← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 11737

تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق لأبي الحسن الربعي

ناصر الدين الألباني

Полный текст (82 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمات مقدمة الطبعة الجديدة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة هذه الطبعة الجديدة: الحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيد المرسلين، وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أمّا بعد؛ فقد سبق أن طُبِعَ هذا الكتاب بعد الطبعة الأولى مرات؛ بعضها شرعية، وكلها طبق الطبعة الأولى. أما هذه الطبعة؛ فتتميز عن سابقاتها بأنها منقحة ومزيدة، وفيها فوائد عديدة، وتحقيقات جديدة؛ في التصحيح والتخريج، والاستفادة مما طُبِعَ أو صُوِّرَ حديثًا من الأصول الحديثية، من أهمها: "تاريخ دمشق الشام" للحافظ ابن عساكر -رحمه الله تعالى، فقد نقلت منه بعض الفوائد العزيزة، التي يندر وجودها عند غيره.

стр. 2

ومن تلك الفوائد الرد على بعض الأحزاب والأشخاص من أهل البدع والأهواء الذين يردون الأحاديث الصحيحة؛ لمجرد مخالفتها لآرائهم الفاسدة؛ كالشيخ أحمد الغماري، وغيره. ومنها التنبيه على وهمٍ لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تصحيحه لحديثٍ ضعيف إسناده! وعلى عزوه لحديثٍ آخر لـ "الصحيح"، وليس فيه! وغير ذلك من الفوائد التي ستمرُّ بالقراء -إن شاء الله تعالى. أسأل الله تعالى أن ينفع بذلك -وبكل ما أكتب -إخواني المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يتقبَّل ذلك مني قبولًا حسنًا، ويدَّخر لي ثوابه ليوم الحشر؛ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩] ، إنه هو البَرُّ الرحيم الكريم، والحمد لله رب العالمين. عمان ٧ ذي الحجة سنة ١٤٠٨هـ. محمد ناصر الدين الألباني أبو عبد الرحمن

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الأولى: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومَنْ والاه. أما بعد؛ فهذه أحاديثٌ في فضائل الشام ودمشق، استخرجتها من كتاب الحافظ أبي الحسن الربعي "ت: ٤٤٤", المسمى بـ "فضائل الشام ودمشق"، الذي قام بطبعه المجْمَع العلمي العربي بدمشق سنة "١٣٧٠هـ/ ١٩٥٠م"١، مع ملاحق له، أحدها في تخريج أحاديثه المرفوعة إلى النَّبِيِّ ﷺ ، بقلمي وتحقيقي، وقد رأينا أن نجرد هذه الأحاديث من أصلها في رسالةٍ مع تخريجها المشار إليه, محذوفة الأسانيد تسهيلًا للاطلاع عليها، وتعميمًا

стр. 4

للاستفادة منها، حتى يعلم الناس أن في فضل الشام أحاديث كثيرة صحيحة، خلافًا لظنِّ بعض الكُتَّاب، وحتى يعرف المستوطنون فيه فضل ما أنعم الله به عليهم، فيقوموا بشكره بالعمل الصالح, وإخلاص العبادة لوجهه ، وإلّا فإن الأمر كما قال سلمان الفارسي لأبي الدرداء ﵄. "إن الأرض المُقدسة لا تقدس أحدًا، وإنما يُقدس الإنسان عمله". رواه مالك في "الموطأ" "٢/ ٢٣٥". نسأل الله تعالى أن ينفع بها المُسلمين، ويتقبلها منَّا قبولًا حسنًا، إنه سميع مُجيب. دمشق ٣/ ٧/ ١٣٧٩م. محمد ناصر الدين الألباني

стр. 5

مدخل ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلّا الله, وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد؛ فقد رأينا أن نقدِّمَ بين يدي القراء -قبل الشروع في المقصود- كلمة حول الأخبار الواردة في كتاب "فضائل الشام", زيادةً في الفائدة. بلغت مجموع أخبار الكتاب "١١٩" خبرًا، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١- أحاديث مرفوعة إلى النَّبِيِّ ﷺ ، وأكثرها صحيح، وبعضها ضعيف، وبعضها موضوع، ومجموعها مع المُكرر "٤١" حديثًا. ٢- أحاديث موقوفة على بعض الصحابة وغيرهم من

стр. 6

التابعين ومن دونهم، وجُلُّها لا تصحُّ أسانيدها؛ لأن مدارها على مجاهيل وضعفاء، ومجموعها "٤٧" حديثًا موقوفًا. ٣- إسرائيليات، وأكثرها يدور على كعب الأحبار، وكل الأسانيد إليه لا تصحُّ. والباقي منها عن غيره، وفيهم ثلاثة من الصحابة: عبد الله بن سلام، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن عائش الحضرمي، وفي صحبة هذا خلاف، والأسانيد إلى غيرهم قد تبين لي ضعفها إلّا القليل منها، فإن القطع فيها صحةً أو ضعفًا متوقفٌ على مُراجعة تراجم بعض الرواة في "تاريخ ابن عساكر"، وذلك غير متيسر الآن، وإن كنت أشعر بضعفها أيضًا. ومن غرائب ما في هذه الإسرائيليات, أن بعضها ينتهي إسناده إلى رجلٍ يونانيّ، انظر رقم "٤٠". وقد كان بودي أن أتكلم عليها مفصلًا، ولكن المجال ضيق، فاكتفيت بالإشارة إلى ذلك. وبعد هذا العرض الموجز أعود إلى تخريج الاحاديث المرفوعة، فأقول:

