← Сира

Сира · id 11736

الدعوة الإسلامية في عهدها المكي مناهجها وغاياتها

رؤوف شلبي

Полный текст (713 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والدعوة الإسلامية مصدرها ما وراء الطبيعة أنها من وحي الله المعصوم إلى نبيه الخاتم المعصوم فهي لهذا أسمى وأجل. هي بهذا أرفع وأقدس من المنطق البشري الخطاء على أن تلاميذ أرسطو لم يعجبوا بمنطق شيخهم، ويقول الأستاذ "سانت لانا" بعد أن ذكر الاعتراضات على مذهب أرسطو: "إن ذلك حمل التلامذة من بعد موته على الإياس من الإلهيات، والتفرغ إلى علم الطبيعة وعلم الأخلاق، اختصوا بهما في القرن الثالث قبل الميلاد، حتى لقنوا بالطبيعيين"١. فكيف يرضينا نحن الشباب المسلم بله الشبب من علماء الأزهر الشريف أن نأخذ من هذا العبث أجناسا وفصولا مخترعة من العقل البشري الناقص الخطاء لتكون تحديدا لمفهوم دعوة ربانية أساسها الوحي المعصوم؟ على أن الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- لم يرتض هذا المنطق من قبل كآلة الفكر الإسلامي، فيقول: "وربما ينظر في المنطق أيضا من يستحسنه ويراه واضحا فيظن أن ما ينقل عنهم من الكفريات مؤيدة بمثل تلك البراهين، فاستعجل بالكفر قبل الانتهاء إلى العلوم الإلهية، فهذه الآفة أيضا متطرقة إليه"٢.

стр. 37

والإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه- يرفض المنطق اليوناني كمادة ثقافية للعقلية الإسلامية، فيقول: "ما جهل الناس، ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب، وميلهم إلى لسان أرسططاليس"١. والترتيب الذي صنعه أرسطو بالمنطق كان منسجما مع لغة اليونان التي تحتاج في مجال البرهان بألفاظها إلى منسق. أما العربية ففيها من القواعد، وأساليب الشرط والجزاء وأدوات الترتيب والعطف والبيان والتمييز والأخبار ما يحكم الربط بين أجزائها، يحكم الربط في جرس موسيقي سليم، ويحكم الربط في التئام المعنى مؤديا غايته مثمرا نتائجه في صورة أبهى وأدق وأحكم من مقدمات أرسطو التي قد تكون كاذبة المضمون، والتي لا تفي بذاتها -ولو كانت صادقة- بالمقاصد الدينية على حد ما ذهب إليه الإمام الغزالي: "أنهم يجمعون للبرهان شروطا يعلم أنها تورث اليقين لا محالة". "لكنهم عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية ما أمكنهم الوفاء بتلك الشروط، بل تساهلوا غاية التساهل"٢. فهل بعد هذا يلج داعية مسلم بابا من كتب هؤلاء القوم، سواء في مجال التقعيد الثقافي لفكرة الدعوة أو في مجالها التطبيقي؟

стр. 38

فلا مفر إذن من الالتزام بالمنطق الإسلامي للحفاظ على ذاتية الدعوة الإسلامية بالعود إلى مصادرها الربانية التي عصمها الله ﵎. ومن أوليات هذا الالتزام للتجرد من التبعية مطلقا، تجردا من التبعية في: - الفكر. - وفي المنهج. - وفي القصد. هذا التجرد يجب أن يكون مخلصا وخالصا لوجه الله وفاء لدينه الحنيف وامتثالا لشريعته الغراء. يروي الإمام أحمد -رضي الله تعالى عنه- بإسناد صحيح عن سيدنا جابر -رضي الله تعالى عنه- أن سيدنا عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي ﷺ قال: فغضب، وقال: "أتتهوكون فيها يابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني". ثم يقوم النبي ﷺ خطيبا ليحدد معالم التثقيف للفرد المسلم ومصادر تعليمه فيقول:

стр. 39

"يا أيها الناس! إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي اختصارا وقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكون ولا يغرنكم المتهوكون". ثم أمر ﷺ بتلك الصحيفة فمحيت حرفا حرفا. وتتكرر الحادثة ويتكرر نصح النبي ﷺ فيتضح أن الاستقلال بالدستورية الإسلامية في التفكير والتثقيف أمر واجب. يروى أن جريرا قال: جاء أناس من المسلمين بكتب كتبوا فيها ما سمعوه من اليهود، فقال النبي ﷺ : "كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم، إلى ما جاء به غيره" ١. فجعل ﵊ مجرد الميل إلى وحي آخر لنبي آخر يعتبر ضلالة في العرف الإسلامي فكيف بالجنوح إلى خارج دائرة الوحي الإلهي؟ كيف بالجنوح إلى دائرة الفكر البشري؟ كيف بالجنوح إلى منطق أرسطو الذي ما قدر لله حق قدره؟ وتتكرر الحادثة مرة أخرى -ثالثة- ويتكرر معها نصح النبي ﵊ فتتضح شرعية وجوب الاستقلال بالدستورية

стр. 40

الإسلامية في التفكير والبحث، فعن الإمام الزهري ﵁ أن حفصة -رضي الله تعالى عنها- جاءت إلى النبي ﷺ بكتاب من قصص يوسف في كشف، فجعلت تقرؤه، والنبي ﷺ يتلون وجهه، ثم أعاد عليها ما سبق أن قال للآخرين، وهو: "والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا بينكم فاتبعتموه وتركتموني ضللتم، وأنا حظكم من النبيين وأنتم حظي من الأمم" ١. ويستقر الأمر على هذا, على أن الذاتية الإسلامية في البحث منهج واجب. فقد مر الصحابة يوما على جماعة من اليهود، وهم يتلون التوراة، فتخشع المسلمون فعاتبهم رسول الله ﷺ وتلا: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢. "ج" مع الأستاذ البهي الخولي: ولقد أحسن بهذا المنهاج الأستاذ البهي الخولي فعرف الدعوة الإسلامية تعريفا بعيدا عن دائرة المنطق البشري، ومهد لذلك بقوله: "فما هي الدعوة مجردة عن التعريف الفني والحد الاصطلاحي؟ ".

