← Сира

Сира · id 11736

الدعوة الإسلامية في عهدها المكي مناهجها وغاياتها

رؤوف شلبي

Полный текст (713 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

التشريع ومبادئ الأخلاق وأصول العقيدة ومسائلها، فلما حان فرض الصلاة، عدل الله عن هذا إلى دعوة رسول الله ﷺ ليكون بنفسه في الحضرة الإلهية ليبلغه الله ، بطريق مباشر أمر الصلاة, وكان ذلك إعلانا عن أهمية الصلاة. إنها لم تفرض بالطريق العادي تكريما لها وتشريفا١. لقد كانت غاية الحدث الجليل، الإسراء والمعراج تصفية الجماعة الإسلامية التي ستتولى القيادة الراشدة قريبا تجهيزا لنقله بالهجرة من مكة إلى طابة حيث تهاجر العناصر القوية الصادقة التي نجحت بامتياز في هذا الاختيار الدقيق؛ لأنها وحدها يوم أن ينضم إلى منهج التبليغ حد السيف تستطيع أن تبرهن على أن الجهاد بالسيف ليس وراءه طمع مادي, ولا شهرة في شهرة ولا رغبة في اكتساب أرض أو استعمار قطر، وإنما فقط لتكون كلمة الله هي العليا، ولتكون العبودية وظيفة البشر، قد وجدت لها مناخا يحقق فيه الناس عبادتهم لله الواحد القهار. وكان قدر الله مفعولا واستعدت الجماعة في العام الحادي عشر من البعثة لنقلة تنتظر الإذن من السماء.

стр. 632

ثانيا: النشاط النبوي معاهدات العقبة يشق النور حجب الظلام حتى ولو كانت ظلمات كثيفة بعضها فوق بعض، فطبيعة النور مشرقة متحركة، وطبيعة الظلام كئيبة راكدة، ولقد كانت الدعوة الإسلامية نورا مشرقا يبدد حجب الظلمات الجاهلية التي كانت تصنعها قريش في معامل الشيطان والنكاية، والتهريج والحصار الاقتصادي والتشهير والفتن، لقد كان رسول الله ﷺ يلتقي بالوفود في مواسم الحجيج والعمرة, وفي سلسلة هذه اللقاءات النبوية بأهل النسك التقي ﵊ بوفد من الأنصار, يروي ابن هشام هذا اللقاء بسنده فيقول: لما لقيهم رسول الله ﷺ قال لهم: "من أنتم؟ ". قالوا: نفر من الخزرج. قال: "أمن موالي يهود؟ ". قالوا: نعم. قال: "أفلا تجلسون أكلمكم؟ ". قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، قال: وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم, وكانوا أهل كتاب وعمل، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان, وكانوا قد غزوهم ببلادهم, فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيا مبعوث الآن قد أظل

стр. 633

زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم! تعلموا والله أنه للنبي الذي توعدكم به يهود, فلا تسبقنكم إليه, فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه, وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام, وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم, فعسى أن يجمعهم الله بك. فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك, ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين, فإن يجمعهم الله عليك, فلا رجل أعز منك, ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم, وقد آمنوا وصدقوا. وكان عدة هؤلاء النفر ستة من الخزرج، فلما قدموا المدينة ذكروا حديث رسول الله ﷺ ودعوا الناس إلى الإسلام، حتى فشا فيهم, فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم١. فلما كان العام القادم -وأهل المدينة قد تهيئوا- لقبول الدعوة لقي رسول الله ﷺ اثني عشر رجلا, فبايعوه البيعة

стр. 634

المشهورة ببيعة النساء وقد ذكرها ابن سعد في الطبقات١ قال: فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء: على ألا نشرك بالله شيئا. ولا نسرق. ولا نزني. ولا نقتل أولادنا. ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف. قال: "فإن وفيتم لكم الجنة, ومن غشى من ذلك شيئا كان أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه". قال ابن سعد: ثم انصرفوا إلى المدينة فأظهر الله الإسلام. ثم بعث لهم رسول الله ﷺ سيدنا مصعب بن عمير٢ بن هاشم بن عبد مناف وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقهم في الدين. ولم تقف مهمته عند هذا الحد, فهو مدرك لأبعاد الرسالة, فجعل يدعو إلى الإسلام من لم يشرفه الله بعد ويشرح صدره للإسلام، قال ابن عبد البر: فأسلم على يد مصعب بن عمير خلق كثير من الأنصار

стр. 635

وأسلم في جماعتهم، سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وأسلم بإسلامهما جمع بني عبد الأشهل في يوم واحد، الرجال والنساء, لم يبق منهم أحد إلا أسلم١. قال الطبري: فلما وقف سعد عليهم بعد إسلامه قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فوالله ما أمسى في دار عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة٢. وبهذا تبدو أهمية القيادة التي أعدها رسول الله ﷺ في دار الأرقم بن الأرقم، تبدو أهمية مرحلة الدور السري كما يسميه العلماء، تبدو هذه الأهمية كأسلوب وواحدة من قواعد المنهاج الذي ينبغي أن يستخدم في العمل مع الجماعة عند تبليغ دعوة الله. لقد كانت هذه الجماعات التي دخلت دين الله أفواجا بالمدينة آثارا من بركة العمل السياسي الذي زاوله الرسول ﷺ في لقائه بالعقبة الأولى على نحو ما هو مشهور عند العلماء. في العام القابل يرجع مصعب بن عمير إلى مكة مع وفود من المسلمين إلى موسم الحج ومعهم زمرة حجاج قومهم من أهل الشرك، قال ابن إسحاق حدثني معبد بن كعب أن أخاه عبد الله بن كعب

стр. 636

حدثه أن أباه كعب بن مالك حدثه قال كعب: ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله ﷺ بالعقبة من أوسط أيام التشريق قال: فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ لها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أو جابر سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا أخذناه معنا, وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا, وإنا نرغب عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإسلام, وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ إيانا العقبة قال: فأسلم وشهد معنا العقبة, وكان نقيبا. قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة, ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب أم عمارة. إحدى نساء بني مازن بن النجار. وأسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي. إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع. قال: فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا, ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه, إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له, فلما جلس كان

стр. 637

أول متكلم العباس بن عبد المطلب، ثم تكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن, ودعا إلى الله, ورغب في الإسلام, ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم". قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله! فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر. قال: فاعترض القولَ والبراء يكلم رسول الله ﷺ أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله! إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها -يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك, ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: "بل الدم الدم، والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم". قال كعب بن مالك: قال رسول الله ﷺ : "فأخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم" ١. فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا: تسعة من الخزرج. وثلاثة من الأوس.