стр. 7

الحديث الأول: عن زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه سلم: "يا طوبَى للشام، يا طوبَى للشام، يا طوبَى للشام١, قالوا: يا رسول الله! وبِمَ ذلك؟ قال: تلك ملائكة الله باسطو أجنحتها على الشام". قلت: هو حديث صحيح, أخرجه الترمذي "٢/ ٣٣١, طبع بولاق"، وقال: "حديث حسن", وزاد في بعض النسخ: "صحيح". والفسوي في "التاريخ" "٢/ ٣٠١"، وابن حبان في "صحيحه" "٢٣١١, موارد الظمآن"، والحاكم في "المستدرك" "٢/ ٢٢٩"، وأحمد في "المسند" "٥/ ١٨٤"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "١/ ١١٢-١١٥", وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين", ووافقه الذهبيّ، وهو كما قالَا, وقال المنذري في "الترغيب" "٤/ ٦٣": رواه ابن حبان في "صحيحه"، والطبراني بإسناد صحيح.

стр. 8

الحديث الثاني: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ستنجدون أجنادًا، جُنْدًا بِالشَّامِ، وجُنْدًا بِالْعِرَاقِ، وَجُنْدًا باليَمَنِ", قال عبد الله: فقمت، قلت: خِرْ لي يا رسول الله! فقال: "وعليكم بِالشَّامِ، فَمَنْ أَبَى فَلْيَلْحَقْ بِيَمَنِهِ، وَلْيَسْتَقِ مِنْ غُدُرِه، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تكفَّل لِي بالشام وأهله". قال ربيعة: فسمعت أبا إدريس يحدث بهذا الحديث، يقول: وَمَنْ تكفَّل اللَّهُ بِهِ فَلا ضيعة عليه. قلت: حديث صحيح جدًّا؛ فإن له أربعة طرق: الأولى: طريق المُصنف، وهي من طريق مكحول, عن ابن حوالة, على خلافٍ عليه فيه. أخرجه الحاكم "٤/ ٥١٠"، وأحمد "٥/ ٣٣"، وابن عساكر "١/ ٤٧-٥٦", وقال الحاكم:

стр. 9

"صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي. والطريق الثاني: أخرجه أبو داود "١/ ٣٨٨"، وأحمد "٤/ ١١٠" من طريق أبي قتيلة, عن ابن حوالة. وإسناده صحيح. والثالث: أخرجه أحمد أيضًا "٥/ ٢٨٨" من طريق سليمان بن شمير عنه. والرابع: أخرجه الطحاوي في "مُشْكَل الآثار" "٢/ ٣٥", عن جبير بن نفير عنه. وله طريق خامس رواه المُصنّف، وسيأتي الكلام عليه في الحديث التاسع. وله شواهد من حديث أبي الدرداء وغيره.

стр. 10

الحديث الثالث: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "إني رأيت عمودَ الْكِتَابِ انْتُزِعَ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي، فنظرتُ فَإِذَا هُوَ نورٌ ساطعٌ عُمِدَ بِهِ إِلَى الشَّامِ، أَلا إِنَّ الإِيمَانَ -إِذَا وَقَعَتِ الفتن- بالشام". حديث صحيح, أخرجه الفسوي "٢/ ٢٩٠-٢٩١ و٣٠٠ و٣١١ و٥٢٣"، والحاكم "٤/ ٥٠٩"، وأبو نعيم في "الحلية" "٥/ ٢٥٢"، وابن عساكر "١/ ٩٢-٩٨"، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين, ووافقه الذهبي. وقد وَهِمَا في قولهما: "إنه على شرطهما، وإنما هو صحيح فقط؛ لأن في السند يونس بن ميسرة بن حلبس، ولم يخرِّج له الشييخان شيئًا، وهو ثقة. والحديث أورده الهيثمي في "المجمع" "١٠/ ٥٨"، وقال: "رواه الطبراني" في "الكبير" و"الأوسط" بإسنادين،

стр. 11

وفي أحدهما ابن لهيعة، وهو حسن الحديث، وقد توبع على هذا، وبقية رجاله رجال الصحيح. وله عند ابن عساكر طريق أخرى، وحسنه. وله شواهد من حديث عمرو بن العاص وأبي الدرداء. رواهما أحمد "٤/ ١٩٨ و٥/ ١٩٨ و١٩٩"، وإسناده الثاني صحيح. ومن حديث عبد الله بن عمر, وعبد الله بن حوالة عند المُصنِّف, وسيأتي الكلام عليهما، فانظر الحديث التاسع والعاشر.