стр. 41

فقد أدرك ببصيرة المسلم أن الدعوة الإسلامية، بتركيبها لا تنسجم ولا ينبغي أن تنسجم مع قيود المنطق واحترازاته فأطلقها من هذا العقال لأنها ربانية في وجهتها ومنهاجها. إنها ربانية في كل شيء يتصل بها والمنطق الأرسطي بشرى في كل شيء. ولهذا فقد عرفها الأستاذ البهي الخولي بتعريف خاص بعيد عن قيود المنطق فقال: "هي نقل الأمة من محيط إلى محيط"١. ثم يعلل ذلك بقوله: "ومن ظنها غير ذلك فقد جهل نفسه ورسالته"٢. إن الذاتية الإسلامية هي الموقف الطبيعي الذي يجب أن يمارسه وأن يلتزمه المسلم العادي بله الداعية ولعل في الحديث الشريف: "رضيت بالله تعالى ربا، وبالإسلام دينا، وبسيدنا محمد ﷺ نبيا ورسولا" ٣. ما يلزم المسلم باتباع هذه الذاتية، اتباعا في التفكير، وفي السلوك، وفي المشاعر، وفي البحث، ويزكي هذا الاتجاه قول الرسول ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين" ٤.

стр. 42

على بدء نعود ظلال على التعريف: ونعود بعد هذا إلى محاولة تعريف الدعوة الإسلامية مستخدمين الذاتية الإسلامية منهاجا. الدعوة عملية إحياء لنظام ما لتنتقل الأمة بها من محيط إلى محيط. والدعوة الإسلامية على هذا حركة إحياء للنظام الإلهي الذي أنزله الله على نبيه الخاتم. هذا النظام الإلهي قد اتخذ له مجرى في الحياة الإنسانية فكان له: تاريخ يحفظ للدعوة منهاجا. ودعاة حملوها للناس بمنهاجها الفاضل. وكان لها غايات حققت بها للبشر حياة ربانية. فاكتمل لهذه الدعوة في الوجود الإنساني بناء دولة قامت على أسس الإسلام فحققت عبودية الإنسان لربه ونشرت العدل والرخاء والبر للبشر عامة، وصانت الأمن النفسي, والاجتماعي، والسياسي، وأكرمت بني الإنسان قاطبة له, لا فرق بين أبيضهم وأسودهم إلا بالتقوى ورعاية حقوق الله وقد انزوى في ظلالها كل لون للتعصب، وأفلس الشيطان وكسدت بضاعته، وبات حظ الماجنين فيها ضعيفا.

стр. 43

فانتشر فيها عبير الخلق الفاضل وشاع فيها الخير والتوادد والبر والتعاطف والتراحم والإيثار، فأدى الإنسان وظيفته التي خلقه الله لها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١. وسجدت لله فيها جباه عزت بطاعة ربها، وهدي بها إلى سبيل الحق وطريق الله خلق كثير. هذه الدعوة في دولتها الإسلامية الأولى هوجمت في صورة الدولة الإسلامية، هوجمت من عناصر التعصب القومي، والتعصب الديني اليهودي، والمسيحي، والتعصب بالخشوع للفكر غير الإسلامي فتصدعت، تصدعت الدولة الأولى وهي في شرخ صباها ورواء فتوتها فتلاشت بهذا التصدع ركيزة العدل وإن بقي للدعوة أصولها إنجازا لوعد الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢. ومن هنا فإن المفهوم الذي نتصوره ونراه لائقا بتاريخ الوجود الإسلامي هو: أولا: جانب الدعوة في مبادئ النظام الإلهي الذي بعث بها سيدنا محمد ﷺ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن الله. وأساس هذا الجانب في التصور هو: القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

стр. 44

وملخص هذا الجانب: إحياء الإسلام، وبعثه من أصوله الثقافية النظرية إلى سلوك عمل أخلاقي في الحركة والعمل والتعايش الإنساني ومهمة هذا الجانب، عرض الدعوة كفكرة. وتطبيقها كسلوك. وتحتاج هذه المهمة إلى منهاج يستخدم في العرض، وتحتاج كذلك إلى غاية تكون مقياسا صحيحا لمجال التطبيق ومداه. كما تحتاج إلى داعية يتشرف بالاضطلاع بأعباء العمل في سبيل الله. ثانيا: جانب الدعوة في لقائها مع الخصوم: أ- الخصوم التاريخيين: الذين التقوا بها في حروب الصليب وكان من نتائجها: ١- الاستعمار الثقافي. ٢- التبشير المسيحي. ٣- الاستشراق. ٤- الاستعمار العسكري. ٥- الصهيونية العالمية ويهودها.