стр. 638

قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال للنقباء: "أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم, وأنا كفيل على قومي يعني المسلمين". قالوا: نعم١. ويؤكد وثيقة البيعة العباس بن عبادة بن فضلة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف فيقول: يا معشر الخزرج! هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم. قال: إنكم تبايعون على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا, أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم لهو خزي الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال، وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل النفس الأشراف, فما لنا بذلك يا رسول الله! إن نحن وفينا "بذلك"؟ قال: "الجنة". قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه٢.

стр. 639

وكان أسعد بن زرارة من شباب الخزرج المتوهج المتقد حماسا وإخلاصا الممتلئ إيمانا الفياض باليقين يريد أن يحدد الأمر إلى أبعاده البعيدة فقال: رويدا يا أهل يثرب! إنا لن نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ﷺ وأن إخراجه اليوم مفارقه لجميع العرب وقتل خياركم. وإن تعضكم السيوف فأما أنتم قوم تصبرون عليها إذا مستكم بقتل خياركم ومفارقة العرب كافة, فخذوه, وأجركم على الله تعالى, وأما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة, فذروه, فهو عذر لكم عند الله ؟ فقالوا: يا سعد! أمط عنا يدك, فوالله لا نذر هذه البيعة, ولا نستقيلها, فقمنا إليه رجلا رجلا, فبايعناه١. يقول ابن الأثير: وكانت البيعة في هذه العقبة على غير الشروط في العقبة الأولى, فإن الأولى كانت بيعة النساء, وهذه البيعة كانت على حرب الأحمر والأسود. أما نص الأولى: فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء, على ألا نشرك بالله شيئا, ولا نسرق, ولا نزني, ولا نقتل أولادنا, ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا, ولا نعصيه في معروف. "إن وفيتم فلكم الجنة, وإن غشيتم شيئا من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا

стр. 640

فهو كفارة له, وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة, فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم" ١. إنها بيعة فضيلة وأخلاق وخير وبر على العمل بالمثل العليا ونشرها والدعوة إليها، لقد قيد الوثيقة "ولا نعصيه في معروف" إنها تقرر منذ هذا الفجر الأول للتنظيم الإسلامي أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فهي بذلك وثيقة إلهية. وأما الوثيقة الثانية فقد حدد أبعادها العباس بن فضلة وسعد بن زرارة. إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود٢. لقد كان الأنصار رضوان الله عليهم يعلمون عن يقين واضح تكاليف هذه البيعة وكانوا يعلمون أنهم لم يوعدوا على هذه التكاليف شيئا في هذه الحياة الدنيا لا مالا ولا جاها ولا ملكا لا وزارة حتى ولا النصر والغلبة إنما وعدوا عليها "الجنة", وهكذا اختار الله ورسوله السابقين من المهاجرين والأنصار معا, اختاروهم من العناصر الفريدة النادرة؛ ليكونوا القاعدة الصلبة لانطلاق هذا الدين من عقاله في مكة إلى رحابه العالمية في المدينة المنورة. ولقد دلت هذه البيعة على أن عنصر المبايعين أصيل في طبيعته المتكافئة مع سمو تعاليم هذا الدين, لقد قال عبد الله بن رواحة ليلة العقبة:

стр. 641

اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا, وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم"، قالوا: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال: "الجنة". قالوا: ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل. لقد كان هؤلاء الذين يبايعون رسول الله ﷺ أصفى من العذب الرائق نقاء من أدنى رغبة دنيوية, وما كان لهم من مأرب إلا الجنة, ويوثقون هذا البيع الرابح كثيرا بأنهم لا يقبلون الرجوع فيه أبدًا, ولا يسعدون إذا رجع فيه رسول الله، وقد كانوا على يقين أنهم سيناوئون العرب كلها، وسوف يقتل أشرافهم وتنكه أموالهم، وأنهم لن يروا هدوءا ولا راحة, فسوف يستمرون في قتال الجاهلية الضاربة من حولهم حتى يحققوا العبودية لله وحتى يحققها البشر جميعا, ومع هذا فقد قالوها: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل١. وبهذا تجهزت الدعوة الإسلامية لنقلة جديدة, ومنهج جديد ووطن جديد نملأ من منارته آذان الدنيا بالنداء الجليل حي على الفلاح. إلى طابة: لقد اكتملت الترتيبات إلهيا ونبويا لنقلة الكتيبة التي حشدها ربها وأعدها نبيها لتحتمل شرف البناء العالمي للدولة الإسلامية التي تقوم على أساس "لا إله إلا الله محمد رسول الله" كمنهاج للحياة العقلية والأخلاقية والتشريعية والاجتماعية والعلمية.

стр. 642

فقد انتشر للإسلام في كل بقاع الجزيرة العربية وخارجها صوت يدوي وقائد يدعو. كان في الحبشة على الشاطئ الغربي للجزيرة العربية المهاجرون فيهم من كبار رجال قريش عثمان بن عفان وجعفر بن أبي طالب. وكان في الطرف الشرقي للجزيرة عمرو بن الطفيل الدوسي. وكان في وسطهما أبو ذر الغفاري وعمرو بن عبسة في الشمال تقريبا لقد كانت هنا قيادات تخشاها قريش كما جاء في البخاري، في حديث إسلام أبي ذر الغفاري: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجارتكم إلى الشام١؟ قال ابن حجر: وغفار هذه من بني كنانة. وكان في جنوب الجزيرة العربية "نجران" وفد النصارى الذين أسلموا فانتشرت كواكب الإيمان في بقاع الجزيرة تنير الوجود الإنساني٢, ثم صارت يثرب على أهبة كاملة لاستقبال تلك الجماعة برسالتها فلم يبق إلا الإذن من القيادة التي تتحرك بوحي السماء وجاء الوحي بإذن للجماعة الإسلامية فقط بأن تهاجر٣. يقول ابن هشام: أمر رسول ﷺ أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها،