стр. 12

الحديث الرابع: عن أبي ذر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "الشام أرض المحشر والمنشر". قلت: حديث صحيح, تفرَّدَ المُصنِّفُ بإخراجه من هذا الوجه, وهو ضعيف الإسناد جدًّا. لكن أخرجه الإمام أحمد "٦/ ٢٥٧"، ومن طريقه ابن عساكر "١/ ١٦٤", من وجهٍ آخر في حديثٍ لأبي ذر موقوفًا عليه، وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقره على ذلك، ولم ينكره عليه، فهو في حكم المرفوع، بَيْدَ أن إسناده ضعيف. لكن له طريق أخرى في حديث آخر لأبي ذر، أخرجه ابن عساكر "١/ ١٦٣-١٦٤"، وقد صححه الحاكم "٤/ ٥٠٩" على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وهو في "صحيح الترغيب" "رقم ١١٦٢". وله شاهد أخرجه أحمد "٦/ ٤٣٦"، وابن ماجه "١/ ٤٢٩ و٤٣٠", من حديث ميمونة بنت سعد مولاة النَّبِيِّ ﷺ قالت: يا نبي الله! أَفْتِنَا في بيت المقدس؟ فقال: "أرض المحشر والمنشر ... " الحديث.

стр. 13

وإسناده صحيح، كما قال الحافظ أحمد بن أبي بكر البوصيري في "زوائده"، وقوَّاه النووي في "المجموع"، وقد تكلمنا عليه مفصلًا في كتابنا "الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب" في "المساجد". تم تبيَّنَ لي أنه معلول، ولذلك نقلته من "صحيح أبي داود" إلى "ضعيفه" "٦٨". وبالجملة؛ فالحديث بشاهده وطريقه الأخرى صحيح قويّ؛ لذلك نرى أن الأستاذ/ صلاح الدين المُنجد, قد أخطأ حين أورد الحديث في الأحاديث الموضوعة التي نَبَّه عليها في مقدمة الكتاب "ص١٠"١, وليس يسوغ له ذلك قوله في خاتمتها: "ونحن في ترجيحنا أن هذه الأحاديث موضوعة, قد اعتمدنا على النقد الداخلي، أعني: نقد المتن في الحديث, ولو صحَّ سنده"؛ لأنه: أولًا: ليس لهذا النقد الداخلي قواعد محررة، وضوابط مقررة, يمكن الاعتماد عليها، والرجوع

стр. 14

الاختلاف إليها، خلافًا للنقد الخارجي، أي: نقد السند، فقد وضع له علماؤنا ﵏ من القواعد والضوابط ما لا يمكن الزيادة عليه، كما تَجِدُ ذلك مفصلًا في كتب مصطلح علم الحديث، ومن أجمعها "قواعد التحديث" للشيخ جمال الدين القاسمي ﵀. وثانيًا: أن الأستاذ لم يبيّن وجه كون الحديث موضوعًا متنًا حتى يمكن النظر في ذلك، ومجال الكلام في هذا البحث الخطير لا يتسع له هذا الملحق.

стр. 15

الحديث الخامس: عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ, عَنْ أبيه ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا هَلَكَ [أهلُ] الشَّامِ فَلا خيرَ فِي أُمتي، وَلا تزالُ طائفة من أُمتي على الحق يقاتلون الدجال". قلت: هو بهذا اللفظ ضعيف؛ تفرَّدَ به المُصنِّفُ، وفي إسناده عِمْرَانُ بْنُ إِسْحَاقَ أَبُو هَارُونَ، قال الذهبي في "الميزان": "لا يُدْرَى من هو". قُلت: ومن طريقه, أخرجه ابن عساكر "١/ ٢٥٤"، وأشار إلى جهالته. والصحيح في لفظه ما أخرجه الطيالسي في "مُسنده" "ص١٤٥ رقم ١٠٧٦", عن شعبة, عن معاوية به مرفوعًا: "إِذَا فسدَ أهلُ الشامِ فَلا خيرَ فِيكُمْ، لا تزالُ طائفةٌ من أُمتي منصورين، لا يضرُّهم مَنْ خَذَلَهم حَتَّى تقومَ الساعةُ". وإسناده صحيح.

