← Сира

Сира · id 11736

الدعوة الإسلامية في عهدها المكي مناهجها وغاياتها

رؤوف شلبي

Полный текст (713 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة ... الإهداء: إلى أرواح شهداء الدعوة الإسلامية الذين يسبشرون بنعمة من الله وفضل، ويسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم..

стр. 2

تقديم الكتاب: لفضيلة الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل مخلوق وخير مبعوث، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هديه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين. أما بعد.. فإن من رحمة الله بخلقه أن رسم لهم سبيل السعادة في دنياهم وفي أخراهم، وهو طريق لا استحالة فيه ولا مشقة، لقد جربه الكثيرون ففازوا، ولقد ضمن الله لهم حياة هنيئة في الدنيا والآخرة. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . هذه السعادة تتحقق للفرد باتباعه، إذا حقق ما اشترطه الله عليه. وتتحقق للأسرة إذا وفرت لحياتها ما اشترطه الله عليها. وتتحقق للدولة إذا سهرت على تطبيق ما اشترطه الله على الأمة.

стр. 3

ولقد رسم القرآن الكريم شروط هذه السعادة فيما بينه من قوانين تتعلق بالحياة السلوكية للفرد والأسرة والجماعة، لقد بينها الوحي بالتعبير الإلهي، في دقته وروعته، وجلاله، وبينها الرسول الكريم في تطبيق واضح وسلوك نقي وسنة مطهرة، وإذن فالدعوة الإسلامية هي مناط السعادة للناس جميعا: أفراد وأسر وجماعات ودول. لقد ظهرت الدعوة الإسلامية في مجتمع تعج فيه الآراء الدينية، والتقاليد البشرية، فكانت الدعوة هي البلسم الشافي. إنه في الآونة التي كانت الآراء الدينية تتصارع في جزيرة العرب قام رسول الله ﷺ بدعوته, وهي دعوة ربانية لم تنشأ عن تفكير إنساني شخصي، ولكنها وحي الله المعصوم, وهي معصومة لأنها وحي, إنها معصومة عن التخبط والهوى في الرأي, ومعصومة عن ضلالات الأوهام ومتاهات الخيال وانزلاق التفكير. وأساس هذه الدعوة هو القرآن الكريم؛ إنه حبل الله المتين, والنور المبين, والشفاء النافع, وهو عصمة لمن تمسك به, ونجاة لمن اتبعه، لا يزيع من استمسك به ولا تنقضي عجائبه, ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد. والدعوة الإسلامية بهذا القرآن الكريم تحمل في طياتها قيمتها الذاتية، وذلك سر انتشارها وسيادتها. إنها تمتاز عن النصرانية المنتشرة -إذ ذاك- بنظام اقتصادي خلت منه الأنانية وبمنطق عقلي لا يوجد فيما كان من مأثور حنيذاك

стр. 4

من الكلام الذي نسب للسيد المسيح ﵇. ثم هي تصحيح للفكرة الدينية جملة. وهي كذلك تمتاز عن اليهودية بما فيها من البساطة والنضرة وتنزيه الله ورسله وأنبيائه جميعا. إنها معصومة لأنها وحي الله وليست رأيا يجوز مناقشته أو تعديله. وهي دعوة موحدة لا مفرقة. إنها دعوة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ . إنها إذن دعوة الرسل من قبل فهي موحدة تقرر أصولا في ناحية العقيدة، وشعائر العبادة، ومبادئ القانون والأخلاق. ومع أن الدعوة الإسلامية لخير الناس جميعا، وليست دعوة لأنانية أو عصبية، فإن العرب قابلوها بصراع متعدد الألوان غير أن الدعوة اتخذت من أجل هدايتهم أحكم الوسائل وأعظم المناهج. ولقد كان إثبات الرسالة لسيدنا محمد ﷺ من الأهداف الأساسية في بدء الرسالة.

стр. 5

وإن أشق مرحلة يصادفها كل رسول من الرسل إنما هي إقناع الناس برسالته وقد اختلفت وسائل هذا الإقناع واختلفت أساليبه. ولقد بدأ الرسول الأمين ﷺ كأسلافه بإثبات أنه رسول, وأنه متصل بالسماء، وأن الذي يأتيه إنما هو وحي يوحى، ولكن العرب سخروا من دعوته فتحداهم بعنف, وتحداهم متدرجا بهم، ومع أنهم أساطين البلاغة وأهل الفراسة غير أنهم أفحموا وانتهى الأمر إلى أن الذي يأتيه إنما هو وحي من عند الله. قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ . لقد لبث فيهم رسول الله ﷺ من قبل أربعين عاما ولم يحدثهم بنبوة، ولم يحدثهم برسالة، ولم يكن من مشاهير رجال الشعر، فلم الشك في أمره؟ مع أنه ﷺ لو أخبرهم أن خيلا وراء هذ الوادي تريد أن تغير عليهم لصدقوه، لقد قالوا له: ما عهدنا عليك كذبا. فلم الشك في أمره؟ ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ . ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ . إنه صلوات الله عليه وسلامه بشر، وما يجول في خلد مسلم قط أن يخرجه عن البشرية، ولكنه ﷺ بشر خاص. إنه بشر يوحى إليه، وما يتأتى قط أن يوحى إليه إلا وقد اصطفاه الله.

стр. 6

﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ . ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ . غير أن بعض الناس حينما يقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ يقف عند كلمة ﴿بَشَرٌ﴾ ، ويحاول التركيز عليها، واستقطاب الانتباه حولها، فيتحدث في إسهاب عن خصائص البشرية العادية، ويندفع في هذا الاتجاه المنحرف اندفاعا لا يتناسب مع عجز الآية: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ وينسى قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ . ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ . والله سبحانه ببيانه ذلك في هذه المواضع التي كان من الممكن أن يقف فيها الرسول صلوات الله عليه، مع العدالة الحاسمة، فعدل عن ذلك إلى الرأفة والرحمة. إن الله ببيانه ذلك إنما يمدح الرسول صلوات الله عليه وسلامه يبين أن منزع الرحمة إنما هو الغالب عليه صلوات الله عليه وسلامه. ولم يلغ الله جل شأنه اتجاها عاما سار فيه الرسول ﷺ ولم ينقص كلمة أقرها صلوات الله عليه وسلامه, ولم ينف مبدأ أثبته رسوله الأمين فيما كان يسير عليه، ولقد شهد له الله بذلك فقال: ﴿وإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ﴾ .