стр. 45

ب- الخصوم الفكريين: الذين يجابهون الدعوة الإسلامية بمناهج ومبادئ عقدية ضالة مثل: ١- الشيوعية وأسرتها. ٢- الوجودية وأخواتها. ٣- المبادئ الوضعية بتمامها: القاديانية، البهائية، البابية، النصيرية ... إلخ. هذان الجانبان: جانب الدعوة في إحياء مبادئ النظام الإلهي. وجانب الدعوة في مواجهة الخصوم. لهما هدف. هذا الهدف هو: تنفيذ الرسالة الإسلامية، وبعث الوجود الإسلامي لتعود الدعوة الأستاذة. دولة الإسلام إلى سيرتها الأولى، تخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربها مرة أخرى، تخرجهم من الحيرة إلى الطمأنينة، ومن الجهل إلى العلم، ومن الظلم في صورة العدل، إلى العدل في صورة الإحسان ومن الضعف إلى القوة، ومن الذلة إلى العزة، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن عبادة الإنسان إلى عبادة الرحمن. إن الظلال التي ألقيت على التعريف في هذه المحاولة تتلخص في هذه النقاط لتوضيح المراد من اصطلاح: الدعوة الإسلامية: أ- الحركة التنفيذية للمبادئ الإسلامية القائمة على أساس من القرآن الكريم والسنة المطهرة.

стр. 46

هذه الحركة تتخذ لها منهاجا، وغاية، وداعية. هذا الداعية ينبغي أن يكون ربانيا يرتفع بالعمل فوق كل الآمال والآلام وهذا الدور هو: دور البناء. دور العرض والتطبيق. وهو باختصار: دور المناهج والغايات. ب- وبعد ما تكتمل للدعوة مقوماتها في دولتها تحتاج ثمارها هذه إلى صيانة ودفاع تجاه محاولات الخصوم والمجابهين. وهذا هو: دور الدفاع والمناصرة. وهو باختصار: دور مجابهة الخصوم.

стр. 47

نتيجة المحاولة: وإذن فمفهوم الدعوة الإسلامية عندما يطلق كاصطلاح يكون تصوره الحركة الإسلامية في جانبيها: النظري والتطبيقي، من حيث هي حركة بناء للدولة الإسلامية. ومن حيث هي دفاع عن استمرار وجود الدولة الإسلامية. وتلك رسالة جد شاقة تحتاج مع عون الله ووعده بالنصر إلى طراز خاص من الدعاة في المستوى الفكري والثقافي والسلوكي والأسري، وأقطار الحياة جميعا, من: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١.

стр. 48

الدعوة الإسلامية: رسم يسحب إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟ بناء على هذه الخطة فقد استبعدنا ما كتبه المستشرقون عن الإسلام والدعوة حتى ولو كانوا مخلصين تمشيا مع طبيعة الدراسة الذاتية الإسلامية إلى أن يحين اللقاء في دور الدفاع لنلتقي بهم إن شاء الله.

стр. 49

الكريم، أنه لا يتأتى مطلقا أن يبشر السابقون من الأنبياء بنبوة محمد ﷺ ويعلن ذلك المنصفون من أهل الكتاب ثم ندعي تجاهلا أو تعسفا أو استعلاء بالعقل: إن الرسالة الإسلامية فاجأت المجتمع الإنساني. وقد كان لها عند اليهود قدر عظيم، وعند النصارى قسمات معروفة، وعند الروم علامات، وعند الحبشة دلائل، وفي العرب إجماع بامتياز محمد ﷺ خلقيا على جميع أبناء المجتمع قاطبة. بل لقد هيأه الله جل شأنه لهذه الرسالة، وانتظرها الفطريون من الحنفاء، وأهل الذكر والمعرفة من الباحثين، كما ثبت أن الأحبار والرهبان والملوك والعظماء كانوا يتناقلون هذه الأخبار ويبحثون عن مولد هذا الدين الحنيف، وقد عاد زيد بن عمرو بن نفيل ليلحق به فمات دونه، وأرادها أمية لنفسه فضل لهواه، فثبت كذلك أن الاصطفاء منحة ربانية يهبها الله لمن يشاء من عباده: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ ١, ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٢. وقد وهبها الله لحبيبه محمد ﷺ على تهيؤ بها دون ترقب وإن ظهرت بوادرها له فليست من رياضاته لاكتسابها بل سبقت له علامة من مانحها جل شأنه بعد أن هيأه الله فعشق أنوارها

стр. 50

فهداه إياها١، قال ابن عطاء: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا﴾ أي محبا لمعرفتي فهداك إلى طريق محبتي وسبيل مودتي، قال صاحب الشفاء: والضال هو المحب٢. قال في المواهب اللدنية: "ولو علم بالبشارات الحاصلة قبل ولادته وإخبار الكهنة، وبحيرا، وغيرهم بأنه نبي آخر الزمان لكن صانه الله سبحانه عن اعتقاد ما يخالف ما عنده تعالى من أنها لا تنال بطلب"٣. على أن قضية الاكتساب للنبوة وعلمه أمر حادث ابتدعته دراسات علم الكلام وهو نظريات العقل في غير مجاله الطبيعي وما طلب واحد من السابقين طريق النبوة مع إدراكه لأوصاف النبي الخاتم حتى أمية بن الصلت ما كان يجتهد في العبادة طلبا للنبوة. وذلك هو طريق الكسب المراد كلاميا بل اجتهد في معرفة انطباق الأوصاف الخاصة بالنبي الخاتم على صفات نفسه فلما علم أنه ليس هو يئس وانجدل في سريره لا ينام ولا يقوم طوال الليل. وكان محمد ﷺ يربى لها وما كان يرجو أن يلقى إليه الكتاب إلا رحمة من ربه فقد أعده ربه فكانت له لا لغيره وكان هو لها لا لغيرها وكان قدرا مقدورا.