стр. 16

ومن طريقه, أخرجه الترمذي "٢/ ٣٠"، وقال: "حديث حسن صحيح". وأخرجه أحمد "٣/ ٤٣٦ و٥/ ٣٥"، وروى ابن ماجه "١/ ٦-٧" الشطر الثاني، وابن حبان في "صحيحه" "٢٣١٣- موارد"، وأبو نعيم "٧/ ٢٣٠-٢٣١"، والخطيب "٨/ ٤١٧ و٤١٨ و١٠/ ١٨٢" الشطر الأول، والفسوي "٢/ ٢٩٥"، وابن عساكر "١/ ٢٩٢-٢٩٤"، وقال: "وتَفَرَّدَ به شعبة". قلت: وهو ثقة حجة إمام. وللشطر الثاني منه شواهد كثيرة في "الصحيحين" وغيرهما عن جَمْعٍ من الصحابة، يأتي تسميتهم قريبًا.

стр. 17

الحديث السادس: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :$ "لن تَبْرَحَ هذه الأمةُ منصورين أينما توجهوا، لا يضرُّهم من خَذَلَهم من الناس حتى يأتي أمر الله، أكثرهم أهلُ الشام". حديث صحيح دون قوله: "وأكثرهم أهل الشام"؛ فإن هذه الزيادة منكرة عندي، تَفَرَّدَ بها المصنف بهذا الإسناد، ورواه ابن عساكر أيضًا "١/ ٢٤٤-٢٤٥"، وفيه جبير بن عبيدة الحمصي، وهو راويه عن أبي هريرة, قال الذهبي في ترجمته: "لا يُدرى من ذا". ولا يغتر بتوثيق ابن حبان إياه، فإن من عادته في كتابه "الثقات", توثيق المجهولين عند الأئمة الأثبات، كما نبَّه على ذلك الحافظ في مقدمة "اللسان"، وابن عبد الهادي في "الصارم المنكيّ"، ثم بيَّنا ذلك في ردِّنَا على الشيخ الحبشيّ "ص١٩-٢١", ثم في الطبعة الجديدة بـ "تمام المنة" "ص ٢٠-٢٥", لكن ليس ذلك على إطلاقه كما يظنُّ كثيرٌ من

стр. 18

الباحثين، بل فيه تفصيل ذكرته في "تمام المنة" "ص ٢٠٤-٢٠٧"، طبعة المكتبة الإسلامية. وقد روى هذا الحديث عن أبي هريرة عمير بن الأسود، وكثير بن مرة الحضرميّ, عند ابن ماجه "١/ ٧"، وأبو صالح عند أحمد "٢/ ٣٢١ و٣٤٠ و٣٧٩"، وليس في حديثهم تلك الزيادة. وكذلك صحَّ الحديث عن عمر بن الخطاب، وثوبان، وعمران، وجابر بن سمرة، والمغيرة بن شعبة، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، ومعاوية، وغيرهم، وقد ساق بعضها ابن عساكر "١/ ٢٤٩-٢٥٧"، وأحاديثهم مُخَرَّجَةٌ عندي١، وبعضها في "الصحيحين"، لكن في حديث معاوية عندهما عن معاذ بن جبل أنه قال: "وهم بالشام". ويشهد له ما رواه مُسلم وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا:

стр. 19

"لا يزال أهلُ الغربِ ظاهرين على الحقِّ حتى تقوم الساعةُ" على اعتبار أن أهل الغرب هم أهل الشام، كما قال الإمام أحمد، وأيَّدَه شيخ الإسلام ابن تيمية في "فضل الشام وأهله"١ من وجهين: الأول: ورود ذلك صراحةً في بعض الأحاديث. الثاني: أن لغته ﷺ وأهل مدينته في أهل الغرب؛ أنهم أهل الشام, فراجعه فإنه مهم، ومفيد جدًّا، ولعل من نفى ذلك من المعاصرين، وذهب إلى أن المُراد بذلك "المغاربة" الذين يسكنون شمال غرب "أفريقية"؛ لم يقف على لغته ﷺ المذكورة. وقد روي الحديث عن أبي هريرة من وجهين آخرين بزيادة أخرى قريبة من هذه في المعنى، ولا تصحُّ أيضًا، كما سيأتي في الحديث السابع والعشرين، والتاسع والعشرين.

стр. 20

الحديث السابع: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أهْلُ الشام وأزواجهم وذريَّاتُهم وعبيدُهم وإماؤُهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون١ في سبيل الله، فمن احتل منها مدينة من المدائن فهو في رباط، ومن احتلّ منها ثغرًا من الثغور فهو في جهادٍ". قلت: حديث ضعيف؛ لأن راويه عن أبي الدرداء لم يُسَمَّ، فهو مجهول، ومن طريقه رواه الطبراني كما في "المجمع" "١٠/ ٦٠"، وابن عساكر "١/ ١٦٩"، وقال: "وقد روي بإسناد آخر أمثل من هذا؛ إلّا أنه غريب". قلت: ثم ساقه بنحوه، وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف.