стр. 7

ولقد جعل الله طاعة رسوله ﷺ طاعة لجلاله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ . ومن هنا فإن من يركز على "بشر" فقط من المستشرقين ومن لف لفهم إنما يتبع في ذلك زعم الجاهلين عندما قال: إنما أرى يتيم أبي طالب. إن النظرة إلى الدعوة الإسلامية من الوسائل التي تثبت صدق الرسول ﷺ ولقد تابع هذا الاتجاه العالم الكبير ابن خلدون فقال: ومن علامتهم أيضا: دعاؤهم إلى الدين والعبادة: من الصلاة والصدق والعفاف. وقد استدلت خديجة على صدقه ﷺ بذلك وكذلك أبو بكر ولم يحتاجا في أمره إلى دليل خارج عن حاله وخلته. وهرقل حين جاءه كتاب النبي ﷺ يدعوه إلى الإسلام أحضر من وجده في بلدة من قريش وفيهم أبو سفيان يسألهم عن حاله, ثم انتهى من مناقشته لأبي سفيان إلى قوله: "إن يكن ما تقول حقا فهو نبي وسيملك ما تحت قدمي هاتين". وكان في الجو العربي نزعات تتجه نحو توحيد الله، لقد كان هناك الحنفاء الموحدون, والحمس الذين يفتخرون بالنسب إلى سيدنا إبراهيم ﵇، وكان هناك غيرهم من الذين أشركوا مع الله غيره في العبادة لا في الخالقية فتصدت الدعوة الإسلامية إلى

стр. 8

هؤلاء في استفاضة وفي تنوع من الأدلة لا لإثبات وجود الله فإن هذه القضية لم تكن في يوم هدفا من أهداف القرآن, ولم تكن في يوم من الأيام هدفا من أهداف الرسول ﷺ أو أحد أصحابه رضوان الله عليهم، وذلك لأن الإيمان بوجود الله مسلة بدهية، ولذلك فإن الهدف الأكبر كان هو إثبات التوحيد لله جل شأنه، فيستدل القرآن بالمشاهد الصادقة ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ . ويستدل بالمنطق الوجداني: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ . لقد كانت هذه الرسالة التي نقدم لها اليوم واحدة من الاتجاهات السلفية التي اتخذت منهاج بحثها الاعتزاز بالذاتية الإسلامية، كأساس للدراسة فإن من أصبح وأمسى وقد رضي بالله تعالى ربا وبالإسلام دينا، فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه. وهذا الكتاب الذي أعده واحد من أبنائنا الذين نعتز بهم جدير بالاهتمام, لأنه يوضح جانبا من الثقافة الإسلامية على منوال سلفي واضح. نسأل الله له التوفيق والسداد. هذا وبالله التوفيق. ١٧ من رجب ١٣٩٣هـ ١٦ من أغسطس ١٩٧٣م عبد الحليم محمود شيخ الأزهر

стр. 9

مقدمات مقدمة الطبعة الثالثة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثالثة: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين وبعد: فإن حاجة العالم أجمع للدعوة الإسلامية كان أمرا حتميا تمليه الظروف الحضارية والسياسية والعسكرية والدينية والاقتصادية التي كان يعيشها الإنسان الجاهلي: في أمة العرب، أو في أمة فارس، أو في أمة الرومان. ذلك لأن العقيدة وهي غاية الغايات لبني آدم إذ لم يخلقوا إلا ليعرفوا ربهم الواحد الأحد الفرد الصمد. هذه العقيدة كان قد تراكم عليها حطام الزنادقة في جميع بلدان العالم: - فقد كان العرب في اعتقادهم قد انحرفوا عن ملة إبراهيم وتوجهوا نحو أصنام لا تضر ولا تنفع. - وكان الفارسيون قد تخبطوا في اثنينية ماني بن فاتك ذلك الحكيم الفارسي الذي ظهر في زمان "سابور بن أردمشير" وقتله "بهرام بن هرمز بن سابو". فقد ذهب ذلك الحكيم المخرف إلى أن العالم مصنوع من النور والظلمة ثم اختلفوا بعد ذلك في العلاقة بين النور والظلمة. هل امتزجا بالخيط والإتقان أو بالقصد والاختيار.

стр. 10

كما اختلفوا في سبب هذا المزاج هل هو التشاغل, أو شيء آخر, ثم قالوا: إن المزاج القديم هو: امتزاج الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة. وأن المزاج الحديث هو: الخير والشر. ولم يكن في حلبة المحكمة سوى ماني بل كان هناك مزدك الذي ظهر أيام قباذ والد أنوشروان، ونهاية مذهبه شيوع في النساء والأموال والخلاص بالانتحار. - كما تخبط الرومانيون في عقائدهم فالألوهية عندهم أسرة تتناسل: تعيش وتموت، وتحب وتكره، وتغار وتكيد. فالإله "جوبيتر" يغضب على إله العلم والصناعة "برومثيوس" لأنه يعلم الإنسان كيف يستخدم النار في الصناعة فيعطيه قوة تصارع قوة الأرباب. كما كان "جوبيتر" يخدع زوجته "هيرة" فيرسل إليها الغمام ليحجب عنها الشمس حتى لا تراه مع عشيقاته. كذلك كان الإله "جوبيتر" شرها يحب الطعام لذلك كان يغضب على الإله "استولاب" إله الطب، لأنه يداوي المرضى وبذلك يحجبه عن جباية الضرائب على أرواح الموتى. - وفي الهند عجب عجاب آلهة تتوالد وتتناسل وبعضها لما يوجد فبينما الآلهة: براهما، وفشتو، وسيفا تتصاهر نجد لهما زميلا لما يولد بعد هو الإله كلاكي kalaki فهو إله بلا وظيفة, بل إن وظيفته لما تحدد بعد.