стр. 51

يقول الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي: "والنبوة هبة الله لا تنال بالكسب لكن حكمة الله وعلمه قاضيان بأن تمنح للمستعد لها والقادر على حملها: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ومحمد ﷺ أعد لأن يحمل الرسالة للعالم أجمع، أحمره وأسوده، إنسه، وجنه، وأعد لأن يحمل رسالة أكمل دين، ولأن يختم به الأنبياء والرسل وليكون شمس الهداية وحده إلى أن تنفطر السماء، وتنكدر النجوم وتبدل الأرض غير الأرض والسموات١. يقول شيخنا الإمام العارف بالله الدكتور عبد الحليم محمود حول إعداد الأنبياء للرسالة: "يصطفيهم فيعدهم إعدادا خاصا قبل ميلادهم، يعدهم في أصلاب أجدادهم وآبائهم فيتخير الله لهم الأجداد والآباء". يقول الإمام البوصيري عن رسول الله ﷺ : لم تزل في ضمائر الكون تختا ولك الأمهات والآباء ويستمر مولانا في شرح هذه الحقيقة فيقول: يعد سبحانه أوعيتهم -الجدات والأمهات- خَلْقا وخُلُقا، ويعد سبحانه الرسل بعد ميلادهم، وسطا وبيئة. يعدهم على عينه ... ولتصنع على عيني ويصطنعهم لنفسه ... واصطنعتك لنفسي

стр. 52

ويقول ﷺ عن كل ذلك فيما رواه الإمام مسلم: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم". لقد رسم الله ماضيهم البعيد ورسم حاضرهم الذي عاشوه طفولة فشبابا فكهولة فشيخوخة منذ الأزل١. فضاع بذلك صلف العقل الكلامي الذي اشتط في بحث الاكتساب في طلب النبوة، وبقي للنبوة مكانها الرباني: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ومناقشة العلاقات بين الأنبياء وربهم في مرحلة الإعداد لهم أو الإيحاء إليهم ليست من حق العقل البشري أيما كان ذكاؤه وعلمه؛ لأنها مرحلة ذاتية بين مقامين دونهما مقام العقل حتى ولو كان في سامق قمم الاتزان والفطنة. لقد نزل الوحي بالنبوة وكانت ﴿اقْرَأْ﴾ إعلانا واضحا للاصطفاء ورجف فؤاده ﷺ بها غبطة٢، فقد تم اللقاء والإقبال وارتاحت سريرته لهذا الاصطفاء وتأهب لهذا العمل الجليل, وهو به جد سعيد، لقد فتر الوحي بعد بدء إعلان النبوة ليتشوق النبي الكريم إلى لقائه، بعد أن تستقر غبطته باصطفائه، وذلك تقدير الله لحياة نبيه ثم تتابع الوحي ونزلت مواصفات العمل النبوي تزكيته:

стр. 53

﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ١. فأوجز الله فيها تزيكة لحاله، وأساسا لدعوته. ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ استمر على ما أعددناك به من الكمال النفسي الفذ الذي هيأناك به للرسالة. ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ استمر على ما أودعناكه من السلوك السامي الذي درجت عليه من الصغر وشرحنا لك به صدرك. ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ بلغ دين الله دون النظر إلى متاع دنيوي فقد وجدناك عائلا فأغنيناك. ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أساس تبليغ دعوتك هو الصبر على أذى البشر إرضاء لوجه الله، فهل كان ذلك تبليغ مستندا على أسس وقواعد؟ أو كان مستندا فقط على العون الإلهي بالمعجزات؟ نعم، إن كل حركة في الوجود حتى طرفة العين وخلجة النفس تسيرها إرادة الله جل شأنه. ولكن هل كانت الدعوة الإسلامية في مكة تعمل دون مناهج؟ لقد كانت الدعوة الإسلامية في مكة تعمل في داخل مجتمع بشري له تقاليده وعاداته وأنظمته وتفكيره، فهل واجهت الدعوة الإسلامية هذا المجتمع بقوة المعجزات التي تقهر العقل فقط؟

стр. 54

لقد سبقت الدعوة الإسلامية جميع نظريات الإصلاح الاجتماعي في العصر الحديث بما وضعته من مناهج لبناء مجتمع الدعوة الإسلامية. فقد استخدمت الدعوة: ١- مناهج لإثبات الوحدانية وللعمل مع الجماعة. ٢- ولفن التبليغ ومراحله. ومعنى هذا أن النبي ﷺ لم ينقل دعوة الله ولم يبلغها للناس جزافا ولا اتكالا على عصمته وتأييد الله له فذلك فهم العجزة وهمة القعيد المتواكل ولكنه ﷺ نقلها بالأسلوب الفطن الواعي الذي رسم للعمل الإصلاحي في مستقبل الإنسانية كلها قواعد العمل البناء الذي يحترم ظروف جميع الناس ويداوي بالتؤدة والمودة لا بالقسوة والثورة والجبروت، ويود استجابة من صميم القلب لتنساب جوارح الناس استسلاما في تنفيذ أوامر الله وتلك هي مستويات العمل الفاضل لبناء المجتمع الفاضل وذلك ما حققته الدعوة في هذا الدور الجليل. ويمكن باختصار أن نقول أن الجو الديني قبل الإسلام في الجزيرة العربية ينقسم إلى قسمين رئيسيين: ١- جو منحرف في التوحيد، عنده إسراف بكثرة الآلهة أو منحرف السلوك في العبادة.