стр. 21

الحديث الثامن: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: صلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الفجر، ثم أقبل على القوم، فقال: "اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مُدِّنَا وصاعِنَا، اللهم بارك لنا في حَرَمِنَا، وبارك لنا في شَامِنَا". فقال رجل: وفي العراق؟ فسكت, ثم أعاد, قال الرجل: وفي عراقنا, فسكت، ثم قال: "اللهم بارك لنا في مدينتا، وبارك لنا في مُدِّنَا وصاعِنَا، اللهم بارك لنا في شامِنَا، اللهم اجعل مع البركة بركةً، والذي نفسي بيده, ما من المدينة شِعْبٌ ولا نَقْبٌ, إلا وعليه ملكان يحرسانها تقدموا عليها ... " وذكر الحديث١. قلت: حديث صحيح, وإن كنت لم أقف عليه بهذا

стр. 22

التمام فيما عندي من كتب السنة، وإنما وقفت عليه مفرَّقًا من حديث ابن عمر دون قوله في آخره: "اللهم اجعل مع البركة بركة ... "، فإنما هو من حديث أبي سعيد الخدري في حديثٍ له أخرجه مسلم "٤/ ١١٧"، لكنه قال: " ... البركة بركتين". وأما حديث ابن عمر فأخرجه أبو نعيم "٦/ ١٣٣"، وابن عساكر إلى قوله: "وفي العراق"، وزاد: فأعرض عنه، فقال: "فيها الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان". وإسناده صحيح. ورواه الطبراني في "الكبير" "٣/ ٢٠١/ ١" من طريق أخرى عن ابن عمر، وسنده صحيح. وقد أورده في "المجمع" "٣/ ٣٠٥"، وقال: "رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله ثقات". وأخرجه أحمد "٢/ ١٤٣" مختصرًا عنه بلفظ: "قال: رأيت رَسُولِ اللَّهِ ﵌ يشير

стр. 23

بيده يؤم العراق: ها إن الفتنة ههنا -ثلاث مرات- من حيث يطلعُ قرن الشيطان". وإسناده صحيح على شرط مُسلم، وقد أخرج في "صحيحه" "٨/ ١٨١" نحوه. وفي رواية له من وجه آخر, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قال: "يا أهل العراق! ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة؟! " سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: فذكره. وأخرجه البخاري ومسلم أيضًا من وجه آخر عن سالم به مرفوعًا. وأخرج البخاري "١٣/ ٣٨, بشرح العسقلاني"، وأحمد "٢/ ١١٨"، وابن عساكر من طريق نافع عن ابن عمر مرفوعًا: "اللهم بارك لنا في شَامِنَا، اللهم بارك لنا في يَمَنِنَا, قالوا: وفي نَجْدِنَا, قال: هناك الزلازل ... " الحديث. وأخرجه الترمذي وصححه، وعزَّاه المنذري في "الترغيب" "٤/ ٦١" للترمذي وحده، فوهم.

стр. 24

وله عند أحمد "٢/ ١٢٦" طريق أخرى عن ابن عمر. ولحديثه الأول عند أبي نعيم شاهد من حديث ابن عباس, ساق لفظه الهيثمي، وقال: "رواه الطبراني في "الكبير" "١٢/ ٨٤/ ١٢٥٥٢"، ورجاله ثقات. وروى بعضه الخطيب في "تاريخه" "١/ ٢٤ و٢٥"، ومن طريقه ابن عساكر من حديث معاذ بن جبل. فيُسْتَفَادُ من مجموع طرق الحديث أن المراد من "نجد" في رواية البخاري, ليس هو الإقليم المعروف اليوم بهذا الاسم، وإنما العراق، وبذلك فسَّره الإمام الخطَّابِيّ والحافظ بن حجر العسقلاني، وتجد كلامهما في ذلك في "شرح كتاب الفتن" من "صحيح البخاري" للحافظ. وقد تحقق ما أنبأ به ﵇، فإن كثيرًا من الفتن الكبرى كان مصدرها العراق، كالقتال بين سيدنا علي ومعاوية، وبين علي والخوارج، وبين علي وعائشة، وغيرها مما هو مذكور في كتب التاريخ؛ فالحديث من معجزاته ﷺ وأعلام نبوته. ومن ذلك تعلم أن الأستاذ/ صلاح الدين المُنجد, أخطأ في حشر هذا الحديث في الأحاديث الموضوعة في المقدمة, والله المُستعان.

стр. 25

الحديث التاسع: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ أنه قال: يا رسول الله! اكتب لي بلدًا أكون فيه، فلو أعلم أنك تبقى لم أختر على قربك. قال: "عليك بالشام "ثلاثًا". فلما رأي النَّبِيِّ ﷺ كراهيته للشام فقال: "هل تدرون ما يقول الله ؟ يقول: يا شامُ يا شامُ! يدي عليم يا شامُ, أنت صفوتي من بلادي، أُدخِلُ فيكِ خيرتي من عبادي، أنت سيفُ نقمتي، وسوطُ عذابي، أنت الأندرُ، وإليك المحشرُ. ورأيت ليلة أسرى بي عمودًا أبيض كأنه لؤلؤٌ تحملُه الملائكةُ, قلتُ: ما تحملون؟ قالوا: نحملُ عمودَ الإسلامِ، أُمرنا أن نضعَه بالشامِ.