стр. 11

وفي زيارة لي لجزيرة بينانج pinang بماليزيا الغربية زرت معبدا لابن الإله سيفا وسألت الحارس: معبد من هذا؟ فقال لي: معبد ابن الإله سيفا. فقلت له: وأين أبوه؟ قال لي: إنه تحت هناك أسفل الجبل. فقلت له: ولم تركه أبوه؟ ألم يخشى عليه صعود الجبل؟ ألا يخشى أن تأكله الثعابين؟ أو أن يضربه الأطفال؟ فنظر إلي الرجل ونام، فقلت له: هل تعلم لماذا مات ابن الإله سيفا؟ قال: لا. قلت له: لأن الأطفال ضربوه على رأسه بعرف شجرة الرمبوتان. هل تترك العقائد هكذا يعبث بها البشر. آلهة تصنع من الحجارة، وخرافات تنظم عقائد، وفلسفة تقدس البشر، ومصالح شخصية تجعل الأسطورة دينا. لقد كانت الرسالة الإسلامية ذات أهمية خاصة لتصحح مسار الاتجاه الديني في البشرية بعد أن ضلت طريقها إلى العقيدة الصحيحة والإيمان المستقيم. وكذلك كان لا بد من مجيء الدعوة الإسلامية لتضع ميزانا كريما للأخلاق. فهل ستظل الأخلاق موجة بالمبدأ الشخصي عند السفوسطائية؟ ذلك المبدأ الأناني الذي يثير الفوضى في كل اتجاه. أو بمبدأ المعرفة دون احترام لبقية مكونات الإنسان وظروف حياته؟ أو ميزانها الوسط وما هو المعيار في معرفة هذا الوسط وهل الميزان في الفضيلة المجردة واحتقار الحياة وأساليبها؟ أو هل المعيار هو اللذة والمنفعة سواء كانت قريبة أو بعيدة خاصة أو عامة؟

стр. 12

هل الخليط الفلسفي المختلف في معيار الأخلاق وميزانها هو الرصيد الذي تحتاجه البشرية لمعرفة كمال الأخلاق التي تتفق مع كرامة الإنسان؟ وهل الإنسان قادر على أن يشرع لأخلاق زملائه من البشر؟ ومن هو ذلك الإنسان الذي يستوعب أفق عقله كل إمكانات البشر النفسية والعصبية والعقلية حتى يضع لهم ميزانا للأخلاق ومعيارا للسلوك؟ لذلك كانت الدعوة الإسلامية حتمية لإراحة الإنسان في مجال الأخلاق من مهاترات نظريات الفلاسفة المختلفين. وكذلك في السلم والحرب، وفي العلم والتعلم، وفي الاجتماع والأسرة، وفي الحرية والرق. كان لا بد لليل الكئيب أن ينتهي وتأتي شمس الحقيقة لتنير للناس الطريق الصواب في العقيدة والأخلاق والسلوك، والسلم والحرب، والعلم والتعلم، والعمل والإنتاج, والحرية والرق، والأسرة والمجتمع، والدولة والأفراد. بل، إن الدعوة الإسلامية كان لا بد وأن تأتي حتى لو كان المجتمع الإنساني فاضلا لتنقل سلوك المجتمع من العادة إلى العبادة لأن الغاية من وجود العباد في حياتهم الدنيا هي عبادة الله وحده، وهم قد عبدوا بالفعل لكنهم عبدوا أهواء، واخترعوا أديانا ما أنزل الله بها من سلطان. فكان لا بد للدعوة الإسلامية أن تأتي لهذه المهمة ويظهر ذلك جليا في قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ، فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا

стр. 13

وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٤, ١٥] . ولقد صادفت هذه الدعوة من القوى المعادية لها مثلما تصادفه اليوم. لقد صادفت من العلمانيين أصحاب الشهوة والملذات والمنفعة الشخصية صدا بالحرب، والإشاعة، والصد، والقطيعة, وجلب الفكر المعادي, كما صادفت الصليبية بقسميها: المتعصبة والعسكرية الغازية. كذلك لم يمهل اليهود عمر الدعوة منذ سمعوا عن بعثة سيدنا محمد ﷺ فألبوا عليه الخصوم من بعيد، ثم شرعوا أسنة الرماح وحاكوا جلابيب الغدر والخيانة وزينوا للنفاق والمنافقين مقاعد في حصونهم. وبنفس الأسلحة المعاصرة: التقدمية في لغة الشيوعيين. القومية في لغة العلمانيين. الدهاء والمراوغة والإشاعة في لغة المنافقين. اللقاء الروحي والسلام الاجتماعي في لغة الماجنين. والاعتقالات، والسجون، والحصار الاقتصادي، والزحف العسكري، والتضليل السياسي. كل ذلك واجهته الدعوة منذ عهدها المكي. لكنها استطاعت أن تتخطى الحواجز، وأن تتغلب على الصعاب لأنها لم ترتجل العمل ارتجالا، ولا ركنت إلى المعجزات كوسيلة، بل اتخذت لها -كما أراد لها ربها- المناهج، والمراحل، والوسائل، وساوقت بين المرحلة، والوسيلة، والمنهج حتى صنعت جماعة لا تعرف العرقية، ولا العصبية ولا الثأر للذات، ولا التفاني

стр. 14

في مجد الأسرة ولا حب الديار من أجل ليلى بل تعرف العقيدة آصرة، ومحل قرابة، ووطنا لجميع المسلمين. ثم تخطت بهذه الجماعة إلى بناء المجتمع الذي أقام أول دولة ذات أيديولوجية لا تقوم على أساس من الميراث الملكي، ولا الغلبة العسكرية، ولا على الجنس الواحد بل قامت بناء على رغبة من جميع بانيها، وعلى أساس من العقيدة التي هي آصرة الولاء والإخاء واللقاء في الله العلي العظيم. وكان بناءو هذه الدولة هم الأمة التي خاطبها الله ﷻ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] . ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] . ولئن كان الله ﷻ قد فتح علي من فيوضات رحمته وعلمه فكتبت عن تصوري فيما يتعلق بالدعوة الإسلامية في عهدها المكي لأبرز المراحل، والوسائل، والمناهج التي أسسها سيدنا رسول الله ﷺ في تبليغ الدعوة لتكون لنا أسوة ونبراسا، فسوف أحاول إن شاء الله أن أضع تصوري عن الدعوة في عهدها المدني من حيث المناهج والغايات كذلك، وكان ذلك عزمي منذ عشرة أعوام لولا أنني تركتها لعل بعض أبنائي في قسم الدعوة أو في كلياتها يكون لهم الحظ في التشرف بالاضطلاع بخدمة الدعوة في هذا الجانب. إلا أنني حتى هذا الحين لم أجد من كتب فيه. فعزمت بحول الله تعالى وقدرته على الإقدام لهذه المحاولة عسى الله جل شأنه أن يهبنا الفتوح والمدد كي أكمل خدمتي للدعوة الإسلامية في طوريها: الطور المكي الذي أقدم له بهذه المقدمة للطبعة الثالثة,

