله يحمل مشعل الإسلام وينتظر لحظة الانضمام إلى الكتائب التي تحشد أجنادها وتستعد للموقف الفاصل يوم يهزم الجمع ويولون الدبر.
стр. 620
الفصل الثالث: خاتمة العهد المكي
التجهيز للهجرة:
أولا: الإسراء والمعراج
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ ٢.
﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ٣.
وظيفة الدعوة الأولى هي أن تنشئ نظاما يتبع المنهاج الإسلامي الذي اختاره الله, وهذا النظام يحتاج في إنشائه إلى أمة تمثله وتقوم عليه.
وغاية المنهاج الإسلامي هي عبودية الناس لربهم وحده, وهذا يستلزم القضاء على الجاهلية، والجاهلية في أي عصر هي عبودية
стр. 621
الناس للناس، وأساس العبودية في كلتا الحالتين هو الخضوع والتشريع.
وعبودية الناس جميعا لله وحده تكون بتلقيهم منه وحده العقيدة والشريعة والأخلاق وموازين التعاشر الاجتماعي.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ١.
والإسلام بهذا المفهوم هو تكريم للإنسان وتحرير له من سلطة الإنسان المتجبر، والدعوة الإسلامية في مكة قد حوصرت, وسُد في وجهها الطريق, فكان لا بد من بحث عن قاعدة جديدة تنتقل إليها الجماعة التي حققت العبودية لله، وكان لا بد من التأكد من سلامة كل أفراد الجماعة وصلاحيتهم لهذه النقلة التي ستنشئ منهاجا جديدا في مواجهة أعداء الله حتى تنفذ مراحل الدعوة مستقبلا في جو مأمون من الاضطراب بعيد عن التهم منزه عن المطاعن، فكان لا بد من اختيار المسلمين عامة في مكة من أجل انتخاب القيادة الراشدة التي ستنقل مع النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، وكانت مادة الامتحان من نوع غريب يقصد إلى إبراز مدى إيمان الفرد المسلم ومقدار تمسكه بدينه, لقد كانت غاية هذا الامتحان هي التعرف على مدى استسلام الوجه لله من كل فرد، واختبار عقله ووجدانه إلى أي مدى يستجيب للنص المعصوم, فكان حادث الإسراء والمعراج
стр. 622
هو مادة الامتحان، وإلى ذلك أشار الإمام القشيري ﵁ في رسالته بجملة قصيرة قال: فجعل ذلك بالليل امتحانا للخلق١. يقول فضيلة مولانا الدكتور عبد الحليم محمود:
ومن الثمار التي جنتها الأمة الإسلامية والتي كانت من مقاصد إذاعة النبأ، انفصال ضعاف النفوس والشاكّين والمترددين، انفصال كل هؤلاء عن الأمة الإسلامية النائشة.
لقد كفر -عند سماع النبأ- من كفر بعد إسلامه، وارتد من ارتد بعد إيمانه وما كان هؤلاء -لو بقوا- إلا عاملا من عوامل الضعف أكثر من أن يكونوا عاملا من عوامل القوة، إن هؤلاء المكيين الذين آمنوا وصبروا على الحوادث القاسية، على التعذيب, وعلى الآلام, وعلى الفتنة في جميع مظاهرها.
إن هؤلاء المكيين الذين صبروا، وصابروا، وتخلصت أنفسهم من جميع النزعات المادية، ومن جميع الأهواء، فأصبحت خالصة لله وحده، إن هؤلاء المكيين الذين كان في تقدير الله أن تقوم عليهم الدولة في نشأتها، والذين من أجل ذلك يجب أن يكونوا مهيئين لأن يصعدوا لكل ما يمكن أن يعترضهم من عقبات، نقول: إن هؤلاء المكيين يجب أن يصفوا تصفية كاملة ومن وسائل هذه التصفية إعلان نبأ الإسراء والمعارج لينتكس من ينتكس، وليبقى من يبقى عن بصيرة وبينة وعن إيمان لا يتزعزع مهما كانت
стр. 623
الحوادث، إيمان بصدق الرسول صلوات الله وسلامه عليه في كل ما يأتي به, يصدقه بمجرد إنبائه، والمثل الأعلى في كل ذلك إنما هو سيدنا أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- حينما يعلن في غير تردد ولا فتور:
لئن كان قاله فلقد صدق؟ فما يعجبكم من ذلك؟ فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار, فأصدقه فهذا أبعد مما تعجبون منه١.