стр. 643

واللحوق بإخوانهم من الأنصار وقال: إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها فخرجوا أرسالا وأقام رسول الله ﷺ بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة١. وكان قد انطلق أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، مهاجرا إلى المدينة قبل بيعة العقبة بسنة ثم عاد إلى مكة فآذته قريش, فكان أول من نفذ أمر رسول الله ﷺ بالهجرة إلى المدينة، ثم هاجر عامر بن ربيعة خليف بن عدي, ومعه امرأته ليلى ابنة أبي حشمة, قال ابن سعد: فهي أول ظعينة قدمت المدينة, ثم قدم أصحاب رسول الله ﷺ أرسالا فنزلوا على الأنصار في دورهم وآووهم وآسوهم٢. لقد سلمت الكتبية الأولى وانتقلت من جو الجاهلية المتعجرفة إلى جو الأخوة الفسيحة صدرا وكرما وإيمانا وحبا وإيثارا إلى جو الذين يحبون من هاجر إليهم ويؤثرون على أنفسهم إخوانهم, ولو كان بهم خصاصة وخلت مكة إلا من القيادة التي تنتظر الإذن لها بالرحيل, ففي البخاري: وتجهز أبو بكر قبل المدينة, فقال له رسول الله ﷺ : "على رسلك, فإني أرجو أن يؤذن لي". فقال أبو بكر: وهل ترجو

стр. 644

ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: "نعم" , فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه وعلف راحلتين كانا عنده١. فالداعية إذن لا يتحرك إلا بالوحي إنه لا ينطق عن الهوى ولا يتحرك عن داعية نفسه إنما هو وحي يوحى. وانتظر رسول الله ﷺ ومعه أصفياؤه الذين سيتولون مسئولية إنهاء الأعمال والأمانات ويصفوا كل العلاقات مع المجتمع الجاهلي. كان في مكة "عليٌّ"؛ لرسالة خطيرة هي رسالة التضحية والوكالة عن رسول الله ﷺ ليبيت في السرير المشرف الزكي العبق الطاهر المقدس ليواجه في حداثة سنه جلبة الشباب الطائش الأحمق، ويا لها من شجاعة وقوة وعزيمة. واحد من شباب الإسلام في سنه الصغيرة يجابه بثبات مكين وإرادة حادة جموع الشباب من قبائله الكثيرة التي عزمت في إصرار على أن تقتل المرتدي هذه البردة الزكية الخضراء ومن خلفهم رأي عام يساعد ويساند ويجيش الفتن ويفرح بيوم النصر. وكان في مكة الصديق الذي جهز أهله وماله كله من أجل صحبة حبيبه, فاضت لها عيناه فرحا يوم أنبئ بها, ويأتي الإذن للنبي الكريم بالهجرة, ولنستمع للسيدة عائشة ﵂ وهي تروي للتاريخ أعظم حدث غير وجه الحياة من البريق الجاهلي إلى الحق الإسلامي الذي صان كرامة الإنسان وعزه وربطه بالعبودية لله وحده.

стр. 645

قالت عائشة١: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة, قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله ﷺ متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها, فقال أبو بكر فداء له أبي وأمي, والله ما جاء به في هذ الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له, فدخل فقال النبي ﷺ لأبي بكر: "أخرج من عندك؟ " , فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله! قال: "فإني قد أذن لي في الخروج"، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله! قال رسول الله ﷺ : "نعم". قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله! إحدى راحلتي هاتين, قال رسول الله ﷺ بالثمن٢. ومع ما في النص من آداب اجتماعية كثيرة تحدد تقاليد الزيارة ومواعيدها، وآداب الدخول والاستئذان، والحيطة في الحديث ذي الشأن, فإن النص يدل صراحة على أن الهجرة كانت أمرا إلهيا انتظره الرسول ﷺ لتتم نقلة القيادة إلى طيبة حتى تكتمل للجماعة الإسلامية التي سبقت بالرحيل كل إمكانيات العمل في المرحلة الجديدة.

стр. 646

وفي رواية ابن إسحاق والمواهب: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله! قال: "الصحبة"، قالت عائشة: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ١. كان جبريل صاحب الوحي وصاحب البراق قد استعد وتهيأت جنود السموات والأرض لحماية الموكب الوحيد في عمر الدنيا الذي ينتقل من المجتمع الظالم إلى إخوانهم في الله أصحاب الميمنة السابقين بالإيمان والفضل والمؤازرة, وكانت قريش سادرة في غيها عابثة بأحلامها مغرورة بأمانيها, فاجتمعت في "البرلمان الجاهلي" في دار الندوة, وهي كما قال في الحلبية: كانت قريش تجتمع فيها للمشاورة في أمورها, ولا يدخلها إلا من بلغ الأربعين، ولا زالت هذه الدار في يد بني عبد الدار حتى كان حكيم بن حزام, فباعها في الإسلام بمائة ألف درهم, فلامه عبد الله بن الزبير ﵄, وقال: أتبيع مكرمة آبائك وشرفهم, فقال حكيم ﵁: ذهبت المكارم إلا التقوى, والله لقد اشتريتها في الجاهلية "بزق خمر", وقد بعتها بمائة ألف, وأشهدكم أن ثمنه في سبيل الله تعالى فأينا المغبون٢. في هذا البرلمان الجاهلي الذي اشتري بزق خمر, اجتمعت رءوس الجاهلية بجاذبيتها وعنفوانها تناقش الآثار التي تستتبع هجرة المسلمين

стр. 647

من مكة فقد أدركوا أن للمسلمين اليوم دار ومنعة، وعرفوا أنهم الآن أجمع لحربهم, فاجتمعوا في دار الندوة أو اجتمعوا في "زق الخمر" يتشاورون ما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ حين خافوه١؟ ولقد كانوا عميا وحمقى وأغبياء, فالذي اجتمعوا له اليوم قد قاله لهم من قبل كبيرهم عقبة "يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه, فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم, فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس٢, ولكنهم يومها قالوا له: سحرك والله يا أبا الوليد, وقالها أكثم بن صيفي: إن أحق الناس بمعونة محمد ومساعدته على أمره أنتم، فإن يكن الذي يدعو إليه حقا فهو لكم دون الناس، وإن يكن باطلا كنتم أحق الناس بالكف عنه والستر عليه٣. جدول الأعمال: لقد كان ينبغي أن يكون جدول المشاورة أو جدول الأعمال حاويا لكل الأحداث التي مضت. كان ينبغي أن يكون حاويا: مقالة عقبة: فأمسكت بفيه فأنشدته الرحم أن يكف, وقد علمت أن محمدا ﷺ إذا قال شيئا لم يكذب٤.