стр. 15

والطور المدني الذي أتعشم وآمل في فضل الله أن يرزقني نعمة التوفيق في حسن آدائه وكتابته والله من وراء القصد وهو وحده مالك الملك بيده الخير وهو على كل شيء قدير. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والدعاة المخلصين والتابعين بإحسان إلى يوم الدين١. انتهى في الدوحة, قطر عصر يوم الأربعاء ١٩ من رجب مضر ١٤٠٢هـ ١٢ من مايو ١٩٨٢م دكتور رءوف شلبي الأستاذ المعار إلى جامعة قطر

стр. 16

مقدمة المؤلف مدخل ... مقدمة المؤلف: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والداعين بدعوته إلى يوم الدين. وبعد.. فإن أحلى كلمة تقال وتصعد إلى الله مع الكلم الطيب هي كلمة الدعوة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ . وإن أشرف وظيفة على الأرض يتشرف بها الإنسان المسلم هي وظيفة الدعوة: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ . إن كل الوظائف على وجه الأرض تصدر عن تنظيم بشري أو قرار من سلطة الأرض إلا وظيفة الدعوة فإنها تصدر عن تفويض رباني وتوكيل عن النبوة العاقبة الخاتمة: "العلماء ورثة الأنبياء". لهذا استحقت الدعوة الإسلامية هذا الشرف المجيد واستحق المشتغلون بها تكريما خاصا وكان عليهم تجاهها واجب يثابون عليه أداء ويعاقبون عليه إهمالا. ولما كانت مادة الدعوة الإسلامية لم تحظ من قبل بتقعيد علمي لموضوعاتها بحيث يدرك السامع حدود وأبواب وفصول وميادين العمل لهذه المادة كما حظي الفقه والأصول وعلم الاجتماع والجعرافيا والتاريخ ... إلخ.

стр. 17

لقد كان من الواجب الذي يثاب عليه بالأداء ويعاقب عليه بالترك والإهمال أن تبذل جهود جمة لإبراز موضوعات الدعوة الإسلامية في إطار أكاديمي علمي حتى تكون نبراسا يستضاء به في الأحوال والظروف والملابسات المتشابهة. ولقد تفضل الل جل شأنه فمنحني من واسع فضله العون لأفتح للمشتغلين بالدعوة الإسلامية هذا الباب ولأقدم طرفا من الواجب تجاه أحلى كلمة تقال وتصعد إلى الله مع الكلم الطيب, وأعظم وظيفة يصدر قرارها من عند الله ورسوله الخاتم عليه أفضل الصلاة والسلام. فكانت هذه الرسالة منحة ونعمة وتوفيقا من عند الله. أعرض نواحيها الثلاث في هذه المقدمة عرضا موجزا.

стр. 18

أولا: الدافع الدافع إلى هذا البحث أمشاج من الظروف: أ- منها البعيدة والقريبة. ب- ومنها العالمية والخاصة. ١- إن أخص خصائص وظيفة الإنسان على وجه الأرض هي العبودية لله. والعبودية هي: أن تسجد جوارح الإنسان وقلبه وعقله لله وحده، ولا يتأتى مطلقا أن تتحقق هذه العبودية إلا إذا كانت القوامة عليه من الأفق الأعلى الكريم عن طريق الوحي الأمين.

стр. 19

ولقد استطاعت التربية الإسلامية عن طريق هذا الوحي في العهد النبوي المضيء ببركة النبي ﷺ أن تروض نفوس العرب على الانقياد لهذا الدين والاعتياد على السلوك، والأخلاق، والعادات، والتقاليد، التي أنشأتها معالم المنهج القرآني فكانت النقلة البعيدة من: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" في جوها الجاهلي. إلى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ . وبهذه العبودية التي حققها الرعيل الأول أنشأ القرآن "دولة الإسلام" أعز دولة في الوجود لم يكن لها من مآرب سوى أن تكون العبودية فوق الأرض لله وحده، فلا تسجد الجباه، ولا تخفق القلوب، ولا تقشعر الأبدان، إلا لجلال الله وعظمته وكبريائه، وبذلك فقط تتحقق للإنسانية كلها معاني الكرامة والسعادة في الحياة. ثم كانت نكسة المسلمين وانزواؤهم عن المنهج القرآني حتى وقفت البشرية اليوم على شفا جرف هار، وذاقت مرارة ضياع الدولة الإسلامية التي كانت تصون -بالعبودية لله- كرامة الإنسان وتضمن له الأمن على ماله وعرضه وحياته كلها. لقد كانت مأساة إنسانية عامة يوم خسر العالم دولة الإسلام. وإنه ليتذوق اليوم أنواعا شتى من مضاعفات هذه الخسارة. إن نار الحرب التي تتأجج في كل جانب من جوانب الأرض.

стр. 20

وإن الشقوة الاقتصادية التي أعمت عيون الأخصائيين مع الحيارى التائهين في أزقة الجوع والحرمان. وإن تزعزع الأمن للفرد والأسرة والدولة. وإن انحراف الأخلاق التي مزجت في الشكل والموضوع تقاسيم الرجال بالنساء. وإن الرعب العسكري الذي يحيط بالكرة الأرضية كلها. وإن الضياع الفكري الذي امتلأت به بطون كتب إبليسية تهوي بقيمة العقل في مستواه الإنساني، إلى مستوى الأنعام بل أضل. إن كل ذلك من المضاعفات التي جناها العالم كله نتيجة لضياع دولة الإسلام الحنيف وصدق الله العظيم: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ . ولن يعود للإنسان معناه وقيمته وكرامته إلا إذا عاد إلى العبودية لله وحده، ولن يتأتى مطلقا أن يحقق الإنسان العبودية لله وحده إلا إذا عادت القيادة إلى القرآن الكريم وحده: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ . فالقرآن وحده هو الذي يملك توجيه الحياة إلى الصراط المستقيم والإسلام وحده هو الذي يملك إعادة بناء الإنسانية ليعد للإنسان معناه وقيمته وكرامته؛ للمسلم ولغيره على السواء.