стр. 26

وبينا أنا نائم رأيت كتابًا اخْتُلِسَ من تحت وسادتي، فظننت أن الله تخلَّى من أهل الأرض، فأتبعت بصري، فإذا هو نور ساطع بين يدي، حتى وُضِعَ بالشام، فمن أبى أن يلحق بالشام، فَلْيَلْحَقْ بِيَمَنِهِ، وَلْيَسْتَقِ مِنْ غُدُرِهِ، فإن الله قَدْ تكفَّل لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ". قلت: حديث صحيح دون قوله: "يا شام يا شام! يدي عليك يا شام! "، وقوله "أنت سيف نقمتي، وسوط عذابي، أنت الأندر"، فإن هذا القدر مما لم أقف عليه في غير هذا الحديث. وفي إسناده أبو عليّ خفيف بن عبد الله الغازي. وقد ذكره ابن عساكر في "تاريخه"، ولم يذكر فيه تعديلًا؛ فهو علة الحديث, وساق له هذا الحديث وحده من طريق المُصنف. ثم وجدت لخفيف هذا متابعين كما يأتي، فبرئت عهدته منه، وإنما علته صالح بن رستم أبو عبد السلام، وهو مولى بني هاشم في رواية المؤلف، وهو مجهول، وهو غير أبي عبد السلام الذي روى عن ثوبان على الصحيح؛ كما

стр. 27

قال الحافظ في "التقريب". وقد أورده الهيثميّ مفرقًا في موضعين "١٠/ ٥٨ و٥٨-٥٩"، وقال: "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، غير صالح بن رستم، وهو ثقة". فهذا من أوهامه؛ لأن ابن رستم هذا مجهول؛ كما عرفت آنفًا. وروى ابن عساكر "١/ ١٠١-١٠٢" منه قوله: "رأيت ليلة أسرى بي ... "، إلى قوله: "حتى وُضِعَ بالشام", وزاد: "فقال ابن حوالة: يَا رَسُولَ اللَّهِ! خِرْ لِي, فقال: عليك بالشام". وهي عند الطبراني. وعنه رواها ابن عساكر، قال: ثنا أحمد بن المعلَّى الدمشقيّ, عن هشام بن عمار, شيخ خفيف بن عبد الله، وأحمد هذا ثقة. ثم رواه ابن عساكر "١/ ٦٢" من طريق الطبراني أيضًا: نا أحمد بن المعلّى, وأحمد بن أنس بن مالك: نا

стр. 28

هشام بن عمار بسنده المذكور عند المؤلف إلى ابن حوالة.. الحديث بتمامه. وأما سائر الحديث فصحيح؛ لورود بعضه من طرق أربعة، وقد سبق ذكرها في الحديث الثاني. وقوله: "وإليك المحشر" معناه في الحديث الرابع. وقد رُوِيَ من حديث أبي أمامة عند الحاكم:٤/ ٥٠٩"، وصححه، وخُولِفَ، والطبراني، ومن حديث العرباض بن سارية, رواه الطبراني، ورواته ثقات؛ كما قال المنذري "٤/ ٦٢", والهيثمي "١٠/ ٥٩", ومن حديث ابن حوالة نفسه بلفظ: " ... عليك بالشام، فإنه خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده". رواه أبو داود وأحمد بسندٍ صحيح؛ كما تقدَّم في تخريج الحديث الثاني. ومن ذلك تعلم أن الحكم على الحديث بالوضع -كما فعل الشيخ الغماري في "المغير" "ص٦١-٦٢" لمجرد الضعف الماشر إليه في حديث أبي أمامة, لا يخفى بعده عن القواعد الحديثية، فإن مجيء الحديث من عدة طرق -ولو ضعيفة- يخرجه عن الوضع، فكيف وبعضها صحيح؟!

стр. 29

الحديث العاشر: عن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ لنا النَّبِيِّ ﷺ يومًا: "إني رأيتُ الملائكة في المنامِ أخذوا عمود الكتاب، فعمدوا به إلى الشام، فإذا وقعت الفتنُ فإن الإيمان بالشام". قلت: حديث صحيح، فإنه بمعنى حديث عبد الله بن عمر المتقدِّم وغيره. والحديث رواه ابن عساكر من طريق المُصنِّف، ودلَّت روايته على أنه قد سقط من إسناد الكتاب ثلاثة أشخاص: ريحان بن سعيد, نا عباد بن منصور عن أيوب، وذلك بين يحيى بن محمد بن السكن, وأبي قلابة. ثم رواه ابن عساكر من طريق أخرى عن ريحان بن سعيد به، ثم قال: "بشير هو ابن كعب". ورُوِيَ من وجهٍ آخر عن أيوب, عن أبي قلابة, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, من غير ذكر بشير، ثم ساقه من طريق معمر عن أيوب به.