стр. 648

ومقالة "أبي جهل": والله إني لأعلم أن ما يقول حق, ولكن يمنعني شيء أن بني قصي قالوا: فينا الحجابة. فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا السقاية. فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا الندوة. فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا اللواء. فقلنا: نعم, ثم أطعموا وأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب, قالوا: منا نبي والله لا أفعل١. وكان عليهم أن يتفهموا ما عرضه عليهم رسول الله ﷺ أول الأمر: "يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة ٢، إني لرسول الله إليكم خاصة والناس كافة" ٣. وكان عليهم كذلك أن يتدبروا ما قاله لهم يوم أن آذوه وأهانوا أصحابه والمجاهدين بالصبر والثبات معه: "أتسمعون يا معشر قريش! أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح". وأخذت هذه الكلمة يومها من القوم مأخذها حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر واقع حتى إن أشدهم فيه وضاء قبل ذلك ليرفأه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشدا فما أنت بجهول٤.

стр. 649

وكان عليهم كذلك أن يضعوا في قائمة المشاورة قول الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ١. ولكن الحمق والضلالة والتهريج والعمه الذي ران على قلوبهم وأفئدتهم, والوقر الذي أصم آذانهم دوخهم, فغلى دم الحقد والبغضاء في عقولهم فحاصوا حيصة إبليسية زكاها الشيطان بوسواسه اللعين, وحضرها بشبحه الكاذب ودخل معهم في "زق الخمر", وكان في المجلس عتبة بن ربيعة، وأبو سفيان والنضر بن الحارث، وأبو جهل ابن هشام, وأمية بن خلف، لقد اجتمع الزعماء والقادة الذين يمثلون النظام الأرضي بكل طينيته وإبليسيته وكانت المحادثات تدور حول: "ما نأمن على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا". وطالت صياحاتهم وهياجهم وصخبهم, ثم قال لهم الشيخ الإبليسي, قال أبو جهل الذي يمثل الجهالة الجاهلية في كل عصر وحين: "نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فتيا, ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما, ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد, فيقتلوه, فنستريح منه, فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا, فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا"٢.

стр. 650

ورضي القوم, وبارك إبليس المعية أبو جهل, وتفرق القوم وهم على ذلك مجمعون، والله أعلم بما يبيتون، لقد أحكم الجاهليون خطتهم: أحكموها متجاهلين ما توعدوا به أنفسهم من قبل، أحكموها في غفلة من ضميرهم الذي يثق أن محمدا لرسول الله, أحكموها وهم في غفلة مما عقلوها سالفا، أنه قد جاءهم بالذبح، لقد أحكموا الخطة والله من ورائهم محيط, وجاء سيدنا جبريل وقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي تبيت عليه, وفي عتمة الليل اجتمعت الثورة الجاهلية على الباب يرصدون متى ينام؟ فيثبون عليه، إنهم لا يقدرون على مواجهته يقظا, وظنوا أنهم يقدرون على مواجهته نائما, فهم لهذا يرصدون متى ينام, ونام "علي" في وسط هذا الجو الذي يملأ مكة رعبا، وتسجى ببردي رسول الله ﷺ الأخضر١ الحضرمي, لقد تسجى بالحماية والستر والرعاية والأمان, وهو في طمأنينة مستقرة, وفؤاد أجل استقرارا من الطود العظيم. لقد نام "علي" وهو يتدثر الإيمان في قلبه ويتسجى ببردي رسول الله ﷺ والشباب محيط بالدار يتدثر قلبه بالغيظ والحنق والكراهية ويتوثب بالسيف الصارم, وفي هذا الجو ينفتح الباب, ويخرج رسول الله ﷺ وهو يتلو: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ، لَقَدْ حَقَّ

стр. 651

الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ، وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ١. وحصبهم بالتراب, فلم يبق فيهم رجل جليد نسيب وسيط في قوم أبي جهل وأتباعه إلا وضع على رأسه ترابا وناموا أو داخوا أو شلوا أو مسخوا. لقد سحبت قوتهم وعميت عيونهم حتى جاءهم آت ممن لم يكن معهم فقال لهم ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا. قال: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته٢. هذه هي نتيجة القرار البرلماني الأرضي الذي يستمد نظامه من الطين حبات حصى نثرها رسول الله ﷺ على رءوس الجيش الفتى الذي جاء لينفذ قرار التنظيم الأرضي. ويسلم "علي" من المؤامرة ويبقى في مكة ليصفي بقيات العلاقات ويؤدي الأمانات التي كان يحفظها الجاهليون عند محمد رسول الله ﷺ ليقينهم أنه وحده الأمين الصادق٣.

стр. 652

وينطلق الركب النبوي ومعه الصديق الوفي إلى غار ثور أو جبل ثور، وتبقى سرية المخابرات الإسلامية في مكة. عبد الله بن أبي بكر يتسمع ما يقول الناس فيها نهارا ليبلغ الأخبار إليهما ليلا, وعامر بن فهيرة يرعى الغنم نهارا ثم يريحها عليهما في الغار عند المساء، وأسماء بنت أبي بكر تجهز الزاد وتذهب به في ثياب الليل الأسمر. ولم يكن أبو بكر رفيقا مؤنسا بل كان فدائيا حبيبا إليه أن تكون روحه فداء رسول الله ﷺ لقد دخل الغار أولا لينظر ما فيه من حشرات وينظف منزل النبي ﷺ ثم هو يترقب الحركة والهمسة والصوت ووقع القدم وخلجات المتجسسين بينما النبي ﷺ يصلي١. وجاءت قريش ومعها الخبراء في اقتفاء الآثار، كرزين علقمة وسراقة بن جعشم وحكمت فلسفتهما وعبقريتهما أن آثار الأقدام انتهت إلى غار ثور, ولكنه بعد ذلك لا يدري أيمينا أم يسارا اتجه الركب، أم صعد الجبل٢. يقول ابن كثير: اقتفوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم, فصعدوا الجبل, فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت, فقالوا: لو دخل ههنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه٣.