стр. 21

والسؤال الآن: هل في حياة الدعوة الإسلامية منهج يمكن من إعادة هذا البناء؟ ٢- لقد قامت في هذه القاعة الكبرى بالجامع الأزهر الشريف عدة دورات دراسية عن أسلوب العمل مع الجماعة لمجموعات من شباب الأزهر الذين شِيءَ لهم حسبما زعم يومها أن يكونوا رواد العمل الاجتماعي في الوحدات المجمعة التي تتبع وزارة الشئون الاجتماعية لخدمة الريف المصري. وكان أساس هذه الفكرة ادعاء أن الثقافة الأزهرية أو الإسلامية خالية من أسس ومناهج العمل مع الجماعة, وأكد المدرسون الذين اختيروا من خريجي جامعات أوربا وأمريكا ذلك الزعم. فهل كان ذلك حقا؟ ٣- ثم مضت أيام وتبدلت أحوال وكرمني الله جل شأنه فأنابني الأزهر الشريف عنه في تبليغ الرسالة بالقطر الحبيب أندونيسيا وكلفت بتدريس مادة الدعوة الإسلامية في العصر الحديث بكلية أصول الدين بسومطرة الجنوبية palembang فوقع في نفسي أنه لا يمكن تدريس مادة الدعوة الإسلامية في العصر الحديث إلا إذا عدنا إلى مرحلتها الأولى في العهد النبوي، والناس يومها في رحاب النبي الكريم يتشرفون بالاتصال بالملأ الأعلى، وبالوحي الذي يترى ويأخذ بأيديهم رويدا رويدا إلى العبودية لله وحده. لا سيما أن ناسا في أندونيسيا تعدادهم يزيد أو ينقص على أربعة ملايين من البوذيين

стр. 22

ما زالوا يعكفون على عبادة الأصنام ومنطقهم كمنطق الذين مضوا: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . ٤- وكان هناك دافع آخر هو ما تعانيه الدعوة الإسلامية من الفشل حتى تعرضت للتصفية ولم يبق لها كما يقولون من أثر بعد عين إلا الجامع الأزهر الشريف الذي تتكأكأ عليه محن وإحن. فهل هذا الفشل العام الذي أصاب حقل الدعوة الإسلامية سببه خروج العاملين عن المنهج الذي حدده الله للدعوة؟ تلك هي الدوافع أو هي كلها الدافع الذي وجهني لتحمل مسئولية شرف هذه الدراسة منذ عام ١٩٦٤م. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .

стр. 23

ثانيا: المنهج والمنهج الذي التزمته بتوفيق الله في عرض هذه الدراسة قام على ركيزة خاصة هي: "الذاتية الإسلامية". إن الذاتية الإسلامية ليست مفهوما يصور في حد أو رسم منطقي أو فلسفي ولكنها سلوك عملي قدم له الرعيل الأول إطاره الذي يعيه العقل المسلم وتطبقه الجوارح الخاشعة.

стр. 24

لقد قال سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه لأمه: والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت واحدة واحدة ما تركت دين محمد ﷺ . وقالت: زنيرة يوم عذبوها فكف بصرها فقالوا: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كذبوا والله؛ ما تضر اللات والعزى ولا تنفعان. والذاتية الإسلامية في حدودها الإسلامية هي ما يصفه سيدنا عبد الله بن مسعود ﵁: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن. لقد كان هناك قصد من الجماعة الإسلامية نفسها أن يكون النبع الذي تستقي منه هو القرآن الكريم وحده, وهي يوم أن تستقي من القرآن الكريم لا تستقي للثقافة والعلم أو للنهضة الفكرية أو للحركة الدائبة في الدراسة والبحوث والمناقشة، ولكنها كانت تستقي منه لتحقق العبودية المطلقة لله وحده. وكانت الأمة الإسلامية تستقي من النبع الصافي وتتخرج عليه وتتكيف به لذته لا لفقر عالمي في الثقافة أو جدب في العلوم والمعارف. فلقد كانت للعرب أسواق للأدب والحكم. ولقد كان لفارس والروم والهند والصين ثقافات ومعارف. ولكنها كلها نبع طيني لا ينهض لبناء حضارة تقوم العبودية فيها لله وحده، ويتحقق بها للإنسان معناه وقيمته وكرامته.

стр. 25

ومن هنا فإن رسول الله ﷺ يوم غضب لورقة من التوراة كان يقرؤها سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ قال له: $"والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني". كان يقصد ﵊ بهذا الغضبة الربانية أن يظل النبع الصافي الذي تستقي منه الأمة الإسلامية ماء حياتها هو القرآن الكريم وحده. وإذن فالركيزة التي يجب أن يقوم عليها منهج البحث الإسلامي عامة, وخاصة في مجال الدعوة ورسالتي هذه: هي الذاتية الإسلامية. تلك التي جعلت الدنيا كحلقة مغفر في يد الرعيل الأول فأقاموا دولة العبودية لله في أقل من ربع قرن وصار في خلالها الرجل يسير من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه. وحدات المنهج: أولا: قسمت الدعوة إلى قسمين رئيسين: ١- دور العرض. ٢- دور الدفاع. ثم قسمت دور العرض إلى قسمين: ١- دور العهد المكي, وهو موضوع هذا البحث. ٢- دور العهد المدني, وهو بحث أسأل الله تعالى أن ييسره لي لتتم نية صالحة لخدمة الدعوة الإسلامية.

стр. 26

ودور الدفاع ينقسم إلى قسمين: ١- دفاع عن المجابهة الفكرية الثقافية. ٢- ودفاع عن الخصومة التاريخية. فموقع هذه الدراسة ومكان هذا البحث من هذا التقسيم هو العهد المكي فقط، لأن النواة الأولى التي ستترعرع بعد إن شاء الله في العهد المدني لتتكون منها ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ . ثانيا: قسمت دراسة العهد المكي إلى: ١- مرحلة تمهيدية تصور البيئة التي نشأت فيها الدعوة، وكيف هيأ الله تعالى نبيه محمدا ﷺ في هذا الجو ليكون للعالمين نذيرا، واستتبع هذا العمل تحديد المراد من اصطلاح الدعوة الإسلامية فقدمت حديثا عن التعريف بالدعوة الإسلامية وناقشت بعض الآراء التي تعرضت لتحديد المراد من هذا الاصطلاح ليكون حادي الطريق في دراسة العمل الإسلامي مستقبلا إنْ في العهد المكي أو في العهد المدني أو في دور مناقشة الخصوم والمجابهين للدعوة فيما بعد إن شاء الله. ٢- ثم دراسة التحرك النبوي منذ بدئَ نبيا بالرؤيا الصالحة لاستنباط وحدات المناهج التي قدمتها الدعوة الإسلامية منذ القرون الوسطى لتكون أسلوبا عمليا للعمل مع الجماعة، في مستقبل حياة الأمة الإسلامية ﴿وَلَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ .

стр. 27

ثالثا: التزمت في دراسة هذه المرحلة تاريخ الدعوة من مصادر رئيسية ثلاثة: - القرآن الكريم وعلومه. - والسنة الإسلامية وشروحها. - وكتب السيرة المعتمدة وخاصة ما دونه السالفون الذين تسمح حياتهم الاجتماعية بالثقة والاطمئنان إلى ما كتبوه بوعي وإخلاص. وقد استبعدت في عرضي لهذا الدور المكي المناقشات مع الخصوم، كما رفضت الأخذ في كتبهم فلهم دور سيأتي فيما بعد إن شاء الله. رابعا: اعتمدت في إبراز نتائج الدعوة الإسلامية على القرآن الكريم المكي وحده لأنه منبعها الأصيل الذي قصد به رسول الله ﷺ أن يكون وحده المنبع الذي تستقي منه الأمة الإسلامية ماء حياتها، وقد أثبتت الأحداث التاريخية فيما بعد صحة وصدق ذلك في التربية والبناء. خامسا: درست النظريات الحديثة بعد انتهائي من استيعاب ما كتب عن العهد المكي في مراجعه الأصيلة، لأتعرف على مقدار ما اقترضه الغربيون ثم أصبحوا به يفتخرون. سادسا: كنت أحاول أن أختبر وحدات المنهج التي استخلصتها قبل تدوين البحث في البيئة المماثلة للحياة الجاهلية حيث منحني الله جل شأنه فرصة التشرف بالعمل الإسلامي في ماليزيا في وظيفة تتساوى مع طبيعة البحث ودراساته.

стр. 28

سابعا: مع وضوح المعلومات في رأسي حسبما كان يرزق الله جل شأنه، فإني كنت أنتظر دائما لحظات تفضله جل وعلا أن يشرح لي صدري للكتابة, وكثيرا ما كنت أبدؤها بعد صلاة ركعتين لله تقربا وشكرا ودعاء. ثامنا: اخترت في عرض مادة الرسالة الأسلوب الذي يتفق مع الذاتية الإسلامية، فلم أجنح إلى صرامة الأسلوب الفلسفي المنطقي الذي يعتمد على إثبات المقدمات وإقامة الملازمات، ولم أجنح إلى الأسلوب الطنان البراق الأديب، ولكن حاولت أن أكون مع أسلوب الدعوة حيث تكون هي منطقية كقرآنها أو وجدانية كقرآنها، مرغبة أو مرهبة كقرآنها, لقد كان الأسلوب الذي أحاول به تدوين مادة هذه الرسالة هو أسلوب الدعوة الإسلامية حسب طبيعة مواقفها: صرامة وحنانا. فإن أكن هديت فلله وحده المنة والفضل والله يهدي من يشاء, وإن تكن الأخرى، فكل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب الروضة الشريفة ﷺ . ومع هذا فقد كان الإخلاص لله رائدي والخير قصدي والله من وراء القصد، أستغفر الله لي ولكم وحسبي في ذلك: "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون". هذا وبالله التوفيق متولي يوسف شلبي الشهير: رءوف شلبي

стр. 29

الباب الأول: مناهج الدعوة الإسلامية في عهدها المكي الفصل الأول: منهج إثبات وحدانية الله تعالى تمهيد حول مفهوم الدعوة الإسلامية ... الفصل الأول: منهج إثبات وحدانية الله تعالى: تمهيد: حول مفهوم الدعوة الإسلامية في مجال الحديث عن الدعوة الإسلامية يتحتم تحديد المفهوم من هذا الاصطلاح لكثرة بريق الشعارات والاصطلاحات في العصر الحديث، إن المواجهة للإسلام وإن غيرها، حتى يتميز جانب الدعوة الإسلامية عن كل ما يغايرها، سواء كان ذلك الغير ملتقيا معها أو كان مخالفا لها. والدعوة الإسلامية في التصور العادي البسيط ليست مبادئ بيئة خاصة، وليست ظاهرة اجتماعية لظروف خاصة. ولا هي مثل عليا فقط لجماعة مثالية من البشر. ولا هي دعوة مادية لإيواء المشردين، وإشباع الجائعين، وكساء العرايا، وإنما هي شيء غير ذلك نعالجه في هذه المحاولة مع بعض المشتغلين بها بحثا ومعملا. "أ" مع فضيلة الشيخ علي محفوظ: في كتاب "هداية المرشدين" تحت عنوان "مفهوم الدعوة" قال الشيخ رحمه الله تعالى: "إن الدعوة إلى الله حياة الأديان، وأنه ما قام دين من الأديان ولا انتشر مذهب من المذاهب، ولا ثبت مبدأ من المبادئ إلا بالدعوة.

стр. 30

وما تداعت أركان ملة بعد قيامها ولا درست رسوم طريقة بعد ارتفاع أعلامها، ولا تلاشت نزعة من النزعات بعد إحكامها إلا بترك الدعوة، فالدعوة حياة كل أمر عام تدعى إليه الأمم والشعوب, سواء أكان الأمر حقا أم باطلا"١. ففي كلام الشيخ -رحمه الله تعالى- محاولة لتوضيح بعض مفهوم الدعوة كحركة تنفيذ وتطبيق للمبادئ المنشودة مطلقا، فهي ظلال عامة لجزء من مفهوم الدعوة بإطلاقها العام، وليس في كلامه بيان عن حقيقة التعريف الذي يجلي مفهوم الدعوة الإسلامية كاصطلاح, وكل ما في كلامه توضيح اتجاه حول مفهوم الدعوة بالنسبة لمبدأ ما كحركة حياة له. وعلى كل حال فإن الشيخ ﵀ قد فتح لنا الطريق وأعطانا إشارة للتفرقة بين الدعوة كحركة بناء لمبدأ ما وبين المبدأ كفكرة تحتاج إلى هذا البناء. وإذن: فإن مفهوم الدعوة غير مفهوم الدين، إذ الدعوة كما يذكر النص السالف: "حياة الأديان"، إنها حركة التبليغ لمبدأ ما، حقا كان أو باطلا "والمبادئ لا يقوم صرحها إلا بالدعوة". فالدعوة بالنسبة للدين أو للمبدأ عملية إبراز لوجوده وتنفيذه في الواقع الحي الملموس.