стр. 55

ويشمل هذا الجو الديانة اليهودية على قلة نفوذها وضعف تأثيرها١, والديانة المسيحية على تعقدها وغموضها وقلة خطرها وضعف جاذبيتها٢ ثم الوثنية بأصنامها ووثنها ونصبها وهي العقيدة العامة الشاملة للشعب العربي. وهذا الجو فيه إيمان بالله غير أنه إيمان واسع مبذر في معنى إدراكه الألوهية وإيمان منحرف في توجهه بالعبادة إلى الله. ب- ثم كان هناك جو خافت لبعض الملاحدة الذين يقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ وأولئك يمثلون المرض الخبيث وهم حثالة تافهة لا وزن لها في نظر العلم والأخلاق٣. وقد ذكر في الشفاء أنه على حد هذا المنطق فأولئك القوم لم يكونوا منكرين للخالق، وعبادته. ولا يلزم من قول بعضهم حيث قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ، إن الدهر خالقهم إذ لم يقل به أحد منهم، بل أرادوا به أن طول الزمان ودورة الدوران يقتضي أن يحيا بعضنا ويموت بعضنا فنسبوا بعض الأفعال إلى الدهر٤.

стр. 56

ويرشح لهذا أن هذا الاتجاه لم يرد تصويره في القرآن الكريم كله إلا مرتين في سورة: "المؤمنون" آية رقم ٣٧، وفي سورة الجاثية١ آية رقم ٢٤ وهذا مما يقوي وجهة النظر القائلة بأن هؤلاء حثالة ليس لها قيمة في المجتمع، أو أنه رأي فطري لجماعة تخاف البعث لسوء الحساب، وهم مع عدم إنكارهم الخالق ينكرون البعث. جاءت الدعوة الإسلامية إذن وهناك جو مسرف في توحيد الله ضل أصحابه طريق العبادة الصحيحة. وهناك حفنة تافهة وحثالة متعفنة من المنحرفين عن الفطرة, فقدمت الدعوة الإسلامية لهؤلاء جميعا منهجا ليصلوا إلى الحق في التوحيد ولينزهوا الله جل شأنه عن كل ما سواه مما يشركونه مع جلاله هذا المنهج صالح للنوع الواحد بكل خطواته، وخطوة منه صالحة لنوع واحد من البشر. ذلك لأن القرآن يبني الإنسان من جميع نواحيه النفسية والعقلية والخلقية فهو يخاطبه بكل ما يؤسس فيه عوامل الخير: يخاطبه نفسيا ووجدانيا. يخاطبه عقليا وذهنيا. ويخاطبه عاطفيا إن بالترغيب أو بالتهديد٢.

стр. 57

لهذا قام المنهج القرآني على أربعة مراحل، قد تصلح كلها لنوع واحد من الناس وقد تصلح مرحلة واحدة منها لنوع وأخرى لنوع آخر. وهذه المراحل هي: أولا: تصوير العقيدة العربية قبل الإسلام. ثانيا: دعوة المعاندين إلى التجرد من المواريث الثقافية التي تبعدهم عن التفكير السليم في التوصل إلى الحقيقة. ثالثا: دعوة المعاندين للتفكير بالمشاهدة في آثار قدرة الله جل شأنه وتعريفهم طريقة استخدام هذا المنهج. رابعا: بعث الوجدان الفطري بالترغيب أو بالترهيب. تلك هي المراحل الأربع التي رسم بها القرآن الكريم المنهج لمعاندي الدعوة الإسلامية في عهدها المكي وبيانها كالآتي:

стр. 58

منهج إثبات الوحدانية لله تعالى مدخل ... منهج إثبات الوحدانية لله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ . لقد انتهت مرحلة الاصطفاء بالرؤيا واختار الله محمدا ﷺ رسولا نبيا للعالمين جميعا, ونزل الوحي عيانا, وصدقه المترقبون له، لقد صدقت به بادئ بدء السيدة خديجة ﵂, لم تتوان فقد كانت تعمل لذلك منذ خمسة عشر عاما وتقدر لهذا اليوم قدره فآمنت، وآمن من بعدها ورقة، فقد كان على علم به؛ صفة ومكانا واستبطاء ورقة نزول ﴿اقْرَأْ﴾ وأنشد شعرا طويلا١ ذكره أصحاب السير فتمت بذلك المؤكدات. إن البعثة المحمدية لم تكن على غفلة من الزمن والأحداث، وأنه لا يتأتى مطلقا أن يقرر القرآن: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٢, ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٣، ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ٤ ... إلخ. ونجد من كلام النجاشي وهرقل وبحيرا ونسطورا تأكيدا لمعرفتهم بمعالم النبي الخاتم من كتبهم على نحو ما جاء في آيات القرآن

стр. 59

أولا: تصوير العقيدة العربية قبل الإسلام يكاد يتفق الكاتبون على أن عابدي الأصنام أقروا أنهم عبدوها كوسيلة تقربهم إلى الله. يقول الشاطبي: "قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ وأشباه ذلك، إنما جرى على معتادهم في اتحاد الآلهة في الأرض وإن كانوا مقرين بإلهية الواحد الحق١.

стр. 60

ويقول فضيلة الشيخ الخضري: "كانت العرب تعظم هذه التماثيل وهذه الأحجار لا لاعتقاد أنها آلهة إنما لتقربهم إلى الله سبحانه"١. قال في شرح الشفاء: "والعرب على جاهليتها -أي على حالتها التي كانت عليها قبل ظهور النبوة من الجهل بأمور الشريعة وأحوال الديانة- أكثرها يعترف بالصانع، بل جميعها كما هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ولذا جاء النبي ﷺ بكلمة التوحيد وهو أن يقولوا: لا إله إلا الله"٢. وإذن فليست الوثنية العربية إلحادا ولكنها طريق منحرف في التعبد. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣.