стр. 653

كان فتيان قريش من كل بطن يحيطون الغار بعصيهم وهراواتهم وسيوفهم وحماسهم وكراهيتهم ومرارة هزيمتهم البارحة، وقال لهم حكماؤهم وفلاسفتهم ووجهاء القوم عندهم: "إلى باب الغار انتهى وقع الأقدام", فلماذا لم يدخلوا الغار؟ لقد اقترح بعضهم أن يقتحم الغار ويفتشه، ولكن الذكي الألمعي الرائد الفيلسوف العظيم أمية بن خلف قال لهم: وما أربكم إلى الغار إن فيه لعنكبوتا أقدم من ميلاد محمد؟ ١ لماذا لم يفترض الفيلسوف الماهر أن تلك الراءة والشجرة والحمامتان الوحشيتان سحر من سحر محمد، فيسمح للجيش الجرار المتحمس لتنفيذ قرار برلمان زق الخمر بتفتيش الغار فيا ربما وجدوا أربتهم. لقد كانوا من الحمق بحيث لا يعقلون ما يريدون, ولا يفهمون ما يودون ألم يقل لهم في مكة ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢, فلماذا لم يقدروا على إزالتها وتفتيش ما بداخل الغار؟ لقد أضلهم الله على علم وختم على سمعهم وأبصارهم, فمن يهدهم من بعد الله؟ وعادت قريش: عاد أعضاء البرلمان الجاهلي الأرضي العبقري وعادت حفالة الشباب الجليد النسيب الفتي، وعادت فلاسفة القيافة والأثر بخيبة أمل لا مثيل لها في التاريخ، ولكن الكفر لا تهدأ ثورة دمه, فإذا ما غلى

стр. 654

حقده فلا يهدأ حتى ينسكب على الأرض هدر, فأعلنوا جائزة مالية كبرى لمن يأتي بالركب أسيرا أو قتيلا١، وتظهر عندئذ الأنانية وحب الذات، وتضيع قيمة الرأي العام وتتلاشى قيمة القرار البرلماني الذي اتفق عليه في "زق الخمر", فلم يكن المهم الآن هو تنفيذ القرار ولكن المهم الأسمى هو الحصول على المنحة "مائة ناقة" رأسمال كبير في صحراء قاحلة, فيا لها من صفقة يسيل لها لعاب الماديين, ويأتي رجل يقول: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا علي آنفا، إني لآراهم محمدا وأصحابه, ولكن سراقة يريد أن يحظى وحده بالمنحة الكبيرة فيومئ بعينيه للمتكلم: "أن اسكت"، ويوهم على القوم ويمتطي جواده ويريد أن يلحق بالركب الذي تحفه رعاية الله وتحرسه الملائكة وتغشاه الرحمة وتنزل عليه السكينة وتسخر له جنود السموات والأرض ليكون في الأمن والطمأنينة والأنس بالله. وعلى بركة الله, وعلى نور منه, وهدى وصراط مستقيم ينطلق الركب النبوي المهاجر إلى الله. النبي الرسول الخاتم رحمة الله للعالمين جميعا. والصديق الصديق السابق. وعامر بن فهيرة الحادي للركب الأمين.

стр. 655

وعلى رمال الطريق السوي يتهادى أجل موكب: ناقتان تحملان أعظم رجل في الوجود الإنساني كله. جاء يعلم الناس كرامتهم, ويرد إليهم إنسانيتهم, ويدلهم على الصراط المستقيم, ويضمن لهم سعادة الدنيا, وسعادة الآخرة لا يريد منهم جزاء ولا شكورا, ولا يكون فيهم ملكا ولا جبارا, ولكنه بالمؤمنين رءوف رحيم. وينطلق سراقة تدفعه شهوة المال وظمأ الثروة, ويجري وهو يلهث، والركب النبوي تحوطه الرعاية الإلهية حتى يصل الركب إلى دار أم معبد عاتكة١ بنت خالد الخزاعية, فيقيل عندها يوم الثلاثاء ويطلبون منها لبنا أو لحما يشترونه منها, فلم يجدوا عندها شيئا وقالت لهم: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم القرى, فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة خلفها الجهد عن الغنم, فسألها ﷺ : "هل بها من لبن؟ " , فقالت: هي أجهد من ذلك, فقال: "أتأذنين لي أن أحلبها؟ " , فقالت: نعم بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حليبا فاحلبها، فدعا بالشاة فاعتقلها, ومسح ضرعها وسمى الله, فتفاجت ودرت, ودعا بإناء يربض الرهط -أي يشبع الجماعة حتى يربضوا- فحلب فيه ثجا -حلبا قويا- وسقى القوم بعد أن سقى أم معبد حتى رويت ورووا, ثم شرب ﷺ آخرهم, وقال: "ساقي القوم آخرهم شربا" , ثم حلب فيه مرة أخرى فشربوا عللا بعد نهل ثم حلب فيه أخرى وغادره عندها

стр. 656

وذهبوا فيما لبث أن جاء أبو معبد زوجها, فلما رأي اللبن عجب وقال: ما هذا يا أم معبد؟ أنى لك هذا والشاة عازب حبال ولا حلوب بالبيت؟ لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، رأيت رجلا ظاهر الوضاءة حسن الخلق وسيم قسيم في عينيه دعج وفي صوته صحل أحور أكحل أزج أقرن حلو المنطق١، فقال هذا والله صاحب قريش لو رأيته لاتبعته ولأجتهدن أن أفعل. قال ابن كثير: قال عبد الملك: بلغني أن أم معبد هاجرت وأسلمت ولحقت برسول الله -صلى الله عليه وسلم٢. هكذا يستدل الأصفياء على صدق النبوة بحال النبي ﷺ ففي اللحظة التي كان يتسابق فيها سراقة مع هواه, ويسرع من أجل أمنيته كانت أم معبد وزوجها في بحبوحة من الإخلاص والصدق وصفاء من القلب ونظافة من وسوسة الشيطان، لقد أحسا ببركة النبي ﷺ فنطقا بهذه البركة واستدلا بها على صدق نبوته فأسلما وهاجرا. أما سراقة فقد أخلد إلى الأرض واتبع ما وجد عليه آباءه واستمر بفرسه يجري حتى لحق بالركب النبوي الكريم. ومرى أخرى تلتقي ثورة الأرض بجنود السماء وطغيان العقل ببركة الوحي، وينادي سراقة بن جعشم أصحاب الركب

стр. 657

ليردهم بزعمه، ولكن جنود الأرض التي أخلد إليها تعيبه وتؤدبه وتهزمه وتهزأ به. يقول ابن هشام: فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي, فذهبت يداه في الأرض وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض, وتبعهما دخان كالإعصار, قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع مني, وأنه ظاهر. قال: فناديت القوم, فقلت: أنا سراقة بن جعشم انظروني أكلمكم, فوالله لا أريبكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه، قال: فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: "قل له: وما تبتغي منا؟ ". قال: فقال ذلك أبو بكر. قال: قلت: تكتب لي كتابا يكون آية بيني وبينك. قال: اكتب له يا أبا بكر١. وباء سراقة بمثل ما رجعت به قريش من قبل، بيد أن كرم النبي ﷺ وهو أجود من الريح المرسلة كان أوسع من وعود قريش وأعظم عفوا عن المسيء, فرد سيئات سراقة ووعود قريش الواهية بقرار نبوي صادق تهتز له جوانح سراقة فرحا, ويتيه بها على الزمان فخرا. قال ابن الأثير:

стр. 658

فلما أراد أن يعود عنه قال له رسول الله ﷺ : "كيف بك يا سراقة إذا سورت بسواري كسرى؟ ". قال: كسرى بن هرمز؟ قال: "نعم". فعاد سراقة, فكان لا يلقاه أحد يريد الطلب إلا قال: كفيتم ما ههنا, ولا يلقى أحدا إلا رده١. ويمضي الركب النبوي في أمان الله وعنايته, تنتظره الجماعة الإسلامية الراشدة, ويطول سفر الركب, وتطول فترات الانتظار والقلوب متشوقة, والعواطف منجذبة والعيون تطيل شعاعها إلى آفاق الحرة ... إلخ. ولأصاحب بروحي موكب رسول الله ﷺ وأشرف بمتابعة وعثاء ركبه بعد أن قال يوم الثلاثاء في قديد، وعاد سراقة بسواري كسرى, وانطلق الركب النبوي إلى طابة تنتظره الوفود الوفية وهي تنشد لحن الوفاء: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع٢ جئت شرفت المدينة ... مرحبا يا خير داع

стр. 659

ويمضي الركب الظافر ليقود الحياة إلى: عبودية مطلقة لله وحده. عبودية العقيدة والإيمان. عبودية التشريع والقانون. عبودية الأخلاق والعادات. عبودية القلب والعقل. عبودية الفرد والأسرة. عبودية الدولة والمجتمع. عبودية الحكم فيها لله رب العالمين. ويمضي الركب الظافر ليحشد للحق أجناده, ويعتد للموقف الفاصل حتى تكون كلمة الله هي العليا، وتخفق الراية الربانية على وجه الأرض كلها: لا إله إلا الله محمد رسول الله١.

стр. 660

الخاتمة: يتصل عمر هذه الدراسة بأمد طويل من حياتي, فقد أكرمني الله منذ طفولتي الواعية, وأنا مندرج في سلك الحياة الإسلامية حتى نضجت فيها عملا وتدريبا وعاصرت زعماء الفكرة الإسلامية على مستواها: الاجتماعي والأكاديمي في كلية أصول الدين بالأزهر الشريف وفي لقاءات بالدعاة إلى الله في العالم الخارجي وخاصة علماء الحركة الإسلامية في أندونيسيا وماليزيا وبروني Brunei قطر "في الشاطئ الشرقي لماليزيا". وقد كنت حريصا في تجوالي مع زعماء هذه الحركة على أن أربط نجاحها أو فشلها بالمنهاج الإسلامي الذي سنه سيدنا رسول الله ﷺ فلم يكن هذا البحث وليد مذكرة في الكتب الأمهات فقط، ولا كان مجرد اقتراحات أو افتراضات أو نتائج لقراءات أكاديمية فحسب، بل إن الله تعالى منح هذا البحث عدة هدايا: الهدية الأولى: أنني عشت حياة الدعوة عماليا واجتماعيا. الهدية الثانية: أن الله وهبني صحبة كبار رجال الفكر الإسلامي. الهدية الثالثة: أنني منحت شرف العمل للدعوة الإسلامية في كلية أصول الدين بسومطرة الجنوبية Palmbang. ومارستها كمدرس في الكلية وكداعية وسط المجتمع ومنظمات الشباب ثم كانت نعمة الله الكبرى أن شرفني الأزهر الشريف

стр. 661

بالاضطلاع بالعمل الإسلامي في ماليزيا ووجهت إلى المجلس الماليزي الأعلى للشئون الإسلامية لتأسيس مركز للبحوث الإسلامية تكون مهمته بعث الثقافة الأصيلة وتنقيتها من الشوائب والهوى والفضول على أساس من عمل السلف الصالح, وتقعيد منهج الدعوة الإسلامية لإعداد الشباب المسلم ليحتمل نشر رسالة الإسلام وسط الجاليات الصينية والهندية التي تشكل نسبته أكثر من نصف المجتمع الماليزي١ ٥٣% فهيأ الله جل شأنه بهذه النعم لي ولهذه الدراسة أن تعيش في الجو الأكاديمي والجو الاجتماعي الذي يكسبها فاعلية وواقعية ويمنحها قوة وتمثيلا لما كان عليه المجتمع الماضي, وما يحتاجه المجتمع الحاضر من منهج مثيل. وقد قدمت الأبحاث في هذه الدراسة عدة حقائق علمية أهمها بإيجاز أن الدعوة الإسلامية. هي نقل الأمة من محيط العبودية للبشر إلى العبودية لله وحده. لم تفاجئ الدعوة الإسلامية المجتمع الإنساني بل تقدمتها تهيئة وإرهاصات شاءها الله تعالى, وأخبر بها أهل الكتاب وتعرف عليها الحزاءون. ولم يكن المجتمع العربي فيما قبل الرسالة منحرفا غارقا في الظلمات, بل كان على مستوى من الأخلاق والتنظيم مما سمح بأن يكوك هو

стр. 662

وحده أنسب مجتمع يستقبل الدعوة, ويكون التفاعل فيه عاديا يسمح لها بالبقاء والتحرك. كانت الدعوة الإسلامية ضرورة حتى ولو كان المجتمع فاضلا, فإن العبودية لله في العقيدة والقانون والعادات لا تتحقق إلا عن طريق الوحي. رسول الله ﷺ مذ كان آدم منجدلا في طينته, وهو في كنف الله ورعايته ينتقل من طهر إلى طهر تربى, وتأدب بتربية الله وآدابه: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ . لم تكن بشرية الرسول ﷺ منذ وجد منفصلة عن "بشر يوحى إليه", وعلى هذا فكل مقاييس علم النفس والتربية وموازين البطولة والزعامة لا مجال لها في الجو النبوي, فكل ذلك دونه بكثير جدا ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . لا ينبغي علميا ولا أخلاقيا ولا شرعيا أن يفصل عند دراسة شخصية الرسول ﷺ بين بشريته, والوحي إليه ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ . لم يكن تحنث سيدنا رسول الله ﷺ جريا على قاعدة من عادات قريش, بل كان وحيا حبب إليه, وسعى رسول الله ﷺ إلى التحنث, وهو نبي "بالرؤيا الصادقة" "ورؤيا الأنبياء وحي". ليس صحيحا من الناحية العلمية ما أدرجه العلماء في الحديث أو قيل عنه: إنه من البلاغات أن رسول الله ﷺ كلما أوفى بذروة جبل كان يلقي بنفسه.