لقد كان حادث الإسراء والمعراج محور تمحيص للصادقين في إيمانهم والسطحيين في تصورهم لحقيقة الإيمان، فإن من صدق بنبوة سيدنا محمد ﷺ فقد آمن باتصاله بالوحي، والقرآن يأتي من عند الله يحمله الوحي، والنبي ﷺ يتلوه على الناس ويخبرهم بأن هذا القرآن من عند الله , والذين آمنوا يصدقون ذلك مع أنهم لا يرون وحيا ينزل ويصعد، ولكنهم يرون آثاره على النبي ﷺ وهو يتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد ويسمعون بعد ذلك قرآنا تنجذب إليه نفوسهم, وتقشعر له جلودهم وتلين له قلوبهم، ومقتضى هذا إذن الإيمان بالنبوة وبالوحي, وهذا يستلزم الاعتقاد بأن هناك صلة عليا خارقة للعادة بين النبي ﷺ وبين ربه جل وعلا، وإذن
стр. 624
فلا ضير أبدا أن تنقلب صورة اللقاء بالوحي وتتبدل الحركة من علٍ إلى أسفل, فتصير من أسفل إلى علٍ.
الحركة الأولى يحمل فيها جبريل قرآنا إلى النبي, والحركة الثانية جاء ليحمل فيها محمدا ﷺ إلى سدرة المنتهى.
فإن كلا من الحركتين في التصور الإيماني السليم متعادلتان.
وحركة الوحي مطلقا نزولا أو صعودا من ضمنيات الإيمان بالوحي الذي يأتي إلى الرسول ﷺ مرارا وتكرارا، وهي من غير شك حركة فوق تصور العقل حتى ولو تقدمت الأبحاث التكنولوجية؛ لأنه لا يمكن للبشر أن يحدد مبدأ حركة الوحي من علٍ ومبدأ صعوده مرة أخرى، إن تحديد نقطة تحرك الوحي ذهابا وإيابا فوق جميع المستويات العلمية والعقلية فهي سمعية لا تحتاج إلى دليل.
والمؤمن الصحيح يتصوركم من بلايين المسافات والأجواء والأجرام قد قطعها سيدنا جبريل ﵇ في أقل من لمحة بصر, وهو يسعى إلى النبي ﷺ ليبلغه وحيا من عند الله, فإذا ما قيل لهذا المؤمن الصحيح أن النبي ﷺ صعد في مثل هذه اللحظة إلى السموات العلا لم يجد في ذلك غرابة، وقد قرب
стр. 625
سيدنا أبو بكر هذه الحقيقة إلى الناس: إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه فهذا أبعد مما تعجبون منه١.
فهو أمر لا يخرج عن حقيقة ما وعاه القلب الصادق من معنى الإيمان ومداه, ومن هنا كانت نقطة الاختبار والامتحان لمن كان له إيمان ثابت ويقين مستقر وإذعان مستسلم فأمن وصدق ورضي، وكانت نقطة الاختبار والامتحان كذلك لمن فكر وقدر وعبس ويسر وزين له سوء عمله فرآه حسنا، فاستبعد واستكبر, وحول هذا يقول ابن هشام: وكان مسراه وما ذكر عنه بلاء وتمحيص وأمر من أمر الله في قدرته وسلطانه، فيه عبرة لأولي الألباب وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق، وكان من أمر الله على يقين، فأسرى به كيف شاء ليريه من آياته ما أراد حتى عاين، ما عاين من أمره وسلطانه العظيم وقدرته التي يصنع بها ما يريد٢.
لقد كان حادث الإسراء والمعراج امتحانا وابتلاء لغربلة الجماعة الإسلامية وتهذيبا لها من ضعاف البصيرة واليقين استعدادا للهجرة ومنهجا جديدا يستعد فيه الحق للموقف الفاصل.