стр. 31

ونمضي مع الشيخ ﵀ فنجده في موضع آخر تحت عنوان "معنى الدعوة" يقول: "الدعوة من الدعاء إلى الشيء، بمعنى الحث على قصده، ومنه قول الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ ١. ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ ٢. ومثلها الدعاية، وفي كتاب هرقل: "أدعوك بدعاية الإسلام"، أي بدعوته وهي كلمة الشهادة التي يدعى إليها أهل الملة الكافرة. وفي العرف: حث الناس على الخير والهدى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليفوزوا بسعادة العاجل والآجل٣. بهذا التعريف حاول فضيلة الشيخ علي محفوظ -رحمه الله تعالى- أن يضع مفهوما لاصطلاح الدعوة الإسلامية بأنها: الحث على الخير والهدى ... إلخ. فأعطانا بهذه المحاولة -في أقل تقدير- أن عملية الدعوة ليست هي الدين نفسه بل هي إيجاد الدين كسلوك واقعي محسوس. وهذا هو الذي يبدو في تصور مفهوم الدعوة الإسلامية.

стр. 32

ب- مع الأستاذ محمد الراوي: ولهذا، فإن التعريف الذي وضعه الأستاذ محمد الراوي في كتابه، "الدعوة الإسلامية دعوة عالمية" لم يكن دقيقا لأنه خلط بين مفهوم الدعوة ومفهوم الدين وعبارته. فما هذه الدعوة إذن؟ بعد أن تمت وكملت على يد خاتم النبيين سيدنا محمد ﷺ يمكننا أن نقول: إنه دين الله الذي ارتضاه للعالمين تمكينا لخلافتهم، وتيسيرا لضرورتهم، ووفاء بحقوقهم ورعاية لشئونهم، وحماية لوحدتهم، وتكريما لإنسانيتهم وإشاعة للحق والعدل فيما بينهم هي الضوابط الكاملة للسلوك الإنساني وتقرير الحقوق والواجبات١. فلم يفصل الأستاذ الراوي بين الدعوة كحركة لبناء الدين عمليا، والدين كضوابط للسلوك البشري تنزل بها الوحي الأمين على النبي المعصوم. ففي الدراسات التي قام بها فضيلة الدكتور محمد عبد الله دراز تحديد لمفهوم الدين ملخصه بأنه: "جملة النواميس النظرية التي تحدد صفات تلك القوى الإلهية، وجملة القواعد العملية التي ترسم طريق عبادتها"٢. وهذا يغاير في دلالته مفهوم الدعوة الإسلامية.

стр. 33

فالتعريف الذي ذكره الأستاذ الراوي لم يميز الدعوة الإسلامية عن مفهوم الدين، بل إنه مزجهما وجعلهما شبه مترادفين. ولعل العذر الذي يلتمس له أن مفهوم الدعوة الإسلامية قد استخدم استخداما سهلا ميسرا في الأسلوب الخطابي أو في التعبير الحماسي. بالإضافة إلى أن محاولة شرح مفهوم الدعوة الإسلامية ما زالت ميدانا بكرا لما يشرف بالعمل في روضته باحثون. غير أن المتصدي للعمل الفكري في مجال الدعوة الإسلامية قمين به أن يبدأ بتحرير المراد من هذا الاصطلاح: الدعوة الإسلامية.

стр. 34

تحديد المراد من محاولة التعريف: ومن الخير أن أجلي موقفي من محاولة تحديد مفهوم الدعوة الإسلامية أنه ليس مسلكا تقليديا لما هو معروف عند المشتغلين بالدراسات المنطقية المتأثرين باستخدام الجنس والفصل. إن في حدودهم التامة أو رسومهم في التعاريف الخاصة بأبحاثهم وعلومهم. ليس ذلك مسلكي، ولن يكون أبدا، فإنه لا يليق بذاتية الدعوة الإسلامية أن يتواضع فكر الباحث فيها وهو تحت ظلالها لتفترض من أفكار غير قرآنية أجناسا وفصولا يصنع به للدعوة الإسلامية حدودا أو رسوما توضح مفهومها. ذلك لأن القضية من وجهة نظري: أن الاشتغال بالدعوة الإسلامية حتى في جانبها الفكري، ينبغي أن يكون بعيدا عن التبعية لاتجاهات

стр. 35

أجنبية غريبة عن بيئة القرآن الكريم، بعيدة عن المنهج النبوي الكريم، ناشزة عن مقياس ومقومات الروح الإسلامية السليمة. وإنه في رأيي؛ لمن الوهن في العقيدة أن يرجع في أبحاث إسلامية لا سيما في الدعوة الإسلامية إلى كتاب أو مرجع غير دستورها الأصيل الخالد: "القرآن الكريم، والسنة المطهرة". وما منطق اليونان الذي استعمر الفكر الإسلامي منذ تعريبه وشغف الناس به إلا فساد للفكر الإسلامي، قد أفسد علينا كثيرا من قضايا الفقه والأصول، حتى صارت صناعة التعريف أولى من تحصيل الأحكام وتطبيقها وصارت دراية ذلك أساسا لتقويم العالم، وميزانا لكتابته في تلك الفنون. وما منطق اليونان على شهرته الممتدة إلا عبث، وانحراف عن الطريق السواء. إن شأنه في ذلك شأن الفلسفة العقلية التي تبحث في الغيب، فتهوى في جهل سحيق. وأشهر من تولى كبر هذا المنطق إنما هو "أرسطو" الذي يعتبره بعض المؤرخين أكبر عقلية فلسفية ظهرت على وجه التاريخ، وهو أيضا أشهر الذين انهار مذهبهم في عالم ما وراء الطبيعة، وكان إخفاق عقله هذا فيما يختص بمعرفة الغيب من أوضح الأدلة على أن عالم الغيب أسمى من أن يتناوله العقل البشري الخطاء١.