стр. 30

الحديث الحادي عشر: عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَتَخْرُجُ نَارٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ من حَضْرَمَوْت تحشرُ الناس، قلنا: فماذا تأمرنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالشام". حديث صحيح، أخرجه أحمد "٢/ ٨ و٥٣ و٦٩ و٩٩ و١١٩", والترمذي في الفتن وصححه، وابن حبان في "صحيحه" ٢٣١٢. وإسناده عند أحمد صحيح على شرط الشيخين، وفيه التصريح بتحديث يحيى بن أبي كثير, وأبي قلابة الجرمي. وكذلك رواه ابن عساكر "١/ ٧٥ و٧٦ و٧٧", والفسوي "٢/ ٣٠٣".

стр. 31

الحديث الثاني عشر: عن ابن عباس ﵄ يرفعه، قال: قال رسول لله ﷺ : " مكة أية الشرف، والمدينة معدنُ الدين، والكوفة فسطاطُ الإسلام، والبصرة فخر العابدين، والشام معدن الأبرار، ومصر عشُّ إبليس وكهفه ومستقره، والسِّنْدُ مرادُ إبليس، والزنى في الزنج، والصدق في النوبة، والبحرين منزل مبارك، والجزيرة معدن الفتك، وأهل اليمن أفئدتهم رقيقة، ولا يعدوهم الرزق، والأئمة من قريش، وسادة الناس بنو هاشم". قلت: حديث منكر، تفرَّدَ بروايته المصنِّفُ عن شيخه أبي الحسن علي بن القاسم الطرسوسي، وقد ترجمه الخطيب في "تاريخه" "٧/ ٣٧٧"، وكذا ابن عساكر، ولم يذكرا فيه توثيقًا، فهو مجهول الحال، وكذا شيخه أبو علي الحسن بْن عبد الله بْن محمد الأزهري، فإني لم أجد له ترجمة. وأخرجه ابن عساكر "١/ ٢٨٢" من طريق المؤلف.

стр. 32

لكن بعض الجمل منه صحيح، فقوله: "وأهلُ اليمن أفئدتهم رقيقة". معناه في الصحيحين" وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أتاكم أهل اليمن؛ هم ألينُ قلوبًا، وأرقُّ أفئدةً ... " الحديث. وهو مخرَّجٌ في "الروض النضير" "١٠٣٤". وقوله: "الأئمة من قريش" صحيح أيضًا، جاء بهذا اللفظ من حديث أنس بن مالك عند أبي داود الطيالسي في "مسنده" "رقم ٢١٢٣"، وغيره بإسناد صحيح على شرط البخاري. وله طريقان آخران عنه في "مسند أحمد" و"المستدرك"، وصحح الحاكم أحدهما، ووافقه الذهبي. وجاء أيضًا من حديث أبي برزة الأسلميّ عند الطيالسي أيضًا "رقم ٩٢٨" وغيره، وسنده حسن. ومن حديث علي بن أبي طالب, عند الطبراني في "المعجم الصغير" "ص٨٥"، والحاكم "٤/ ٧٥، ٧٦"، وله.

стр. 33

شواهد أخرى كثيرة جدًّا؛ فقد قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "وقد جمعت طرقه في جزءٍ ضخم عن نحو أربعين صحابيًّا". وذكر في بعض مؤلفاته -ولعله "شرح النخبة" أنه حديث متواتر، وهو حريٌّ بذلك. وفيه رَدٌّ من لا يشترط القرشية في الخليفة من الشعوبيين وبعض الأحزاب الإسلامية.

стр. 34

الحديث الثالث عشر: عن بهز بن حيكم بن معاوية القشيري, عن أبيه, عن جده قَالَ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أين تأمرني؟ فقال: ها هنا، وأومأ بيده نحو الشامِ، قال: إنكم محشورون رجالًا وركبانًا، ومُجْرَون على وجوهِكم". حديث صحيح, وأخرجه أحمد "٥/ ٣ و٥"، والترمذي في "الفتن"، وفي "الزهد", والحاكم "٤/ ٥٦٤"، وابن عساكر "١/ ٨٢- ٨٦" من طرق عن بهز. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي.

стр. 35

الحديث الرابع عشر: عن أبي أمامة, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه تلا هذه الآية؛ قوله : ﴿وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ ١، ثم قال: "هل تدرون أين هي؟ قالوا: الله ورسوله أعلمُ, قال: هي بالشام، بأرض يقال لها: "الغوطةُ"، مدينة يُقالُ لها: "دمشقُ"؛ هي خيرُ مدن الشامِ". قلت: حديث ضعيف جدًّا، بل هو موضوع؛ لأنه من رواية مسلمة بن عليّ، وقد قال الحاكم فيه: "روى عن الأوزاعي والزبيد المناكير والموضوعات". والحديث عزاه السيوطي في "الدر المنثور" "٥/ ٨" لابن عساكر، وقال: "سنده ضعيف". قلت: وفيه تساهل لا يخفى على اللبيب؛ فإنه عند ابن عساكر "١/ ١٩٢" من طريق مسلمة أيضًا. لكن قد صحَّ من الحديث فضل دمشق من حديث أبي الدراداء، وهو الذي يليه.