стр. 61

ويقول جل شأنه: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ١. ويقول سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٣.

стр. 62

ويقول تعالى جده: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. ويقول عز جلاله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٣. ويقول ﵎: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٤. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٥. هذه الآيات ترسم صورة لعقيدة العرب فيما قبل الإسلام وتوحي بأن كان لها أصل من التوحيد ثم وقع فيها انحراف، ولا عجب فالعرب من أبناء إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وقد

стр. 63

كانوا فعلا يزعمون أنهم على دين إبراهيم وكانوا يعتزون بعقيدتهم على هذا الأساس من النسب، ولم يكونوا يحفلون بديانة مسيحية أو يهودية، مما كان لها وجود ما في الجزيرة العربية إعزازا منهم بأنهم على دين إبراهيم، ولو أنهم كانوا غير منتبهين إلى ما صارت إليه عقليتهم من التناقض فقد اندفعوا في تيار العبادة عاطفيا وجرتهم التقاليد والمعدات إلى هذا اللون من العبادة، ولكنهم إذا سئلوا عن خالق السموات والأرض ومسخر الشمس والقمر، ومنزل الماء من السحاب ومحيي الأرض بعد موتها يقولون: الله، هو صانع كل هذا ولكنهم ينحرفون في الطريق إليه فيعبدون الأصنام والكواكب والملائكة ويجعلونها شركاء لله في العبادة وإن لم يجعلوها شركاء له في الخلق وذلك هو التناقض الذي شاء هذا المنهج أن يفضحه١، وحاول أن يطهر النفوس منه لأنه ضعف وانحراف عن السبيل السواء، قال ابن كثير في معناها: "يحتج على المشركين باعترافهم بوحداينته وربوبيته على وحدانية إلهيته"٢. يقول الدكتور سامي النشار وهو يصور تلك المرحلة: "ولكن كان وراء كل هذا غريزة باطنية في أولاد إسماعيل وتشوف نحو شيء من اللامحدود، فيما وراء الوجود. وجاءتهم المسيحية من الشمال ومن الجنوب ومشيخة العرب من أولاد إسماعيل يهزون رءوسهم ولا يبدون حراكا.

стр. 64

وأسرعت اليهودية إليهم وهي تحمل التوراة المحرفة، فأنكرها ووقفوا ينظرون إليها بازدراء، بل ولوا ظهورهم لجماعة منهم أعلنوا أنهم الحنفاء على ملة إبراهيم مختتنين متخذين الوحدانية دينا لهم، ولكن مشيخة العرب نأوا في فردوسهم العجيب وفي لياليهم الصافية في قلب الصحراء عن كل هذا. كان يكفيهم أن يعبدوا الأصنام زلفى إلى الله. كانوا يتشوقون إلى صوت النبي الأخير رسول الله ﷺ من أنفسهم من ولد إسماعيل يتلو عليهم آياته ويزكيهم"١, اهـ. وإذن فدعوة محمد ﷺ إلى توحيد الله ليست بدعا من الأمر فهي تطهير للفكرة التي آمنوا بها وإزالة للأوشاب والشوائب التي رانت عليها وتنزيه لله جل شأنه عما اخترعوه لأنفسهم من نظام تعبدي لا يتفق مع جلال الله وقدسيته. فمعنا الآن قضيتان: الأولى: نسبة العرب إلى سيدنا إبراهيم وتفاخرهم بهذا النسب. الثانية: ادعاؤهم أنهم على دين إبراهيم٢. ومن هنا فإن القرآن في معالجته لهذه المرحلة من التفكير قد ركز على استخدام سيدنا إبراهيم ﵇ موقف العداء من كل شيء يعبد سوى الله .

стр. 65

وقد استفاض القرآن الكريم في إبراز جهاد سيدنا إبراهيم الذي يدعي العرب أنه جدهم وأنهم على دينه ليبين لهم أنهم مشوشو العقيدة مسرفون في الإيمان. وقد قدم ذلك في ثلاث خطوات وهي: ١- مناقشة سيدنا إبراهيم للتدين في صورة الكواكب. ٢- مناقشة التدين في صورة الأصنام والأوثان. ٣- إعلانه التبرؤ من كل دين يخالف التوحيد الذي جاء به من عند الله ثم جعلها كلمة عاقبة من بعده لجميع أبنائه. وحسب ارتباطي في هذه المرحلة بالجو المكي فإننا سنعرض موقف سيدنا إبراهيم ﵇ من خلال الآيات والسور المكية التي يتضح فيها منهج سيدنا إبراهيم ﵇ على نحو ما قعدناه سالفا، وتلك السور هي: ١- الأنعام وترتيبها في النزول ٥٥. ٢- مريم وترتيبها في النزول ٤٤. ٣- الأنبياء وترتيبها في النزول ٧٣. ٤- الشعراء وترتيبها في النزول ٤٧. ٥- الصافات وترتيبها في النزول ٥٦. ٦- الزخرف وترتيبها في النزول ٦٣. ففي سورة الأنعام مناقشة لعبدة الكواكب. وفي مريم والأنبياء والصافات مناقشة لعبدة الأصنام والأوثان, وفي الشعراء والزخرف نهاية المطاف وحسم الموقف وتقرير الحقيقة.