стр. 663

دلائل النبوة حقيقة ثابتة, نطق بها أحبار اليهود والنصارى وورقة بن نوفل, وكان للعرب معرفة بها, وكان أمية بن الصلت يجاهد بحثا وتنقيبا؛ ليتعرف على أوصافها في نفسه, وقد كان من آثار هذه الدلائل: إسلام ورقة واستعجاله الوحي للنبي ﷺ وإسلام خديجة وسعيها للزواج من رسول الله ﷺ واعتراف هرقل بالرسالة لسيدنا محمد ﷺ . استدلت السيدة خديجة ﵂ على صدق نبوة سيدنا رسول الله ﷺ بأخلاقه وأحواله, ولم تسأله دليلا ولا حجة, فافتتحت بذلك أصل مناهج البحث الديني القائم على الحيدة بعيدا عن التعصب والقومية والهوى الشخصي والعقل الصلف. وأكدت تصديقها عن طريق حاله بأسلوب دعوته, فسألت أهل الذكر ممن يعرفون أساليب الوحي عن جبريل، فقيل لها: قدوس قدوس ما بال جبريل يذكر هنا إنه أمين الله بينه وبين النبيين. ولقد أعطت السيدة خديجة المثل الطبيعي لما ينبغي أن تكون عليه أسرة الداعية الذي يتصدى لتبليغ دعوة الله من الأخلاق والإيمان والذكاء والتضحية ففي الحلبية، وكان لا يسمع شيئا يكرهه، من قومه إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها وأخبرها به١. من بركة آثار التهيئة الإلهية التي سبقت الدعوة الإسلامية النجاشي عندما عرض عليه سيدنا جعفر بن أبي طالب دعوة الإسلام قال: هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، فدلل على أن

стр. 664

مرحلة التمهيد للدعوة كانت منحة ربانية أرادها الله ليوعي بها المجتمع حتى يستقبل الرسالة على بصيرة، ومثل النجاشي نسطورا وبحيرا، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، مما لا يدع مجالا لصلف العقل أن ينكر هذه المرحلة المهمة ودلل بذلك على وحدة الدين الذي حمله موكب الأنبياء. المنكرون للنبوة مع معرفتهم دلائلها وأعلامها دفعهم إلى ذلك مرض الأنانية والعصبية القبلية والحسد والجحود ظلما وعلوا، مثل أمية بن الصلت, وهرقل, وأبو جهل, والنضر بن الحارث، وعتبة بن ربيعة ... إلخ. وذلك هو داء العصر الحديث حتى في الجامعات العلمية حيث تظهر فكرة القومية كعنصر مضاد للإسلام. سبقت الدعوة الإسلامية منذ عهدها المكي جميع نظريات الإصلاح الفكري والاجتماعي بما وضعته من مناهج في التفكير والعمل مع الجماعة مؤسسا على احترام مستوى كل فرد، وظروف كل جماعة دون قسر أو خداع أو إرهاب أو تضليل, بل بالحق والعدل والإقناع والإرادة, ولهذا فالدعوة الإسلامية لا توافق على نشرها بطريق العنف والثورة. لم يحاول القرآن أن يثبت وجود الله؛ لأن هذه القضية لم تكن مثار جدل أو إنكار بين الناس, فهم يجدون الأصنام زلفى إلى الله، ولكن القرآن أقام أدلة على التوحيد وإفراد العبودية لله في الحكم والتشريع والاعتقاد والأخلاق والمعاملات. دعا الإسلام منذ القرون الوسطى إلى استخدام السمع والبصر والفؤاد في البحث العلمي، ونهى عن اتباع الشك والظن, فإنها لا تغني

стр. 665

من الحق شيئا، وبذلك سبق الإسلام العلم الحديث في اتخاذه الحواس الخمس فقط، كأدوات للبحث وتركه الفؤاد كأداة للبحث العلمي الروحي. لقد زاوج الإسلام بين العلمين المادي والروحي ومنح الإنسان كلا الوسيلتين لكلا العلمين. فلتنزوي حضارة السمع والبصر فإن نهايتها حثالة يتأفف منها القائمون على شأن النظافة في المدن الحديثة، ولتسمو علوم الروح, فإنها كلم طيب يصعد إلى الله مع الملائكة. والعلم المادي في الإسلام تركة يورثها المسلم للمجتمع؛ لتكون له في صحائف أعماله حسنات طيبات يوم القيامة. العمل مع الجماعة له قانون يبدأ من ثقة الداعية بنفسه, وينتهي إلى تحمل مشاق العمل في سبيل توصيل المبادئ للمجتمع بالحسنى والحكمة والجدل المهذب وتقديم عون الضعفاء والمساكين، وترقيق قلوب أعضاء الجماعة، والوصول بهم إلى أخوة في الله يستعدون معها لبذل الروح والمال والأهل من أجل إعلاء كلمة الله، ولقد سبق الإسلام جميع النظريات التي تعمل مع الجماعة في إيجاد هذا النموذج الذي حقق العبودية لله, وفتح الله في أرضه ملكا واسعا يقوم على "لا إله إلا الله محمد رسول الله", ليس وراءها طمع في مال أو جاه أو دنيا. وما أحوج مجمع البحوث الإسلامية في العصر الحديث ليربي قيادات تعمل بهذا المنهج لتنهي دولة الأصنام في جنوبي شرقي آسيا التي تضغط

стр. 666

ثقافة الأصنام فيها على الوجود الإسلامي، وتحاول الأمة الإسلامية هنا في ماليزيا وأندونيسيا والفيلبين وسيام أن تتحرك بعقيدتها لتنقذ عباد هذه الأحجار من نار يوم القيامة، ولكن يعوزها العالم الأزهري الذي يحقق هذا المنهج الذي قدمه رسول الله ﷺ وحقق به نفعا جليلا, واستجاب به بلال وسمية وعمار وسعيد ببركته وسنا ضوئه المبارك. لا بد من إعداد تربوي للبعثات الأزهرية التي تتشرف، بالاضطلاع بالعمل الإسلامي بحيث يشمل هذا المنهج اللغة والتقاليد والعادات والمشاكل الخاصة بالمنطقة التي سيبعث إليها العالم الأزهري. في فجر الدعوة وفي فكر علماء النصارى في مرحلة التمهيد وعند ورقة بن نوفل ليس هناك فرق بين الرسول والنبي, وإنما ذلك صنعه علم الكلام ولا يجوز إطلاقا بحث اكتساب النبوة بالرياضة لأن تكاليف العبادة الشاقة في سورة المزمل جاءت بعد الاصطفاء والنبوة. اتخذت الدعوة لها عدة مراحل وهو تسلسل طبيعي, ولكنها أعلنت منذ اللحظة الأولى بالنص والغاية إنها دعوة عالمية للناس جميعا. إن النصوص في القرآن الكريم تفيد مسألتين فيما يتعلق بعالمية الدعوة. المسألة الأولى: إن الرسول ﷺ وهو ما زال في مكة أمر بتبليغ الدعوة عالميا. المسألة الثانية: إن القرآن نص في آيات عدة على أن الرسول ﷺ للعالمين نذيرا.