стр. 626
وهذه قاعدة ينبغي أن تلاحظ دائما في تنظيمات الجماعات التي تدعي لنفسها أنها تتصدى لتبليغ دعوة الله، فكم من منافق يندس ليخرب وكم من ماجن يتسرب ليفسد، وكم من واهي العقيدة يفرق، وكم من دنيوي يسعد أن يبيع آخرته ودعوته ودينه بعرض بخس زهيد.
وعلى هامش حادث الإسراء والمعراج مما يتصل بمرحلة التمهيد للدعوة الإسلامية فإن الميثاق الذي أخذه الله على الأنبياء ليؤمنن بمحمد ولينصرنه قد هيأه الله له فرصة يعلن فيها الأنبياء جميعا إيمانهم بالنبي الخاتم ويأتمون به من صلاة تعلن وحدة الرسالة ووحدة الهدف الذي سعى به هذا الموكب الجليل.
يقول ابن هشام:
"فمضى رسول الله ﷺ ومضى جبريل ﵇ معه حتى انتهى به الى بيت المقدس, فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء, فأمهم رسول الله ﷺ فصلى بهم١.
стр. 627
وفي الحلبية:
"ولما أقيمت الصلاة ببيت المقدس قاموا صفوفا ينتظرون من يؤمهم, فأخذ جبريل بيده ﷺ فقدمه فصلى بهم ركعتين١.
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ .
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ .
لقد حقق سيدنا محمد ﷺ مدلول العبودية لله وقابل كل موجات الاعتداء بالصبر الجميل والثبات المكين, فهو الرباني الكامل والعبد الكامل في ربانيته وعبوديته لله رب العالمين، فما جزاء المحقق للعبودية وقد غاب عنه حبيباه: عمه وزوجه, وتكأكأت عليه الأعادي، لقد كانت آخر موجة الغضب الجاهلي صبية من بني ثقيف من الطائف ترميه بالحجارة حتى دمت قدماه الشريفتان، وسامحهم ودعا لهم بالهدى، أفلا يستحق هذا العبد الذي وصف وحده بهذا النعت "عبده", عبده في الإسراء وعبده عند سدرة المنتهى, فلم يخرج محمد ﷺ عن العبودية لله وحده. أفلا يستحق دون سائر البشر جميعا أن تحمله الملائكة على البراق ليصلي إماما بكل الأنبياء؟
ولم يخرج محمد ﷺ من العبودية لله وحده، أفلا يستحق أن تقف له الأنبياء والملائكة وأهل السموات جميعا
стр. 628
ينتظرون مقدمه عن سدرة المنتهى، حيث يكون هو وحده "عبد الله"، حيث يكون "عبده" لقد حقق هذا النبي العظيم العبودية لله, حققها قلبا وروحا.
حققها رأفة وسكينة.
حققها صفحا ودعاء.
حققها صبرا ورضا.
فما جزاء هذا عند ربه الكريم؟
أما الإمام القشيري ﵁ فقد أشرق بالجواب إشراقة العارفين يقول:
إن الملك العظيم إذا أراد تخصيص أحد من عباده وولي من أوليائه أشهده من أملاكه وخزائنه ما أخفاه عن غيره ليدل بذلك على تخصيصه، كذلك الحق لما أراد إكرام المصطفى ﷺ أطلعه على كثير من المخلوقات ما لم يشهده غيره تخصيصا له وتشريفا, ومن ذلك أنه لما طوى الأرض فأراه مشارقها ومغاربها، كذلك أراه الملكوت والسموات والجنة والنار وما أراه تلك الليلة ليزداد به اعتبارا على اعتبار واستبصارا على استبصار١.
إن مسألة المعراج في جوهرها عندما نلاحظ العلاقة بين الله وبين نبيه, هي كما قالها الأستاذ أبو علي الدقاق ﵁:
ليعرفه أنه لا رتبة لأحد فوق رتبته, فيكون أبلغ في باب كرامته٢.
стр. 629
ولا يمر الإسراء والمعراج كحدثين مضيا في التاريخ القديم, ولكنهما كانا كمنهج حياة في العقيدة والأخلاق من جانب ثم يكونان دائما من دلائل النبوة الخاتمة للنبي محمد ﷺ فقد أخبر عن أحداث ستقع في مستقبل هذه الأمة، رآها بعينه في الجنة وفي النار فأخبر عنها ليتقيها الورعون، وليصلحها المصلحون، ولينتهي عنها الآثمون وليفقهها الداعون لينذروا قومهم لعهم يحذرون١.