стр. 66

الأولى: سيدنا إبراهيم وعباد الكواكب: يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. إنه نموذج لاهتداء الفطرة الإنسانية حين تقرأ في صفحة من صفحات الكون المفتوح، وتتعقل آيات الله الكونية بالعين اليقظة، وبالقلب الواعي وبالحس المبصر وبالوجدان المنير فإذا بالمشاهدة المكررة المألوفة تبدو جديدة كأنما لم يألفها الحس، تنطق الفطرة هنا على لسان جد الأنبياء الذي يدعي العرب وجيرانهم النسبة إليه في النسب والدين، تنطق بالتوحيد لله الأحد. فها هو ذا وقد كشف الله لبصيرته أسرار الكون الكامنة وأظهر له الدلائل الموجبة للهدى والإيمان، يمثل الفطرة السليمة فأنكر الباطل وخلص إلى الحق.

стр. 67

وما كانت هذه أول مرة يرى فيها إبراهيم كوكبا, ولا كانت أول مرة يعرف فيها إبراهيم أن قومه يعبدون الكواكب, ولكن الأسرار المكنونة في تلك الليلة قد أراها الله له فنطق الكوكب بما لم ينطق به من قبل فأوحى إلى خاطره أن يكشف عورة هذا الباطل لعل قومه يهتدون، فقال: هذا ربي؛ فالكوكب في ارتفاعه وإشعاعات نوره أقرب -في عين الساذج- لأن يكون ربا، فلما أفل -وتلك صفة مرتبطة بالعدم- لم يعد ذلك الكوكب في مشاعر الحس إلها فقال: لا أحب الآفلين، إنه يغيب عن هذه الخلائق فمن ذا الذي يرعاها ويدبر أمرها إذا كان ذلك هو الرب وهو يغيب؟ لا، إنه ليس هو، فالرب لا يغيب، ذلك منطق الفطرة البدهي الذي استشعره في وجدانه الصادق سيدنا إبراهيم دون أن يثير قضية منطقية أو فرضا جدليا، إنما هو منطق الوجدان الصادق والفطرة السليمة في يسر ويقين قالها: لا أحب الآفلين، فالفطرة تعرف ربها وتحبه وتعرف أن ربها لا يغيب. فلما رأى القمر، وهو نوع من التجربة يتكرر ينسكب نوره في الوجود وينفرد وحده في السماء بأنه مصدر النور للأرض في الظلام ولكن ظاهرة الأفول تلحقه فيعلنها إبراهيم ﵇ لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. لقد انتقلت مشاعره من كراهية الآفلين إلى طلب العون من ربه الذي لا يراه في القمر ولا في سابقه من الكوكب الآفل.

стр. 68

إنه في حاجة إلى عون من ربه الحق الذي يجده فطرته ويدركه بوجدانه ووعيه. فلما رأى الشمس بازغة وهي أكبر من القمر قال: هذا ربي هذا أكبر، فلما لحقها عنصر العدم وأفلت تبرأ من كل كوكب وقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ . إنها التجربة الثالثة مع أضخم الأجرام المنظورة وأشدها حرارة وشعاعا يراها سيدنا إبراهيم بفطرته هذه المرة ويرقب تحركها فوجدها تغيب فيعلنها: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ . ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . لقد تم الاتصال الطبيعي بين الفطرة الصادقة الخالصة، والإله الحق وغمر نور الحقيقة قلب سيدنا إبراهيم حتى فاض على العقل والوعي والمشاعر فوجد ربه في إدراكه ووعيه كما هو في فطرته، الذي فطر السماوات والأرض، ليس هو الكوكب اللامع، ولا القمر الساطع ولا الشمس الوهاجة إنما هو الله الذي خلق السماوات والأرض وعندئذ فقد حقت الفاصلة الكاملة بينه وبين قومه فتبرأ مما يعبدون وتوجه إلى الدين الحنيف الذي لا ينحرف أبدا إلى شرك فأعلنها في يقين جازم، ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا

стр. 69

وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . فلا تردد ولا حيرة فما أحسته المشاعر وأدركته الفطرة هو الذي ينجلي للعقل مطابقا للحقيقة التي استقرت في الضمير١. يقول ابن كثير: "والحق أن إبراهيم ﵊ كان في هذا المقام مناظرا لقومه مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام, وبين في هذا المقام خطأهم وخلالهم في عبادة الهياكل وهي الكواكب السيارة السبعة. فبين أولا صلوات الله وسلامه عليه أن هذه "الزهرة" لا تصلح للإلهية فإنها مسخرة مقدرة بسير معين لا تزيغ عنه يمينا ولا شمالا ولا تملك لنفسها تصرفا بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال، ومثل هذه لا تصلح للإلهية. ثم انتقل إلى القمر فبين فيه مثل ما بين في النجم. ثم انتقل إلى الشمس كذلك، فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع، قال: يا قومي إن بريء مما تشركون، أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن فإن كانت آلهة فكيدوني بها جميعا ثم لا تنظرون

стр. 70

إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها الذي بيده ملكوت كل شيء وخالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه"١. وسيان كان سيدنا إبراهيم في هذا الموقف ناظرا أو مناظرا وهو الرأي الذي ارتضاه ابن كثير فإن الحجة على العرب قائمة لأن جدهم إبراهيم قد تبرأ من عبادة ما سوى الله الذي توجه إليه بكل أقطاره. فلئن كان ناظرا فقد توجه بالفطرة السليمة من قبل الرسالة إلى الله الحق وذلك أكثر إلزاما للقوم وأفحم لهم بالطريق الأولى. لأنهم ينتسبون إلى رجل رفض الكواكب والأصنام بفطرته التي فطره الله عليها قبل أن يكون رسولا. ولئن كان مناظرا فقد أقحم قومه وحدد معالم عقيدته التي جعلها في عقبه دينا لأبنائه، حنيفا مسلما، وما كان من المشركين، فهم ينتسبون إلى نبي التوحيد, فأية حجة بعد لمن ينتسب إلى هذا النبي الموحد؟ إن بالنسبة أو بالنسب ثم يدعي أن الكواكب أو ما يشابهها ملة له أو دين٢.