стр. 36

والدعوة الإسلامية مصدرها ما وراء الطبيعة أنها من وحي الله المعصوم إلى نبيه الخاتم المعصوم فهي لهذا أسمى وأجل. هي بهذا أرفع وأقدس من المنطق البشري الخطاء على أن تلاميذ أرسطو لم يعجبوا بمنطق شيخهم، ويقول الأستاذ "سانت لانا" بعد أن ذكر الاعتراضات على مذهب أرسطو: "إن ذلك حمل التلامذة من بعد موته على الإياس من الإلهيات، والتفرغ إلى علم الطبيعة وعلم الأخلاق، اختصوا بهما في القرن الثالث قبل الميلاد، حتى لقنوا بالطبيعيين"١. فكيف يرضينا نحن الشباب المسلم بله الشبب من علماء الأزهر الشريف أن نأخذ من هذا العبث أجناسا وفصولا مخترعة من العقل البشري الناقص الخطاء لتكون تحديدا لمفهوم دعوة ربانية أساسها الوحي المعصوم؟ على أن الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- لم يرتض هذا المنطق من قبل كآلة الفكر الإسلامي، فيقول: "وربما ينظر في المنطق أيضا من يستحسنه ويراه واضحا فيظن أن ما ينقل عنهم من الكفريات مؤيدة بمثل تلك البراهين، فاستعجل بالكفر قبل الانتهاء إلى العلوم الإلهية، فهذه الآفة أيضا متطرقة إليه"٢.

стр. 37

والإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه- يرفض المنطق اليوناني كمادة ثقافية للعقلية الإسلامية، فيقول: "ما جهل الناس، ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب، وميلهم إلى لسان أرسططاليس"١. والترتيب الذي صنعه أرسطو بالمنطق كان منسجما مع لغة اليونان التي تحتاج في مجال البرهان بألفاظها إلى منسق. أما العربية ففيها من القواعد، وأساليب الشرط والجزاء وأدوات الترتيب والعطف والبيان والتمييز والأخبار ما يحكم الربط بين أجزائها، يحكم الربط في جرس موسيقي سليم، ويحكم الربط في التئام المعنى مؤديا غايته مثمرا نتائجه في صورة أبهى وأدق وأحكم من مقدمات أرسطو التي قد تكون كاذبة المضمون، والتي لا تفي بذاتها -ولو كانت صادقة- بالمقاصد الدينية على حد ما ذهب إليه الإمام الغزالي: "أنهم يجمعون للبرهان شروطا يعلم أنها تورث اليقين لا محالة". "لكنهم عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية ما أمكنهم الوفاء بتلك الشروط، بل تساهلوا غاية التساهل"٢. فهل بعد هذا يلج داعية مسلم بابا من كتب هؤلاء القوم، سواء في مجال التقعيد الثقافي لفكرة الدعوة أو في مجالها التطبيقي؟

стр. 38

فلا مفر إذن من الالتزام بالمنطق الإسلامي للحفاظ على ذاتية الدعوة الإسلامية بالعود إلى مصادرها الربانية التي عصمها الله ﵎. ومن أوليات هذا الالتزام للتجرد من التبعية مطلقا، تجردا من التبعية في: - الفكر. - وفي المنهج. - وفي القصد. هذا التجرد يجب أن يكون مخلصا وخالصا لوجه الله وفاء لدينه الحنيف وامتثالا لشريعته الغراء. يروي الإمام أحمد -رضي الله تعالى عنه- بإسناد صحيح عن سيدنا جابر -رضي الله تعالى عنه- أن سيدنا عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي ﷺ قال: فغضب، وقال: "أتتهوكون فيها يابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني". ثم يقوم النبي ﷺ خطيبا ليحدد معالم التثقيف للفرد المسلم ومصادر تعليمه فيقول:

стр. 39

"يا أيها الناس! إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي اختصارا وقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكون ولا يغرنكم المتهوكون". ثم أمر ﷺ بتلك الصحيفة فمحيت حرفا حرفا. وتتكرر الحادثة ويتكرر نصح النبي ﷺ فيتضح أن الاستقلال بالدستورية الإسلامية في التفكير والتثقيف أمر واجب. يروى أن جريرا قال: جاء أناس من المسلمين بكتب كتبوا فيها ما سمعوه من اليهود، فقال النبي ﷺ : "كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم، إلى ما جاء به غيره" ١. فجعل ﵊ مجرد الميل إلى وحي آخر لنبي آخر يعتبر ضلالة في العرف الإسلامي فكيف بالجنوح إلى خارج دائرة الوحي الإلهي؟ كيف بالجنوح إلى دائرة الفكر البشري؟ كيف بالجنوح إلى منطق أرسطو الذي ما قدر لله حق قدره؟ وتتكرر الحادثة مرة أخرى -ثالثة- ويتكرر معها نصح النبي ﵊ فتتضح شرعية وجوب الاستقلال بالدستورية

стр. 40

الإسلامية في التفكير والبحث، فعن الإمام الزهري ﵁ أن حفصة -رضي الله تعالى عنها- جاءت إلى النبي ﷺ بكتاب من قصص يوسف في كشف، فجعلت تقرؤه، والنبي ﷺ يتلون وجهه، ثم أعاد عليها ما سبق أن قال للآخرين، وهو: "والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا بينكم فاتبعتموه وتركتموني ضللتم، وأنا حظكم من النبيين وأنتم حظي من الأمم" ١. ويستقر الأمر على هذا, على أن الذاتية الإسلامية في البحث منهج واجب. فقد مر الصحابة يوما على جماعة من اليهود، وهم يتلون التوراة، فتخشع المسلمون فعاتبهم رسول الله ﷺ وتلا: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢. "ج" مع الأستاذ البهي الخولي: ولقد أحسن بهذا المنهاج الأستاذ البهي الخولي فعرف الدعوة الإسلامية تعريفا بعيدا عن دائرة المنطق البشري، ومهد لذلك بقوله: "فما هي الدعوة مجردة عن التعريف الفني والحد الاصطلاحي؟ ".
следующие страницы →