أما النعمة العظمى والتجلي الإلهي الأكبر في ليلة الإسراء والمعراج فإنه الصلاة، إن الصلاة هي الشرف الأسمى للإنسان فهي تصله بالله سبحانه، وهي الوسيلة إلى رضوانه، وباب الفتوح والقبول، وهي المعراج الروحي الذي تتصل فيه أرواح العباد الأطهار بخالقهم جل وعلا.
إنها لحظة المناجاة التي لا تحتاج إلى وسيط ولا شفيع، إنها القربى إلى الله جل شأنه, يأنس فيها القلب بربه وتصل فيها الروح ببارئها وتستريح من وعثاء السفر في الحياة، وتهدأ من صخب الشهوات، وتنجو من وسواس الشيطان.
стр. 630
وقد شاء الله تعالى أن يشرع تنظيم الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة من عند سدرة المنتهى١؛ لأنها فقط العبادة التي تصعد إلى الله مع الملائكة الذين يتعاقبون في الليل والنهار, وهي وحدها، الصلاة التي تحقق العبودية لله، تسجد الجباه والأيدي والركب والأقدام ويسجد القلب والعقل والفؤاد إجلالا وتعظيما وتمجيدا لله رب العالمين، ومنزلة الصلاة رفيعة, تهبط شرعيتها من منزلة تساويها من عند سدرة المنتهى.
إن الصلاة حبل واصل بين الطائعين في الأرض وخالقهم الأعلى والحبل الذي يصل بين الله وعباده هو الذي يرتضيه لهم ونوع الصلاة التي يتعبد بها المسلم لا يملك أن يقترحها إنما تلقى إليه كما يشاء الله, ولهذا انتدب الله حبيبه محمدا ﷺ في ليلة الإسراء والمعراج؛ ليوحي إليه تنظيم الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة٢، إعلانا بما للصلاة من منزلة عند الله, وما لها من منزلة عند الطائعين وما لها من حقوق يجب أن تراعى، وهي الفرض الوحيد الذي لا يسقط عن الصحيح والمريض والمسافر والمجاهد٣، ولهذا كانت عماد الدين, من أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين، وهي الفاصل بين المسلم والكافر، وهي النور الذي يملا القلب والمسجد والبيت، وهي بركة العمر والرزق والعافية والعلم.
يقول شيخنا العارف بالله فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود:
"والصلاة لأهميتها لم تفرض بالطريق العادي لقد كان جبريل ﵇ ينزل بالوحي مبلغا رسول الله ﷺ قواعد
стр. 631
التشريع ومبادئ الأخلاق وأصول العقيدة ومسائلها، فلما حان فرض الصلاة، عدل الله عن هذا إلى دعوة رسول الله ﷺ ليكون بنفسه في الحضرة الإلهية ليبلغه الله ، بطريق مباشر أمر الصلاة, وكان ذلك إعلانا عن أهمية الصلاة. إنها لم تفرض بالطريق العادي تكريما لها وتشريفا١.
لقد كانت غاية الحدث الجليل، الإسراء والمعراج تصفية الجماعة الإسلامية التي ستتولى القيادة الراشدة قريبا تجهيزا لنقله بالهجرة من مكة إلى طابة حيث تهاجر العناصر القوية الصادقة التي نجحت بامتياز في هذا الاختيار الدقيق؛ لأنها وحدها يوم أن ينضم إلى منهج التبليغ حد السيف تستطيع أن تبرهن على أن الجهاد بالسيف ليس وراءه طمع مادي, ولا شهرة في شهرة ولا رغبة في اكتساب أرض أو استعمار قطر، وإنما فقط لتكون كلمة الله هي العليا، ولتكون العبودية وظيفة البشر، قد وجدت لها مناخا يحقق فيه الناس عبادتهم لله الواحد القهار.
وكان قدر الله مفعولا واستعدت الجماعة في العام الحادي عشر من البعثة لنقلة تنتظر الإذن من السماء.