стр. 71

الخطوة الثانية: سيدنا إبراهيم وعباد الأصنام ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا، يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا، قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا، قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا، وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ ١. بهذا اللطف في الحديث والأدب الجم في الخطاب يتوجه سيدنا إبراهيم إلى أبيه الذي يحاول أن ينقذه من الضلالة ويهديه إلى الخير الذي هُدي إليه وعلمه الله إياه٢. وبألفاظ المحبة والنداء الرخي، يا أبت يسأل في حنان الابن البار لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا؟ فالأصل في عبادة الإنسان أن يتوجه بها إلى من هو أعلم وأقوى وأعظم من الإنسان، فكيف تتوجه بالعبادة إلى صنم أصم أبكم أخرس قعيد لا ينفع ولا يضر فهو في مرتبة أدنى من الحيوان.

стр. 72

ثم يعزز هذه الدعوة المؤدبة بأنه لا يقول هذا من عندياته إنما هو العلم الذي جاءه من عند الله فهداه, وهو وإن كان ابنا، ولكن المدد الإلهي وهبه من الفقه والمعونة والمدد ما جعله يفقه ويعرف الحق، فهو ينصح أقرب الناس إليه، ولا غضاضة في أن يتبع الوالد ولده، ما دام الولد قد جاءه من العلم ما لم يأت الوالد١. وبهذا كشف سيدنا إبرهيم لأبيه عن حالتين: الأولى: تفاهة الأصنام وحقارتها عقليا وواقعيا. الثانية: المصدر الذي يتلقى منه الدعوة ويعتمد عليه في التبليغ، فينتقل إلى الغاية من الدعوة. إن الطريق الذي يسير فيه والده هو طريق الشيطان وإبراهيم يريد أن يهديه طريق الرحمن. ولكن اللطف اللطيف في هذه الدعوة لم يصل إلى قلب المشرك العاتي فجابهها بالاستكبار والتهديد ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ . جهالة قاسية في مقابل قول مؤدب مهذب رقيق حليم ولكن الداعية لم يغضب ولم يرد أن يفقد بره مع أبيه فرد عليه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ فلا مراء ولا جدل ولا أذى ولا رد مني على التهديد ولكن سأتوجه إلى ربي بالدعاء لعله يهديك٢.

стр. 73

وبذلك تتحدد خطوات الداعية في التعامل مع الناس دائما، أن يقدم الدعوة بقلب صادق واثق، وأسلوب رفيع مهذب، وأن لا يجابه التحديات بعنف أو بمثيل لها، وأن يتخذ موقفا ذاتيا حازما، ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ليستمر على طريقته التي يدعو الناس إليها. يقول ابن كثير حول هذا الموقف: "واتل على قومك هؤلاء الذين يعبدون الأصنام واذكر لهم ما كان من خبر إبرهيم خليل الرحمن الذين هم من ذريته ويدعون أنهم على ملته وقد كان صديقا نبيا مع أبيه كيف نهاه عن عبادة الأصنام. فقال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررا: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ وإن كنت من صلبك وتراني أصغر منك لأني ولدك فاعلم أني قد اطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت ولا اطلعت عليه ولا جاءك ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ طريقا مستقيما١. واستمر سيدنا إبراهيم وفيا يستغفر لأبيه فلما تبين أنه عدو لله تبرأ منه. لقد تبرأ سيدنا إبراهيم من أبيه ومن قومه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢.

стр. 74

هكذا يقولها إبراهيم لأبيه وهو الموصوف في القرآن الكريم ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ سمح لين رضي الخلق ولكن، الأمر هنا أمر حزم وتمييز بين الحق والباطل فهي العقيدة التي تعلو وتسمو فوق روابط الأبوة والبنوة وفوق مشاعر السماحة واللين والحلم، وإبرهيم قد أراده الله أن يكون هو القدوة للمسلمين، لمن بعده جميعا يأتسون به ويأتسون بموقفه فأعلنها: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . وتطوف بنا آيات سورة الأنبياء حول المعركة الصاخبة التي دارت بين سيدنا إبراهيم ﵇ وقومه وهو يحاجهم بالحسنى والقول الواضح ليهديهم السبيل السواء يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ، قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ، قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ، فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ، قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .

стр. 75

﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ . فهو واثق وثوق الذي يشهد على واقع لا شك فيه أبدا أن الله الحق هو رب الناس ورب السموات ورب الأرض, فالأمر من الوضوح والثبات والاستقرار في نفسه ﵇ بلغ حد أنه يشهد على ذلك وهو واثق متأكد، فإن كل ما في الكون ينطق بوحدانية الخالق الأعظم المدبر، وأن كل ما في الكيان الإنساني ليهتف به: أحد أحد فرد صمد لا شريك له ولا ولد. فقابل سيدنا إبراهيم شك التائهين في متاهات الشرك بيقين الصادقين المتثبتين من وحدانية الله الفرد الصمد وهو على ذلك من الشاهدين. وعندما تصل الأمور إلى هذا الحد فلا بد من موقف إيجابي تجاه هذا الباطل المتمرد فعزم على أن يكيد لهم, وهنا تجيء آيات سورة الصافات لتشرح الحالة النفسية لسيدنا إبراهيم التي جعلته يتخذ هذا الموقف الإيجابي من قومه ومن الأصنام: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ، فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ، فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ، فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ، مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ، فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ ١.
следующие страницы →