стр. 667

اتخذت الدعوة وسائل خاصة لتبليغ الدعوة المقابلة الشخصية: المؤتمر المؤقت والمؤتمرات الدورية والجماعة الثنائية ... إلخ. أو المناظرة, فسبقت بهذا جميع نظريات علم خدمة الجماعة في العصر الحديث, فلم يبق لعلماء هذه الدراسات فخر يزهون به على علماء الدين. اتخذت الدعوة أسلوبا خاصا في استخدام وسائل التبليغ حسب معادن الناس أو حسب ظروف الشخص الواحد وهي: الحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن. فعمدت بذلك إلى تربية جميع مشاعر الفرد وشملت نواحيه الفكرية والوجدانية كما أصابت في استخدام بعض هذه الأساليب في مخاطبة بعض الناس، حسب درجاتهم ومعادنهم فكرا ووجدانا, فكانت أول دعوة تحترم كرامة الإنسان وتقدر فيه أنواع مستوياته. أظهرت مراحل تبليغ الدعوة أن الكفار جابهوها لأسباب قومية وشخصية مع اعترافهم بالرسالة والنبوة, فدل ذلك على أن الدعوة حق في ذاتها, وأن طلبهم المعجزات تعنت وإسراف في الجدل العابث. ولهذا لم يوافق القرآن الكريم على الاستجابة لما طلبه الكافرون من معجزات مادية كتعلة للدخول في الإسلام؛ لأنهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم. اتخذت المجابهة للدعوة جميع أصناف التنكيل والتعذيب, ومع هذا فقد اتخذت الدعوة سبيلها إلى الحبشة وإلى أسلم، وغفار، ودوس, ونجران, ثم إلى يثرب "طيبة".

стр. 668

فدل ذلك على أن الدعوة إذا اتخذت المنهج الطبيعي لنا كتب الله لها البقاء والنصر، ولهذا قدم القرآن الكريم في مكة عدة نماذج تاريخية تجابه بها الدعوة دائما منها: ١- التسلط البشري أو الحكم. ٢- الضغط الاقتصادي. ٣- الأذى البدني والأدبي. ٤- ثم حدد أبعاد المعركة بين الداعية وخصومه. وأن النهاية هناك يوم يكون الملك لله الواحد القهار حيث يكون النصر للداعية, ومن الثمار والغايات التي أنتجتها الدعوة في العهد المكي: إثبات وحدانية الله وإلغاء جميع ألوان الشرك بالدليل. إثبات القرآن والنبوة وإبطال جميع مزاعم الكافرين. إثبات البعث بالمشاهدة والدليل والسلطان الإلهي. إفراد السلطة التشريعية لله وحده. تفويض النبي ﷺ في تبيين ما نزل للناس من الوحي. فرض الصلاة والصيام والزكاة دون تحديد لعددها ومقدارها؛ وذلك لإعطاء فرصة لانطلاق الطاقة في الفرد لينفذها بقدر ما يستطيع، كذلك حرم الله أكل ما ذبح على النصب؛ لأنه دم يتحول بعد إلى الجسم والقلب ويتجافى وجوده مع الإيمان في القلب المؤمن.

стр. 669

وحرم الله قتل النفس الزكية. وقتل الأولاد، وحرم الفواحش. وأمر بالعدل، والإحسان، والوفاء بالوعد. وكانت مهمة هذه الأحكام تربية قيادة تقوم على قاعدة منهج كامل أساسه: "لا إله إلا الله" لتتولى بناء المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة. وأكد القرآن المكي احترام الوالدين وأوصى بهما خيرا إلى غير ما حد. ووضع القرآن المكي النفقة ورعاية اليتامى، وتحديد المسئولية والتوبة، وبقيت هذه الأحكام على عموميتها لا نسخ فيها؛ لأنها جدول تربية للجماعة الإسلامية التي يمكن أن يناط بها مستقبلا إعادة بناء المجتمع الإسلامي إذا فرض أنه أصيب بخلل أو تفكك، كما هو الوضع الحالي للأمة الإسلامية في الشرق والغرب. وفي العهد المكي ابتدأ غرس بذور بعض قوانين يحتاج إليها التنظيم الاجتماعي مستقبلا تمهيدا لإكمالها رويدا رويدا حسب طبيعة المنهج القرآني, وكان من هذه القوانين: البدء في قانون: الخمر، والربا، والرق. الدين هو منهج إلهي رباني لحياة الإنسان جميعا, يتم تحقيقه في حياة البشر عن طريق الجهد الإنساني نفسه في حدود لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وغاية هذا المنهج هو تحقيق العبودية لله في العقيدة والأخلاق

стр. 670

والتشريع والعادات والتقاليد وجميع تحرك الإنسان على وجه الأرض تنفيذا للعهد الذي أوثق به الإنسان نفسه، ألست بربكم؟ قالوا: بلى. وعناصر الدين أربعة: مصدر هو الله الحق. ونبي هو الرسول النبي المصطفى. ووحي هو الموكل بالاتصال بالأنبياء. وكتاب هو دستور الله للبشر. ومن ثمار العهد المكي بناء الجماعة الإسلامية وتحديد خصائصها التي تملك القيادة الراشدة لبناء المجتمع الإسلامي مستقبلا، وكانت الشورى والعفو عن الجاهلين والانتصار للحق، وتحقيق العبودية لله في كل شيء، هي قاعدة هذه الخصائص التي امتلكتها وتمثلتها وحققتها الجماعة التي نيط بها بناء المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة، وقد خلصت من كل شوائب الحياة الدنيا، فعمرها ورزقها وولدها منح من عند الله تعالى, وهي في الكون تسير معه بقانونها الرباني الذي جاء من عند الله تعالى, وهي في الكون تسير معه بقانونها الرباني الذي جاء به الوحي الأمين، ولا تملك إلا السمع والطاعة والدعاء الرخي الندي: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ . فدل ذلك على إعادة بناء المجتمع الإسلامي إنما يجب أن تبدأ من هذه المرحلة. لقد أصبح المجتمع المكي فاسد الهواء سبخ الوجدان فكان لا بد من نقلة تسمح للدعوة أن تعبر فيها عن صلاحيتها ومواءمتها وأصالتها
следующие страницы →