стр. 632
ثانيا: النشاط النبوي معاهدات العقبة
يشق النور حجب الظلام حتى ولو كانت ظلمات كثيفة بعضها فوق بعض، فطبيعة النور مشرقة متحركة، وطبيعة الظلام كئيبة راكدة، ولقد كانت الدعوة الإسلامية نورا مشرقا يبدد حجب الظلمات الجاهلية التي كانت تصنعها قريش في معامل الشيطان والنكاية، والتهريج والحصار الاقتصادي والتشهير والفتن، لقد كان رسول الله ﷺ يلتقي بالوفود في مواسم الحجيج والعمرة, وفي سلسلة هذه اللقاءات النبوية بأهل النسك التقي ﵊ بوفد من الأنصار, يروي ابن هشام هذا اللقاء بسنده فيقول:
لما لقيهم رسول الله ﷺ قال لهم: "من أنتم؟ ". قالوا: نفر من الخزرج. قال: "أمن موالي يهود؟ ". قالوا: نعم. قال: "أفلا تجلسون أكلمكم؟ ". قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، قال: وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم, وكانوا أهل كتاب وعمل، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان, وكانوا قد غزوهم ببلادهم, فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيا مبعوث الآن قد أظل
стр. 633
زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم! تعلموا والله أنه للنبي الذي توعدكم به يهود, فلا تسبقنكم إليه, فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه, وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام, وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم, فعسى أن يجمعهم الله بك.
فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك, ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين, فإن يجمعهم الله عليك, فلا رجل أعز منك, ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم, وقد آمنوا وصدقوا.
وكان عدة هؤلاء النفر ستة من الخزرج، فلما قدموا المدينة ذكروا حديث رسول الله ﷺ ودعوا الناس إلى الإسلام، حتى فشا فيهم, فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم١.
فلما كان العام القادم -وأهل المدينة قد تهيئوا- لقبول الدعوة لقي رسول الله ﷺ اثني عشر رجلا, فبايعوه البيعة
стр. 634
المشهورة ببيعة النساء وقد ذكرها ابن سعد في الطبقات١ قال: فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء:
على ألا نشرك بالله شيئا.
ولا نسرق.
ولا نزني.
ولا نقتل أولادنا.
ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف.
قال: "فإن وفيتم لكم الجنة, ومن غشى من ذلك شيئا كان أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه".
قال ابن سعد: ثم انصرفوا إلى المدينة فأظهر الله الإسلام.
ثم بعث لهم رسول الله ﷺ سيدنا مصعب بن عمير٢ بن هاشم بن عبد مناف وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقهم في الدين.
ولم تقف مهمته عند هذا الحد, فهو مدرك لأبعاد الرسالة, فجعل يدعو إلى الإسلام من لم يشرفه الله بعد ويشرح صدره للإسلام، قال ابن عبد البر: فأسلم على يد مصعب بن عمير خلق كثير من الأنصار
стр. 635
وأسلم في جماعتهم، سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وأسلم بإسلامهما جمع بني عبد الأشهل في يوم واحد، الرجال والنساء, لم يبق منهم أحد إلا أسلم١.
قال الطبري: فلما وقف سعد عليهم بعد إسلامه قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فوالله ما أمسى في دار عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة٢.
وبهذا تبدو أهمية القيادة التي أعدها رسول الله ﷺ في دار الأرقم بن الأرقم، تبدو أهمية مرحلة الدور السري كما يسميه العلماء، تبدو هذه الأهمية كأسلوب وواحدة من قواعد المنهاج الذي ينبغي أن يستخدم في العمل مع الجماعة عند تبليغ دعوة الله.
لقد كانت هذه الجماعات التي دخلت دين الله أفواجا بالمدينة آثارا من بركة العمل السياسي الذي زاوله الرسول ﷺ في لقائه بالعقبة الأولى على نحو ما هو مشهور عند العلماء.
في العام القابل يرجع مصعب بن عمير إلى مكة مع وفود من المسلمين إلى موسم الحج ومعهم زمرة حجاج قومهم من أهل الشرك، قال ابن إسحاق حدثني معبد بن كعب أن أخاه عبد الله بن كعب