стр. 36

الحديث الخامس عشر: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "فُسطاطُ١ المسلمين يوم الملحمةِ بـ"الغوطة"، إلى جانب مدينةٍ يُقال لها: "دمشق"؛ من خيرِ مدائنِ الشامِ". وفي رواية ثانية قال: سمعت النَّبِيِّ ﷺ يقول: "يومُ الملحمةِ الكبرى؛ فُسطاطُ المسلمين بأرضٍ يقالُ لها:"الغوطة"، فيها مدينةٌ يقالُ لها "دمشق"؛ خير منازِل المسلمين يومئذٍ". حديث صحيح, أخرجه أبو داود "٢/ ٢١٠"، والفسوي "٢/ ٢٩٠"، والحاكم "٤/ ٤٨٦"، وأحمد "٥/ ١٩٧"، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد", ووافقه الذهبي، وأقرَّه المنذريّ "٤/ ٦٣"، وهو كما قالوا. ورواه ابن عساكر "١/ ٢١٩-٢٢٢"، وروى عن يحيى بن معين أنه ليس في حديث الشاميين أصحّ من هذا الحديث في ملاحم الروم.

стр. 37

الحديث السادس عشر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أربعُ مدائنَ في الدنيا من الجنةِ: مكةُ، والمدينةُ، وبيتُ الْمَقْدِسِ، ودمشقُ، وأربعُ مَدَائِنٍ مِنْ مَدَائِنِ النَّارِ في الدنيا، روميةُ، وقسطنطينيةُ, وصنعاءُ، وأنطاكيةُ". قلت: حديث موضوع، في إسناده الوليد بن محمد الموقري، قال ابن حبان وغيره: "روى عن الزهريّ أشياء موضوعه لم يروها الزهري قط". قلت: وهذا من روايته عن الزهري، وقد أورده ابن

стр. 38

الجوزي في "الموضوعات" "٢/ ٥١"، فأصاب كما قال الشوكاني في "الفوائد المجموعة" "ص ١٥٨"، وقال ابن الجوزي: "لا أصل له، الوليد كذاب". قال السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" "١/ ٢٣٨": "قلت: قال ابن عدي: هذا منكر؛ لا يَرْوِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ غَيْرُ الْمُوَقَّرِيُّ". ثم ذكر أنه رُوِيَ عن غير الموقري، وأن ابن عساكر قال: "إنه غريب، والمحفوظ حديث الموقري". قلت: وفي إسناد هذا الوجه من لا يعرف، فمثله لا يزيد الحديث إلّا وهنًا على وهن، وهو عند ابن عساكر من الوجهين "١/ ٢٠٩-٢١٠".

стр. 39

الحديث السابع عشر: عن الحسن بن يحيى الخُشَني أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "ليلةَ أُسْرِيَ بي صُلِّيَ في موضع مسجد دمشق". قلت: حديث ضعيف معضل؛ لأن الخشني هذا ليس بصحابيّ، ولا تابعيّ، فإنه مات بعد التسعين والمائة، كما قال الحافظ في "التقريب"، ولذلك قال ابن عساكر في "تاريخه" بعد أن ساقه: "وهذا منقطع". وفيه علة أخرى، وهو أن الخشنيّ كثير الخطأ، وساق له الذهبي في "الميزان" أحاديث منكرات، قال ابن حبان في بعضها: "باطل موضوع". وأورده ابن الجوزيّ في "الموضوعات"، فلا يبعد أن يكون هذا منها, والله أعلم. "تنبيه": نص الحديث في ابن عساكر: "أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ ليلة أُسْرِيَ به صُلِّيَ في موضع مسجد "دمشق". وهذا مغاير -كما ترى- لنص الكتاب, والظاهر أن فيه تحريفًا.

стр. 40

الحديث الثامن عشر: عن واثلة بن الأسقع ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "ستكون دمشقُ في آخر الزمان أكثرَ المدنِ أهلًا، وهي تكونُ لأهلها معقلًا، وأكثرَ أبدالًا، وأكثر مساجد، وأكثرَ زهّادًا، وأكثر مالًا، وأكثر رجالًا، وأقلَّ كفارًا، ألا وإن مصر أكثرُ المدن فراعنة, وأكثر كفورًا، وأكثرُ ظلمًا، وأكثرُ رياءً، وفجورًا، وسحرًا، وشرًّا، فإذا عمرت أكنافُها بعث الله عليهم الخليفة الزائد البينانِ، والأعور الشيطان، والأخرم الغضبانَ، فويلُ لأهلهِا من أتباعهِ وأشياعهِ، ثم قرأ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ ١، فإذا قُتِلَ ذلك
следующие страницы →